hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    مقالات الشيخ الدكتور عبد الرزاق مقرى

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مقالات الشيخ الدكتور عبد الرزاق مقرى

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 17:51



    الثورات العربية و الخصوصية الجزائرية ..




    د / عبد الرزاق مقري



    منذ أن اندلعت الثورات العربية والسؤال يتكرر ألف مرة لدى الكثيرين، هل ستصيب هذه التحولاتُ الجذريةُ الجزائرَ أم لا؟ ولبحث هذا الموضوع لا بد من التوقف عند الأسباب العامة التي ساهمت في قلب الأوضاع في هذه المنطقة من العالم التي يئس بشأنها كثير من المهتمين بأمور السياسة والحكم في السنوات الأخيرة من إمكانية إصلاحها وتغيير الأوضاع فيها. ثم يجدر بنا أن نبحث لهذا الغرض عن أوجه التشابه والتقارب مع الشأن الجزائري ثم عن خصوصيات هذا البلد ثم عن ديناميكية العناصر المشكلة للوضع لمحاولة فهم طبيعة التطور في المدى المنظور.


    يعلم الجميع بأن الشرارة الأولى لكل هذا الحراك انطلقت من تونس ثم امتد الفتيل المشتعل إلى مصر فوجد فيها برميلا عظيما من البارود يتهيّأ للانفجار. وحينما نجحت ثورة 25 يناير في إسقاط مبارك زُلزلت عروش الأنظمة العربية كلها وتشققت سقوفها فصارت في حالة من الهلع والإرباك عجلت بانتقال ارتدادات الزلزال من بلد إلى آخر. ولو تتبعنا تفاصيل الأسباب المباشرة لهذه الأحداث لقدرنا على تنقيح المناط، كما يقول الأصوليون، وتخليصه من شبهة المؤامرة الداخلية أو الخارجية، إذ لا يتصور أن أحدا أمر البوعزيزي مثلا أن يحرق نفسه أو أن قوى خفية أوحت للقذافي أو صالح أو لمحافظ درعا وزبانية سيدي جابر بالإسكندرية أن يهينوا كرامة مواطنيهم ويسفكوا دماءهم حتى يثور الناس عليهم. كما أن لا أحد يستوعب أن هذه الجرائم التي اقترفها الحكام وأعوانهم هي وحدها المفسرة للشجاعة والنجدة الشعبية الحديثة في مواجهة ظلم سُلطانيٍّ قديم.

    إن الأسباب الحقيقية لصراخ الشعوب قائمة منذ القدم وهي متشابهة من طنجة إلى عدن، غير أن الذي أطلق المارد من عقاله هو علم الناس بأن صُداحهم صار يبلغ الآفاق، وأن قتل المعارضين لم يعد ممكنا إخفاؤه وبقاؤه بلا عقاب. فالذي يجب العناية به إذن هو استحضار الأسباب الداخلية العميقة التي دفعت للثورة والتي يمكن حصرها في ثلاثة أسباب متواجدة في كل بلد عربي بدرجات متفاوتة، وهي الفشل في تحقيق التنمية والتوزيع العادل للثروة، وانتشار الفساد في كل مفاصل الحكم، وغلق مجال الحريات واستحالة تغيير الأوضاع بواسطة الصندوق

    إن هذه الأدواء كلها موجودة في الجزائر، منها ما هو أكثر ومنها ما هو أقل. فالفشل في تحقيق التنمية ثابت لا ينكره أحد. فرغم إنفاق أموال طائلة على التنمية، تصلح لنهضة قارة بكاملها وليس وطن واحد، بقيت الجزائر بلدا عاطلا عن الإنتاج لا يعيش إلا على الريوع، مأكلُ أهلِه ودواؤُهم ومسكنُهم وطرقُهم وغيرُها إنما هي ممّا وهبه الله له من المحروقات، لم تأت به عبقرية هذا الحاكم أو ذاك، ولو توقفت هذه النعمة أو تعثرت لوُجدت صعوبةٌ جمة في دفع أجور العمال بله أن ترفع أجورهم. وأما عن الفساد فلو اعتبرنا ما تنشره وسائل الإعلام الوطنية فقط لأدهشتنا حال هذا الوطن كيف صار عرضة لكل من له سلطة وجاه، فإذا سمعنا وصدّقنا القصص التي يحكيها سرا من عايشوا الفساد وعرفوا أباطرته، فإن اليأس يأكل أحشاءنا ويقضي على آمالنا لولا الثقة بالله وحفظه لهذا الوطن، ويكفينا خجلا وخوفا من خطورة الفساد على استقرار البلاد المرتبة التي عليها الجزائر في تقرير منظمة الشفافية الدولية، حيث وضعتنا قريبا من الصومال وميانمار! وأما عن الديموقراطية وهوامش الحرية التي يتغنّى بها من يحسن الظن بالحكام فإنها ديموقراطية بلا أفق وهوامش عقيمة لا تلد، حيث إن المقصود بالديموقراطية هي فرصة التداول على الحكم بين مختلف القوى والألوان السياسية، وليس تدويره من داخل الخزانة الواحدة، أو "تلقيمه" قصد إدامته وتزيينه، كما أن الديموقراطية هي إمكانية محاسبة الحاكم واستبداله بالإرادة الشعبية إذا فسد أو عجز، وهذا أمر غير متاح في هذا البلد الذي لم يتغير فيه نظام الحكم منذ خمسين سنة رغم الإخفاقات والفضائح المتتالية، فلو كنا في بلد فيه حرية وديموقراطية حقا لتغيرت المعطيات الانتخابية والموازين السياسية ولو لمرة واحدة بعد هذا الزمن الطويل من الحكم، أو بعد الفضائح الكبيرة والعديدة التي عرفها الوطن والتي يكفي لفضيحة "الخليفة" وحدها مثلا أن تزلزل أكثر العروش عتوّا وصلابة

    لا يوجد إذن ما يجعل الجزائر متميزة عن غيرها من الدول العربية الأخرى في حديثنا عن أسباب هبوب رياح التغيير. غير أن ثمة مكابح خاصة تمنع من انطلاق هبّات التبديل في هذا البلد، مكابح يعرفها نظام الحكم ويستغلها أحسن استغلال في إدامة أمره وتأجيل حتفه، وأول هذه الخصوصيات هي حالة التخدير الذهني التي أصابت عقول الجزائريين الذين عاشوا فتنة التسعينيات ورأى كثير منهم جريان الدماء وتبعثر الأشلاء في الطرقات، فهم لا يريدون العودة إلى هذا المآل مهما حملت لهم قصص الجيران من آمال، قد أصابهم الخوف والهلع من أية دعوة جادة مهما كانت نبيلة وسلمية لمعارضة الحكام. ثم ثمة خصوصية ثانية وهي قدرة نظام الحكم على شراء السلم ومواجهة الاضطرابات الاجتماعية في مختلف المؤسسات والولايات بواسطة الثروة المالية الكبيرة التي في خزنته، وأما خصوصيته الثالثة فهي البيئة السياسية التي صنعها باقتدار، حيث لم يترك في هذا البلد جهة معينة تقول أنا هو النظام وأنا هو المسؤول عن هذا الوطن تتجه إليه الأصابع وربما الحشود إذا أرادت التغيير. ومع هذا أغلق اللعبة كلها بالتحكم الكامل في الوسائط المجتمعية من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام، ثم منح للجميع هامشا من الحرية يقول فيه من أراد أن يقول ما يقول ولكنه يفعل هو ما يريد.

    يخطئ من يعتقد بأن هذه الكوابح سيطول فعلها أمدا طويلا، فالثروة المالية البترولية التي هي أهم هذه الكوابح معرضة للتوقف عن العمل ليس بسبب أنها ثروة غير متجددة في المدى المتوسط كما هو معلوم لدى الجميع، ولكن لأنها مع ذلك ذات قيمة نسبية مهددة في أي لحظة من اللحظات بسبب خطورة الأزمات الاقتصادية العالمية وما يتعلق بتراجع الدولار وأثره على المداخيل الجزائرية ونسب التضخم العالمية وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق الخارجية وتزايد فاتورة الاستيراد المطردة علاوة على ما لا نعلمه عن المخاطر التي تهدد السندات الجزائرية المودعة بلا شفافية في البنوك الأمريكية وأثر النهب والفساد والتبذير على الاقتصاد الوطني والفشل في مجال الاستثمار وبناء المؤسسات الاقتصادية المنتجة التي وحدها توفر مناصب شغل حقيقية ودائمة وتساعد على التوزيع العادل للثروة. أما عن كابح التخدير الذهني فإن الزمن سيتلفه بكل تأكيد لأن الشباب القادم لم يعش أحداث المأساة الوطنية ولا يعرفها، ولن يفهمنا أبدا حينما ندعوه للصبر على الفساد والفشل خوفا مما عشناه نحن ولم يعشه هو. وأما عن هوامش الحرية والديموقراطية وتحكم النظام الحاكم في المجتمع المدني والطبقة السياسية فإن الأمر لن يدوم لأن جيلا جديدا من السياسيين والناشطين الاجتماعيين والمفكرين والمثقفين سيظهر متأثرا بما سيراه من تطور سياسي واجتماعي وفكري حقيقي سيقع لا محالة في بلاد عربية أخرى في السنوات القليلة المقبلة، ولن يُصبح ممكنا إقناع هذا الجيل عندئذ بما يُحكى لنا من أن الجزائر أفضل من البلاد العربية الأخرى في الحرية والديموقراطية.




    المصدر : يومية الشروق الجزائرية - 27/9/2011

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    كرة القدم والأزمة الجزائرية المصرية .. الجوانب السياسية والنفسية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 17:54

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 30 - 11 - 2009

    كم هي ممتعة كرة القدم، وكم هي مثيرة وكم هي أخاذة للألباب والعقول.. لا يجادل في ذلك أحد ولا يكابر فيه إنسان، وليس من المبالغة القول بأنه لا يوجد شيء غيرها يجمع الناس مثلها هذه الأيام..
    *
    شيوخ وأطفال وشباب، ونساء ورجال، وفقراء وأغنياء، ومثقفون وأميون كلهم في الهم سواء تجاهها، يحبوها وينجذبون إليها وكثير منهم يوقف أعماله من أجلها وبعضهم يحب ويبغض من أجلها ويخاصم ويوالي بحسبها وتضطرب أحواله وتتقطع أنفاسه أثناء متابعتها. لا شك أن في هذه اللعبة فرجة وتسلية ومتعة أصلها مباح، وما أجمل هذه المتعة حينما ترتبط بمظاهر ذات قيم مثل رفع مناصري الفريق الوطني الجزائري لرايات فلسطين في مدرجات ملعب المريخ بالسودان وتلك اللقطة الخالدة التي قام بها بوتريكة المصري في إحدى مباراته للفت نظر العالم إلى العدوان الصهيوني على غزة بعد أن سجل هدفا رائعا، ورفع الأيادي للسماء بالدعاء والتضرع قبل المقابلة من قبل اللاعبين والمشجعين من البلدين الشقيقين، والسجود الجماعي للاعبين المصريين بعد فوزهم في مصر على أشقائهم الجزائريين، وإرجاع الفوز إلى الله سبحانه بعد حصوله كما فعل سعدان وروراوة وصايفي وكما فعل عنتر يحيى وهو يمسك بقوة على المصحف الشريف لدى عودته مع زملائه للوطن بعد التأهل لتصفيات كأس العالم وإهدائهم هذا التأهل لفلسطين عبر وسائل الإعلام، وإظهار الرضا بقضاء الله وقدره عند كثير من مشجعي الفريق المصري بعد خسارتهم... ألا يدل كل هذا على مخزون إيماني كبير في نفوس الشعوب العربية والإسلامية وتعلق أكيد بقضاياهم وعلى رأسها قضية فلسطين. كما أن التنافس الذي أظهرته الجماهير في إظهار النزعة الوطنية في مختلف الربوع الجزائرية والمصرية بمناسبة هذه المقابلة المثيرة برفع الأعلام وترديد الأناشيد والأغاني الوطنية يُدخل السرور على القلب ويزرع البهجة والحماسة في النفس ويٌطمئن على تمسك الناس بأوطانهم وخصوصا الشباب منهم، على الرغم من الحرمان والتهميش الذي يعانونه، أليس هذا كذلك أمارة على مدى استعداد هؤلاء الشباب للبذل والعطاء لو توفرت لهم القيادة الراشدة التي تشحذ هممهم على هذا النحو في مختلف دروب النمو والتطور.
    *
    *
    شوفينية تحرق الأخضر واليابس
    *
    *
    ما أروع هذه المقابلة وما أبدعها لو اقتصرت على هذه الصورة الجميلة الممتعة، فما الذي عكر الأجواء؟ وما الذي حدث لكي تتحول مقابلة في كرة القدم إلى ملحمة تاريخية أزَّمت العلاقات بين دولتين شقيقتين ونشرت العداوة بين شعبين تجمعهم أخوة الدين وأواصر العروبة ووشائج التاريخ وروابط المصير المشترك؟ من أذن بقرع طبول المواجهة في الفضائيات المصرية منذ المقابلة الأولى بين الفريقين على أرض الجزائر؟ ما سر الاعتداء على حافلة اللاعبين الجزائريين في مصر؟ ألم يكن كافيا أن تتحمل السلطات المصرية مسؤوليتها وتعلن على الأقل بأنها ستجري تحقيقا في الموضوع لتهدئة الأوضاع بدل استفزاز ضيوفها بأنهم هم من فعلوا ذلك بأنفسهم رغم شهادات الصحافيين الأجانب بصحة وخطورة الواقعة؟ ثم كيف تحولت الوطنية في البلدين إلى شوفينية تقضي بإلحاق كل المفاخر للذات الوطنية وإلصاق كل أنواع النقائص للوطن الآخر؟ ما ذنب المصريين المقيمين في الجزائر وما ذنب الجزائريين المقيمين في مصر لكي يخافوا ويُرعَّبوا؟ هل حوّلت كرة القدم مفهوم صراع "الڤلادياتورس" في الحلبات والمسارح الرومانية قديما حيث كان "الڤلادياتورس" يقتل بعضهم بعضا تحت تصفيقات جمهور متعطش للدم والجريمة فأصبحنا نرى اليوم لاعبين يلعبون بكل روح رياضية في الملعب والمناصرون من حولهم وبعيدا عنهم يتقاتلون من أجلهم؟ ما حقيقة ما جرى في السودان بعد المقابلة الفاصلة وما دليل ما يُنقل ويُقال؟ وما الذي يفسر تلك الهستيرية التي أصابت الإعلام المصري بشتم كل الجزائريين دون استثناء والطعن في تاريخهم وأصولهم وانتمائهم بشكل يجعل أعقل العقلاء من الجزائريين يُستفز ويتعكر ميزاجه، وإن قدر على كظم غيظه لا يكاد يجد حيلة لتهدئة مواطن آخر بجنبه غاضب وثائر لفداحة ما قيل؟ ألم يكن مناسبا لبعض الجرائد الجزائرية كذلك أن تأخذ القدوة من الفضائيات الوطنية فلا ترد على الاستفزاز وتتألق بالرزانة والدعوة للتعقل؟ ثم الأغرب من هذا كله ما دخل أبناء الرئيس المصري والمسؤولين المصريين في هذه المعركة الكروية والشتائم الشعبوية التي يقترفها البسطاء من الناس في أي مواجهة رياضية في أي مكان في العالم؟ ألم يكن الأفضل أن تٌحرك القنوات الدبلوماسية الهادئة والحميمية للتفاهم وتوقيف المزالق بدل استدعاء السفراء والتهديد بقطع العلاقات وتوقيف الاستثمارات؟ هل الأمر يتطلب حقا كل هذا العناء؟ ثم ما أسوأ أن يضحك علينا الكيان الصهيوني بعد كل هذا فيدعوننا للتعقل وضبط النفس!
    *
    *
    آثار قد تدوم طويلا
    *
    *
    إن العداوة والبغضاء بين مصر والجزائر شأن عربي وإسلامي خطير يستفيد منه كل أعداء الأمة وعلى رأسهم كيان إسرائيل، فمصر هي مصر وما أدراك ما مصر، والجزائر هي الجزائر وما أدراك ما الجزائر بما يملكان من تاريخ مشرف ومقدرات بشرية ومادية وعسكرية وجيوستراتيجية وخبرات وعلاقات دولية وعراقة حضارية وثقافية ثبتت في أسوأ الأحوال وأصعب الظروف، وشعبين مؤمنين متمسكين بأصالتهما رغم اختلاف الخصائص الفطرية القابلة للتكامل، والفضل بينهما متبادل مهما كفرتها شحنات الشوفينية والحبائك التآمرية. فلندع شأن الساسة والرؤساء والحكام وتجار الفتنة والصدام ولنُقر بأن هذه هي الحقائق التي يَشرفُ بها الشعبان والتي لا ينكرها إلا جاحد أو مدعي أو متآمر، إن التعاون والتقارب بين مصر والجزائر فيه الخير كل الخير للشعبين وللأمة العربية والإسلامية إن غلب العقل وحكم الرشد وساس الصدق وساد النبل.
    *
    لا يمكن بعد كل هذا أن نفسر ما حدث تفسيرا بسيطا ونطوي الصفحة وننسى ما كان ولا نأبه بما سيكون من آثار سلبية قد تستمر سنوات طويلة بين الشعبين إن لم نفهم ما جرى ونستوعب عمق المأساة العربية فتنتفض النفوس الأبية في البلدين لتوقف تيار العداوة والشقاوة فورا، ثم تلتفت لإصلاح الأسباب الحقيقية لهذه المهازل التي سرقت منا حق التمتع بمقابلة عادية في كرة القدم في إطار المحبة والبهجة والسرور وأدخلتنا في أتون حرب داحس أخرى وغبراء.
    *
    إن الخلفيات والدلالات التي تفسر هذا الوضع كثيرة ومتنوعة ومتداخلة يساعد تفكيكها على إدراك وجوب التحرك السريع والجاد والدائم لترميم ليس العلاقات الجزائرية المصرية فحسب بل لإصلاح وضع أمةٍ بكاملها، إن صلُحت وتصالحت أدركت مجدها المسلوب وأنعمت أهلها المنهوب ولفرح شعبها عندئذ بمتع الرياضة وغيرها بلا أهوال ولا خطوب.
    *
    لا أريد أن أتوقف في محاولة فهم هذه الخلفيات والدلالات عند مظاهر العنف التي تقع في المدرجات وحول الملاعب، والمشادّات التي تحدث بين الصحفيين والمشجعين قبل وبعد المواجهات الكروية، فهذه الأشياء تقع بين فرق محلية مصرية وجزائرية وأوربية وأمريكية ويحدث فيها من التدمير بل أحيانا القتل ما لم يقع بحمد الله في المواجهة بين مصر والجزائر.
    *
    إن هذه المواجهة ما كان لها أن تخرج عن نطاقها العادي لو لا تداخل عوامل سياسية ونفسية نذكرها في ما يلي:
    *
    العامل السياسي
    *
    *
    لا أستطيع أن أستبعد أن النظام الجزائري استغل هذه المقابلة لتهدئة الجبهة الاجتماعية المتأزمة في المجمل ولكسب تعاطف جماهيري واسع بتسهيل نقل المشجعين للسودان واستقبال تاريخي للاعبين عند عودتهم فائزين (دون أن أنكر البعد الوطني المصاحب الموجود بالفطرة في قلب كل مواطن حاكم أو محكوم مصريا كان أم جزائريا)، غير أن إدارة السلطات الجزائرية لهذا التوظيف تميزت بذكاء كبير ورزانة وتحفظ تفوقت فيها على السلطات المصرية علاوة على أن لا أحد من الملاحظين السياسيين في الجزائر يؤمن بأن هذه الفرصة الرياضية تمثل تحديا سياسيا كبيرا للنظام الجزائري إذ لا تضغط عليه استحقاقات سياسية قريبة و هو يملك وفرة مالية كافية لشراء السلم الاجتماعي إلى حين، خلافا للنظام المصري أو جزء منه الذي تورط بشكل مباشر برموزه ووزرائه ودبلوماسيته وإعلامه ونخبه على نحو سافر وعنيف دل لدى كثير من الملاحظين السياسيين في مصر نفسها على أن استغلال هذه الفرصة الكروية مثلت له مناسبة كبيرة لخدمة نفسه وتخفيف ضغط شديد يعانيه بتجميل صورة مشروع التوريث ولإطالة زمن الإلهاء الجماهيري بواسطة التشويق والتصعيد وقرع طبول الحروب الوهمية وخلق الأعداء الجدد باستعمال وسائل الإعلام الثقيلة التابعة له، الخاصة منها والعمومية، في ظل حالات التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الكبيرة التي تتفشى أكثر فأكثر في الشارع المصري وتحت الضغط المتصاعد من قوى المعارضة الرافضة كلها لمشروع تمليك الجمهورية المصرية للأسرة المباركية. ولو قٌدر لهذا للنظام المصري أن افتك الفوز من المنتخب الجزائري لانفتحت أمامه فترة طويلة مليئة بالتهريج الكروي من كأس افريقيا في يناير 2010 إلى كأس العالم في يونيو 2010 وقد تكون هذه الفترة وما يصاحبها من صخب مُلهي كافية لتمرير مشاريع لا يراد للشعب المصري أن يهتم بها، مما يدل على فقدان التوازن والتركيز الذي أصابه بعد انقلاب الآية وتَغُير الظروف ورجوع الجمهور المصري محبطا أمام الهزيمة ربما غير المتوقعة وأمام مفاجأة كثافة الجمهور الجزائري التي أظهرت للمشجعين المصريين أن السلطات الجزائرية كانت أكثر جدية في دعم فريقها.
    *
    إن التخبط في هذه الحسابات السياسية الصغيرة على مستوى الحكام والانخراط الشامل واللامعقول من قبل شرائح المجتمع المختلفة في هذا التوتر والتهريج في البلدين يدل على اضطراب المنظومة القيادية في الأمة وغياب المشروع السياسي وانحصار الرؤية الحضارية المستقبلية. لو توفر في هذه الأزمة طبقة قيادية مناسبة لقدرت على وضع الأمور في نصابها، ولأمسكت بزمام العواطف، ولأفلحت في توجيه الجماهير نحو الأهم والأفضل والأنفع، ولسدت الطريق على المغامرين والمتاجرين قبل استفحال العداوة، ولبادرت على الفور لإصلاح ما اضطرب، بهدوء وروية، بدل الانسياق وراء إرضاء الجماهير وكأن الجماهير المهيَّجة هي التي تقود وهي التي تضع المعايير. ولو كان في مجتمعاتنا مشروع سياسي يحرك الناس في مختلف دروب التنمية والتعلم والتحضر والتقدم، ويُشغًّل الطاقات الكامنة في ما يَبني ويُؤسس ويُعلي ويُشيِّد لما وجد هؤلاء الناس الوقت لهذا التهويل الطويل العريض، ولأبت نفوسهم استهلاك كل تلك الطاقة حول مباراة في كرة القدم. ولو كانت منظومات بلداننا تنطوي على رؤى حضارية مستقبلية لكانت النفوس أهدأ ولكانت أشواق الناس وآمالهم وطموحاتهم وتطلعاتهم أعلى مستوى مما رأينا في هذا المعترك، ولأدركت عقولهم الميزان، ولنطقت ألسنهم بالصواب ولو ضد النفس والعشيرة. ولنا في الفرنسيين والإرلنديين أسوة إذ خسر الإرلنديون التأهل لكأس العالم بهدف خاطئ من اللاعب الفرنسي تييري هنري فاكتفوا بالاحتجاج السلمي الهادئ ولم يقيموا الدنيا ويقعدوها وتركوا الفرنسيين تقرع ضمائرَهم أصواتُ النخب الفرنسية المختلفة نفسها حيث لم تتقبل التأهل بطريقة مغشوشة. ذلك هو حال المجتمعات المستقرة المنشغلة بما ينفعها والتي يقودها من يعرف مصالحها ويضمن مستقبلها.
    *
    *
    العامل النفسي
    *
    *
    أدى الاستغلال السياسي للمباراة ورفع سقف التحدي للآخر وشحن الجماهير بكل أنواع الشحن المعنوي الذي أٌدخل فيه التاريخ والانتماء والعلاقات القديمة إلى تحويل المقابلة إلى قضية شرف في كلي البلدين تحت مسمع ومرأى العالم بأسره، فقفزت النرجسية والعصبية والشوفينية على قلوب وعقول الجميع ولم يصبح أحد من المصريين أو الجزائريين يتحمل الخسارة مهما كان الأمر فاستعيرت وسائل حشد متطورة تقارب أساليب التعبئة العسكرية ووضع الناس جميعا على محك الوفاء للوطنية ضمن قالب واحد لا يسمح لأحد أن يقول فيه قولا مخالفا ولو كانت حكمة بالغة. ولكن الذي كان خافيا على الطرفين أن كثيرا من الحالات النفسية التي ظهرت في الخطاب المستعمل لإظهار العظمة والأفضلية على الغير تٌعبر عن حالات مرضية تتميز بها الأنظمة الفاشلة التي تغطي عجزها على إسعاد شعوبها كل يوم بما تحققه لهم من تنمية وكرامة وحرية وعزة ومنعة بانتصارات كروية وهمية تُغلف بغلاف الوطنية والاستعلاء الحضاري والتاريخي فتسقط الشعوب التي توالت عليها الهزائم في التعلق بأي نصر موهوم و لو كان كرة جلدية.
    *
    إن لمصر من المآثر والمفاخر ما يجعلها تفخر ولا شك، ولكن من يضيف للمجد مجدا هو من يحق له أن يَشرُف بالمجد، ومن يسمو بالتواضع هو الأهل لكل مجد. ولكن للأسف الشديد عقدة الشعور بالعظمة في الجانب المصري أعمى الأبصار في تقييم الذات والحكم العادل على الآخرين، لم تترك هذه الحالة النفسية المسيطرة مجالا لكثير من النخب المصرية ليعرفوا أين هي مصر الآن بعد الأمس، ولم ينتبهوا أن لا أحد في العالم العربي صار يتحمل هذه الحالة الاستعلائية، وأن كثيرا في الشعوب العربية أضحى لا يطيق مطالب المصريين بالصدارة على العرب. إن الأرهط النافذة اليوم في مصر هي من ضيعت مجد مصر وتاريخها وموقعها، فهي التي قادت الجيوش العربية لهزيمة 1967 وهي نفسها التي باعت انتصار العرب في 1973 قي كمب ديفيد، وهي من تحاصر غزة وهي من تتآمر على المقاومة في لبنان وفلسطين. إن هذا الجيل من الحكام هو الذي، رغم مقدرات بلاده الكبرى، لا يزال يطأطئ رأسه كل سنة ليأخذ المساعدات الأمريكية المكبلة لإرادته، وفي نفس الوقت يجرجر الأشراف للسجون والمعتقلات في أرض الكنانة، أين هذا الجيل من تلك الأجيال الغابرة التي صنعت الحضارة والأمجاد المصرية، كيف يحق لأرهط اليوم أن يستصحبوا في إعلامهم ذكر الأمجاد... وهل نفعهم ذلك في تجييش العرب وراءهم في هذه المعركة الوهمية... إنه لم ينفعهم في شيء.. بل زادت العرب عنهم بعدا... حتى صار كثير من العرب في المشرق والمغرب يشجع الفريق الجزائري ليس مع الجزائر ربما ولكن ضد مصر بكل تأكيد..... هكذا قالها كثير من العرب بكل صراحة.
    *
    *
    لعب بالنار
    *
    *
    إن الخطأ الفادح الذي وقع فيه المصريون المشتركون في هذه الواقعة البائسة أنهم تورطوا في تحريك عقدة نفسية جزائرية بالغة الخطورة جعلت هؤلاء الجزائريين يذهبون للسودان في حالة استنفار قصوى وكأنهم جوارح مجروحة يممت شطر أرض بها حرب قائمة، والحمد لله أن دفع الله بالقليل الذي حدث ما كان أعظم.
    *
    إن الشعب الجزائري شعب أبيٌّ يعطيك بالحسنى ما لا يعطيه غيرُه، ويُنجدك في العسرة ولو على حساب نفسه، فإذا ما أشعرته بالإهانة ونكران فضله، شطّ في الفعل بخصمه، ولو في ذلك كذلك حتفه. إن هذه الحالة النفسية الجزائرية قديمة غائرة في القدم صنعتها أحداث التاريخ المتتالية فهو ذلك الشعب الذي أنبته الله في أرض ذات خيرات عامرة وموقع محسود من كل القوى الطامعة، فاضطر للدفاع على نفسه ضد الوندال والرومان والفراعنه، فقاومهم جميعا ولم يرض لغريب أن يستقر في أرضه حتى لاحت أعلام الإسلام الهادية، فقبلها بنفس راضية، وسار معها بعيدا لفتح الأندلس وبناء دول وحضارة زاهية. ولما هددت الفرنجة سواحله استعان بإخوة له في الدين من الدولة العثمانية، وسيطر معهم على البحر المتوسط لسنوات طويلة متتالية، حتى دالت الدالة ودارت الدائرة وتمكن الفرنسيون من الجزائر فحاولوا إلحاقها بأوربا وسلخها عن دينها ولغتها وحضارتها فاصطدموا بمقاومة تلو المقاومة، أبلى فيها الشعب الجزائري البلاء العظيم وقدم التضحيات الجسام حتى حفظ لغته وهويته وبها استرجع سيادته ضمن ثورة تحريرية كبرى قدم فيها مليونا ونص مليون من الشهداء دفعت به لمصاف الشعوب العظيمة بكل استحقاق وصارت الجزائر قبلة الثوار وقدوة المقاومين ورمز النجدة والإباء وصار لهذا المسار أعمق الأثر في نفس كل جزائري إذ لا يقبل الظلم ولا المهانة ولا الاحتقار ولو كان من أقرب الأقربين وصارت له ثقافة ومصطلحات خاصة به في هذا المجال ومنها كلمة "الحڤرة" وكلمة "النيف" وكلمة "الرجلة" وغيرها من العبارات التي لا تجدها إلا في القاموس الجزائري.
    *
    ولكن إلى متى يستمر الاستجداء بهذه الحالة النفسية للتّقوي على الفعل، وهل لا يُطلب الفعل إلا في حالة الشعور بالظلم، وهل يكفي التغني بخصال المقاومة وأمجاد الثورة لتحقيق الوحدة والالتحام أبدا، وإلى متى سيظل هذا العقار نافعا في تسكين الأوجاع المزمنة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ألم يصبح عدد كبير من الشباب لا يقبل هذا، وهل غاية تضحيات الأجيال السابقة طوال الثورات المتتالية أن يتغنى بها الناس ويفتخروا بها فحسب، ألم تكن تمثل مشروعا حضاريا كبيرا، ألم ينص بيان أول نوفمبر على أن الهدف من الثورة هو بناء دولة ديموقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية ثم لتحقيق الوحدة المغاربية فالعربية، أين نحن من ذلك كله، هل يعقل لدولة كالجزائر لها هذا الزخم المعنوي العظيم وحباها الله بخيرات طبيعية هائلة أن تفشل في قيادة شعبها قيادة راشدة لتحقيق التنمية الشاملة والرفاه الاجتماعي في ظل الكرامة والحرية وأن تبق تعيش على ريع المحروقات إلى حد تجاوز الخامسة والتسعين في المائة بما يهدد الأجيال المستقبلية وربما الأجيال الحالية إذا ما حدثت اهتزازات اقتصادية كبرى لا يصبح البترول والغاز يساويان فيها شيء. ألا يصح لنا أمام هذا الوضع أن نسكت قليلا وأن لا نتعال على غيرنا بدماء شهدائنا، وأن نترك أرواح الشهداء تستريح ونشتغل نحن بإقامة مجد نصنعه بأنفسها... فإن أفلحنا سيفرح الشهداء بنا إذ هم يسمعوننا.. فهم أحياء عند ربهم يرزقون...


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    المواجهة الكروية بين مصر والجزائر مجددا: فرصة للمصالحة..!

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 17:55

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 27 - 01 - 2010

    يُحكى أن قبيلتين كبيرتين تنتميان إلى بطن واحد من بطون العرب قديما كان بينهما تغاير دائم، ولكن هذا التغاير الطبيعي بين الأنداد لم يقطع يوما وشائج القرابة والتواد ولم ينس تآزرا جعله الأجداد نهجا ضد نوائب الدهر ومطامع الغازي، حتى صارا - كلاهما - ضمانة لوجود وحصانة غيرهما من القبائل الأخرى من بني عمومتهما...
    *
    ولكن ذات يوم مشين سيئ الطالع اندلعت بينهما حرب ضروس شارك فيها الرجال والنساء والشيوخ والشباب والأطفال حتى كاد قش خيامهم وشعرها ووبرها ينطق فيقول ها أنا للكريهة قادم، لم يكن السبب المباشر لهذه الحرب عديمة الشرف أمرا ذا بال إذ لم تغز قبيلة منهما أخرى ولم يقم أحد من هذه القبيلة بقتل آخر من تلك مما يستوجب الرد أو الثأر في الحالتين كما كان حال العرب قبل الإسلام. كما لم تحاول إحدى القبيلتين منازعة الأخرى في السبق لمحمدة كبيرة كتوحيد القبائل الأخرى مثلا لتكوين مجد عربي كبير بين الأمم أو تكوين تحالف الفضول ضد فساد أو خيانة استشرت بين القبائل مما أثار القبيلة التي لم تبادر فافتعلت الحرب لتوقف المجد على الجميع. لا لم يكن السبب نوعا من هذه الأسباب المنطقية بل كان السبب أمرا بسيطا يتعلق بحادثة هامشية في حياة الناس آنذاك لا تتطلب قرع الطبول وحشد الجيوش أو هتك القرابة وكفران الفضل، كان الأمر ببساطة يتعلق بسباق بين جوادين فحلين أصيلين ماهرين ينتمي كل واحد منهما لقبيلة من القبيلتين ووقع في أجواء المنافسة من التهارش والتلاسن والهمز واللمز بين المتفرجين ما حدث مثله قرونا خلت في المنافسة بين الخيول في تاريخ العرب، وفي الأخير فاز أحد الجوادين وتأخر الثاني فثارت ثائرة زعماء قبيلة الفرس المتأخر إذ ظنوا أن قبيلتهم الأوفر عددا لا يجب أبدا أن يهزم فرسها وطفق شعراؤهم وخطباؤهم ينظمون من شعر الهجاء اللاذع في حق قبيلة الحصان الفائز وتاريخها وعرضها وأصلها ما جعل بني عمومتهم في القبيلة الأخرى يثورون ثورة لم ير لها مثيل من قبل حتى اختلط الحابل بالنابل وصار لا يُرى بين القوم هنا وهناك فرق بين حصيف ومتوتر ولا حليم وغضوب إلا ما ندر من الأصوات التي لم يلتف لها أحد ولم يكن لها أثر، اشتد القتل واستحر الطعن حتى كاد القوم يفني بعضهم بعضا وضاع ما كان بينهما من تجارة وتبادل وتقطعت السبل وتمزقت الأرحام حتى تنكرت الزوجة من القبيلة المغايرة لزوجها وعادت لأهلها، وأخرج الزوج زوجته من الربع الآخر وأعادها لأمها، وفي خضم هذه المعركة المجنونة التي لا تشبه شيئا يمكن للعاقل تفسيره تحركت قبائل أجنبية معادية تريد اهتبال الفرصة لتنقض على الطرفين أو لتدخل على الخط فتديم الصراع وتنهك القوى وربما تفتك بالقبائل الأضعف في ساحة العرب.
    *
    ولما وصل الأمر إلى هذا الحد تحركت نخوة الأحرار هنا وهناك واستطاعت أصوات العقل أن ترتفع في ساحة الوغى فوق صليل السيوف وصفير النبال لتقول للناس كفى قد بلغ السيل الزبا! سمع القوم النداء أخيرا وانتبهوا من سكرتهم وندموا على فعلتهم وراح الجميع يبحث عن سبل ترميم الوشائج الممزقة وتطبيب الجراح النازفة وتحصين القلاع المهدمة، ولكن كان لا بد من مبادرة تكسر الجمود وتدخل البهجة وتنسي الماضي القريب الدامي، وهم كذلك على تلك الحال يفكرون كيف تكون الخطوة الأولى للتصالح إذ بفكرة إبداعية تبرز تدعو الجميع للعودة لساحة البدء، ميدان سباق الخيول، لتنظيم حفل كبير هناك يحضره الجميع، عنوانُه مسابقة أخرى بين الجوادين الفحلين الأصيلين الماهرين اللذين بسببها امتشق الناس السلاح ومضوا نحو الخصام، على أن يفرح الجميع بالحصان الفائز مهما كان وأن يعتبروا المهر المحظوظ مهرهم ولو كان لبني عمومتهم وأن يكرموه جميعا معا، وهكذا كان الحال وكانت المسابقة الأخيرة بهجة وسرورا وفرحة وحبورا وفاز أحد الجوادين واحتفى به الجميع احتفاء قل نظيره في مآثر العرب وعادت بذلك المياه لمجاريها وسكنت النفوس واطمأنت القلوب وتفرغ الناس بعد هذا اللهو المشروع النبيل الهادف لإنجاز ما يجب عليهم إنجازه خدمة لمصالحهم المادية والمعنوية بما يجعلهم أرقى وأقوى وأمنع بين الأمم.
    *
    لست أدري هل هذه القصة العربية التي حبكتها بتصرف وقعت فعلا أم لا، ولكن بكل تأكيد فيها من العبر والدروس ما يذكرنا بالوضع البائس القائم بيم مصر والجزائر بسبب كرة القدم، وقد جعلني انتبه إلى هذه الأسطورة العربية المواجهة الجديدة المرتقبة بين الفريقين في مباراة نصف النهائية لكأس أمم افريقيا في انغولا. هل ستكون هذه المقابلة عرسا كرويا بين أشقاء يتأهل فيه في كل الأحوال فريق عربي للمقابلة النهائية فيبتهج الجميع بالفريق الفائز وينصبوا خيام الأفراح ويقرعوا طبول المرح كما فعل أجدادهم في القصة المروية أعلاه ثم يعود كل فرد في البلدين لإتقان عمله وتشريف مسؤولياته لتكون الجزائر ومصر كلاهما دولتين متطورتين قويتين يُعز بهما الإسلام وأهله و يُرفع بهما الغبن عن المظلومين من بني العرب خصوصا في فلسطين، أم أن المواجهة المرتقبة ستعمق الشرخ الحاصل وتديم العداوة المستشرية وتعطل المصالح المتبادلة بما يجعل الشعبين في تيه طويل المدى وذهول عما يصنع المجد والعلا ليطول سلطان الظلم والفشل والطغيان. إن هذه الصورة صورة مأساوية لا يجب قبولها، لا بد أن تكون هذه المقابلة فرصة للمصالحة. ولا ضير أن يتمنى كل طرف النجاح لفريق بلده فهذه غريزة بشرية لا يمكن جحودها ولا كبتها، إن مسابقة التصالح بين الجوادين الأصيلين الماهرين في القبيلتين المذكورتين افتعلتها إرادة المصالحة التي نادى لها العقلاء أما المواجهة بين الفريقين المتميزين المبهرين لمصر والجزائر ساقتها الأقدار الربانية فلنفر من قدر الشؤم فيها إلى قدر البر ولنملأ أجواء المباراة قبلها وبعدها بحديث الفأل الحسن والخير العميم، وكم تكون الصورة جميلة لو تبدأ المقابلة بمصافحة حارة وطويلة بين الشيخ سعدان والمعلم شحاتة وبصورة جماعية للفريقين الشقيقين، وتنتهي بابتهاج جماعي بالفريق الفائز كائنا من كان.. ليس هذا مستحيلا!


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الجواز البيوميتري وصراع الهوية في الجزائر

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 17:56

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 29 - 04 - 2010

    كان يمكن فهم اشتراط نزع الخمار من المرأة الجزائرية لحصولها على جواز السفر مجرد هفوة صدرت عن أفراد في وزارة الداخلية دفعهم إليها تكوينهم ومحيطهم البعيد عن فهم قدسية الحجاب بالنسبة لأغلبية النساء الجزائريات، وأنهم سرعان ما يعودون إلى الجادة حينما يلمسون ردة الفعل القوية ممن اعتقدوا بأن كرامتهم مُسّت ودينهم أُهين.
    ولكن حينما احتدم النقاش وتحول إلى صراع في أروقة الإدارة الجزائرية وعلى أعمدة الجرائد الوطنية والفضائيات الأجنبية، لاسيما حينما اصطحب هذا الصراع إهانة آثمة ظالمة لتاريخ الإسلام في الجزائر ودوره في حركة التحرير الوطني، تذكرت حالة الصراع الدائم على الهُوية في الجزائر وتأكدت بأننا لم نبرح مكاننا وأن الجزائر لاتزال وفية لخصوصيتها هذه، فلايزال الصراع على الوجهة الحضارية والثقافية التي يجب أن تُيمّم الجزائر وجهها شطرها قائما كما الأمس، وأن المتغرّبين من حيث دروا أو لم يدروا لايزالون يستميتون في التمكين لمشروعهم ولو أدى ذلك إلى اضطرابات اجتماعية واحتقانات سياسية وثقافية نحن في غنًى عنها أمام حالات التخلف والوهن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، رغم الإمكانيات الضخمة التي تحوزها الجزائر. والغريب في الأمر، أن الذين يثيرون هذه الأزمات هم من يتهمون المتمسّكين بهويتهم بأنهم ينغمسون في نقاشات عقيمة وكأن المطلوب ممن يُراد تعريتُه من لباسه عنوة أن يسكت ويستمر في عمله ولو عاريا، أو أن المطلوب ممن طُعن في نسبه أن يستمر في السير إلى المجهول وهو يبتسم.
    يذكرنا هذا النقاش بالمحاولات المتكررة التي ينتهجها المستلبون حضاريا منذ فترة الحركة الوطنية قبل الثورة التحريرية إلى يومنا هذا لإلحاق الجزائر ثقافيا وحضاريا بثقافة وحضارة المستعمِر، والمؤسف أن هؤلاء قد نجحوا في التكتيك الذي انتهجوه إبان الثورة التحريرية بإعداد أنفسهم لاختراق مؤسسات الحكم بعد الاستقلال ولو أدى ذلك أحيانا إلى السكوت عن مطالبهم أمام قوة تشبث الجزائريين بدينهم وأصالتهم في مواجهة عساكر الاحتلال. وقد استطاع هؤلاء أن يصلوا إلى مواقع النفوذ فعلا بعد الاستقلال وقد اعتقدوا بأنه قد آن الأوان مع ارتخاء الشعب الجزائري بفرحة الاستقلال أن يكملوا المشروع الاستعماري بأيدي الجزائريين، فبدأت تطفو على السطح عبارات غريبة كعبارة "إعادة صهر " (La refonte) المجتمع الجزائري أو عبارة "إعادة تأسيس المجتمع الجزائري" (La refondation) أو عبارة "مشروع مجتمع" أو عبارة "الأمة الجزائرية" (التي تستعملها لويزة حنون كثيرا) وكأنه لم يكن في الجزائر قبل الاحتلال لا مجتمع ولا شعب ولا تاريخ وأن هذا الوطن لم يكن له أيّ امتداد حضاري ولا ينتمي لأية أمة من أمم الدنيا. وقد ركب هؤلاء موجةَ الاشتراكية في أيام عزّها فتوغلوا باسمها في مفاصل الحكم وتسرّبوا عن طريقها في مختلف المنظمات العمالية والشبابية والنسوية وحاربوا بها كل ما يرمز لثوابت البلد وحاولوا، كما يفعلون اليوم، إلغاء شرف الإسلام في صمود وتحرر الجزائريين وحاولوا تجريد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من كل ما تستحقه من إجلال وإكبار لما قامت به في سبيل النهضة الجزائرية وتجاهلوا، متعمّدين، حقيقةَ أنْ لا مقاومة قامت في الجزائر إلا وكان رائدها الإسلام، من الأمير عبد القادر إلى بوعمامة إلى فاطمة نسومر إلى المقراني والحداد وغيرهم، وأن جمعية العلماء المسلمين هي التي صنعت الأسماء الكبار الذين فجروا وقادوا الثورة كأمثال بن بولعيد وبن مهيدي وخير الدين وغيرهم، الذين لا ينكر أحد أنهم تربّوا في مدارس جمعية العلماء وأن موقف الجمعية جاء داعما للثورة التحريرية منذ يومها الأول في البيان الذي أذاعته الإذاعة المصرية في اليوم الثاني من شهر نوفمبر بلسان الفضيل الورتلاني، ثم من بعده يوم 16 نوفمبر البيان الرسمي بإمضاء الشيخ البشير الإبراهيمي الذي خاطب الشعب بضرورة الالتحام بالثورة والجهاد في سبيل الله لتحرير الوطن. ولو لم يكن الإسلام حاضرا في نفوس من فجروا الثورة (كما يزعم مستغربو اليوم والأمس) ما كان بيان أول نوفمبر ينصّ على أن هدف الثورة هو إقامة دولة ديموقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
    لقد اعتقد هؤلاء المستلبون ثقافيا أن حملاتهم هذه نجحت وأن الأمر قد استقرّ لهم في الدولة والمجتمع بعد الاستقلال، فإذا بهم يفاجَأُون بصحوة جديدة لا تقل أهمية عن صحوة ثورة التحرير، أنشأها الوطنيون المخلصون من داخل الحكم وخارجه، والمجاهدون وأبناء الشهداء وأبناء المجاهدين الأصلاء، والدعاة إلى الله الصادقون الذي حققوا حلفا جديدا أبطل مزاعم هؤلاء وقد ظهر ذلك جليا في أول فرصة يتاح فيها النقاش العلني بمناسبة مناقشة "مشروع الميثاق الوطني" سنة 1976 وقد وقف بومدين، رحمه الله، على هذه الحقيقة بنفسه حينما قال يوم 22 06 1976 في كلمته الاختتامية لأعمال الندوة الوطنية التي انعقدت لاستخلاص أهم ما أسفرت عنه تلك المناقشة، حيث قال: "ولقد كان إلحاح المواطنين على قضية الإسلام تعبيرا قويّا عن التمسك بشخصيتهم وأصالتهم، ومن الخطإ الفادح أن يعتبر البعضُ ذلك من الأفكار الرجعية... وفيما يتعلق باللغة القومية، يجب أن يكون واضحا بأن سيادة اللغة العربية لا شك فيها، ولا منازع لها، وهي وإن صح التعبير، سيّدة لا تقبل أن تكون لها ضرّة، وأقصد بالضرة اللغة الفرنسية".
    بعد هذه الهزيمة النكراء توالت الهزائم على دعاة التغريب حيث عُرّبت المدرسة الجزائرية واعتمدت دساتيرُ البلاد الإسلام دين الدولة الوحيد، وأُخرجوا ديموقراطيا من المنظمات الطلابية واتسع نفوذ الصحوة الإسلامية في كل الأحياء الشعبية والمنظمات الاجتماعية، وحينما أتيحت فرصة الانتخابات الشعبية ذهب ريحهم ولم يصمدوا منذ الجولة الأولى، وأصبح ثابتا لدى الجميع أن لا حزب ولا جمعية بإمكانها أن تجد لها مكانا في الجزائر إذا أرادت مصادمة الإسلام واللغة العربية. فاكتفى هؤلاء بالعمل في كواليس مؤسسات الحكم مرة أخرى وتحول أكثرهم إلى الاتجاه الرأسمالي الذي تحول إليه نظام الحكم، واستفادوا استفادة كبيرة بهذا الموقف حيث زاد نفوذهم داخل الدولة وفي القطاع الاقتصادي وصاروا يترقبون أية فرصة لخدمة حبّهم الأول. وقد تعجبت كثيرا لموقف أحدهم كان ينتمي لحزب لائكي معارض متشدد ثم صار مساندا لرئيس الجمهورية الحالي، إلتقيت به في مناسبة رسمية بعد الانتخابات الرئاسية سنة 1999 فرأيته ممتلئا فرحا وسرورا فسألته عن سبب سروره فقال مبتسما: "لقد قدم لنا رئيس الجمهورية خدمة لو بقينا قرنا ما استطعنا تحقيقها"، فسألته وما ذاك فقال: "إن تحدثه باللغة الفرنسية في المناسبات الرسمية وزياراته الميدانية مكسب لم نكن نحلم به" فقلت له: "ولكنه قال كذلك باللغة الفرنسية نفسها لن أصادم آية قرآنية (je ne heurterai pas un verset coranique) فنحن إذن متساؤون والعبرة بالعاقبة" فاصفرّ وجه صاحبي وحاول الخروج من الحرج بتكلّف لم يخف على أحد.
    لست أدري هل ما حدث بخصوص الجواز البيوميتري حادثة عابرة أم مكسب جديد حققه التيار التغريبي في مسار "العاقبة" التي تحدثت عنها مع صديقي اللائكي، سيما وأن الحجاب يتعلق بآية قرآنية لا يجب مصادمتها وأن اعتماد أمريكا وكندا وأغلب الدول الأوربية لصورة المرأة محجبةًً أبطل كل مزاعم الضرورة التي تبيح المحظور كما يزعم بعض فقهاء وساسة السلطان. إن السياقات المصاحبة لهذا النقاش توحي بتحولات مخيفة في هذا المجال، والمؤشر اللافت هنا هو انخراط لويزة حنون فيه بشكل مباشر وعنيف على غير عادتها حينما يتعلق الأمر بقضايا الهوية. لا لأن الزعيمة التروتسكية ثوابتية انقلبت على قناعاتها، فالأمر بعيد كل البعد عن هذا.
    لا يخفى على العارفين بالساحة السياسية والثقافية التوجهات العلمانية للويزة منذ بروزها في الساحة النقابية ثم الحزبية، ولقد رأيتها شخصيا في مؤتمر "مفترق طرق الفكر" (les carrefours de la pensée) الذي نظمته جريدة العالم الديبلوماسي (Le monde diplomatique) الفرنسية في بداية التسعينيات في مدينة لومون (Lemans) قرب باريس واتضح لي جليا آنذاك أنها لا تلقي اعتبارا كثيرا لما هو مقبول إسلاميا وغير مقبول، لا في السياسة فحسب، كما أفهمتنا هي نفسها في مؤتمرها الصحفي الأخير، ولكن فيما يُؤكل ويُشرب كذلك. ليس هذا الذي يحيّر بأي حال من الأحوال فهذا شأنها ولا دخل لنا فيه.
    ولكن الذي يحيّر فيها أنها غدرت بالناخبين الذين جعلوا منها زعيمة سياسية كبيرة منذ بداية أمرها؛ ذلك أنها استطاعت أن تحتال على شرائح كثيرة من ناخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ حتى كادوا لقلة حذقهم يجعلونها صحابية، وها هي اليوم تعقد صفقات سياسية جديدة تُظهر بها أيديولوجيتها الحقيقية. حينما اقتربت لويزة حنون من رئيس الجمهورية اعتقدنا بأنه مجرد تقارب ظرفي متعلق بموقف رئيس الجمهورية "الثاني" من قانون المحروقات، ثم مافتئ خطابها يتغير يوما بعد يوم بعيدا عن الخطاب الذي تأسست به إلى أن تحالفت في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة مع حزب التجمع الوطني الديموقراطي المعروف باختياراته المصادمة للاتجاهات العمالية وسمي ذلك التحالف بأنه تحالف استراتيجي، فاتضح بأنها استراتيجية جديدة بينها وبين أناس في الحكم. وقد تكون هذه الاستراتيجية هي التي جعلتها تطمئنّ بأنها لم تعد في حاجة لأصوات النساء المحجبات الكثيرات اللواتي انتخبن عليها ولا أصوات الإسلاميين السذّج الذين وثقوا بها فصارت تُخرج بلا حرج مكنون أيديولوجيتها... ولكن هيهات هيهات، كم من مغترّ بمواقعه السياسية وهن قرنه بضرب صخور هويتنا الصامدة... وفي كل الأحوال هذه شجاعة سياسية تحسب للويزة، ولكن الخبر سيكون يوم غد إذا كانت الانتخابات حرة ونزيهة ولا يشوبها فواعل الصفقات السياسية.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    خروج الشباب للشارع.. سياستنا هي السبب

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 17:57

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 07 - 01 - 2011

    إن ما يحدث في الجزائر هذه الأيام من اضطرابات اجتماعية في عدد غير مسبوق من مناطق الوطن في آن واحد يضع الجزائر في حالة كبيرة من الحرج وفقدان الحجة أمام الخصيم والصديق. لقد صعب على الكثيرين فهم ما يحدث بالنظر لحالة اليسر المالي غير المسبوق الذي تعرفه الجزائر منذ الاستقلال، وبالنظر للتقارير والمؤشرات الاقتصادية التي لم تنفك مؤسسات الدولة المختلفة على إعلانها بنوع من الزهو والفخر.
    *
    وأستطيع أن أجزم بأن هذه الاضطرابات يمكنها أن تكون خيرا وبركة على الوطن إذا تلقف أصحاب القرار رسالتها بإيجابية ومسؤولية، وعكفوا على دراستها بالاعتماد على منهج النقد الذاتي ولوم النفس، بدل التنصل من الأمانة بتوجيه اللوم للغير وتفسير الأمور تفسيرا تآمريا أو تسفيه من يقوم بهذه الاحتجاجات، واعتبار الأحداث عابرة ليس لها غد ولا تعبر عن أي حقيقة اقتصادية واجتماعية وسياسية. لا تدل التصريحات والتحليلات الأولى التي نسمعها في التلفزيون الجزائري، أو في التحاليل غير المعلنة لبعض القريبين من الحكم، بأن الرشد قائم في الموقف من هذه الاضطرابات لدى المسؤولين، البعض يقول إن ثمة مؤامرة على رئيس الجمهورية، والبعض يقول إن هناك مجموعات مصالح تحرك الشارع، والبعض يقول إنها مجرد تحركات شبانية آنية بفعل العدوى مما يحدث في تونس. لا أريد أن أعلق على هذه الأفكار والمواقف، ولكن أقول مهما كان سبب هذا التحريك ما كان ليكون له أثر لولا وجود أسباب ذاتية تتعلق بكل فرد وكل شاب ممن خرجوا للشارع في أعمال لا يقرها عاقل، فأضرموا النيران وأحرقوا المؤسسات وشتموا وضربوا ورشقوا بالحجارة كمن يطعن نفسه بخنجر دون هوادة.
    *
    إن التنبيهات لخطورة الوضع الاجتماعي ليست وليدة هذا الحراك الاجتماعي، وليس هذا الحراك هو أول التنبيه وليس ما أقوله في هذا المقال هو أول ما يقال للتحذير والتذكير، فقد بدأت تحركات الشارع منذ فترة غير يسيرة في أنحاء مختلفة من الوطن، أشارت لها وسائل الإعلام دون تفريط، وقد سبق لكثير من السياسيين والمحللين الاقتصاديين أن نبهوا بأن الأوضاع ليست على ما يرام مهما كانت الإنجازات الكبرى التي نراها بأعيننا، ومهما كانت التقارير والأرقام التي نسمع بها ولا نستطيع التأكد من دقتها.
    *
    لا يتطلب الأمر تعمقا في علم الاقتصاد والسياسة، ليفهم الإنسان بأن المنظومة الاقتصادية في الجزائر متهالكة ولا تنبئ بأي حال من الأحوال بغد مشرق للوطن في مجال الرفاهية والتطور والازدهار. يستطيع أي مهتم له حد أدنى من الثقافة العامة أن يعلم بأن البحبوحة المالية الكبرى التي تعيشها الجزائر لا تحقق تنمية اقتصادية يستفيد منها المواطن العادي، ولا تمثل للجزائر فرصة للخروج من التخلف والتبعية ولا توفر للبنية الاجتماعية والسياسية للوطن حماية دائمة.
    *
    لا شك أن هذا الإقرار لا يُعجب كثيرا من الأصدقاء والزملاء في الحكومة والبرلمان وفي بعض الأحزاب والمنظمات، ولكنهم يعلمون بأن هذه هي الحقيقة، الحقيقة التي يعبرون عنها في ما بينهم ولا يحبون أن تُتداول بين الناس والتي يجب أن يعلنوا عنها اليوم حبا لهذا الوطن ورغبة في التصحيح والترميم. الكل يعلم أن اقتصادنا اقتصاد ريعيٌ، وأن المداخيل التي يعيش بها الوطن هي مداخيل البترول والغاز وأن المشاريع الكبرى المفتوحة على مصراعيها في مختلف أنحاء الوطن إنما هي من أموال المحروقات، وأن المواد الأساسية التي نستهلكها هي مواد اشتريت بأثمان غالية بالعملة الصعبة من أموال المحروقات ثم تباع للجزائريين مدعمة مخفضة، وأن الأجور التي يأخذها العمال الجزائريون أغلبها من هذه الأموال كذلك، وحينما تَرتفع الأجور تحت ضغط المطالب فهو ارتفاع لا يعبر عن تنمية اقتصادية حقيقية تُمكّن المواطن من مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار.
    *
    ومهما حاولت السلطات الرسمية شراء السلم المدني بهذه التصرفات غير الرشيدة فإنها لن تفلح في ذلك طويلا، لأنها بكل بساطة مهما تجمع لها من كنوز لن تستطيع توزيع المبالغ المالية في الطرقات للشباب البطال الذي يتنامى توافده على سوق العمل بشكل كثيف ومتسارع. لا يشك أحد أن الشباب الذي خرج للشارع لا يحمل أكثرُهم مسؤولية القفة في أسرهم، ولكنهم آدميون يشعرون بما يشعر به آباؤهم ولهم كرامة مخدوشة وآفاق مسدودة بعدم توفرهم على فرصة العمل، وسيبقون قنبلة موقوتة في كل حين ما لم تحل مشاكلهم.
    *
    إن السبيل الوحيد لتفكيك هذه القنبلة وامتصاص هذا الطلب المتنامي للشغل هو تطوير وتوسيع نسيج المؤسسات الاقتصادية المتنوعة الفلاحية والصناعية والخدمية، التي بدورها توفر إنتاجا اقتصاديا من السلع والخدمات، يزيد للناتج القومي الإجمالي قيما مضافة، تحررنا من التبعية للبترول والغاز، وتمنع من تبذير هذه الثروة على حساب الأجيال المستقبلية وتُحوَّل إلى سيولة مالية دائمة لتشجيع الاستثمار، بما يجعل دائرة النجاح الاقتصادي ذات حلقات متكاملة يخدم بعضها بعضا.
    *
    إن كل المخططات التي استعملت من الاستقلال إلى اليوم فشلت في الالتزام بهذا النهج، ومما زاد الأمر سوءا خيبة الأمل التي صُدم بها الجزائريون في السنوات الأخيرة، بالنظر لما كان متوقعا حيال الوفرة المالية والبرامج والمخططات التي أُعلن عنها والتي لم تستطع هي الأخرى أن تحقق النجاح في الاستثمار الداخلي والخارجي، ولم تقدر على إنقاذ المؤسسات العمومية، ولم تصل إلى إنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة وكبيرة بالقدر الذي يخلق الثروة ويوفر مناصب شغل دائمة ومجدية للشباب البطال.
    *
    ولن يجد أحدُنا صعوبة في فهم سبب هذه الإخفاقات إذ حينما تكون المُقدمات متكررةً تكون النتائج متماثلة. فالنظام الذي يقود البلد، هو ذات النظام الذي يقوده من الاستقلال إلى هذا اليوم، تتغير الوجوه والأدوات الحاكمة، ولكن جوهر الحكم وعقلية التدبير هي نفسها، إنما هي أحادية دائمة مستأثرة بالقرار ومغترة بالسلطان ومستهزئة بقدرات الشركاء في الوطن. وصدق الله العظيم إذ يقول: "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".
    *
    إن الذي ينقص الجزائر من الاستقلال إلى اليوم هي الرؤية الاقتصادية والتدبير الراشد للحكم ومقدرات البلد، لم يُرزق البلد إلى اليوم بحكام اهتموا بمستقبله وخططوا لنجاحه فعالجوا نقاط ضعفه، وثمنوا نقاط قوته، واغتنموا الفرص المتاحة له، وتصدوا للتهديدات التي تحيط به، وبينوا المجالات التي يستطيع أن يتفوق فيها، وحددوا أجلا لنهضته، وانضبطوا بما قرروه ورسموه. ولا يستطيع أحد ملكَ السلطانَ حقا في الجزائر أن يَجد لنفسه عذرا، فقد وُجدت في عصرنا هذا تجارب انطلقت من ظروف أصعب من ظروفنا وبإمكانات أقل من إمكاناتنا وصنعت المعجزة، فالماليزيون كانوا في نفس المستوى الاقتصادي الذي كنا فيه في الثمانينيات، ولكنهم حينما قرروا بأنهم سيكونون ضمن الدول الصناعية الكبرى في خمس عشرة سنة كانوا كما أرادوا، وحزب العدالة والتنمية التركي حينما استلم الحكم وجد بلدا مفلسا راكعا لصندوق النقد الدولي وممزقا بفتنة انفصالية مع الأكراد لم تنته، وأمام خصوم شرسين في الداخل والخارج لا قبل له بهم، فاستطاع في خمس سنوات فقط بين 2002 إلى 2008 أن يجعل معدل دخل الفرد التركي يقفز من 3300 دولار إلى 10000 دولار، وأصبحت الفجوة بين أعلى دخل ل20 % من المجتمع التركي وأقل دخل ل%20 منه تتدنى إلى7 % فقط والصادرات التركية تزيد من30 مليار دولار إلى 130 مليار دولار، والناتج المحلي الإجمالي يقفز من181مليار دولار إلى 400 مليار دولار.
    *
    ولو أردنا أن نعرف سبب هذا التخبط الاقتصادي في بلادنا، فسنجده في أروقة السياسة لا غير، سياستنا هي السبب. إن جوهر السياسة منذ فجر الزمن مرتبط بخدمة المصلحة العامة، ولا مبرر لوجود حكم وتنافس على السلطة، إلا لخدمة الوطن والمواطنين الذين يحكمهم الحاكم، وهذه الغاية غائبة في كثير من البلدان، ومنها بلدنا الجزائر للأسف الشديد. لا تُعذر الأحزاب والقوى السياسية حينما ترى متنافسة على السلطة في البلاد المتقدمة، إلا لأنها تحمل مع رغبتها للوصول للسلطة برامجَ وأفكارا تخدم بها من تريد أن تحكمهم، فإن نجحت في تحقيق وعودها بقيت في فضاء الحكم والسياسة، وإن عجزت سقطت بإرادة المحكومين، وقد تتوارى هذه الأحزاب كلية عن المشهد السياسي إذا استمر عجزها وقلت كفاءتها، فيدفع هذا الحال السياسي إلى بروز الإبداع وصعود المبدعين الذين تحيا بهم الأوطان وتُصنع بهم الحضارات.
    *
    لا يوجد شيء من هذا في جزائرنا، لا يجرؤ أحد أن يدّعي بأن الأحزاب عندنا تتنافس على الأفكار والبرامج، وسبب ذلك يرجع أساسا لانغلاق الأفق السياسي واستحالة تحقيق التداول على السلطة بإحكام أصحاب القرار قبضتهم على كل ما يؤدي لذلك - خلافا لما يُعلن في القوانين والدساتير - من تزوير انتخابي وانحياز إداري وتوجيه لمسالك الثروة وتحكم في وسائل الإعلام وإعدام للمجتمع المدني وترجيح للموازين السياسية بأياد خفية، بعيدا عن الموازين الحقيقية في المجتمع، فيؤدي هذا إلى بروز طبقة سياسية يائسة أو تابعة أو مترددة لا يشتغل أي منها بالفكر والإنتاج والإبداع.
    *
    والنتيجة الحتمية في الأخير هي تفرد أناسا قليلين بالحكم والقرار في كل المستويات، منهم من هو معروف، ومنهم من هو خفي، لا يشعرون بالحاجة للإبداع والتطوير ما دامت الثروة والسلطة بيدهم، وإذا انفجر الوضع وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع الفئات المتضررة والفئات المستغلة للوضع بلا وسائط مجتمعية ذات مصداقية من جمعيات ومنظمات ونقابات وأحزاب ونخب، فيلجؤون إلى التفسير التآمري والبحث من وراء الأحداث، وهم يعلمون بأن الاضطرابات الاجتماعية لا يستطيع أن يحركها أحد حينما يكون المجتمع عامرا بالأمن والعدل والرفاه، وأن التحكم فيها في مرحلة من المراحل لن ينهيها إلى الأبد ما دامت أسبابها حاضرة.
    *
    الجزائر في7 يناير2011م

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الوطن العربي: نهاية الابتزاز وفرصة التغيير

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 7 ديسمبر 2011 - 17:58

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 08 - 02 - 2011

    تسلطت على الوطن العربي منذ أمد طويل أنظمة فاسدة وفاشلة انكفأت على نفسها وانغلقت وسط وطنية غير صادقة فرطت باسمها في مشاريع الوحدة بين الأقطار العربية بكل أنواعها...
    *
    وأدارت الظهر لقضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين، وبعضها غدر القضية وتآمر عليها، ثم أَغلقت الوطن على أهله فمنعت الناس من التعبير عن آرائهم أو تنظيم الدفاع عن حقوقهم أو المشاركة في خدمة أوطانهم، ثم استأثرت بخيرات الوطن من خلال منظومة فساد ممتدة ومعقدة ومتشابكة جندت بها شبكة واسعة من الانتهازيين والنفعيين والمجرمين ضمن زمر متمركزة في دوائر أسرة الحاكم وفي أوساط المؤسسات الأمنية ويلحق بها أتباع وشركاء وأعوان في الإدارة، والأحزاب، والمنظمات ورجال الأعمال والإعلام يُسَخَّرون كلهم بسياسة الردع والإغراء، فابتعدت هذه الأنظمة عن منطق وثقافة الدولة وأخذت بدل ذلك أشكالا مافيوية تجاوزت في نفوذها وتأثيرها منظمات المافيا التقليدية.
    *
    وأضافت إلى هذا الفساد فشلا ذريعا في مشاريع التنمية فأنتجت مستويات من الفقر والحرمان أفقد معنى الكرامة الإنسانية لعدد كبير من المواطنين، خصوصا لدى الشباب المتعلمين وغير المتعلمين، وحينما وصلت هذه الأنظمة إلى هذا المستوى من الانحراف والفشل أصبح من الطبيعي أن ينادي الناسُ على المستوى المحلي والدولي بتغييرها، ولكن رغم كل هذا لم يستطع أحد تحريكها.
    *
    عوّل المواطنون كثيرا على الإسلاميين للتغيير ووضعوا عندهم ثقتهم كلها واعتقدوا بأن هؤلاء هم الأمل، غير أن هؤلاء لم يفلحوا في الانتقال من دال الدعوة إلى دال الدولة وجربوا لزحزحة الأنظمة كل الوسائل والطرق من مغالبة، إلى مهادنة، إلى مشاركة، إلى مقاطعة، إلى مخاصمة إلى معاونة، إلى غير ذلك من الطرائق الكثيرة العديدة دون جدوى ودون نتيجة لفرط الصد والمنع من قبل الأنظمة الحاكمة بكل الوسائل الخفية والعلنية من تزييف وتزوير وتضييق وتشويه وملاحقة ومتابعة وإغراء وتطميع، إلى أن بدأت الجماهير تيأس من تحقيق التغيير عن طريق الإسلاميين وقد تجلى هذا اليأس في عدم المشاركة في الانتخابات رغم محاولات تضخيم الأرقام كما رأيناه في مصر والجزائر على سبيل المثال.
    *
    بل ليس من المستغرب القول بأن طموح الإسلاميين ومحاولاتهم المتعددة للوصول للحكم هو الذي صار يُمكّن للأنظمة الفاسدة ويمدُّ في أعمارها، إذ أصبح يكفي لأي نظام فاسد في العالم أن يرفع فزَّاعة الإسلاميين ليحصل على المدد الممتد والمساندة بلا حد من القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا خارجيا، ومن النخب العلمانية أو المتخوفة من التغيير الجذري داخليا.
    *
    ومع مرور الزمن أفلح هذا الابتزاز في تحقيق أهدافه، واقتنع الكثير في أوطاننا العربية بأن التغيير غير ممكن، واتجه أغلب القوم إلى مسالك الخلاص الشخصي، وتفرق اليائسون على سبل شتى، منهم من انزوى وانسحب وانغلق، ومنهم من تشدد وتطرف، ومنهم من ضاقت به الأرض بما رحبت فأجهز على نفسه في قوارب الموت أو نيران القنوط أو أي شكل من أشكال الانتحار، ومنهم من لحق بركب الانتهازيين وراح يبحث لنفسه عن مكان بين السابقين على طريق ذاك الشقاء ولو ببيع الضمير والتاريخ والمبادئ، وقلة قليلة بقيت ثابتة تؤمن بالمستقبل رغم كل الصعاب إلى أن انفجرت ثورة الشباب فغيرت العقول والنفوس والتاريخ.
    *
    لقد استطاع هؤلاء الشباب أن يفكوا اللغز ويكسروا تلك الحلقة الجهنمية بين الأنظمة العربية والأنظمة الغربية والحركات الإسلامية وأن يحرروا الأمة من حالة المراوحة العقيمة داخل هذه الحلقة التي طال مداها، لقد أسقطوا تِعِلَّة الحكام الفاسدين الذين نصبوا أنفسهم ضمانة منع الإسلاميين من الوصول للحكم لكي لا يحدث تغيير جذري تكرهه أمريكا وإسرائيل وتكرهه أقليات قوية ونافذة في الديار، وأراحوا ضمائر ونفوس من طال انتظارهم من الطيبين التواقين للإصلاح والتغيير.
    *
    إن هؤلاء الشباب جزء من هذه الأمة أصابهم ما أصاب الناس جميعا، قلوبهم مليئة بالحسرة والغضب وخيبات الأمل، وإنما الذي ميزهم أنهم استفادوا من تحكمهم في وسائل الاتصال الحديثة فاتجهوا إليها يعبرون عن آرائهم بلا رقيب، ويتكلمون ما يريدون بلا حسيب، ويفجرون غضبهم بألفاظ تخصهم بلا خوف من قريب أو بعيد، وفاء لأوطانهم وغيرة على أمتهم ، فبنوا لأنفسهم صروحا في الفضاء الافتراضي أخذت تنمو وتكبر بلا حدود والناس من حولهم بين غافل ومستهزئ، حتى إذا اشتد ساعدهم وقويت ثقتهم بأنفسهم وبكثرة عددهم قرروا النزول من فضاء الخيال إلى أرض الواقع فصنعوا المعجزة وصار الجميع يجتهد كيف يكون اللحاق بهم.
    *
    لقد حقق هؤلاء الشباب من المكاسب في بضعة أسابيع ما لم تحققه أحزاب عتيدة ومنظمات عتيقة، أسقطت نظاما كاملا في تونس، وفضحت وزلزلت نظاما عاتيا في مصر وجعلته يقدم تنازلات لم تكن تخطر على بال المصريين من قبل، وما هو آت أكبر بإذن الله، وجعلت كل الأنظمة العربية الأخرى تُقدمُ على خطوات في طريق الإصلاح كانت في حكم المستحيل في أذهان الحكام وأفهامهم. والأهم من ذلك كله هي الثورة الكبرى التي حدثت في عقول الناس بما يجعل الوطن العربي بعد هذه الأحداث غير الوطن العربي قبله، فلقد صار التغيير ممكنا والإقدام على صياغة البدائل للأنظمة الفاسدة متاحا بل واجبا.
    *
    إن واجب الأحزاب والحركات أمام ما قدّمه الشباب أن يحفظوا هذه المكاسب، أو على الأقل أن لا يخونوها بالدخول في مساومات مع الأنظمة الحاكمة لإنقاذها نظير مكاسب حزبية أو شخصية على حساب مكاسب الأمة والوطن، لا بد أن تفهم الأحزاب والجماعات والجمعيات بأن حتمية التغيير ماضية بهم أو بغيرهم، ولا بد أن تفهم بأنها يمكن أن تربح بالوفاء لموجة التغيير إذا استكمل مسار الانتقال الديمقراطي واستطاعت أن تطور نفسها في أجواء الحرية، لأن الكلمة ستكون عند ذاك للأكثر مصداقية والكفاءة والأكثر تنظيما وخبرة، ولتفهم الأحزاب والجماعات والجمعيات وخصوصا الإسلامية منها بأن الخصم الحقيقي لها وللأوطان إنما هي الأنظمة الحاكمة مهما أظهرت من لين ظرفي وتواضع مظهري، لأن عمق فسادها وطول انحرافها لا يسمح لها أن تصلح من ذاتها دون تدافع ولا ضغط ولا إكراه شعبي قوي متدفق.
    *
    إن التنازلات التي قدمتها الأنظمة العربية في مصر واليمن والأردن وليبيا والمغرب والجزائر وغيرها جيدة ومرحب بها، ولكنّ إنجاز التونسيين يجعلها نسبية وهي في كل الأحوال غير كافية وبعيدة عن السقف الذي يتيح إصلاح المنظومة السياسية العربية، فرفع حالة الطوارئ في الجزائر مثلا وما اتخذ من إجراءات في مجلس الوزراء السابق أمر مرحب به ولكنه بلا جدوى ما لم تتخذ الإجراءات الحقيقية لتحرير المجتمع المدني والعمل السياسي والفضاء الإعلامي بما يحقق فرصة حقيقية للتداول على السلطة والرقابة الفاعلة على المال العام والمكافحة الصارمة للفساد والمفسدين.
    *
    إن الجزائر ستكون حرة فيبرز فيها الإبداع الذي يحقق التنمية ويمنح العدل والمساواة حينما يصبح بالإمكان تأسيس الجمعيات والأحزاب بلا عراقيل، والتعبير عن الرأي بالمسيرات في العاصمة ذاتها مركز السلطة والقرار، وتحرير الجرائد من ابتزاز المطابع والوكالة الوطنية للإشهار، ومنع الحضر عن تأسيس الفضائيات وعدم تعطيل شبكات الإنترنت في كل الظروف والأحوال، واستقلالية القضاء والكف عن التدخل في شؤون الأحزاب والترجيح بينها والابتعاد عن كل أشكال التزوير الخفية والعلنية، ورفع اليد عن المنظمات العمالية وفسح مجال العمل والنشاط لمختلف النقابات، وإنهاء مرحلة مرشح الإجماع والتحالفات الصورية التي لا تقوم على البرامج والأفكار وتقاسم الأعباء، وفتح الأفق لبروز تنافس سلمي هادئ يتحمل فيه كل حزبي مسؤولية برامجه ورجاله حتى تصلح الطبقة السياسية فيصلح الوطن، فيعرف الناخبون من يحاسبون وعلى من ينتخبون وإذا سخطوا على من يسخطون. إن الانخراط في حتمية التغيير صارت مؤكدة، ومن الأفضل السير معها في هدوء وسلام وإلا فستكون الفوضى التي لن يسلم منها بلد، اليوم أو غدا، وهي فرصة تاريخية للنخب والأحزاب والمنظمات لإفهام الأنظمة ذلك لا يصح إغفالها ولا يجب تفويتها لمن عشق الحرية حقا وأحب الوطن صدقا وحلم بالنهضة فعلا.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    عبد الرزاق مقري:لن يعلو شأن العرب الا اذا نهضت الجزائر

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 15:53



    عدل سابقا من قبل Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:09 عدل 1 مرات

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مساهمات :في ضيافة تونس الحرية

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:00

    · عبد الرزاق مقري الجزائر نيوز : 15 - 02 - 2011

    منذ أن سمعت بعودة الشيخ راشد الغنوشي إلى بلده وأنا أفكر في زيارته لأرى بأم عيني عجائب قدرة الله في قوله تعالى ''تعز من تشاء وتذل من تشاء''، ولأرى إنجازات الثورة وأسمع مباشرة من صانعيها، وحينما تحقق لي ذلك أخذت معي عددا من الشباب لأنهم أحوج مني لرؤية الواقع الجديد في الوطن العربي وأقْدر على التأثير فيه مني ومن أمثالي، ولقد تميزت هذه الزيارة التي دامت قرابة الأربع وعشرين ساعة بلوحات عجيبة من المشاعر والفوائد والطرائف والغرائب، ومن عجائب هذه اللوحات ما يلي:
    اللوحة الأولى: أعظم الأثر كان عند لقاء الشيخ راشد الغنوشي الذي استقبلنا استقبالا مليئا بالعطف والفرح بلغت عاطفته أوجها حينما قال لي لقد ذكّرتني باليوم الذي زرت فيه الشيخ محفوظ نحناح -رحمه الله- حينما خرج من السجن قبل ثلاثين سنة، وها أنتم تردّون الزيارة حينما عدت لوطني، فبارك الله فيكم· كم كانت سعادتي عظيمة وأنا أسمع هذه اللّفتة المفاجئة، فحمدت الله حمدا كثيرا أن جعلني، ومن كان معي من الشباب، نحظى بهذا الشرف، وكم كان إعجابي به كبيرا وهو يولي الشباب أهمية كبيرة، إذ أظهر سعادته بوجودهم معي، وإذ يمنح لهم الفسحة للحديث ويستمع لهم بتواضع كبير· تحدثت معه عن أشياء كثيرة في السياسة والدعوة والتنظيم، وهو سيد في هذه الفنون كلها، ولكن لم يكن بالي مشغولا بشيء أكبر من حقيقة وجوده في تونس بين أهله وأبنائه وأحفاده وأتباعه وأصدقائه يزوره الناس بتلقائية غريبة لا خوف فيها ولا وجل من أمن ولا شرطة، قد دخل وطنه دخول الفاتحين استقبله الناس بالآلاف في المطار ويزوره في بيته أكابر القوم من كل الاتجاهات والجنسيات في الوقت الذي يوجد من كان يطارده ويلاحقه في حالة فرار يُلاحَقُ هو وأهله وأصهاره من قِبل الشرطة الدولية، وهو لا يدري كيف يكون مصيره، فسبحان من يقول: ''قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير''، وكم هو عظيم جزاء الصبر والثبات على المبدأ مهما كانت التضحيات طويلة ومؤلمة وصدق الله العظيم إذ يقول: ''إنه من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين''·
    اللوحة الثانية: استقبلني في المطار أحد الأصدقاء التونسيين الذي له فضل كبير في تنظيم هذه الزيارة، فأخذني مباشرة بسيارته إلى وسط المدينة لنتناول العشاء، وقبل دخولنا المطعم رأيت من بعيد مجموعة من الأفراد ينتظروننا، لم أعرفهم من بعيد، ولما اقتربت منهم ووقع بصري على وجوههم أصابتني قشعريرة عبَرت جسدي وحالة من التخدير حاصرت دماغي· تذكرت أن هؤلاء الرجال هم ذاتهم الذين كنت قد التقيتهم قبل بضعة شهور في تونس في ندوة نظمها منتدى الجاحظ كانوا قد اقتربوا مني بعد أن فرغت من محاضرتي فعرّفوا أنفسهم وطلبوا مني أن التقي بهم· انعقد اللقاء بيننا إذّاك في سرية شديدة وباحتياطات كبيرة، كان هؤلاء قيادات من حركة النهضة قد خرجوا لتوهم من السجن بعد سنوات طويلة تتراوح بين سبع وخمس عشر سنة قضوها في سجون بن علي المخلوع حُرموا فيها من كل شيء حتى الكتب والمصاحف إلى أن اضطر كل منهم أن يكتب على أوراق أكياس الحليب ما يحفظه من القرآن ليصنعوا مصاحف يقرأون فيها كلام الله، وغير ذلك من أنواع العذاب والإيذاء التي لا بد أن تُوثّق لتقرأها الأجيال· كانت وجوههم يوم ذاك تُعبر عن حزن عميق يحرج الناظرَ إليها، وأعينهم تنبئ عن شعور بقهر وظلم مستمرين يُلغي كل معنى للحروف والعبارات يطلبون النصيحة والدعم والمساندة، فتركوا في نفسي حالة من الكآبة والحيرة رافقتني أسابيع بعد عودتي للجزائر لفرط الإشفاق على حالهم والعجز الشديد على إعانتهم، لأن الذي كانوا يشكون منه ليس عرضا ماديا يمكن تدبيره، ولكنه شيء معنوي يتعلق بالحرية والكرامة وفرصة العمل لوطنهم وأمتهم، وهو أمر كان يبدو مستحيلا في تلك الفترة، وما هي إلا شهور حتى زال الظالم، وها أنا ألتقي بهؤلاء المظلومين مرة أخرى في علانية تامة وبهجة كاملة، ولئن لم يكن شيء قد تغير من هندامهم وشكلهم، فإن كل شيء تغير هذا اليوم في طلعتهم ونظرات عيونهم وتعابير وجوههم ونبرات حديثهم وكأنهم غُطسوا غطسة واحدة في أجواء الحرية فقالوا ما رأينا من قبل عناء قط، وما ينتظرهم عند الله أفضل بحول الله، وتحولتُ أنا بين أيديهم إلى تلميذ يتلقف كل كلمة عن أحاديث الثورة وآفاق المستقبل، أتأمل في ما يحدث من تحوّلات كبيرة يعجز العقل عن إدراكها سوى أنها بيِّنات عَظَمة المولى سبحانه وأمارات الدخول لعهد جديد كريم بحول الله·
    اللوحة الثالثة: في صبيحة اليوم الموالي توجهنا رفقة مضيفنا الكريم إلى شارع بورقيبة لنرى ساحة الثورة وبقعة الجغرافيا والتاريخ التي تَقرَّر فيها إزالة الاستبداد والفساد ليس في تونس وحدها لكن في العالم العربي كله، وجدنا الشارع يَعُج بالناس بين متظاهر في مسيرات تَرفع لافتات مطالب باقية، وواقف هنا وهناك في تجمعات تتحدث عن مكاسب غالية، لا يريدونها أن تضيع في أروقة سياسة غادرة، يتعايشون بتلقائية طبيعية مع دباباتٍ وعساكر يحرسون مقر وزارة الداخلية التي كاد المتظاهرون أن يحرقوها عن آخرها في يوميات الثورة· في ذلك الشارع الواسع العريض جلست في مقهى كان لي فيها لقاءات مع عدد من شخصيات الطبقة السياسية تطمح أن يكون لها موقع في الساحة التي تتشكل في تونس وأهم لقاء في هذه الديوانية المفتوحة كان مع أحد قيادات الاتحاد التونسي للشغل، كان رئيسا للوفد التونسي في قافلة شريان الحياة 5 تشرفنا بوجودهم معنا في وفد المغرب العربي الذي كنت أشرف عليه ورُبطت بيننا صداقة حميمة فيها بركة فلسطين، فكان الحديث معه مليئا بالفائدة، حيث أعطاني من المعطيات عن الثورة التونسية وتطوراتها والأطراف التي شاركت فيها وعن الحكومة القائمة وعن حقيقة وتاريخ كثير من الأشخاص في المشهد السياسي التونسي وعلاقة هذا بذاك وارتباطات هذا بهذه القوى المحلية، وذاك بتلك القوى الدولية، وعما ينوون القيام به لحماية مكتسبات الثورة بكفاءة ودقة أدهشتني وجعلتني أتعلم شيئا نفيسا عن الحاضر واحتمالات المستقبل·
    اللوحة الرابعة: صلّينا صلاة الجمعة في مسجد جميل أنيق من مساجد تونس يبدو عليه أنه كان مسجدا رسميا يؤمه كثير من المسؤولين، وكنت أتوقع أن يكون الخطيب فيه نمطيا على شاكلة الأئمة الرسميين الرديئين يصعب عليه التكيف مع الواقع الجديد، فإذا به يظهر عالما مقتدرا بمظهر وخطاب زيتوني يتحدث في السياسة الراشدة وعدالة الحكام ورحمتهم وحلمهم وضعفهم البشري وصدقهم يستند على نصوص من تاريخ الخلفاء وصفحات الإسلام المشرقة وأقوالٍ لعلماء تونس الكبار كالطاهر بن عاشور ومحمد الصادق النيفر وغيرهما، فقلت في نفسي كيف كان حديث هذا العالم في زمن الطاغية ثم صرفت ذهني عن هذا السؤال واكتفيت بمتعة الاستماع· وبعد الصلاة كانت فرصة للقاء كثير من الأصدقاء والزملاء من عدد من المنظمات الحقوقية والإعلاميين والأكاديميين، كانت لي فرصة الاشتغال معهم في شبكة الديموقراطيين العرب في السنوات الماضية، ولقاء آخر مع المكتب الوطني لحركة النهضة تحدثنا فيه عن تجاربنا المشتركة وسبل التعاون المستقبلية خصوصا في مجال التأهيل الشبابي، فاتضح لي أن فرص تطوير التعاون المغاربي صار لا حد لها·
    اللوحة الخامسة: كانت لحظات المغادرة من أكبر اللحظات المليئة بالمشاعر والأحاسيس العميقة هزّنا فيه مشهد مؤثر لا يُنسى وخبر عظيم لا ينمحي، أما الخبر فهو إعلان تنحي مبارك الذي شاء الله أن نسمع به ونحن في مطار تونس لنتذكر مع التونسيين بأن هذا الإنجاز العظيم الذي أسعد العرب والمسلمين في كل أنحاء الدنيا وسيكون له أثر عظيم على مستقبل البلاد العربية وقضاياهم الأساسية وخصوصا القضية الفلسطينية هو إنجاز كان للمغرب العربي فيه دور كبير، إذ الفتيل اشتعل في تونس والانهيار الكبير للطغيان كان في مصر، فيحق لنا أن نفخر بانتمائنا المغاربي العربي الإسلامي، وأن نتوقع له مساهمة فاعلة في مجد أمتنا القادم· وأما المشهد المؤثر، فهو رجوع مطاردين تونسيين إلى بلادهم بعد سنوات طويلة في المهجر استقبلهم أهاليهم بالزغاريد والهتافات والأناشيد الوطنية وبالرايات التونسية في جو مهيب لم يتمالك فيه أحد منا نفسه، سالت فيه دموع الجميع لرؤية الأطفال والنساء والرجال والشيوخ يبكون ويتعانقون بحرارة شديدة ويحمدون الله ويشكرونه أن أجاب دعاءهم في يوم كانوا يرونه بعيدا، فأراده الله قريبا·


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الخطوات العشر للإصلاح الهادئ في الجزائر

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:01

    ‬‮ عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 03 - 03 - 2011

    لا يستطيع أحد أن يقول بأن هذا البلد أو ذاك في العالم العربي في منأى عن حدوث ثورات واضطرابات كبرى كالتي حدثت في تونس ومصر وتحدث في ليبيا والبحرين واليمن.
    *
    فالذي نراه في المنطقة العربية أمر يتجاوز حدود التفكير، ولئن كان بعض الباحثين تحدثوا بأن الوطن العربي مرشح لاهتزازات كبيرة فإنه لا توجد أي جهة دراسية في العالم استطاعت أن تتنبأ بأن التحولات ستكون في هذا البلد أو ذاك، ولو طُلب من أي أحد مهما كان علمه أن يضع لنا قائمة بالدول المرشحة لانهيار نظامها السياسي قبل انطلاق تساقط أحجار الدومينو لوضع تونس في آخر القائمة، وكثير من الباحثين والسياسيين كانوا يقولون بأن الوضع في مصر ميئوس منه، كما أنه بعد سقوط النظام التونسي والمصري كان البعض يقول بأن ليبيا مستعصية على الثورة لأن عدد السكان قليل والثروة هائلة والقذافي يستطيع أن يشتري السلم الاجتماعي. إن الذي يحدث أمر رباني أراده الله دون مسببات مباشرة وهذا الذي أراده الله وقضاه هو لصالح الأمة وهو "مخرج من حيث لا نحتسب" يتناسب مع نص صحيح صريح "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" فلئن كانت المائة سنة الماضية من أجل تحرير الأوطان وتحرير العقول من التبعية للمستعمر وتوعية الجماهير بهويتها وانتمائها فإن المائة سنة المقبلة ستكون للتحرر من ديكتارتوريات الحكم الجبري وبناء الدول المنتمية للأمة وليس للأشخاص والعائلات والزمر، الممثلة حقا للشعوب وتطلعاتها، الخاضعة للمحاسبة، والمطالبة بتحقيق التنمية والعدالة لجميع المواطنين.
    *
    إن التغيير الذي يحدث هذه الشهور يمثل نمطا جديدا لا تستطيع أن تعرقله أية قوة محلية أو أجنبية، ومهما حاولت هذه القوى أن تحرفه عن مساره لتستفيد منه فإن الأمة ستكون أكثر فائدة، لأن هذا التغيير سيحمل معه في كل الأحوال رياح الحرية التي سيكون فيها الإسلام ومن يعملون له من "إسلاميين" وغيرهم أكثر فائدة من أي جهة أخرى لمن ملك منهم زمام المبادرة وتوكل على الله. وعلى هذا الأساس، فإن الجزائر قطر من الأقطار العربية لا يستطيع أحد أن يؤكد أو ينفي حصول تحولات جذرية فيه بطريقة أو أخرى حيث أن شكل التحول في تونس غيره في مصر وشكله في مصر مختلف عليه في ليبيا. وفي كل الأحوال يوجد في الجزائر من الأسباب ما يكفي لاستمرار الاحتقان وقلة الولاء للنظام الحاكم مهما كانت الإجراءات المرهمية التي يُنظر إليها كرشاوي تُقدم للطبقة السياسية والشبابية غير منضبطة ولا مدروسة لا تؤسس لعهد جديد يضمن توفير تنمية حقيقية وحرية دائمة.
    *
    ولكي نحتاط لأنفسنا في الجزائر لا بد من بلورة رؤية جريئة لتحقيق إصلاح هادئ، ولن تكون هذه الخطوات مقبولة إلا إذا كانت استباقية تعبر عن قناعة واستفاقة مبكرة، إذ يكفي أن نطّلع على حجم التنازلات التي قدمها النظام التونسي والنظام المصري والتي يقدمها الآن القذافي والتي لم تكن تخطر على البال مطلقا ولكنها رفضت لأنها جاءت بعد فوات الأوان.
    *
    إن الفساد أعمى لا يرى الخطر وهو قادم، وهو ضعيف الإحساس لا يبدأ يشعر بالألم إلا إذا ضُرب ضربات عنيفة ومتتالية، فإذا شعر بذلك سارع إلى تقديم تنازلات لم يكن يراها حتى في كوابيسه الليلية الأكثر هولا، فإذا رُفضت تنازلاته وشعر بالموت يلاحقه صار تخبطه مهولا تزهق بسببه أرواح كثيرة وتسيل دماء غزيرة، وتكون فضاعة جرائمه بمقدار حجمه واتساع رقعته في البلاد التي يحل فيها. إن انتشار الفساد في الجزائر واتساع رقعة الحرمان وانعدام فرصة التداول على الحكم تمثل أخطارا حقيقية على اسقرار الوطن، ولا يمكن الخلاص منها إلا بخطوات جريئة ترسم معالم طور جديد مخالف للأطوار السابقة التي حققت إيجابيات كثيرة بلا شك ولكنها ابتليت بسلبيات أخرى كبيرة منعت من التطور وصارت غير قادرة على تحقيق الرضا لدى قطاعات واسعة من الناس.
    *
    ومهما قيل عن عدم وضوح مركز الحكم والقرار في الجزائر، فإن المسؤول الأول أمام الله وأمام الشعب وأمام التاريخ هو رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، ومهما كانت الصعوبات التي تحيط به والتي يتحدث عنها بعض أنصاره، فإنه قادر على اتخاذ الخطوات اللازمة للإصلاح بما يجعله يصنع الاستثناء في الوطن العربي فتتعلق به الجماهير في الجزائر وغيرها ويدخل التاريخ من بابه الواسع.. وهذه عشر خطوات أساسية قد يساعد اعتمادها على تحديد معالم إصلاح هادئ يذهب إليه جميع الجزائريين بتوافق تام بلا اضطرابات ولا صراعات:
    *
    1-‬إعلان رئيس الجمهورية عدم ترشحه لعهدة أخرى، وعدم دعمه لأي مرشح آخر حتى يثق الجميع بأن فرصة الإصلاح حقيقية.
    *
    2- توفير ميزانية كافية لضمان الاحتياجات الاجتماعية العاجلة والضرورية للمواطنين، وبالتوازي تشكيل لجنة مركزية تنبثق عنها لجان فرعية متخصصة تشارك فيها كل القوى السياسية والاجتماعية والتنموية للقيام بمجهود جاد لبلورة رؤية اقتصادية من خلال مسار دراسي يدوم سنة كاملة بالاعتماد على النماذج الناجحة خصوصا في‮ العالم الإسلامي،‮ وتوضع نتائج الدراسة تحت تصرف الدولة وكل الأحزاب التي تريد الاستفادة منها في برامجها.‬
    *
    3- توسيع مجال التعبير الحر عبر مختلف وسائل الإعلام وعبر التظاهرات والمسيرات في كل ولايات الوطن بلا استثناء، ووقف الرقابة العلنية والخفية على وسائل الإعلام، وتوقيف ابتزاز الصحافة المكتوبة بسلطان وكالة الإشهار والمطابع والسماح بنشاط الفضاء الإعلامي السمعي البصري الجزائري والعربي بدون استثناء.‬
    *
    4- ضمان حياد الإدارة ومؤسسات الدولة في المنافسة السياسية والعملية الانتخابية، وإنهاء حالة الشعور بالأمان السلبي الدائم لدى بعض الأحزاب المسنودة من النظام وبعض الدوائر المالية، وكذا ضمان استقلالية منظمات المجتمع المدني لكي تتطور هذه الأحزاب والمنظمات وتتعافى من حالة العقم في الفكر والإبداع وقلة الفاعلية من خلال أجواء التنافس الحر والنزيه.‬
    *
    5- فتح المجال لتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات ومختلف مؤسسات المجتمع المدني.‬
    *
    6- فتح حوار مع الطبقة السياسية التي لها تمثيل في البرلمان والمجالس الشعبية المحلية بدون استثناء، لا يتجاوز الشهر الواحد، حول ضمانات الإصلاح ومكافحة الفساد والتحول إلى الديمقراطية بمقاييس متفق عليها.
    *
    7- تنظيم ندوة وطنية بإشراف مشترك بين رئاسة الجمهورية والطبقة السياسية تتويجا لمسار الحوار، ودراسة ماذا تحقق من بيان أول نوفمبر بعد خمسين سنة من الاستقلال، وبلورة عقد وطني يضمن سلامة الوطن والتداول السلمي على السلطة.
    *
    8- تعديل الدستور وفق ما تفرزه ندوة الحوار وبمرجعية بيان أول نوفمبر باعتبارة الوثيقة السياسية الوحيدة التي يجمع عليها الجزائريون.‬
    *
    9- تنظيم انتخابات تشريعية في وقتها أو مسبقة وفق ما يُتفق عليه تنبثق عنها حكومة أغلبية للحزب الفائز أو عبر تحالف تفرضه نتائج الصندوق يقوم على التفاوض بين الأحزاب المتحالفة لا غير لتوفير أغلبية برلمانية وحكومة مسؤولة أمام المواطنين، والاتفاق على برنامج مشترك يهدف لتحقيق التنمية الاقتصادية وتوفير العدالة وفق بنود الدستور الجديد.
    *
    10- تنظيم انتخابات رئاسية يستبعد فيها مرشح الإجماع أو مرشح مستقل تسنده مؤسسات الدولة.‬


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    في ذكرى العدوان على أسطول الحرية

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:02

    في ذكرى العدوان على أسطول الحرية
    عبد الرزاق مقري الخبر : 01 - 06 - 2011

    مرّت في الليلة الماضية سنة كاملة على العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية، ولم يكن يخطر على بال من كانوا على سفينة مرمرة في تلك الساعات بأن مغامرتهم تلك، ستغيّر معطيات كثيرة بخصوص القضية الفلسطينية وعلى الساحة الدولية.
    حينما انتبه هؤلاء أن أسطولا بحريا عسكريا إسرائيليا، لا يُرى مثله إلا في الحروب الكبيرة بين الدول، قد أحاط بهم ، علموا أن الواقعة ستكون كبيرة، فقرروا أن لا يأخذهم الإسرائليون بسهولة كالقطعان، وأنه لا بد من مواجهة، ولو بالصدور العارية والأيادي الخالية من السلاح، فكانت المجزرة وسالت الدماء، وبعد ساعات من العراك غير المتكافئ ، تمكّن الجنود اليهود الجبناء من التحكم في السفينة الرمز، وقيّدوا ركابها وجمعوهم في مكان واحد، وجعلوا على رؤوسهم أعدادا هائلة من عساكر مدججين بالدروع والأسلحة المتطورة ، يخفون وجوههم بأقنعة لا تُرى منها إلا عيون خائفة زائغة، واقتادوهم إلى سجن بئر السبع وألبسوهم لباس السجناء.
    وحينما أُدخل هؤلاء المغامرون الزنازين لم يكونوا على علم بما يحدث في العالم. ظنوا أن مقامهم سيطول بين تلك الجدران السميكة، فاستعدوا لذلك وفوّضوا أمرهم لله، ولم يكن لهم من هم إلا الاتصال بأهاليهم ليطمئنوهم ويصبّروهم. وفي المساء بدأ القناصلة الأوربيون يتوافدون على السجون ليَطْمئنوا على مواطنيهم، فقال ديبلوماسي نورويجي حينما سأله أحدنا ماذا يحدث خارج السجن: ''إن العالم لا يتحدث إلا عنكم، وإن العلاقات الدولية لن تكون كما كانت عليه قبل حادثة ليلة أمس''، فعلم الجميع أن هدفهم قد تحقق أكثر بكثير مما كانوا يريدون. وجاء مع القناصلة محامون متطوعون من عرب الداخل الفلسطيني، لتدريب المقبوض عليهم على طرائق الجواب أثناء التحقيق، وما الذي يجب قوله وما الذي لا يجب قوله، فقال أحدهم: ''إن الخطوة التي خطوتموها ليست خطوة كبيرة نحو كسر الحصار على غزة فحسب، بل هي خطوة أساسية نحو تحرير فلسطين''.
    لعل الكثير من سجناء قضية أسطول الحرية لم يكونوا يأخذون هذا الكلام مأخذ الجد، وربما اعتبروه مجاملة للتخفيف عنهم، ولكن اليوم وفي خضم التداعيات المتتالية لصالح القضية الفلسطينية بعد سنة يتيمة من الزمن، صار واضحا بأن فلسطين والعرب والمسلمين على موعد قريب مشرق بحول الله.
    لأجل هذا... وقياما بالواجب لا بد أن نتذكّر، بهذه المناسبة، شهداء مرمرة الذين أحيت دماؤُهم الأمةَ كلها ، وأيقظت قطراتُها ضمائر الأحرار في العالم بأسره، ولا يجب أن ننس الجرحى الذين بقي بعضهم معطوبا تشهد تضحياتهم على علو قيمة فلسطين، ومن الوفاء أن نتذكر كل من شقّ عباب البحر للقاء غزة ولعيون المسجد الأقصى، ولا يصح أن نغفل عن تذكر كل من ساهم في تجهيز وتسهيل إنجاز تلك المهمة ولولم يركبوا البحر، ولعل أجر بعضهم أعظم من أجر بعض من واجه الصهاينة وتأذّى برؤية وجوههم، ولا بد أن نخص من بين هؤلاء كل من ساهم من الجزائريين في تمكين وفد الجزائر في أسطول الحرية من تشريف الوطن وأهله ورفع راية البلد بين مختلف الجنسيات، في أعالي البحار وفي مواجهة جنود الخزي والعار... لا بد أن نخص بالشكر كل أولئك المواطنين البسطاء، والمحسنين الأسخياء، والإعلاميين الميامين، والمسؤولين الذين لم يعيقوا إنجاز المهمة... تقبل الله من الجميع.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    «وجودنا في التحالف ليس زواجا كاثوليكيا» قال إن الفساد هو الذي يهدد الجزائر، مقري..

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:03

    عبد الرزاق مقري الأيام الجزائرية : 09 - 06 - 2011

    نستطيع تحقيق أغلبية برلمانية في انتخابات 2012
    جدد «عبد الرزاق مقري» نائب رئيس حركة مجتمع السلم؛ موقف الحركة من التحالف الرئاسي وقال"وجودنا في التحالف الحاكم ليس "زواجاً كاثوليكياً كما يقال، وليس إستراتيجية أبدية، بل إنه مؤقت بزمن، فالأوضاع التي كان يمر بها الوطن، أملت علينا هذه الإستراتيجية.. ونحن حققنا نتائج كبيرة، وسيتحدث التاريخ بأن الحركة كان لها دور أساسي في إنقاذ الجزائر، وفي إنقاذ المشروع الإسلامي كذلك".
    قال مقري في حوار مع موقع "إسلام أونلاين" أمس أن الوضع اليوم تغير، مشيرا إلى أن "الذي يهدد الدولة ليس الإرهاب، وإنما هو انتشار الفساد، لذلك أعتقد أن التحالف في فتراته الأخيرة، والمؤكد أن مؤسسات الحركة هي التي ستفصل في هذا الموضوع ما في ذلك شك، وبخاصة مع رياح التغيير والثورات الموجودة في العالم العربي"، وأضاف الرجل الثاني في حمس "نحن في حركة مجتمع السلم قررنا أن نرفع السقف عالياً من أجل الإصلاح في الجزائر، وأن الجزائر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون غائبة عن موجة الإصلاح، ونحن أردنا أن يكون هذا الإصلاح سلمياً ورفعنا السقف عالياً ولا نبالي، هل هذا سيؤثر على التحالف أم لا؟ إذا حقق هذا السقف الإصلاح مع وجودنا في التحالف، فذلك أمر جيد، ولكن إذا خيرنا بين الإصلاح ووجودنا في التحالف سنختار الإصلاح السياسي، ما في ذلك شك".
    وحول سؤال متعلق بعقد تحالفات إسلامية مستقبلا بديلة عن الائتلاف الرئاسي لم يستبعد مقري هذا الأمر وقال "نحن في ساحة سياسية مفتوحة وكل الخيارات واردة، وبطبيعة الحال الأقرب إلينا في الساحة السياسية هو التيار الإسلامي، ولكن إذا كانت متطلبات المرحلة هي الكفاح من أجل الديمقراطية، ومن أجل الإصلاح السياسي، سنتعاون مع كل من يشترك معنا في هذا الموضوع، سواء من الإسلاميين، أو من التيارات الأخرى من غير الإسلاميين، لذلك نحن سنطلب من الإسلاميين أن تكون الجبهة عريضة، وأن لا تكون فقط بين الإسلاميين، بالطبع هذه الأمور سيمليها الواقع المقبل، وستفصل فيها مؤسسات الحركة، نحن نتحدث عن تحليلات وعن تخمينات".
    وفي سياق مغاير وحول سؤال متعلق بانتخابات 2012 أبدى مقري تفاءلا كبيرا في هذا الصدد وقال "يمكن للحركة أن تحقق أغلبية برلمانية في انتخابات عام 2012، بالرغم من أنه في العمل السياسي كل الاحتمالات واردة، ولكن أنا شخصياً مطمئن تماماً، إلى أننا يمكن أن نصل إلى الأغلبية البرلمانية في عام 2017، إذا استطعنا أن نسدد ونقارب في خطنا السياسي وفي أدائنا عموما".
    وكشف في نفس السياق عن نية حركته في فتح نقاش واسع مع الإسلاميين لإقناعهم من أجل التكتل مع مختلف التيارات الأخرى قائلا "سنطلب من الإسلاميين أن تكون الجبهة عريضة، وأن لا تكون فقط بين الإسلاميين، بالطبع هذه الأمور سيمليها الواقع المقبل، وستفصل فيها مؤسسات الحركة، نحن نتحدث عن تحليلات وعن تخمينات، والمستقبل يعلمه الله".


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    شخصية صاحب القرار في النظام الجزائري

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:04

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 18 - 10 - 2011

    لقد ساهم البعد الوطني في شخصية صاحب القرار في النظام الجزائري كثيرا في بناء الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، وقد كانت له انجازات مهمة بلا ريب، إلا أن أبعادا سلبية أخرى نافست ذلك البعد وتغلبت عليه، فأدت إلى الإخفاقات الكبيرة المعلومة في مجالات التنمية والتطوير والحريات والديمقراطية بعد خمسين سنة من الاستقلال.
    *
    أول هذه الأبعاد السلبية من حيث الأهمية والتطور الزمني "الروح الأبوية" التي دفعت من حكموا البلاد عبر سنوات طويلة إلى عدم الثقة في نزاهة وأحقية غيرهم في تحمل أعباء مسؤولية الوطن. ولا شك أن تشكيل هذه الحالة النفسية يعود للشرعية التاريخية التي تأسس عليها نظام الحكم منذ البداية. وقد يكون هذا البعد مُتفَهَّما في مرحلة ما، غير أن الذي خدش بعده القيمي كونه مُورس وفق المعايير الحصرية التي فرضها الفريق الذي تحكّم في السلطة، وليس فقط على الوقائع التاريخية الحقيقية، إذ نجد شخصيات لم تشارك في الثورة بل بعضها كان له صلات مشبوهة بالاستعمار تقلد مسؤوليات معتبرة في الدولة. وشخصيات أخرى لها كامل الشرعية التاريخية هُمشت عن دوائر الحكم حتى لقيت ربها.
    *
    ومع طول البقاء في السلطة والتحكم في أدواتها، تشكّل في نفسية الحاكم "بعدٌ استعلائيٌّ" رسّخ فيه عدم رؤية غيره في فهم ما يصلح للوطن وما لا يصلح له، فصار مفهوم المصلحة الوطنية غامضا متقلبا، لا شيء معلوم ومتفق عليه يضبطه، لا يُفسّر إلا وفق ما يريده من بيدهم أمور الدولة. ومن لا ينضبط بهذا التفسير، المشحون بمنطق "ما أريكم إلا ما أرى"، يُعتبر مخدوشَ الوطنية ومتآمرا على الدولة الجزائرية. وقد تتقلب هذه التفاسير من مرحلة إلى أخرى فيكون الخيار الاشتراكي في مرحلة ما مثلا خيارا لا رجعة فيه، وأي شخص يدافع عن قناعة أخرى يوصف بالرجعية والتآمر مع جهات أجنبية. ثم ينقلب الوضع لنجد أنفسنا أمام خيار اقتصاد السوق من نفس النظام ونفس الأشخاص بعيدا كل البعد عن التداول المعلوم في الأنظمة الديمقراطية. وفي مثال آخر يكون الحوار مع الجماعات المسلحة في مرحلة ما خيانة عظيمة تُعرِّض السياسيُ الذي يُقدِم على اقتراحه إلى مهالك كبرى، ثم فجأة يُعلَن عن مشروعٍ كامل وتسويات دقيقة مع فصيل كبير من حمَلة السلاح. وهو نفس التحول نلحظه الآن يحدث بالتدرج بخصوص الملف الليبي بعد أن كان صاحب الرأي المخالف للموقف الرسمي يظن نفسه أجنبيا عن الوطن ومتآمرا على الدولة. وذات الأمر وقع في حالات أخرى مهمة كملف المحروقات وتعديل الدستور الحالي. لا يظهر بأن صاحب القرار في الجزائر يجد شيئا من الحرج في تقلب تفسيراته لمفهوم المصلحة الوطنية، لروحه الاستعلائية و لما يملكه من قوة ومنعة وسلطة غير قابلة للمساءلة، وإنما الخاسر في ذلك أطرافه الرخوة الملتزمة بتفسيراته المتناقضة من أحزاب ومنظمات وشخصيات لما تفقده من رصيد مصداقيتها في كل مرة.
    *
    وإلى جانب هذين البعدين "التاريخي" و"الاستعلائي" العلنيين، رافق مسيرة بناء الدولة الجزائرية "بعد إيديولوجي علماني "مُغلَّف" يُفسِّر كثيرا من السياسات والقرارات والحساسيات لدى صاحب القرار. ويعود سبب وجود هذه المسحة العلمانية إلى تمَكُّن التيار المتأثر بثقافة المستعمر على مستوى الإدارة والمؤسسة العسكرية للاعتبارات التاريخية التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة وفصّلها الطاهر الزبيري في مذكراته. وذلك رغم وجود تيار آخر عروبي وعروبي- إسلامي في مؤسسات الحكم استطاع أن يحُدّ من مخاطر الانسلاخ الحضاري الكامل، ولكنه لم يقدر على فرض تكريس المبادئ الإسلامية في بناء الدولة الجزائرية كما ينص عليه بيان أول نوفمبر لأسباب تتعلق بكفاءة وتكوين من يمثلون هذا التيار الثوابتي. وكذلك لمقدار فهمهم للإسلام والتزامهم به ونفوذهم داخل الحكم وقوة شخصيتهم وصمودهم أمام مغريات السلطة. ولا يتعلق الأمر هنا بالضرورة وفي كل الأحوال بالتقسيم التقليدي بين "المفرنسين" و"المعربين" في تاريخ الصراع الإيديولوجي الذي عرفته الجزائر داخل نظام الحكم وخارجه. فقد ثبت أن مسؤولين معرّبين فرّطوا في الاتجاه المحسوبين عليه وكانت لهم تصرفات مساندة للتيار التغريبي، ومسؤولين مفرنسين كانت لهم مواقف مشرّفة ودافعوا عن انتمائهم وثقافتهم العربية الإسلامية باللغة الفرنسية نفسها.
    *
    وإلى جانب هذا الأثر الإيديولوجي في تشكيل ذهنية وشخصية صاحب القرار في النظام الجزائري هناك بعد "خفي" تعود جذوره إلى عهد الحركة الوطنية وهو "البعد الجهوي والعرقي". لم تكن الثقافة والانضباط السائدان في ذلك الوقت وظروف المواجهة مع المحتل تسمح بتفشي هذه الحالة الاجتماعية والنفسية، ولكن ممارسة السلطة والتحكم في دواليبها والرغبة في البقاء فيها مع استصحاب الذاكرة التاريخية والبيئة الاجتماعية حوّل الجهوية إلى سمة بارزة في نفسية صاحب السلطة في أي موقع من مواقع مؤسسات الدولة.
    *
    ويمكننا تصنيف الأقطاب الجهوية الحاضرة في هذا الشأن إلى ثلاثة أقطاب كبرى تنزوي تحتها أو إلى جانبها أقطاب أخرى فرعية أو غير نافذة لا نهتم بها في هذا المقام. ويمثل قطب الشرق الجزائري أقدم وأعرق الأقطاب، وقد امتد نفوذه طويلا إلى منتصف التسعينيات. ثم يليه تكتل الغرب الجزائري، وقد اتسع نفوذه بشكل معتبر في الآونة الأخيرة وأخذ أحجاما غير مسبوقة لا تخفى على أحد. ثم هناك تكتل منطقة القبائل وهو تكتل مستقر النفوذ في مختلف مؤسسات الدولة في كل المراحل والأحوال. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه التكتلات لا تعني سكان هذه الجهات وإنما هي تصرفات يمارسها السياسيون لصناعة العُصَب بغرض التحكم والسيطرة واستجابة للنوازع الترابية التي تَتمدّد لدى المسؤولين وتأخذ أحجاما تتجاوز المعقول كلما غابت ثقافة الدولة وتلاشت روح المسؤولية. وهي ظاهرة حاضرة بقوة في النقاش السياسي الجانبي ولكنها لم تكن في يوم من الأيام موضوعا من مواضيع الشأن العام التي يتناولها السياسيون والمثقفون بكل شفافية ووضوح في وسائل الإعلام أو البرلمان أو في المصنفات والمؤلفات.
    *
    وإضافة إلى ما سبق، هناك بعد آخر ليس خفيا فحسب كالبعد الجهوي بل هو "مستنكر ظاهريا" كذلك بالرغم من تفشيه داخل مؤسسات الدولة وهو "بعد المصالح" الذي تمثل ظاهرة الفساد حالته الانحرافية القصوى. ويتقاطع هذا البعد مع الأبعاد الأخرى كلها ولكنه يتجاوزها في كثير من الأحيان وله قواعده ومراكزه ومجموعاته الخاصة. ويتجه التطور السياسي- في حالة عدم نجاح الإصلاحات - ليجعل هذا البعد هو البعد المهيمن في تشكيل ذهنية صاحب القرار والركيزة الأساسية للحكم مستقبلا خصوصا بعد حالة الإضعاف التي تعرضت لها المنظومة القيمية الوطنية والإسلامية، وفي ظل وجود سيولة مالية ضخمة يتم التعامل معها بلا شفافية ولا رقابة. والمقصود بالمصالح الشخصية هو الحالة النفسية التي تجعل المسؤول يطرح السؤال على نفسه "ماذا أستفيد أنا شخصيا باتخاذ هذا القرار أو ذاك؟ " سواء تعلقت الاستفادة بالشخص صاحب السلطة أم بمحيطه وأسرته وفريقه. وقد يُقصد بالاستفادة المحافظة على مصلحة موجودة أو الطمع في كسب عرَض مفقود، وقد تكون المصلحة مادية بحتة تتعلق بالمتع الحسية من أموال وعقارات وغيرها وقد تتعلق بالسلطة والجاه والفخر والنفوذ وما شابهها. وأنواع ممارسة السلطة من أجل المصالح كثيرة، تبدأ من أبسط تصرف وهو استخراج وثيقة من مصلحة الحالة المدنية في بلدية نائية، إلى أعلى القرارات وأسماها في مجال العلاقات الدولية والتشريعات القانونية وما بينهما مما يتصل بالأحكام القضائية والجباية الضريبية والتعاملات البنكية والصفقات العمومية والتوظيف والتسكين وغيرها من القرارات السلطوية والإجراءات الإدارية.
    *
    إن تمازج هذه الأبعاد الخمسة "الأبوية" و"الاستعلائية" و"الأيديولوجية" و"الجهوية" و"المصلحية" في تشكيل شخصية صاحب القرار في النظام الجزائري هي التي أفقدت الحكم صفة الرشد ومنعته من الاستعمال الأكفإ للموارد المادية والبشرية التي تزخر بها البلاد لتحقيق التطور والنمو والتحضر. ولا يعني هذا بأن كل من في الدولة الجزائرية مبتلى بهذه الأدواء، فلو كان الأمر كذلك لوقع الانهيار الكلي. فلا شك أن هناك فئة وطنية ومستقيمة موجودة في مختلف مؤسسات الدولة وهي التي تمثل أمل الحكم الصالح حينما تصبح التعيينات والترقيات قائمة على أسس مهنية عادلة.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تونس بوصلة النهضة العربية القادمة

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:05

    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 25 - 10 - 2011

    زرت تونس مباشرة بعد الثورة، وكتبت مقالا يومذاك، تحدّثت فيه عن دهشتي من فُجاءة تغيّر الأحوال، وكيف يرفع الله أقواما ويحط آخرين، دون أن يستشير سبحانه هذا أو يتحوّط لسخط أو رضا ذاك. وضربت براشد الغنوشي مثلا عن فضيلة الصبر، وكيف يُكرم الصابرون بعد طول معاناة، فتُصدِّقُ مواقفَهم وآراءَهم الأحداثُ. وتعود لهم الأيّامُ، راغمة، راضية شاءت أم مرغمة، إذ لم يخضعوا للظلم والفساد والطغيان. ولم يبرِّروا للحاكم المستبد استبداده، لمجرد أنه يسمح لهم بالعيش وتنفس الهواء... أو التمتع ببعض المنافع والأهواء. وحينما توالت الثورات في الوطن العربي على نهج "التوانسة" شكّك فيها المشككون وزعموا أنه مجردُ هيجانٍ مضرٍّ ليس فيه ما يُصلح تلك الأوطان. فقلت لكثير من الأصدقاء، وفي عدد من المقالات، بأن غراس الثورة لن يُؤكل في الآن، ولكن مقصدَها الأعلى قد تحقق، وهو كسب الحرية وكسر جبروت الهيمنة والطغيان، وأن الحدث المؤشّْر سيكون في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، بلا غش ولا توجيه، ولا تزوير. فإن حدث ذلك فقد نجحت الثورة وستتوالى نجاحاتها أراد الراضون بالواقع أم كرهوا. وشاء الله أن تكون الانطلاقة لبناء الديمقراطية بعد الثورة من تونس كذلك، ليكون هذا البلد الشقيق رمز التحريك والتغيير والإصلاح، ليكون هو بوصلة الطريق إلى النهضة في الوطن العربي.‬
    * حينما اندلعت الثورات في العالم العربي، قال رهط من الجزائريين: لقد صنعنا ثورتنا، ولسنا في حاجة لأخرى، لا في العاجل ولا الآجل، ونحن في خير عميم، لا ينقصنا مما تطلبه الشعوب العربية شيء. فإن تفضل علينا الحاكم بإصلاحات وفق مقاسه وإرادته الحرة فهو ذاك وإلا فيكفينا أن نعيش على خبر السابقين وأن نتمتع بقصص ما فعله الأولون. صدق هؤلاء حقا إذا ما تحدثوا عن التاريخ، لقد سطر آباؤنا وأجدادنا ثورة مجيدة لم يكن لها مثيل في الزمن المعاصر جعلت الجزائريَّ بعد الاستقلال يرفُلُ في أثواب المجد والعز، رافع الرأس، شامخ الأنف، حيثما حل وارتحل. غير أن طوارق الليل والنهار أتت على هذا المجد التليد تنهشُه كل يوم حتى فلّته. لم تكن تلك الطوارق مما تصنعه الكوارث الطبيعية، حاشاها، بل كان ذاك مما صنعه المتصارعون على الكرسي، والمتكاثرون على النًّهشِ، من حكام وأعوانهم.
    حينما فشلت قدسية الثورة في تحويل مجد التاريخ إلى مجد التقدم والتطوير، وبعد أن خيّب الحكام آمال الشباب بنهب خيرات البلد وقلة الوفاء لقيمه ثار الجزائريون في الخامس من أكتوبر 1988 وأشعلوا ثورة هي ذات الثورة التي رأيناها ونراها اليوم، لا ينقص من ملامحها ومطالبها شيء مما نراه في الثورات القائمة في مغرب البلاد العربية ومشرقها. فنحن حقا السابقون في الثورة بين العرب، سبَقْنا في الأول فأخرجنا المستعمر، وعلى أثَرِنا وبفعل ثورتِنا تحررت شعوب أخرى كثيرة، وسبَقْنا في الثاني فأنهينا الأحادية قبل غيرنا وفضحنا الفساد والفاسدين وافتككنا من الحاكم التعددية ووسّعنا لصالحنا ولصالح بلدنا هوامش الحرية. ويحق لمن توقفت مركبته في محطة التاريخ البائد أن يفرح وأن يسهر طول الليل فرحا مسرورا، ونحن بلا شك نشاطره الفرح ونقاسمه السرور، ولكن لن نبقى معه سائر الدهر في سهد الفرحين، لا بد بعد سهر الطرب من غفوة، ولكن لا بد بعدها من يقظة لنقيّم اللحظة. لقد ضُيِّعت ثورتُنا الكبرى ولم يَعد في نفوس أغلب الشباب منها شيء يُؤثِّرُ، ولم يعد لقيمها في ما نَصنعُ كل يوم ونفعلُ أثرٌ يُذكرُ. ثم ضاعت حصائل ثورة أكتوبر من بين أيدينا...
    لقد كانت ثورة أكتوبر فرصة للتصحيح بغض النظر عن ماهيتها ومبعثها وظروفها. فقد أفلحت في تغيير الواقع كثيرا وفتحت مجالا للأمل واسعا فسيحا. لقد كدنا أن نكون قبلة الحرية والديمقراطية بعد أن كنا قبلة الثورة والقوى التحررية. لقد صنعنا بعد أحداث أكتوبر دستورا، كان أكثر الدساتير العربية جرأة لضمان الحريات والتعددية، وصار إعلامنا مقصودا مقروءا ومشاهدا في العديد من البلاد العربية. واتجه الناس لتأسيس الأحزاب والجمعيات، وبرز حراك سياسي على شاكلة ما نراه في الساحة التونسية والمصرية. ولكن ذلك كلَّه ضاع وتبدَّد لنفس السبب الذي ضيَّع كثيرا من ميراث الثورة النوفمبرية، وهو الصراع على السلطة بلا وازع أخلاقي ولا روح وطنية.‬
    من أجل تبرير موقف إلغاء الانتخابات التشريعية سنة 1991 لا يتوقف أقطاب نظام الحكم على تكرار ما صرح به خالد نزار في الأيام السابقة للقضاء السويسري بأن الذي دفعهم لذلك هو التطرف الإسلامي للجبهة الإسلامية للإنقاذ و"نيتها المخبوءة" في إلغاء الديمقراطية بعد الوصول إلى الحكم عن طريق الصندوق. لا نستطيع أن نحاسب الناس عن نواياهم ولكن لا يجادل أحد في خطإ المنهج السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأنها أعطت مبرراتٍ عريضةً لخصومها لقطع الطريق عليها باستغلال قوة السلطان، غير أنه لا يوجد أحد في الجزائر يتمتع بسلامة العقل وبراءة الذمة يُصدق بأن السلوك السياسي للجبهة الإسلامية هو السبب الحقيقي والجوهري الذي دفع إلى وقف المسار الانتخابي، بل إفساد التجربة الديمقراطية كلها. ويكفي لتأكيد ذلك كبرهان قاطع لا تعقيب عليه أن نقول: ما الذي دفع نظام الحكم إلى تزوير الانتخابات الرئاسية سنة 1995 والانتخابات التشريعية والمحلية سنة 1997 بشكل فظ غليظ؟ ثم التلاعب بمختلف الاستحقاقات الانتخابية التالية بواسطة التزوير الذكي؟ هل المرشحون في تلك الرئاسيات والتشريعيات والمحليات المختلفة كانوا متطرفين يريدون الانقضاض على السلطة؟ ألم يوصف هؤلاء أنذاك بكل الصفات الوطنية؟ لم التزوير عليهم لولا داء الرغبة في البقاء على السلطة بعيدا كل البعد عن ادعاء ‮"‬المصلحة الوطنية‮".‬
    ليس مستغربا أن تبرز التوجهات السياسية الإسلامية كقوة أولى في أي انتخابات تكون حرة ونزيهة في الوطن العربي مثل ما حدث في تونس مع حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي. ولكن ليس هذا الذي يجعل تونس هي بوصلة النهضة العربية القادمة وقبلة الثوار الجديدة، إنما الذي يجعلها كذلك أنها نجحت في تحدي الانتخابات مهما كان الفائز فيها. ولا يظهر شيء يوحي بحدوث نكسة بعدها، كما حدث في الجزائر. فالحزب الفائز حزب كامل النضج، مستقيم المنهج، وسطي التوجه، وفي نفس الوقت غير مسلوب الإرادة وقادر على الدفاع عن مكتسباته، يُحسِن أن يكون في المعارضة كما يحسن أن يكون في السلطة. والأحزاب المنافسة مهما كان توجهها ليست استئصالية ولا تدعو لإلغاء الديمقراطية باسم الديمقراطية، وهي ليست وليدة السلطة ومخابر صنع القرار الخفية. والجيش ليس له أحزاب وكيانات سياسية يفضلها ويراهن عليها ويتمظهر بها. والقوى الدولية لم تعد تتوجس كثيرا من الإسلاميين. والرأي العام الغربي بدأ ينتبه إلى دجل التحاليل الكاذبة التي تروجها النخب المتغربة من بني جلدتنا في وسائل الإعلام ومراكز الدراسات والعلاقات الشخصية والمؤسسية عن الحركات الإسلامية والشعوب العربية. وقبل ذلك كله ثمة قوة الثورات العربية المتعاضدة ووهجها المتواصل التي لن تسمح للهيمنة والدكتاتورية ومصادرة الحريات أن تعود من جديد، وفوق ذلك كله هناك قدر غالب يشعر به المؤمنون يدل أن هلال الانعتاق الحضاري للعرب قد وُلد وأن الرَّائين رأوه يبزغ من تونس الخضراء.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    انتصار الهوية في تونس وتحدي النجاح

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:05

    انتصار الهوية في تونس وتحدي النجاح
    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 01 - 11 - 2011

    يمكن لكل متتبع لانتخابات المجلس التأسيسي التي جرت في تونس يوم 23 أكتوبر الماضي أن يستخرج دروسا كبيرة وكثيرة من هذا الحدث التاريخي الكبير. يمكننا أن نتحدث عن المستوى الحضاري الراقي لعملية الإعداد للانتخابات ونزاهة نتائجها، أو عن المستوى العالي لأداء الطبقة السياسية التونسية، أو عن الروح التنافسية السامية للفائزين والخاسرين، أو عن مزاج الاعتدال السائد عند العلمانيين والإسلاميين، أو عن القامات الفكرية والثقافية، ناهيك عن السلامة اللغوية بالعربية عند قيادات الأحزاب بمختلف توجهاتها، أو عن الإقبال الكثيف للمواطنين على القيام بواجبهم حين شعروا بأن أصواتهم لها وزن وقيمة، أو عن حكمة التونسيين في إقصاء المال السياسي وفلول النظام السابق والمتعاملين معه، أو عن تكريم الرموز السياسية من مختلف الاتجاهات التي ثبتت في مواجهة القمع والإغراء، أو عن مكانة المرأة في القوائم المتنافسة وأهليتها السياسية ودورها في إقناع الناخبين في الحملة الانتخابية، أو عن دور الإعلام في صناعة المفاجآت بالنسبة للعارضة الشعبية. يمكننا أن نقف طويلا عند أية ظاهرة من هذه الظواهر ونتتبعها بالشرح والتحليل. غير أن أهم درس يمكن التوقف عنده في تقديري هو موقف الناخبين من الهوية ومغزى ذلك في مستقبل التناقس السياسي في العالم العربي وتحدي النجاح الذي يواجه الإسلاميين.
    * من أجل المحافظة على كرسيه في مواجهة حركة النهضة الإسلامية اتبع زين العابدين بن علي استراتيجية تجفيف المنابع التي تُرجمت على أرض الواقع إلى محاربة الإسلام نفسه الذي يعمل له التيار الإسلامي ويتغذى منه. فحارب الحجاب وصُنِّف العاملون في مختلف مؤسسات الدولة على أساس أدائهم للصلاة واعتيادهم المساجد. وقُدِّم للترقيات والمناصب الموظفون الأكثر جرأة على تحدي شرائع الدين والأكثر عدوانية ضد الإسلاميين. وأُزيلت كلُّ مرجعية للشريعة الإسلامية في المنظومة القانونية التونسية حتى التي تتعلق بالأحوال الشخصية. ولكن بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن، وعند أول فرصة للتعبير الحر بلا خوف ولا وجل في انتخابات المجلس التأسيسي، اتجه غالبية التونسيين إلى حماية هويتهم وصيانتها. فأقصوا إقصاء مُدوِّيا كلَّ الأحزاب العلمانية المتشددة التي أرادت أن تفرض قطبية ثنائية بينها وبين حركة النهضة، باعتبارها ذات مرجعية إسلامية، مثل الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يرأسه نجيب الشابي وأحزاب القطب الديمقراطي الحداثي الذي يتزعمه حزب التجديد الشيوعي. وفي نفس الوقت رفع الناخبُ التونسي للمقام الأول الحزبَ الذي يرمز للهوية الإسلامية وهو حركة النهضة، واختار من الأحزاب غير الإسلامية بعد ذلك تلك التي أقرّت الانتماء الإسلامي للدولة التونسية مثل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يرأسه منصف المرزوقي وحزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر. لقد بيّنت هذه الظاهرة بأن الإسلام غير قابل للاستئصال في بلادنا وأن الذين يحاولون المحافظة على كراسيهم بمواجهة الإسلاميين بواسطة ضرب الإسلام نفسه أو إخراجه من الحياة ليكون مجرد طقوس تعبدية خالية من أي بعد حضاري نهضوي وتنموي واهمون وهم يعملون لحتفهم ولتقوية خصومهم طال الزمن أو قصر.
    لقد أضحى جليا من خلال التطورات القائمة في البلاد العربية والإسلامية بشكل عام، وفي البلاد التي وقعت فيها ثورات وتحولات جذرية بشكل خاص، بأن الدولة العلمانية قد دالت، وأن الدائرة دارت لصالح المشروع الإسلامي، وأن الصراع المرير بين العلمانيين والإسلاميين في بلاد العرب والمسلمين سكن في سِجل التاريخ، ولن يكون موضوعا في المنافسة السياسية في العهد القادم. لم يصبح ممكنا محاربة التيار الإسلامي بإنهاء أو تقليص دور الإسلام في الحياة العامة، ولا بد من طريقة جديدة لمنع الإسلاميين من احتكار الإسلام والاستقواء به في المنافسة السياسية. على القوى الفكرية والسياسية والاجتماعية في الوطن العربي التي تخشى المرجعية الإسلامية للإسلاميين أن تنافسهم عليها وأن تتفوق عليهم في خدمتها. لقد صار اليوم جليا بأن منع هذا الاحتكار لن يكون إلا إذا تبنى الجميع المرجعية الإسلامية، لتصبح المنافسة في المسرح السياسي بين فهم البشر للإسلام وطرائقه في تحقيق التنمية والحرية والعدالة، ضمن هوية موحدة للدولة والمجتمع تكون محل إجماع بين المتنافسين على الحكم. وحينما يتحقق ذلك ستتحقق النهضة المنشودة وتزول المكابح التي تمنع الانطلاق. إن حالة التردد والتجاذب بين المشروعين العلماني والإسلامي تسببت كثيرا في إعاقة الأمة العربية والإسلامية، لقد صنعت صراعا سياسيا مغشوشا على الحكم غابت فيه الكفاءة والعقلانية، واستُغلت فيه العلمانية كما استغل الدين، واستُعمل كلاهما كمطيّة من أجل الوصول أو البقاء في السلطة. ومهما طال زمن ذلك الصراع النكد لن يحسم لصالح العلمانية كما بينته التجربتان التونسية اليوم والتركية بالأمس.‬
    لقد وُلدت العلمانية في بيئة غير بيئتنا، وكانت ولادتها في القرون الوسطى في أوربا تطورا طبيعيا لصراع دام بين الدين والسياسة وبين العقل والوحي لم تشهده أمّتُنا. لقد كانا لُبوس الدين ومزاعم الوحي في البلاد المسيحية آنذاك هما المُعتدِيان على العقل والسياسة، ولا يمكن لأي إنسان سويٍّ وعاقلٍ إلا أن يكون مع العلمانية في ذلك الزمان والمكان. ومهما ذكرنا من سلبياتٍ في التاريخ السياسي والعلمي لأمتنا، فإن الدين الإسلامي كان دائما هو سبب النهضة العربية ومجدها وقوتها وتطورها. ولم يشهد تاريخ العرب زمانًا كان الدينُ فيه غائبا عن الحياة كما هو وضعنا اليوم وكان حالهم في نفس الوقت إلى خير وتوفيق ونجاح. فهل سيكون العهد الذي أَذِنت به الثورات العربية فرصة الأمة الجديدة لتفجير طاقاتها وإبداعاتها في ظل هويتها ورسالتها، بلا مصادمة لضميرها ولا تنطُّع باسم دينها.. في جو الحرية والديمقراطية والأمن الاجتماعي والسكينة النفسية.‬
    لا يمكن القول بأن النتيجة التي وصلنا إليها على صعيد الهوية في العمل السياسي سببها فقط خسارة العلمانيين في الانتخابات. لقد ساهمت المجهودات الكبيرة التي بذلتها الحركة الإسلامية الوسطية على الصعيد الفكري والسياسي مساهمة كبيرة في تهدئة أجواء الصراع وتقليل منسوب المخاوف وتنسيب فكرة التنافس السياسي على أساس الدين. لقد شهدنا تطورا كبيرا لأداء الإسلاميين وخطابهم في مجالات كثيرة، كالحريات والديمقراطية، والتداول على السلطة، والمشاركة مع الغير، وحقوق الإنسان، وحرية المرأة وغير ذلك. ولئن لم تظهر هذه التطورات بشكل واضح من قبل ولم يُقِر بها الغير فذلك لأنها بقيت في أغلبها مجرد أفكار على أوراقٍ في كتب المفكرين الإسلاميين، ولم تُتح الفرصةٌ لهؤلاء وأتباعهم ليتناولوا أدوات الحكم بأيديهم ولتكون لهم الأغلبية في مؤسسات الدولة في جو من الهدوء والسكينة حتى يتمكنوا من إظهار صدقية ومصداقية أفكارهم الجديدة، كما كان الحال في تركيا، وكما هو الحال اليوم في تونس التي أقر الجميع فيها بنجاح حركة النهضة ولم يهدد أحد في الداخل والخارج بالانقلاب عليها أو عدم التعامل معها.
    إن وصول حركة النهضة للحكم هو الامتحان الأول الحقيقي للتيار الإسلامي في البلاد العربية في مجال الحكم وإدارة الشأن العام وضمان التنمية وديمومة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة واحترام الحريات. لا شك أن شخصية راشد الغنوشي تدفع إلى كثير من الاطمئنان، باعتباره مفكرا حسم خياراته منذ زمن طويل عبر كتاباته القديمة ومواقفه الواضحة، ولكن مجال العمل غير مجال التنظير فهل تستطيع حركة النهضة أن تعطي أخيرا النموذج الناجح للمشروع الإسلامي العصري المتجدد لتجعل تونس رائدة أولا في الثورة ورائدة ثانيا في الديموقراطية ورائدة ثالثا في الحكم الراشد في ظل هوية الأمة وسيادتها وثوابتها..... اللهم آمين.


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الواقع العربي الجديد والحركات الإسلامية مقال المقام

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:06

    الواقع العربي الجديد والحركات الإسلامية مقال المقام
    ‬عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 15 - 11 - 2011

    لم تكن الأنظمة التي حكمت الوطن العربي بعد فترة الاستعمار وانهيار التيارات القومية مؤهلة للحكم فقد انكفأت على نفسها وانغلقت وسط وطنية غير صادقة فرطت باسمها في مشاريع الوحدة بين الأقطار العربية بكل أنواعها وأدارت الظهر لقضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين وبعضها غدر القضية وتآمر عليها، ثم أَغلقت الوطن على أهله فمنعت الناس من التعبير عن آرائهم أو التنظيم للدفاع عن حقوقهم أو المشاركة في خدمة أوطانهم ثم استأثرت بخيرات الوطن من خلال منظومة فساد ممتدة ومعقدة ومتشابكة جندت بها شبكة واسعة من الانتهازيين والنفعيين والمجرمين ضمن زمر متمركزة في دوائر أسرة الحاكم وفي أوساط المؤسسات الأمنية ويلحق بها أتباع وشركاء وأعوان في الإدارة، والأحزاب، والمنظمات ورجال الأعمال والإعلام يُسخرون كلهم بسياسة الردع والإغراء فابتعدت هذه الأنظمة عن منطق وثقافة الدولة وأخذت بدل ذلك أشكالا مافيوية تجاوزت في نفوذها وتأثيرها منظمات المافيا التقليدية. وأضافت إلى هذا الفساد فشلا ذريعا في مشاريع التنمية فأنتجت مستويات من الفقر والحرمان أفقد معنى الكرامة الإنسانية لعدد كبير من المواطنين خصوصا لدى الشباب، وحينما وصلت هذه الأنظمة إلى هذا المستوى من الانحراف والفشل أصبح من الطبيعي أن ينادي الناسُ على المستوى المحلي والدولي بتغييرها. عوّل المواطنون كثيرا على الإسلاميين للتغيير واعتقدوا بأنهم الأمل، غير أن هؤلاء لم يفلحوا في الانتقال من دال الدعوة إلى دال الدولة لفرط الصد الذي واجهتهم به الأنظمة.
    * ولما استيأس الناس من التغيير جاءت الثورات العربية فغيرت المعادلة السياسية كلها. لقد استطاعت الشعوب بهذه الثورات أن تأخذ زمام المبادرة بنفسها وأن تكسر الحلقة الجهنمية بين الأنظمة العربية والأنظمة الغربية والحركات الإسلامية وأن تتحرر من المراوحة العقيمة داخل هذه الحلقة التي طال مداها. لقد حققت الثورات في بضعة شهور ما لم تحققه أحزاب عتيدة ومنظمات عتيقة، أسقطت في بضعة شهور أنظمة عاتية في تونس ومصر وليبيا ولا تزال تدفع لنفس المصير أنظمة أخرى في اليمن وسوريا وغيرهما، وجعلت كل الأنظمة العربية الأخرى تُقْدمُ على خطواتٍ في طريق الإصلاح كانت في حكم المستحيل في أذهان الحكام وأفهامهم. والأهم من ذلك كله هي الثورة الكبرى التي حدثت في عقول الناس بما يجعل الوطن العربي بعد هذه الأحداث غير الوطن العربي قبله، فلقد صار التغيير ممكنا والإقدام على صياغة البدائل للأنظمة الفاسدة متاحا بل واجبا.
    * لم تكن الحركات الإسلامية هي القوة المفجرة للثورات ولا الطرف الأساسي في قيادتها عند ظهورها. ولكن لا ينكر أحد بأن طول صمودها وكثرة تضحياتها كان له دور كبير في صناعة بيئتها وقد بدأ يتضح بأن الشعوب التي أخذت المبادرة من هذه الحركات وتجاوزتها في الطموح والإقدام على التغيير لن تهضمها حقها وستمكنها من أن تكون طرفا أساسيا في بناء الخارطة المستقبلية في الوطن العربي بكل ملامحها.‬
    * إن مشاركة الإسلاميين الفاعلة في عدد من الثورات العربية بعد انطلاقها، والاضطهاد الطويل الذي مارسته ضدها الأنظمة المتهاوية، ودورها الكبير في توعية الجماهير عبر عقود الزمن السابقة، وقربها الكبير من الشعوب عبر مؤسساتها المتنوعة، وانتشارها التنظيمي والهيكلي أكثر من غيرها، وأبعادها الفكرية الأممية، وشبكاتها الممتدة العالمية، سيعطيها بلا شك أسبقية في الظفر بجزء أساسي من باكورة التحولات الجارية. غير أنها لابد أن تدرك بأن رغم كل التطورات الحاصلة في الوطن العربي لا يزال يحيط بدورها كثير من المخاوف، سواء تلك التي تشير إليها النخب العربية أو تلك التي تحذر منها القوى الدولية. وبالرغم من أن هذه المخاوف لم تصبح بالحجم الذي يمنعها من التقدم لأداء دورها في الواقع الجديد فإنها تكتسي أهمية كبيرة من حيث قدرة هذه الحركات على إعطاء النموذج العملي على نجاح مشاركتها في المنظومة الديمقراطية السلمية بما يبدد نهائيا تلك المخاوف ويجعلها عنصرا عاديا في المشهد السياسي الدستوري ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من الأحزاب السياسية لا يضمن وجودها واستمرارها إلا قدرتها على إرضاء الناخب الذي تكسبه لصالحها بنزاهتها وكفاءتها وما تقدمه له من حلول لمشاكله وما تضمنه له من استجابة لتطلعاته المادية والمعنوية. ولتحقيق ذلك يحسن بالحركات الإسلامية أن تبذل جهودا كبيرة لتطوير وتوضيح إنجازاتها عبد العديد من محاور منها ما يلي:‬
    * الانخراط الكلي في استراتيجية المشاركة السياسية وفق قواعدها العالمية من حيث مباشرتها العملية للفعل السياسي الدستوري بتأسيس أحزاب سياسية قانونية وعلنية والخروج النهائي من كل أشكال السرية والازدواجية الفكرية والهيكلية والتعامل مع المواطنين على شاكلة واحدة في هياكلها وتنظيماتها ما التزموا ببرامجها وأفكارها.‬
    * التحرر الكلي من العقدة المزدوجة في التعامل مع الأنظمة المتعنتة التي فرضها واقع ما قبل الثورات العربية والتي دفعت الإسلاميين إلى المواجهة والصدام ضمن موازين غير متكافئة ولا آمنة للناس والوطن أو المسايرة والتشارك على قواعد غير عادلة مع الحكام الذين استطاعوا أن يستغلوا الاتجاهين لصالحهم من أجل البقاء والاستمرار. على الإسلاميين أن يفكروا في استبدال هذين المنهجين بمنهج سياسي سلمي جديد يضعهم إما في موقع الحكم وإدارة شؤون الدولة بكل سيادة وتحمل للمسؤولية، أو التشارك في الحكم مع قوى سياسية أخرى على أساس البرامج والرجال كل حسب وزنه وما تمنحه صناديق الاقتراع، أو المعارضة السلمية التي تهدف للوصول للسلطة بقوة فكرها وبدائلها وتنظيمها ومناضليها وقدرتها على إقناع الجماهير.
    * تطوير أفكارها وفلسفاتها وقناعاتها ومنظوماتها القيمية إلى برامج سياسية قادرة على تحقيق التنمية وتوفير العدل وضمان سيادة الوطن وحفظ هويته وسلامة مؤسسات الدولة وحقوق وكرامة الناس.‬
    * إعداد منظومة موارد بشرية تظهر بها قدرتها على إدارة شؤون الدولة بالاعتماد على الكفاءة والنزاهة سواء من أعضائها أو من خارج أطرها التنظيمية والاعتماد على التدريب والتكوين والانفتاح على التجارب الناجحة في البيئة الخارجية.
    * الجواب العملي على ما يسمى عند البعض »بالمنطقة الرمادية في فكر وسلوك الحركات الإسلامية« وهو ما يتعلق بالديموقراطية وحقوق الإنسان ومكانة المرأة ومفهوم الشريعة ومدنية الدولة والعلاقات الدولية وهي مسائل استعملت كثيرا لإعاقة الحركات الإسلامية عن أداء دورها رغم تقدمها الكبير في هذا المجال على كثير من التيارات الأخرى في الوطن العربي. فقد أتيحت الفرصة الآن لهذه الحركات أن تتعايش قانونيا مع كل التيارات مهما تباعدت عنها وأن تبرهن عن قناعتها المعلنة بخصوص التداول السلمي على السلطة سواء أوصلتها صناديق الاقتراع للحكم أو أزاحتها عنه، وأن يظهر دور المرأة في عملها ونشاطاتها وإنجازاتها في مختلف المجالات مثلها مثل الرجل، وأن تتجسد كرامة الإنسان وحقوقه في نضالاتها ومجهوداتها التشريعية وفي مواقفها وسياساتها، وأن يظهر مفهوم الشريعة الإسلامية ودورها في تحقيق كل هذه المعاني السابقة وفي تجسيد معنى الدولة المدنية التي يحكمها البشر بفهمهم الخاص الذي يحكم عليه الناخبون في إطار دستوري ومرجعيات مشتركة متفق عليها بالاستفتاء العام ووفق منظومة محاسبة شفافة وصارمة لا يعلو فوقها أحد، وأن ترمم علاقاتها الدولية خصوصا مع الغرب الذي بدأ يفهم بأن مصالحه ليست مهددة من قبل التيارات الإسلامية حسب ما كانت تروجه وتقتات منه الأنظمة المتهالكة، فالظروف الآن صارت أوفر لإطلاق حوار جاد بين الحركات الإسلامية والمحيط الدولي والتطرق بكل جرأة لكل الملفات ومناقشتها بكل عمق ومسؤولية بما يحقق السلم والأمن والتنمية والرقي والكرامة لكل سكان الكرة الأرضية.‬


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حزب العدالة والتنمية المغربي وظاهرة الصعود السياسي الإسلامي

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:07

    حزب العدالة والتنمية المغربي وظاهرة الصعود السياسي الإسلامي
    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 30 - 11 - 2011

    أكدت الانتخابات البرلمانية المغربية بأن موجة الصعود السياسي للإسلاميين صارت حقيقة ثابتة في كامل البلاد العربية سواء تلك التي وقعت فيها ثورات شعبية بشكل مباشر أم تلك التي تأثرت بها فحدثت فيها إصلاحات كبيرة وعميقة.


    * وعلى عكس ما يعتقد الكثير ليست هذه الموجة الإسلامية موضة جاءت بها رياح الانتفاضة التونسية أو مظاهرات الميادين المصرية، فالحقيقة السياسية الإسلامية ماثلة منذ عقود من الزمن، وهي ثمرة الصحوة الإسلامية التي انطلقت في العالم العربي والإسلامي منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي. وقد بلغت النضج وصارت غالبة في المشهد السياسي ومؤهلة لاعتلاء منصات الحكم في أواخر الثمانينيات والتسعينيات الفارطة، فدخلت المعترك الانتخابي ونجحت في كل الانتخابات التعددية التي نُظمت في العالم العربي في تلك السنوات، من الجزائر إلى المغرب إلى تونس إلى مصر إلى فلسطين، ومن الأردن إلى الكويت إلى اليمن إلى السودان. والظاهرة المشتركة التي منعت هؤلاء الإسلاميين من أخذ فرصتهم عند ذاك وخوض تجربتهم كاملة هي مخططات الصد العنيفة واستراتيجيات التزوير العديدة التي انتهجتها ضدهم الأنظمة العربية مدعومة من القوى الغربية.
    * إن كل متتبع للتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في العالم العربي والإسلامي في العقود القليلة الماضية كان يعلم بأن تصدر المشروع الإسلامي للمشهد السياسي في العالم العربي والإسلامي حتمية لا مناص منها وأن قضيتها قضية وقت فحسب. لقد أكد ذلك العديد من الدراسات العربية والغربية التي لم يطلع عليها أو لم يصدقها اليائسون من التغيير أو الراضون بالواقع.
    * وفي الوقت الذي كانت النخب الحاكمة تتلذذ باستقرار عروشها ونهاية تاريخ خصومها في بلادنا كانت مراكز الدراسات الغربية تواصل دراسة الظاهرة الإسلامية وتلتقي مرات عديدة في السنة مع المفكرين والقيادات الإسلامية في مختلف عواصم العالم تحاول فهم مشروعهم وطبيعة العلاقة بهم في حالة نجاحهم للوصول للحكم. ولقد كتب العديد من الدبلوماسيين والباحثين الغربيين في دراسات منشورة وغير منشورة بأن التيار الإسلامي في العالم العربي والإسلامي ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة ولكنه حقيقة اجتماعية وثقافية راسخة ولا بد أن يأخذ نصيبه يوما ما في دوائر القرار السياسي.
    * قد يسأل سائل ما الجديد الذي حدث حتى يتمكن هذا التيار من نيل ما عجز عن تحقيقه أمس. والجواب على ذلك يتعلق بمسألة واحدة لا غير وهي فرصة الحرية التي أتاحتها الثورات الشعبية السلمية. لقد جرب الإسلاميون قبل الثورات كل الاستراتيجيات التي تخطر على البال، من أجل فرض مشروعهم أو تقدمهم، أو على الأقل بقائهم وقبولهم، وبعد أن فشلت كل المحاولات والأساليب التي انتهجتها فصائلُهم المتنوعة والمتناقضة، من أقصى أنواع العنف والترهيب إلى أقصى أنواع المسايرة والمهادنة، جاءت الانتفاضات الشبابية فقلَبَت الطاولة على الجميع وقلَّبت موازين القوة رأسا على عقب، فسمح ذلك بإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية، وتغيير مسرح الأحداث وأرضية المعركة، وصار القرار يُتخذ في صناديق الاقتراع بشفافية ووضوح بدل الغرف المظلمة التي تُمرر توقيعاتِها عبر الأجسام الإدارية المطيعة والأذرع الأمنية العاتية والألسنة الإعلامية المأجورة. قد يقول قائل بأن هذه الثورات لا علاقة لها بالتيار الإسلامي فكيف تكون هي المستفيدة الأساسية منها.
    * وهذا قول صحيح في عمومه ولكنه غير دقيق في تفاصيله. لقد أَنشأت التنظيماتُ الإسلامية المختلفة بمختلف نشاطاتها السياسية والفكرية والإعلامية والاجتماعية والمالية والشبابية والنسوية بيئةً جاهزة للإصلاح والتغيير لمن يحسن استغلالها، وساهمت مساهمة بيِّنة في إنشاء تيار عام في العالم العربي يتوق إلى ذلك. لا شك أن هذا التيار قد ساهم بدوره كثيرا في حفظ الحركات الإسلامية من الاستئصال والزوال، ولكنه صار مع مرور الزمن أكبر منها، ولا يصدر بالضرورة عنها، ولا يتحدث باسمها، وفي بعض الأحيان ينطق ضدها.
    * وحينما تأكد بأن طموحاته وتطلعاته لا تطيقها تلك الحركات وأنها عاجزة عن حل مشكلاته مع الأنظمة الفاسدة والفاشلة تجاوزها وفعل فعلته دون أن يستشيرها. وبعد أن قدّم رجالُ ونساءُ هذا التيار العريض مهجهم وبذلوا دماءهم في تلك الفعلة التاريخية منحوا للعالم العربي كله وبكل ما فيه أعظم هدية وأجل منحة وأعز كنز مفقود وهي الحرية التي لا تنهض الشعوب إلا بها. ولكنهم حينما صادفوا أول فرصة لاتخاذ قرار من يمثلهم قرروا القرار الطبيعي الذي يتماشى مع الصيرورة التاريخية والحقيقة الاجتماعية فاختاروا الأحزاب التي ترمز أكثر من غيرها للنضال الحقيقي والدائم من أجل الإصلاح والتغيير والتي ‬ضحت كثيرا في سبيل ذلك ولم تتورط في مجملها في عفن الفساد والخيانة.‬
    * قد يعتبر قارئ المقال بأن ما حدث في المغرب لا يتناسب مع العرض الذي تصيغه الكلمات المرسومة أعلاه باعتبار أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي نجح دون أن تقع ثورة في بلاده. وقبل الجواب على هذا الظن المحترم لا بد أن نؤكد بأن رياح التغيير التي انطلقت من تونس الخضراء لن تصدها قلاع الأنظمة العربية مهما ادعت من خصوصيات وقوة ومنعة، وإنما السديد من الحكام من يعرف كيف يجعلها رياحا هادئة يفتح لها الأسوار بسلاسة لتنقل لبلاده بذور الخير، دون أن يهيجها فتقلع جدران الصد عاجلا أم آجلا.
    * وأحسب أن ملك المغرب قد أفلح كثيرا في هذا التدبير، ولا شك أنه صدر عن نصائح حكيمة وعميقة من داخل بلاده وخارجها قدمها له من يريد له المصلحة، أو يريد أن يحقق من خلاله لنفسه المصلحة. لقد أطلق المخزن مشروع إصلاحات ليست جذرية، ولكنها عميقة وشاملة وعملية وسريعة، وأشرف بنفسه على وضعها محل التنفيذ، وبدأ ضمن هذا المسار بما يحقق الطمأنينة والثقة، وهو تعديل الدستور، ثم أخرج من العملية الإصلاحية البرلمان المطعون في مصداقيته، وسمح بحدوث تغيير حقيقي مثله صعود حزب إسلامي معارض، ومكّن صناديق الاقتراع السياسية من التعبير الحقيقي عن ماهية الشعوب الإسلامية التي تكنس في عملية اقتراعية واحدة كل القوى التي ترمز لمعاداة الهوية الإسلامية حيث لم يصمد في الانتخابات المغربية بعد حزب العدالة والتنمية سوى حزب الاستقلال ذي المرجعية الإسلامية التقليدية رغم مشاركتة في الحكومة الائتلافية السابقة.‬
    * لم يكن ممكنا تحقيق هذا التغيير المهم عند الأشقاء المغاربة لولا الثورات العربية، ورغم الحضور السابق، الدائم والمتميز، لحزب العدالة والتنمية فهو مدين اليوم للساحات والميادين التونسية والمصرية والليبية واليمنية والسورية. لولا رهابها ما كان للملك أن يمنح الفرصة لهذا التحول التاريخي في بلاده. لا يهمنا كثيرا اليوم البحث في نوايا الملك هل فعل ذلك صادقا للمحافظة على بلده وشعبه، أم فعلها متحايلا على الموجة للمحافظة على ملكه وأحلافه، ففي كل الأحوال هو ترتيب لصالح المغرب وطريقة حضارية في إدارة الصراع.
    * قد يكون التدبير الملكي مجرد انحناء للعاصفة فقط لأخذ المبادرة مرة أخرى بعد إعادة ترتيب الأوراق وتوريط الأضداد. لا يستطيع أحد أن يجزم بعكس ذلك، لأن الحاذق في السياسة يعلم بأن ثمة في المغرب من خسر الانتخابات ولكنه ربح ربحا استراتيجيا فائقا وهو حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه صديق الملك علي الهمة بدعم معلوم من نظام الحكم ومؤسساته. أكبر عقدة كانت تطارد هذا الحزب هو تسميته بحزب الإدارة الدالة على عدم شرعية وجوده السياسي، فها هو يحقق بانتقاله للمعارضة الشرعيةَ السياسية وقد يعود للحكم مرة أخرى بكل مصداقية إذا تغيرت الظروف المحلية والدولية.
    * ليس هذا المهم كما قلت ولكن المهم هو أن التغيير قد وقع في المغرب، وأن الكرة الآن في ملعب حزب العدالة والتنمية، ومهما كانت الاستراتيجيات المخبوءة التي رسمتها له القوى الخفية الداخلية والخارجية، فمن مسؤوليته أن يتعامل معها بذكاء واقتدار وحكمة، بما يزيده قوة لا ضعفا، وانتشارا لا انحصارا. لقد فعلها من قبل حزب العدالة والتنمية التركي مع المؤسسة العسكرية ونجح، وهو سيسير على نفس الدرب ونفس الظروف مع أحزاب إسلامية أخرى في العالم العربي. فالله يكون في عونه وعون كل من أراد لهذه الأمة الخير.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الثورات العربية والاستراتيجيات الغربية

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:08

    الثورات العربية والاستراتيجيات الغربية
    عبد الرزاق مقري الشروق اليومي : 07 - 12 - 2011

    حينما بدأ لهيب الثورات العربية يمتد من بلد لآخر أخذ الكثير يتساءل عن علاقتها بالغرب، هل هي ثورات تلقائية أم مصنوعة، هل هي ثورات تغييرية أم تغريبية، هل هي ثورات يملكها من أطلقها أم يحكمها من دُرِّب في مخابر الغرب لتدبيرها، وذهب الناس في هذا التخمين مذاهب. بين من قال عجبا في الإسلاميين الصاعدين للحكم فوصفهم بالتآمر والتخابر مع أمريكا، ومن ظنّ حالما بأن الغرب قد فقد وجوده في بلاد العرب ولم يعد له فيها وليٌّ ولا صديقٌ. فما حقيقة الاستراتيجيات الغربية في البلاد العربية بعد الثورات؟ وما هو مستقبل مصالحها بعد الصعود السياسي للتيارات الإسلامية؟
    * لا يستغرب أحدٌ هلعَ الحكام العرب ومن بقي منهم حينما يهرعون إلى التفسير التآمري لطبيعة الثورات التي تهز أو تهدد عروشهم، ولكن المستغرب هو انخراط بعض النخب المثقفة والإعلامية في الترويج لهذا المنطق الذي لا يقوم على أساس. يكفي لمن يريد البُرْءَ من هذا الهَوَس أن يتمعَّن في قصة كل ثورة نهضت، من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن إلى سوريا. هل يعقل مثلا أن نصدق بأن أمريكا تخاطرت مع البوعزيزي ليحتج على المرأة الشرطية التي تكون المخابرات الغربية قد أمرتها بإهانته أمام الناس ثم يُقدِم بائع الخضار على إضرام النار في نفسه باتفاق مسبق مع قوى أجنبية! أم هل ينطلي على عاقل أن أطفال الشام الذين تسبّبوا في بعث الثورة في وجه حكام البعث في سوريا قد شجعهم أجانب على اللعب في الشوارع بعبارة "الشعب يريد إسقاط النظام"، ثم أوحى هؤلاء الأجانب لحاكم درعا وزبانيته بأن يحتجزوا وينتقموا من معشر الصبية العابثين، وحينما يأتي أولياؤهم للسؤال عنهم وطلب الصفح عليهم يواجههم الحاكم بعبارات هاتكة للشرف والكرامة فيقول لهم: "انسوا أولادكم واذهبوا لنسائكم لعلهن ينجبْن لكم غيرهم وإن عجزتم ائتونا بهن فسنصنع لكم منهن أطفالا جددا". أليس هذا الطغيان الماجن بقادرٍ على بعث ثورات تلو الثورات لا ينطفئ سعارها حتى يسقط عرش النظام الحاكم برمته؟ ليس هذا المشهد مقطعا من فلم هوليودي صنعته أمريكا. لم يكن أعيان درعا يُمثّلون حينما نزعوا العُقال عن غطاء رؤوسهم ورموه على الأرض في تصرف يفهم طاغية درعا بأنه يعني عند البدو إعلان حرب ستأكل الأخضر واليابس جراء ما تلفظ به. لم يكن هذا، ولا الذي قام به القذافي ولا صالح ولا مبارك ضد شعوبهم المنتفضة، خيالات من صنع أمريكي أو أوربي، إنها جرائم وقعت على الأرض حقا، فَجَّرت وضعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا محتقنا سلفا، صادف جاهزية غير مألوفة عند شباب جمعهم الفايس بوك، وأحزابا ومنظمات جاهزة للانقضاض على فرصة حُرموا منها سِنون الزمن المنصرم. وعلاوة على ذلك لا ننسى بأن جل الانتفاضات بدأت بطلب الإصلاح والحرية فحسب، ولو سارع الحكام لمنح الناس ما يطلبون بدل تعذيبهم ورميهم بالرصاص الحي وسفك دمهم، لما تطورت الانتفاضات إلى ثورات تطالب بإسقاط الأنظمة وإنهاء وجودهم.
    حينما يكون نظام الحكم عادلا يخاف أعوانُه من ظلم غيرهم، خصوصا في سفك الدماء وزهق الأرواح، لأنهم يعلمون بأن القصاص مصيرهم فيُصان حقُ الحياة وتُحفظ الأرواح. إن من يستهين بأثر الدم المسفوك ظلما في نشر الموت الزؤام بين الناس لا يعرف عن سنن الحياة أمرا ولم يستفد من هدي القرآن شيئا. هكذا هي الدنيا وهكذا هي طبائع بن آدم، كل قطرة دم تسيل ظلما تجلب حسرةً على الناس جميعا، حتى يسقط الظالم أو تكون فتنة تدوم سنوات وسنوات. هذه هي الدائرة الجهنمية التي كثيرا ما يتورط فيها الطغاة، يعتقدون بأن قتل الخصوم يُوطد حكمهم ويحبط الثورات عليهم فيسقطون في دوامة من الدماء لا تتوقف، تُفسد عليهم حياتهم وترسم حتفهم ولو بعد حين... إذ ينتقم الدم المنهمر منهم شر انتقام. هكذا هي السنة الكونية التي بيّنها الله تعالى في محكم التنزيل: ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب))، إنها سنّة لا يعرفها إلا أولوا الألباب، الدم يجلب الدم، إلى أن يكون القصاص أو تُرفع المظالم بالصلح والدِّيات وجبر الخواطر. ولكن هل للطغاة ألباب؟ الأسهل لهم ولزبانيتهم أن يصرخوا في الناس بأنها مؤامرة أمريكية أو أوربية.
    قد يصعب على الكثير فهم التحول الذي بانت عليه الحكومات الغربية حين أدارت ظهرها لأنظمة طالما رعتها وساندتها ضد شعوبها ثم توجهت لمناصرة الثورات وزادت على ذلك فرحبت بمجيء الإسلاميين، خصومها اللدودين. اعتقد الكثير أمام هذا الوضع المعقد بأن ثمة تحالفات جديدة تصاغ بين الغرب والثوار أو الإسلاميين الفائزين. وفي حقيقة الحال ليس الأمر هكذا، كما أن ادّعاء قبول الغرب للأمر الواقع من جهة أخرى وعدم اكتراثه بما يحدث وترحيبه البريء بالديموقراطية العربية لا تقبله العقول العارفة بطبائع الجنس الغربي واستراتيجياته الماكرة.
    لفهم حقيقة الأمر لابد أن نستظهر الأسس التي تَبني عليها المؤسساتُ الغربية منظومة علاقاتها الخارجية، وترسم من خلالها استراتيجياتها في إقامة التحالفات وبناء الصداقات وإنشاء العداوات وتوجيه الإعانات والإعاقات. لا تُخفي أمريكا من ذلك على العالم شيئاً، أذكر يوما ما في سنة 1994 سلّمني الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، وثيقة أعطتها إيّاه السفارة الأمريكية تنص فيها بشكل واضح بأن أصدقاءها في العالم هم من يلتزمون بأسس ثلاثة هي: مصالحها وأمن مصادر الطاقة، السلام مع إسرائيل، المعايير الحضارية التي منها الديموقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وغيرها.
    هذه هي أسس الصداقة الأمريكية المعلنة مجملا، ولكن حينما تضعها على محك التجربة وخبرة السلوك الغربي والأمريكي تجد ثمة تفاوتا كبيرا في الالتزام بهذه الأسس في أرض الواقع. أما المعايير الحضارية كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والأطفال والبيئة وما شابه ذلك، فهي مجرد ادّعاءات تصلح أولا لتعبئة الرأي العام في المجتمعات الغربية، المؤمنة حقا بالديمقراطية المطلعة على فوائدها المُتمتّْعة بثمارها، ثم هي بعد ذلك سوط مسلّط على الدول والمجتمعات الأخرى التي لا تسير في الفلك الأمريكي والأوربي. فقد تجد دولا لا توجد فيها أحزاب أصلا ولا تنظم فيها انتخابات... ولا تستطيع المرأة أن تترشح وتنتخب أو أن تسوق السيارة..، ولكنها من أهم الدول الصديقة لأمريكا والغرب، وقد تجد دولا أخرى فيها تعددية وديموقراطية نسبية وحرية رأي والمرأة طليقة في دربها وسلوكها ولكنها دول تلاحق لفقدان الحرية فيها. وما ذلك في الحالتين إلا لخدمة الأساسين الآخرين.
    إن الجانب المهم في أسس الصداقة الغربية والأمريكية، الذي يجب فحصه والوقوف عنده، هو العلاقة بين الأساس الأول والثاني، أي المصالح والسلام مع إسرائيل. أيهما أهم في الاستراتيجية الأمريكية؟ وما درجة التلازم بينهما؟ وأيهما أثبت وأدوم؟ وما علاقتهما بالثورات العربية؟ وما الذي غيّرته فيهما الثورات العربية؟ وأين يكون التلاقي الممكن بين الغرب والحركات الإسلامية الصاعدة؟ وما الذي يحاك هنا وهناك بخصوصهما؟.. هذا الذي سنتحدث عنه في المقال المقبل بحول الله.‬


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    نائب رئيس حمس عبد الرزاق مقري لـ''الخبر'' ''الإدارة والأفالان والأرندي مؤسسات تؤدي الدور الذي يريده النظام''

    مُساهمة  Admin في الخميس 8 ديسمبر 2011 - 16:13

    التاريخ سيحاسبنا على المشاركة في حكومة أشرفت على التحايل على الإصلاحات

    يذكر عبد الرزاق مقري نائب رئيس حمس في حوار مع ''الخبر''، أن النظام ''سيظهر متحالفا مع نفسه'' لو خرج حزبه من التحالف. وقال إن ''التاريخ سيحملنا مسؤولية المشاركة في جهاز تنفيذي أشرف على التحايل على الإصلاحات''، وأن التحالف ''ساهم في طمأنة نظام الحكم وعدم شعوره بالحرج من عدم السعي لإصلاحات جادة وصادقة''.

    تلوح حمس بالانسحاب من التحالف. هل هو مجرد تهديد كالعادة أم أن الفكرة جادة تنتظر فقط التجسيد؟
    - قرار مجلس الشورى في دورته السابقة ينص بشكل واضح على أن مصير وجودنا في التحالف مربوط بمدى نجاح الإصلاحات. ولا يختلف إثنان في الحركة بأن الإصلاحات فشلت من حيث تسبيق مشاريع القوانين على الإصلاح الدستوري، ومن حيث المهزلة التي تعرفها مناقشات الحزمة الأولى من مشاريع القوانين التي امتنع نوابنا عن التصويت عليها، والحزمة الثانية التي صوتوا عليها بـ:لا. إذن فالمنطق والوفاء لقرار المؤسسات هو الخروج من التحالف، ولكن هناك من يريدنا أن نتراجع عن هذا القرار بحجة أنها ستظهر انتهازية لدى الرأي العام، وهو تخوف مشروع، ولكن التراجع عن قرار الخروج من التحالف بسبب فشل الإصلاحات أو تفسيره تفسيرا متعسفا سلبية أخطر لأن التاريخ سيحملنا المشاركة في جهاز تنفيذي أشرف على التحايل على الإصلاحات، كما أن خروجنا من التحالف ينبغي أن يأخذ بعدا أسمى من قضية الانتخابات المقبلة في ,2012 علينا أن نقصد به الدفع إلى حراك سياسي واجتماعي مؤسسي سلمي يضغط على السلطات العمومية لاستدراك مصلحة الإصلاح، باعتبار أن المساهمة في هذا الإصلاح من الداخل لم يجد نفعا لا على مستوى الحكومة ولا على مستوى المجلس الشعبي الوطني الذي أسقطت فيه تعديلاتنا التي قصدنا بها تصحيح المسار كله.
    وإذا كان أداؤنا السياسي جيدا في المرحلة المقبلة سيفهمنا الرأي العام وسيثمن مشاركتنا في إنقاذ الوطن، من خلال وجودنا في التحالف في الأزمة التي عرفتها الجزائر في الفترة السابقة، والمساهمة في إنقاذه بخروجنا من التحالف في هذه الفترة والفترة المقبلة، حيث إن عدم السعي للإصلاح في الجزائر ستكون تبعاته كارثية على الوطن. وقبل اهتمامنا بما يقوله الرأي العام هو إبراء ذمتنا أمام الله وأمام التاريخ.

    أنت تمثل التيار الذي يطالب بانفصال الحركة عن السلطة. هل الظرف الإقليمي والمحلي يعطي طرحك مصداقية؟
    - بكل تأكيد، لقد أكدت الأحداث وجود فرصة للإصلاح من خارج التحالف، وهذا هو السبب الرئيسي في اختلاف وجهة النظر داخل مؤسسات الحركة. الذين كانوا يرون عدم الخروج من التحالف كانوا يقولون بأنه لا توجد فرصة لديمقراطية حقيقية في العالم العربي، والخروج من التحالف في هذه الحالة برأيهم مغامرة وذهاب إلى المجهول، فمن ذا الذي يجرؤ على قول هذا اليوم؟
    في الأنظمة المغلقة وقعت إصلاحات بفعل الثورات كما رأينا في تونس، وفي الأنظمة شبه المنفتحة وقعت إصلاحات كانت كافية لفتح الطريق للإسلاميين كما وقع في المغرب. وأعتقد جازما بأن التحالف ساهم كثيرا في طمأنة نظام الحكم وعدم شعوره بالحرج من عدم السعي لإصلاحات جادة وصادقة، لما يمثله هذا التحالف من قوة في الساحة السياسية في مواجهة معارضة ضعيفة ومشتتة. كان يكفي أن تخرج الحركة من التحالف ليفقد هذا الأخير مبرر وجوده لأن عدم وجودنا فيه سيظهر بأن النظام متحالف مع نفسه ويصعب عليه أن يجد بديلا إسلاميا آخر مطمئنا وقويا يعطيه المصداقية والتوازن اللذين يريدهما، وله أن يفعل ذلك إذا أراد فقد أدينا الذي علينا سابقا لمصلحة الوطن، ومن أراد أن يحل محلنا فله ذلك ولا نجد حرجا فيه، غير أن الذي أراه أنسب وأصلح للوطن أن نتجه إلى ديمقراطية حقيقية يحكُم فيها الذي يعطيه الشعب الأغلبية. وإذا كان لا بد من تحالفات، فلتكن على قاعدة نتائج الانتخابات وعلى أساس البرامج وتحمل المسؤولية المشتركة. في كل الأحوال الأهم من هذا أن نفهم نحن في حركة مجتمع السلم أهمية هذه التحولات التي تحدثت عنها، والتي تعطينا فرصة كبيرة لأداء دور أساسي في المرحلة المقبلة لمصلحة الوطن بغض النظر عن القضايا الانتخابية مرة أخرى.

    رئيس الحركة دعا بوتفليقة إلى ''إنقاذ الإصلاحات''. هل تؤمن بأن الرئيس أراد إصلاحات حقيقية فيما توجد أطراف تعرقل تجسيد هذه الإرادة؟
    - أعتقد بأن هذا النداء في محله، لأن الرئيس هو المسؤول الأول عن الإصلاحات، وهو الذي عرض المشروع على الجزائريين ووعد بأن الإصلاحات ستكون عميقة وشاملة وتمس كل شيء. وبالمناسبة أنا لست ممن يحمل الإدارة وجبهة التحرير والتجمع الوطني مسؤولية إخفاق مشروع الإصلاحات، فهذه مؤسسات في يد نظام الحكم ولو أريد لهؤلاء أن يؤدوا دورا آخر غير الذي أدوه لفعلوا. فهل يُعقل أن رئيس الجمهورية يُشرّع بالأوامر في قانون المرور ولا يهمه ما يحدث في البرلمان بخصوص الإصلاحات. رئيس الجمهورية هو الوحيد الذي يتحمل المسؤولية ومن واجبه أن يظهر موقفه مما يحدث بخصوص مسار الإصلاحات، سواء ما يتعلق بمشاريع القوانين التي جاءت بها الحكومة والتي كانت بعيدة كل البعد عن مستوى الإصلاح الضروري للوصول لديمقراطية حقيقية، أو التدخلات التي وقعت في المجلس الشعبي الوطني على هذه المشاريع والتي زادت الوضع سوء.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 11 ديسمبر 2016 - 7:05