hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    موجبات تغير الفتوى د.يوسف القرضاوي

    شاطر
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى د.يوسف القرضاوي

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:18

    موجبات تغير الفتوى في عصرنا

    إن للاجتهاد في الشريعة الإسلامية منزلة كبيرة، فإن الشريعة لا تؤتي أُكلها، ولا تحقِّق أهدافها في حياة الفرد والأسرة والجماعة والأمة إلا بإعماله، في مجالاته المختلفة، وعلى كلِّ مستوياته المتباينة، وبكلِّ أصنافه المتنوِّعة، من اجتهاد إنشائي، أو اجتهاد انتقائي، ومن اجتهاد مطلق، أو اجتهاد جزئي، ومن اجتهاد فردي، أو اجتهاد جماعي.

    وللاجتهاد في الشريعة: صور شتَّى، فمنه اجتهاد في القضاء يمارسه القضاة، ولا سيما في عصور الاجتهاد الإسلامي، وقبل تقنين الأحكام في مواد، وإيجاب التقيُّد بها على القضاة، وتحريم الاجتهاد عليهم إلا فيما يتعلَّق بتحقيق المناط.

    ومن صور الاجتهاد: التقنين. أي وضع الأحكام في صيغة مواد قانونية، حسب اختلاف الموضوعات، فهناك قانون الأسرة، والقانون المدني، والقانون الجنائي، والقانون الإداري والمالي، وغيرها.

    كما قنَّنت (مجلة الأحكام) العدلية الشهيرة في أواخر العهد العثماني: القانون المدني على المذهب الحنفي.

    تقنين أحكام الفقه

    ويمكن تقنين أحكام الفقه الإسلامي في المجالات المختلفة، بناء على اجتهاد جديد، سواء كان اجتهادا كليا أم جزئيا، إنشائيا أم انتقائيا.

    وقد وقع ذلك في قانون الأسرة أو ما سمِّي (الأحوال الشخصية) فقد كان في أول الأمر ملتزما بالمذهب الحنفي، ثم تحرَّر منه إلى باحة المذاهب الأربعة، ثم مضى في الاجتهاد إلى الاختيار من كنوز الفقه الإسلامي كلِّه.

    وكان الذي تبنَّى ذلك في مصر: الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر، الذي عارضه المقلِّدون ومتعصبة المذاهب، ولكنه ردَّ عليهم بالأدلَّة الشرعية التي لا يستطيع أن ينكرها إلا جاهل أو مكابر.

    ومن صور الاجتهاد: البحث الفقهي، وهو ما كان يقوم به الأئمة في حلْقاتهم، مع أصحابهم وتلاميذهم، حيث يفرِّعون الفروع، ويطرحون الأسئلة - أو تُطرح عليهم - ويجيبون عنها، في ظلِّ النصوص، والقواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية. وهو ما يقوم بنوع منه: الأساتذة الأكاديميون في جامعاتهم، أو طالبو الدراسات العليا في أُطروحاتهم.

    وعلى أساسه يؤلِّف أهل الاجتهاد الكتب.

    ومن صور الاجتهاد: الفتوى، حيث تأتي الأسئلة إلى العالم أو المفتي – مشافهة أو مكتوبة - في مختلف أمور الحياة، فردية وأُسْرية واجتماعية، والمفتي مفروض عليه إذا سُئل أن يجيب ويبيِّن، ولا سيما إذا لم يكن هناك من يجيب غيره، أو كان معينا من قبل الدولة للإفتاء. والأصل في إجابة المفتي: أن تكون عن بحث واجتهاد، وهنا يأتي الحكم منزَّلا على الواقع، فليس مجرَّد افتراض، بل هو مبنيٌّ على الواقع، ومرتبط به.

    وفي كلِّ مذهب من المذاهب المتبوعة: كتب للفتاوى منزَّلة على الوقائع المسؤول عنها من أفراد المسلمين أو من حكامهم، وتشتمل على كلِّ أبواب الفقه، وهي في كلِّ مذهب مبنيَّة على أحكام المذهب وأصوله وتخريجاته.

    وبعضهم يسمُّونها (أحكام النوازل).

    وهناك بعض الفتاوى، اعتمدت الدليل الشرعي، ولم تلتزم دائما المذهب المتبوع، وقد تترك المذاهب المتبوعة جميعا، وتعتمد على قول أحد الصحابة، أو التابعين.

    وأشهر مثل لذلك: هي (فتاوى شيخ الإسلام) ابن تيمية الشهيرة، التي شرَّقت وغرَّبت.

    دعاة الإصلاح والتجديد.

    وفي عصرنا ظهر مفتون، يجيبون عن أسئلة الناس، في ضوء الأدلة الشرعية، غير متقيِّدين بمذهب من المذاهب، وإنما يرجِّحون ما يقضي به الدليل.

    أبرز هؤلاء في عصرنا: العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا، صاحب (مجلة المنار) و(تفسير المنار) والذي ظلَّ يفتي جماهير المسلمين في أنحاء العالم على صفحات مجلته التي اشتهرت في عالم الإسلام، وخصوصا بين دعاة الإصلاح والتجديد.

    وقد جُمعت هذه الفتاوى ونُشرت في ستة مجلدات كبيرة، ومن مزايا هذه الفتاوى: أنها تهتمُّ ببيان مقاصد الشريعة، وربط الأحكام بعللها ومصالحها، ومعالجة فقه الواقع على بصيرة، ولا تغفل عما يجري في العالم من حولها، فهي تجمع بحق بين الأصالة والمعاصرة، وهي تُعنى ببيان الحكم الشرعي، وبيان حِكمته وهدفه معا، وبهذا تقتنع العقول، وتطمئن القلوب.

    كما ظهرت فتاوى الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر، وهي على نهج الشيخ رشيد رضا أيضا، وقد جُمعت في مجلد، وكنتُ ممَّن ساهم في جمعها وتنسيقها - من مظانها المختلفة المبعثرة - وإخراجها في كتاب واحد، أنا وأخي أحمد العسَّال، بتكليف من الأستاذ الدكتور محمد البهي المدير العام للثقافة الإسلامية بالأزهر.

    ومن ذلك: فتاوى العلاَّمة الكبير الشيخ محمد أبو زهرة، التي كان يفتي بها في بعض المجلات، وخصوصا: مجلة (لواء الإسلام)، وقد جمعها وحقَّقها وعلَّق عليها أخونا العالم الباحث الداعية الشيخ مجد مكي حفظه الله.

    ومن ذلك: فتاوى العلاَّمة الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقا، التي جمعها وحقَّقها وعلَّق عليها الأخ مجد مكي أيضا، والتي سعدتُ بكتابة مقدَّمة لها، شرَّفني بطلبها الشيخ الزرقا نفسه رحمه الله.

    ومنها فتاوى المفتين الرسميين في عدد من البلاد الإسلامية، ومنهــم مفتو مصر، وفيهم أئمة وعلماء كبار، مثل: الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ حسنين مخلوف، وغيرهم. وقد صدرت هذه الفتاوى المصرية في بضعة وعشرين مجلدا، ولا زالت مستمرَّة.

    ومن أبرز ما ينبغي الاهتمام به في هذه الفتاوى: مراعاة موجبات تغيُّر الفتوى، التي نصَّ عليها المحقِّقون من علماء الأمة، فقالوا بوجوب تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان والعرف والحال، وهو ما أكَّدناه في هذا البحث، وأوجبنا على المفتى المعاصر: أن يلاحظ موجبات تغيُّر الفتوى في هذا الزمان، وقد أضفنا بعض الموجبات التي اقتضاها العصر، إلى ما نصَّ عليه علماؤنا السابقون رضي الله عنهم، وهي: موجبات أربعة:

    تغير المكان.

    تغير الزمان.

    تغير الحال.

    تغير العرف.

    ثم أضفنا إلى هذه الأربعة ستة أخرى، فأوصلنا هذه الموجبات اليوم إلى عشرة كاملة، وهذه الستة هي:

    تغير المعلومات.

    تغير حاجات الناس.

    تغير قدرات الناس وإمكاناتهم.

    تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

    عموم البلوى.

    تغير الرأي والفكر.

    مقام الإفتاء

    إن مقام الإفتاء في دين الله مقام عظيم، لا يجوز الاستهانة به، ولا توليته لمَن ليس أهلا له، سواء من ناحية الفقه والفكر أم من ناحية الدين والخلق.

    وقد كان سلف الأمة يستنكرون أن يُستفتَى مَن ليس مؤهَّلا للفتوى، ويعتبرون ذلك أمرا عظيما منكرا.

    وقال الإمام الشاطبي: المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم [1]، في بيان أحكام الشرع للناس، حيث يقول لهم: هذا حلال، وهذا حرام.

    واعتبر الإمام ابن القيم المفتي بمثابة مَن يوقِّع عن الله جلَّ جلاله، كالذين يعتمدهم الخلفاء والملوك للتوقيع نيابة عنهم. وهم الذين صنف لهم كتابه: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) فأيُّ منصب يداني هذا المنصب؟

    ونحن نقرأ في كتاب الله تعالى أن الله سبحانه قد تولَّى إفتاء عباده في بعض المسائل، كما قال جلَّ شأنه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [النساء:176]، {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء:127].

    وجاء الاستفتاء بصيغة: {يَسْأَلونَكَ} في بضع عشرة آية، وكان الردُّ عليها من الله تعالى: بكلمة: {قُلْ}، كما في قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة:220،219].

    إلى آخر الآيات التي جاء فيها السؤال من المؤمنين، وجاءت الإجابة من ربِّ العالمين. وهذا كلُّه يدلُّنا على أهمية الإفتاء، ومنزلة المفتي. حيث نسب عز وجل الإفتاء إلى ذاته، فهو ألم وأعظم، وأكرم من أفتى.

    ومما لا يخفى على باحث: أن المسلمين وحدهم؛ هم الأمة التي تسأل عن أحكام دينها، لتعرف المقبول من المردود في العبادات، والحلال من الحرام في المعاملات، ولا يوجد أمة في الأرض - كتابية أو وثنية – عندها مثل هذا الاهتمام. ولها أنشئت مؤسسة الإفتاء في البلاد الإسلامية، وخصوصا في الدولة العثمانية، كما أنشئ منصب (المفتي) في كثير من الأقطار، وهو يعد وهو يعد المنصب الديني والعلمي الأول، إلا في قليل من البلاد مثل: مصر، حيث يعد منصب (شيخ الأزهر) هو: المنصب الأول والأعلى.

    ومن أجل هذا صنفت الكتب في شروط المفتي، وأدب المفتي، وأدب المستفتي، وعقدت في عصرنا المؤتمرات من أجل ذلك. وخصوصا بعد انتشار الفضائيات، وظهور المفتين (على الهواء) الذين يفتون في كل شيء، ولا يقولون مرة: لا أدري! أو هذا السؤال يحتاج إلى بحث أو مراجعة، أو مشاورة. وقد قال بعض السلف: من أخطأ قول (لا أدري) فقد أصيبت مقاتله[2].

    ومن أجل هذا أصدرنا كتابنا من قبل: (الفتوى بين الانضباط والتسيب) ونصدر رسالتنا هذه عن (موجبات تغير الفتوى في عصرنا) لنعين أهل الفتوى على سلوك المحجة البيضاء، وتحري الحق والصواب ما استطاعوا، والتعب في البحث عن الحقيقة، ثم استعانة المفتي بالله تعالى أن يسدده وينور بصيرته. كما قال بعض السلف: إذا أشكل عليك أمر فقل: يا معلّم إبراهيم علمني، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11]، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران:101].

    كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن نقول:"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل؛ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"[3].

    ــــــــــــــــــــــ

    [1] انظر: الموافقات / ج4/ ص 244.

    [2] نسبها أبو نعيم في الحلية إلى: سفيان بن عيينة (7/ 274)، وكذلك في صفة الصفوة (2/ 234) ونسبها العجلوني في كشف الخفاء إلى محمد بن عجلان (2/1981)، وفي الإحياء عن ابن مسعود (1/ 69).

    [3] رواه مسلم في صلاة المسافرين (770)عن عائشة، وابن ماجه في إقامة الصلاة ( 1357) وأبو داود في الصلاة (767) والنسائي في "الكبرى" في الصلاة (1324) وفي "المجتبى" في قيام الليل (1625).

    ـــــــــــــــــــــــــ

    المصدر : موقع القرضاوي 26-9-2007
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى (2)

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:19

    من موجبات تغير الفتوى : عموم البلوى

    د.يوسف القرضاوي

    جعل الفقهاء عموم البلوى من المخففات، فعموم الابتلاء بالشيء دليل على أن الناس بحاجة إلى هذا الشيء. والشرع يقدر حاجات الناس، والفقهاء يقولون: الحاجة تنزل منزلة الضرورة.

    وأود أن أوضح هنا: أن عموم البلوى إنما يقتضي التخفيف فيما ليس بحرام مقطوع بحرمته، أما ما هو مقطوع بحرمته، وخصوصا ما دخل في باب كبائر الإثم والفواحش – فلا ينبغي التساهل فيه، ولا مدخل هنا لتغيّر الفتوى، فإنها حين تدخل هنا يكون دخولها لتبرير الحرام، وتسويغ المنكر، وهذا لا يقبل بل يجب أن يظل الناس مشدودون إلى أصل الحلال الطيب، رافضين للحرام، منكرين للمنكر، وإن وقع عامة الناس فيه.

    إنما يعمل بقاعدة عموم البلوى فيما يختلف فيه، ولا يحظى بالإجماع اليقيني، مثل: الغناء والموسيقى، ولعب الشطرنج، وإطالة الثياب في غير خيلاء وحلق اللحية، ونحو ذلك مما اختلفت فيه المذاهب، وكثُرت فيه أقوال العلماء ما بين مانع ومجيز، وذلك لاختلافهم في مدى ثبوت الأحاديث التي وردت بين من يقبلها ومن يردها، أو لاختلافهم في دلالتها، أو اختلافهم في استنباط الحكم فيما لم يرد فيه نص، مما بني على القياس، أو الاستحسان، أو الاستصلاح، أو مراعاة العرف، أو الأخذ بقول صحابي أو غير ذلك من الاعتبارات، التي تقبل المناقشة والأخذ والرد، ومن ذلك الأمثلة التالية:



    كشف الرأس والأكل في الطريق:

    ولذلك رأينا الفقهاء يخففون في الأشياء التي تعم بها البلوى، فكان بعضهم لا يقبل شهادة عاري الرأس مثلا، ولكن في بلاد الأندلس كانوا يقبلون شهادة عاري الرأس: لأن كثيرا من الناس كانوا يمشون عراة الرؤوس، ربما لأنهم تأثروا بمخالطة الأسبان في ذلك الوقت، فأصبحت هذه القضية لا تقدح في عدالة الشاهد أو مروؤته.



    حلق اللحية بين القديم والحديث:

    قضية اللحية؛ هناك من العلماء من شدد في أمرها، فمنهم من قال: إنها واجب، وإن حلقها حرام، وهناك من قال: إنها سنة وإن حلقها مكروه، وفي عصرنا لا بد أن نخفف، لأن هناك بلادًا إسلامية بأسرها، نرى جمهور الناس فيها لا يطلق اللحية، فكل هؤلاء ماذا يكون موقفنا منهم؟



    هل من المقبول اعتبارهم جميعا ساقطي الشهادة؟! وأين نجد الذين يشهدون في المحاكم إذا رفضنا كل حليق؟ لا بد في عصرنا من التخفيف[1].



    انتشار التلفزيون:

    الآن أيضا، نرى ظاهرة انتشار التلفزيون في البيوت وغيرها، كان البعض يعيبون على من يشاهد التلفزيون، بل يحرّمونه، لأنه قائم على التصوير، والتصوير كله حرام، وأقول: هل من المعقول اليوم أن يوجد شخص لا يرى التلفزيون؟! ولا يتابع أخبار العالم وأخبار المسلمين فيه؟ صحيح أن فيه بعض الأغاني التي لا تليق، وبعض الصور التي لا تحل، أو ما سواها، فهذا أيضا من الأمور التي عمّت فيها البلوى[2]. ويستطيع المسلم الملتزم أن يأخذ خيره ويتجنب شره.



    عمل المرأة في مختلف المجالات:

    غزت المرأة المسلمة العديد من ميادين العمل

    ومما عمت به البلوى في عصرنا: عمل المرأة في كثير من ميادين الحياة، ولا سيما بعد أن زاحمت الرجال في كل أنواع التعليم، الجامعي والدراسات العليا، وأضحى من النساء: الطبيبة، والمهندسة، والمحاسبة، والإدارية، والاقتصادية، والمعلمة، وخريجة العلوم والرياضيات، والأستاذة في جميع التخصصات.

    وأضحى كثير من النساء متفوقات في مجالاتهن المتنوعة، حتى إن منهن من يسبقن الرجال.

    وهذا يتطلب من أهل الفتوى خصوصا المشددين على النساء: أن يتخلوا عن فكرة التشديد والتضييق، وأن يرحبوا بعمل المرأة بضوابطه فيما تحسنه وتتخصص فيه من مهن متعددة، وبخاصة ما كان أقرب إلى طبيعتها، وإلى خدمة بنات جنسها، ولا يجوز تغليب خوف الفتنة، والحكم بحبس المرأة جدران بيتها، وهى قادرة أن تُعلّم وتُطبب وتمرض، وتملأ الفراغ في جوانب الحياة بكفاية وأمانة ربما فاقت فيه الكثير من الرجال.

    وكثيرا ما يكون عمل المرأة لسد حاجاتها هي، إذا لم يكن لها عائل ولا مورد تعيش منه، وأحيانا تلبية لحاجة أسرتها لعملها، كما قصّ علينا القرآن قصة الفتاتين اللتين سقى لهما سيدنا موسى (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23).

    وأحيانا أخرى يكون المجتمع هو المحتاج إلى عمل المرأة، أو لحاجته إلى عمل ينبغي أن يقوم به النساء لا الرجال، مثل: تعليم البنات، وتطبيب النساء والتمريض.

    وفي بعض الأقطار تقتضي ظروف الحياة وضيق الموارد: أن يعمل الزوجان معا، لإمكان قيام بيت يعيش بالحد الأدنى لما تحتاج إليه الحياة المعاصرة.

    فلا ينبغي الإصرار على المقولة المحفوظة: أن المرأة خلقت للبيت، وأنه مملكتها، فإن ضرورات الحياة ومطالبها الجمة، فرضت على المرأة أن تخرج وأن تكدح من أجل أسرتها.

    -------------------

    [1] راجع ما ذكرناه عن اللحية وحكمها في كتابنا الحلال والحرام / ص 85.

    [2] راجع هذه الفتوى بالتفصيل في كتابنا فتاوى معاصرة ( ج1/ ص 694- 697).

    ـــــــــــــ

    المصدر : موقع القرضاوي/25-12-2007
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى (3)

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:20

    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر المكان

    يعد تَغيُّر المكان من أسباب تغير الفتوى، وهو ما نصّ عليه علماؤنا السابقون بصراحة في موجبات تغيّر الفتوى، فلا شك أن للبيئة المكانية تأثيرها على التفكير والسلوك، ومن هنا نرى أن البدو مختلف عن الحضر، والريف مختلف عن المدينة، والبلاد الحارة تختلف عن البلاد الباردة، والشرق مختلف عن الغرب، ودار الإسلام غير دار الحرب، وغير دار العهد. وكل مكان من هذه الأماكن له تأثيره في الحكم على خلاف مقابله، فلا يجمد العالم على فتوى واحدة، لا يغيرها ولا يتحول عنها. بل لا بد أن نراعي هذه الاختلافات والتغيرات التي ذكرناها، ليحقق العدل الذي تريده الشريعة، والمصلحة التي تهدف إليها في كل أحكامها.



    بين البدو والحضر:

    وقد ذكر القرآن آثر البادية على أهلها، حين تحدث عن (الأعراب) فقال: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(التوبة:97). وجاء في الحديث النبوي:"من بدا جفا"[1].

    ولذا كانت خطة الإسلام: أن ينتقل بأهل البادية إلى الحضارة. فكان كل من أسلم منهم يجب عليه أن يهاجر إلى المدينة ليتعلم ويتمدن[2]، وكان من كبائر الإثم أن يرتد الرجل أعرابيا بعد هجرته.

    فلا غرو أن يكون للبادية أحكام غير أحكام الحضر، فيما للبداوة تأثير فيها.

    ومما ذكره العلماء هنا: ما يتعلق بإنكار فريضة من فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام والحج، لأنها معلوم من الدين بالضرورة، يستوي في معرفتها الخاص والعام، فلا يكون إنكارها إلا تكذيبا لله ورسوله، وهذا هو: الكفر.

    وكذلك تحدثوا عن البدوي في شهادته على الحضري أو القروي، أو شهادته له. فقد منع ذلك بعض الفقهاء لأن البدو لا يعرفون أعراف أهل الحضر وعاداتهم في شؤون حياتهم، وما يجري بينهم من تعاملات، وما يدور في محيطهم من ألفاظ، فهو يشهد حينئذ بما لا يعلم. قالوا: إلا أن يكون البدوي ممن يديم الاختلاف إلى الحضر، ويخالط الناس، ويشهد المجالس والمجامع، فإنه يصبح كالحضري، فقد تغيرت صفته بالمخالطة والمعايشة، فيتغير الحكم تبعا لذلك.[3]

    فقد روى أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا:" لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".[4]

    وقال ابن القاسم: تجوز شهادة البدوي في رؤية الهلال.[5] وذلك لانتفاء الشبهة هنا، ولأن المسألة تتعلق بالعبادات لا المعاملات.

    وإن كنا شاهدنا في عصرنا: أن البدو يتسرعون في الشهادة برؤية الهلال ولا يتثبتون، وكثيرا ما ثبت الهلال بشهادتهم، ثم لم يره أحد في الليلة التالية، التي تعد الليلة الثانية.

    ويدخل هنا حكم بإمامة البدوي أو الأعرابي للحضري، فقد قال الإمام القرطبي: إمامتهم (أي البدو) بأهل الحاضرة: ممنوعة؛ لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره بعضهم ذلك. وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم، خلافا للثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي.[6]



    البلاد الحارة والبلاد الباردة:

    وكما تختلف الفتوى باختلاف البداوة والحضارة، تختلف أيضا باختلاف الحرارة والبرودة في المكان، فللمناخ تأثيره على أهله، ليس في جلودهم وألوانهم فحسب، ولكن في أمور أخرى، مثل: اختلاف حاجات هؤلاء عن حاجات أولئك، وكون أهل البلاد الحارة أخشن وأسرع إلى الغضب من أهل البلاد الباردة إلى غير ذلك.



    التغيُّر المكاني بتغيُّر المناخ:

    ومن تأثير التغيُّر المكاني: ما يتعلَّق بالبلاد التي يدوم فيها المطر طويلا، أو يتساقط فيها الثلج بكثافة، بحيث يشقُّ على الناس أن يغادروا منازلهم إلا بحرج وصعوبة، وما جعل الله في هذا الدين من حرج. فهنا يسقط عنهم وجوب صلاة الجماعة في المسجد لمَن يقول بوجوبها، أو استحبابها لمَن يقول باستحبابها.

    وقد جاءت الأحاديث بإجازة الجمع للمطر.

    وأجاز الفقهاء التيمُّم مع وجود الماء لمن خاف من شدَّة البرد، ولم يمكنه تسخين الماء.

    وقد صلى عمرو بن العاص - في إحدى السرايا - بأصحابه وهو جنب، مكتفيا بالتيمُّم، وعندما عادوا شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأن الليلة كانت باردة شديدة البرودة، فذكرت قول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء:29]، فتبسَّم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إقرارا منه بما صنعه، فهو من السنَّة التقريرية.

    وفي بلاد الإسكيمو عند القطب الشمالي، لا يجد الناس {صَعِيداً طَيِّباً} من جنس الأرض حين يحتاجون إلى التيمُّم، فكلُّ ما حولهم ثلج في ثلج، فليكن الثلج هو صعيدهم، إذ لا يملكون غيره.

    وهم هناك يستخدمون الكلاب لجرِّ عرباتهم، فهي التي تحتمل هذا البرد الشديد، أفنحرِّم عليهم اقتناء الكلاب، وهي ضرورة لحياتهم ومعيشتهم؟

    أم نستثني هذه الحالة وأمثالها من النهي العام عن اقتناء الكلاب؟

    لا شك أن الاستثناء هو الاتجاه السليم، والفقه البصير في هذه القضية. وهو أيضا يتَّصل بمقاصد الشريعة، فهذه الكلاب لا تعقِر ولا تخيف كبيرا ولا صغيرا ولا تؤذي أحدا، بل تخدم الإنسان، فأصبح شأنها شأن بهيمة الأنعام.

    ومن تأثير التغيُّر المكاني في الفتوى: تغيُّر الحكم في البلاد التي تطلع عليها الشمس مدَّة ستة أشهر، وتغيب عنها ستة أشهر أخرى، أي نصف السنة نهار، ونصفها ليل، وهذا أمر ثابت ومعروف.

    وهنا نفتي أهل هذه المناطق بضرورة التقدير، فينقسم الزمن إلى أيام، كلَّ يوم بليلة: 24 أربع وعشرون ساعة، ونقسم الصلوات الخمس عليها، وفق ميقات مكة والمدينة، البلاد التي نزل فيها الوحي، أو وفق أقرب البلاد المعتدلة إليهم.

    وقد أُخذ وجوب التقدير من حديث الدجال المعروف: أن اليوم يطول أحيانا حتى يكون كالسنة ... إلخ[7].

    ولا غرو أن أنشأ الإخوة المسلمون في أوربا (اتحاد المنظمات الإسلامية) (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث)، وهذا المجلس مهمته أن يُراعي ظروف الذين يعيشون خارج المجتمعات الإسلامية، أيْ خارج ما نسميه: (دار الإسلام)، ولا سيما الذين يعيشون في أوربة فهذا التَغيُّر المكاني من أعظم التغيرات، لأن الأصل أن يعيش المسلم وسط المجتمع المسلم الذي يعينه على الالتزام بالأحكام، لكن الذي يعيش في مجتمع آخر، في عقائده ومسلَّماته، فإنه يحتاج للتخفيف. فتَغيُّر المكان هنا مهم جدًا، وله تأثيره البالغ، وهو من الأسباب التي جعلت الإمام الشافعي يغير مذهبه في مصر عما كان في بغداد، فلا شك أن البيئة المصرية، غير البيئة العراقية، وغير البيئة الحجازية، فلا عجب أن يكون تَغيُّر المكان من جملة الأسباب التي دفعته لتغيير مذهبه القديم إلى مذهبه الجديد.



    تغيُّر المكان بالنسبة لدار الإسلام وغيرها:

    ولا شك أن من تغيُّر المكان: تغيُّر دار الإسلام عن غيرها من الدور الأخرى، سواء أطلقنا عليها: دار حرب، أم دار عهد، أم دار كفر[8].

    فالمقصود من هذا: أن المسلم في دار الإسلام يعيش بين أهله وبين ظهراني مجتمعه، الذي هو لهم كالماء للسمك، وكالهواء للطير، فهذه الدار محضن يحميه، ومدرسة تعلِّمه، وعشٌّ يظلِّله، ومنارة تهديه، يتلقَّى العقيدة من هذا المجتمع، ويتعلَّم الشريعة من هذا المجتمع، ويقتبس الأخلاق والآداب من هذا المجتمع، يتعلَّم من الأب والأم والإخوة والأقارب والجيران والشيوخ والمعلِّمين، وأفراد الجماعة كلِّها: يتعلَّم من المسجد، ومن المدرسة، ومن البيت، ومن الطريق.

    وهذا بخلاف مَن يعيش خارج دار الإسلام - وبعبارة أخرى - مَن يعيش في مجتمع غير مسلم، فهو يعيش في محنة أو أزمة، لأن المجتمع من حوله لا يعينه على أداء الواجبات، ولا على اجتناب المحرَّمات، بل بالعكس يغريه باقتراف المنهيات، ويثبِّطه عن فعل المأمورات.

    ومن هنا كان لدار الكفر أو (دار الحرب) أحكام غير أحكام دار الإسلام. وجلُّها تقوم على التخفيف عمَّن يعيش في غير دار الإسلام، وبعضها فيه تشديد عليه، حثًّا له على الهجرة إلى دار الإسلام، إذا كان لا يتمكَّن من إظهار دينه كما يريد.

    وفي ذلك جاء قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا - أي من دار الحرب إلى دار الإسلام - مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ - أي من نصرتهم - مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [لأنفال:72].

    فلم يجعل لهؤلاء المسلمين المقيمين في دار الحرب بين المشركين حقَّ النصرة، لبقائهم مع المشركين المحاربين للمسلمين، وهذا يوم كانت الهجرة إلى المدينة واجبة على كلِّ مَن أسلم، ثم نسخ ذلك بفتح مكة، حين قال الرسول الكريم:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"[9].

    وقالت الآية هنا: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال:72]، فلم يجعل لهم حقَّ النصرة إذا استنصروا بإخوانهم، ما داموا مقيمين مع المشركين، إذا كان الذين يطلبون النصرة عليهم ممَّن بينهم وبين الدولة الإسلامية ميثاق وعهد، لأن موقعهم ضعيف بإقامتهم في دار الحرب، بحيث لم يقوَ الانتماء الديني وحده على مقاومة العهد والميثاق الذي بين الدولة الإسلامية وغير المسلمين.

    وكذلك جاء في الحديث: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"[10]، أي بريء من دمه إذا قتله المسلمون وهو مقيم بين المشركين المحاربين، فيقتله المسلمون خطأ، وهم لا يعرفون أنه مسلم.

    وقد فرَّق علماء المسلمين بين المسلم في دار الإسلام والمسلم في غيرها في جملة من الأحكام.

    من ذلك ما قاله العلماء: أن مَن أنكر وجوب الصلاة أو الزكاة أو الصيام، أو حرمة الزنى أو شرب الخمر أو الربا، ونحوها، مما يعبَّر عنه بأنه (معلوم من الدين بالضرورة) يحكم عليه بالكفر والردَّة، لانتشار العلم بين المسلمين خاصَّتهم وعامَّتهم، بأن هذه الأشياء معروف حكمها الديني لدى الجميع، فلا يكون إنكارها إلا تكذيبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولكنهم استثنوا من هذا الحكم مَن كان يعيش في غير دار الإسلام، لأنه معذور بجهله بهذه الأمور، بخلاف مَن يعيش في دار الإسلام، فالجهل ليس عذرا له، لأن تعلُّم هذه الأشياء ميسور وموفور للجميع.

    وبعض الفقهاء خفَّفوا عن المسلم الذي يعيش في غير دار الإسلام في بعض المعاملات.

    -------------------

    [1] جزء من حديث ونصه:" من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا" رواه أحمد (8836) عن أبي هريرة، وقال مخرّجوه: هذا حديث ضعيف للاضطراب الذي وقع في إسناده، وللحديث علّة أخرى: وهي تفرد الحسن بن الحكم به، فقد دارت عليه هذه الأسانيد كلها، وقد حسّن القول فيه يحي بن معين وأحمد بن حنبل فوثقاه، وقال أبو حاتم صالح الحديث، وغالى ابن حبّان في (المجروحين) فقال: يخطئ كثيرا ويهم شديدا، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد، ثم ساق هذا الحديث، إشارة منه إلى نكارته، وكذا فعل الذهبي، فعندما ترجم له في الميزان (1/486) أورده أيضا. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (7/ 47) وفي الكبرى (10/101) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح خلا الحسن بن الحكم النخعي، وهو ثقة (5/ 443 ) وقال المنذري في الترغيب: رواه أحمد بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح (2/268) وحسّنه الألباني في الصحيحة (1272).

    ورواه أحمد أيضا في المسند (3362) عن ابن عباس بلفظ:" من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن" وقال مخرّجوه: حسن لغيره وهذا سند ضعيف لجهالة أبي موسى، ورواه أبو داود في الصيد (2859 ) والترمذي في الفتن (2256) وقال: حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري، والنسائي في الصيد (4309) وصحّحه الألباني في صحيح أبي داود (2486).

    [2] انظر تعليقنا على الحديث رقم (1312) في كتابناSad المنقى من كتاب الترغيب والترهيب).

    [3] انظر: معين الحكام على القضايا والأحكام (2/648، 649) نقلا عن (البعد الزماني والمكاني وأثرهما في الفتوى) ليوسف بالمهدي، منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر/ ص180.

    [4] رواه ابن ماجه في الأحكام (2367)عن أبي هريرة، وأبو داود في الأقضية (3602) والحاكم في الأحكام (4/ 111) وسكت عنه، وقال الذهبي: لم يصححه المؤلف، وهو حديث منكر على نظافة سنده، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1917). قال الطحاوي: قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو: لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها، ولا يقيمونها على حقها، لقصور علمهم، عما يغيرها عن وجهها. وكذلك قال أحمد. شرح معاني الآثار (4/167).

    [5] انظر: الذخيرة للقرافي (10/283-285) نقلا عن ( البعد الزماني والمكاني) ص181.

    [6] انظر: القرطبي: جامع الأحكام الفقهية ترتيب الجندي (1/ 228) نقلا عن ( البعد الزماني والمكاني) ص181.

    [7]- قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا اقدروا له قدره". رواه مسلم في الفتن (2137)، وأحمد في المسند (17629)، وأبو داود في الملاحم (4321)، والترمذي (2240)، وابن ماجه (4075)، كلاهما في الفتن، عن النواس بن سمعان.

    [8]- ليس المراد بالكفر هنا هو: الإلحاد والجحود بالله تعالى، ولكن المراد: الكفر برسالة محمد، فيشمل هذا كلَّ مَن لم يؤمن بأن محمدا رسول من عند الله، وإن كان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ومن الطبيعي: أن يعتقد أصحاب كلِّ دين: أن الناس بالنسبة إليهم صنفان: مؤمن بدينهم وكافر به. فكما أننا نؤمن أنهم كفار بديننا، هم كذلك يؤمنون بأننا كفار بدينهم.

    [9] متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (2783)، ومسلم في الإمارة (1353)، وأحمد في المسند (1991)، وأبو داود في الجهاد (2480)، والترمذي في السير (1590)، والنسائي في البيعة (4170)، وابن ماجه في الجهاد (2773)، عن ابن عباس.

    [10] رواه أبو داود في الجهاد (2645)، عن جرير بن عبد الله، وقال: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة، لم يذكروا جريرا، والترمذي في السير (1604) موصولا، ومرسلا (1605)، ولم يروه النسائي إلا مرسلا (4780)، ومع هذا ذكره الألباني في صحيح الجامع (1461)، وفي صحيح أبي داود (2304)، وصحيح الترمذي (1307)، وفي الإرواء (1207)، إلا جملة الأمر نصف العقل.

    ــــــــــــــ

    موقع القرضاوي/ 31-12-2007
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى (4)

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:23

    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر العُرف

    من موجبات تغير الفتوى تَغيُّر العُرف الذي بنيت عليه الفتوى القديمة، وهذا مما نص عليه العلماء السابقون، فيما يوجب تَغيُّر الفتوى، ذكر ذلك القرافي المالكي وابن القيم الحنبلي، وابن عابدين الحنفي، وغيرهم.

    والمراد بالعرف: ما اعتاده جماعة من الناس وتعارفوه بينهم من قول أو فعل، حسنا كان أو قبيحا. فلا شك أن هناك أعرافا حسنة محمودة، وأعرافا أخرى سيئة مذمومة.



    مراعاة الفقه لأعراف الناس

    ومن المعلوم: أن الفقه الإسلامي يراعي أعراف الناس، ويبني عليها أحكاما، بقيود وشروط معينة، أهمها: ألا تخالف نصوص الشرع وقواعده. وإنما اعتبر العرف؛ لأنه يعلم أن الناس ما أنشأوا هذا العرف وتمسكوا به، إلا لحاجتهم إليه، ولأنه يحقق لهم مصلحة، فراعى الفقه – المعبر عن الشرع- حاجة الجماعة ومصلحتها، فاعتبر العُرف ورعايته من أدلته التبعية، وقال في ذلك الناظم:

    والعُرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار

    ولكن المهم هنا، هو: أن هذا العُرف الذي بنيت عليه أحكام، وترتبت عليه آثار، إذا تغيّر، هل يظل الحكم السابق ساريا مع هذا التغير؟

    الذي قرره المحققون من العلماء في مختلف المذاهب: أن الحكم – وبعبارة أخرى: الفتوى- تتغير بتغير العرف، بحيث لا يجوز إبقاء الفتوى القديمة- المؤسسة على عرف تغيّر- على حالها.

    قال الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه (الإحكام) في السؤال التاسع والثلاثين: (ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما، المرتبة على العوائد والعُرف اللذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد تدل على ضد ما كانت تدل عليه أوّلا، فهل تبطل هذا الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء، ويُفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة؟ أو يقال: نحن مقلدون، وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد، فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟).



    ثم يجب عن هذا السؤال بقوله:

    (إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلافُ الإجماع وجهالةٌ في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد)[1].

    ونلاحظ هنا: أن كلام القرافي إنما هو في الأحكام التي مدركها ومستندها العوائد والأعراف، لا تلك التي مستندها النصوص المحكمات.

    وتحدث القرافي في هذا الموضوع مرة أخرى في كتابه (الفروق) في حديثه عن (الفرق الثامن والعشرون) فيؤكد: أن القانون الواجب على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو: ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الزمان والبلدان. ويقول: (فمهما تجدد من العُرف اعتبرْه، ومهاما سقط أَسقطْه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده، وأجره عليه، وأفته به، دون عُرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين)[2].

    أما عند الحنفية فنجد مجموعة كبيرة من الأحكام الاجتهادية التي قال بها المتقدمون أعرض عنها المتأخرون، وأفتوا بما يخالفها، لتغير العرف، نتيجة لفساد الزمن، أو غير ذلك، ولا غرابة في هذا، فإن أئمة المذهب أنفسهم – أبا حنيفة وأصحابه- قد فعلوا ذلك. ذكر السرخسي: أن الإمام أبا حنيفة في أول عهد الفرس بالإٍسلام، وصعوبة نطقهم بالعربية، رخّص لغير المبتدع منهم: أن يقرأ في الصلاة بما لا يقبل التأويل من القرآن باللغة الفارسية، فلما لانت ألسنتهم من ناحية، وانتشر الزيغ والابتداع من ناحية أخرى، رجع عن هذا القول.

    وذكر كذلك: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده – عهد تابعي التابعين- اكتفاء بالعدالة الظاهرة. وفي عهد صاحبيه – أبي يوسف ومحمد- منعا ذلك، لانتشار الكذب بين الناس[3].

    ويقول الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.

    وقد أصبح من القواعد الفقهية الأساسية عند الحنفية: قاعدة "العادة محكَّمة"[4]

    واستدلوا لها بقول ابن مسعود:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"[5].

    وكتب في ذلك علامة المتأخرين ابن عابدين رسالته القيمة التي سماها: (نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العُرف) بين فيها أن كثيرا من المسائل الفقهية الاجتهادية، كان يبنيها المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً.

    ولهذا قالوا في شروط المجتهد: ولا بد فيه من معرفة عادات الناس، قال ابن عابدين: (فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان؛ لتغير عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام، وأحسن إحكام.

    (ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد (يعني: إمام المذهب) في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم أنه لو كان في عهدهم لقال بما قالوا به، أخذًا من قواعد مذهبه).



    اختلاف المذاهب

    ومن قرأ كتب الفقه – على اختلاف مذاهبها- وجد فيها أحكاما وفتاوى مبنية على أعراف زمانها، ولكنها اليوم تبدلت إلى أعراف أخرى، فوجب أن تتبدل الفتوى أو الحكم بتبدلها، ولا سيما في عصرنا الذي تغيرت فيه أشياء كثيرة جدا في حياة الناس، نتيجة للتطور العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والحضاري الهائل، الذي قَلَب حياة المجتمعات والأمم ظهرا على عقب، بحيث لو افترضنا قيام بعض الموتى من قبورهم لأنكروا هذه الحياة الجديدة التي لم تعد لهم بها أيّة صلة.



    الشيكات المصرفية

    خذ مثلا بعض الأعراف التجارية والمالية الحديثة، فيما يتعلق بصرف الشيكات المصرفية، فلو اعتبرنا القبض كما قرره الفقهاء (يدا بيد، أو هاء وهاء) لحرّمنا التعامل بالشيكات وهي ضرورة الآن، ولذلك وجب على الفقيه أن يعتبر العُرف الجاري: أن الشيك يحتاج إلى يوم أو يومين وقد يحتاج إلى أكثر من ذلك، كما إذا صدر يوم الخميس محوّل على بنك خارجي، ويوم الجمعة عندنا عطلة، ويوما السبت والأحد عندهم عطلة، فيؤدي ذلك إلى تأخر صرف الشيك.



    طرق جديد للبيع

    وهناك أعراف كثيرة تغيّرت في الناحية الاقتصادية، وفي الناحية الاجتماعية، وفي الناحية السياسية، وهي تقتضي تغيّر الفتوى من الفقيه المعاصر.

    مثل عقد الصفقات عن طريق الهاتف أو الإنترنت أو الفاكس، أحد الطرفين في أمريكا والآخر في آسيا، ومثل ذلك الزواج عن طريق الإنترنت، أو غير ذلك من المعاملات التي لا تقف عند حد، والتي تتطلب من المفتي أن ينظر إليها من أُفق واسع، غير متقيد بالنصوص الفقهية التي تغيّرت اليوم عن زمانها ومكانها.

    وبعض الأعراف صدرت بها قوانين ملزمة من فعل الدولة، لا يجوز الإخلال بها، وبعض القوانين الصادرة من الدولة أنشأت أعرافا جديدة.



    المرأة بين القديم والجديد

    وبعض الأعراف كانت مبنية على أحكام مذهبية، لم تعد صالحة لحياة الناس اليوم، مثل منع بعض المذاهب المرأة من الذهاب للمسجد للصلاة فيها، أو الاستماع إلى درس أو محاضرة. فقد ذهبت المرأة اليوم إلى المدرسة وإلى الجامعة، وإلى السوق، وتعلمت وعملت في شتى نواحي الحياة، وسافرت إلى الخارج، فلماذا يبقى المسجد وحده، هو المحظور عليها؟



    عصر الساندوتش

    ومثل ذلك: ما ذكره الفقهاء – مما أشرنا إليه من قبل - من أن الأكل في الطريق يسقط المروءة، وعلى هذا لا تقبل شهادة الآكل في الطريق، ونحن في عصر السرعة الذي نعيش فيه أمسى الناس يتناولون الأكلات الخفيفة في طريقهم وهم ذاهبون إلى أعمالهم أو عائدون منها، وهو ما جعل بعض الناس يسمون عصرنا (عصر الساندوتش).

    فلو أسقطنا شهادة هؤلاء لأضعنا حقوقا كثيرة للناس، وبخاصة أن الناس لم يعودوا ينظرون إلى هذا الأمر باعتباره ينزل من مروءة صاحبه، بل اعتبروه من ضرورات الحياة، المعاصرة وتطورها.



    زكاة النقود

    ويدخل في هذا: ما بُني من نصوص على عُرف زمني كان قائما في عصر النبوة، ثم تغيّر في عصرنا، فلم يعد قائما، فلا حرج علينا النظر في مقصود النص دون التمسك بحرفيته.

    ومن الأمثلة البارزة على أن النص قد يُبنى على عرف ثم يتغيّر: ما ثبت من تقديره صلى الله عليه وسلم نصابين لزكاة النقود، أحدهما بالفضة وقدره: مائتا درهم (تقدر بـ595جراما) والثاني بالذهب وقدره: عشرون مثقالا أو دينارا (تقدر بـ85 جراما) وكان صرف الدينار يساوي في ذلك الوقت عشرة دراهم.

    فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد وضع نصابين متفاوتين للزكاة، بل هو نصاب واحد، من مَلكه اعتبر غنيا ووجبت عليه الزكاة، قُدِّر بعملتين جرى العرف بالتعامل بهما في عصر النبوة، فجاء النص بناء على هذا العرف القائم، وحدّد النصاب بمبلغين متعادلين تماما، فإذا تغير الحال في عصرنا وانخفض سعر الفضة بالنسبة لسعر الذهب انخفاضا هائلا، لم يجز لنا أن نقدر النصاب بمبلغين متفاوتين غاية في التفاوت، فنقول مثلا: إن نصاب النقود ما يعادل قيمة (85 ) جراما من الذهب، أو ما يعادل (595) درهما من الفضة، وقيمة نصاب الذهب حينئذ تزيد على قيمة نصاب الفضة حوالي عشرة أضعاف، وهذا لا يعقل: أن نقول لشخص معه عشرة دنانير ليبية أو جنيهات مصرية: أنت غني إذا قدرنا نصابك بالفضة، ونقول: لمن يملك أضعاف ذلك: أنت فقير إذا قدرنا نصابك بالذهب!!

    والمخرج هو تحديد نصاب كل واحد في عصرنا للنقود به يعرف الحد الأدنى للغنى الشرعي الموجب للزكاة، وهو الذهب، لأن نصابه أقرب إلى الأنصبة الأخرى بخلاف نصاب الفضة فهو زهيد جدا بالنسبة لعصرنا، ولا يعتبر مالكه غنيا في الحقيقة، وهذا ما ذهب إليه الأستاذ الكبير الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله- وزميلاه المرحومان الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ عبد الرحمن حسن في محاضرتهم عن "الزكاة" بدمشق سنة 1952م من التقدير بالذهب فقط، وهذا ما اخترته وأيدته في بحثي عن (الزكاة)[6].

    -------------------

    [1] انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى والأحكام/ص231/ ط. حلب، تحقيق الشيخ أبي غدة.

    [2] انظر: الفروق/ ج1/ 176-177.

    [3] انظر: أصول التشريع الإسلامي للأستاذ علي حسب الله (ص/84-85).

    [4] انظر: "القاعدة السادسة من الفن الأول" القواعد الكلية، من كتاب "الأشباه والنظائر" لابن نجيم الحنفي (ت970 هـ) ص (93-102) تحقيق عبد العزيز الوكيل، طبعة مؤسسة الحلبي.

    [5] ذكره بعضهم على أنه حديث مرفوع، والصواب: أنه موقوف على ابن مسعود رواه أحمد في المسند (3600) عن ابن مسعود موقوفا، وقال مخرّجوه: إسناده حسن، والطيالسي في المسند (1/33)، والبزار في المسند (5/212)، والطبراني في الكبير (9/112)، والحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة (3/83)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون (1/428).

    [6] انظر: كتابناSadفقه الزكاة) 1ج/ 277، 278/ ط الخامسة والعشرون، ط مكتبة وهبة، القاهرة.

    ـــــــــــــ
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى (5)

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:24

    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الرأي والفكر



    وكما أن تَغيُّر المعلومات من موجبات تَغيُّر الفتوى: نجد تغيّر الرأي والفكر من الموجبات أيضا.

    فقد لا تتغير المعلومات، ولكن يتغيّر فكر المجتهد بناء سعة إطلاعه، ونظره في فكر المدارس المختلفة، ومقارنة بعضها ببعض، أو بناء على تأمل ومراجعة للأمر المتعلق بدراسته، أو بناء على مناقشة علمية حوله، ينكشف ما كان خافيا، ويظهر ما كان غامضا، بحيث يتغير ـ نتيجة لذلك ـ رأي المجتهد وحكمه.

    وقد يكون ذلك بحكم تقدم السن، وزيادة النضج، واتساع الخبرة والتجربة في الحياة، وقد يتغير فكر العالم تغيّرا جذريا، بمقتضى مؤثرات شتّى، فينتقل من التشديد والتعسير إلى التخفيف والتيسير، أو من الحرفية والظاهرية إلى رعاية المقاصد وعلل الأحكام. فهو هنا ينتقل من منهج إلى منهج، أو من مدرسة إلى مدرسة أخرى. كما رأينا عددا من علمائنا قديما ينتقل من مذهب إلى مذهب، أو من أهل الحديث إلى أصحاب الرأي أو العكس، كما فعل الإمام أبو جعفر الطحاوي وغيره.

    وهذا التغير الجذري له أثره في تغيير الفتاوى الجزئية التي تصدر عن الفقيه، فمن انتقل من التشديد إلى التيسير، أو من الظاهرية إلى المقاصدية: ظهر ذلك في فتواه من غير شك.

    ولما ذكرناه هنا من أمثلة تغيّر الرأي والفكر أمثلة شتّى.



    تغيير رأي الفاروق في المسألة الحمارية

    وهذا ما رأيناه في رأي سيدنا عمر رضي الله عنه في قضيته المعروفة في في علم الفرائض أو المواريث باسم ( الحمارية) أو(الحجرية) وهي قضية يترك فيها الميت من ورثته: زوجا وأُمًّا واثنان فصاعدا من ولد الأم، وأخا شقيقا لأب وأم – أو أكثر من أخ- فقضى فيها عمر مرة بأن للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، يشتركون فيه، ولا شيء للإخوة لأب وأم.

    ومرة أخرى، عرضت القضية على عمر، فقضى فيها بنفس القضاء السابق، فقال له الإخوة الأشقاء: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حمارا – وفي رواية: حجرا – ألسنا من أم واحدة؟ فراجع عمر نفسه، وأشرك فيها الإخوة لأب وأم مع الإخوة لأم في الثلث بالتساوي[1].



    تغيير رأي الشافعي ومذهبيه القديم والجديد

    وأعتقد أن بعض اجتهادات الإمام الشافعي التي غيّر فيها مذهبه في مصر عن مذهبه في العراق، كانت من هذا النوع، أعني غيّر اجتهاد بناء على تغير رأيه وتفكيره، ولا سيما بعد أن أصّل الأصول، وفرّع الفروع، وناقش الأئمة، ورد عليهم بحججه، ودان الجميع له بالإمامة، وبلغ غاية النضج العلمي، الذي يمكن أن يرتقي إليه فقيه.



    تعدد الآراء في المسألة الواحدة عند كثير من الأئمة:

    ولعل كثيرا مما يروى عن الأئمة الكبار أمثال مالك وأحمد من روايات عدة في المسألة الواحدة، مرجع بعضها إلى تَغيُّر الرأي والفكر عند الإمام.



    ولي في هذا نصيب

    وأنا شخصيا أجد عندي بعض فتاوى تغيّر اجتهادي فيها، بناء على تغيّر الرأي والفكر، لا تغيّر المعلومات، ولا تغيّر المكان ولا الزمان، مثل فتواي في شراء البيوت للأقليات المسلمة عن طريق البنك الربوي إذا لم يتيسر بنك إسلامي، فقد كنت أُحرّم ذلك مطلقا قبل ذلك، وخالفت فيه الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقا الذي كان يرخص في ذلك، ثم بعد مدة من الزمن تغير رأيي، وأصبحت أنظر للأمر من جوانب شتى، فانتهيت إلى إجازة ذلك بضوابطه وشروطه، وهو ما أخذ به مجلس الإفتاء الأوروبي، ووافق عليه بالأغلبية[2].

    ------------------------

    [1] قال ابن قدامة في المغني: هذه المسألة تسمى المشركة، وكذلك كل مسألة اجتمع فيها زوج وأم أو جدة واثنان فصاعدا من ولد الأم وعصبة من ولد الأبوين، وإنما سميت المشركة لأن بعض أهل العلم شرّك فيها بين ولد الأبوين وولد الأم في فرض ولد الأم، فقسمه بينهم بالسوية.

    وتسمى الحمارية لأنه يروى أن عمر رضي الله عنه أسقط ولد الأبوين فقال بعضهم : يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا، أليست أمنا واحدة ؟ فشرك بينهم. ويقال: إن بعض الصحابة قال ذلك فسميت الحمارية لذلك. انظر: المغني (7/ 22).

    [2] انظر: الفتوى بالتفصيل في كتابنا: فتاوى معاصرة / ج3 / ص 625 وما بعدها , وانظر : في فقه الأقليات المسلمة / ص 154 وما بعدها .
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى (6)

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:25

    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الأوضاع الحياتية

    يعد تَغيُّر الأوضاع الاجتماعية والسياسية أمر واقع تقتضيها سنَّة التطور، وكثير من الأشياء والأمور لا تبقى جامدة على حال واحدة، بل تتغير وتتغير نظرة الناس إليها.



    غير المسلمين في المجتمع الإسلامي:

    قضية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي (أهل الذمة)، وهو ما يعبر عنه بقضية (الأقليات الدينية) في المجتمعات الإسلامية. وقضية الأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية، وقضية علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم: هل هي علاقة السلم أو الحرب؟ وقضية المرأة، وسفرها وتعليمها وعملها، ومشاركتها السياسية. هذه قضايا أصبح لها في العالم شأن كبير، ولا يسعنا أن نبقى على فقهنا القديم كما كان في هذه القضايا.

    يجب أن نراعي هنا مقاصد الشارع الحكيم، وننظر إلى النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، ونربط النصوص بعضها ببعض، وها هو القرآن يقول:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]. فهذا هو الأصل، وهو الدستور.

    إذا وجدنا أهل الذمة اليوم يتأذون من هذه الكلمة (أهل الذمة). ويقولون: لا نريد أن نُسمّى أهل الذمة، بل نريد أن نُسمّى (مواطنين). فبماذا نجيبهم؟

    وجوابنا: أن الفقهاء المسلمين جميعا قالوا: إن أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ومعنى ذلك بالتعبير الحديث أنهم: (مواطنون)، فلماذا لا نتنازل عن هذه الكلمة (أهل الذمة) التي تسوءهم، ونقول: هم (مواطنون)، في حين أن سيدنا عمر رضي الله عنه تنازل عما هو أهم من كلمة الذمة؟! تنازل عن كلمة (الجزية) المذكورة في القرآن، حينما جاءه عرب بني تغلب، وقالوا له: نحن قوم عرب نأنف من كلمة الجزية، فخذ منا ما تأخذ باسم الصدقة ولو مضاعفة، فنحن مستعدون لذلك. فتردد عمر في البداية. ثم قال له أصحابه: هؤلاء قوم ذوو بأس، ولو تركناهم لالتحقوا بالروم، وكانوا ضررًا علينا، فقبل منهم وقال: هؤلاء القوم حمقى، رضوا المعنى وأبوا الاسم[1].

    فالأحكام تدور على المسميات والمضامين لا على الأسماء والعناوين، ولا بد أن ننظر في قضايا غير المسلمين، وفي قضايا المرأة نظرات جديدة، وأن نرجح فقه التيسير، وفقه التدرج في الأمور؛ مراعاة لتَغيُّر الأوضاع.

    إن كثيرا من المشايخ أو العلماء، يعيشون في الكتب، ولا يعيشون في الواقع، بل هم غائبون عن فقه الواقع، أو قل: فقه الواقع غائب عنهم، لأنهم لم يقرؤوا كتاب الحياة، كما قرؤوا كتب الأقدمين.

    ولهذا تأتي فتواهم، وكأنها خارجة من المقابر!



    محاربة العالم كله كيف؟

    وهؤلاء هم الذين أفتوا شباب (السلفية الجهادية) وشباب (تنظيم القاعدة) و(تنظيم الجهاد) في مصر وفي عدد من الأقطار: أن عليهم أن يحاربوا العالم كله، شرقيّه وغربيّه، نصرانيّه ووثنيّه، فكل هؤلاء من: كتابيين ووثنيين وملاحدة وبدائيين في فسطاط الكفر، الذي يجب أن يقاتل، مستدلين بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193] وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36] ونحوها من الآيات التي سموها (آية السيف).

    وأكدوا هنا ما ذُكر في كتب الفقه من أن جهاد الكفار فرض كفاية على الأمة، ولا يتحقق فرض الكفاية إلا بغزو بلاد الكفرة مرة في السنة على الأقل، أي مهاجمتها في عُقر دارها، وإن لم يبد منها أي إساءة إلى المسلمين.

    وجهل هؤلاء ما انتهى إليه العالم من التقارب حتى غدا كأنه قرية واحدة، وما انتهى إليه من مؤسسات دولية: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقضائية، وأن هناك اتفاقيات دولية، وقوانين دولية، ومحاكم دولية، وأن العالم كله أصبح يجرم أي دولة تهاجم دولة أخرى بلا مبرر، وأن حدود الدول يجب أن تُحترم، وأن النزاع بين الدول يجب أن يُحل بالطرق السلمية، وأن هناك معاهدات دولية تقنن سير الحروب إذا ما وقعت، وشؤون الأسرى ومصيرهم.

    وأننا نحن المسلمين جزء من هذا العالم لا يمكننا أن نتجاهله ونعيش وحدنا، وأننا إذا بحثنا في تراثنا الفقهي والشرعي: وجدنا من الأقوال والنصوص ما يؤيد اتجاه العالم إلى السلم، بل هذا الاتجاه عند المقارنة والتأمل هو الأرجح دليلا، والأهدى سبيلا. وهذا ما اتجهت إليه في كتابي تحت الطبع (فقه الجهاد).

    أما ما قاله الفقهاء عن (فرض الكفاية) فقد وجدنا له تفسيرا رائعا عند فقهاء الشافعية، وهو: إعداد القوة العسكرية اللازمة القادرة على الردع، وشحن الثغور ومواضع الخوف بالجيوش المدربة، والجنود الأكفاء على كل مستوى: بري وبحري وجوي، بحيث لو فكّر الآخرون في الاعتداء علينا لوجدوا ردنا حاضرا بما يكفل سلامة البلاد والعباد.



    تهنئة النصارى بأعيادهم:

    ومراعاة تغيّر الأوضاع العالمية، هو الذي جعلني أخالف شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه تهنئة النصارى وغيرهم بأعيادهم، وأجيز ذلك إذا كانوا مسالمين للمسلمين، وخصوصا من كان بينه وبين المسلم صلة خاصة، كالأقارب والجيران في المسكن، والزملاء في الدراسة، والرفقاء في العمل ونحوها، وهو من البر الذي لم ينهنا الله عنه. بل يحبه كما يحب الإقساط إليهم {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]. ولا سيّما إذا كانوا هم يهنئون المسلمون بأعيادهم، والله تعالى يقول: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (النساء:86)[2].



    ضرورة التيسير في مناسك الحج:

    ومن الأمور التي ينبغي أن ينظر إليها نظرة جديدة نظرا لتغير الأوضاع: مناسك الحج. فإذا كانت العبادات في الإسلام قائمة على التيسير، كما في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } البقرة:185، وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ومعاذ حين أرسلهما إلى اليمن قائلا لهما:" يسرا ولا تعسرا.."[3] وأمر به الأمة كلها فيما رواه أنس عنه "يسروا ولا تعسروا[4]". فلا شك أن الحج عبادة خاصة، أشد حاجة إلى التيسير من سائر العبادات الأخرى لعدة أسباب:

    أولا: أن كثيرا من الناس قد يؤدي هذه الشعيرة، في ظروف مادية وصحية غير مواتية تماما، وقد سافر وارتحل عن أهله ووطنه، والسفر قطعة من العذاب.

    ثانيا: لشدة الزحام الذي يشكو منه المسلمون كافة في مواسم الحج طوال السنوات الأخيرة، وهذا من فضل الله تعالى على أمة الإسلام، وخصوصا عند الدفع من عرفات، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، وعند طواف الإفاضة، ورمي الجمرات. ولا سيما مع قلة الوعي لدى كثيرين من الحجاج، فكلما يسرنا على الناس في أداء مناسكهم، أعناهم على حسن العبادة لربهم، وفي هذا خير كثير.

    ثالثا: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يسر كثيرا في أمور الحج خاصة، فحين سئل يوم النحر عن أمور شتى قدمت أو أخرت، قال لمن سأله: افعل ولا حرج[5]. كما أنه نهى في الحج خاصة عن الغلو في الدين، حين قال للفضل بن العباس حين التقط الحصى للرمي " بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"[6].

    لهذا أجزنا الدفع من عرفات قبل كما مذهب الشافعي، وعدم المبيت في بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة والطواف بالكعبة طواف الإفاضة بعد منتصف الليل؛ ليلة العيد، وعدم المبيت بمنى أيام الرمي، والرمي قبل الزوال، وغيرها من التخفيفات التي يقتضيها الحال في هذا الزمان[7].

    -------------------

    [1] انظر: كتابنا (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) صـ51 طبعة مكتبة وهبة.

    [2] راجع فتوانا في هذا لموضوع بالتفصيل في كتابنا (فتاوى معاصرة/ ج3 ص 686- 691).

    [3] متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الجهاد والسير (1733)، وأحمد في المسند (19742)، عن أبي موسى.

    [4] متفق عليه: رواه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، وأحمد في المسند (13175)، وأبو داود في الأدب (4794) عن أنس.

    [5] متفق عليه: رواه البخاري في العلم (83)، ومسلم في الحج (1306)، وأحمد في المسند (6484)، وأبو داود في المناسك (2014)، والترمذي في الحج (916)، وابن ماجه في المناسك (3051)، عن ابن عمر.

    [6] - رواه أحمد في المسند (3248)، وقال مخرّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير زياد بن الحصين فمن رجال مسلم، والنسائي في مناسك الحج (3057) وابن ماجه في المناسك (3029) عن ابن عباس.

    [7] راجع كتابنا: (مئة سؤال في الحج والعمرة) طبعة دار القلم، دمشق ، الطبعة الأولى 2002م.

    ـــــــــــ

    المصدر : موقع القرضاوي/26-12-2007
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    موجبات تغير الفتوى (7)

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 18:27

    من موجبات تغير الفتوى .. تَغيُّر حاجات الناس

    الحاجات تتغير في عصرنا، وهناك أشياء كان الناس يعتبرونها كماليات، وأصبحت الآن حاجيات. لا أستطيع الآن وأنا أعيش في دول الخليج في جوه اللاهب أن أقول: الثلاجة كمالية!! إنها باتت ضرورية، وكذلك المروحة أو المكيف وما شابهها، كلها أصبحت ضروريات لا يمكن للناس الاستغناء عنها، في مناخ تبلغ درجة الحرارة فيه قريبا من خمسين! فلو كنت أتكلم عن نصاب الزكاة، وعن أن النصاب يجب أن يكون فاضلا عن الحاجات الأساسية للإنسان، لا أستطيع أن أعتبر أن الحاجات الأساسية هي: الطعام والشراب واللباس والمسكن فقط، فهناك حاجات جديدة للناس ستُبنى عليها أحكام جديدة، وإليكم بعض النماذج والأمثلة.



    اقتناء الكلاب بين القديم والحديث

    مما ذكره الفقهاء: أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني صاحب (الرسالة) المعروفة في المذهب المالكي، والتي شرحها كثيرون. هذا الإمام زاره بعض معاصريه من الفقهاء، فوجدوا في داره كلبا للحراسة. فقالوا له: إن مالكًا رضي الله عنه كان يكره اقتناء الكلاب. فقال لهم: لو أدرك مالك زمننا لاتخذ أسدًا ضاريًا[1].

    لقد تغيّرت حاجات الناس، ولم تَعُد حاجات الناس في زمن أبي زيد القيرواني كما كانت في زمن مالك رضي الله عنه، فلجأ الناس إلى الكلاب لتحرسهم من اللصوص وقُطّاع الطرق، فالحاجات إذن تتغير، وإذا تغيّرت الحاجات فلا بد أن يتغير الحكم المبنى عليها.

    وفي عصرنا: رأينا الغربيين؛ في أوربا وأمريكا وأستراليا: يقتنون الكلاب في حالة الشيخوخة – التي أمست تطول عندهم، بحيث تزيد عادة على الثمانين - لتؤنسهم من الوحشة، فكثيرا ما يعيشون وحدهم، لا رفيق ولا أنيس، فأمست الكلاب حاجة من حاجاتهم، حيث هجرهم أبناؤهم وأحفادهم وحفيداتهم.



    التعليم المنهجي وضرورته

    أذكر مثلا آخر لذلك. التعليم المنهجي، أيْ في المدارس والجامعات، لم يكن معدودا من الحاجات والمطالب الأساسيّة من قبل، واليوم أصبح مطلبا مهما للأفراد، ومسألة مهمة للأسرة، وواجبا كبيرا من واجبات الدولة، ولهذا يجب أن يُعتبر في باب النفقات. وكما يجب أن يوفر للإنسان مأكله ومشربه ومسكنه، يجب أن يوفر له ولأبنائه ما يلائمه من التعليم، حسب تطور المجتمعات.

    كما يجب أن يعتبر هذا التعليم - في مراحله الأولى على الأقل - في حاجات الإنسان في الزكاة، وفي تحديد (الكفاية التامة) التي يجب أن توفر لكل من يعيش في المجتمع الإسلامي، مسلما أو غير مسلم. فهو مما تتم به كفاية الإنسان في كنف الحياة الإسلامية.



    اشتراط المرأة في عقد الزواج

    ومما سئلت عنه: هل يجوز للمسلمة أن تشترط في عقد الزواج على من يتزوجها: أن تكمل تعليمها الجامعي؟ وهل يجب على الزوج أن يفي بهذا الشرط؟

    وكان جوابي: نعم، يجوز لها ذلك، فإن هذا من حقها، ولاسيما إذا كانت نجيبة ومتفوقة، ومن حقها أن تشترط ذلك في العقد، وعلى الزوج أن يفي به، كما في الحديث: "المسلمون عند شروطهم"[2] وهو نوع من الوفاء بالعهد، وهو فرض في الإٍسلام. وأحق الشروط أن يوفى به: شروط النكاح، لحرص الإسلام على بناء المؤسسة الزوجية الصالحة المستمرة.

    ومثل ذلك حق الزوجة العاملة: أن تظل في عملها، إذا اشترطت ذلك في العقد أو خارجه، وقَبِل ذلك الزوج، أو تزوجها وهي تعمل ولم يشترط عليها ترك العمل، وكان عُرف المجتمع إقرار المرأة العاملة على عملها بعد الزواج.



    بيوت السكنى ومتطلبات العمل

    وبيوت السكنى في الأزمان الماضية: غير بيوت السكنى في الزمن الحاضر، وقد كان يكفي في المسكن قديما: أن يكون فيه عدد من الحجرات تكفي لعدد من أفراد الأسرة، وأن يدخله الهواء والشمس، وأن يكون فيه أثاث محدد مناسب لذلك العصر.

    أما الآن فلا بد للمسكن الذي يوفره الزوج لامرأته، أو توفره الدولة لعاملها، أو المؤسسة للموظف لديها، أن يكون موصولا بشبكة الماء والكهرباء، وأن تكون فيه جملة من الأجهزة الأساسية التي تعرف الناس عليها، للشرب وللغسيل والتنظيف، وللطهي وللإطفاء ولتبريد وغيرها، وبدون هذا لا يكون المنزل ملائما ولا ملبيا لحاجات الناس المعاصرة.

    وقد تصبح السيارة في بعض البلدان أداة ضرورية لنقل الإنسان من موضع عمله إذا كان بعيدا، كما هو الشأن الآن في بعض المدن الكبيرة، ولم تتوافر الموصلات العامة الموصلة إليه بسهولة.

    وبعض الأعمال أمست اليوم تحتاج إلى شروط لم تكن تحتاج إليها في الزمن الفائت، مثل: حاجة المعلم إلى أن يكون مؤهلا تأهيلا تربويا – غير التأهيل العلمي- يستطيع به أن يوصِل ما عنده من علم إلى تلاميذه بطريقة سليمة ومشوقة، وهو ما تقوم به معاهد التربية المختلفة، التي تعد المدرسين المؤهَّلين في اختصاصاتهم، إعدادا تربويا خاصا يعينهم على القيام بأداء رسالتهم على أفضل وجه ممكن.



    شراء بيوت السُكنى في الغرب عن طريق البنوك

    ومن تغيّر حاجات الناس: ما لمسناه عند الأقليات المسلمة في أوربا وأمريكا وغيرها، من اشتداد الحاجة إلى سكن يملكه المسلم لنفسه ولأسرته، بدل السكن المستأجر، فالسكن المملوك يوفر له أشياء لا يوفرها السكن المستأجر، وهذه الأشياء هي في الحقيقة أمور يحتاج إليها الإنسان المعاصر، وخصوصا في البلاد الغربية.

    فهو في حاجة إلى مسكن يستقر فيه، ولا يتحكم فيه المالك ويهدده بالطرد إذا كثر فيه عدد الأولاد، وإلى سكن يرفع مستواه الاجتماعي حيث مستوى أصحاب البيوت المملوكة عادة أعلى من أصحاب البيوت المستأجرة: في الخدمات، وفي نظرة الناس، وتقديرهم الاجتماعي.

    وهم في حاجة إلى المزايا التي يتمتع بها أصحاب البيوت المشتراة، عن طريق البنك، باعتبارهم مدنيين، مثل إعفائهم من حد معين من الضرائب، واستحقاقهم لمعونات معينة إلى غير ذلك.

    لهذه الحاجات وغيرها: أفتى المجلس الأوربي للإفتاء بالأغلبية للأقلية الأوربية المسلمة بجواز شراء المسلم بيتا للسُكنى عن طريق البنك الربوي، وبذلك يجعل ما كان يدفعه أجرة شهرية للسكن باعتباره قسطا شهريا للسكن المبيع له بالأجل.

    وكان الاعتبار الشرعي للمجلس هو: تقدير حاجات المسلمين القوية، التي اعتبرها الفقهاء بمنزلة الضرورة، كما هي قاعدتهم المقررةSadالحاجة تنزل منزلة الضرورة خاصة كانت أو عامة)[3].



    طواف الحائض التي تخشى فوات الرفقة

    وفي مثل هذه الحالة أيضا ينبغي أن نراعي فيها تغيّر الحاجات، فقد باتت المرأة اليوم في حجها مرتبطة برفقة تصاحبهم في سفرها، هي ومن معها، سواء كان سفرها برا أم بحرا أم جوا، ولم تعد الأمور كما كانت سابقا، بمعنى أن يتحكم كل حاج في موعد سفره! وإنما أضحى للسفر مواعيد محددة بدقة، لا يستطيع الإنسان أن يتقدم أو يتأخر عنها، وخصوصا في موسم الحج. فلو لو فُرِض أنه تأخر الحيض عند المرأة ولم تطف طواف الإفاضة، وانتظرت أول يوم العيد والثاني والثالث ولم ينقطع الحيض، هنا يجوز لها أن تطوف وهي حائض بعد أن تتحفظ وتتحوط، ولا حرج عليها حتى قال الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم أنه لا يجب عليها شيء. فلنا أن نأخذ هنا بهذه الرخصة، ولا نشدد على المرأة ومن معها.

    هكذا نجد في عصرنا حاجات كثيرة، تستجد وتحدث دائما وعلى الفقيه أن يراعي هذه الحاجات المتجددة والمتغيرة في فتواه.

    -------------------

    [1] راجع القصة في منح الجليل شرح مختصر خليل / باب في البيع (9/ 369)، وانظر: شرح العلّامة زروق على الرسالة (ج2/ 424).

    [2] ورد هذا الحديث بأكثر من لفظ، وفي بعضها زيادة، وعن عدد من الصحابة منهم: أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك ورافع. أما اللفظ الأول: "المسلمون عند شروطهم" فرواه البخاري معلقا في الإجارة بصيغة الجزم، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع (2/57) عن عائشة، ورواه الدارقطني في السنن كتاب البيوع (3/27) عن عائشة، والطبراني في الكبير (4/275) عن رافع بن خديج، وذكره الألباني في الصحيحة (2915).

    وأما لفظ "المسلمون على شروطهم" فرواه الترمذي في الأحكام (1352) عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وقال: حسن صحيح، وأبو داود في الأقضية (3594) عن أبي هريرة، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع (2/57) وقال: رواة هذا الحديث مدنيون و لم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب، وله شاهد من حديث عائشة و أنس بن مالك رضي الله عنهما، وقال الذهبي: لم يصححه وكثير ضعفه النسائي ومشاه غيره. والطبراني في الكبير (17/22)، والدارقطني في السنن في البيوع (3/27) عن أبي هريرة وأنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6714).

    [3] انظر: كتابنا ( في فقه الأقليات المسلمة)/154- 188، ط دار الشروق القاهرة.

    ـــــــــــــ

    موقع القرضاوي/ 22-11-2007

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 26 مارس 2017 - 6:26