hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    المُدَوَّناتُ من البوست إلى التويت

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    المُدَوَّناتُ من البوست إلى التويت

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء 20 ديسمبر 2011 - 13:43

    تقديم
    ليس أصعب من أن تحارب خصم خفي ، إلا أن تحارب صاحب حق.
    خمسة أعوام تقريبا على ظهور المدونات العربية بشكلها المعروف حاليا ، اختصرت الكثير والكثير من صراخ المؤسسات الحقوقية ، وعناوين ومانشيتات صحف المعارضة ، وأخبار المقدمة في الفضائيات المستقلة.
    وخمسة أعوام في عصرنا الحالي قد تضاهي بالتطور الذي تشهده ، خمسة قرون من الماضي ، لذلك وحينما نمد المنطق على استقامته ، فخمسة أعوام على ظهور المدونات ، تعني ظهور جيل جديد من المدونين ، يبدأ من حيث انتهي الجيل الأول ، ويستخدم المدونات والشبكات الاجتماعية على الانترنت بشكل يصعب مواكبته أو الحد من سلاطتة لوحة مفاتيحه.
    حينما تتحدث مع أحد المدونين من الجيل الأول عن الحراك السياسي في عام 2005 ، ورغم أن عمر أغلبهم لا يتجاوز الثلاثين ، وعمر هذه الحركة لا يزيد عن خمسة سنوات ، فسوف ينظر إليك شاردا ، ويحاول أن يفتش في ذاكرته عن أحداث يراها البعض قريبة وماثلة في الذاكرة ، ويراها هذا الجيل ممن ساهم في تسليط الضوء عليها وكأنها حدثت في زمن بعيد أو كحدث أعقبته مئات الحوادث والفعاليات التي شارك في صنعها.
    كنت كمدير للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ضمن المتابعين لهذه الوسيلة” المدونات” التي منحت “بوقا لمن لا بوق له” و”منبرا لمن لا منبر له”، أتابع مدونة منال وعلاء ، وحوليات صاحب الأشجار ، ومحمود اليوسف ، طق حنك ، وجار القمر، وغيرهم من الجيل الأول الذي رسخ أقدامه كجيل مدافع عن الديمقراطية وعن حقه في أن يكتب ما يراه ، بغض النظر عن الخطأ والصواب ، وبلغه لا يعنيه أن يعترض عليها البعض أو يثني عليها البعض الأخر.
    وحين ظهر الجيل الثاني ، لم أشعر بالملل على الإطلاق ، بل بت ألهث وأنا أتابع بشغف الإنتاج الغزير لـ “جبهة التهييس الشعبية ، وأنا إخوان ، تحية نضالية ، والصعيدي ، وسعودي جينز” وغيرها من مدونات الجيل الثاني أو هكذا أظن.
    ثم تعاقبت الأجيال ، وأصبت بحيرة ،واكتفيت بسؤال واحد “أين هي البداية؟ ” ، لأنني لا أظن أن هناك نهاية ، سواء للمدونين أو لتطور الانترنت وظهور أدواته.
    قليلة هي السنوات التي مرت على ظهور المدونات ، غزيرة هي هذه السنوات القليلة في إنتاجها ونتائجها وعددها.
    لذلك كان من الضروري أن يؤرخ لهذه الفترة ، ولم يكن أقدر على تأريخ هذه الحقبة التدوينية بكل ما حفلت به من نجاح وما شهدته من كبوات سوى جبرتي المدونات ، أحمد ناجي.
    حين قرأت مسودة هذا الكتاب لأساعد في تصحيح بعض التواريخ أو المعلومات ، فوجئت أنني قرأته ثلاثة مرات في يوم واحد ، فهذا كتاب مختلف ، يؤرخ لك ، ويقص عليك ، ويحكي لك كقصة شيقة ، كيف حول هؤلاء الشباب مقولة وشعار “حرية التعبير” إلى حقيقة ، ليس فقط في طرح الأفكار ، أو الهموم أو الآراء ، بل أيضا كيف تجسدت حرية التعبير في لغة هذا التعبير.
    يجلسون على حواسيبهم ، وينطلقون في الشوارع ، ويلتقون في المقاهي ، ويتظاهرون في الميادين، ويفضحون على الملأ ، ويدافعون بصلابة عن حقهم ، لذلك كرهتهم الحكومات ، وحاربتهم ، ولم تهزمهم.
    فهم أصحاب حق ، وقوتهم في صدقهم.
    لن أطيل عليك ، فها هي بين يديك قصة المدونات ، كما رآها وأرخ لها صاحب مدونة وسع خيالك، نقدمها لك ، لنحرضك على أن تنحاز لهؤلاء المدونين ،وتحلم معهم بمجتمع يسمع للمختلف قبل المتفق ، ويناقش قبل أن يحاكم ، ويهتم بالشباب ولا يهملهم..

    المقدمة
    أنَّ المُدوَّناتِ من بِدَعِ آخرِ الزمانِ ، يحصُلُ فيها الضَّلالُ ، ويحصُلُ فيها الهُدى ، وبينَهما منافعُ كثيرةٌ ، وعلى حَسَبِ وِجهةِ الطَّالبِ يجدُ المطلوبَ . ولا نقصد من وراءِ كتابِنا هذا تبيينَ النافعِ من المُضِلِّ أو الغَثِّ من السَّمينِ ، فهذا أمرٌ متروكٌ لكَ . وإنَّما أردنا من كتابنا هذا أن يكونَ بمثابة دليلٍ مُبَسّطٍ للسَّائلِ عن حَالِ المُدَوَّناتِ ومَشَاربِها . وطموحُنا أن يكونَ تأريخًا موجزًا لصيرورةِ المُدَوَّناتِ في السَّنواتِ الماضيةِ والأحداثِ والتغيُّراتِ التي ساهمت فيها ، سواءٌ كانَ ذلكَ بشكلٍ مُباشِرٍ أو غيرِ مُباشِرٍ ، مُرَكِّزينَ بالأساسِ على حالِ المُدَوَّناتِ المِصريَّةِ وما تشاركت فيها مع غيرها من المُدَوَّناتِ العربيَّـةِ .
    سعيًا وراءَ هذا المُبتغى فقد نظَّمنا كتابـَنا على هيئةِ أبوابٍ مُتعاقبةٍ تبدأُ بتعريفِ المُدَوَّناتِ و إيجازِ تاريخِـها . والبابُ الثاني نُبَيـِّنُ فيهِ الدَّورَ المُباشِرَ الذي لعبته المدونات في عددٍ من القضايا ذاتِ الطابع السياسي. أما البابُ الثالثُ فنحاولُ فيه تتبُّعَ تأثيراتِ أثيرِ المُدَوَّناتِ على بعضِ المجالاتِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ ، بينما نُخَصِّصُ البابَ الرابعَ لتتبُّعِ علاقاتِ المُدَوِّنينَ أنفسهمْ خارجَ الفضاءِ السَّيبريِّ ، وعلاقاتِهم المتشابكةِ بعددٍ من المؤسَّساتِ المحليـَّةِ والعالميـَّةٍ.
    ويطيبُ لنا أن نشكرَ في خاتمة هذهِ “المقدمة” عديداً من المُدَوِّنينَ والباحثينَ الذينَ أمدُّوا الفقيرَ للهِ كاتبَ هذا الكتابِ بالكثيرِ من الدَّعمِ والمعلوماتِ ، آملينَ أن يكونَ هذا الكتابُ منارةً في بحارِ الإنترنت ، وأداةً تجلبُ – ولو قدرًا ضئيلاً من المتعةِ والمنجهةِ الذِّهنيَّةِ – نورمندي تو. سيري على بركةِ الله .
    مَـفاتيحُ أساسِيَّـةٌ و فَذلَكَـةٌ تاريخـيَّةٌ
    دَوَّنَ .. تَدوِين .. مُدَوَّنـَة
    عُرِفَت الكلمةُ باللغةِ الإنجليزيةِ في البدايةِ باسمِ weblog وهي مُرَكَّبةٌ من كلمتينِ web بمعنى شبكة و log بمعنى سِجِلّ ، أي “سِجِلّ الشَّبكة” لتُختَصَرَ بعدَ ذلكَ إلى blog فقط . وقد عُرِفَت الكلمةُ باللغةِ العربيةِ تحتَ عددٍ من المُسَمَّياتِ ( بلوج ، بلوغ ، بلوك ، مُعَلَّقة ) حتَّى تمَّ الاستقرارُ على كلمةِ ” مُدَوَّنـَة ” المُشتَقَّةِ من الفعلِ دَوَّنَ
    يُقصَدُ بالمُدَوَّنـَةِ1 تقنيةٌ للنَّشرِ عبرَ الإنترنت ، تعملُ من خلالِ نظامٍ بسيطٍ لإدارةِ المُحتوَى ، عبارة عن صفحةِ ويب على الإنترنت تظهرُ عليها تدويناتٌ (مُدخَلات) مؤرَّخةً ومُرتَّبةً ترتيبًا زمنيًا تصاعُدِيًّا ، يُنشَرُ منها عددٌ محددٌ يتحكَّمُ فيه مديرُ أو ناشرُ المُدَوَّنةِ ، كما يتضمَّنُ النِّظامُ آليةً لأرشفةِ المُدخَلاتِ/ الـتَّدويناتِ القديمةِ ، ويكونُ لِكُلِّ مُدخَلَةٍ منها مسارٌ دائمٌ لا يتغيَّرُ مُنذُ لحظةِ نَشرِها ، يُمَكِّنُ القارئَ من الرُّجُوعِ إلى تدوينةِ مُعيَّنةِ في وقتٍ لاحقٍ ، عندما لا تعودُ مُتاحةً في الصَّفحةِ الأولى للمُدَوَّنةِ ، كما يضمنُ ثباتَ الرَّوابِطِ ، و يَحولُ دونَ تحلُّلِها . كلُّ هذا يتمُّ من خلالِ آليَّةٍ تقنيَّةٍ تتميَّزُ بالسُّهولةِ ، إلى جانبِ عددٍ من التـِّقنياتِ المُسَاعِدَةِ مثلَ تِقنيةِ RSS التي تهدفُ إلى تسهيلِ مُتابعةِ التَّحديثاتِ التي تطرأُ على المُحتوَى المَنشورِ دونَ الحاجَةِ لزيارةِ المواقعِ بشكلٍ دورِيٍّ ، ودونَ الحاجةِ للاشتراكِ في قوائم بريديـَّةٍ ، وخدمات أخرى للرَّبطِ بينَ المُدَوَّناتِ ، إلى جانبِ الخَاصِّـيَّةِ الأهَمِّ وهي التـَّعليقات التي تُحَقِّقُ الـتَّفاعُلَ بينَ المُدَوِّنينَ والقُرَّاءِ .
    تأخذُ المادةُ المنشورةُ على المُدَوَّناتِ شكلَ نُصوصٍ مكتوبةٍ على حَسَبِ اللغةِ التي يُفَضِّلُها الكاتب، لكنَّ هناكَ أنواعًا أخرى من المُدَوَّناتِ لا تعتمدُ على النَّصِّ المكتوبِ ، وتستخدمُ وسَائِطَ أخرى ، مثلَ الصُّورِ / photoblog، الرسوماتِ / sketchblog، الفيديو/ vlog، و الصوت/ podcasting.
    و تـُقَدَّمُ خدمةُ المُدَوَّناتِ من خلالِ عددٍ من المواقعِ ، على رأسِها بلوجسبوب blogspot.com2، وُرد برِسّ 3 .wordpress.com، مكتوب4 maktoob.com، كاتب5 katib.org ، إلى جانبِ مواقعِ الاستضافةِ الخاصَّةِ ، حيثُ يقومُ بعضُهم بشراءِ مساحاتٍ على بعضِ الخوادمِ ، وأسماءِ نطاقاتٍ خاصَّةٍ مثل manalaa.net.
    ولتبسيطِ هذهِ الجوانبِ التـِّقنِيَّةِ في عالمِ المُدَوَّناتِ ، قامَ العديدُ من المُدَوِّنينَ بكتابةِ كُتَـيِّباتٍ إلكترونية تشرحُ بالتفصيلِ كيفيةَ إنشاءِ المُدَوَّنةِ ، وتقديمِ الخطواتِ التقنيةِ التي يجبُ اتـِّباعُها لإنشاءِ المُدَوَّنةِ ، وأبرزُ هذهِ الأدلَّةِ كُتَـيِّبُ “ألفباء التدوين” الذي يمكنُ تحميلُه من : [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    العَصرُ الجليدِيُّ الأوَّلُ
    “وضعت أمامي زجاجة البراندي نصف الممتلئة—نصف الفارغة كي لا أفقد المعنى—وسبعا وثلاثين قرص دواء زهري اللون. لا أعرف نوع الدواء حقا، ولكن لا بد أنه في عمر فتاة مراهقة الآن، فقد مر وقت طويل منذ أن بيعت عبوة المائة قرص لأي دواء بخمسة عشر قرشا.
    هل هذا ما أريده فعلا؟ لا يتوقع الجميع من شخص على وشك أن ينهي حياته أن يفكر في حلول لمشاكل المحرومين في العالم.”
    من مُدَوَّنةِ حوليَّاتِ صاحبِ الأشجارِ6
    من الصَّعبِ تحديدُ لحظةِ البدايةِ مثلما يصعُبُ تحديدُ لحظةٍ للنهايةِ . والأصعبُ أن نشيرَ لمُدَوَّنةٍ ما بعينها ونقول إنها أولُ مُدَوَّنة ، لكن على حَسَبِ المروِيَّاتِ التاريخيةِ ، واعتمادًا على الوثائقِ المحفوظةِ على موقعِ “أرشيف الانترنت” 7 فعمرو غربية هو أولُ مُدَوِّنٍ مِصريٍّ عربيٍّ أنشأ مُدَوَّنةً ، وكانت في البدايةِ باللغةِ الإنجليزيةِ عام 2002 ، بينما يحتلُّ أخوه أحمد غربية المرتبةَ الأولى بمُدَوَّنته “طَيّ المتَّصَلِ”8 أول مُدَوَّنةٍ باللغةِ العربيةِ والتي بدأها في نوفمبر 2003. وبعيدًا عن المروِيـَّاتِ التاريخيَّةِ ، فهناكَ مُدَوَّنةُ “حواديت” لرحاب بسَّام ، والتي بدأتها كما هو مُسَجَّلٌ في أرشيفِ المُدَوَّنةِ عام 2000 باللغةِ الإنجليزيةِ ، وتَطلَّبَ الأمرُ منها أربعَ سنواتٍ حتَّى 2004 لتنتقلَ إلى الكتابةِ باللغةِ العربيَّةِ . لكنَّ الأهمَّ من تحديدِ البداياتِ ومنحِ ميدالياتِ المراكزِ الأولى ، هو التوقُّفُ عندَ أوَّلِ تجمُّعاتِ المدونينَ المصريينَ .
    فالمُدَوَّناتُ ، وعلى عكسِ وسائلِ النَّشرِ والتَّواصُلِ التي كانت موجودةً على الإنترنت قبلَها (غُرَف الشَّات ، المنتديات ، المجموعات البريديَّة ) ليست غُرفةً واسعةً يلتقي فيها الأشخاصُ معَ بعضِهم البعض ، لكنَّها مساحةٌ وحيِّزٌ خاصٌّ ، غرفةٌ تَخُصُّ المرءَ وحدَه . وتأثيرُ المُدَوَّناتِ وفعالياتِها ينبعُ من عملياتِ التَّشارُكِ التي تنتجُ بينَ المُدَوِّنِ والأحداثِ والتَّفاصيلِ التي يُدَوِّنُ عنها من جهةٍ ، وبينَ المُدَوِّنِ وقُرَّائه الذين قد يتركون تعليقاتِهم لديهِ ، والذينَ قد يكونوا مُدَوِّنينَ آخرين . وهكذا فقد ظهرت هذه الفاعليَّةُ للمرَّةِ الأولى من خلالِ ما يُعرَفُ بحلقةٍ المُدَوِّنين9 والتي أسَّسها “أحمد حلمي/ Hellme” المُدَوِّنُ المِصرِيُّ الذي كانَ يعيشُ في إنجلترا .
    كان الهدفُ من الحلقةِ / الموقعِ أن يكونَ بمثابةِ دليلٍ للمُدَوَّناتِ المِصريةِ ، سواءٌ تلكَ المكتوبة باللغةِ العربيةِ / الإنجليزيةِ / الفرنسيةِ أَم بغير ذلك من اللغات . وبسرعةٍ تحوَّلَ الموقعُ إلى واحةٍ صغيرةٍ تضُمُّ بعضَ المُدَوَّناتِ القليلةِ التي ظهرت في 2004 و2005 ، وقد ساعدَهُ أحمدُ غربية في تصميمِ مجموعةٍ من الأزرارِ التي يمكنُ وضعها على المُدَوَّناتِ المِصريَّةِ كرابطٍ لموقعِ حلقةِ المُدَوِّنينَ ، وكختمِ دمغة على مِصريَّةِ المُدَوَّنةِ .
    حالت مِصرِيَّةُ الرَّابِطةِ دونَ وجودِ مُدَوَّناتٍ أخرى عربيةٍ بدأت في الظهورِ ، وهكذا نشأ تجمُّعٌ آخرُ هو ” الشَّاملُ في المُدَوَّناتِ العربيةِ “10 بِمُبادرةٍ من إيهاث11 والدوك راء12. وعلى خلافِ حلقةِ المُدَوِّنينَ المِصرِيينَ فلم يكُن الشَّاملُ موقعًا مُتكامِلاً ، بل صفحة مُدَوَّنة على موقعِ بلوجر ، تُحَدَّثُ بانتظامٍ بجديد المُدَوَّناتِ . ولأنـَّها مُدَوَّنةٌ فقد كانت هناكَ إمكانيةُ أن يُشارِكَ في تحريرِها العديدُ مِنَ المُدَوِّنينَ الآخرينَ 13، الذين كانوا يُضيفونَ مُدَوَّناتٍ أخرى ، أو يكتبونَ تقاريرَ صغيرةً عن عالمِ المُدَوَّناتِ الذي بدأ في التشكُّل . لكن بدأت تظهر مشكلةٌ أخرى ، يمكنُ اعتبارُها أولَ مُواجَهَةِ للمُدَوَّناتِ معَ حُرِّيـَّةِ الرَّأي والتـَّعبيرِ على الإنترنت.
    ففي أكتوبر 2005 ظهرت مُدَوَّنةُ “ابن نواس”14 و التي وضعَ صاحبُها له تعريفًا بسيطًا “الجنس هو الغريزة التي تتفق عليها سائر المخلوقات” ، كانت أغلبُ تدويناتِ ابن نواس ذاتَ طابعٍ جنسيٍّ . يقفُ على الهامشِ بينَ البورنوغرافيا ، والنقدِ الاجتماعيِّ .
    دارت مجموعةٌ من المُناقشاتِ بينَ المُشرفينَ على مُدَوَّنةِ الشَّاملِ حولَ إضافةِ المُدَوَّنةِ في الدَّليلِ و عدمِ إضافتِها . انتهت المناقشاتُ بقرارِ المُشرِفينَ على دليلِ الشَّاملِ بعدمِ إضافةِ المُدَوَّنةِ 15.
    في النِّهايةِ ، الشَّاملُ كانت مُدَوَّنةً جماعيَّةً ، مِلكِيَّـتُها تعودُ للأشخاصِ القائمينَ عليها ، واختيارُ ما يريدونَ وضعَه وما لا يريدونَ وضعَه ، لكنَّ هذهِ الأزمةَ العابرةَ وما تَبِعَها من نِقاشاتٍ في عددٍ من المُدَوَّناتِ في ذلك الوقت ، كانت بمثابةِ إشَارةٍ واضحةٍ إلى أنَّ الحاجزَ الذي ستسعى المُدَوَّناتُ لتوسيعِهِ باستمرارٍ ، وكَسرِه وتجاوزِه هو حاجزُ حُدودِ حُرِّيـَّةِ الرَّأي والتـَّعبيرِ .

    العَصرُ الجليدِيُّ الثَّاني
    “قبل ثلاثه16 أسابيع كنت أشعر بالإحباط نتيجة عدم وجود بلوجات بالعربي. فقد مرت سنه علي بداية كتابتي للبلوج بالإنجليزي وأنا من متابعي البلوجات العراقيه بشكل مستمر ولاكن كلها بالإنجليري. كنت أشعر بالأسف علي نفسي وعلي حال الأمه العربيه وعلي حال اللغه العربيه. لماذا لايوجد بلوجات بالعربي؟ لماذا كل العرب يختارون الكتابه بالإنجليزي؟ وبعدها قلت لنفسي” بدل ما تلعن الظلام ولع شمعه ولو خافته”. قررت أن أبتدئ الكتابه بالعربي وبعدها بأيام أكتشفت عده بلوجات عربيه أعجبتي. وخلال أيام تحول الإحباط إلي أمل. وأصبحت أحلم أحلام كبيره. لربما أصبحت إيهاث وغيرها من رواد ضاهرة البلوجر في العالم العربي.”
    من مُدَوَّنةِ إيهاث17
    القفزةُ في تجمُّعاتِ المُدَوِّنينَ كانت مع ظهورِ مُدَوَّنةِ علاء ومنال18 في عام 2004. فعلاء لم يلجأ في إنشاء مُدَوَّنته إلى استخدامِ المواقعِ المجَّانيةِ . بل استفادَ من خبرته ودرايته بالبرمجيَّاتِ المفتوحةِ ، وأنشأ مُدَوَّنةً على حسابٍ خاصٍّ ، وباستخدامِ تقنيةِ نشرٍ جديدةٍ مُغايرَةٍ ، وهي تِقنيةُ دروبال/ Durpal. استفادَ علاءُ من الإمكانيَّاتِ التي تُوَفِّرُها هذه التِّقنيةُ ، وعلى رأسِها تِقنيةُ rss التي تسمحُ بإضافةِ عددٍ من المُدَوَّناتِ أو المواقعِ المُهِمَّةِ ، ومُتابَعَةِ الجديدِ على هذهِ المواقعِ بشكلٍ دورِيٍّ . وبطبيعةِ الحالِ فقد كان الزوجانِ يضيفان المواقعَ التي يهتمَّانِ بها . وهو الأمرُ الذي حوَّلَ مُدَوَّنتهُما إلى مركزِ تجمُّعٍ أساسِيٍّ لِكُلِّ المُدَوِّنينَ ، أو المُهتَمِّينَ بِمُتابعةِ المُدَوَّناتِ .
    فمِن خلالِ زيارةِ مُدَوَّنةِ منال وعلاء كان يمكنُ معرفةُ الـتَّدويناتِ الجديدةِ على كُلِّ المُدَوَّناتِ المِصرِيَّةِ . الأمر الذي رفعَ من نسبةِ زوَّار المُدَوَّنةِ ، و وثَّقَ العلاقاتِ بينَ المُدَوِّنينَ وبعضهم البعض. والتي انتقلَ بعضُها من علاقاتٍ في الواقعِ الافتراضيِّ إلى علاقاتِ صداقةٍ أو معرفةٍ في الحياةِ الواقعيَّةِ .
    يجبُ أن نُوَضِّحَ هنا أنَّ المُدَوَّناتِ في تلكَ المرحلةِ لم تكن في بؤرةِ الضَّوءِ الإعلاميِّ بعدُ . وكُتَّابُها وقراؤها في الأغلبِ كانوا مجموعةً من خريجي الجامعاتِ الذينَ يُتقِنونَ التعاملَ مع الإنترنت ، ولديهم وجهاتُ نظرٍ ، ومواقفُ سياسيَّةٌ ، أو ثقافيَّةٌ ، يسعونَ لطرحِها من خلالِ المُدَوَّناتِ . هم بقدرٍ من المبالغةِ نُخبةٌ شَابـَّةٌ من الطَّبقةِ المتوسِّطةِ ، وبالرُّغم من أنَّ هذا الـتَّبسيطَ يبدو مُخِلاًّ ، وغيرَ مُوَثَّقٍ بشكلٍ عِلميٍّ ، لكنَّ هذهِ الرؤيةَ يمكنُ العثورُ على دلائلَ مؤكِّدة لها ، في الاستبيانِ الذي أجراه ميلاد يعقوب عن حركةِ التـَّدوينِ المِصرِيَّةِ .19 عام2005.

    العَصرُ الدّيناصُورِىُّ
    اشتركنا سوية في حب الفتاة ذاتها، و لكن ليس في الوقت ذاته، اقتربت منها بعد ان تركها محطمة لنبدأ قصة فاشلة اخرى للفتاة المسكينة، إلا أنني لسبب ما رغبت في مساعدته عندما كان يستفسر عن عمل، ورددت على تساؤلاته الغبية على غرار : ” عندما أصل أي بلد عربي للعمل فسأستخدم جواز سفري الأردني ليعرفوا أنني عربي و يحسنوا معاملة أخيهم في العروبة…”
    ايه العبيط ده؟
    مِن مُدَوَّنة طقّ حَنك20
    في 2005 أعلنَ21 الرئيسُ محمدُ حُسني مُبارك عن تعديلِ الدُّستورِ ، بحيثُ يسمحُ بترشيحِ أكثر من مُرَشَّحٍ لمنصبِ الرَّئيسِ ، هذا الإعلانُ الذي كانَ من مُحافظةِ المنوفيةِ الجميلةِ النظيفةِ المتطوِّرةِ ، تَبِعَـهُ حِرَاكٌ سياسِـيٌّ كبيرٌ ، ترادَفَ معَ ظهورِ حركاتِ احتجاجٍ شعبيَّةٍ مختلفةٍ ، على رأسِها حركةُ “كِفاية” ، وكانَ من الطبيعيِّ أن يتفاعلَ المُدَوِّنونَ معَ هذا الحِراكِ الذي بدأ كَكُرَةِ ثلجٍ أخذت تكبرُ بتوالي الأيامِ والأحداثِ ، حيثُ تلى تعديلَ الدستورِ انتخاباتُ الرِّئاسةِ ثمَّ انتخاباتُ مجلسِ الشَّعب ، ثمَّ احتجاجاتُ القُضاةِ على تزويرِ الانتخاباتِ ، وقد تفاعلَ المُدَوِّنونَ معَ كُلِّ ذلك ، مِن خِلالِ ما يكتبونه وينشرونه على مُدَوَّناتهم ، في وقتٍ كانت ظاهرةُ الجرائدِ المُستقِلَّةِ في بدايتها ، وعَاصِفةُ برامجِ “التـُّوك شو” المصرية على القنواتِ الفضائيةِ لم تبدأ بعدُ ، وكُـلُّها عواملُ جعلت من المُدَوَّناتِ مساحةً إعلاميَّةً للتعبيرِ عن المسكوتِ عنهُ في وسائلِ الإعلامِ الأُخرى .
    لذلكَ حفلتْ مُدَوَّناتُ تلكَ الفترةِ بالكثيرِ من التـَّعليقاتِ السِّـيَاسيَّةِ المُعَارِضَةِ للنِّظَامِ الحَاكِمِ ، وتدرَّجت في لهجَتِها ومُستوياتِ خطابها من النـَّقدِ الموضوعيِّ القائمِ على التحليلِ السياسيِّ ، كما في تدويناتِ طقّ حَنك ، وحتى النـَّقدِ المُعَارِضِ الذي لا يتورَّعُ عن استخدامِ ألفاظٍ قد يراها البعضُ خَارِجةً أو إباحيَّةً ، كما في تدويناتِ علاء على مُدَوَّنة علاء ومنال كمثالٍ ، وهو الأمرُ الذي جذبَ الكثيرَ من القُرَّاءِ إلى المُدَوَّناتِ ، القُرَّاء الذينَ تحوَّلوا بعدَ ذلكَ إلى مُدَوِّنينَ . مما وسَّعَ من قَاعِدَةِ التَّدوينِ المِصرِيِّ .
    في الوقتِ نفسهِ أصبحَ التدوينُ محلَّ اهتمامٍ من قِبَلِ وسائلِ الإعلامِ الأخرى ، سواءٌ أكانت مَحلِّـيَّةً أو عالمـيَّةً ، فعلى المستوى العالميِّ جذبت مُدَوَّناتٌ عراقيَّةٌ ظهرت بعدَ الاحتلالِ الأمريكيِّ للعراقِ -كمُدَوَّنة خالد جرار22 وغيرها من المُدَوَّناتِ العراقيةِ – اهتمامَ الجرائدِ والصُّحُفِ العالميَّةِ والعربيةِ ، الأمر الذي جعلَ جهادَ الخازن في جريدةِ الحياةِ اللندنيةِ يخصِّص سلسلةً من المقالاتِ مُعرِّفًا بالمُدَوَّناتِ وما يُكتَبُ بها ، وفي مِصرَ كانت إشَارةُ محمدِ حسنين هيكل إلى مُدَوَّنةِ “بهيَّة”23 بمثابةِ بقعةِ ضوءٍ جعلت العديدَ من وسائلِ الإعلامِ تهتمّ بمتابعةِ المُدَوَّناتِ ، والتعاملِ معها كوسائلِ إعلامٍ مُنافِسَةٍ
    الاتـِّساعُ في قاعدةِ المُدَوَّناتِ ، والضوءُ الإعلاميُّ الذي تسلَّطَ عليها في تلكَ الفترةِ ، سَاهما في ظهورِ ما يُعرَفُ بظاهرةِ المُدَوِّنِ النَّجم أو ما يُمكِنُنا تسميتُه – بشيءٍ من الْمُبَالغةِ السَاخِرةِ – بالمُدَوِّنِ الديناصور . فقد كانَ من الصَّعبِ على الإعلامِ أن يركِّزَ على خمسةِ آلافِ مُدَوَّنةٍ مِصرِيـَّةٍ ، ومثلها في العددِ عربيَّة التـَّوَجُّهِ ، لكن من بين هذا العددِ اختارَ الإعلامُ المُدَوِّنينَ الذينَ لا يجدونَ مشكلةً في كشفِ هُوِيَّتهم الشَّخصيَّةِ ، وتركِّز كتاباتهم على الشأنِ العامِّ ، ويفضَّلُ لو كانت لهم ممارساتٌ سياسيةٌ كأنْ يكونوا أعضاءَ في حركاتٍ سياسيةٍ معينةٍ ، أو ناشطينَ سياسيينَ يشاركونَ في المظاهراتِ والاعتصاماتِ .
    ساهم في هذا رغبةُ عددٍ من المدونينَ في تحويلِ اهتمامِهم بالشأنِ العامِ من مجرَّدِ التعبيرِ عن أفكارِهم على صفحةِ المُدَوَّنةِ إلى النزولِ بهذهِ الأفكارِ إلى الشَّارعِ 24. وهكذا ظهرَ المُدَوِّنُ الديناصورُ/ النجم الذي يظهرُ في القنواتِ التلفزيونيةِ ويتعرضُ للمُضايقاتِ الأمنيةِ ، ويستحوذُ على اهتمامِ وسائلِ الإعلامِ . وهو الأمرُ الذي أضفَى على التَّدوينِ نوعًا من الوجاهةِ الاجتماعيةِ ، شجَّعت الكثيرينَ على ممارستِه ؛ بحثًاعن نوعٍ من تحقيقِ الذَّاتِ ، أو حتى كفرصةٍ للتعبيرِ عن آرائه في الشَّأنِ العامِّ، بمختلفِ تجلِّياتِه.

    عَصرُ الفَيَـضَان
    “ بعد ربع ساعة ، وعندما لاحظت أستاذتي أنني أنظر لها بتركيز شديد وبدون أن يطرف لي جفن، وأنها تتكلم وأنا لم أُخرج كراستي بعد أو أضع السماعات حتى، أوقفت التسجيل وسألت: “في إيه يا رحاب؟” ففتحت فمي فلم يخرج سوى: “أنا خايفة أوي”.
    من مُدَوَّنةِ حواديت25
    انتهى الحِراكُ السِّياسيُّ على النتيجةِ المُعتادةِ ، وهي “يبقى الوضعُ كما هو عليه” ، الأمر الذي ظهرَ تأثيرُه في عالمِ المُدَوَّناتِ ، متمثلاً في إحباطِ البعضِ والتوقُّفِ عن الكتابةِ ، كَحَالةِ “محمد” صاحبِ مُدَوَّنةِ طقّ حَـنَك26، أو تحوُّلِ عددٍ من المُدَوَّناتِ من الكتابةِ في الشَّأنِ السياسيِّ إلى الكتابةِ في الأدبِ أو القضايا الاجتماعيةِ والثقافيةِ ، لكنَّ ما سبقَ لم يقلِّل من تركيزِ المُدَوَّناتِ على الوضعِ العامِّ أو السياسةِ ، بل سمحَ بظهورِ أطيافٍ وصورٍ أخرى للتدوينِ ، خصوصًا وقد اتَّسعت قاعدةُ التَّدوينِ ، لا في مصرَ فقط بل في معظمِ الدولِ العربيةِ .
    بإطلالةٍ سريعةٍ على مجرَّةِ التـَّدوينِ من عام 2006 حتَّى الآن ، يُمكِنُنا أن نلاحظَ كيفَ أصبحت المُدَوَّناتُ تركِّزُ في حملاتها وكتاباتها على قضايا نوعيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ، أصبحت تحتلُّ صدارةَ الخِطَابِ التـَّدوِينيِّ ، كالتَّحرُّشِ الجِنسيِّ ، وأوضاعِ المرأةِ ، و العلمانيةِ ، وتحديثِ الخِطابِ الدِّينيِّ في المُدَوَّناتِ الخليجيةِ ، القضايا الحقوقية في المُدَوَّناتِ المغربيةِ ، وفي قلبِ هذا كلِّه نجحت المُدَوَّناتُ الأدبيةُ في جذبِ العديدِ من القُرَّاءِ ، واستحوذت على أكبرِ قدرٍ من الاهتمامِ ، خصوصًا بعدما تحمَّسَ عددٌ من دُورِ النَّشرِ لتحويلِها إلى كتبٍ مطبوعةٍ ، كما في حالةِ سلسلةِ مُدَوَّناتِ الشُّروقِ ، بل وصلَ الأمرُ إلى إنشاءِ دُورِ نشرٍ – خِصِّيصًا – لنشرِ المُدَوَّناتِ ورقيًّا كما في حالةِ دارِ دَوِّن .
    أما أهمُّ ملامحِ العصرِ الفيضانيِّ ، فهي تزايُدُ استخدامِ المُدَوَّناتِ لوسائلِ النَّشرِ الأخرى ، كالصورِ والفيديو ، حيثُ ترافقَ هذا العصرُ معَ ظهورِ تقنياتٍ جديدةٍ في التلفيوناتِ المحمولةِ ، ودخولِ خدمةِ الجيلِ الثالثِ إلى شبكاتِ المحمولِ في مصرَ ، وعددٍ آخر من الدولِ العربيةِ ، وهكذا انفتحت أكثرُ القنواتِ الواصلةِ بينَ الإنترنت والموبيل ، الأمر الذي مهَّدَ الطريقَ بعدَ ذلكَ لظهورِ فيديوهاتِ التعذيبِ ، التي لعبت دورًا كبيرًا في تسليطِ الضوءِ الإعلاميِّ على قضايا التعذيبِ داخلَ أقسامِ الشُّرطةِ في مصرَ ، وكانَ هذا بمثابةِ خطوةٍ أولى أدَّت إلى مُحاكَمَةِ ضُـبَّاطِ الشُّرطةِ الذينَ شاركوا في ممارسات تعذيبٍ ضِدَّ مواطنينَ مصريينَ .
    أما في العالمِ العربيِّ، فقد ظهرَ في المغربِ “القنَّاص”، والذي نجحَ من خلالِ مجموعةٍ من الفيديوهاتِ التي رفعها على الإنترنت في الكشفِ عن بعضِ مظاهرِ فسادِ السُّلطةِ المغربيةِ ، حيثُ أظهرت فيديوهاتُ القنَّاصِ بعضَ رجالِ الشُّرطةِ والمرورِ المغاربةِ ، وهم يتقاضونَ رشاوَى مالِـيَّةً من عددٍ من السائقينَ .
    شَهِدَ العصرُ الفيضانيُّ أيضًا ظهورَ مجموعاتِ المُنشَقِّينَ من المنتدياتِ العاطفية ، فالمجرَّةُ التدوينيَّةُ الكبيرةُ انقسمت إلى مجموعاتٍ شمسيةٍ صغيرةٍ ، وبعضُ هذه المجموعاتِ كانَ مُنغلقًا على ذاتِه. ويحدثُ هذا في الغالبِ نتيجةَ قيامِ بعضِ أعضاءِ المنتدياتِ بافتتاحِ مُدَوَّناتٍ شخصيةٍ ، لكنَّهم يتعاملونَ مع المُدَوَّناتِ كما يتعاملونَ مع المنتدى ، فلا يزورونَ إلا مُدَوَّناتِ بعضهم البعض ، ولا تزيدُ طبيعةُ الموضوعاتِ التي يكتبونها عن البرقيَّاتِ الاجتماعيةِ ، أو ما يُعرفُ بـ “التـَّاج” حيثُ الزَّهرةُ البريَّةُ تسألُ الفارسَ الأسودَ عن لونِه المُفَضَّلِ ، والفارسُ الأسودُ يكتبُ تدوينةً يسألُ فيها “حزينة على طول” عن أصعبِ موقفٍ مرَّت به ، الذي نكتشفُ حينما نقرأ تدوينتها أنه كان يومَ أن أجرَت عمليةَ اللوز ! لكن حتى هذه المجراتِ الصغيرة من المُدَوَّناتِ التي كانت ترتبطُ بشبكةٍ من الصداقاتِ البريئةِ والعلاقاتِ الاجتماعيةِ ، أخذَ بعضُها منحنىً اجتماعيًّا خارجَ الفضاءِ السيبريِّ ، حيثُ ظهرت تجمُّعاتُ المدونينَ الذينَ يقومونَ بزيارةِ مرضى السرطانِ ، أو ملجأً للأطفالِ الأيتامِ وغيرها من الأنشطةِ الخيريةِ ، ثمَّ يقومونَ برفعِ صورِهم ، وهم يمارسونَ تلكَ الأنشطة على مُدَوَّناتهم .
    العَـصرُ الفيسـبُكِّيّ
    ” سافر التدوين بجيلنا أعواما للأمام صنع زعامات شابة – بعضهم فقط يستحق ـ وهدم العديد من المسلمات، وجاء الـ «فيس بوك» خطوة إضافية في المضمار نفسه، جمع قطع «بازل» المدونات في شبكة واحدة، أصبح التواصل أسرع والأفكار أكثر حرية وانطلاقا.. وكان الإضراب: إضرابا حقيقيا تلاه آخر «كده وكده» اندهشت الداخلية وتخبطت ودارت كاميرات الفضائيات، ووجدت الأقلام ما تملأ به الصحف، ولكن أبدا لم يشعر أحد بالمرارة التي نحملها في حلوقنا، بقسوة الفشل الذي لازمنا، وبمرارة التسليم بالهزيمة قبل انتهاء المباراة.. إضرابان انتهيا وكتبا معهما كلمة النهاية لجيل فشل في معارك مصيرية ترتبط بالغد، فشل في معركة التعديلات الدستورية في المادة «٧٦» في أزمة القضاة في قانون الإرهاب، ومعارك أخري كثيرة معارك تستمد أهميتها من ارتباطها بمستقبل هش وبقبضة حديدية تزداد صلابتها مع كل خسارة.
    نحن جيل خرج من ملعب الأحداث، ويستعد خلال الأيام المقبلة للجلوس علي مقاهي الفشل في وسط البلد، يقبض علي «لي» الشيشة بقوة ويشرب الشاي «أبونعناع» ويتحدث بكل «حكمة» عن شباب فشلوا لأنهم لم يصلوا إلي الـ «حكمة».. لم يصلوا إلي أنه ليس بالتدوين والـ «فيس بوك» وحدهما يصنع المستقبل”
    من مُدَوَّنة المواطن رجب27
    رغم إنَّ مواقعَ الشبكاتِ الاجتماعيةِ ظهرت على الإنترنت منذُ بدايةِ الألفيَّةِ ، ومنها موقعُ الفيسبوك إلاَّ أنَّ الأخيرَ زادت شَعبِيَّـتُه في مصرَ والدولِ العربيةِ معَ عامِ 2007.
    لعبَ الفيسبوك دورًا مهمًّا في تكوينِ شبكاتٍ اجتماعيةٍ صغيرةٍ تجمعُ ذوي الاهتماماتِ المشتركةِ ، وعلى رأسِها الشبابُ الذينَ يهتمونَ بما هو سياسيٌّ ، وما له علاقةٌ بالشَّأنِ العامِّ . وأثبتَ الفيس بوك فاعليةً أكبرَ من بقية تطبيقات الانترنت في تنظيمِ الفعالياتِ السياسيةِ ، كالمظاهراتِ والإضراباتِ والاعتصاماتِ ، وظهرَ هذا بقوَّةٍ في مطبِّ الهواءِ الذي يُعرَفُ أحيانًا باعتصامِ 6 أبريل.
    هذه الفاعليةُ والقوةُ التي ظهرت في الفيس بوك كانَ من الطبيعيِّ أن تستقطبَ مئاتِ وربما آلاف مستخدمي الإنترنت في مصرَ والبلدانِ العربيةِ ، خصوصًا وأنَّ استخدامَ الفيس بوك أسهلُ كثيرًا من إنشاءِ المدونةِ ، ولا يحتاجُ لكتابةٍ و ” لتّ وعَجن ” ، يكفي وضعُ مجموعةٍ من الصورِ والضغطُ على زر Join لإنشاءِ حملةٍ ما ، أو إثباتِ موقفٍ مُعارضٍ تجاهَ قضيةٍ ، قد تكونُ سياسيةً أو اجتماعيةً .
    ومعَ نهايةِ عامِ 2008 ظهرت مجموعةٌ من الآراءِ على المُدَوَّناتِ نفسِها حولَ موتِ التَّدوينِ أو التعاملِ معَه بصفتِه موضةً وانتهت28، وهو ما أثبتت الأيامُ أنه ليسَ بصحيحٍ ، فمازالت المُدَوَّناتُ موجودةً ، وكل يوم تظهرُ مُدَوَّنةٌ جديدةٌ أحدث مما قبلها ، كما أثبتت المُدَوَّناتُ القدرةَ على الاستفادةِ من الألعابِ وتطبيقاتِ الإنترنت الأخرى ، بدايةً من الفيس بوك الذي يستفيدُ منه البعضُ للدعايةِ لمدونتهِ ، وحتَّى موقع تويتر الذي يتعامل معه بعضُ المدونينَ كوسيلةٍ لكتابةِ ونشرِ تدويناتٍ قصيرةٍ وسريعةٍ . ويظهر التنسيق بين المُدَوَّناتِ وغيرها من تطبيقاتِ الإنترنت في الحملاتِ السياسيةِ والاجتماعيةِ ، وآخرُها حملةُ “إعادة هبة نجيب إلى مصر”29 والتي بدأت كحملةٍ على عددٍ من المُدَوَّناتِ ، منها مُدَوَّنة “ما بدا لي” لعمرو عزت ، ثم انتقلت إلى غيرِها من المُدَوَّناتِ ، ثم مجموعة على موقعِ الفيس بوك ، ثم وضع بانر للحملةِ على مجمعِ العمرانيةِ ، وأسطر متناثرة عن الحملةِ على موقعِ تويتر ، ورسائل بريدية بينَ عددٍ كبيرٍ من مُستخدمي الإنترنت . الأمر الذي حوَّل الحملةَ إلى وسيلةِ ضغطٍ شعبيةٍ فرضَت قضيةَ “هبة نجيب” على الإعلامِ والصَّحافةِ ، وكانت النتيجة حصول هبة على حقِّ العودةِ ، ووصولها إلى القاهرةِ . مما يُثبتُ أنَّ كثرةَ وسائلِ النشرِ والتعبيرِ وغيرِها من تطبيقاتِ الإنترنت لا تحاربُ بعضَها البعض ، بقدرِ ما تخدِمُ بعضَها البعض.
    حاليـًا وصلَ عددُ المُدَوَّنات إلى 600 ألف ، وذلكَ حسبَ الدِّراسةِ التي أجرتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ونشرت في ديسمبر 2009،30 وحسبَ الدراسةِ ، فمصرُ تحتلُّ المركزَ الأولَ في عددِ المُدَوَّناتِ العربيةِ ، تليها المملكةُ العربيةُ السعوديةُ ، ثم الكويتُ ، ثم المُدَوَّناتُ العربيةُ التي تستخدمُ اللغةَ الإنجليزيةَ ، وتتنوع ما بينَ مُدَوَّناتٍ عراقيةٍ ، أو من جنسياتٍ عربيةٍ أخرى ، تليها المُدَوَّناتُ المغربيةُ التي تستخدمُ في الغالبِ اللغةَ الفرنسيةَ . وذلكَ كما يتَّضِحُ في الشكل التالي اللذي يقدم خريطةَ توزيعِ مجرَّةِ التدوينِ العربيةِ .
    في دائِـرَةِ الضَّوءِ من تحتِ الأرضِ إلى فوقِ الأرضِ .. والعكس
    “كان نايمان على نفسه أوي، مع انه كان نشيط وبيحب يتحرك كتير، ولكن ممكن السن أثّر عليه. المفروض يتقابلا، محاولة لاعادة الأيام الجميلة
    رأها، تَحَمس جداً، وبدأ يدب فيه النشاط، ولكن…هى لن تسطيع أن تمضي وقت طويل معه، يجب أن تذهب مبكراً، يعمل ايه، بعد ما دَب فيه النشاط والحيوية رجع تاني للخمول، طيب خلاص مش عارف أعملك ايه”31
    مُدَوَّنة السِّت نعامة
    بعدَ التغييرِ الوزاريِّ المصريِّ في يوليو 2004، صاغَ ثلاثمائة من المثقفينَ المصريينَ والشخصيَّاتِ العامَّةِ التي تمثِّلُ الطَّيفَ السياسيَّ المصريَّ بأكملِه وثيقةً تأسيسيَّةً ، تطالبُ بتغييرٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ في مصرَ ، و إنهاءِ الظُّلمِ الاقتصاديِّ والفسادِ في السِّـيَاسةِ الخارجيةِ والداخليةِ . كان هذا البيانُ هو النواة الأولى للحركةِ المصريَّةِ من أجلِ التغييرِ “كِـفاية” .
    لم تطرح “كِـفاية” رؤيةً متكاملةً للتغييرِ أو إصلاحِ الأوضاعِ ، كما أنها لم تركِّز نضالَها على قضايا جزئيةٍ لتحقيقِ انتصاراتٍ صغيرةٍ . بل كانت أشبهَ بصيحةِ اعتراضٍ مفتوحةٍ ، أو صرخةٍ بكلمةٍ واحدةٍ هى “كِـفاية” ، والبيانُ التأسيسيُّ الذي وقَّع عليه عددٌ كبيرٌ من الـنُّشطاءِ والُمثقَّفينَ والفنانينَ يكشِفُ بسهولةٍ أنَّ “كِـفاية” اختارت الإعلامَ كوسيلةٍ لتسليطِ الضَّوءِ على فعالياتِها وقضيَّـتِها … التي يعلمُ الله وحده هي كانت إيه !
    فلم يوضِّح البيانُ طبيعةَ الحركةِ أو هيكلَها التنظيميَّ ، أو على الأقلِّ طريقةً واضحةً لتحقيقِ أهدافِها ، فقط كانَ هناكَ البيانُ الذي تصدَّرَ عناوينَ المحطَّاتِ الإخباريةِ والصُّحُفِ العربيةِ ، تَـبِعَهُ بعدَ فترةٍ طويلةٍ عددٌ من المظاهراتِ الصغيرةِ التي كانت مُحاصَرَةً بحشودٍ من الأمنِ ، وكاميراتِ القنواتِ الفضائيةِ .
    لكنَّ الجانبَ الإيجابيَّ في ظهورِ “كِـفاية” كان رفعَ سقفِ الحريةِ ، من خلالِ طرحِ رؤىً تُطالِبُ للمرَّةِ الأولى بتغييرِ الرئيسِ ، وتطالِبُ بمحاسبةِ مسئولينَ ومُقَرَّبينَ من رأسِ السُّلطةِ ، لم تكن أسماؤهم حتى تـُذكَر بالنقدِ في أيِّ وسيلةٍ من وسائلِ الإعلامِ .
    على المُستوى التنظيميِّ ، أدَّى عدمُ وجودِ وثيقةٍ تنظيميةٍ إلى اعتمادِ “كِـفاية” على النِّظامِ الشبكيِّ المَرِنِ القائمِ على المبادرةِ الفرديةِ ، والعملِ في مجموعاتِ عملٍ صغيرةٍ . وقد أدَّى انتشارُ “كِـفاية” إلى ظهورِ حركاتٍ نوعيةٍ أخرى مثل ” شباب من أجل التغيير ” ، ” عُمَّال من أجل التغيير ” ، صحفيون من أجل التغيير ” ، ” طلاب من أجل التغيير” وغيرها من الحركاتِ النوعيةِ التي تزايدَ وجودُها في عام 2005 و 2006. كانَ من الطبيعيِّ أن تجتذبَ هذه الحركاتُ ، وعلى رأسِها “كِـفاية” الكثيرَ من المُدَوِّنينَ . على أساسِ أنَّ الصورةَ الأوسعَ للمُدَوِّنينَ هُم الشبابُ أصحابُ الاهتمامِ بالشَّأنِ العامِّ .
    انعكسَ خِطابُ “كِـفاية” الصاخبُ المُعارِضُ لمبارك في العديدِ من التَّدويناتِ التي ظهرت في 2005 و 2006 و يمكنُنا ملاحظة ذلكَ بوضوحٍ في بعضِ تدويناتِ علاء على مُدَوَّنةِ منال وعلاء. من ناحيةٍ أخرى دخولُ المدونينَ في تلكَ الحركاتِ السياسيةِ أظهرَ دورًا آخرَ للمُدَوَّناتِ ، وهو تنظيمُ المظاهراتِ والإعلاناتِ عن الفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ .
    تطوَّرَ دَورُ المدونينَ من الإعلانِ عن الفعالياتِ السياسيةِ المُعارِضةِ والكتابةِ ضِدَّ النِّظَامِ الحَاكِمِ إلى تنظيمِ المُظاهراتِ والاعتصاماتِ بأنفسهم ، كما أدخل بعض المدونين – أبرزهم عمرو غربية- عددًا من الأنشطةِ ، وطرقِ التظاهُرِ التي لم تكن مُستخدَمةً قبلَ ذلكَ ( إطلاق البلالين/ الضرب على الطبول/ استخدام بعض الآلات الموسيقية)، ساهمَ هذا في إحداثِ نوعٍ من التغييرِ النوعيِّ في طبيعةِ العملِ السياسيِّ والتظاهُرِ في مصرَ -وإن كانَ هذا لم يصاحبهُ للأسفِ تغييرٌ في الكم- يبدو هذا التغييرُ النوعيُّ واضحًا في المظاهرةِ التي أعقبت قيامَ رجالِ الأمنِ بالتحرُّشِ بالصحفيَّاتِ والسيداتِ ، أثناءَ مظاهرتهنَّ ضِدَّ الاستفتاءِ . حيثُ دعت الحملةُ الشعبيةُ من أجلِ التغييرِ، ورابطةُ الأمهاتِ المصرياتِ ، وعددٌ من المُدَوِّنينَ منهم علاء ومنال، نورا يونس، عمرو غربية، وحزبُ الغد32 إلى مظاهرةٍ أمامَ مسجدِ السيدةِ زينب تحتَ شعارِ “لنكنس عليهم السيدة”33 وقد انتشرت الدعوةُ من خلالِ العديدِ من المدوناتِ التي روَّجت لها ، وكانت النتيجة خروج المظاهرةِ بشكلٍ مختلفٍ ، حيثُ ظهر الصندوقُ المربعُ الذي يحملُ رسالةً على كلِّ وجهٍ من أوجهه الأربعة . وحيثُ ظهرت على استيحاءٍ الآلاتُ الموسيقيةُ كأداةٍ للمشاركةِ في المظاهرةِ ، يمكنُ اجتذابُ الجمهورِ من خلالها.
    شهدت تلكَ الفترة أيضًا استخدامَ الإنترنت بشكلٍ مُوَسَّعٍ في تغطيةِ المظاهراتِ والفعالياتِ السياسيةِ المعارضةِ التي لم تكن هناكَ تغطيةٌ إعلاميةٌ كافيةٌ لها –هذا إن وُجِدَت أساسًا- في وسائلِ الإعلامِ التقليديةِ ، ولعبَ وائلُ عباس – وقد كانَ في بدايةِ نجوميتهِ – دورًا كبيرًا بكاميرته التي كانت بمثابةِ العينِ الراصدةِ لكلِّ المظاهراتِ والفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ 34، حتى إنه – وبعدَ فترةٍ – شعرَت فيها وسائلُ الإعلامِ ، وعلى رأسِها الصُّحفُ والجرائدُ المستقلةُ بالحـرَجِ من تجاهُلِ هذهِ المظاهراتِ ، حيث وجدت نفسَها مُضطرَّةً لنشرِ أخبارٍ كثيرةٍ عنها ، وفي حالةِ الاحتياجِ إلى صورةٍ فوتوغرافيةٍ ، كان يتم السَّطو على صورِ وائل عباس دونَ حتى الإشارةِ إلى اسمهِ أو احترامٍ لأيِّ حقِّ من حقوقِ الملكيةِ الفكريةِ .
    ويمكنُ رصدُ مساهماتِ المدوَّناتِ والمدوِّنينَ في الفيضانِ السياسيِّ في 2005 و 2006 من خلالِ رصدِ نقاطٍ عدة :
    1-الكتابة ونقد النظامِ الحاكمِ والمطالبة بتغييرها وطرحِ بدائل وتصوُّرات لما يمكنُ أن يكونَ عليه المستقبلُ في مصرَ .35
    2-تنظيم الاحتجاجاتِ السياسيةِ والمظاهراتِ المعارضةِ ، واستغلال المدوَّناتِ في الدعايةِ لتلكَ الفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ ، الأمر الذي ساهمَ بقدرٍ في توسيعِ قاعدتها بينَ الشبابِ وفي اجتذابِ العديدِ من النشطاءِ إلى تلكَ الكياناتِ المُعارِضَةِ .
    3- توثيق تلكَ الفعالياتِ السياسيةِ بالصوتِ والصورةِ والكلمةِ ، وتسليط الضوءِ الإعلاميِّ عليها ، الأمر الذي ساهمَ في خروجِ العملِ السياسيِّ المُعارِضِ من دائرةِ العملِ السرِّيِّ ، كاجتماعاتٍ مغلقةٍ في غرفٍ تمتلئ بدخانِ السجائرِ ، إلى نشاطٍ أكثرَ براجماتيةً ، مُعلَنٍ ، أوراقُه مكشوفةٌ للجميعِ ، وقادر على التواصُلِ معَ جميعِ المهتمينَ بالعملِ العامِّ .
    4-نقد حركاتِ المُعارَضَةِ في حالِ الاختلافِ عنها ، وعدم التعاملِ معها بصفتِها فوقَ المُساءَلةِ ، ويظهرُ هذا حينما كتبَ علاءُ تدوينتَه الشهيرة “رسالة مفتوحة إلى حركة كفاية” يتساءَلُ عن معنى مُطالبةِ حركةٍ نضالِـيَّةٍ مِصريةٍ بطردِ السفيرِ الدنماركيِّ ؛ ردًّا على ما اعتُبِرَ وقتَها رسومات مُسيئة للرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم -.36 بالإضافةِ إلى ما كتبه د. يحيى القزاز بعنوان “نهاية حركة كِفاية في جبل المقطم” ونشره عبد المنعم محمود على مدوَّنته “أنا إخوان”37.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: المُدَوَّناتُ من البوست إلى التويت

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء 20 ديسمبر 2011 - 13:47

    لمُدَوِّنونَ في الانتخاباتِ
    “كانت أنباء قد أنتشرت بأن قوات الامن المركزي تمنع الناخبين من الدخول للجان خاصة الدوائر التي يوجد بها مرشحون للإخوان المسلمين و فعلا لقد رأيت بعيني طوقا أمنيا من طبقتين على باب إحدى اللجان منذ الساعة الثانية ظهرا و قد تم منع الناخبين من الدخول للإدلاء باصواتهم خاصة أنصار الإخوانووقف الإخوان او انصارهم ينشدون اناشيد دينية و يصرخون بعنف في الميكروفانات مهددين الأمن المركزي و جنودة حتى هدد و توعد أحد أعضاء الجماعة و هو يصرخ “إياكم و أولياء الله” مشيرا إلى أن الإخوان المسلمين أحفاد البنا هم أولياء الله في الأرض”
    من مُدَوَّنة واحدة مصرية38
    تخضعُ العملياتُ الانتخابيةُ في الدولِ العربيةِ للكثيرِ من التدخُّلاتِ الأمنيةِ ، ويظهرُ فيها – مثل أيِّ انتخاباتٍ – الكثيرُ من العواملِ ، و وسائلِ المساعدةِ ، ومنها وسيلةُ المساعدةِ الأشهرُ ، التي تستخدمُها الحكوماتُ العربيةُ ، وهي (التزوير) والذي تتعدَّدُ صورُه وأنواعُه ، بدايةً من منعِ المواطنينَ من دخولِ مراكزِ الاقتراعِ ، وحتَّى تبديلِ الصناديقِ ، أو إعلانِ نتائجَ مخالفةٍ للنتائجِ الحقيقيةِ .
    وفي مصرَ بعدَ سلسلةٍ طويلةٍ من الصراعاتِ الانتخابيةِ ، استقرَّ العُرفُ معَ عام 2005 على إشرافٍ قضائيٍّ على العمليةِ الانتخابيةِ ، و وجودٍ أمنيٍّ في مقارِّ الاقتراعِ ، وفي الوقتِ نفسِه سمحت الحكومةُ في بعضِ الحالاتِ لمنظماتٍ حقوقيَّـةٍ بمراقبةِ الانتخاباتِ ، لكن ما حدثَ في 2005 هو ظهور نوع جديد من المراقبةِ على يدِ المدوِّنينَ .
    فلم يكن من الممكنِ أن تغطي المنظماتُ الحقوقيةُ جميعَ لجانِ الاقتراعِ المصريةِ ، كما أنَّ الصحافةَ والإعلامَ يركِّزانِ – غالبًا – على سَيرِ الانتخاباتِ في العاصمةِ أو في المدنِ الكبيرةِ المجاورةِ لها. ولهذا تخضعُ مراكزُ الاقتراعِ في المحافظاتِ والقرى والنجوعِ – غالبًا – للكثيرِ من التجاوزاتِ الانتخابيةِ . وللتغلُّبِ على هذا النقصِ فتحت بعضُ المنظماتِ الحقوقيةِ البابَ لمن يرغبُ في التطوُّعِ في مراقبةِ الانتخاباتِ . وحيثُ إنَّ دورَ الرقيبِ يقتصرُ على مُشاهدةِ ما يحدثُ ثم كتابةِ تقريرٍ مُوثَّقٍ يسردُ فيه ما إذا كانت الانتخاباتُ قد سارت بشكلٍ طبيعيٍّ أم ظهرت تجاوزاتٌ ما ، فقد بدأ عددٌ من المدوِّنينَ بشكلٍ تلقائيٍّ في ممارسةِ هذا الدَّورِ ، والفرقُ بين مراقبةِ المدوِّنينَ والمنظَّماتِ الحقوقيةِ هو أنَّ تقاريرَ المنظَّماتِ تنتهي إلى أوراق مطولةٍ مكتوبةٍ بلغةٍ حياديةٍ باردةٍ تُقَدَّمُ إلى المنظماتِ الدوليةِ المهتمَّةِ بالشفافيةِ ونزاهةِ الانتخاباتِ ، بينما تقاريرُ المدوِّنينَ تُكتَبُ بلغةٍ أكثرَ سخونةً وتُنشَرُ على الإنترنت مُوثَّقةً في بعضِ الأحيانِ ببعضِ الصورِ أو تسجيلاتِ الفيديو.
    وكانت نتيجة مشاركةِ بعضِ المدوِّنينَ في المراقبةِ على الانتخاباتِ ، طوفانٌ كاملٌ من التدويناتِ التي توثِّقُ لعددٍ كبيرٍ من الانتهاكاتِ ، ارتُكِبَت في أكثر من لجنةٍ انتخابيةٍ ، وقد جاءت هذه التقاريرُ مختلفةً تمامًا عمَّا تمَّ اعتيادُه بشأنِ التغطياتِ الانتخابيةِ ، فهي لم تحاول إدعاءَ الحياديةِ والموضوعيةِ مثلَ التغطياتِ الصحفيةِ الباردةِ . ولم تأتِ تقريريَّةً وصفيَّةً مشبعةً بالأرقامِ والمصطلحاتِ القانونيةِ كما في تقاريرِ المنظماتِ الحقوقيةِ . بل كانت بمثابةِ قصصٍ شخصيةٍ حميميةٍ مشحونةٍ بالعاطفةِ ، وفي الوقتِ نفسِه تقدِّمُ محتوىً معرفيًّا أو معلوماتيًّا 39 ، فمع النَّصِّ سنجدُ الصورةَ الملتقطةَ خلسةً من كاميرا الموبيل ، ومن فوق سطحِ المنزلِ المُطلِّ على المقرِّ الانتخابيِّ ، الأمر الذي ساهمَ في أن تكونَ هذه التدويناتُ ذاتَ تأثيرٍ كبيرٍٍ في نفسِ القارئ .
    فبينما يشعرُ القارئُ بالبرودِ والحياديةِ حينما يقرأ التغطيةَ الصحفيةَ أو التقريرَ الحقوقيَّ ، تختفي هذه الحياديةُ لصالحِ العاطفةِ الشخصيةِ والتفاصيلِ الحميميةِ التي يتوقفُ عندَها أو يسردها المُدوِّنُ ، مُستخدِمًا ضميرَ الأنا والمجازاتِ البلاغيةَ المختلفةَ ، وكلُّها أمورٌ تجعلُ القارئَ متورطًا بشكل تامٍّ في الأمرِ ؛ فهو لا يقرأ عن تزويرِ الانتخاباتِ في المنوفيةِ مثلاً ، بل يقرأ كلمةً كلمةً وسطرًا سطرًا كيفَ كانَ شكلُ المقرِّ الانتخابيِّ في المنوفيةِ ، وكيفَ اصطفَّ الضباطُ في الخارجِ ، وكيفَ حاولَ المدوِّن الدخولَ ، وما الذي قاله له الضابطُ وماذا كانَ ردُّه. فمِن هذه التفاصيلِ الصغيرةِ غيرِ الحياديةِ يكتسبُ الخطابُ التدوينيُّ تـَفرُّدَه ، وقـُوَّتـَه الحقيقيةَ التي تجعله مُغايرًا لأيِّ خطابٍ آخر .
    جهودُ المدوَّناتِ في تلكَ الفترةِ لم تقف عند مراقبةِ الانتخاباتِ وتوثيقِ الانتهاكاتِ بأسلوبٍ مؤثرٍ يجعلُ القارئَ يمصمص شفتيه ويقولُ “يا عيني يا حرام” بل كانَ طموح بعضِ المُدَوِّنينَ تقديم ما يُشبه التحليلَ السياسيَّ لما يحدثُ ، ومحاولة إلقاءِ الضوءِ على هذهِ الروحِ التي ظهرت في انتخاباتِ 2005 حيثُ المواطنون يتسلَّقونَ الأسوارَ للإدلاءِ بأصواتهم ، ويواجهونَ قواتِ الأمنِ ، و يتعرَّضونَ لإطلاقِ النارِ ، وكانَ من المُدهِشِ أنَّ التحليلاتِ الاجتماعيةَ والسياسيةَ التي قدَّمها المُدَوِّنونَ حولَ ما حدثَ في عامِ 2005 من أبرزِ التحليلاتِ التي استحوذت على اهتمامِ الكثيرينَ من المتابعينَ للشَّأنِ العامِّ ومنهم رموزٌ وشخصياتٌ عامةٌ ، وعلى رأسِهم هيكلُ الذي صرَّح في تلكَ الفترةِ باهتمامِه ومتابعتِه لمدوَّنة بهيَّة40 وهو ما مثَّل دفعةً قويةً للمدوَّناتِ المصريةِ على المُستوى الإعلاميِّ .
    ما حدثَ في 2005 تكرَّرَ بعدَ ذلكَ ، وإنْ كانَ بشكلٍ أقلّ في انتخاباتِ مجلسِ الشُّورى ، لكنَّ الأهمَّ أنه انتقلَ من مصرَ إلى غيرِها من الدولِ العربيةِ ، ففي عام 2008 لعبَ المدوِّنون الكويتيونَ دورًا مُشابهًا للدورِ الذي لعبه المدوِّنونَ المصريونَ ، وإنْ كانت المعركةُ في الكويت أقلَّ عُنفًا من حيثُ الانتهاكاتِ الأمنيةِ ، وأكثرَ جدلاً من ناحيةِ أنها شهدَت وجودًا مُكثَّفًا للسَّيِّداتِ للمرَّة الأولى في الانتخاباتِ41. وتطوَّرت تلكَ الاستراتيجية معَ 2009 ، حيثُ استعدَّ المدوِّنونَ المغاربةُ42 للانتخاباتِ المغربيةِ بتنظيمِ حملةٍ قويةٍ بعنوانِ ” ضِدَّ الفسادِ الانتخابيِّ ” سعوا فيها إلى الكشفِ عن أيِّ مَوْطِنٍ من مَواطِنِ الفسادِ الانتخابيِّ ، بدايةً من التزويرِ أو التلاعُبِ في القوائمِ الانتخابيةِ ، وحتَّى محاولاتِ بعضِ المُرَشَّحينَ استمالةَ الجمهورِ بطرقٍ غيرِ شرعيَّةٍ ، و انتهاءًا برصدِ أيِّ انتهاكاتٍ قد تحدُثُ يومَ الانتخاباتِ نفسه.
    مِـنَ الشَّارِعِ إلـى المُعتَـقـَلِ
    “من الظلم أنك تنزل الشارع في اعتصام أو مظاهرة من غير أهلك ما يعرفوا أو يفهموا، لو عارفين وفاهمين حتى لو مش قابلين هتلاقيهم وراك بيحموك يوم ما تتحبس أو تتعذب لكن لو مفاجئة غير متوقعة خالص ولا مفهومة يبقى طبيعي يكون رد فعل سلبي جداً. لكن عشان نفهم ده لازم نكون واقعيين وبعدين لما نبطل رومانسية نفهم ان الصمود جزء منه ان يكون عندك معلومات .. عارف تعمل أيه وادينا بنتعلم.
    رومانسيتنا دي بعتتني وبهدلتنى أول يومين. سقراط مستغربة ان معنوياتنا كانت كويسة يوم النيابة. طبعاً كانت كويسة هو مش احنا قعدنا نقول تلاقيهم جوه مبسوطين؟ تلاقى مالك بينشر البهجة؟ أنا قضيت اليوم ده كله مطمئن لأنى رايح للمجموعة ولأننا عزوة وهقابل أصحابى وهبقى مع مناضلين زي كمال خليل.. يعني في الأمان.
    طلعت حمار. طلع السجن متكدر والوضع بهدلة والمجموعة متفرقة وطلع مالك ميتين أبونا بدل ما ينشر البهج”
    من مُدَوَّنة علاء ومنال43
    المشاركةُ في جبهاتٍ وتنظيماتٍ مُعارِضَةٍ لا تتورَّعُ عن العملِ بشكلٍ علنيٍّ ، تنزلُ الشارعَ وتنظمُ المظاهراتِ وتوزِّعُ البياناتِ ، رصدُ انتهاكاتِ الانتخاباتِ بالصورةِ والكلمةِ ، ولَفْتُ نظرِ الرأي العامِّ إلي حقيقةِ ما يجري داخلَ مصرَ ، مهاجمةُ رموزِ النظامِ ، وتجاوزُ كلِّ الخطوطِ الحمراءِ عندَ الكتابةِ . كلُّها أمورٌ مارسها المدوِّنونَ ، وكانَ من الطبيعيِّ أن تزعجَ الحكومةَ ، خصوصًا مسألة تنظيمِ المُظاهراتِ والاعتصاماتِ والنزول إلى الشارع ، وهو الأمر الذي -كما نعرفُ – يُسَـبِّبُ تعطيلَ المرور ! 44
    وفي العامِ 2005 معَ اشتعالِ نشاطِ المدوِّنينَ في تنظيمِ المُظاهراتِ والاعتصاماتِ المختلفةِ ، بدأت تحرُّشاتُ الحكومةِ في الجانبِ الآخر تتزايدُ ، وللصدقِ فلا نظنُّ أنَّ التحرُّشاتِ التي تعرَّضَ لها المدوِّنونَ في تلكَ الفترةِ 45 كانت نتيجةً لنشاطِهم على الشبكةِ ، بل نتيجةً لنشاطِهم في الشارعِ ، فقد كَسَرَ المدوِّنونَ قدسِيَّـةً ، أصبحَ من الممكنِ في أيِّ قضيةٍ الدعوةُ إلى مُظاهرةٍ أو وقفةٍ احتجاجيةٍ ، والنزول إلي الشارع ، وفي الشارعِ كانَ لابدَّ أن تردَّ قواتُ الأمنِ بتحجيمِ المُظاهراتِ ، ثمَّ التـَّعدِّي على المتظاهرينَ ، تصويرهم ، معرفة أسمائهم ، وفي بعضِ الحالاتِ اعتقالهم ، وهو ما حدثَ بالفعلِ وكانت النتيجة إلقاء القبضِ أكثرَ من مرَّةٍ على عددٍ من المدوِّنينَ ، لكن في كلِّ مرَّةٍ كانت عمليةُ الاحتجازِ لا تدومُ أكثرَ من بضعِ ساعاتٍ ، فالهدفُ في النهايةِ غالبًا كان تشتيتَ المتظاهرينَ ، ونادرًا ما كانت تـُوَجَّه اتهاماتٌ محددةٌ لهم ، حتى كانت أزمة نادي القضاةِ في العام 2006 بدايةً لأزمةٍ كانت بعد انتهاءِ الانتخاباتِ التشريعيةِ ، حينما أعلنَ عددٌ من القُضاةِ أنَّ الانتخاباتِ لم تكن نزيهةً ، وأصدرَ نادي القضاةِ تقريرًا رَصَدَ فيه الانتهاكاتِ التي جرت خلالَ الانتخاباتِ التشريعيةِ ، وترافقَ هذا معَ تزايدِ الخلافاتِ حولَ قانونِ استقلالِ السلطةِ القضائيةِ ، وفي منتصفِ هذهِ المناوشاتِ أصدرَ وزيرُ العدلِ في ذلكَ الوقتِ (أبو الليل) قرارًا بإحالةِ المستشارَيـْن هشام البسطويسي ومحمود مكي إلى مجلسِ الصلاحيةِ ، الأمر الذي فجَّرَ الصراعَ بينَ القضاءِ والسلطةِ التنفيذيةِ ، وقرَّرَ القضاةُ الاعتصامَ في ناديهم ، ودعت حركةُ كِفاية ومعها عددٌ من التنظيماتِ المعارضةِ إلى التضامُنِ معَ القُضاةِ في اعتصامِهم ، وهكذا تحرَّكَ عشراتُ المدوِّنينَ للتضامُنِ معَ القُضاةِ ، سواءٌ من خلالِ التظاهُرِ و توزيعِ المقالاتِ التي تشرحُ وتحللُ الأزمةَ على المارَّةِ ، وحتى الاعتصامِ بشارعِ عبدِ الخالقِ ثروت في مقابل نادي القضاة.
    وحيث إنَّ الحكومةَ لم ترغب – على ما يبدو – في تصعيدِ الأزمةِ ، فقد قرَّرت في أبريل 2006 اعتقالَ المتظاهرينَ والمعتصمينَ المتضامنينَ معَ القُضاةِ ، لكن للأسف لم يساهم هذا القرارُ في تخفيفِ الضوءِ الإعلاميِّ عن أزمةِ القُضاةِ ، بل زادَ من تسليطِ الضوءِ لأنَّ الحكومةَ والسلطةَ التنفيذيةَ لم تنتبه إلى أنَّ من قامت باعتقالِهم كانوا من المدوِّنينَ المصريينَ ، بل في أثناءِ هذهِ “الهوجة” اعتـُقِلَ علاء سيف أحدُ نجومِ التدوينِ في ذلكَ الوقتِ ، إلى جانبِ عددٍ من النُّشَطاءِ والمدوِّنينَ الآخرين .
    نتيجة اعتقالِ المدوِّنينَ كان قيام عاصفةٍ إعلاميَّةٍ ضخمةٍ بدأت من الإنترنت ، و وصلت لجميعِ وسائلِ الإعلامِ العالميةِ ، وظهرت تقنياتٌ ووسائلُ جديدةٌ يمكن استخدامُها في تسليطِ الضوءِ على قضايا المعتقلينَ ، بدايةً من استخدامِ “قنبلة جوجل”46 وحتى إرسال إيميلات تـُطالِبُ بالإفراجِ عن المدوِّنينَ المعتقلينَ إلى سُفرَاءِ مِصرَ في الدولِ الأجنبيةِ ، وإلى مواقعِ الهيئاتِ الحكوميةِ المصريةِ .
    لا يمكننا بالطبعِ المبالغةُ والقولُ بأنَّ الضغطَ الإعلاميَّ الذي استطاعَ المدوِّنونَ ممارستَه للمُطالَبَةِ بالإفراجِ عن زملائهم قد أدَّى للإفراجِ عن المعتقلينَ ، لكنه بالتأكيدِ مثَّلَ جزءًا من الضُّغُوطِ الإعلاميةِ والحقوقيةِ على الحكومةِ المصريةِ ، التي تعلَّمت بعدَ ذلكَ أنَّ اعتقالَ أيِّ مُدَوِّنٍ – حتى ولو لم يكن بسبب نشاطه على الإنترنت – سوف يُسَـبِّبُ الكثيرَ من الضَّجَّةِ والضَّجيجِ السلبيِّ الذي بالتأكيدِ لا يرغبُ فيه أيُّ شخصِ في النظامِ المصريِّ .
    كان السلاحُ الإعلاميُّ هو السلاح الوحيد الذي يمتلكه المدوِّنونَ في مُقابلِ سُلطةِ الاعتقالِ والحجزِ التي تمارسها الأنظمةُ العربيةُ كحقٍّ مشروعٍ ، وقد انتقلَ هذا الأمرُ من مصرَ إلى غيرِها من البُلدانِ العربيةِ ، ويظهرُ هذا بقوَّةٍ إذا تأمَّلنا حالةَ اعتقالِ المدوِّنِ السعوديِّ فؤاد الفرحان47، حيث طوَّر المدوِّنونَ من وسائلِهم ومن قدرتهم على استخدامِ الإنترنت للدعايةِ وإطلاقِ حملاتٍ إعلاميةٍ تُدافعُ عن قضاياهم ، ويظهرُ هذا من خلالِ استخدامِ “الفيس بوك” والعرائض والبياناتِ الجماعيَّةِ المُوَقَّعَةِ ، وتصميمِ ونشرِ الأزرارِ و”اللافتات البانرات/ Banners” الدعائيةِ المُطالِبَةِ بالإفراجِ عن الفرحان .
    -جانبٌ من البانراتِ/ اللافتات الدعائيةِ التي صمَّمها أحمد غريبة ، للمُطالَبةِ بالإفراجِ عن المدوِّنينَ المعتقلينَ .

    الإخوانُ في الملعبِ
    “الحياة قطار.يسير بنا في محطات مختلفه. محطات نفارق نفارق فيها احباب. واخرى نلاقي فيها اصحاب. ومن اهم محطات حياتي تلك الإجازة الإجبارية بمعتقل وادي النطرون. والتي رسخت في ذهني مفهوم قديم بنيته عن جماعة الاخوان المسلمين. وهو ان هذة الجماعه يتراص فيها العظماء والمفكرون والمبدعون.والذين لو كانوا في غيرها من الجماعات او الاحزاب لأشار الناس اليهم بالبنان وسلطت عليهم الاضواء.”
    من مُدَوَّنةِ استراحة مجاهد48
    الطَّيفُ الذي تشكَّلَ منه مشهدُ التدوينِ في بدايتهِ رغمَ غَلَبةِ الاهتمامِ بالشَّأنِ العامِّ عليهِ ، إلا أنـَّه احتوى داخلَه على مجموعةٍ من التناقُضاتِ والاختلافاتِ في وِجهاتِ النَّظرِ بين المُدَوِّنينَ وبعضهم البعض ، يبدو هذا واضحًا في النِّقاشاتِ التي تدورُ في التَّعلقاتِ على المُدَوَّناتِ ، أو إذا قارنَّا مثلاً بينَ مُدَوَّنةٍ مثل “طرقعة كيبورد”49 في بدايتها و مُدَوَّنةِ “مالك مصطفي”50 لكنَّ ما يجمعُ هذا الطَّيفَ التدوينيَّ في بدايته أنَّ أيـًّا من المُدَوِّنينَ لم يكن محسوبًا أو مُتَحَدِّثـًا رسميًّا بأيِّ تجمُّعٍ أو تنظيمٍ أو حركةٍ سياسيةٍ في البدايةِ ، حتى ظهرَ عبد المنعم محمود الذي وضعَ عنوانًا واضحًا لمُدَوَّنته لا يحتملُ اللبسَ ” أنا إخوان ” 51.
    تبعَ ظهورَ مُدَوَّنةِ عبد المنعم ظهورُ مُدَوَّناتٍ أخرى ، قدَّمَ أصحابُها أنفسَهم بصفتِهم منتمينَ إلى الإخوانِ المُسلمينَ ، وإن كانَ أيٌّ منهم لم يميِّز بوضوحٍ ، هل هذا الانتماءُ على المُستوى الفِكريِّ فقط أم على المستوى الفكريِّ والتنظيميِّ أيضًا ، ومعَ نهايةِ عامِ 2006 أصبحَ هناكَ ما يمكنُ اعتبارُه بكتلةِ مُدَوَّناتِ الإخوانِ على الإنترنت ، وكَـتنظيمٍ فكريٍّ ذي طموحٍ سياسيٍّ استغلَّ الإخوانُ المُدَوَّناتِ لنشرِ أفكارِهم ، وشَـرْحِ وجهةِ نظرِهم ، وساهمَ هذا الوجودُ في خلقِ نوعٍ من الجدلِ ، يمكنُنا تعقُّبُ آثارِه في التعليقاتِ والنقاشاتِ التي دارت بين عددٍ من شبابِ الإخوانِ المُدَوِّنينَ وغيرهم من المُدَوِّنينَ . لكنَّ أهميةَ المُدَوَّناتِ بالنسبةِ للإخوانِ تبدَّت معَ عامِ 2007 من خلالِ حَمَلاتِ التَّضامُنِ التي أطلقتها تلكَ ال مُدَوَّناتِ للتضامنِ معَ أعضاءِ التنظيمِ المعتقلينَ .
    فَبِشَكلٍ شِـبه مُنَظَّمٍ أطلقَ شبابُ الإخوانِ مجموعةً من المُدَوَّناتِ52 تـُدافِعُ عن الأربعينَ عُضوًا وعلى رأسِهم خيرت الشَّاطر ، الذينَ تمَّ اعتقالُهم وعرضُهم على المحكمةِ العسكريةِ في تعدٍّ صارخٍ على حقوقِهم المدنيَّةِ ، وعملَ عددٌ من المُدَوِّنينَ الإخوانِ –خُصوصًا هؤلاءِ المرتبطينَ بصلةِ قرابةٍ معَ المعتقلينَ – كمُراسلينَ من مزرعةِ طُرَة – مقرّ السجن – لفضحِ ما يجري لآبائهم وإخوانهم وأعمامهم من ظلم .53
    نجحت حملةُ مُدَوَّناتِ الإخوانِ في تسليطِ الضوءِ على قضيةِ المُحالينَ للمحكمةِ العسكريةِ ، بل ونجحوا في اجتذابِ تأييدِ الكثير من وسائلِ الإعلامِ الغربيةِ ، والأكاديميينَ الغربيينَ ، وساهمت مُدَوَّناتُ شبابِ الإخوانِ في فتحِ قنواتٍ للحوارِ ، لا بينَهم وبينَ الشبابِ من تيَّاراتٍ أخرى مختلفة بل وحتى بينَ شبابٍ آخرينَ من دولٍ غربيةٍ ، ويظهرُ ذلكَ بوضوحٍ إذا راجعنا مقالاتِ الأكاديميِّ مارك لنش على مدوَّنته ” أبو خنزير الأرض ” 54 ودفاعه المُستميت عن قضيةِ المُحالينَ للمحكمةِ العسكريةِ . الأمر الذي أدَّى إلى تصويرِ الإخوانِ – في مقالاتِ لنش وعددٍ من الأكاديميينَ الغربيينَ والمُراسلينَ الأجانبِ – و كأنهم فرسانُ الحريةِ الذينَ يـُعوَّلُ عليهم في نقلِ مصرَ إلى فضاءِ الحريةِ و الديمقراطيةِ .
    لكنَّ المُدَوَّناتِ “زي المطواة السوستة” يمكنُ استخدامُها في تهويشِ المُخالِفينَ لكَ ، ويمكنُ أحيانًا أن تجرحَ يدَكَ ، و لذلك فعلى الجانبِ الآخر قد تسبَّبت المُدَوَّناتُ في حالةٍ من البلبلةِ داخلَ صُفوفِ الجماعةِ . فبعدَ الانتباهِ لدورِ المُدَوَّناتِ والإنترنت في ربطِ أعضاءِ الجماعةِ متراميةِ الأطرافِ ، تمَّ تأسيسُ عدٍد من المواقعِ بصفتِها المواقع الرسمية للجماعةِ ، وعلى رأسِها موقعُ “إخوان أون لاين”55 و “إخوان الشرقية” 56 ولتحديثِ هذهِ المواقعِ اِستُعينَ بعددٍ من مُدَوِّني الإخوانِ الذينَ برزت أسماؤهم. ونتيجةً لبعضِ الخلافاتِ الطبيعيةِ بينَ جيلِ الشبابِ وجيلِ الكبارِ ، بالإضافةِ إلى احتدامِ الجدلِ حولَ التصوُّراتِ الأوليةِ لبرنامجِ الإخوانِ الذي تمَّ طرحُه في نهايةِ عام 2007 ، قامَ عددٌ من المُدَوِّنينَ بإنشاءِ موقعِ “إخوان أوف لاين”57 وعلى الفورِ تلقَّت الجرائدُ والصحفُ المصريةُ – خصوصًا ذاتَ التوجُّهِ المُعارِضِ للإخوانِ كجريدةِ روز اليوسف – الخبرَ كانشقاقٍ من قِبَلِ الشبابِ عن جماعةِ الإخوانِ المسلمينَ .
    لكنَّ نفسَ المجموعةِ التي قامت بإنشاءِ هذا الموقع ، التقى أحدُ أفرادِها بخيرت الشاطر أثناءَ إحدى جلساتِ مُحاكمتِه العسكريةِ ، وقامت المجموعةُ بتوضيحِ بعضِ النقاطِ الخلافيةِ ، كما تمَّ غلقُ الموقعِ ، ونشرت تلكَ المجموعة التي عرفت نفسَها بصفتِها “المجموعة الثلاثية” ومن ضِمنهم محمد عادل صاحبُ مُدَوَّنةِ “ميت” بيانًا 58 أكَّدت فيه
    ” إنها لا تنوي عمل موقع موازي للموقع الرسمي لجماعه الإخوان المسلمين المعروف بإسم ” إخوان أون لاين “، أو شيئ من هذا القبيل ، ولا توجد أي نيه لعمل مواقع موازيه سواء كانت توجد إمكانيات مادية وإعلامية أو لا .
    كما تؤكد المجموعه إنها تقف في صف جماعه الإخوان المسلمين حتي تمتلك مؤسسه إعلامية قوية وفعاله تعبر عن جماعه الإخوان المسلمين وتوضح قوتها وأنشطتها في مصر وفي العالم أجمع”
    لكنَّ البيانَ رغمَ ذلكَ لم يوضِّح السببَ الأساسيَّ الذي قادَ “المجموعة الثلاثية” نحوَ تأسيسِ هذا الموقعِ ، ومن المُلاحَظِ أيضًا بعدَ تلكَ الأزمةِ خُفوتُ حِدَّةِ الانتقاداتِ التي يوجِّهُها شبابُ الإخوانِ على مُدَوَّناتهم للجماعةِ وطريقةِ تنظيمِها داخليـًّا . بل إنَّ بعضَ مُدَوِّني الإخوانِ قلَّ نشاطُهم التدوينيُّ خصوصًا بعدَ انتهاءِ أزمةِ المُحالينَ للمحكمةِ العسكريةِ ، كأنما انكمشت الفقاعةُ التي ظهرت في 2007 و2008 لتأخذَ حيِّزَها العاديَّ ، وتصبح مُدَوَّناتُ الإخوانِ مثلها مثل بقيةِ المُدَوَّناتِ ذاتَ الطَّابعِ السياسيِّ، كمُدَوَّنةِ “طُلاب اشتراكيون” مثلاً.59 مجرَّد مِنبر دِعائي لجماعةٍ سياسيةٍ معينةٍ ، دونَ وجودِ أيِّ ذاتيةٍ أو تفرُّدٍ أو اختلافٍ . الأمر الذي يجعلنا – رغمَ اعتمادِ هذهِ المُدَوَّناتِ على الأشكالِ التقنيةِ المعتادةِ للتدوينِ – نُصَـنِّفها كمواقع دعائيةٍ صغيرةٍ .
    التـَّعذيبُ استعادةُ الحقِّ الضَّائعِ
    “احنا عايزين إيه بقى؟
    عايزين القصاص!!!ـ
    عايزين شرف عماد وشرف مصر اللي اغتصبوه ما يروحش هدر!”
    من مُدَوَّنةِ كِفاية حرام60
    في أبريل 2006 شاركَ وائلُ عباس – الذي كانَ نجمُه في بدايةِ ظهورِه – في تظاهرةٍ تضامُنيةٍ نظَّمها مركزُ الدراساتِ الاشتراكينَ وعددٌ من النُّشطاءِ السِّياسيينَ للتضامُنِ معَ سُكَّانِ البدروماتِ من أهالي إمبابة . كانَ وائلُ عباس شخصيةً مألوفةً لعددٍ من هؤلاءِ النشطاءِ السياسيينَ ، ومنهم خالدُ عبد الحميد الذي مالَ على وائل أثناءَ التظاهرةِ وقالَ له “في ناس معاهم حاجة عايزين يوروها لك” أخذَه عبدُ الحميد على جنب وعرَّفه على اثنينِ من مُواطني إمبابة ، عرضوا عليه فيديو قصيرًا يقومُ فيه أحدُ ضباطِ الشرطةِ بالاعتداءِ على أحدِ مواطني إمبابة61. قامَ وائلُ بأخذِ الفيديو القصيرِ نسبيًّا من المواطنينَ من خلالِ “البلوتوث”62 ثمَّ قامَ وائلُ بعدَ ذلكَ برفعِ الفيديوهاتِ . وكانَ هذا أولَ فيديو تعذيب يتمُّ نشرُه على الإنترنت ، حيثُ يظهرُ أحدُ المواطنينَ ويتمُّ ضربُه على قفاه ، وعُرِفَ هذا الفيديو بفيديو “القفا”.
    بعدَها التقى وائلُ عباس بمحمد خالد صاحب مدوَّنة “دماغ ماك”63 الذي أخبره أنَّ لديه فيديو آخر يرغبُ في نشرِه ، فشجَّعه وائلُ على إنشاء مدوَّنته الخاصة ، وهو بالفعل ما قامَ به ماك ، ونشرَ في نوفمبر 2006 الفيديو الذي كانَ أوضحَ وأطولَ من التسجيلاتِ السابقةِ ، ويظهرُ خلالَه أحدُ المواطنينَ وهو يتعرضُ لعمليةِ انتهاكٍ جنسيٍّ من قِبَلِ أحدِ رجالِ الأمنِ . كانت المدوَّناتُ هي الوسيلة الإعلامية الأكثر شجاعةً ، لا في نشرِ هذهِ الفيديوهاتِ فحسب ، بل أيضًا في التعليقِ عليها وتقديمها. ففي حين كان مصيرُ تقاريرِ منظماتِ حقوقِ الإنسانِ عن التعذيبِ وغيرِها من وقائع التعذيبِ نشر أخبارٍ صغيرةٍ جانبيةٍ في جرائدِ المعارضةِ ، مكتوبة بصيغةٍ حياديةٍ على طريقةِ “اتهمت بعضُ المنظماتِ الحقوقيةِ أجهزةَ الأمن بكذا كذا…” كانت المدوَّناتُ تقدِّم الخبرَ ومثل هذه الأحداثِ ساخنةً ، ممتلئةً بالعاطفةِ التي تظهرُ في هيئةِ لغةٍ عنيفةٍ لا تتورَّعُ عن سبِّ رجالِ الأمنِ أو التطاولِ عليهم.
    وربما يعودُ السببُ في ذلكَ لتورُّطِ بعضِ المدوِّنينَ أحياناً بشكلٍ شخصيٍّ وتعرُّضهم للتعذيبِ ، سواءٌ من خلالِ الاحتكاكِ غيرِ المباشرِ معَ رجالِ الأمنِ في المظاهراتِ والفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ ، أو بشكلِ مباشرٍ كحالةِ محمد الشرقاوي الذي – على حسبِ روايته ودونَ وجودِ أيِّ دليل أو شهود آخرين – تعرَّضَ لعمليةِ اختطافٍ من قِبَلِ بعضِ رجالِ الأمنِ الذينَ قاموا بالاعتداءِ عليه جنسيًّا بشكلٍ مُهين .
    ساهمت كلُّ هذهِ التفاصيل بالإضافةِ إلى حماسةِ المدوِّنينَ الشباب في تقديمِ حالاتِ التعذيبِ بأسلوبِ جديدٍ ومختلفٍ نجحَ في لفتِ الانتباهِ ، وإثارةِ اهتمامِ القراءِ بشكلٍ إيجابيٍّ . ففيديو مثل فيديو الضرب على القفا مثلاً حينما تم نشرُه أولَ مرةٍ كانت معظم تعليقاتِ المشاهدينَ عليه تتعاملُ معه باعتباره مقطعًا كوميديًّا ، وكان هناك أكثر من نسخة للفيديو على موقع “يوتيوب” عنوانها من نوع “مقطع كوميدي لمصري ينضرب على القفا” لكن تقديم المدونينَ لهذا الفيديو في سياق وشكل مختلف ساهم في تغيير وجهة النظر تلك ، وبدأ الرأي العام في الاهتمام بالقضية ومعه الإعلام التقليدي والصحافة المصرية ، تحديدًا جريدة الفجر والصحفيان كمال مراد و وائل عبد الفتاح ، ، ومن خلاله كان على اتصال بشكل ما بعالم المدونينَ . ومن مكانه في جريدة الفجر قرر تبني قضيةَ فيديوهات التعذيب ، ونشر صورة الضحية طالبًا منه الكشفَ عن هويته لاتخاذِ الإجراءاتِ القانونية ضدَّ الضابطِ الذي قام بتعذيبه، وتدخَّلَ في القضية الحقوقيُّ والمحامي ناصر أمين الذي قام برفع قضية ضد إسلام نبيه ضابط الشرطة الذي ارتكب واقعةَ التعذيب، وبالفعل وصلت القضية إلى المحكمة واستحوذت على اهتمام كبير من الرأي العام ، حيث كانت القضية الأولى من نوعها التي تحصلُ على هذا القدر من الاهتمام الإعلامي ، وفي النهاية قضت محكمة جنايات القاهرة بسجن إسلام نبيه ضابط الشرطة ومعه رضا فتحي أمين شرطة بالسجن لمدة ثلاث سنوات ، في حين حُكِمَ على عماد – ضحية عملية التعذيب- بالسجن لمدة ثلاثة أشهر نظرًا لمقاومته السلطات أثناءَ محاولة القبض عليه في قضية تموين في يناير 2006.64
    تعامل الجميع مع حكم المحكمة كأنه انتصار للعدالة وعودة للحق المسلوب ، ودونَ الدخول في نقاش وجدل ، فقد ساهمت هذه القضية في تشجيع الكثير من ضحايا التعذيب الخائفين من الإفصاح عن هوياتهم أو المطالبة بحقهم على الظهور ورفع قضايا ضد الضباط الذين قاموا بتعذيبهم ، فحاجز الخوف من الشرطة وجهاز أمن الدولة كان قد تم كسره وتهشم أمام النظرة الذاهلة في أعين إسلام نبيه ضابط الشرطة وهو داخل القفص ، وضحكة عماد خارج القفص.
    كشفت حادثة عماد الكبير وغيرها من قضايا التعذيب عن هشاشة هذا الخلاف الذي يحاول البعض اختلاقه بين المدوَّنات والإعلام الجديد ، والإعلام التقليدي ، فقد أثبتت حادثة عماد الكبير حتمية التعاون بين الاثنين ، فعماد الكبير ذو التعليم المتوسط والعلاقة الضعيفة بالإنترنت لم يكن من السهل أن يعرف عن وجود حملة تضامنية معه على الإنترنت ، لكن كان من السهل أن يرى صورته تتصدر غلاف جريدة الفجر على الرصيف بجوار موقف الميكروباصات ، وعملية تعبئة الرأي العام ضد إسلام نبيه ، ولدعم عماد الكبير لم تكن لتتم بغير ذلك التحالف غير المعلن والاتفاق بين وسائل الإعلام المستقلة ، من صحافة إلى برامج حوارية – على رأسها بالطبع العاشرة مساءً – على دعم موقف عماد الكبير.
    وإلى جانب الصحافة التي نجحت في الوصول إلى عماد الكبير وتعبئة الرأي العام معه ، فلم يكن من الممكن أن تأخذ القضية شكلها القانوني بدون دعم المنظمات الحقوقية ، لذلك فقد أكدت قضية عماد الكبير على حتمية التعاون بين الأطراف الثلاثة ( المدوَّنات- الصحافة والإعلام التقليدي- المنظمات الحقوقية) خصوصًا في القضايا ذاتَ الطابعِ العام وعلى رأسها قضية التعذيب
    بقي أن نشير إلى واحدة من المدوَّنات المهمة المعنية بتوثيق وقائع تعذيب وانتهاك الحقوق الإنسانية في مصر ، وهي مدوَّنة ” التعذيب في مصر” التي بدأتها نهى في 2006 كمدوَّنة بسيطة على موقع “بلوج سبوت” ، لكن المدوَّنة التي كانت الأولى من نوعها لفتت نظر العديد من النشطاء والمدوِّنين ، لذلك فقد تدخل علاء سيف وتعرَّف على نهى وعرض عليها نقلَ المدوَّنة من “بلوج سبوت” حيث الخصوصية وشروط الأمان الإلكتروني أقل إلى موقع وسايت خاص ، ومن خلال تعاون علاء مع مدوِّن آخر هو عمرو غربية تم إعداد المدوَّنة بشكلها النهائي بتصميم لمدوَّنة أخرى في بنت مصرية65، لتنطلق مدوَّنة التعذيب66 بالتعاون مع مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب وبإستضافة موقع مدونات كاتب التابع للشبكة العربية.
    انتصاراتٌ صغيرةٌ
    مرَّت عواصفُ الاستفتاءاتِ والانتخاباتِ رئاسيةً وبرلمانيةً بسلام ، وخيَّمَ الهدوءُ على المدوَّناتِ ، وبدا واضحًا أنَّ حلمَ التغييرِ الشاملِ والجذريِّ أمرٌ بعيدُ المنالِ ، لكنَّ الدفعةَ التي أطلقتها التعديلاتُ الدستوريةُ وحرية الصحافةِ وظهور المدوَّناتِ والإعلام البديل ، لم يكن من الممكن أن تختفي. ولهذا فبدلاً من القضايا الكبيرةِ والمطالبةِ بالتغييرِ السياسيِّ الكاملِ والحلمِ بتحقيقِ الديمقراطيةِ تركَّزَ العملُ والنضالُ على قضايا صغيرة بهدفِ تحسينِ شروطِ الحياةِ على الأقلِّ داخلَ المجتمعِ المصريِّ . يظهرُ هذا في الفصلِ السابقِ في قضيةِ التعذيبِ ودورِ المدوِّنينَ فيها ، لكن – بعيدًا عن السياسيةِ – فقد نجحت المدوَّناتُ في تحقيقِ بعضِ الانتصاراتِ الصغيرةِ ، ولعبت على الأقلِّ في أدوارٍ أخرى دورَ المنبرِ الإعلاميِّ لقضايا حيويةٍ تجنَّبها الإعلامُ التقليديُّ ، وسعى لتجاهُلِها.

    إعادةُ تشكيلِ صورةِ المرأةِ
    “كان مهبلي أخضر، بحقول وردية ناعمة كالمياه، أبقار تخور، الشمس تستريح ،حبيب لطيف يمسني برقة بقطعة طرية من القش الأشقر.
    هناك شيء بين ساقيَ، لا أعرف ما هو، لا أعرف أين هو، أنا لا أُمَس، ليس الآن، ليس بعد، ليس منذ…
    كان مهبلي متكلماً، لا يتمهل، يتكلم ويتكلم كثيراً، كلمات معبرة، لا يتوقف عن المحاولة، لا يتوقف عن نطق عبارة: أنا هنا.”

    من مدوَّنة الحرملك67
    تمرُّ القيمُ المجتمعيةُ في كلِّ مجتمعٍ بمجموعةٍ من التغيراتِ ؛ تبعًا لمجموعةٍ من الظروفِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ التي تطرأ على المجتمعِ ، ومن القيمِ التي تمرُّ باستمرارٍ بتغيراتٍ متباينةٍ وأحيانًا متضادة في المجتمعِ المصريِّ صورةُ المرأةِ ووضعُها في المجتمعِ . حيثُ تبدو المسافةُ بينَ صورةِ المرأةِ ووضعِها الاجتماعيِّ في مصرَ بدايةَ القرنِ العشرينَ ، وبينَ صورتِها ووضعِها الاجتماعيِّ في بدايةِ القرنِ الواحدِ و العشرينَ مليئةً بالعجائبِ والغرائبِ والمتغيراتِ المتناقضةِ .
    ولا يهمُّنا هنا التوقفُ أو محاولةُ تحليلِ أسبابِ هذهِ التغيراتِ السريعةِ والمتلاحقةِ ، لكننا نشيرُ إلى أنَّ معظمَ الدراساتِ الاجتماعيةِ والتقاريرِ الحقوقيةِ عن أوضاعِ المرأةِ في مصرَ والبلدانِ العربيةِ ، تؤكِّدُ على وجودِ تمييزٍ تشريعيٍّ ضدَّ المرأةِ في بعضِ البلدانِ العربيةِ 68، وعلى تزايـُدِ العنفِ الموجَّهِ ضدَّ النساءِ في السنواتِ 69 الأخيرةِ ، خصوصًا في ظلِّ الغيابِ التامِّ لتشريعاتٍ تحمي المرأةَ من العنفِ داخلَ الأسرةِ أو خارجَها ، بالإضافةِ لسيادةِ قيمٍ اجتماعيةٍ تقللُ من شأنِ العنفِ ضدَّ المرأةِ . ومن أشكالِ العنفِ السائدِ ضدَّ المرأةِ التحرُّشاتُ الجنسيةُ في الشوارعِ ، والتي تندرجُ من التحرُّشِ اللفظيِّ حتى التحرُّشِ باللمسِ أو المسكِ أو القفش !
    وقد سمحت المدوَّناتُ بما توفِّره من عناصر الأمانِ الاجتماعيِّ والسِّريةِ من خلالِ إمكانيةِ الكتابةِ تحتَ اسمٍ مُستعارٍ ، بظهورِ خطاباتٍ نسويةٍ متباينةٍ تكشفُ الكثيرَ عن أوضاعِ المرأةِ المصريةِ والعربيةِ ، بل أيضًا قدَّمت بعضُ تلكَ المدوَّناتِ خطابـًا يتجاوزُ الحدودَ المتعارفَ عليها لمساحةِ البَوحِ النَّسويِّ ، ففي حالةِ مُدوَّنةٍ كالحرملك70 والتي تتعرضُ بالتفصيلِ لطبيعةِ علاقةِ المرأةِ بجسدِها ، وتدافعُ بقوةٍ عن الحريةِ الكاملةِ للمرأةِ يمكنُنا أن نلاحظَ هذا الكمَّ الهائلَ من التعليقاتِ السلبيةِ التي تمثلُ صدمةَ بعضِ القرَّاءِ – خصوصًا الذكور – من مثل هذه الأفكار ، لكن في المقابلِ ومن خلالِ متابعةِ المدوَّنة وتعليقاتِها على مدارِ سنواتِ عُمرِها القصيرِ، يمكنُنا أن نلاحظَ كيفَ نجحَت هذهِ المدوَّنةُ في جذبِ انتباهِ الكثيرِ من الشبابِ ، الذي قد يتجاوزُ مرحلةَ صدمةِ القراءةِ الأولى ، ليبدأ في التعاطي معَ أفكارٍ جديدةٍ من نوعِ “حقّ المرأة في المتعة” ، “مشروعية ختان الإناث والذكور” ، “التوعية بوسائل الوقاية من الأمراض الجنسية” ، “عدم الاشمئزاز من الدورة الشهرية” .. وغيرها ، وكلها أفكار – سواءٌ اتفقنا أو اختلفنا حولها – تساهمُ في إحداثِ نوعٍ من الجدلِ الحيويِّ والضروريِّ حولَ أوضاعِ المرأةِ على الأقلِّ بينَ الشبابِ – عِماد الأمة – المتعاملينَ معَ الإنترنت.

    قنبلةُ وسط البلدِ
    “..فوجدت اتوبيس فاضي وبمجرد الركوب والنظر للجهة المقابله علي الكورنيش رايت جموع غفيره من الشباب وسمعت اصوات صراخ نسائية وهتافات الجموع بلفظهم البذىء”هنيييييييك”وظللت لفتره مذهوله ومرعوبه فهاتفت مالك واخبرته بما يحدث وظل الاتوبيس واقفا لفتره واخذت اراقب الموقف ..فوجدت الاطفال في سن العاشرة والحادية عشر يشجعون بعضهم علي الانضمام “يا الا يا ياض ندخل معاهم “وينضموا بسرعه رهيبه للثوره واخذت اتامل ملامح الذعر علي وجه ام وهي ممسكه بحرص شديد علي ايدي بناتها الثلاثه وكانها تحاول اعادتهم الي رحمها مرة اخري ..امتد الذعر الي الازواج والرجال الذين يخرجون بصحبه بنات..واخذوا ينكمشون بجوار بعضهم او يهرولون بسرعه ..لم استطع رؤيه وجوه الضحايا لكنني كنت استمع الي الصرخات واري الجموع الغفيره وهي تجري مسرعه ..ياااه اعداد ضخمه جدا جدا ..اكثر بكثير من اكبر مظاهره عملناها واعمار مختلفه ..ابتداء من العاشره الي الثلاثينات وربما الاربعينات كما قال مالك لم استطع ان اصفهم كما قالت رشا لي بانهم كلاب مسعوره او علي حد قولها باب واتفتح منه شوية كلاب ..اعذر توحدها مع الضحية لانها سالتني هل كنتي ستحللين الامر بهذا الهدوء لو كنتي الضحية ..انا احاول ان افهم ما يحدث بهدوء وبموضوعيةلان الامر خطير وغير مسبوق”

    من مدوَّنةِ هكذا أنا71
    في أكتوبر عام 2006، وبعدَ شهرٍ من إغلاقِ الباراتِ وانخفاض الإقبال على دُورِ العرضِ السينمائيةِ ، بسببِ شهرِ رمضان المعظَّمِ ، أتى عيدُ الفطرِ المباركُ ، وطبقًا لتقليدٍ وعُرفٍ اجتماعيٍّ جرى عليه الأمرُ في مصرَ، تشهدُ مواسمُ الأعيادِ – تحديدًا عيد الفطر – نزولَ أعدادٍ كبيرةٍ من الشبابِ ، خصوصًا المراهقينَ منهم إلى كورنيشِ النيل ووسط البلد ، و بنزول عددٍ من الأفلامِ السينمائيةِ الجديدةِ – معظمها يندرجُ تحتَ تصنيفِ أفلامِ “الكلت”72 ومعظمها أيضًا من إنتاجِ مُنتِـجِ أفلامِ الكلت الأهمّ السبكي – وتصادفَ عام 2006 في عيدِ الفطرِ أن قررَ السبكي عرضَ فيلمِه الكلت “عليَّ الطرب بالثلاثة” إخراج أحمد البدري ، وبطولة عددٍ من نجومِ ثقافةِ الكلت ، على رأسِهم الراقصةُ دينا.
    وكنوعٍ من الترويجِ الدِّعائيِّ للفيلمِ ، دعى السبكي إلى دارِ عرضِ “سينما” مترو بوسطِ البلدِ لحضورِ عرضِ الفيلمِ معَ الجمهورِ ، وهكذا فقد تجمَّعَ الجمهورُ بأعدادٍ كثيفةٍ أمامَ شباكِ تذاكرِ دارِ العرضِ في صراعٍ من أجلِ الحصولِ على تذكرةٍ ، ومشاهدةِ الفيلمِ ، الذي تتصدَّرُ دينا بابتسامتِها الرقيقةِ صورةَ أفيشه ، وحينما علمَ الجمهورُ بحضورِ دينا تزايدَ تدافُعُه وتحمُّسُه ، والنتيجةُ كانت تحطيم واجهاتِ سينما مترو ، وفي ظلِّ غيابِ الوجودِ الأمنيِّ في أيامِ الأعيادِ ، فقد أدَّت حالةُ الفوضى التي شهدتها سينما مترو إلى طغيانِ موجةٍ من الفوضى والتصرُّفاتِ العصبيةِ بينَ الشبابِ في وسطِ البلدِ ، أو على حدِّ وصفِ مالِك مصطفى في تدوينته الشهيرة”سُعار جنسي73″ حيث أخذت مجموعاتُ الشبابِ في ممارسةِ أنواعٍ مختلفةٍ من العنفِ والاعتداءِ اللفظيِّ والجسديِّ على أيِّ أنثى ، تصادفَ مرورُها في تلكَ المنطقةِ ، وفي ظلِّ غيابِ الوجود الأمنيِّ – عيد بقى وكل سنة وأنت طيبة- فقد انتقلت الحمَّى من سينما مترو بطلعت حرب إلى بقيةِ مناطقِ وسط البلد.
    كانَ من الممكنِ أن تمرَّ هذه الحادثةُ كأنـَّها لم تكُن . لكن تصادفَ في الوقتِ الذي كانت تحصلُ فيه عملياتُ التحرُّشِ وجودُ ثلاثةٍ من المدوِّنينَ جالسينَ على أحدِ مقاهي وسط البلد ، وهم (وائل عباس، مالك مصطفى، ومحمد الشرقاوي) إلى جانب ناصر نوري مصوِّر وكالة رويترز للأخبار في ذلك الوقت ، ثم أتى لهم أحد الزملاء ليخبرهم أنَّ هناكَ تحرُّشات أمام سينما مترو بوسط البلد
    “توجَّهنا في الحالِ إلى المكانِ ، وكانَ يدورُ بخاطرِنا أنَّ ما يُخبرُنا به الزميلُ هو مجردُ تهويلٍ لا أساسَ له من الصِّحَّة ، خاصَّةً أنَّ الشوارعَ المُحيطةَ بسينما مترو ، كانت هادئةً جدًّا ، ونحنُ في الطريقِ إلى هُناك .
    توقَّفنا عندَ السينما بعدَ أن رأينا شُبَّاكَ التذاكرِ المُحَطَّمَ ، واعتقدنا أنَّ ما أخبرنا به الزميلُ هو مجردُ أوهامٍ أو مُبالغاتٍ على أقصى تقدير ، لكنْ بعدَ أقلِّ من خمسِ دقائقَ وجدنا أعدادًا غفيرةً من الشبابِ تصفر وتركضُ باتجاهِ شارعِ عدلي ، تحرَّكنا معهم لنرى ماذا يحدثُ ، فوجئنا بفتاةٍ في أوائلِ العشريناتِ تعثَّرت على الأرضِ والتفَّ حولَها عددٌ كبيرٌ من الشبابِ ، يقومونَ بتحسُّسِ أجزاءِ جسدِها ، ونزعِ ثيابِها عنها .
    لم أفهم ، أو لم أستوعب بمعنى أدق ما يحدثُ ، قامت الفتاةُ مُسرِعةً مَرَّةً أخرى ، وحاولت الركضَ في أيِّ اتجاهٍ إلى أن رأت مَطعمًا سوريًّا يُدعى المَضيَفة أو شيء من هذا القبيل ، ودلفت إلى الداخلِ وأحاط الشبابُ المطعمَ ، ولم ينصرفوا إلا بعدَ أن صاحَ آخر (في واحدة تانية قدام ميامي( ، ركضَ الجميعُ تجاهَ شارعِ طلعت حرب مرَّةً أخرى ، ووجدتُ هناكَ فتاةً مُحاصَرَةً تمامًا داخلَ دائرةٍ ، مُحاطَةً بمئاتٍ من الشبابِ يحاولونَ أن يتحسَّسوا جسدَها وينزعوا عنها ملابسَها ، أنقذَ الفتاةَ هذه المرَّة سائقُ تاكسي قامَ بإركابها ، لكنَّ الشبابَ لم يدعوا التاكسي يمر ، وشكَّلوا حولَه دائرةً ، و أصرُّوا على أن تهبطَ الفتاة من التاكسي ، إلى أن تدخَّلَ أحدُ عساكرِ الأمن رافعًا (القايش)محاولاً ضربَ كلِّ من يجده أمامَه .
    لم ينفض الجمعُ بسهولة إلا بعدَ ظهورِ فتاتينِ ترتديانِ عباءاتٍ خليجيَّةً تسيران وحدهما في الشارعِ ، و أحاطوا الفتاتينِ تمامًا ، وقام عددٌ كبيرٌ منهم باحتضانِ الفتاتين ، وخلعِ حجابيهما ، و محاولةِ فكِّ العباءاتِ ، وكانَ هناكَ أطفالٌ في الحادية عشر والعاشرة من العمر يقومونَ بالدخولِ من تحت العباءات! “74
    تدوينةُ مالِك تزامنت معَ تدوينةٍ أخرى لوائل عباس أرفقها ببعضِ الصورِ التي تُظهِرُ ممارسات التحرُّشِ ، وتدوينةٍ أخرى لمحمد الشرقاوي75 ، وتدوينةٍ أخرى لرضوى أسامة76 التي رصدت بعضَ التحرُّشاتِ في منطقةٍ أخرى من وسطِ البلدِ وفي توقيتٍ آخر. كما كشفت نورا يونس77 عن فيديو تمَّ تصويرُه في عيدٍ سابقٍ في الشارعِ نفسه ، حدثت فيه نفس التحرُّشات ، الأمر الذي مثَّلَ إدانةً بالغةً وقويةً لسلوكِ رجالِ الشرطةِ ، حيثُ تكرَّرَت الظاهرةُ بشكلٍ دوريٍّ ، ومعَ ذلكَ لا تبذلُ الداخليةُ أيَّ موقفٍ لتفادي ما يجري كلَّ عيد . لكن الغريب كانَ موقف وسائلِ الإعلامِ الأخرى خصوصًا المحلية منها ، فلِمُدَّةِ ثلاثةِ أيامٍ رفضت جميعُ الجرائدِ – وعلى رأسِها الأهرامُ – نشرَ أيِّ خبرٍ عن الموضوعِ بل صدرت الأهرام ببيانٍ من وزارةِ الداخليةِ ، تنكرُ فيه الوزارةُ وقوعَ أيِّ حوادث ، أو وُرُوْدَ أيِّ بلاغاتٍ لقسمِ قصرِ النيلِ الذي وقعت في دائرته الأحداثُ.
    تسللَ الخبرُ إلى الصحافةِ الورقيةِ من خلالِ كُتَّابِ المقالاتِ والأعمدةِ ، وكانت د.سحر الموجي ، ونبيل شرف الدين أولَ من تناولوا الموضوعَ في الصحافةِ الورقيةِ المصريةِ .
    لكنَّ الخبرَ تسللَ إلى الإعلامِ الإلكترونيِّ ، فمن المُدَوَّناتِ إلى المواقعِ الإخباريةِ -تحديدًا موقع إيلاف78 ، وميدل إيست أون لاين – ومن هذه المواقعِ انتقلَ الخبرُ إلى وسائلِ الإعلامِ العالميةِ على رأسها العربية نت ، وكالة الأنباء الفرنسية ، بى.بى.سي. ورغمَ الحملةِ التي قامَ بها بعضُ الكُتَّابِ للتغطيةِ على ما حدثَ ، بمُهاجمةِ المدوِّنينَ واتهامِهم بالكذب79. لكن ، وأمامَ حملةِ المدوِّنينَ وتضامُنِ بعضِ المنابرِ الإعلاميةِ معَهم80 تراجعت وسائلُ الإعلامِ وعلى رأسِها الأهرام عن موقفِ الإنكارِ، واعترفت وزارةُ الداخليةِ نفسها بوقوعِ تحرُّشاتٍ في وسطِ البلدِ ، وإن وجَّهت أيضًا الاتهاماتِ لبعضِ العناصرِ بإثارةِ الفزعِ وبثِّ الرُّعبِ بينَ المواطنين81.
    عزَّزت تلكَ الأزمة من مصداقيَّةِ المدوَّناتِ ، كما أنها كشفت عن مجموعةٍ من المُمَـيِّزاتِ التي تتوافرُ في المدوَّناتِ ، ومن الصعبِ توافرُها في وسائلِ الإعلامِ الأخرى ، وهي :
    1-المُبادَرَة : نظرًا للطبيعةِ المؤسسيةِ للعملِ الصحفيِّ ، والقوانين والهياكلِ ، إضافةً إلى التعليماتِ غيرِ المكتوبةِ ، فنادرًا ما تظهرُ المُبَادَرَةُ في العملِ الصحفيِّ ، فخبرٌ مثل فوضى التحرُّشاتِ في وسطِ البلدِ ، لا يمكنُ نشرُه بسهولةٍ في أيِّ جريدةٍ يوميةٍ – خصوصًا إذا كانت قوميَّةً – ويجبُ على الصحفيِّ ، حتى لو شهدَ التحرُّشاتِ بنفسِه أن يتصلَ بوزارةِ الداخليةِ ، ويطلبَ تعقيبَها ، ليدخلَ في متاهاتٍ طويلةٍ ، وقد يتعرضُ لبعضِ التدخُّلاتِ والضُّغوطِ من وزارةِ الداخليةِ ، أو الهيئةِ العُليا والتحريريةِ في الجريدةِ ، كلُّ هذا يُفقِدُ بعضَ العاملينَ في الصَّحافةِ رُوحَ المُبادَرَةِ . بينما المُدَوِّنُ لا يحتاجُ لكُلِّ ما سبقَ ، فبمجردِ مُشاهدتِه أيَّ حدثٍ يمكنُه أن يكتبَ عنهُ في اللحظةِ نفسِها مُباشرةً .
    2-الانفعالية : فعلى عكسِ الصَّحافةِ ووسائلِ الإعلامِ التي تتظاهرُ بالحياديةِ والموضوعيةِ ، لا يهتمُّ المُدَوِّنُ بالحِـيادِيـًّةِ ، ويتركُ –غالِـبًا- مساحةً أكبرَ لمشاعرِه وانفعالاتِها ، ولهذا فقد صَدَمَتْ تدويناتُ مالِك وغيرُها من التدويناتِ الكثيرَ من القُرَّاءِ ، ووَضَعَت مشكلةَ التحرُّشاتِ الجنسيَّةِ في قلبِ دائرةِ الضَّوءِ . بينما لو نُشِرَت هذهِ الحادثةُ بلغةٍ حياديةٍ باردةٍ ، لكانت تحوَّلت إلى مُجرَّدِ خبرٍ عابرٍ صغيرٍ في آخرِ صفحةِ الحوادثِ .
    3-تجاوزُ التـَّابوهاتِ الاجتماعيةِ : تسعى وسائلُ الإعلامِ بشكلٍ مُباشرٍ وغيرِ مُباشرٍ للدِّفاعِ عن الوطنِ/ مصر. وصورتِها ، ويتحققُ هذا الدفاعُ من وجهةِ نظرِ القائمينَ في تلكِ الوسائلِ الإعلاميةِ – خصوصًا القومية مِنها – من خلالِ الدِّفاعِ عن المجتمعِ المصريِّ وتقديـمِه كمجتمعٍ مُتجانِسٍ متآلفٍ ، يسودُه السلامُ الاجتماعيُّ ، يعطفُ الكبيرُ على الصغيرِ ، ويحترمُ الصغيرُ الكبيرَ . لكن على العكسِ لا تُولي المدوَّناتُ أيَّ اهتمامٍ لهذهِ الصورةِ المثاليَّةِ ، ولا تقفُ أمامَ أيِّ تابوهٍ أو محاذير مجتمعيَّةٍ . كما أن وصف وقائع التحرشات بشكل تفصيلي بكل ما فيها من فجاجة ووقاحوة، مع إيضاح أثرها النفسي والإجتماعي على الضحية، أوصل الصورة الفعلية للوقائع دون تخفيف وكلها تفاصيل تتجنبها الصحافة والإعلام المؤسسى بحيث تظهر التحرشات كأنها تجاوزات طفيفة لا تمثل جوهر المجتمع المصري.
    آلِـيَّاتٌ جديـدةٌ للتـَّّغييرِ الاجتماعِـيِّ
    أفرزت وقائعُ تحرُّشاتِ وسطِ البلدِ – إلى جانبِ التَّدويناتِ الرَّاصِدَةِ التي سجَّلت الحدثَ – مجموعةً من التَّدويناتِ التي عبَّرت عن صدمةِ عددٍ من الشبابِ -من الجنسين- مما حدثَ . كما أنها فتحت البابَ لطوفانٍ من الشَّهاداتِ لعشراتِ المدوِّناتِ ، لتسجيلِ وقائعِ التحرُّشِ التي حدثت وتحدُثُ لهنَّ في الشارعِ المصريِّ ، لكنَّ التعليقاتِ والتعقيباتِ على هذهِ التَّدويناتِ جاءت سلبيةً ، حيثُ كشفت عن وجودِ رأي آخر يرى أنَّ الجاني الذي يتحملُ مسئوليةَ التحرُّشاتِ هي المرأة ، و أنَّ ازديادَ التحرُّشاتِ في الشارعِ المصريِّ هو نِتاجٌ لانتشارِ الفيديو كليب ، ولملابسِ الفتياتِ المصرياتِ غيرِ المُحتَشِمات.82
    وللرَّدِّ على هذهِ الادِّعاءاتِ، كمُحاوَلَةٍ لصُنعِ حركةٍ إيجابيةٍ ، حركةِ احتجاج اجتماعيةٍ على أوضاعِ المرأةِ المصريةِ والعربيةِ ، قامت مجموعةٌ من المُدَوِّناتِ المصرياتِ ، على رأسِهم إيمان عبدالرحمن صاحبةُ مُدَوَّنةِ “لستُ أدري” 83، “بنت مصرية”84، “شيماء” ، “أرابيسك” ، “أبيتاف” ، وأخرياتٌ بإطلاقِ حملةِ “كلنا ليلى” ، وتم استخدامُ اسمِ ليلى في عنوانِ الحملةِ ؛ نظرًا لأنه من أكثرِ الأسماءِ العربيةِ المؤنثةِ انتشارًا ، كما أنه اسمُ بطلةِ روايةِ لطيفة الزيات “الباب المفتوح” .
    مثل غيرِِها من الحَمَلاتِ تمَّ تصميمُ لافتة وعددٍ من البوستراتِ الدِّعائيةِ للحَملةِ ، وتحديدُ وقتٍ مُعيَّنٍ يقومُ فيه المدوِّنونَ بكتابةِ تدوينةٍ أو أكثرَ ، تناقشُ أوضاعَ المرأةِ في مصرَ أو البلدانِ العربيةِ بشكلٍ عامٍّ . في العامِ الأولِ كانت الفكرة الرئيسية هيي البَوح ، وأن تتحدَّثَ كلُّ أنثى عن المشكلاتِ التي تواجهُها في المجتمعِ المصريِّ ، وكانت النتيجة ظهور عددٍ كبيرٍ من التدويناتِ التي عرضت لأشكالٍ مختلفةٍ من التمييزِ في معاملةِ الإناث وتربيتهنَّ في المنزلِ ، وعن المشاكلِ التي يتعرضنَ لها في الشارعِ ، وعن وضعِ المرأةِ عمومًا في الريف والحضر ، في العام الثاني للحملةِ (2007) تمَّ عملُ مجموعةٍ من الأسئلةِ تمَّ تمريرُها على المدوَّناتِ المختلفةِ للإجابةِ عليها.. وكان الهدف من تلكَ الطريقة أنَّ طرحَ الأسئلةِ تُصاحبُه محاولةٌ للإجابةِ ، ومحاولةُ الإجابةِ تتطلبُ التفكيرَ ، والتفكيرُ يؤدي لمراجعةِ الأفكارِ المُسَلَّمِ بها ، في محاولةٍ لمساعدةِ “ليلاوات” كثيراتٍ على إيجادِ أصواتهنَّ والبوحِ بمشاكلهنَّ دونَ الشعورِ بالذنبِ أو الإحساسِ بالخجلِ أو الخوفِ من الانتقادِ ، أما في العامِ الحالي فقد تمَّ توسيعُ نطاقِ المشاركةِ ليشملَ الفئاتِ التي لا تستخدمُ الإنترنت، من خلالِ تجميعِ شهاداتٍ ص
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: المُدَوَّناتُ من البوست إلى التويت

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء 20 ديسمبر 2011 - 13:57

    من خلالِ تجميعِ شهاداتٍ صوتيةٍ لنساءٍ أكبرَ سِـنًّا مثل الجداتِ ، أو النساءِ اللواتي لا يستخدمنَ الإنترنت لأسبابٍ اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ ، كما أنَّ المشاركةَ في يوم ليلى لا تقتصرُ على النساءِ فقط ، بل مفتوحةٌ لكلِّ من يرى وجودَ مشاكل حقيقيةٍ تعاني منها النساءُ في المجتمعِ المصري.85
    من الصَّعبِ رصدُ أثرِ الحملاتِ الاجتماعيةِ كحملةِ “كلنا ليلى” ، على المستوى الإعلاميِّ بالطبعِ أثارت الحملةُ ردودَ فعلٍ إيجابيةً ، وقوبلت باحتفاءٍ شديدٍ من الصَّحافةِ وبعضِ البرامجِ التلفزيونيةِ . لكن لا يمكننا أن ندَّعي دونَ بيِّنةٍ أن الحملةَ قد ساهمت في إحداثِ ثورةٍ في نظرةِ المجتمعِ إلى المرأةِ المصريةِ . وإن كان يمكننا – من خلالِ متابعةِ التعليقاتِ على التدويناتِ – أن نلمحَ تغيُّرَ مواقفِ بعضِ الشبابِ ، من وِجهةِ نظرِ : المرأةُ هي المجرمةُ لأنها ترتدي “نص كم” ، إلى : المتحرِّشُ هو المجرمُ الذي يتعدَّى على حقوقِ الآخرينَ . يمكننا أيضًا الجزمُ أن حملةَ كلنا ليلى بما ميَّزها من صراحةٍ وحالةِ بوحٍ مفتوحةٍ شجَّعت عشراتِ الفتياتِ الأخرياتِ على التعبيرِ عمَّا يعتملُ داخلَهُنَّ وعن المشكلاتِ التي يُعانينَ منها ، وظهرت لأولِ مرةٍ دعاوى مقاومةِ التحرُّشِ التي تنوَّعت بينَ مُطالَبةٍ بإخصاءِ المتحرِّشِ86 أو سحبِ المتحرِّشِ إلى أقربِ قسمِ شرطة.
    يظهرُ أثرُ حملةِ كلنا ليلى إذا عُدنا إلى أحداثِ قضيةِ “نهى رشدي”.
    ففي شهرِ يونيو 2008 كانت نهى رُشدي وصديقة لها تسيران في أحدِ شوارعِ شرقِ القاهرةِ بمنطقةِ مصر الجديدة ، حينما تعرَّضَ لها سائقُ سيارةٍ “نصف نقل” (شريف جبريل) مُتَحرِّشًا بها جنسيًّا ، حيثُ اقتربَ حتى أصبح بالقربِ منها وجذبها من ثديها حتى سقطت على الأرض ، وظلَّت تصرخُ دونَ أن يغيثَها أحدٌ ، وكاد المتحرِّشُ أن يهربَ بسيارته لولا أنَّ سيارةً قادمةً في الاتجاهِ المعاكسِ أجبرته على التوقُّفِ [2]، وبعدَ محاولاتٍ وشدٍّ وجذبٍ ، وبمساعدةِ أحدِ الشبابِ تمكَّنت نهى من اصطحابه إلى قسمِ الشُّرطةِ الذي حرَّرَ محضرًا بالواقعةِ ، حُبِسَ على إثرِها الشابُّ “شريف جبريل 27 سنة ” احتياطيًّا حتى تمت محاكمتُه ، وفي نهايةِ الجلسةِ الأولى للمحاكمةِ التي عُقِدَت سريًّا في 21 أكتوبر 2008 أصدرت محكمةُ جناياتِ القاهرةِ برئاسةِ المستشارِ أحمد شوقي الشلقاني حكمَها عليه بالسجنِ المشدَّدِ لمدةِ ثلاثِ سنواتٍ والغرامةِ بمبلغِ 5000 جنيه .87
    الحكمُ كانَ بمثابةِ سابقةٍ قضائيةٍ تـُعتبرُ الأولى من نوعِها ، لكن أثناءَ نظرِ القضيةِ أمامَ المحكمةِ ، وفي خضمِّ الجدلِ الدائرِ حولَ القضيةِ ،كانت المدوَّناتُ هي أكثر من دافعَ وساندَ نهى في حقِّها القانونيِّ . وحتى حينما أثيرَ الجدلُ حولَ انتسابِ نهى إلى عربِ 48 في إسرائيل ، تراجعت بعضُ الجرائدِ كالمصري اليوم عن موقفها ، وأظهرت موقفًا مُحايدًا رماديًّا ، قامت خلاله بإفرادِ عشراتِ الصفحاتِ لاتهاماتِ المحاميةِ نجلاء بدر ، بينما استنكر العديدُ من المدوَّنات هذا الموقفَ . ودافع المدوِّنونَ عن نهى رشدى وحقِّها ، وهاجموا بعنفٍ موقفَ بعضِ الصحفِ والجرائدِ التي تراجعت عن دعمِ القضيةِ لمجردِ أنَّ الضحيةَ تحملُ
    هويةً منتميةً إلى عرب 48.88

    لتـَّعرُّفُ على الكائناتِ الفضائيـَّةِ
    يبلغُ عددُ سُكَّانِ جمهوريةِ مصرَ العربيةِ حسبَ الإحصاءاتِ الرسميةِ 77 مليون نسمة ، مُوَزَّعينَ على مساحةٍ تصلُ إلى مليون كيلومتر مربع ، ورغمَ وجودِ سماتٍ عامَّةٍ تجمعُ سكانَ هذهِ المنطقةِ ، إلا أنَّ مساحةَ التنوُّعِ والاختلافِ بينَ الأفرادِ تبدو أحيانًا شاسعةً وكبيرةً جدًّا ، والأمرُ نفسه ينطبقُ على الوضعِ في بقيةِ البلدانِ العربيةِ ، وقد لعبت المدوَّناتُ منذُ بدايتها دورًا مهمًّا في التعريفِ بالجماعاتِ الدينيةِ والعرقيـَّةِ المختلفةِ التي لا تلقى مكانًا كبيرًا في الخطابِ الإعلاميِّ الرسميِّ .
    فقد تنبَّه المدوِّنونَ في البدايةِ إلى إمكانيةِ استغلالِ المدوَّناتِ كوسيلةٍ للحوارِ معَ الآخر ، ووسيلةٍ للإعلامِ والتنويهِ بقضايا الآخر ، والأقليـَّاتِ الصغيرةِ داخلَ الدولِ العربيةِ والإسلاميةِ ، وكانت النتيجة مدوَّنة “راء- وميم… راء وميم في سين وجيم عن النصارى والمسلمين”.
    المدوَّنة كانت مشروعًا مشتركًا بينَ اثنينِ من المدوِّنينَ من العصرِ الجليديِّ الأولِ ، هما : محمد صاحب مدوَّنة طقّ حنك ، المسلمُ البالغُ الرَّاشدُ العاقلُ ، والثاني هو “راء” أو رامي صاحب مدوَّنة “لنتعدَّ الطبيعيَّ” النصرانيُّ البالغُ الراشدُ العاقلُ ، واتخذت المدوَّنة شكلَ السؤالِ والجوابِ ، حيثُ ميم المسلم يطرحُ سؤالاً عن أوضاعِ المسيحينَ والنَّصارى في مصرَ ، أو يطلبُ تفسيرًا لنقطةٍ غامضةٍ . بينما راء يقدِّمُ الإجابةَ ، ثم يطرحُ أسئلةً أخرى عن فهمِ المسلمينَ للمسيحيةِ وبعضِ القضايا الإشكاليةِ بينَ الجماعتينِ ، وهكذا استمرت المدوَّنةُ التي بدأت عام 2004 لأكثر من خمسِ سنواتٍ ، وحازت على نسبةِ متابعةٍ عاليةٍ ، لولا توقفها نتيجةَ انشغالِ القائمينَ عليها ، حيثُ لم يتم تحديثُها منذُ فترةٍ طويلةٍ .

    عُـنصُرَا الأُمـَّةِ
    دأبت الحكومةُ المصريةُ لفترةٍ طويلةٍ ولأسبابٍ مجهولةٍ ، على التغطيةِ على كلِّ حوادثِ الفتنةِ الطائفيةِ ، وذلكَ من خلالِ باقةٍ من الأغاني ومسلسلاتِ الوحدةِ الوطنيةِ “والهلال بجوار الصليب”. الصحافةُ من جهةٍ أخرى كانت تكتفي ربما بدافعِ الكسلِ أو بتوجيهاتٍ أمنيةٍ بنشرِ البياناتِ الحكوميةِ عن حوادثِ الفتنةِ الطائفيةِ ، في حين تظلُّ بذورُ الخِلافِ كامنةً وموجودةً دونَ مُعالجةٍ .
    وفي أبريل 2006 كان المُدوِّنُ المسلمُ البالغُ الرَّاشدُ العاقلُ “هيثم جار القمر” قد انتهى من صلاةِ الجمعةِ في أحدِ جوامعِ “محرَّم بيك” حينما سمعَ
    ” صراخًا و هرجًا صاخبًا على امتدادِ الشارعِ .. أعبرُ الميدانَ نحوَ البنايتينِ المتناطحتينِ .. كنيسة القدِّيسينَ و مسجد شرقِ المدينةِ .. على مدى البصرِ يتجمهرُ العشراتُ ، و تصرخُ عدةُ نساءٍ .. تتضحُ الرؤيةُ لاحقًا .. شابٌّ يطعنُ رجلاً كانَ ينتظرُ عائلتَه أمامَ الكنيسةِ بعدَ قُدَّاسِ الجُمعةِ الأولِ .. قالَ كثيرونَ إنهُ كانَ يرتدي “فانلة” بيضاءَ مهترئةً .. و بِنطالاً رياضيًّا ، و يحملُ سيفًا بقرَ بِهِ بطنَ الرَّجلِ وهو يصرخُ ( لا إله إلاَّ الله ) .. أتتبعُ خطَّ الدمِ من بابِ الكنيسةِ حتَّى عتباتِ سلَّمٍ يوصِّلُ مُباشَرَةً إلى مُستشفى مارمرقس التابع لها .. أصابَ المعتدي أيضًا شابَّينِ حاوَلا اعتراضَه .. نـُقِلَ أحدُهما للعنايةِ المُرَكَّزَةِ .. و الآخرُ تُجرَى له الآنَ جراحةٌ يـُقالُ إنها خطيرةٌ
    عسكري الأمنِ العجوزُ الأليفُ الذي أعرفُه .. مَن يقطُنُ دومًا كوخًا خشبيًّا صغيرًا .. و يقرأُ القُرآنَ باستمرارٍ” تواطأ معَ القاتلِ ، فلم يرفع السلاحَ في وجهِه .. بل وقيلَ إنه هدَّدَ مَن حاولوا إمساكَ القاتلِ حتَّى يتركوه ففعلوا ” !و هي روايةُ كلِّ مسيحيٍّ قابلتُه في موقعِ الحادثِ .. من زوجةِ أخ القتيلِ التي ظلَّت تصرخُ بالأحداثِ حتَّى فقدت الوعيَ .. حتَّى بائعي الفاكهةِ الذينَ ينتظرونَ انتهاءَ القُدَّاسَ و الصَّلاةَ ؛ لبَيعِ بضائعِهم .. الأكيدُ هو أنَّ الفاعلَ قد لاذَ بالفِرارِ .. أمَّا مِن أينَ جاءَ .. فبعضُهم يحكي أنه رآهُ خارجًا منَ المسجدِ .. و البعضُ الآخرُ يروي عن سيَّارةٍ أقلَّتهُ إلى مكانِ الحادثِ و مِـنه
    أمَّا الرِّوايةُ الرَّسميَّةُ الأولى .. و كما وصلَ البيانُ الحكوميُّ المبكِّرُ ، فهيَ أنَّ الشابَّ “مُسجَّلٌ خَطر” .. و “مختلٌّ عقليـًّا” .. للأسفِ الشَّديدِ لم تنجح لعبةُ الاختلالِ العقليِّ في تهدئةِ الغضبِ هذهِ المرةَ , و السببُ أنَّ أخبارًا بدأت تصلُ عن تكرارِ ما حدثَ في عدةِ كنائس بالإسكندريةِ في الوقتِ نفسه .. وخرجَ المُحافِظُ في بيانِه المُضحِكِ )اسمعه هنا( ليؤكِّدَ أنَّ المُجرِمَ واحدٌ فقط ! ، و أنه عاملٌ في “سوبر ماركت” أصابَ اثنينِ في الحَضرَةِ ثمَّ ركضَ (!!) إلى “سيدي بِشر” ليقتلَ واحدًا ، و يجرحَ اثنينِ ، و المسافةُ بينَ الحَضرَةِ و سيدي بِشر – ياللعَجَب – تزيدُ عن نِصفِ المدينةِ بأكمَلِها ”89
    يستكملُ هيثمُ في تدوينتهِ بعدَ ذلكَ رحلتَه في شوارعِ حيِّ محرَّم بك ، حيثُ الاشتباكاتُ العنيفةُ بينَ المواطنينَ مسيحيينَ ومسلمينَ ، لاقت تدوينةُ هيثم اهتمامًا كبيرًا حيثُ قدَّمت لأولِ مرَّةٍ وصفًا تفصيليـًّا لمعنى الفتنةِ ، وكشفت عن شراسةِ الصراعِ بينَ عُنصريْ الأمةِ ، الذي يصلُ إلى تفجيرِ أنابيبِ الغازِ والقتلِ والضربِ وقطعِ الأعضاءِ .
    الصحافةُ التي ظهرت تغطيتُها معيبةً للحدثِ ، لم تجد بعدَ ذلكَ سوى الاتصالِ بهيثم كلَّما فكَّرَ أحدُ الصحفيينَ في النزولِ إلى الإسكندريةِ لكتابةِ ما جرى ، وقامت جريدةُ الدُّستورِ المصريةِ بنشرِ تدوينةِ هيثم – معَ الإشارةِ إلى الكاتبِ ومدوَّنتِه- على صفحةٍ كاملةٍ .
    ومرةً ثانيةً قدَّمت المدوَّنةُ صورةً صادمةً عن واقعِ المجتمعِ المصريِّ والحقائقِ المسكوتِ عنها، ومثلَما حدثَ في حالةِ ظاهرةِ التحرُّشاتِ ، فلم يقتصر دورُ المدوَّناتِ على رصدِ الظاهرةِ والجدلِ والتعليقاتِ حولَها ، بل أطلقت مجموعةٌ من المدوِّنينَ مبادرةَ “مُصالَحة ومُصارَحة” التي تغيَّرت بعدَ ذلكَ إلى مُبادرةِ “معًا أمامَ الله”. وحسبَ البيانِ التأسيسيِّ للمباردةِ ، فقد كشفت أحداثُ الإسكندريةِ عن وجودِ مشكلةٍ طائفيةٍ حقيقةٍ داخلَ المجتمعِ المصريِّ ، والتغلبُ على هذهِ المشكلةِ يحدثُ من وجهةِ نظرِ المُشاركينَ من خلالِ المُصارَحةِ أولاً ، فالمشكلاتُ الطائفيةُ
    “لا تـُحَلُّ إلاَّ بجلوسِ الأطرافِ المُتنازِعَةِ ؛ ليعبِّروا عن شكواهم ، و عمَّا يُزعِجُ كلاًّ منهما من الآخر .. وهو مبدأ طبيعيٌّ ومعقولٌ .. عندما يحدثُ خلافٌ يتصارحُ الناسُ ؛ ليتقاربوا ، وليفهم بعضُهم بعضًا ، وليعرفوا مواضعَ الصِّدقِ وغيره ، وأشكالَ المظالمِ ، وما هو حقيقيٌّ منها ، وما هو ناجمٌ عن سوءِ الفَهمِ ، ولكي يكتشفوا حجمَ الأساطيرِ – التي يُطلِقُها كلُّ فريقٍ – عن الآخر ، والتي لا تُسهمُ إلا في خلقِ شكٍّ ورَيبةٍ تكفي أن تكونَ وقودًا لإشعالِ فتنةٍ من أيِّ حجم ، بسببِ حادثٍ بسيطٍ يحدثُ يوميًّا بينَ الأناسِ العاديينَ من آلافِ الحوادثِ العاديةِ التي تحدثُ كلَّ يوم .
    المُصارَحةُ تؤدِّي حتمًا لفهمِ الآخر وفهمِ النفسِ أيضًا ، وهي تؤدِّي أيضًا لإزالةِ مواضعِ سوءِ الفهمِ، و بناءِ جسورِ الثقةِ ، ورأبِ الصُّدوعِ ، والبحثِ عن جذورِ المشكلةِ ، والتي قد تكونُ في أشياء أخرى أبعدَ ما تكونُ عن الدِّينِ أو الانتماءِ الطائفيِّ ، والذي عادةً ما يظهرُ في الواجهةِ عندَ اشتعالِ أيِّ مشكلةٍ طائفيةٍ .
    المُصالَحةُ تعني قبولَ الآخر باختلافِه هذا ، وقبولَ وجودِه ، والعملَ على مواضعِ الاشتراكِ والتوافـُقِ بينكَ وبينَه ، و تعني أيضًا البحثَ عن الحقوقِ للجميعِ ؛ لأننا جميعًا بشرٌ ، وكلُّنا مِصريونَ .
    اجتمعت مجموعتُنا هذهِ مرةً أخرى لتقومَ بمشروعِها البسيطِ ، في شكلٍ أكثرَ جدِّيـَّةً والتزامًا وعلميَّةً ، وبمقاييس يمكنُ تقييمُها ، قُمنا بجلساتٍ شبه أسبوعية لمناقشةِ الأساطيرِ التي يُطلِقُها المسلمونَ على المسيحيينَ والعكس ، و إزالةِ سوءِ الفهمِ حولَ بعضِ النقاطِ ، وفهمِ نقاطٍ أخرى حقيقية ، لقد أثرت هذه التجربةُ فينا نحنُ ، وتعجَّبنا كيف كانت سهلةً ، وكيف أنتجت أشخاصًا أفضل . نحن أنفسنا تغيَّرنا بالتجربةِ هذه ؛ لأننا دخلناها بصدقٍ وعِشناها بإخلاصٍ شديدٍ .
    هذا الجوُّ الرائعُ الذي عِشناهُ لم يكن فقط جوًّا يُشيعُ التآلفَ ، حتى عندَ مناقشةِ أشدِّ النقاطِ صعوبةً و أكثر الموضوعاتِ إحراجًا ، بل تجاوزَ الأمرُ إلى تحوُّله إلى رسالةٍ ، رسالة نريدُ أن نبلِّغها للمصريينَ ، ونريدُهم أن يعيشوها في وقتٍ فشلت فيه معظمُ المؤسساتِ الدينيةِ والحكومة وغيرها في صناعةِ أيِّ تقدُّمٍ يـُذكَر
    وجدنا نماذجَ مؤلمةً وأخرى رائعةً ، عَلِمنا أين يمكن أن تكونَ نقاطُ القوَّةِ أو الضعفِ ، وما هي مساحاتُ الشراكةِ معَ الفاعلينَ في المجتمعِ من قادةٍ دينيينَ أو إعلاميينَ أو مؤسساتٍ اقتصاديةٍ أو تشريعيةٍ وقانونيةٍ أو منظماتِ المجتمعِ المدنيِّ المتنوعةِ .
    بحثنا عن أدواتٍ لتبليغِ رسالتِنا هذه ، ووسائل لإشراكِ كلِّ الفاعلينَ وأصحابِ المصلحةِ في أن تعودَ مصرُ بلدًا آمنًا ومطمئنًّا تحكمُه أجواءُ العدالةِ ، كما ينبغي أن يكونَ الحالُ في أيِّ وطنٍ ، ومَن هُم أصحابُ المصلحةِ ؟ إنهم المصريونَ جميعًا .
    بدأنا مبادرتنا باسمِ مُصارَحة ومُصالَحة ، واكتشفنا في النهايةِ حقيقةً كانت موجودةً دائمًا ، لكنها زادت وضوحًا ..اكتشفنا أننا جميعًا – كما كُنَّا من قبلُ – معًا أمامَ الله.”90
    رغمَ الدورِ الإيجابيِّ الذي لعبته مثلُ هذهِ المبادراتِ في خلقِ نوعٍ من الحوارِ المُثمرِ بينَ شبابِ عُنصريْ الأمَّةِ ، إلا أننا بالطبع لا يمكننا المبالغةُ أو الادعاءُ بأنَّ مثلَ هذهِ المبادراتِ قد قضت على الفتنةِ الطائفيةِ . لكنها خلقت مساحةَ حوارٍ حقيقيٍّ ، بعيدًا عن الخطابِ الرسميِّ الذي يكتفي بتصديرِ صورةِ البابا يصافحُ الشيخَ مبتسمينَ لكاميرا مصوِّرِ الجريدةِ القوميةِ .

    المـُواطِـنُ أبو شـَرطـَة
    “الموضوع بالفعل متعب. أن تحتوي كل تدوينة من تدويناتي وكل تعليق عليها على كلام من نوعية “من أين لك هذا الكلام” و “يا سيدي أرجوك لا تتهمنا بدون دليل و “مين اللي قاللك كده بس”. أن أعيش حياتي وأنا ادافع وأدافع وأدافع عن عقيدتي ضد اتهامات مخترعة ليس لها أساس من الصحة ولم يكلف أحد من ناقليها النظر، فقط النظر، في كتاب بهائي واحد للتأكد.”

    من مدوَّنةِ بهائيّ مصري91
    لسببٍ غامضٍ تُصِرُّ الدولةُ المصريةُ – حتى الآن – على معرفةِ دياناتِ مُواطنيها، وعلى تسجيلِ تلكَ الديانةِ في معظمِ الأوراقِ الرسميةِ ، وفي عام 2004 تقدَّم أحدُ المواطنينَ المصريينَ الذينَ يدينونَ بالبهائيـَّةِ إلى مصلحةِ السِّجلِّ المدنيِّ ؛ للحصولِ على أوراقٍ رسميةٍ له ولأسرته ، لكنَّ مصلحةَ السِّجلِّ المدنيِّ رفضت مَنحَه تلكَ الأوراق وقيده بهائـيًّا ؛ استنادًا للقرار 49 لسنة 2004 الذي يقضي بكتابةِ إحدى الدياناتِ الثلاثة في البطاقةِ (الإسلام- المسيحية- اليهودية).
    سبَّبَ هذا القرارُ الكثيرَ من المشكلاتِ لطائفةِ البهائيينَ المصريينَ ، حيثُ أصبحوا – فجأةً – بدونِ أيِّ أوراقٍ رسميةٍ ، الدولةُ لا تعترفُ بهم ، ونتيجةً للتغطيةِ الإعلاميةِ السلبيةِ للحدثِ فقد أظهرت الصحافةُ والإعلامُ البهائيينَ بصفتِهم مجموعةً من المُنحَلِّينَ أخلاقـيًّا ، أو المرتدِّينَ عن الإسلامِ ، بل وصلَ الأمرُ إلى أنَّ إحدى القنواتِ الفضائيةِ المصريةِ قد سمحت بظهورِ المواطنِ جمال عبد الرحيم عضو نقابةِ الصحفيينَ بالظهورِ على شاشتها والتحريضِ – علنِيـًّا – على قتلِ البهائيينَ
    ورغم أن بعض المؤسسات الحقوقية قد أعلنت عن التضامن معهم92 فلم يتغير الوضع كثير ، وأمام هذا الهجومِ الحادِّ والتهميشِ المُتعَمَّدِ من قِـبَلِ وسائلِ الإعلامِ لم يجد البهائيون سوى المُدَوَّناتِ للمُطالبةِ بحقوقِهم والدفاعِ عن موقفِهم ، وكانت أولَى هذهِ المُدَوَّناتِ مدوَّنةُ “بهائي مصري”93 والتي بدأها أحدُ الشبابِ البهائيينَ في سبتمبر 2006، كمساحةٍ لكتابةِ ونشرِ يومياتِه ، وبالطبعِ فالجزءُ الأكبرُ من تدويناتِه كانَ مُخصَّصًا للردِّ على الادِّعاءاتِ والخُرافاتِ التي روَّجَ لها الإعلامُ عن البهائيةِ .
    تزايدت مُدَوَّناتُ البهائيينَ معَ احتدامِ الحملةِ الإعلاميةِ السلبيةِ المشوِّهةِ لصورتهم94، لكنْ ، ظهرَ مدوِّنونَ آخرونَ غير بهائيينَ وأعربوا عن تأيدِهم لحقوقِ البهائيينَ. بل لم يكتفِ المدوِّنونَ بالدفاعِ عن حقِّ البهائيينَ في الحُصولِ على أوراقٍ رسميةٍ ، مكتوب فيها دينهم ، بل طالبَ البعضُ بإلغاءِ خانةِ الديانةِ تمامًا كطريقةٍ لتلافي مشكلةِ التمييزِ الدينيِّ .
    هذا التأييدُ لحقِّ البهائيينَ لم يأتِ فقط من قِـبَلِ المدوِّنينَ ذوي الميولِ العلمانيةِ أو العقلانيةِ ، بل أتى أيضًا من بعضِ المدوِّنينَ المحسوبينَ ذوى المرجعية الإسلامية مثل شريف عبد العزيز95 كمختار العزيزي96. ولم يتوقَّف هذا التأييدُ عند مجردِ الكتابةِ على المدوَّناتِ . فيوم 11 ديسمبر 2006 كان الموعد أمامَ محكمةِ مجلسِ الدولةِ للنُّطقِ في قضيةِ مَنحِ البهائيينَ أوراقًا شخصيةً ، ونظَّم بعضُ المدوِّنين وعلى رأسِهم نورا يونس ، شريف عبد العزيز ، وآخرون وقفةً احتجاجيةً أمامَ مجلسِ الدولةِ تضامُنًا معَ حقِّ البهائيينَ. وكان من الطريف التقاط عددد من الصحف لصور المدونيين المتظاهرين والمشاركين في الوقفة بصفتهم بهائيين.
    لكن للآسف ، حَكَمَ مجلسُ الدولةِ يومَها ببطلانِ الدَّعوى ورفضِها ، لتتصاعدَ بعدَ ذلكَ قضيةُ البهائيينَ ويستمر الجدلُ على المدوَّناتِ حولَ تلكَ القضيَّـةِ ، حيثُ وقفت معظمُ الآراءِ في صفِّ البهائيينَ .
    استمرَّت معركةُ البهائيينَ حتى لحظةِ كتابةِ هذهِ السطورِ ، ومازالت مستمرةً ، الحكومةُ تُصدِرُ حكمًا بمنحهم أوراقًا شخصيةً ، الداخليةُ تطعنُ ، يتمُّ إبطالُ الحُكمِ ، ثمَّ العودة ثانيةً إلى مرحلةِ الصِّفر.
    حتى رضخت الداخلية أخيرا لحكم القضاء وتم البدء ف تدوين (-) في خانة الديانة للبهائيين.
    الاهتمامُ الإعلاميُّ يشتدُّ ويخفتُ على حسبِ الظروفِ والمشهدِ الإعلاميِّ ، لكنَّ المؤسفَ هو هذا التراجُع في نشاطِ تلكَ المدوَّناتِ البهائيةِ . حيث توقَّف معظمُها عن التحديثِ معَ خفوتِ التركيزِ الإعلاميِّ .

    كائناتُ كوكبِ سيناء
    “جمالك أقوي وأقدر من قبحهم ، هذا ما أنا متأكد منه يا نادرة الأماكن ، يا زهرة الدنيا البرية ، يا جمالاً أقوي من أن، يلوث أو يدنس ، جمالك يا صافية ، يا ذات الهيبة ، ليس من فراغ اخترتك لتكوني أنت وليس مكان غيرك محل أحلامي وملعب أنسي ومرعي صغار أفكاري .. يقول صديقي الذي هو الآخر يحبك ولكنه لا يعترف : ” نحن في المربع الميت ” وأقول أنا : نحن في فردوس الأماكن وعطر الوجود”

    من مدوَّنة سيناء حيث أنا97
    تعرَّضت أرضُ سيناءَ للاحتلالِ الاسرائيليِّ لفترةٍ طويلةٍ ، وبسببِ العديدِ من الظروفِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ تخضعُ مناطقُ كثيرةٌ في سيناء للإشرافِ والرقابةِ الأمنيةِ من قبلِ الجهاتِ السياديةِ ، وذلكَ نظرًا لحساسيةِ موقعِ المنطقةِ ، لكن في الوقت نفسه يُعاني سكانُ سيناءَ من البدوِ تحديدًا من غيابِ الاهتمامِ الحكوميِّ ، حيثُ تقلُّ الخدماتُ الأساسيةُ من مياهٍ صالحةٍ للشربِ ، وحتى تدهورِ البنيةِ التحتيةِ .
    ومعَ وصولِ حكومةِ حماس للحكمِ وسيطرتها على قطاعِ غزة ، احتدمت الأوضاعُ في المنطقةِ الحدوديةِ معَ حماس وإسرائيل ، وترتبَ على هذا وقوعُ عددٍ من العملياتِ التفجيريةِ في سيناء ، التي ردَّت عليها الحكومةُ بسلسلةِ اعتقالاتٍ عشوائيةٍ من أبناء البدو ، عند هذه النقطة قامَ الروائي مسعد أبو الفجر بإنشاء مدونة وحركة “ودنا نعيش- [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] ” وكانت أهدافُ الحركةِ كما بيَّنها في أولِ تدوينةٍ نشرَها على مدوَّنة “ودنا نعيش” هي :
    الإفراج عن المعتقلين الذين تم اعتقالهم دون ذنب.
    تقديم الضباط الذين ارتكبوا جرائم قتل إلى محاكمة عادلة وعاجلة
    مراجعة الأحكام الغيابية الملفقة
    التوقف عن إطلاق النار بغرض القتل من رجال الشرطة
    عدم مداهمة البيوت ليلاً بدون إذن نيابة
    عدم التعرض للنساء وأخذهن كرهائن
    الكف عن استخدام أساليب التعذيب داخل مراكز الأمن وأقسام الشرطة لانتزاع الاعترافات الكاذبة ، وتلفيق الأدلة تحت الصعق بالكهرباء في الأماكن الحساسة ، والضرب بوحشية ، والتعليق في الأسقف والأبواب لأيام وليالي ، والتعليق بالوضع المقلوب.
    استغلَّ مسعد أبو الفجر المدوَّنة في تسليطِ الضوءِ على مشكلاتِ بدو سيناء ، والتي يعتبر الاقتراب منها خطًّا أحمر في العديد من الجرائد والمجلات ، حيث تخضع سيناء وتحديدًا الجزء الجنوبي لسيطرة ورقابة بعض الجهات الأمنية العليا.
    جذبت دعوة أبو الفجر عددًا كبيرًا من أبناء القبائل ، خصوصًا هؤلاء الذين عانوا أو تعرض أقرباء لهم للاعتقال التعسفي وغيره من أشكال التعنُّت الأمني ، ونظَّم مسعد عددًا من الوقفات الاحتجاجية في محاولة لجذب الانتباه لقضايا بدو سيناء ، بل في مرحلة ما أخذ يفكر في تنظيم مؤتمر يضم مجموعة متنوعة من أبناء القبائل السيناوية ، وممثلين عن التيارات السياسية المصرية لبحث أوضاع بدو سيناء.
    كان لنشاط مسعد على المدوَّنة وغيرها ، من أنشطته ذات الطابع السياسي الاجتماعي أن يعرِّضه للاعتقال ، وهو ما حدث بالفعل في عام 2007 حيث تم اعتقاله على خلفية أحداث الماسورة التي شهدت مواجهات حادة بين قوات الأمن وأهالي سيناء ، وحتى الآن لا يزال مسعد أبوالفجر رهين أجهزة الأمن المصرية التي ترفض توجيه أي اتهام رسمي له. كما ترفض وزراة الداخلية الإفصاح عن مكانه وتمنع زيارته.
    لكن مدوَّنة مسعد ونشاطه السيبري على الإنترنت متمثلاً في المدوَّنة فتح الباب أمام عدد من شباب وكتَّاب سيناء لإنشاء مدوَّناتهم الخاصة ، للتعبير عن همومهم الذاتية والاجتماعية ، منها مدوَّنة “سيناء حيث أنا”98 للمدوِّن أشرف العناني ، والتي تنقسم إلى عدة أبواب منها “عين على سيناء” الذي يحتوي على أرشيف ضخم من الصور يوثق للكثير من الأحداث السياسية ومظاهر الحياة الاجتماعية في سيناء ، إلى جانب مدوَّنة “سيناء خارج المتحف”99 لمصطفى سنجر ، والتي إلى جانب كونها مدوَّنة شخصية ، يجمع فيها سنجر أهم التغطيات الصحفية والإعلامية للأوضاع السياسية والاجتماعية في سيناء.

    مِـنَ الشُّـذُوذِ إلـى المِـثلِـيَّةِ
    “أحلى لحظة لما بنكون قاعدين مع بعض ولو في ألف صوت جنبنا مش بنكون حسين بأي حاجة بنكون ناسيين أن في حد حولينا و بنقعد نتكلم نتكلم لا الكلام بيخلص و لا إحنا بنبطل كلام كلامنا بيكون في كل حاجه في الدنيا في الفلسفه الأدب الدين بنحب الكتب و بنقرا سوى ,الساعات بتعدي بسرعه و بنكون عايزين الساعه تقف والوقت يدينا فرصه تانيه كل يوم بنكتشف في بعض حجات مشفنهاش ,بنرقص و نغني و ننكت ونضحك و نجري سوا و بنستمتع اوي لما نمشي في الشارع ماسكين إيد بعض بما إن ده عادي واللي يضحك إننا لما بنمشي في الشارع بنتعاكس إحنا الإتنين”

    من مدوَّنة امرأة مِثلِـيَّة100
    بالرغمِ من عدمِ وجودِ قانونٍ واضحٍ قاطعٍ في مصرَ أو غيرِها من الدولِ العربيةِ يجرِّمُ العلاقاتِ المثليةَ الجنسيةَ . إلاَّ أنَّ المثليةَ الجنسيةَ تواجَهُ بإنكارٍ ورفضٍ مجتمعيٍّ ؛ نتيجةَ مجموعةٍ من الأسبابِ الدينيةِ والاجتماعيةِ ، نتيجةً لهذا كانَ صوتُ المثليينَ جنسيًّا أحدَ الأصواتِ المُغَـيَّبةِ تمامًا عن الخطابِ الإعلاميِّ والثقافيِّ المصريِّ العربيِّ ، بل يظهر فقط على استحياءٍ في بعضِ الأغاني أو الأعمالِ الفنيَّةِ التي تقدِّمه بنبرةٍ إخلاقيةٍ وعظيةٍ باعتبارِ المثليِّ غالبـًا ، واحد تعرَّضَ “لحاجة كُخَّة ” وهو صغير.
    أتاحت المدوَّنةُ – بما توفِّرُه من سريَّةٍ في الاستخدامِ وسقفٍ غيرِ محدودٍ في حريةِ التعبيرِ – الفرصةَ أمامَ الكثير من المثليينَ جنسيًّا لكتابة خطابهم المعرفيِّ والتدوينيِّ الخاصِّ ، وانتشرت منذُ البدايةِ المدوَّناتُ التي يقدِّم أصحابها أنفسَهم بصفتهم مثليينَ جنسيًّا . وتنوَّعت في الغالبِ تدويناتهم ما بينَ بعض المشاكل العاطفية ، أو انطباعتهم عن النظرة للمثلية في الوطنِ العربيِّ ، أو حتى اليوميَّات العادية والقصص الحياتية المعتادة ، حيث يلاحظ ابتعاد معظم مدوَّنات المثليينَ عن الشأن العام أو الأوضاع السياسية101 أو حتى الأوضاع الحقوقية للمثليينَ جنسيًّا في بعض دول العالم الإسلاميِّ والعربيِّ
    الملاحظ أن أكبر نسبة من المدوَّنات المثلية الجنسية تنتمي إلى فلسطين تليها مصر ، ثم بقية الدول العربية ، ويظهر تكتُّل المثليينَ جنسيًّا الفلسطينيُّ نتيجة وجود ما يُشبه الحلقة تربطهم ببعضهم البعض. وتتمثل هذه الحلقة في موقع “أصوات نساء فلسطينيات مثليات”102.
    يمكننا أن نلاحظ أيضًا مع ظهور مدوَّنات المثليين في 2006 كيف كانت معظم التعليقات سلبيةً جدًّا ، تتنوع بين النصحِ بالحُسنى وحتى استخدام الكثير من الألفاظ النابية والسلبية ، لكن المُلفِتَ للنظر كيف تحوَّلت التعليقاتُ مع مرورِ الوقت من تعليقات سلبية إلى تعليقات إيجابية ، وكيف اندمج هؤلاء المدونون في نسيج التدوين العربي ، ليصبحوا إضافةً تكشف عن خطابٍ طالما تم نفيه.
    وللتعرفِ على ملامح هذا الخطاب ربما يكون من الأفضل زيارة بعض هذه المدوَّنات وأهم مدوَّنات المثليينَ جنسيًّا العرب
    ريكي من الكويت : [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    مدونة ” blackgayarab – Gay And Proud” من السودان: [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    حبات اللؤلؤ: [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    يوميات كريم من مصر: [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    يوميات مثلي بالفطرة: [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    مثليكاوي : [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    علمانـيُّونَ ، مُلحِدونَ ، وأطيافٌ أخرى
    “ولكن حتى لو لم يفض هذا النقاش الى نتيجه او إستنتاج، فهناك برأيي فائده مهمه للمُلحد. أنها فرصة جيده للتعلم و التدرب على طرق تشكيل وتركيب جدليته مع المؤمن. انها ايضاً فرصة لتقييم مسار النقاش بتحليله للتعرف على المتكرر في رد الطرف المؤمن و لكن الأهم من ذلك كله هو كيفية التعرف على الاخطاء المنطقيه التي تنتشر في جدليات المؤمنين و كيفية تجنبها.
    هذه كلها مهارات مفيدة جداً ليس فقط في نقاش المتدينيين بل حتى في المجالات الاخرى كالسياسه وغيرها. الدين هو احد المناطق التي تكتظ بأمثلة عن الاخطاء المنطقيه و العقليه و يمتليء بالتراكيب الجدليه الفاسده، لذا فهو بيئة ممتازه للتدريب.
    ولكن و رغم هذا فقد تتغلب عليك العاطفة و تفقد صبرك معهم و هنا لا اقصد مجرد نقاشاً معيناً بالذات، إنني أقصد انك تفقد الأمل فيهم تماماً و بأي فرصة حقيقية تقودهم لإستخدام المنطق و العقلانيه. و هذا يقودنا الى مستوى من النقاش لانريد ان نقع في فخه.
    هنا قد يصبح الواحد منا مهوساً بالجدل لمجرد الجدل، الذي لايؤدي الى إهدار كثير من الوقت فحسب، يخلق كثير من السلبيه بين الطرفين، ولايفيد الهدف المرجو و هو نشر الفكر الحر الخالي من هيمنة الموروث الخرافي الديني في مجتمعاتنا و تشجيع الغير على إستخدام المنهج الشكي في فهم الامور.”

    من مدوَّنةِ أرض الرِّمال103
    مرَّت مصرُ والدولُ العربيةُ بمجموعة من الظروف ، التي منحت دول التيارات الإسلامية الأصولية دفعة قوية ، حيث انعكست تلك الأفكار على المناخ الثقافي والاجتماعي العام في المنطقة ، وكانت أحد الجوانب السلبية لهذه الهيمنة الأصولية هو تراجع مساحة حرية الرأي والتعبير تراجعًا كبيرًا ، وما حدث لفرج فودة ، ونصر حامد أبوزيد في التسعينات كان إشارةً قوية إلى أنَّ هذه التيارات لن تتسامح مع أي شخص يحاول طرح رؤية تناقض رؤيتها الإسلامية أو التاريخية.
    لهذا فقد كان الإنترنت فرصةً ذهبيةً لهذه التيارات العلمانية لإعادة طرح أفكارها من جديد، وقد وجد أصحاب هذا الفكر مساحةً واسعةً في المنتديات وغرف الشات لطرح رؤاهم ، التي تبدأ من رفض الحجاب وحتى قراءة التاريخ الإسلامي بوجهة نظر نقدية ، خارج إطار التقديس المتعارف عليه ، لكن لم تكن هذه الرؤى والأفكار موضع ترحيب دائمًا فغرف الشات والمنتديات تخضع غالبًا للرقابة من قبل مشرف المنتدى أو مشرف غرفة الشات ، لهذا فمع ظهور المدوَّنات بما توفره من حرية وسهولة في الجانب التقني ، انتقل أصحاب هذه الأفكار إلى المدوَّنات ، وقد شمل استخدامهم للمدوَّنات مستويين :
    الأول هو الجانب التوثيقي، ويتمثل في عدد من المدوَّنات التي خُصِّصت لنشر تراث المفكرين العلمانيين أو النقديين مثل مدوَّنة “فرج فودة”104 ومدوَّنة رواق نصر حامد أبوزيد105.
    الثاني هو استغلال المدوَّنة كمنبر إعلامي لنشر مجموعة متنوعة من المقالات أو التعليقات من وجهة نظر علمانية معادية مضادة للأفكار الأصولية ، حيث يغلب على المدوَّناتِ العلمانية باستمرار غياب أي جزء حميمي ، أو يتعلق بفعل التدوين كفعل ذاتي ، باسثناء مدوَّنة “بن كرشيان”106 من الإمارات.
    المجهولية أو النشر تحت هوية مستعارة ملمحٌ أساسيٌّ من ملامح المدوَّناتِ التي ترفع العلمانية ومحاربة الأفكار الأصولية شعارًا لها. ولهم في ذلك كل الحق ، فالحفاظ على سرية المدوِّن هي الطريقة الوحيدة للتهرب من الحسبة وغيرها من القوانين المصرية والعربية المقيدة لحرية الإبداع ، وقصة كريم عامر تظل مثالاً واضحًا أمام الجميع.
    كريم عامر هو مدوِّن مصري وطالب سابق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر ، وفي أكتوبر عام 2005 اعتقلته السلطات المصرية للمرة الأولى على خلفية مقال كتبه على مدوَّنته107 عن أحداث الفتنة الطائفية في منطقة محرَّم بك بالإسكندرية ، ثم أطلق سراحُه بعد ث12 يوم . تم فصل عبد الكريم من جامعة الأزهر نتيجة لمقالات كتبها ينتقد فيها الأزهر و شيخ الأزهر , و اعتُقلَ مرةً أخرى في أواخر نوفمبر 2006 و تمت محاكمته بعدة تهم ، منها الإساءة للإسلام ، و إهانة رئيس الجمهورية ، و تم الحكم على كريم عامر يوم 22 فبراير 2007 بعقوبة الحبس 4 سنوات .
    الجزء المسكوت عنه في قضية كريم ، كان اعتماد كريم غالبـًا على لغة عنيفة استفزازية أكثر منها معرفية ، إلى جانب وجود الكثير من العبارات التي تصنَّف قانونياً في خانة السبِّ المباشرِ وأحيانًا الكراهية، ووسط كل هذا في يمين المدوَّنة هناك صورة كريم ، واسمه كاملاً وعنوان سكنه ، بمعنى أنه لم يبذل أيَّ جهد لحماية نفسه ، ولهذا كانت النتيجة إثارته لاعتراض الكثيرين.
    في المقابل فقد حافظ الكثير من المدوِّنين العلمانينَ على سرية شخصياتهم وأسمائهم المستعارة ، الأمر الذي كفلَ لهم الاستمرار ، كما أن الاسم المستعار مع النصوص والشكل الفني للمدوَّنة يصنع شخصيةً منفصلةً ذات كاريزما. ومن أبرز هذه الشخصيات..
    بن كرشيان: صاحب مدوَّنة “أرض الرِّمال” ، وحسب الصورة التي رسمها ويقدم نفسه من خلالها فهو رجل إماراتي في الأربعين ، مطلق ، تلقى تعليمه الجامعي في أحد الجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية، كثير السفر إلي بلدان مختلفة، بدأ مدوَّنته منذ أكثر من ثلاث سنوات ، كل تدويناته ذات بناء متماثل ، حيث البداية يكتبها عن رحلته لمكان جديد داخل الإمارات أو خارج الإمارات ، ثم ينتقل إلى تفصيلة سلوكية ، ومن التفصيلة ينتقد سلوكًا دينيًّا محددًا ، ثم نمط التفكير الديني ، ثم الميتافيزيقيا الدينية ، كل ذلك بمصاحبة مجموعة من الصور واللوحات الكاريكاتيرية التي يقوم بتشكيلها والتلاعُب فيها.

    المدوَّنات والكتاب الورقي
    “كل هذه السعادة انتابتني حين كنت أوقع النسخ، وفي الدقائق القليلة التي لم أكن أوقع فيها على نسخ جديدة، كانت تغمرني لحظات شجن وامتنان لكل فرد اختار كتابي ونيسا لفترة من الوقت.. ولكل من منحني فرصة للوجود في حياته عن طريقه..
    فرحتي غامرة بلقائكم.. وبالحماس الذي استقبلتم به الكتاب.. ربنا يخليكوا ليا”

    من مدوَّنة مع نفسي108
    دافعٌ أساسيٌّ من دوافع إنشاءِ مدوَّنة والكتابة فيها، هو حب الكتابة نفسه ، لهذا كان من الطبيعي أن تظهر لدى العديد من المدوِّنين ملامحُ مشروعٍ أدبيٍّ ما ، كما أثارت بعضُ المدوَّنات والنصوص المنشورة بها جدلاً حولَ موقع كتابات المدوَّناتِ في خريطة التصنيف الإبداعيِّ ، ما بين يوميات ، و قصص قصيرة ، و نصوص، أو حتى نوع أدبيٍّ جديدٍ مازالَ قيدَ التشكُّلِ .
    لكن بغض النظر عن هذا الجدل ، فعددُ قرَّاء بعض المدوَّنات ذات الصبغة الأدبية – والذي تزايد يوماً بعد يوم – مثَّلَ عاملَ إغراءٍ كبير لبعض دُور النشر في تحويلِ هذه المدوَّنات إلى كتب ورقية، وقد شجَّع دورَ النشر في مصر على اتخاذ هذه الخطوة ظهورُ كتب كثير في قوائم الأعلى مبيعًا في بعض الدول الغربية ، كانت قبل ذلك مُدوَّناتٍ إلكترونيةً .
    كانت البداية مع دار ملامح التي أسَّسها الناشط المدون “محمد الشرقاوي” ونشرت لثلاثة من المدوِّنين : أحمد ناجي ، مينا جرجس ، وعمر مصطفي ، صحيحٌ أنها لم تنشر مُدوَّناتهم لكن هذة المبادرة كانت سابقةً ، واعترافًا بوجود إبداع أدبيٍّ مُغاير على المدوَّنات ، حتى لحقت دارُ الشُّروق بالتجربة وأسَّست سلسلةً بعنوان “مُدوَّنات الشُّروق” ، أصدرت خلالها عددًا من المُدوَّنات في شكل كتاب ورقيٍّ ، وبدأت السلسة بمُدَوَّنة “حواديت” لرحاب بسَّام ، “عايزة أتجوز” لغادة عبد العال ، “أما هذه فرقصتي أنا” لغادة محمود.
    الوجهُ الآخرُ من علاقة المدوَّناتِ بصناعة الكتاب ، هو الدورُ الإعلاميُّ ، فبعضُ المدوَّنات كانت تضع في زاوية جانبية مربعًا صغيرًا يحتوي على غلاف كتاب ما ، وتحته عبارة “أنا أقرأ الآن” بينما كانت بعض المدوَّنات تشير من فترة إلى أخرى إلى بعض الكتب المهمة – طبقًا لوجهه نظرصاحبها – هذا إلى جانب التدوينات والتقارير التي ينشرها الكثير من المدوِّنينَ كتغطيات لفعاليات معرض الكتاب ، وكل هذا يندرجُ بشكل غير مباشر تحت بند الدعاية للكتب المهمة ، بل تطوَّر الأمر إلى بعض المبادرات التي أطلقه المدوِّنون لتبادل الكتاب109، وكلها مُبادَرات ساهمت بشكل واضح في إحداث حِراك نوعيٍّ وكميِّ في سوق الكتاب ، تدل عليها الطبعاتُ المتزايدةُ لكتب المدوَّنات ، وتكاثُرُ دُورِ النشر التي يلاحظ اعتمادها في الأساس على النشر للمُدوِّنين.

    بُحَيـرَاتٌ جانِبِـيَّةٌ صَغيـرَةٌ
    “بدأ التزوير والعبث من جديد فى كشوف الجمعية العمومية ويتولى الاشراف على هذة العملية القذرة عضو مجلس سابق ومرشح حالى على قائمة مرشح الحزب الوطنى ومسئول عمليات السباكة والصرف الصحى فى المجلس السابق ويطلق عليه ايضا الفلبينى المخلص كل يوم بالليل بيعدى على النقابة ويسهر من الموظفين الذى من المفترض ان ينقوا الجدوال لكن فى الحقيقة هما بيزوروها وتتم هذه العملية من خلال اربع موظفين معرفين بالاسم من ايام ماكينة الكارنيهات اللى كانت موجودة على سطح مبنى النقابة والفلبينى المخلص مسئول عمليات السباكة والصرف الصحى هيموت بعد حكم وقف الانتخابات لانه عارف انه من غير التزوير لن يرى النجاح خاصة وان رحته وحشه جدا خاصة فى موضوع التعاقدات من المستشفيات وما شابها من مخالفات تقدر بالملايين والنجاح فى عضوية المجلس هو طوق النجاة بالنسبة له”

    من مدوَّنة الصعيدي “ماذا بعدُ يا وطني”110 متحدثاً عن انتخبات نقابة المحاميين.
    على أطراف المحيط الواسع للمدوَّنات المصرية والعربية ، توجد بحيرات صغيرة ، تجمع هذه البحيرات دوَّامات مائية ، لكلِّ بحيرة دوَّامة واحدة ، وتتكون هذه البحيرات الصغيرة –عادةً- من مجموعة المدوَّنات التي تربطها ببعضها البعض وحدةُ الموضوع الذي قد لا يكون مُثيرًا لعموم المدوَّنات. مثل المدوَّنات النقابية ، أو المدوَّنات المختصَّة بكشف الكثير من المخيفات في الوسط السينمائي.
    هذه المدوَّناتُ التي تقع على أطراف محيط المدوَّناتِ ، تلعب دورًا مهمًّا في إحداث جدل وحِراك وأحيانًا انقلابات داخلَ دوائره الصغيرة ، ونشيرُ هنا إلى أبرز المدوَّنات ذات التوجُّه المتخصص ، والتي أثارت جدلاً في فترات مُتباعدة .

    مُدَوَّنة الدُّستور:
    ظهرت تجربة الدستور الصحفية كجريدة مستقلة ذات توجُّهٍ مُعارِض برئاسة إبراهيم عيسى ، لكن بعد فترة ظهر مجموعة من المحررين الذين أعربوا عن عدم رضاهم عن بعض السياسات الإدارية داخل الجريدة ، وكبحث عن مَخرَج للمطالبة بحقوقهم التي كانت تتلخصُ في المطالبة برفع الأجور ، فقد قأنشأوا 2006 مدوَّنة تُطالِب بالأساس بتحسين أوضاعهم المادية ، ثم تطرقت لبعض الخلافات الإدارية والشخصية داخل الجريدة ، حيث ترافق ظهور المدوَّنة مع خروج عدد من الصحفيين ورسامي الكاريكتير من الدستور ، على رأسهم فنان الكاريكاتير الكبير عمرو سليم.
    للأسف اختفت المدوَّنةُ بعد فترة ، وإن ساهمت في كشف بعض الوجوه السلبية التي غطَّت على تجربة جريدة الدستور.

    مُدوَّنة الوسط الصحفي العربي:
    تطورت تجربة مُدوَّنة الدستور في تجربة أخرى هي تجربة “مُدوَّنة الوسط الصحفي العربي” التي أنشأها أشرف شحاتة ، والتي هدفت في االبداية إلى أن تكون وسيلةً لربط الصحفيين العرب ، وللدفاع عن حقوق الصحفيين العرب ، لكن وبسبب سلسلة من الخلافات بين شحاته وهيئة تحرير المصري اليوم ، وعلى رأسهم رئيس التحرير مجدي الجلاد فقد تفرَّغت المدوَّنة لفترة طويلة فقط لمهاجمة المصري اليوم ومجدي الجلاد.
    بعد فترة طوَّر شحاتة من المدوَّنة إلى موقع ضخم بعنوان “شبكة الصحفيين العرب”111. وكانت أهم أهداف هذه الشبكة :
    “كشف فساد وتجاوزات بعض الصحفيين وتأثيرهم على القرَّاء بشكل سلبيٍّ لتحقيق مصالح شخصية لهم
    التركيز على مبادئ رؤساء تحرير الصحف ، ومناقشتهم في الديمقراطية التي ينادون بها في المجتمع ، ولا يطبقونها في صحفهم
    إلقاء الضوء على الصحفيين الذين يتعرضون للقضاء والمضايقات بسبب ما ينشرونه”.
    لكن ، رغم المظهر الإيجابي سواء في حالة مُدوَّنة الدستور، أو مُدوَّنة الوسط الصحفي المتمثل في استخدام المدوَّنات كوسيلة رقابة على الصحافة ، يجب أن نلفت النظر أن مثل هذه المدوَّنات وغيرها من التجارب التي تقوم على فضح أو كشف خبايا الجريدة الفلانية أو العلانية ، لم تخلُ غالبًا من شخصنة القضايا ، وأحيانًا ما يكون المنشور في هذه المدوَّنات متجاوزًا حاجزَ الموضوعية ، بالإضافة بالطبع إلى الإشاعات والنميمة.

    مُدوَّنة ماذا بعدُ يا وطني (الصعيدي):
    ظهرت المدوَّنة في نوفمبر 2006112، ويحافظ كاتبها وهو محامٍ على استخدام لقب “الصعيدي” كاسم مستعار ، وتهتم المدوَّنة بالأساس بأوضاع نقابة المحامين ، وأوضاع النظام القضائي المصري بشكل عام ، وما يميز المدوَّنة هو حفاظ الصعيدي على الفصل بين ميوله الشخصية والقضايا الموضوعية ، وكثيرًا ما ساهمت المدوَّنة في الكشف عن عشرات التجاوزات داخل النقابة ، منها ما أشار إليه أكثر من مرة بوجود تعاون أمني بين مجلس إدارة النقابة والأجهزة الأمنية ، حيث اتهم الصعيدي مجلس إدارة النقابة بتسليم جميع أوراق العمل إلى الجهات الأمنية ، وهو ما تأكَّد بعدما قبضت قوات الأمن على تنظيم جهاديٍّ ، دلَّت التحرياتُ أنه تم التوصل إلى بعض أعضائه من خلال توقيعهم على كشوف المتطوِّعين للجهاد ضدَّ القوات الأمريكية فى نقابة المحامين ، والتي دعا إليها سامح عاشور نقيب المحامين عقب غزو القوات الأمريكية للعراق عام 2003 ، كما عمل الصعيدي على كشف الكثير من

    خبايا الصراع بين الدوائر السياسية المختلفة في النقابة ، حتى إنه في الانتخابات الأخيرة كان بعض المحاميين يقومون بطبع بعض تدوينات الصعيدي وتوزيعها على بعضهم البعض.

    مُدَوَّنة تضامن 113:
    مع ارتفاع موجات الإضرابات والاحتجاجات العُمَّالية المختلفة ، وانتشارها في عددٍ كبير من المصانع والمؤسسات المهنية ، ظهرت مُدَوَّنة تضامن كنافذة إعلامية لحركة تضامن ، والتي يمكن التعرف عليها من خلال البيان التأسيسي والمكتوب باللهجة العامية :
    ” “حركة تضامن” شايفة إن المعارك اللي بتتفتح في كل مصانع وشركات ومزارع مصر هي بداية طريق طويل للتغيير… المعارك دي هي أساس قوتنا وأساس كل تغيير حقيقي… لكن المطلوب إن المعارك تتوحد وتتشبك وتبقى يد واحدة… الضرائب العقارية تتربط بالمحلة… والمحلة تبني جسور مع الإداريين في التربية والتعليم… والاتنين يفكروا في القرصاية وجزيرة الدهب… وده لأن مشكلتنا واحدة… واللي سارقنا واحد… ولازم نتوحد… وكمان لازم نفكر في مستقبل مصر… مصر كلها مش بس مصنعنا وشركتنا وحتتنا… إحنا اصحاب البلد دي ولازم إحنا اللي نقرر مستقبلها… السياسة مش حاجة بتاعة ناس تانية… إذا كانت السياسة معناها مستقبل مصر… فاحنا كلنا سياسيين… ومش هانسيبهم يسمموا حياتنا ومستقبل عيالنا.
    “حركة تضامن” شغلتها إنها تدعم الحركة العمالية والاجتماعية الطالعة… تتعلم منها… وتحاول تنقل ليها خبرات… تاخد دروس منها… وتحاول تساعدها إنها تبص لقدام وتنتصر… هي دي شغلتنا… وهو ده اللي بنحلم بيه: حركة جماهيرية واحدة تسعى لتحقيق الحرية ورغيف العيش والكرامة لينا ولأولادنا. وعشان نحقق اللي بنحلم بيه إحنا بنبذل كل طاقتنا في عمل صغير… لإن إحنا اللي بنموله على قدنا… لكن إحنا مقتنعين إن العمل الصغير ده هو الطريق الصح للتغيير… طريق الاعتماد على نضال الجماهير من أسفل.”114
    بدأت المدوَّنة بدايةً عاديةً ، وظهرت أهميتها أثناء أحداث إضرابات عُمَّال المحلة ، حيث كانت المدوَّنة هي المنصة الإعلامية الوحيدة التي تقوم بتغطية ما يحدث هناك ، في ظل تغييب وتعتيم إعلامي كبير . حيث كانت المدوَّنة تعتمد بشكل أساسي على شبكة كبيرة من المراسلين والمتطوعين.
    صحيح أن المدوَّنة مؤخرًا افتقدت بريقها نتيجةً لاعتماده على نقل ما تنشره الصحافة من تغطيات صحفية لمختلف الإضرابات ، لكنها حتى في هذه الحالة لا تفقد أهميتها حيث تظل نافذةً لحركات الاحتجاج العمالية والنقابية المختلفة.

    مُدَوَّنة هكذا تحدَّثَ كوهين :
    أحد المواضيع المثيرة للجدل في الثقافة المصرية ، هو العلاقات الثقافية مع إسرائيل ، فهناك شبه إجماع بين المثقفين المصريين على رفض التطبيع بكل أشكاله ، دونَ وجود تعريف محدد للتطبيع.
    لهذا فالترجمة عن اللغة العبرية أو التعريف بالأدب والثقافة العبرية يدخل أحيانًا في نطاق التطبيع، وهو ما يرفضه عدد من المثقفين المصريين ، الأمر الذي أدى في النهاية إلى حالة جهل تام بطبيعة المجتمع الإسرائيلي ، وطبيعة إنتاجهم الثقافي والفني ، وكمحاولة لتجاوز هذه الفجوة أنشأ المترجم والمدوِّن نائل الطوخي مدوَّنته “هكذا تحدَّث كوهين”115 والتي خصصها لنشر ترجماته من الأدب العبري باللغة العربية ، حيث تعتبر المدوَّنة هي المنصة الوحيدة التي تُحَـدَّثُ بشكل دوريٍّ أسبوعيٍّ بنصوص جديدة لكتَّاب إسرائيلين، بعضهم يستأذنهم نائل قبل نشر ترجمته لنصوصهم ، والبعض لا يستطيع الوصول إليهم ، وبالتالي لا يستطيع استئذانهم .

    عَـوامِـلُ مُسـَاعدَة
    ظهورُ المُدوَّنة كوسيلة إعلامية جديدة ، وكأداةٍ من أدوات العمل السياسيِّ والاجتماعيِّ ، شجَّع الكثير من الحكومات (محلية أو خارجية) ، ومنظمات المجتمع المدنيِّ (محلية وخارجية) ، على التعرف عليها ، بل وأحيانًا التعاون مع بعضها.

    الحُـكُومات
    على المستوى المحليِّ فالحكومات العربية وعلى رأسها الحكومة المصرية ، لم تسعَ إلى تحقيق أيِّ تعاون أو دعم للمُدَوَّنات العربية ، اللهم إلا إذا نحَّينا جانبًا تعليقًا عابرًا منسوباً إلي رئيس الوزراء المصري “أحمد نظيف” على مُدَوَّنة “على اسم مصر” للمُدَوِّن مصطفى محمود116 ، فالحكومات العربية دائمًا ما حاولت تضييق الخناق على المدوِّنين بعشرات الطرق المختلفة ، بدايةً من الاعتقال ، وحتى حجب بعض المدوَّنات.117
    على النقيض كان موقف الحكومات الغربية من المدوِّنين العرب ، حيث سعت إلى التعرف عليهم ، انطلاقًا من كونهم أصحاب منابر إعلامية تؤثر إلى حدٍّ ما في توجُّهات الرأي العام ، وتساهم في الحِراك السياسيِّ والاجتماعيِّ .
    غالبـًا ما تتم العلاقات بين الحكومات الغربية والمدوِّنين من خلال الملحق الإعلامي أو الثقافي في السفارة ، والذي تتلخص وظيفته في إقامة علاقات مع الجهات والشخصيات الإعلامية من صحفيين وإعلاميين ، ولذلك يتجه بعضهم إلى محاولة توسيع شبكة علاقته المهنية لتشمل المدوِّنين.
    السفارة الأمريكية على سبيل المثال تحتفظ بعدد من العلاقات الجيدة مع عدد من المُدَوِّنين ، فكثيرًا ما يتم توجيه الدعوات لبعض المدوِّنين لحضور العديد من الفعاليات الثقافية أو السياسية التي تنظِّمها كخطاب أوباما في القاهرة ، وحتى احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي ، أما أقصى ما يمكن أن تصل إليه العلاقات بين الطرفين فهو بعض لقاءات العشاء التي تنظِّمها السفارة لبعض موظفي الخارجية الأمريكية الذين يأتون للقاهرة في زيارات عابرة.
    ونفس الأمر تقوم بها السفارة البريطانية أحيانًا ، وسفارة كندا ، التي نظَّمت أكثر من لقاء جمع عددًا من المدوِّنين مع د.عادل إسكندر المصري الكندي وأستاذ الإعلام بجامعة جورج تاون.
    لا يتجاوز التعاون في هذه اللقاءات أكثر من تبادل الكروت الشخصية ، والأحاديث المعتادة حول الإنترنت ، وأوضاع حرية الرأي والتعبير ، ولا تختلف تلك اللقاءات عن اللقاءات المعتادة التي تنظمها السفارات مع الصحفيين في الصحف القومية

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 27 مايو 2017 - 1:40