hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    منهجية التعامل مع السنة النبوية

    شاطر
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 19:04

    د. محمد سعيد حوى

    يواجه المسلمون تحديات هائلة ويثار في وجههم شبهات خطيرة, وليس آخرها هذه الاساءات لأعظم انسان في الوجود امام الانبياء محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء رحمة وسعادة وهداية.

    الكفر يريد لنا العنت والمشقة كما قال تعالى: "ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر".

    وهم كما قال تعالى: "إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون".

    وهم: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق".

    وبينما هذا شأن الكفر والكافرين كان شأن محمد صلى الله عليه وسلم ان جاء لأجل ان يخلص هذه الانسانية من كل عنت ومشقة, ليحقق لهم كل رحمة وهداية وسعادة.

    "واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون".

    وقال تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم".

    ومن هنا قد لا نستغرب ما يصدر عن بعض اهل الكفر من مواقف اما جهلاً واما عداءً او لحظة عند بعضهم للوقوف في وجه دعوة الاسلام.

    وفي المقابل فانا على يقين كامل ان كل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد فيه كل الخير وكل الحق وكل الرحمة والهداية والسعادة.

    وعليه, فاذا جاءك عن رسول الله امر قد ترى فيه ما ينافي هناء وسعادة الانسان والرحمة به فهو اما امر غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعاً او هو امر لم يفهمه الانسان على وجهه الصحيح او ان هذا الانسان وقع في اسر الهوى والشهوة والمصلحة الخاصة والانانية وبطبيعة الحال أي تكليف رباني لا بد فيه نوع جهد ومشقة والا لما سمي تكليفاً لكنه قطعاً مستطاع للانسان وفيه الخير كله فمن ذلك الصلاة او الزكاة او الحجاب او تحريم الربا.. الخ.

    ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل, يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم, فالذين آمنوا وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون (الأعراف / 157).

    ففي ضوء انوار هذه الآيات بيان لصفات رسول الله العليا كما في الكتب السماوية السابقة, ومن اهم خصائصه وصفاته يضع عنهم اصرهم..

    ويترتب على ذلك واجبات على هذا الانسان وحق لرسول الله وهو ان يؤمن بهذا الرسول وان يعزره وان ينصره ويتبع هذه الانوار كيف لا وهو مبشر به في الكتب السابقة وقد جاءكم بكل خير.

    ومن هنا, كان علينا واجبات عدة, كيف نتبع رسول الله؟ وكيف ننصره وكيف نؤمن به حقاً؟ هذه تساؤلات من المهم بمكان دقة الاجابة عنها, هذا من جهة.

    ومن جهة اخرى, اذا كان هذا الرسول العظيم قد جاء بكل خير ورحمة ومبشر به في الكتب السماوية السابقة فلماذا يقف هؤلاء المسيئون هذا الموقف السلبي بل العدواني الشديد تجاه رسول الله..

    لا شك ان هنالك اسباباً كثيرة عرفنا القرآن بجذورها واصولها. والذي يعنينا من كل هذه الاسباب ما يخص السنة النبوية:.

    ذلك ان هؤلاء المخالفين او المسيئين او بعضهم وعلى هذا سار بعض المستشرقين من قبل يحاولون دائماً ان يتصيدوا مما ينسب الى السنة والى رسول الله صلى الله عليه وسلم من احاديث ونصوص ليثيروا من خلالها الشبهات ويبرروا الاساءات ويؤجّجوا الصراع ويقنعوا الغرب ان هذا الدين انما هو دين قتل او اعتداء او ارهاب.

    انه دين لا ينصف المرأة ويمارس التمييز والتفرقة انه دين لا يمكن التعايش معه في انسانية واحدة..

    فبعض هؤلاء من المستشرقين او تلامذتهم يعمد الى بعض نصوص السنة يستغلها في تمرير مقولاته وعندما ننظر في تلك النصوص المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم مما يستغل في تلك الشبهات, نجدها فعلاً اما غير صحيحة ولا ثابتة واما محرفة او مجتزأة او منزوعة من سياقها او لم تفهم على وجهها.

    ثم نجد ايضاً من بعض ابناء الأمة الاسلامية من يذهب الى التمسك بآراء بعيدة عن سماحة هذا الدين وعن حقيقة ما مر معنا من صفة رسول الله وانه جاء رحمة وهداية ويتمسك بآراء يلحق فيها اشد العنت بالناس افراداً او جماعات ومن ثم تجده يسارع – ربما – الى تكفير الآخرين او تبديعهم او وصفهم بالفسق او يحملهم ما لا يطيقون.

    وهم اذا يفعلون ذلك ربما تجدهم يستندون الى نصوص منسوبة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وايضاً عندما تتأمل فيما يستندون اليه تجده اما غير ثابت حقيقة او فيه علة او خطأ خفي او ثمة مشكلة في الفهم او التعامل مع السنة.

    وفي المقابل, ايضاً نجد من يستغل هذه الظواهر من الاخطاء القاسية في التعامل مع السنة حتى ان بعض المشتغلين بالسنة لربما رووا لنا ما يخالف بعض مقتضيات العقل او التاريخ او الواقع.

    مما ادى بآخرين الى ان يقعوا في خطأ آخر لا يقل فداحة عما سبق وهو رفض السنة مطلقاً او المغالاة في تحكيم الرأي الشخصي والذاتي والاسراف في رفض كثير من النصوص بلا دليل علمي موضوعي في الرفض.

    اذن نحن امام مشكلات معقدة.

    فمن قوم يسيئون التعامل مع السنة, بحيث ينسب اليها ما ليس منها فيتهم النبي بشتى الاتهامات او يسيء الفهم لها او يحرف.. ويتخذها ستاراً للاساءة لرسول الله وللاساءة لصورة الاسلام..

    ومن قوم فرطوا في التعامل مع السنة النبوية باسم الحب لرسول الله وباسم اتباع السنة النبوية فلم يلتزموا بالضوابط العلمية المنهجية مما كان سبباً للآخرين ان يطعنوا بالسنة وبرسول الله..

    واوجد فريقاً ثالثاً ممن ينتسب للاسلام ان يذهب بعيداً في رفض السنة..

    اذن السؤال الكبير كيف نتعامل مع السنة النبوية تعاملاً صحيحاً شرعاً منضبطاً بالضوابط العلمية والمنهجية الدقيقة..

    اننا اذا فعلنا ذلك أي قدمنا المنهجية الدقيقة في التعامل مع السنة النبوية فاننا سنعالج تحديات خطيرة وننصر رسولنا صلى الله عليه وسلم اعظم نصر فلا يكون لمن يعادي او لمن هو من غير المسلمين حجة للطعن "لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا" ولا نسمح لمن كان من المسلمين رافعاً راية الاتباع لرسول الله – ونحسبه صادقاً بذلك – لا نسمح له ان ينسب من الاحكام والرؤى والاجتهادات ما يلحق عنتاً بالأمة او يفتح باباً للطعن كما نعالج هذا التطرف في رفض السنة النبوية..

    *قدمت بكل هذا لأؤكد اننا احوج ما نكون الى منهجية علمية دقيقة في التعامل مع السنة النبوية وليسمح لي القارئ الكريم ان اثير بين يديه بعض المشكلات الحقيقية التي تؤكد ضرورة ما قلت من دراسة منهجية للسنة النبوية من خلال ذكر بعض الامثلة.

    اولاً: احاديث يصححها بعض اهل العلم:.

    كلما قرأت ان احداً صححها او اعتمدها اضع يدي على قلبي اشفاقاً وخوفاً ويزداد المي وحسرتي كيف يمكن ان ينسب ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم:.

    1- ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث: (الوائدة والمؤودة في النار) رواه ابو داود رقم 4717) وبعد مناقشة له ذهب الشيخ الالباني الى صحته قائلاً "وبالجملة فالحديث صحيح لا شك فيه" (ينظر حاشية مشكاة المصابيح 1/40).

    وهنا يقف الانسان عجباً.. كيف تصحح هكذا نص وهو يخالف مقتضى القرآن ويجعل الظالم والمظلوم في حكم واحد.. بالاضافة لمخالفات شرعية كثيرة اذ كيف يعذب الصغير من مات قبل البلوغ وكيف يحاسب من كان في الفترة...

    فلو طبقنا القواعد العلمية الصحيحة الدقيقة لما كنا نذهب الى تصحيح الحديث ولما استغله الاعداء للطعن برسول الله..

    2- وهناك نماذج اخرى كثيرة من ذلك الحديث الذي ينسب لأبي هريرة عن رسول الله "ان آدم لما رأى ان عمر داود ستين سنة قال رب زده من عمري اربعين سنة فلما انقضى عمر آدم الا اربعين جاءه ملك الموت فقال آدم: اولم يبق من عمري اربعون سنة, قال اولم تعطها ابنك داود؟! فجحد آدم فجحدت ذريته.. ونسي آدم .. فنسيت ذريته..".. رواه الترمذي (3076 و2368).

    والحديث مروي من اكثر من طريق وبألفاظ بينها اختلاف ولم يخل طريق من نقد وضعف ومع ذلك وجدنا من صححه او حسنه (ينظر المشكاة 142).

    وهنا تعجب كيف يصح لأحد في الوجود ان يعلم كم عمره او عمر غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم اجله على التحديد.. سوى اقتراب اجله.. ولماذا داود بالذات.. وفي الحديث امور اخرى تحتاج الى دراسة..

    فهلا طبقنا قواعد النقد الحديثي الدقيق ومنهجية علمية سليمة في التعامل مع السنة فندفع عن سنة رسول الله مثل هذه الاوهام..

    وسنورد نماذج كثيرة في مكانها..

    ثانياً: وفي المقابل رأيت من يرد كل احاديث الدجال او احاديث عذاب القبر لمجرد انه لم يقنع بها واخذ يطعن بصحيح البخاري ومسلم وفق هواه..

    نعم هناك في تلك الروايات ما لا يصح لكن لا بد من دراسة علمية دقيقة منصفة..


    القاعدة الاولى: حجية السنة النبوية:.

    من بدهيات العلم واولوياته تقرير مبدأ حجية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي انها سنة ملزمة حجة في ذاتها واجبة الاتباع.

    ومع ذلك, فنحن بحاجة ان نقرر ذلك ابتداءً لانه مما يؤسف له اننا نقع – ونحن نتحدث عن منهج التعامل مع السنة – بين تيارات.

    فمن قائل ان السنة ليست بحجة ولا ملزمة ومن قائل انها حجة لكنك تجده يشكك في كل شيء بلا حجة ولا برهان.

    ومن مدع انه لا يلزمنا من سنة رسول الله الا ما كان متواتراً وما عدا ذلك انما هي ارشادات غير ملزمة.

    وفي الوقت نفسه, نجد انفسنا امام آخرين امام مبدأ حجية السنة تجدهم يندفعون بقبول أي حديث نسب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تحر دقيق واف. واذا ما قام باحث ليدقق ويحرر وينقح وينصح اتهم انه معادٍ للسنة النبوية او اتهم بالانكار او الابتداع..

    لهذا كله كان لا بد من تقرير مبدأ حجية السنة والتصرف الى مكانتها ووجوب العمل بها رداً لمزاعم من يتهم الباحثين الراغبين في التحقيق بالانكار ورداً لمزاعم الرادين للعمل بالسنة تحت دعاوى التشكيك او غير ذلك.

    عندما نواجه بعض الرافضين للاخذ بالسنة بالادلة يبادرون الى التشكيك بما رواه ائمة الهدى من علماء الحديث متجاهلين الجهود العظيمة التي بذلها علماؤنا في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وروايته ونقده, وتمييز صحيحه من سقيمه, والوقوف على خفايا العلل فيه مما يمكن ان يكون بعض الرواة الثقات قد اخطأ فيه, فضلاً عن كشف ما اخطأ فيه, فضلاً عن كشف ما اخطأ فيه عامة الرواة.

    ومن يقف على علوم الحديث ونقده, يدرك انه امام علم متكامل في النقد التاريخي للنصوص تفردت به الامة الاسلامية.

    ولا نتفاجأ بمواقف هؤلاء المغرضين او المنكرين او المشككين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبرنا عنهم فقد روى الترمذي عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني, وهو متكئ على اريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله, فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه, وما وجدنا فيه حراماً حرمناه, وان ما حرم رسول الله كما حرم الله" (سنن الترمذي 5/38) كتاب العلم.

    وروى نحوه ابو داود (4/200) في كتاب السنة بلفظ:.

    الا واني اوتيت الكتاب ومثله معه, الا يوشك رجل شبعان على اريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتموه فيه من حلال فأحلوه, وما وجدتم فيه من حرام فحرموه, وان ما حرم رسول الله كما حرم الله".

    ولك ان تقف مع بعض الفاظ الحديث وهو يصور حال اولئك الرافضين لسنة رسول الله, انه انسان مترف, ملأت الدنيا قلبه, يتكلم بلا مسؤولية, يلقي الكلام على عواهنه, مع ما في نفسه من كبر واستعلاء وجهل في آن معاً, يصور ذلك كله قوله صلى الله عليه وسلم: "رجل شبعان متكئ على اريكيته".

    ويأتي الرد النبوي على رافضي سنته من وجوه بأبلغ ما يكون, اذ يبين انه صلى الله عليه وسلم:.

    1- اوتي الكتاب ومثله معه.

    2- ان ما حرم رسول الله كما حرم الله.

    وتفصيل ذلك:.

    ان القرآن الذي تدعي ايها المُنكر للسنة الاخذ به هو الذي يأمرنا بالأخذ بكل ما جاء وثبت عن رسول الله في آيات كثيرة:.

    "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا", "واطيعوا الله واطيعوا الرسول", "وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحي", "من يطع الرسول فقد اطاع الله", "قل ان تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم".

    وكما ان القرآن امر بطاعة النبي, بين ان النبي مبين لما في الكتاب, قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون", "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون".

    وعليه, فلو اردت ان تطبق القرآن في امر الصلاة او الزكاة او الصوم او الحج او المعاملات وغير ذلك من مسائل الزواج او الطلاق.. فكيف يمكننا ذلك من غير السنة, فجاءت آيات القرآن لتبين تلك الحقائق وتقول لمن يزعم انه يؤمن بالقرآن: ان القرآن يقول لك ان بياني عند رسول الله.

    علاقة السنة بالقرآن:.

    ومن ثم بين العلماء علاقة السنة بالقرآن ومكانتها من وجوه:.

    فهي تفصل المجمل كتفصيل امر الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم:.

    "صلوا كما رأيتموني أصلي".

    وهي تفيد المطلق, فالله تعالى يقول: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.." وجاءت السنة لتبين ان القطع يكون من الرسغ وليس لكل اليد.

    والسنة تخصيص العام, فالله تعالى يقول: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون".

    فقال الصحابة أينا لم يظلم نفسه.. فقال صلى الله عليه وسلم ليس ذلك إنما هو الشرك, الم تسمعوا إلى قوله تعالى: "إن الشرك لظلم عظيم".

    وكما ان السنة قد تؤكد احكاماً فانها ربما قررت احكاماً سكت عنها القرآن, وانما دل عليها القرآن ان اجمالاً او اشارة او احالة بأن احالنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك:.

    ذكر الدجال (بقطع النظر عن صحة بعض التفاصيل) وتفاصيل الوضوء والصلاة, وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها او خالتها.

    والخلاصة انك لن تكون صحيح الاخذ بكتاب الله سليم الايمان به الا ان تؤمن بالسنة الصحيحة الثابتة.

    نعم, لقد نقل الينا القرآن متواتراً كله, برواية جمع عظيم عن جمع عظيم يستحيل تواطؤهم على الكذب, بينما نقلت السنة في معظمها بما يعرف برواية الآحاد, لكن العلماء وضعوا القواعد المتينة لتمييز ما صح وما لم يصح.

    ومن هنا, قلنا انه لا بد من تبين هذه القواعد ومعرفتها وتطبيقها بدقة متناهية, فليس كل من نسب الى رسول الله حديثاً قبلناه, كما انه ليس لنا ان نطعن بمصداقية السنة لمجرد الهوى او الرأي الخاص.. او لما تراه يتفق مع فهمك لنص ما.

    فاذا ما جاءنا عن رسول الله نص ما اخضعناه لموازين النقد الحديثي الدقيق متناً وسنداً.

    اما سنداً فبالقواعد الحديثية المعلومة في مظانها واما متناً فمن خلال محاكمة النص الى المعلوم من كتاب الله والثابت من سنته صلى الله عليه وسلم والمقرر من قطعيات الشريعة وقواعدها.

    فالنقد للمتن لا يكون لمجرد الرأي والهوى والتفكير الذاتي للانسان, وانما يكون لدلالات الشريعة وقواعدها.

    وهنا نقول قد يقع الاخذ والرد في مثل هذه القضايا وتتباين وجهات النظر فلا بد ان يبقى لدينا متسع في القلوب للحوار والاجتهاد والنظر مع التأكيد على امرين اثنين.

    1- ضرورة ان لا يتكلم في امر السنة الا ذو اختصاص علمي دقيق جمع الى علم الشريعة وقواعدها ونقهها علم النقد الحديثي.

    2- ان يكون متجرداً عن الهوى متقياً لله ناصحاً لله ولرسوله ولأئمة المسلمين.



    نموذج لنقد المتن الشرعي:.

    واود ان اضع بين يدي القارئ الكريم انموذجاً لنقد المتن في اطار من الضوابط الشرعية مقدماً بايجاز وجهة نظر من يرد الحديث ومن يدافع عنه, وكيف ان الامر في احيان كثيرة قابل للاجتهاد والنظر من اهله, وهذا لا يضير مع التحري وتقوى الله:.

    حدث البخاري في كتاب الانبياء رقم 3226 باسناده عن ابي هريرة قال رسول الله: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكه (ففقأ عينه, كما في بعض الروايات) فرجع (الملَك) إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت, قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور, فله بما غطت يده بكل شعرة سنة (فلما رجع الملك إلى موسى) قال موسى: أي رب ثم ماذا قال الموت, قال فالآن...).

    هذا الحديث في نظر البخاري وجماهير العلماء صحيح وينتقده بعض اهل العلم يرون ان ذلك مما حمله ابو هريرة عن اهل الكتاب ونسب خطأ لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسبب النقد:.

    1- هل يتأخر أجل الانسان.

    2-هل جاء الملك قبل وقته؟ وكيف يأتي قبل وقته.

    3-هل يسلط الانسان على الملك.

    4-هل للملك عين تفقأ.

    5-هل يستأذن احد بالموت.

    6-هل يصح ان يرفض موسى وهو النبي العظيم لقاء الله.

    تساؤلات كثيرة جعلتهم يقولون اذن هذا مما رواه ابو هريرة عن بعض اهل الكتاب ونسب خطأ لرسول الله وخاصة ان الحديث روي من طريق طاووس عن ابي هريرة من قوله كما في احد روايات البخاري بينما روي من طريق همام عن ابي هريرة, من قول رسول الله.

    اذن وبالرغم من وجود هذا الحديث في صحيح البخاري فقد تعرض للنقد سنداً ومتناً ويجيب من يراه صحيحا.

    ان من رواه مرفوعاً ثقة ثبت مقبول الرواية وان المقصود من القصة اخذ العبرة وان الموت حتم مهما طالت حياة الانسان عندها يستوي العام والألف عام وان الله جعل الملك يأتي على صورة انسان وان موسى سلط على الصورة الانسية لا على الحقيقة الملكية, وهكذا ترى ان ميدان النقد متاح ما دام في اطار من الضوابط الشرعية الدقيقة والتجرد العلمي والأدب الشرعي.

    ومع ذلك, فهذا لا يسمح لنا ان نطعن بصحيح البخاري جملة وان وجد بعض النقد لبعض الروايات.

    كما لا يسمح لنا ان نشكك بسنة رسول الله اذ بعد تقرير مبدأ حجية السنة نؤكد انه لا بد من دقة التحري والبحث فلا نرد بلا دليل ولا نطعن بل مرجعية علمية, كما لا نقبل بلا بصيرة ويبقى الاساس هو النصح لله ولرسوله

    القاعدة الثانية:.

    وجوب التحري الدقيق في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:.

    اذ تقرر فيما سبق وجوب الاخذ بالسنة وثبوت حجيتها فلا بد من التأكيد هنا انه لا بد من التحري الدقيق الشديد والبحث المتقن فيما يقبل من الرواية وينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لقد شُغف اناس بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة في الاكثار من الغرائب وحرصوا في ظنهم – حباً لرسول الله ونشراً لسنته على تصحيح كثير من الروايات بمناهج تتسم بالترقيع او التساهل او الاغضاء عن بعض مكامن الخلل في الرواية – فغفلوا بذلك عما هو اهم واوجب وهو عدم جواز نسبة كلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم نتحقق منه بما يشبه اليقين وفق قواعد النقد الحديثي الدقيق.

    لقد ظن بعضهم ان كثرة الرواية والاكثار من تصحيح الحديث خير للسنة وللأمة, حتى وجدنا بعض اهل العلم اذا ناقش حديثاً مشكلاً ثم ترجح لديه صحته بناء على منهج الترقيع يقول بعد ذلك صح الحديث والحمد لله فنقول لهؤلاء ليس المهم الاكثار مما ينسب لرسول الله بل ماذا ينسب وماذا ثبت حقاً.

    بل القليل الثابت حقاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل به ويطبق بدقة خير من كثير فيه دخن او خلل ولعل الامامين البخاري ومسلم واجها مثل هذه المشكلة – الرغبة في الاكثار من الرواية – فقاما بجهدهما العظيم فانتقيا من الاف الروايات عدداً محدوداً جداً (بلغ عند البخاري 2600 حديث) وعن مسلم (3033) حديثاً واتفقا على 1906) احاديث.

    والامام مسلم نص على هذه القضية صراحة في مقدمة صحيحه اذ يقول:.

    "ضبط القليل من هذا الشأن واتقانه, ايسر على المرء من معالجة الكثير منه, ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام.. فالقصد منه الى الصحيح القليل اولى بهم من ازدياد السقيم.." صحيح مسلم 1/4.

    نعم لم يقصد الشيخان الى حصر الصحيح لكن قدما انموذجاً متقدماً في وجوب التحري وشدة الانتقاء وان الامر ليس بالكثرة.

    انه اذن لا بد من التحري والتدقيق في الرواية فلا يقبل الا حديث صحيح صحيح, سلم من كل شذوذ او علة او خطأ ظاهر او خفي في الرواية, وتحقق في جميع رواته صفات الوثاقة (الضبط التام والعدالة) ولم يطرأ أي خلل في الاتصال وهذه قضايا دقيقة في علم نقد الحديث النبوي يدركها اهل الاختصاص.



    النبي صلى الله عليه وسلم يحذر.

    لقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نحدث عنه الا بما نعلم صحته واكد ذلك صلى الله عليه وسلم في جملة من النصوص ومن ذلك:.

    1- عن المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان كذباً عليّ ليس ككذب على احد, فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".. مسلم رقم 4.

    2- وعن ابي هريرة وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"كفى بالمرء كذباً ان يحدث بكل ما سمع".

    ولذا, قال الامام مالك رحمه الله: "اعلم انه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع, ولا يكون اماماً ابداً وهو يحدث بكل ما سمع" (مقدمة صحيح مسلم 1/11).

    ومثله عن الامام عبدالرحمن بن مهدي اذ يقول: "لا يكون الرجل اماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما يسمع" (السابق 1/11).

    فاذا كان هذا الحذر مطلوباً في عامة القول والكلام, فكيف اذا كان الامر متعلقاً بما ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فلا شك ان الحذر اشد.

    ولذا وجدنا العلماء السابقين شديدي الحذر فيما يروون حتى اذا شك احدهم في حديث ترك روايته ومن امثلة ذلك ما رواه الاوزاعي اذ قال في حق حديث النهي عن صيام يوم السبت: "ما زلت كاتما له حتى انتشر" أي انه كان لا يراه صحيحا فامتنع عن روايته.

    4- وعن علي رضي الله عنه قال سمعت النبي يخطب فقال" "لا تكذبوا علي فانه من يكذب علي يلجّ النار" اخرجه البخاري ومسلم.

    وقد يقول قائل ان كثيرين لا يقصدون الكذب على رسول الله ولكن يظنون ثبوت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول ان مجرد الظن لا يغني من الحق شيئا.

    الا ترى الى قوله تعالى "وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً: النجم 28 نعم, اتفق العلماء ان غلبة الظن مع السلامة من أي نقد او خلل او دليل على الخطأ يكفي لقبول رواية الراوي ومن ثم قبلوا رواية الاحاد.

    لكن المشكلة اننا وان قبلنا رواية الاحاد نلاحظ في كثير من الاحايين تساهلا او تجاوزا او اغضاء عن بعض قواعد النقد مما يجعلنا واقعين في حيز الظن المحذر منه, حتى لو لم نرد ذلك فلئن نخطئ في رد حديث عن رسول الله خير من ان نقبل حديثا فيه شك او ظن او خلل ما.

    لقد استشعر اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة الامر

    قال الامام البغوي: كره قوم من الصحابة والتابعين اكثار الحديث عن النبي خوفا من الزيادة والنقصان والغلط فيه. حتى ان من التابعين من كان يهاب المرفوع, فيوقفه على الصحابي, ويقول: الكذب عليه اهون من الكذب على رسول الله ومنهم من يسند الحديث حتى اذا بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم (سكت عن ذكر اسم رسول الله) ومنهم من يقول: يرفعه... وكل ذلك هيبة للحديث عن رسول الله وخوفا من الوعيد (شرح السنة 1/255).

    ولنا عودة الى موضوع تحري الصحابة.

    للحديث عن رسول الله نور لا تخطؤه عين العلماء المحققون:.

    وفي سياق تحذير النبي صلى الله عليه وسلم ان ينسب له ما لم يقل روى الامام احمد (3/497) عن ابي حميد وابي اسيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "اذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له اشعاركم وابشاركم, وترون انه منكم قريب, فأنا اولاكم به, واذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم, وتنفر اشعاركم وابشاركم منه, وترون انه منكم بعيد فأنا ابعدكم منه" قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/149): رجاله رجال الصحيح.



    كيف نفهم هذا الحديث:.

    وهنا لا بد من وقفة مهمة, اذ لا ينبغي ان يفهم من هذا الحديث ان نقد الحديث يعود لمجرد الذوق او المشاعر الخاصة او لمجرد الرأي بل بين العماء قواعد دقيقة لنقد الحديث تقوم على اسس علمية وضوابط شرعية متينة. الا ان مما يشير اليه الحديث انه لا يصدر عن رسول الله الا كل حق وخير, تألفه القلوب المؤمنة ويأتي متسقاً مؤتلفاً مع كتاب الله سبحانه فاذا بلغنا عن رسول الله قول ووجدناه مخالفاً لما عُرف شرعاً او مخالفاً للنصوص الثابتة وعندها لن تقبله القلوب المؤمنة العارفة بالله وشرعه, فان ذلك مما يكون دليلاً على ان هذا القول لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجوب التحري منهج قرآني رباني:.

    وبعد ان اوردت ما سبق من توجيهات نبوية في وجوب التحري في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم فانما بدأت به لأنها تحدثت عن حديثه صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص.

    والا فان وجوب التحري في كل شيء هو منهج قرآني وامر رباني.

    ومن هنا, كان قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" الحجرات.

    وكذا قوله تعالى "ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" الاسراء.

    فاذا كان هذا هو الواجب الدائم في كل شأن الانسان, فكيف اذا كان الامر متعلقاً فيما ينسب الى رسول الله.

    لقد كان من توجيهات القرآن: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ان بعض الظن اثم" الحجرات.

    فاذا كان بعض الظن اثم يجعلك تجتنب كل الظن في علاقاتك الخلقية والمسلكية مع عامة الخلق فان هذا يؤسس لقضية الحذر الشديد في التعامل مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ان ننسب له ما لم يقله بدقة, ولقد ضرب الصحابة النموذج الاروع والارقى في دقة وشدة التحري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم,

    القاعدة الثالثة:.

    منهج الصحابة في التحري قائم على اساس نقد المتن وهم اشد الناس تحريا وحذرا.

    مر معنا من قبل الحديث عن وجوب التحري الشديد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد طبق الصحافة ذلك عمليا وبشكل دقيق وواضح حتى شددوا في امر الرواية ودعوا الى الاقلال منها ووجهوا جهدهم الاكبر نحو القرآن.

    روى الدارمي والحاكم عن قرظة بن كعب، قال: بعثنا عمر بن الخطاب الى الكوفة وشيعنا فمشى معنا ثم قال: إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقلوا الرواية عن رسول الله، ثم انا شريككم.

    وفي لفظ آخر: فلا تصدوهم بالاحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن واقلوا الرواية عن رسول الله" سند الدارمي 1/85 ومستدرك الحاكم1/102 وصححه ولم ينتقده الذهبي.

    وروى مسلم عن مجاهد رحمه الله قال: جاء بشير العدوي الى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله.. قال رسول الله.. فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر اليه، فقال بشير: يا ابن عباس مالي لا اراك تسمع لحديثي، احدثك عن رسول الله, ولا تسمع، فقال ابن عباس: انا كنا اذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله: ابتدرته ابصارنا واصغينا اليه بأسماعنا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس الا ما نعرف" اخرجه مسلم (1/13).



    نماذج من تحري الصحابة ونقدهم.

    ولئن كان هذا موقف الصحابة نظريا فلنر أثر ذلك عملياً.

    فمن ذلك: 1- حديث فاطمة بنت قيس: ان رسول الله لم يجعل لها سكن ولا نفقة.. فقال عمر بن الخطاب: "لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت او نسيت، لها السكن والنفقة، قال الله عز وجل: ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة" اخرجه مسلم رقم (2719).

    فههنا نجد عمر رد ما نسبته هذه الصحابية لرسول الله بدلالة القرآن.

    ولا سند ثمة ينقد مبينا ان سبب الرد ما ثبت عن الله ورسوله، ومن ثم الانسان يمكن ان يخطأ وليس معصوما.. وفي قوله: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا" تأكيد على حجية السنة، وانه انما رد هذا الحديث لما يراه مخالفا لكتاب الله والسنة ذاتها.

    2- السيدة عائشة تسمع عمر وابنه يحدثان عن رسول الله: "إن الميت ليعذب ببكاء اهله" فقالت رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ان الله ليعذب المؤمن ببكاء اهله، ولكن رسول الله قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه.. وقرأت قوله تعالى :"ولا تزر وازرة وزر أخرى".

    أخرجه البخاري (3681) ومسلم (2548).

    3- ومن ذلك لما بلغ السيدة عائشة انهم يرون عن رسول الله "يقطع صلاة المرأة والحمار والكلب الأسود، قالت: اعدلتمونا بالكلب والحمار؟! لقد رأيتني مضطجعة على السرير فيجيء النبي فيتوسط السرير فيصلي..".

    أخرجه البخاري بألفاظ رقم (382) و(508

    القاعدة الرابعة:

    القرآن قاضٍ على ما سواه والسنة تبع للقرآن في كل شيء وان كانت تستقل ببعض الأحكام:.

    يتداول بعض اهل العلم عبارة مفادها: "السنة تقضي على الكتاب ولا يقضي الكتاب على السنة" وتنسب لبعض التابعين منهم: مكحول الدمشقي كما تنسب للامام احمد بن حنبل ونسبها بعضهم لابن عباس (ينظر: ارشاد الفحول, للشوكاني (1/337) والبحر المحيط للزركشي (4/212) وينظر مسند احمد (5/130).

    وهذه العبارة بظاهرة تصدم عقل وقلب المسلم فهي مشكلة موهمة ملبسة اذ كيف يمكن ان يتقدم على القرآن شيء.

    نعم ان القرآن والسنة كل وحي من الله "وما ينطق عن الهوى, ان هو الا وحي يوحى", "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه".

    لكن من ينكر ان القرآن قطعي الثبوت وان السنة في معظمها الا النادر ظنية الثبوت, ومن ثم امكان خطأ الرواة فيما ينسبون الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائم تماماً.

    لقد حاول بعض اهل العلم ان يفسر تلك العبارة الموهمة تفسيراً يجعلها مقبولة فقالوا: أي ان السنة تخصص الكتاب وتبين مجمله وتفصيله, كما بين لنا رسول الله من اين تقطع يد السارق او كما فصل في احكام الصلاة والزكاة ينظر المصادر السابقة ومناهل العرفان 1/208.

    ولكنني اعتقد ان العبارة غير سليمة ولا ينبغي لنا ان ندافع عنها, انه لا ينكر احد حجية السنة ولا يُنكر ان السنة مبينة للكتاب وانها قد تستقل ببعض الاحكام, وهذا لا يجعلها قاضية على الكتاب بل نقول:.

    الكتاب والسنة كل وحي من الله فلا يتعارضان ولا يتناقضان وان تستقل السنة الصحيحة بحكم او ان تفصل مجملاً فهذا ليس من المتعارض.

    لذا نجد كل علماء الأمة يؤكد على الكتاب والسنة معاً قال الامام الشافعي:.

    "واعلم ان من تعلم القرآن جلّ في اعين الناس, ومن تعلم الحديث, قويت حجته, ومن تعلم النحو هيب ومن تعلم العربية رق طبعه ومن تعلم الفقه نبل قدره" انظر مناقب الشافعي للأمام ابن الاثير ص 139.

    لكن الاشكال لو كان هناك تعارض حسب الظاهر بين القرآن والسنة مع التأكيد ان التعارض الحقيقي بين القرآن والسنة الثابتة قطعاً لا يمكن ان يوجد اذ لا يتعارض الوحيان.

    اننا لو رجعنا الى منهج الصحابة المستفاد من رسول الله نجدهم يؤكدون ان القرآن هو الأصل واليه المرجع وهو الذي يقضي على ما سواه, وبه وحدة الامة وبه يرفع الخلاف, وان الناس ربما نسبوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله خطأ او غفلة او عمداً بينما يستحيل ان يستطيع احد ان يدخل في كتاب الله او ان يحرف او يغير.

    فهذا مالك بن عبادة الغافقي سمع عقبة بن عامر يحدث على المنبر عن رسول الله احاديث فقال: مالك بن عبادة: ان صاحبكم هذا الحافظ او هالك (اشارة الى شدة خطورة الحديث عن رسول الله وضرورة الحذر) ثم قال مالك بن عبادة كان آخر ما عهد الينا رسول الله ان قال: عليكم بكتاب الله, فانكم سترجعون الى قوم يشتهون الحديث عني, فمن عقل شيئاً فليحدث به ومن قال علي ما لم اقل فليتبوأ مقعداً من النار, ومن حفظ عني شيئاً فليحدثه".

    اخرجه ابو عبيد في فضائل القرآن ص 16 واحمد بن حنبل في المسند 4/334 وسنده صحيح.

    فهنا نلاحظ بوضوح ان النبي رد الأمة الى كتاب الله فهو الأصل, وشدد في الرواية عنه خوف الخطأ.

    ثم لماذا يصر النبي (صلى الله عليه وسلم) ان لا يكتب عنه شيء فقال بينما اخرجه مسلم بسنده عن ابي سعيد الخدري "لا تكتبوا عني شيئاً الا القرآن, فمن كتب عني غير القرآن فليمحه, وحدثوا عني ولا حرج.." صحيح مسلم.

    اذن اراد النبي ان يجعل مرجع المسلمين الذي يجمعهم ويوحدهم ويقضي على ما سواه ولا يقضي عليه شيء هو القرآن.

    فلم يسمح بتدوين السنة ابتداء, ولعل لذلك حكماً كثيرة, اضافة الى التأكيد على ان القرآن هو الأصل الجامع والقول الفصل, بيان ان الناس قد يخطئون على رسول الله وتحرير كل ما كتب كل انسان مستحيل, فلا يريد ان يدعي احد ان ما كتبه عن رسول الله حجة مطلقة, بل يريد ان تبقى السنة ظنية الثبوت ليبقى مجال الاجتهاد قائماً, ويبقى القرآن هو الكتاب الخالد الجامع الحكم الفصل.

    ويؤيد هذا فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى في حضرة رسول الله فعندما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في لحظات وداع الأمة وقد اجتمع عنده الصحابة ماذا قال لهم؟.

    لقد قال (صلى الله عليه وسلم) : "هلم اكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده" فقال عمر: ان رسول الله غلب عليه الوجع, وعندكم القرآن, حسبنا كتاب الله", واختلف الناس فأمرهم رسول الله ان يقوموا عنه "ينظر البخاري رقم 4432 ومسلم 1637".

    وللأسف بعض الناس يطعن في عمر بسبب هذا الموقف ولا يتنبهون الى ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد اقر عمر ضمناً على موقفه والا فلو كان الامر حتماً وعزيمة من رسول الله لما قبل موقف عمر ولزجره وانتهى الأمر.

    والشاهد في النص قول عمر بحضرة النبي (صلى الله عليه وسلم) "عندكم القرآن, حسبنا كتاب الله" أي فمهما وجد اختلاف او نزاع فالمرجع والحكم الفصل والقضاء لكتاب الله.

    وهذا الفقه العمري في التأكيد على مرجعية القرآن العظيم الاصل الجامع والقاضي على ما سواه, ما رواه عبدالرزاق في المصنف (20484) بسند صحيح الى عروة بن الزبير قال: اراد عمر بن الخطاب ان يكتب السنن, فاستشار اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك, فاشاروا عليه ان يكتبها, فطفق يستخير الله فيها شهراً, ثم اصبح يوماً وقد عزم الله له, فقال اني كنت اريد ان اكتب السنن, واني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله, واني والله لا البس كتاب الله بشيء ابداً" والحديث صحيح عن عروة وعروة وان لم يدرك عمر فقد ولد في اوائل خلافة عثمان, لكنه من اعلم اهل المدينة في عصره وهو يحدثنا عن امر اشتهر عن عمر وصدقه الواقع والتاريخ اذ لم يكن تدوين رسمي للسنة الا في عهد عمر بن عبدالعزيز.

    وهنا نلحظ هذا الفقه وذاك الأفق وبعد النظر عند عمر كأنه يقول: الدستور الخالد الذي يسع الزمان والمكان وكل المستجدات والذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه, والذي علينا ان نزيد حرصاً في فهمه والتفقه به والعمل بكل ما فيه ونصونه من أي مخالفة انما هو كتاب الله. وقطعاً لا يعني هذا عدم العمل بالسنة, او التقليل من شأنها او ردها حاشا لله ثم معاذ الله.

    ولكن واضح ان السنة لم توثق كما وثق القرآن فقد يدعي المدعون بعد ذلك ما لم يثبت, او ان السنة ربما جاءت لتحاكم وقائع خاصة او تجيب عن مشكلة محددة وليس لتكون حكماً عاماً لكل ظرف كما هو واضح من بعض اجابات رسول الله كحكمه لمن وقع على اهله في رمضان فقال: "تصدق به على نفسك".

    لقد كان عمر رضي الله عنه فقهاً منه في جعل القرآن هو الأصل والدستور الجامع القاضي على ما سواه يدعو الى التقليل من الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حذراً وهيبة ان يتقوّل عليه وتأكيداً على مرجعية القرآن.

    ولهذا المعنى دعا عمر وعائشة وغيرهم ابا هريرة ان يقلل من الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما حمل ابا هريرة ان يرد على ذلك قائلا: "يقولون ان ابا هريرة قد اكثر, والله الموعد, ويقولون ما بال المهاجرين والانصار لا يتحدثون مثل احاديثه, ثم يبين عذره في ذلك ودعاء رسول الله له بالحفظ" انظر البخاري رقم 118 ومسلم 2492.

    والشاهد رغبة الصحابة بالاقلال من الرواية حذراً من جهة وتأكيداً على القرآن من جهة اخرى.

    ويؤكد على هذا ما سبق نقله عن عمر "انكم تأتون قوماً لهم ازيز بالقرآن فلا تصدوهم بالأحاديث او لا تشغلوهم".

    ومرة اخرى نؤكد ان السنة وحي كما القرآن, ولو كنت جالساً بحضرة النبي (صلى الله عليه وسلم) واسمع منه مباشرة لم يجز لي ان اتردد بالسمع والطاعة والقبول والخضوع فلا فرق بين الوحيين من حيث وجوب الطاعة والامتثال والعمل والحجية.

    انما الأمر متعلق بكيفية ورود السنة لنا اذ هي ظنية في معظمها ثبوتاً وقد يحيط بها ما يجعلها متعلقة بواقعة او حكماً خاصاً ومن ثم فالسنة لا يمكن ان تعارض كتاب الله ولا يجوز ان يقال تقدم السنة على كتاب الله اذ لا تعارض اصلاً فاذا وجد هذا التعارض فقطعاً القرآن هو المقدم اذ هو القطعي الذي تكفل الله بحفظه كاملاً, ثم ان طبيعة القرآن من حيث اعجازه هو الذي يسع الزمان والمكان والمستجدات ويوحد الأمة ومن ثم ابقى النبي صلى الله عليه وسلم السنة من غير تدوين ليبقى باب الاجتهاد واسعاً في هذا الميدان توسعة وتيسيراً على الناس.

    فالقرآن فرض الحجاب على المرأة دون تفصيل كيفيته وهذا يوسع على الناس من خلال النظر فيما ورد في السنة فيما صح او لم يصح فتقع التوسعة.

    والقرآن اجمل فرائض الوضوء ونواقضه, وجاءت امور اخرى في السنة تحتمل الاجتهاد والتصحيح والتضعيف فيقع التيسير.

    ان اصول الاحاديث الصحيحة التي اليها المرجع في الأحكام قليلة جداً.

    فهذا الامام الشافعي يسأل كم اصول الاحكام فقال: خمسمائة فقيل له كم اصول السنن فقال خمسمائة (مثاقب الشافعي لأبن كثير ص 181), اذن احاديث لأحكام بفرائضها وسننها التي هي حجة واصل لا تتجاوز بنظر الشافعي الف حديث.

    ان مشكلتنا اليوم مع قوم يريدون تجاوز كتاب الله او نسيانه او عدم التفقه به, او انهم لا يحسنون فهم كتاب الله, ويتساهلون في التصحيح والتضعيف والنقد باسم الانتصار للسنة فيثقلون كاهل السنة وكاهل الأمة خلاف مراد الله ومراد رسوله, ومن ثم ونحن نؤكد حجية السنة الثابتة, لا بد ان نؤكد على قاعدتين اخريين اضافة لكل ما ذكر سنتحدث عنهما ان شاء الله:.

    الاولى: لا تحدث بكل ما سمعنا عن رسول الله.

    الثانية: حسن فهم السنة على ضوء القرآن كما يفهم القرآن على ضوء السنة.



    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 19:08

    لم يسمح النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين السنة ابتداء, ولعل لذلك حكماً كثيرة, اضافة الى التأكيد على ان القرآن هو الأصل الجامع والقول الفصل, بيان ان الناس قد يخطئون على رسول الله وتحرير كل ما كتب كل انسان مستحيل, فلا يريد ان يدعي احد ان ما كتبه عن رسول الله حجة مطلقة, بل يريد ان تبقى السنة ظنية الثبوت ليبقى مجال الاجتهاد قائماً, ويبقى القرآن هو الكتاب الخالد الجامع الحكم الفصل.

    ويؤيد هذا فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى في حضرة رسول الله فعندما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في لحظات وداع الأمة وقد اجتمع عنده الصحابة ماذا قال لهم؟.

    لقد قال (صلى الله عليه وسلم) : "هلم اكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده" فقال عمر: ان رسول الله غلب عليه الوجع, وعندكم القرآن, حسبنا كتاب الله", واختلف الناس فأمرهم رسول الله ان يقوموا عنه "ينظر البخاري رقم 4432 ومسلم 1637".

    وللأسف بعض الناس يطعن في عمر بسبب هذا الموقف ولا يتنبهون الى ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد اقر عمر ضمناً على موقفه والا فلو كان الامر حتماً وعزيمة من رسول الله لما قبل موقف عمر ولزجره وانتهى الأمر.

    والشاهد في النص قول عمر بحضرة النبي (صلى الله عليه وسلم) "عندكم القرآن, حسبنا كتاب الله" أي فمهما وجد اختلاف او نزاع فالمرجع والحكم الفصل والقضاء لكتاب الله.

    وهذا الفقه العمري في التأكيد على مرجعية القرآن العظيم الاصل الجامع والقاضي على ما سواه, ما رواه عبدالرزاق في المصنف (20484) بسند صحيح الى عروة بن الزبير قال: اراد عمر بن الخطاب ان يكتب السنن, فاستشار اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك, فاشاروا عليه ان يكتبها, فطفق يستخير الله فيها شهراً, ثم اصبح يوماً وقد عزم الله له, فقال اني كنت اريد ان اكتب السنن, واني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله, واني والله لا البس كتاب الله بشيء ابداً" والحديث صحيح عن عروة وعروة وان لم يدرك عمر فقد ولد في اوائل خلافة عثمان, لكنه من اعلم اهل المدينة في عصره وهو يحدثنا عن امر اشتهر عن عمر وصدقه الواقع والتاريخ اذ لم يكن تدوين رسمي للسنة الا في عهد عمر بن عبدالعزيز.

    وهنا نلحظ هذا الفقه وذاك الأفق وبعد النظر عند عمر كأنه يقول: الدستور الخالد الذي يسع الزمان والمكان وكل المستجدات والذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه, والذي علينا ان نزيد حرصاً في فهمه والتفقه به والعمل بكل ما فيه ونصونه من أي مخالفة انما هو كتاب الله. وقطعاً لا يعني هذا عدم العمل بالسنة, او التقليل من شأنها او ردها حاشا لله ثم معاذ الله.

    ولكن واضح ان السنة لم توثق كما وثق القرآن فقد يدعي المدعون بعد ذلك ما لم يثبت, او ان السنة ربما جاءت لتحاكم وقائع خاصة او تجيب عن مشكلة محددة وليس لتكون حكماً عاماً لكل ظرف كما هو واضح من بعض اجابات رسول الله كحكمه لمن وقع على اهله في رمضان فقال: "تصدق به على نفسك".

    لقد كان عمر رضي الله عنه فقهاً منه في جعل القرآن هو الأصل والدستور الجامع القاضي على ما سواه يدعو الى التقليل من الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حذراً وهيبة ان يتقوّل عليه وتأكيداً على مرجعية القرآن.

    ولهذا المعنى دعا عمر وعائشة وغيرهم ابا هريرة ان يقلل من الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما حمل ابا هريرة ان يرد على ذلك قائلا: "يقولون ان ابا هريرة قد اكثر, والله الموعد, ويقولون ما بال المهاجرين والانصار لا يتحدثون مثل احاديثه, ثم يبين عذره في ذلك ودعاء رسول الله له بالحفظ" انظر البخاري رقم 118 ومسلم 2492.

    والشاهد رغبة الصحابة بالاقلال من الرواية حذراً من جهة وتأكيداً على القرآن من جهة اخرى.

    ويؤكد على هذا ما سبق نقله عن عمر "انكم تأتون قوماً لهم ازيز بالقرآن فلا تصدوهم بالأحاديث او لا تشغلوهم".

    ومرة اخرى نؤكد ان السنة وحي كما القرآن, ولو كنت جالساً بحضرة النبي (صلى الله عليه وسلم) واسمع منه مباشرة لم يجز لي ان اتردد بالسمع والطاعة والقبول والخضوع فلا فرق بين الوحيين من حيث وجوب الطاعة والامتثال والعمل والحجية.

    انما الأمر متعلق بكيفية ورود السنة لنا اذ هي ظنية في معظمها ثبوتاً وقد يحيط بها ما يجعلها متعلقة بواقعة او حكماً خاصاً ومن ثم فالسنة لا يمكن ان تعارض كتاب الله ولا يجوز ان يقال تقدم السنة على كتاب الله اذ لا تعارض اصلاً فاذا وجد هذا التعارض فقطعاً القرآن هو المقدم اذ هو القطعي الذي تكفل الله بحفظه كاملاً, ثم ان طبيعة القرآن من حيث اعجازه هو الذي يسع الزمان والمكان والمستجدات ويوحد الأمة ومن ثم ابقى النبي صلى الله عليه وسلم السنة من غير تدوين ليبقى باب الاجتهاد واسعاً في هذا الميدان توسعة وتيسيراً على الناس.

    فالقرآن فرض الحجاب على المرأة دون تفصيل كيفيته وهذا يوسع على الناس من خلال النظر فيما ورد في السنة فيما صح او لم يصح فتقع التوسعة.

    والقرآن اجمل فرائض الوضوء ونواقضه, وجاءت امور اخرى في السنة تحتمل الاجتهاد والتصحيح والتضعيف فيقع التيسير.

    ان اصول الاحاديث الصحيحة التي اليها المرجع في الأحكام قليلة جداً.

    فهذا الامام الشافعي يسأل كم اصول الاحكام فقال: خمسمائة فقيل له كم اصول السنن فقال خمسمائة (مثاقب الشافعي لأبن كثير ص 181), اذن احاديث لأحكام بفرائضها وسننها التي هي حجة واصل لا تتجاوز بنظر الشافعي الف حديث.

    ان مشكلتنا اليوم مع قوم يريدون تجاوز كتاب الله او نسيانه او عدم التفقه به, او انهم لا يحسنون فهم كتاب الله, ويتساهلون في التصحيح والتضعيف والنقد باسم الانتصار للسنة فيثقلون كاهل السنة وكاهل الأمة خلاف مراد الله ومراد رسوله, ومن ثم ونحن نؤكد حجية السنة الثابتة, لا بد ان نؤكد على قاعدتين اخريين اضافة لكل ما ذكر سنتحدث عنهما ان شاء الله:.

    الاولى: لا تحدث بكل ما سمعنا عن رسول الله.

    الثانية: حسن فهم السنة على ضوء القرآن كما يفهم القرآن على ضوء السنة.

    القاعدة الخامسة:.

    لا تحدث بكل ما سمعنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:.

    وهذا اذا صح فكيف بما فيه شك؟؟ او علة مؤثرة؟! رأينا من قبلي منهجية دقيقة من اصحاب رسول الله في التحري والحذر من الرواية ومحاكمة دقيقة لكل ما يسمعون.

    كما رأينا منهجية رائعة في جعل القرآن هو الحكم الفصل والمرجع الذي يفصل عند الخلاف.

    وان من منهجيتهم في دقة التعامل مع سنة رسول الله (ص) مع التثبيت اخذاً واداءً تقليل الرواية عن رسول الله وعدم التحديث بكل ما يسمعون لمعان دقيقة:.

    فاما التثبت فمضى بعضه ونضيف هنا:.

    قال الامام الذهبي في ترجمة ابي بكر الصديق:.

    كان اول من احتاط في قبول الاخبار, فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب, ان الجدة جاءت الى ابي بكر تلتمس ان تورث (حال عدم وجود الام والاب) فقال: ما اجد لك في كتاب الله شيئاً, وما علمت ان رسول الله ذكر لك شيئاً فقام المغيرة فقال حضرت رسول الله يعطيها السدس فقال هل معك احد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك.. تذكرة الحفاظ ص 2.

    وقال الذهبي في ترجمة عمر بن الخطاب "هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر الواحد اذا ارتاب وذكر قصة استئذان ابي موسى الاشعري من وراء الباب ثلاثاً فلم يؤذن له فأرسل عمر في اثره فقال له رجعت قال سمعت رسول الله يقول: "اذا سلم احدكم ثلاثاً فلم يُجب فليرجع".

    فقال له لتأتيني على ذلك ببينة او لأفعلن بك.. ثم ان الصحابة ارسلوا معه ابا سعيد الخدري وشهد له.. وهذا من باب التحري اذ روى شيئاً لم يكن يعهده او يعهده او يعلم عمر من قبل وقال الذهبي في ترجمة علي بن ابي طالب:.

    كان اماماً عالماً متحرياً في الأخذ بحيث انه يستحلف من يحدثه بالحديث" تذكرة الحفاظ ص 10.

    اما الجانب الآخر وهو موضوع قاعدتنا:.

    عدم التحدث عن رسول الله بكل ما نسمع:.

    واؤكد هذا اذا صح اما ما لم يصح او شككنا فيه فلا يجوز قطعاص وقد مضى القول في ذلك.

    كيف كان منهج الصحابة في ذلك؟.

    روى البخاري تعليقاً عن علي: حدثوا الناس بما يعرفون, اتحبون ان يكذب الله ورسوله (صحيح البخاري رقم 13) وعنون البخاري لذلك بقوله: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم وكراهية ان لا يفهموا.

    ان هذه العلة التي اشار لها الامام علي: اتحبون ان يكذب الله ورسوله تدعونا الى ان نكون فقهاءنا في عصرنا فهناك من القضايا يجب السكوت عنها او عدم اثارتها اذ لا تصلح لعصرنا, لما هو حالنا او لضعفنا او لأنها كانت خاصة بمرحلة من المراحل, اورويت بالمعنى مما لا يجعلها دقيقة مع علوم العصر.. فمثلاً ان تحدث الناس اليوم بحديث: ان الشمس تسجد تحت العرش (البخاري رقم 2960 و4428.

    اذ حدث النبي صلى الله عليه وسلم الناس في ذاك الوقت بمقدار ما يمكن ان تدركه عقولهم وانما في الحديث دلالة على عظم هذا الخلق وانها خاضعة لله ساجدة في حركتها ولكن ظاهر لفظ الحديث لا يساعده علوم العصر, فهل في الحديث اختصار او رواية بالمعنى؟.

    او كحديث "آتاني الليلة ربي في احسن صورة.. (اخرجه الترمذي برقم 3157) وهو في سند احمد وصححه الالباني وهذا الحديث فيه الفاظ مستغربة شرعاً, بل فيها تحالفات هل لربنا صورة – وسيقول بعضهم ليس كمثلها شيء.. وهل بعضها احسن من بعض؟!! وهل يرى ربنا في المنام؟! وفي تتمة الحديث "فوضع يده بين كتفي وهنا يزداد الامر غرابة شرعاً, لكننا نجد ان البخاري يروي حديثاً آخر بلفظ: "أتاني الليلة آت من ربي".

    وهناك عدة احاديث بهذا اللفظ وهذا المعنى لا يستغرب ولا يستنكر, فالمانع ان يكون اخطأ وما وقعت في الفاظ الحديث.

    وما المانع ان يكون وقع وهم عند بعض الرواة في لفظ الترمذي:.

    وجرياً على قاعدة علي بن ابي طالب نجد قضايانا تثار اليوم وليس هذا وقتها اذ لها ضوابطها واحكامها واسبابها وظروفها فمن ذلك حديث: "ومن بدل دينه فاقتلوه" ان الظروف التي جاء فيها هذا الحديث هي ما ورد في قوله تعالى: "قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون" (سورة آل عمران 72) وليس هنا مكان بحث القضية بالتفصيل.

    في احكام الزنى لم يذكر القرآن الا الجلد, وذكرت السنة الرجم في ظروف خاصة وهي مجيء الرجل والمرأة كل منهما معترفاً بذنبه مصراً على التطهير فلا بد ان يكون من يتحدث بهذا الأمر حكيماً اذ القرآن سطر الحكم العام الخالد ولك ان تتساءل لماذا ولم يخصه بغير المحصن؟.

    القاعدة السادسة

    صحة الاسناد لا تستلزم دائماً صحة المتن والعبرة لحسن الفهم الدقيق مع صحة الاسناد وانتفاء العلل الخفية.

    يتوهم بعض الباحثين صحة حديث (ما) لمجرد ان ينظر في ظاهر الاسناد فيرى ان رجاله ثقات وانه متصل بالاسناد, فتجده يحكم بصحة الحديث دون ان ينظر في متن الحديث. وهذا مخالف مخالفة شديدة لمنهج المحدثين اذ من تعريف الحديث الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله من مبدأ السند الى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.

    فكيف نثبت صحة حديث اذا كان فيه شذوذ او علة, وكثير من الشذوذ او العلل يعود الى المتن, أي يكون الحديث ظاهره الصحة, لكن بعد التدقيق في المتن تجده لا يستقيم لسبب ما فلا يمكن ان يكون الحديث صحيح النسبة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى لا يتقول كل منقول على رسول الله لا بد من ضوابط لهذا الأمر, فلذا قلت لا بد من حسن الفهم اولاً وانما يرجع في ذلك الى اهل الاختصاص والعلماء الراسخين فيه ثم مع ذلك لا بد من التأكد من انتفاء العلل الخفية.

    وسأضرب امثلة في ذلك:.

    1- تروى عن ابي هريرة رضي الله عنه احاديث كثيرة, ونحن لا نشك في قوة حفظ ابي هريرة وانه من اجلّ الصحابة شأناً, الا انه وقعت بعض العلل الخفية في ما روي عنه, من لم ينتبه لها يظن صحة هذا الحديث من ذلك:.

    حديث خلق الله التربة يوم السبت.

    اخرجه مسلم في صحيحه واعلن الامام البخاري وجعله من كلام كعب الاحبار كما في التاريخ الكبير للبخاري 1/413.

    ومن اسباب نقد الحديث متناً ان الله اخيراً من خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة ايام, وفي هذا الحديث ما يقتضي ان الخلق كان في سبعة ايام ورجح نقد الحديث ورده ايضاً ابن القيم في كتاب المنار المنيف ص 84-85 بينما رجح الالباني صحة الحديث بناء على ان الايام المذكورة والتفصيل الذي في الحديث هو غير التفصيل الذي في القرآن لكن تعليل البخاري مبني اساساً على علة الرواية عن كعب الاحبار أي ان ابا هريرة كان يروي عن كعب الاحبار بعض الاسرائيليات فتنتسب خطأ من بعض الرواة من بعده لرسول الله.

    فعن بكير بن الاشج عن يسر بن سعيد قال: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث, فوالله لقد رأيتنا نجالس ابا هريرة فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم, فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب, ويجعل حديث كعب عن رسول الله (سير اعلام النبلاء 2/606) والبداية والنهاية 8/109 وسنده صحيح.

    ومن هنا يرد حديث روي عن ابي هريرة ايضاً ان يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى اذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً فيعودون اليه كأشد ما كان.. اخرجه احمد (2/510) والترمذي (3153).

    قال ابن كثير: اسناده قوي, لكن في رفعه نكارة, واشار ان هذا المعنى روي عن كعب الاحبار اقول: قال الترمذي: غريب, واياً كان سند الحديث فكيف يصح مثل هذا وهو اقل ما فيه انه مخالف للقرآن الذي يقول " فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا".. ومخالف للواقع.

    ومما يؤكد القاعدة التي ذكرت اننا نجد احاديث اوردها الامام مسلم في صحيحه, وردها البخاري او اشار الى تحفظه فيها او العكس.

    ومن ذلك اخرج البخاري حديث الاسراء والمعراج من طرق ومنها روايته له من طريق شريك بن عبدالله بن ابي نمر برقم (7517) وفيه مخالفات عدة في متنه بينما اخرج مسلم الحديث من غير ذكر المتن بل اشار الى ان فيه مخالفات بقوله: "وقدم وآخر وزاد وانقص" مسلم رقم (162), (262).

    ومن ذلك خرج مسلم حديث ابي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكتبوا عني غير القرآن" مسلم (3004).

    بينما يرى الامام البخاري انه من كلام ابي سعيد الخدري.

    ونرى البخاري يعتمد في صحيحه عكرمة مولى ابن عباس ويتجنبه مسلم ولا يروي عنه الا قليلاً مقروناً بغير (الميزان 3/93).

    ونرى الامام مسلماً قد روى عن ابي سفيان انه طلب من النبي لما اسلم ثلاثاً: ومنها: انه يزوجه ابنته ام حبيبة.. (مسلم 2501).

    مع ان المعلوم ان ام حبيبة تزوجها رسول الله قبل فتح مكة وهي في الحبشة. حتى قال ابن القيم الجوزيه وغير حديث غير محفوظ (ميزان الاعتدال 3/93).

    ويروي الامام مسلم حديث ابي هريرة وابي ذر: يقطع صلاة الرجل الحمار والمرأة والكلب الاسود. (رقم 510).

    بينما لا يخرج البخاري هذا الحديث الا مقرونا برد السيدة عائشة عليه ومعنونا بعنوان باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء رقم 514 و511.

    اننا نجد ان بعض الرواة - يرون عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله الاعتكاف الا في المساجد الثلاثة ويرد عليهم البخاري بقوله "باب الاعتكاف في المساجد كلها".

    ومرّ معنا من قبل ان مسلما خرج حديث سهلة بنت سهيل في ارضاع الكبير وان البخاري تعمد ان يحذف هذا الجزء من الحديث.

    واستعراض ذلك يطول.

    لكننا نؤكد هنا على ضرورة الفهم السديد لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان متعارضا مع ما قرره القرآن او قطعي السنة او ما تقرر شرعا فلا يجوز ان يقبل فضلا عن ان ينسب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه سنفردها بقاعدة مستقلة تالية ان شاء الله.

    والذي نريد ان نؤكده هنا ان علماء الحديث لم يكونوا يحكموا على حديث قبولا او ردا الا النظر في سنده ومتنه معا.

    والا ما معنى ان يشترطوا في صحة الحديث خلوه من الشذوذ والعلل ثم يعرفوا الشاذ بانه ما خالف الثقة الثقات وما معنى ان يذكروا من انواع العلل: الادراج: ما يلحق بالنص وليس منه والاضطراب والتصحيف وزيادة الثقة...

    ومما يدل على ذلك قول الشافعي: لا يستدل على اكثر صدق الحديث وكذب الا بصدق المخبر وكذبه, الا في الخاص القليل من الحديث, وذلك بان يستدل على الصدق والكذب فيه بان الحدث بما لا يجوز ان يكون مثله, او يخالفه ما هو اثبت منه, او أكثر دلالة بالصدق منه.

    وقال الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه 1/132:

    اذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الاسناد, د بأمور: ان يخالف موجبات العقل... ان يخالف نص الكتاب او السنة الصحيحة الثابتة... ان يخالف الاجماع... ان ينفرد بثقل ما جرت العادة ان ينقله اهل التواتر... بتصرف واختصار وذكر ابن القيم في كتاب المنار المنيف في الصحيح والضعيف الى قواعد كلية في ذلك... وقد نقف مع بعضها مستقبلا.

    وانما اردت هنا ان اؤكد ان الحكم على حديث ما لا يتوقف على سنده فقط وهذا ما جرى عليه علماء الامة.

    مع القاعدة السادسة ثانياً

    تقرر معنا من قبل ان صحة الاسناد لا تستلزم صحة الحديث ،واوقف القارئ هنا على نماذج يتداولها بعض اهل العلم, صححت او ربما ذكرت في بعض الصحاح, وهي محل نقد كبير لمتونها وبعضها محل نقد متناً وسنداً, وفيها مخالفات للقرآن او السنة او لأمر شرعي مقرر .

    ويهمني جانب المتن, والنقد لها موجه من قبل المحدثين واهل العلم انفسهم, ليتأكد لنا هذا المبدأ؛ انه ليس كل حديث صحح ظاهراً قبله العلماء حقيقة, مع التأكيد ان ذلك لا يكون الا لأهل العلم مع التحري وحسن الفهم .

    وقد يقع ذلك في روايات الثقات لعلة خفية كتلك العلة المتصلة بمرويات ابي هريرة رضي الله عنه, اذ بعضها ربما نسب الى رسول الله خطأ بينما هي لكعب الاحبار.

    فمن ذلك:.

    حديث عبدالله بن ابي بكر عن عمرة عن عائشة انها قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات, فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (صحيح مسلم 3670).

    فهذا الحديث بهذا اللفظ اخرجه مسلم في صحيحه ويرد عليه اشكالات كثيرة منها:.

    كيف يجوز ان يقال "توفي رسول الله وهن فيما يتلى من القرآن".. اذ لا يوجد في القرآن شيء من ذلك:.

    واذ قيل انها نسخت تلاوة وبقيت حكماً ولكن كثيرين لم يكونوا يعلموا نسخها تلاوة مع بقاء الحكم, فهذا يفتح باباً للتشكيك في القرآن وهو منزه عنه, ثم اين الدليل؟ اذا نسخت تلاوة ان الحكم بقي.

    ولذا نجد ان الامام الطحاوي في كتابه مشكل الآثار (3956) يناقش هذه المسألة ويبين ان الحديث رواه القاسم بن محمد ويحيى بن سعيد الأنصاري بلفظ آخر وهو نزل من القرآن لا يحرم الا عشر رضعات ثم نزل بعد ذلك او خمس معلومات" واخرجه مسلم (3671) وقال الطحاوي والقاسم ويحيى بن سعيد احفظ من عبدالله بن ابي بكر الراوي عن عمرة عن عائشة والذي زاد عبارة: وتوفي رسول الله وهن فيما يتلى من القرآن".

    ويريد الطحاوي ان يبين ان لا دليل يدل على بقاء حكم خمس رضعات..

    ولكن في نظري يبقى الاشكال قائماً, اذ اين ذكر الرضعات العشر او الخمس, واين الدليل على نسخ التلاوة؟ واين الدليل على نسخ الحكم؟ اشكالات لا تنتهي..

    فالواضح ان ثمة خطأ ما في الرواية لذا لم يعمل بهذا الحديث الحنفية ولا المالكية ولا الحنابلة وحسبك بهذا نقداً للرواية.

    ان غاية ما اجاب به الشافعية ان يقال تأخر نسخ التلاوة مع بقاء الحكم, لكن لا دليل على شيء من ذلك, مع اضطراب الرواية.

    وقد يجاب عن هذا الاشكال بأجوبة اخرى كأن يقال: ان السيدة عائشة ارادت ان حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة الاولى ان عشر رضعات يحرمن, ثم حكمه الآخر ان خمس معلومات يحرمن ولأن طاعة رسول الله امر جاء في القرآن الا انه في القرآن نصاً, ولكن الرواة قصروا في الرواية.

    ومع ذلك يقال: ان هذا مجرد احتمال, لا دليل عليه وان تقول ان مسلماً اخطأ او عمرة الراوية عن عائشة اخطأت خير من ان تعتمد رواية فيها شك واضطراب وتفتح باباً للطعن في القرآن, وتخالف واقعه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

    وقد نص على هذه المسألة عدد من العلماء كالامام الألوسي في تفسيره ومحمد رشيد رضا وابن حجر في الفتح ومن المتأخرين د. فضل حسن عباس في كتابه "اتقان البرهان في علوم القرآن".

    2- النموذج الثاني : حديث "لا تصلوا في مبارك الابل فانها من الشياطين" اخرجه ابو داود (184) وصححه الألباني في صحيح سنن ابي داود وفي ارواء الغليل (176).

    وروي الحديث بلفظ آخر "لا تصلوا في اعطان الابل فانها خلقت من الشياطين" وقال الالباني وهو بهذا اللفظ صحيح اقول: واخرجه ابن ماجه (818) واحمد (17246) وابن حيان (1731) في صحيحه.

    وأين الإشكال في الحديث..

    أ‌- الاضطراب في رواياته, فمرة يقال من الشياطين ومرة يقال خلقت من الشياطين وفي رواية لعبدالرزاق (1602) من خلقة الشياطين,.

    ب‌- ان هذا يخالف حقائق القرآن التي تؤكد ان كل جنس من المخلوقات خلق خلقاً مستقلاً فالجن من نور. ولم يفصل القرآن في امر خلق الحيوانات ولكن كما قال تعالى:.

    "أمم أمثالكم"..

    وايضاً انظركم نوه القرآن بخلق الابل قال تعالى : "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت" وقوله: "والبدن جعلناها لكم من شعائر الله" فكيف يستقيم مع هذا ان تكون من الشياطين أو خلقت من الشياطين.

    ولقد استوقف هذا الأمر المحدث ابن حيان اذ اخرج الحديث في صحيحه ثم قال: اراد به ان معها الشياطين, وهكذا قوله صلى الله وسلم: "فليدرأ ما استطاع فان أبى فليقاتله فانه شيطان".

    اقول: أ- القياس مع الفارق فهذا يقطع على المسلم صلاته يصر على ذلك متعمداً انما يحمله على ذلك الشيطان, فالأمر واضح.

    لكن عندما يقال: الابل خلقت من الشياطين فواضح ان المعنى غير مستقيم شرعاً لذا لجأ ابن حيان الى تأويله بما يخرجه عن حقيقته وهذا يؤكد ان الحديث لا يمكن ان يصح على ظاهره اطلاقاً, ومن هنا لنا ان نشكك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم, نطق بذلك.

    وبما يؤكد هذا ان مسلماً خرج الحديث عن صحابي آخر بلفظ سئل انصلي في مبارك الابل قال: لا (مسلم 828) ولم يذكر هو او البخاري شيئاً عن خلقة الابل...

    فكيف لنا ان نسلم بأمر تفرد به بعض الرواة ينسبون فيه الى رسول الله امراً يخالف ظاهره القرآن؟!.

    ان ابن حيان لما ادرك ذلك لم يشأ ان يرد الحديث فاضطر الى تأويله بما يخرجه عن منطوق رسول الله صلى الله عليه وسلم المنسوب اليه والا اكان يعجز رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقول فان معها الشياطين؟!.. ثم كيف يكون معها الشياطين, لقد رد البخاري هذا المعنى عندما قال: باب: الصلاة في مواضع الابل وخرج حديث نافع رأيت ابن عمر يصلي الى بعيره وقال رأيت النبي يفعله (البخاري 419 و420).

    وخرج البخاري تحت باب: الصلاة الى الراحلة والبعير نحو الحديث السابق (485), واخرج البخاري انه عليه الصلاة والسلام : كان يوتر على البعير (رقم 999).

    والاحاديث كثيرة في صلاته على راحلته .. انظر البخاري (1042 و1043 و1044 و1045)..

    فكيف تكون من الشياطين او خلقتها خلقة الشياطين او خلقت من الشياطين او معها الشياطين ثم يُصلي عليه السلام اليها وعليها..؟!.

    مع القاعدة السادسة أيضاً:

    تحدثنا في هذه القاعدة عن ضرورة الفهم السديد للحديث قبل قبوله او رده, ومن ثم وجدنا بعض الاحدايث قد صححها بعض أهل العلم ولكنها لا تثبت أمام النقد الشرعي الدقيق.

    وضربت لذلك من قبل مثالين:

    الاول: حديث "خمس رضعات معلومات يحرمن"

    الثاني: ان الابل خلقت من الشياطين والنماذج في ذلك عديدة ومن ذلك:

    النموذج الثالث:

    حديث "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاه"

    الحديث أخرجه احمد (2/182 و194) ابو داود (2482) وغيرهم من طريق داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده".

    وعمرو بن شعيب مختلف فيه وفي صحة الاتصال في هذا السند

    وللحديث شاهد عند مالك عن زيد بن اسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه.

    وهذا فيه جهالة الرجل وابيه فكيف يكون الحديث صحيح

    وهو يجعل تفريقا بين الذكر الانثى وقد جاء الاسلام ليحارب هذه النظرة الجاهلة ونص على اهل الجاهلية الذين كانوا "إذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسوداً وهو كظيم".

    على اننا لو راجعنا احاديث العقيقة كلها نجد من اشهرها حديث "كل غلام مرتهن بعقيقته وقد رواه الخمسة وقال الترمذي: حسن صحيح من طريق الحسن عن سمرة بن جندب وقال البخاري: ان الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة.

    وقد ثبت انه صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا

    اخرجه ابو داوود (2841) واسناده صحيح وجاءت رواية شاذة بزيادة "بكبشين كبشين" ونحوها عند الحاكم (4/237) باسناد ضعيف

    والروايات كثيرة ومضطربة في هذا الباب لكن اكثرها اما يذكر مطلق العقيقة دون تفريق, او يذكر انه عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا.

    اليس هذا هو الاول بالصواب والموافق لكتاب الله.

    فكيف نرضى بعد ذلك ان نصحح حديثا يخالف منهج الاسلام ويخالف اكثر الروايات التي لم تميز بين الذكر والانثى مع ما رأينا من خلل في اسناد الروايات التي تتحدث عن التمييز.

    النموذج الرابع:

    ما يروى عن ابي سعيد الخدري ان فتاة قالت للنبي صلة الله عليه وسلم: لا اتزوج حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته قال حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها او ابتدر منخراه صديدا او دما ثم لحسته ما ادت حقه؟؟؟ وللحديث رواياة عدة متقاربة وانك لتعجب اشد العجب ان تجد من يقول ان الحديث صحيح (ينظر صحيح الترغيب والترهيب للالباني وصحيح الجامع 3148).

    وقد اخرجه للاسف ابن حيان في صحيحه (4238) وصححه الحاكم.

    مع ان في اسناد الحديث عند ابن حيان نهار العبدي ولا يكاد يعرف، فلم يوثقه احد من جهابذة العلماء (تهذيب الكمال 30/26) وان قال فيه ابن خراش وابن حجر: صدوق وفيه ربيعة بن عثمان قال ابو حاتم: منكر الحديث: يكتب حديثه واختلف فيه بين مضعف وموثق (تهذيب الكمال 9/33).


    وكذا (هو عند الحاكم بهذا الاسناد (2717) و(7432) وباسناد آخر فيه سليمان بن داود اليمامي قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وهنا قال الذهبي قال البخاري: من قال فيه البخاري منكر الحديث لا تحل الرواية عنه (ميزان الاعتدال 2/202).

    واذن هل يجوز لحديث مرويا بهذه الاسانيد الواهية جدا ومتنه منكر جدا ان يصحح تحت أي ظرف كان.

    كيف لرسولنا صلى الله عليه وسلم وهو الذي جاء يرفع من قدر الانسان وقدر المرأة على حد سواء وكرم المرأة ، كيف وهو الطاهر المطهر الذي لا يقول الا طيبا ولا يأمر الا بالاطيب من القول والفعل.

    كيف والقيح والدم والصديد نجاسات لا يجوز للانسان ان يتلطخ بها.

    اهكذا يكون توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقوم المرأة بحق زوجها ان هذا افرى الفرى واقبح الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحتى لو وجدنا بعض الاسانيد الاخرى لهذا الحديث فان متنه منكر وحسبك ان في بعض اسانيده داود اليمامي ولا يستغرب ان يكون الواضع لهذا الحديث وان يركب له اسانيد لتوهم القارئ صحة الحديث، فحسبنا الله ونعم الوكيل ونسأل الله ان يعين علماء الامة ان يطهروا السنة مما نسب اليها زورا وبهتانا وان هذا العمل حق جليل وحق عظيم وواجب كبير ومسؤولية خطيرة.



    النموذج الخامس:.

    حديث "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم..".

    اخرجه ابو داود (2421) والترمذي (749) والعجيب ان هذا الحديث علق عليه ابو داود بقوله: منسوخ (لما رأى ان اكثر الاحاديث الصحيحة خلافه ونقل عن الامام مالك قوله: كذب ونقل عن الزهري حديث حمصي وتأوله الترمذي (749) بقوله: "ومعنى كراهته ان يخص الرجل يوم السبت بصيام، لان اليهود تعظم يوم السبت"، وانما قال الترمذي هذا ليبين انه لو كان معه يوم اخر او جاء لمناسبة خاصة كأن توافق عرفة يوم السبت فلا حرج في صيام ذلك ايضا جمعا بين النصوص.

    ومع ذلك، فقد قال الامام احمد: انه حديث شاذ، والاحاديث كلها على خلاف ذلك ورده الامام الاوزعي والنسائي وابن حجر.اذ يخالف احاديث كثيرة صحيحة لا يتسع المجال لذكرها الان ، مع ما في سنده من اضطراب تلخيص الكبير الابن حجر).

    ومع ذلك، يصر مثلا الشيخ ناصر رحمه الله على صحته مع الفتوى بأنه لا يجوز صيام السبت نفلا لا منفردا ولا مقرونا بغيره ولو جاء لمناسبة واقل ما فيه انه يخالف الحديث الصحيح "أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما" وحديث جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم انها كانت صائمة يوم الجمعة فقال صلى الله عليه وسلم "تصومين يوما بعده.." متفق عليه ومع هذا فقد حكم الشيخ ناصر رحمه الله على حديث بانه حسن، وهو يثبت صحة صيام السبت عن ام سلمة، كان صلى الله عليه وسلم اكثر صومه: السبت والاحد ويقول: هما عيدا المشركين واحب ان اخالفهما صحيح الجامع 4679.

    ومن هنا نؤكد على ضرورة الدقة في دراسة الاحاديث متنا وسندا مع حسن الفهم قبل صدور الحكم لئلا نخالف كتابا او سنة ثابتة او معلوما من الشريعة والله الموفق.

    القاعدة السابعة :

    ضرورة الفهم السديد للحديث الذي صح سنده ولا علة ظاهرة أو خفية قبل رده :

    سيكون حديثنا اليوم حول أحاديث صحت وردها بعض من ينتسب الى العلم بدعوى نقد المتن .

    إن نقد الحديث من أدق الأمور العلمية ولا يجوز لكل من ادعى شيئا من العلم أو كان له معرفة ببعض علوم الشريعة أن يتصدى للنقد ، فلا بد للناقد أن يكون متأهلا لذلك وقد نتعرض لشروط الناقد في مناسبة أخرى إلا انه كما قررت قد ترد أحاديث ظاهرها الصحة إما لخلل خفي في سندها أو لعلة في متنها وقد يخفى ذلك على بعض أهل العلم .

    ونقرر هنا انه لا يجوز فتح الباب على مصراعيه بلا ضوابط شرعيه ونقدية صارمة فبعض الناس يرد أحاديث بمجرد أن عقله ، بل قل رأيه الشخصي لم يستوعب ذلك أو لم يفهمه.

    وإذا قلنا من قبل أن صحة الإسناد لا تستلزم صحة المتن فلا يعني أن كل متن لم يوافق عقولنا الخاصة أو رغباتنا وآراءنا نرده بدون دليل شرعي أو حجية علمية أو منهج نقدي .

    فالأصل إذا صح السند وخلا من العلل أن يقبل المتن ، فإذا وجدنا المتن فيه ما يخالف أو ما يجعله غير مقبولا فلا بد من دليل من الكتاب أو السنة أو أن يكون غير معقولا مطلقا أو يخالف واقعا صادقا أو تاريخا معلوما ، أما رد الأحاديث بمجرد الهوى والآراء الخاصة فهذا مرفوض قطعا وسأضرب نماذج :



    النموذج الأول :

    أحاديث عذاب القبر : ورد في عذاب القبر ونعيمه عشرات الأحاديث منها الصحيح والحسن والضعيف حتى ظن بعض أهل العلم أنها متواترة ، لكننا نستطيع القول انه أمر مشتهر جدا .

    فيأتي من يرد هذه الأحاديث كلها جملة لماذا ؟ بدعاوي منها : كيف يعذب الله قبل الحساب ومنها مخالفة قوله تعالى "من بعثنا من مرقدنا " أي أنهم كانوا راقدين .

    والحقيقة أن هذا الأمر من عالم الغيب ولا يجوز للإنسان أن يخوض في عالم الغيب برأيه الشخصي أو بمقررات عقله الخاصة ، وقد جاءت إشارات قرانيه تشير بعذاب القبر من ذلك قوله تعالى " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " .

    نفهم من ذلك أن الطغاة من آل فرعون وأمثالهم لشدة طغيانهم وعظم جرائمهم لا يؤخر عذابهم الى يوم القيامة بل يكون لهم نوع من العذاب في قبورهم وهو العرض على النار .

    والآية الأخرى قوله تعالى :" وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ، لا تعلمهم نحن نعلمهم سيعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم " .



    إذن قبل العذاب العظيم في الآخرة ثمت عذاب ، قال أهل التفسير مرة في الدنيا ومرة في الحياة البرزخية ( عذاب القبر ) ، أما قوله تعالى "من بعثنا من مرقدنا " للعلماء فيه أقوال منها : أن ذلك ما بين النفختين ومنها إشارة الى أن هول القيامة تنسي ما قبلها من الأهوال .



    النموذج الثاني :

    حديث أبي هريرة أن سليمان قال لا طوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امراة غلاما يقاتل في سبيل الله (ثم انه نسي أن يقول إن شاء الله فلم تلد منهن إلا امراة واحدة نصف إنسان) أخرجه البخاري (5242 و 6720) ومسلم (4378 ) وابن حبان (4414 و4415 ) من طريق أبي هريرة ، وقد اختلفت الروايات فمنها من يقول مائة امراة كما في إحدى روايات البخاري وابن حبان ومنها من يقول تسعين في رواية أخرى للبخاري وابن حبان ، ومنها من يقول سبعين .

    فنجد من يرد هذا الحديث أولا كونه من روايات أبي هريرة وقد يكون مما تحمله أبي هريرة عن أهل الكتاب فوهم الرواة عنه ، وثانيا للاختلاف في العدد ، وثالثا أن هذا مستحيل عقلا .

    أقول : إما انه تحمله عن أهل الكتاب فيبقى ظنا لا دليل عليه وأما الاختلاف في العدد فهو إشكال وقد يعود الى توهم الرواة عن أبي هريرة ، لكن لا ينفي اصل القصة .

    بقي هل يخالف العقل مطلقا ؟ أننا إذا نظرنا الى القضية بالمنظور الإنساني البشري الفطري المعتاد فهذا هو المستحيل عادة من حيث قوة الإنسان ومن حيث احتمال الوقت لكننا إذا نظرنا الى القصة بأنها جرت مع نبي وأنها معجزة خاصة له فان الأمر مستحيل عادة لكنه ليس مستحيل عقلا والمعجزات هي خوارق العادات ، فترى أن حسن الفهم للحديث يجعله مقبولا

    ومع ذلك فاني أقرر أن أمر النظر قائم ولا ينبغي أن يقدح بعضنا في بعض إذا كان لبعضهم اجتهاد مخالف .



    النموذج الثالث :

    اذكر بعضها للتأمل والدراسة :

    حديث " لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر " أخرجه مسلم (3723) وغيره والحديث لا علة ظاهرة فيه وهو من رواية أبي هريرة ، إلا إذا كان احدهم سيطعن في الحديث لمجرد انه من رواية أبي هريرة .



    ومن يطعن في هذا الحديث يرى انه مخالف للقران ، حيث حمل القران المسؤولية في المعصية إما لآدم فقط " فعصى آدم ربه فغوى " أو لكليهما "فأزلهما الشيطان ".

    لكن التوراة هي التي تقول أن حواء هي سبب المعصية ، فهل هذا مما حمله أبو هريرة عن أهل الكتاب ووهم الرواة عن أبي هريرة لكنني أقول : لو أعدنا النظر في الحديث وانه يبين أهمية ودور المرأة ورسالتها ولو أنها اتخذت دور الناصح لزوجها ولم توافقه على المعصية لما حدث ما حدث وفيه لفت نظر الى كل امراة أنها إذا قامت بدور النصح والتوجيه والتذكير وأعانت زوجها على الطاعة ، استقام أمر الزوج غالبا وفي هذا المعنى مواقف لنساء فاضلات في التاريخ ، ومن هنا نلاحظ إذا

    أحسنا فهم الحديث يقبل معناه .

    والمقصود بالخيانة هنا عدم أداء النصح وهذا مخالف لأمر الله ، والنماذج في ذلك كثيرة والتي لو أحسنا فهمها لزال الإشكال فيها ومن هنا كانت كتب مختلف الحديث ومشكل الحديث وقد نورد نماذج أخرى .

    مع القاعدة السابعة:.

    اكدت انه لا بد من حسن الفهم للنص الذي سلم من العلل قبل رده. لاننا في هذا العصر بين مدرستين في نقد الحديث (والكلام هنا عن اهل السنة والجماعة حصراً, ولا يعنيني اتباع المدارس الاخرى, الآن).

    المدرسة الاولى: عنيت بالاسانيد ولا تكاد تنظر في المتن وان قالت خلاف ذلك.

    المدرسة الثانية: لا تكاد تنظر الا في المتن ومع نظرها في المتن ترد الحديث لادنى شبهة عقلية او شرعية في نظرها ولربما لو تأنت في النظر ومحصت مع الأخذ بعين الاعتبار انتفاء الحديث من علله لكان الموقف مختلفاً.

    والكل في نظري يقصد الدفاع عن سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وتقديم الاسلام بأبهى صورة .

    ولا شك ان الحكم على حديث ما صحة او ضعفا خطر شديد , ذلك لانه اما ان تنسب لرسول الله عليه السلام قولاً مع ما يترتب على ذلك من احكام ومواقف واما ان تنفي قولاً لربما قاله عليه السلام حقيقة.

    من هنا نحن بحاجة الى المدرسة المتوسطة , التي تمحص السند وتتأكد من خلوه من العلل وتنظر في المتن نظراً شرعياً دقيقاً لتصدر في حكمها وقد جمعت بين دراسة السند والمتن معاً وبدقة متناهية, فإن خلا الحديث من العلل سنداً بقي ان نتأكد ان المتن منسجم مع الشريعة وقواعدها واحكامها.. غير مخالف للكتاب والسنة, حيث ان السنة بمعظمها رويت بروايات الاحاد والوهم جائز عليهم, ومن ثم كانت ظنية ولا يجوز ان نأخذ بالظن ونترك القطعي ان كان ثمة تعارض الا ان يكون التوفيق سائغاً ظاهراً من غير تعسف او اثبات حكم يخالف القطعي.

    ومثال ذلك:.

    حديث : ابى الله ان يجعل لقاتل المؤمن توبة" ويصححه بعضهم كما في (صحيح كنوز السنة, باب التوبة رقم 2, وكما في صحيح الجامع الصغير رقم 23 والصحيحة 689, والحديث اخرجه الطبراني والمقدسي من طريق سليمان التيمي عن حميد بن انس وبعضهم قال سليمان التيمي عن انس وباعتبار ان سليمان التيمي سمع من انس لا يكون ثمة علة قال الالباني: اسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات ، رجال مسلم.

    وامام ما نرى في المتن من اشكال سأشير اليه لا بد من التدقيق في السند اولا .

    1- يبقى احتمال ان لا يكون سليمان سمع الحديث من انس بل من حميد وأُخذ على حميد الطويل مآخذ منها انه يدلس في بعض حديثه عن انس أي يروي عن انس ما لم يسمعه منه (تهذيب الكمال 7/362).

    2- اتهم حميد بالنسيان كما قال شعبة بن الحجاج (تهذيب الكمال 7/360).

    وان النسيان والشك وقع في حديث انس خاصة.

    3- اما سليمان بن طرخان التيمي فهو ثقة لكنه كما قيل: لا يبلغ منزلة ايوب ويونس وابن عون (تهذيب الكمال 12/10) وهذه اشارة الى انه خالف هؤلاء الثقات في حديث رواه مسلم فزاد فيه "واذا قرأنا نصتوا" اذن له بعض المخالفات.

    ثم ان للحديث سبب جاء من رواية عقبة بن مالك الليثي ان النبي بعث سرية فاغاروا على قوم فشذ رجل منهم فاتبعه رجل من السرية شاهراً سيفه فقال: اني مسلم, فقتله فنهي (أي رفع امره) الى النبي عليه السلام فقال قولا شديداً" اخرجه احمر وغيره (4/110) والى هنا لا تجد فيها اشكالا.

    ورواه بشر بن عاصم بزيادة ابى الله على من قتل مؤمناً" وبشر لم يوثق فهو شبه مجهول (ألجرح والتعديل 1/360).

    على ان هذا اللفظ ليس فيه ذكر عدم قبول التوبة وهو يوافق حديث اسامة بن زيد في الصحيحين الذي سنذكره والخلاف والاشكال هو في ذكر عدم قبول التوبة فان يشدد رسول الله في امر من يقتل مؤمناً فهذا حق وموافق لصريح القرآن وان يقول فيه قولا شديداً ، ويقول ابى الله نعم يمكن..

    لكن ان نقول ابى الله لقاتل المؤمن توبة.. فقد يكون زاد بعض الرواة كلمة (توبة) فاوقعتنا في الاشكال لأنها تخالف اصول الشريعة ونصوص القرآن والسنّة :.

    1- النصوص القرآنية في التوبة الشاملة من كل ذنب يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً" فكيف يمكن ان تخصص هذه الاية بحديث فيه علل واشكالات..

    2- قوله تعالى "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".

    ومعلوم بالاجماع ان المقصود هنا اذا مات على الشرك اما من تاب من الشرك فيقبل اسلامه فكيف بمن تاب بما دون الشرك مع ان الآية تصرح بامكان المغفرة مطلقاً.

    3- حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم اتمها بالمائة.. وان يقال هذا خاص بشرع من قبلنا, فلا دليل اذ ان رحمة الله بهذه الامة ابلغ, ثم لماذا يحدثنا رسول الله بهذا .

    4- اذا لم نفتح للقاتل توبة اليس هذا مدعاة لان يسير في طريق الغواية بلا نهاية, فهل بعد هذا افساد.

    5- قصة اسامة بن زيد, ولعلها هي المقصودة من رواية الحديث اصلاً وليس فيها شيء من ذكر عدم قبول التوبة.

    وفيها "بعثنا رسول الله الى الحُرقه من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم" ولحقت انا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناه قال : " لا اله الا الله "فكف عنه الانصاري وطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ ذلك النبي فقال لي يا اسامة اقتلته بعد ما قال لا اله الا الله قلت يا رسول الله انما قالها متعوذ (أي قالها خشية القتل) ثم كرر النبي النكير عليه ، يقول اسامة فما زال يكررها حتى تمنيت اني لم اكن اسلمت" اخرجه البخاري (4269 ومسلم 287 و288).

    فانت ترى ان مسلماً قتل مسلماً (نعم قتله متأولاً) لكن شدد فيه النبي صلى الله عليه وسلم .. ولم يأت فيه ذكر عدم قبول التوبة بحال.. ويبدو ان سبب الحديث هو هذه القصة وكما ترى رواية الشيخين ليس فيها عدم قبول التوبة, اذن نحن هنا امام نموذج من الاحاديث.

    صح بلفظ (ان النبي قال قولاً شديداً).

    وخالفه بعض الرواة فزاد عبارة "ابى الله لقاتل مؤمن" وزاد بعضهم كلمة (توبة) فبحسب اللفظين الاولين لا اشكال. وخاصة رواية الصحيحين.

    انما الاشكال في زيادة كلمة (توبة) لذا ومع ايراد الشيخين للقصة ولم يذكرا هذه الزيادة يتأكد بانها منكرة, ولا يبعد وقوع مثل هذا الوهم على الرواة ،

    مع مخالفة ذلك لصريح القرآن والسنة.

    6- ان سبب ورود الحديث المزعوم هو قتل متأول أي اجتهادي, فكيف لا يكون له توبة.

    7- وحتى من قتل متعمداً فتوبته النصوح وفق صريح الآيات تقبل, فكيف بمن قتل مجتهداً متأولاً واين نذهب باقتتال الصحابة .

    8 - اين نذهب بقوله تعالى " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا....." فسماهما مؤمنين.

    ومن هنا لا بد من دراسة دقيقة للعلل سنداً ومتناً ، ولا بد من حسن الفهم والنظر في المتون مع الاسانيد لنقف على نقد سليم واي خلل يورث نتائج غير دقيقة.

    فاذن لا يمكن ان يكون حديث "ابى الله لقاتل مؤمن توبة " صحيحا ، ولا بد من القول ان ما ذكر من علل حديث سليمان التيمي وحميد الطويل لا ينسحب على كل حديث اذا لم يكن فيها اشكال ، وكل حديث يدرس على حده .....ما دام ان الراوي في اساسه ثقه .

    فهل نستطيع ان نوجد هذه المدرسة الشاملة في النقد والله الموفق

    ملحوظة : هناك رأي ينسب لابن عباس في عدم قبول توبة القاتل ،يحتاج الى دراسة وليس من موضوعنا ( ينظر صحيح البخاري رقم 4484- 4486).

    في ضوء ما تم نشره سئلت عن بعض الاحاديث مما صحح وكيف يتم التعامل معها وهل هي صحيحة حقاً؟.

    ومن هذه الاحاديث:.

    1- حديث ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين واقلهم من يجوز ذلك". الحديث اخرجه الترمذي (3896).

    وقال: حديث حسن غريب من حديث محمد بن عمرو عن ابي سلمة عن ابي هريرة لا نعرفه الا من هذا الوجه وقد روي عن ابي هريرة من غير هذا الوجه. ا.هـ.

    واخرجه ابن ماجه (4377) وابو يعلى (5875) وابن حبان (3042) كلهم عن طريق عبدالرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن عمرو واخرجه ابو يعلى والطبراني في الكبير (1056) والاوسط (6034) عن طريق محمد بن ربيعة الكلابي عن ابيه عن جده عن ابي العلاء عن ابي صالح عن ابي هريرة ، واخرجه ابو يعلى من طريق انس (مجمع الزوائد ع/446).



    نقد الحديث.

    الحديث يتكلم عن قضية يمكن ان تحاكم واقعياً تاريخيا واذا نحن رجعنا الى الواقع الاستقرائي لا نجد هذه القضية ثابتة ولا مسلمة.

    وتؤكد الدراسات العلمية المتخصصة ان الاعمار تختلف من جيل الى جيل ومنطقة الى منطقة بحسب التقدم الصحي والبيئي والغذائي (وكله بقدر سابق من الله) "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".

    ومن ثم فهذه قضية انسانية ولا تخص امة دون امة مع العلم ان النبي (صلى الله عليه وسلم) جاء للعالمين فمن يسلم من المانيا واميركا من امته..

    فهل يكون هذا الحديث صحيحاً وهو يخالف الواقع.



    نقد الحديث سندا.

    الطريق الاول فيه: 1- المحاربي وهو مع كونه ثقة فانه يروي عن المجهولين احاديث منكرة وكان يدلس وقد عنعن في حديثه هذا (تهذيب الكمال (17/389).

    2- فيه محمد بن عمرو بن علقمة: قالوا: صالح الحديث, يكتب حديثه, شيخ, وقالوا: يستضعف وقالوا يُغرب, ومعنى هذه المصطلحات انه يعتبر به اذا توبع متابعة صحيحة.

    (تهذيب الكمال 26/217).

    اما الطريق الثاني ففيه: محمد بن ربيعة قيل فيه صدوق ولا بأس به وصالح الحديث وثقة نستدل على ضعف فيه مع الاختلاف .

    2- ثم عن ابيه عن جده, وهم مجاهيل وقد ظن بعض الباحثين انه من رواية محمد بن ربيعة عن كامل ابي العلاء, وهو ممن يروي عنه, لكنه في هذا الحديث كما في الطبراني الاوسط والكبير من رواية محمد بن ربيعة عن ابيه عن جده.

    3- اما رواية انس ففيها مجهول, ولهذه العلل الكثيرة وجدنا الترمذي لم يعترف الا برواية المحاربي عن محمد بن عمرو وقال: لا يعرف الا من هذا الوجه. وقال: "وقد روي عن ابي هريرة من غير هذا الوجه" وكأنه يقول: ولكن لا تثبت ولم يُشر نهائيا الى رواية انس.

    اما قول الترمذي: حسن غريب, فهذا مما يقتضي معرفة مراد الترمذي من مصطلحاته وهو هنا بقوله غريب يشير الى العلل فيه, وبقوله حسن يشير ان لو كان له متابعات صحيحة لارتقى, مع كونه له اكثر من طريق وبعد البحث لا نجد له هذه المتابعات صالحة لارتقاء الحديث.

    بمعنى ان رواية الكلابي لا تصح متابعة لما فيها من المجاهيل وكذا رواية انس..

    فاذا نظرنا في متن الحديث نجد الواقع متغيراً بحسب الظروف المحيطة فكيف يصح الحديث؟.

    لماذا اخطأ من صحيح الحديث ؟.

    وجدت بعض اهل العلم صحح الحديث وبالنظر في كلامه فالخطأ جاء من وجوه:.

    1- اعتماد التوثيق العام لابن حجر في التقريب, دون الرجوع الى المصادر المفصلة لاحوال وعلل الرواة.

    2- الاكتفاء بترجمة بعض رواة السند.

    3- عدم فهم مصطلحات الترمذي وهو ضمناً اشار الى علل الحديث.

    4- عدم استيفاء تخريج الحديث الذي بين ان الكلابي رواه عن ابيه عن جده عن ابي العلاء وباسقاط المجاهيل ظن ان الحديث من رواة الكلابي عن ابي العلاء. وليس الامر كذلك.

    5- عدم الالتفات الى المتن. فان الواقع متغير.

    وهكذا نجد انه لا يمكن ان يكون الحديث صحيحاً خاصة اذا نظرت الى عبارة (واقلهم من يجوز ذلك) بل الواقع يقول ان كثيرين يجوزون ذلك.

    لقد تمت بدراسة الاحصائيات المتوافرة لدى بع
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 19:12

    هل دية المرأة نصف دية الرجل؟

    من الأحاديث التي تستوقف الباحثين ما نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دية المرأة نصف دية الرجل". فالحديث روي مرفوعاً وموقوفاً عن عدد من الصحابة والذي يهمنا من هذا الحديث الرواية المرفوعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالحديث أخرجه البيهقي 8/95 من طريق بكر بن خنيس عن عبادة بن نُسي عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دية المرأة على النصف من دية الرجل.

    قال البيهقي: وروي ذلك من وجه آخر عن عبادة عن نسي وفيه ضعف, ا.هـ.

    وبكر بن خنيس راوي الحديث, قال فيه يحيى بن معين: صالح لا بأس به الا انه يروى عن ضعفاء, وقال: ليس بشيء وقال الدارقطني: متروك وبالجملة فهو شديد الضعف (تهذيب الكمال رقم 743).

    وقد وهم بعض المصنفين فنسب الحديث الى كتاب عمرو بن حزم وليس صحيحاً قال ابن حجر في تلخيص الحبير 4/34 هذه الجملة ليست في حديث عمرو بن حزم الطويل, وانما اخرجها البيهقي من حديث معاذ وقال: اسناده لا يثبت مثله.

    وغاية ما يعتمد عليه اذن في هذا الباب ما ورد عن بعض الصحابة.

    والفقهاء يقولون: ان ذلك اشتهر عن عمر وعثمان وعلي, وابن مسعود وابن عمر وابن عباس.

    قال ابن حجر: اما اثر عمر فرواه سعيد بن منصور عن هشيم اخبرني مغيرة عن ابراهيم النخعي قال: كان فيما جاء به عروة البارقي الى شريح من عند عمر ان جراح الرجال والنساء سواء في السن والموضحة وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل ورواه البيهقي من حديث سفيان عن جابر عن الشعبي عن شريح قال: كتب الي عمر اقول: واضح ان هذا هو الكتاب الذي جاء به عروة البارقي الى شريح.

    وعروة البارقي له صحبة لكن لم يرو إلا ثلاثة أحاديث كما في تهذيب الكمال (20/6).

    ثم قال ابن حجر: واما اثر عثمان فلم اجده واما اثر علي: فقال سعيد بن منصور اخبرنا هشيم عن زكريا وغيره عن الشعبي ان علياً كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل او كثر.

    اقول: هذا الأثر منقطع لا تثبت به الحجة, وذكر ابن حجر اسناداً آخر من طريق الشافعي بسنده عن ابراهيم النخعي عن علي قال: "عقل المرأة على النصف من عقل الرجل"..

    اقول: وهذا اسناد منقطع ايضاً ابراهيم وهو النخعي لم يدرك علياً ولد بعد وفاته بأمد.

    اقول: وروي هذا المعنى (دية المرأة على النصف من دية الرجل فيما اخرجه الشافعي (1457) والبيهقي (8/76).

    عن ابن شهاب ومكحول وعطاء قالوا: ادركنا الناس على ان دية الحر المسلم على عهد رسول الله مائة من الابل فقوّم عمر تلك الدية على اهل القرى الف دينار او اثني عشر الف درهم, ودية الحرة المسلمة اذا كانت من اهل القرى خمسمائة دينار او ستة الاف".

    اقول: وهذا الاثر من رواية مسلم بن خالد الزنجي: قال فيه علي بن الحديثي: ليس بشيء وقال البخاري: منكر الحديث, والاكثرون على تضعيفه بل شدة ضعفه (تهذيب الكمال 27/115).

    وقال في تلخيص الحبير واما اثر ابن عمر وابن عباس فلم اجدهما.

    وينظر فيما سبق نصب الراية 4/363 وتلخيص الحبير 4/34.

    فاذا تأملنا كل ما سبق يتبين لنا انه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الامر شيء.

    واما الصحابة لم يثبت عن علي ولا عثمان ولا ابن عمر ولا ابن عباس واما عمر فلم يرو عنه بسند صحيح الا من خلال ما نقله عروة البارقي وكذا ما نقله النخعي عن ابن مسعود.

    فالقضية لا تعدو ان تكون اجتهاداً من بعض الصحابة رضوان الله عليهم (هذا ان ثبت عن عمر وابن مسعود) وعندها تكون القضية محل اجتهاد اذا لم يثبت شيء خاص فلم لا نرجع الى القرآن في هذا الأمر, الذي لم يفرق بين الذكر والانثى وجاء النص عاماً في ذلك, اذ لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ولو ثبت شيء لرفعناه على الرأس وسلمنا له تسليما.

    ذلك ان امر الدية من المقدرات الشرعية التي لا تؤخذ بالاجتهاد مع وجود النص, ولا يقاس الامر على الميراث والشهادة لاختلاف العلة والحكمة, فاحوال الميراث متغيره وقد ترث المرأة في بعض الاحوال اكثر من الرجل, ولاختلاف الواجبات على كل منهما .

    لقد حاول من قبل الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – ان يثير هذه المسألة فتعرض لنقد شديد لاذع ومن هذا: قول الالباني – رحمه الله – في كتاب تحريم آلات الطرب ص 24: فان الغزالي نهى في التمسك بعموم القرآن ولو كان مخصصاً بالاحاديث النبوية, والامثلة على ذلك كثيرة منها ما تقدم قريباً من انكاره على كافة العلماء محدثين وفقهاء جعلهم دية المرأة على النصف من دية الرجل, ونسبهم الى مخالفتهم لظاهر الكتاب يعني قوله تعالى: "النفس بالنفس" ا.هـ.

    اقول: لو ثبتت هذه الاحاديث التي اشار اليها الشيخ الالباني – رحمه الله – لكان الكلام متجهاً, لكنها لم تثبت.

    وصحيح ان جمهور الفقهاء على ذلك لكننا نجد من الفقهاء المتقدمين من خالف في هذا الاجتهاد (المغني 9/532-533).

    فالاوْلى اذن الاخذ بما جاء في عموم القرآن ما لم يرد شيء مرفوع يخصصه, ونقدر للفقهاء اجتهادهم..



    اذ لا يستطيع الصحابة ولا احد من الفقهاء ان يجتهد في تخصيص علوم القرآن الا بنص كما ان التخصيص بالقياس يحتاج الى نص.

    فليس اجتهادهم هنا بالضرورة هو الأولى بالاتباع خاصة ان الامر متعلق بالمقدرات الشرعية, واذا كانت القضية امراً اجتهادياً على القياس فما المانع ان يكون هناك اجتهاد آخر مبني على التمسك بعموم القرآن.

    ومن هنا, نستطيع ان نقرر قاعدة مهمة في التعامل مع السنة النبوية وهي انه لا يخصص عموم القرآن الا ما جاء صحيحاً صريح الدلالة عن رسول الله سالماً من العلل والمطاعن.

    كما جاء في تخصيص حد الجلد الوراد في القرآن بغير المحصن, لصحة واشتهار الاحاديث في ذلك.

    القاعدة التاسعة:

    وجوب التكامل بين عمل المحدث الناقد البصير والمجتهد الفقيه, وحق الاستنباط مقصور على الفقيه المجتهد, مع كون المحدث قد يكون فقيهاً مجتهداً والعكس.

    فلا بد للفقيه قبل ان يستنبط الاحكام من السنة ان يرجع الى المحدث ان لم يكن الفقيه ناقداً بنفسه ليأخذ حكمه على حديث ما.

    ومن واجب المحدث اذا ما رأى استنباطاً وتفقهاً في السنة من قبل اهل الاجتهاد ان يقيم لموقفهم الاجتهادي وزنه العلمي اللائق به, اذ استنباط الاحكام عملية اجتهادية متكاملة تقتضي النظر في كتاب الله اولاً ثم ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمل الصحابة ثم القياس ومصادر التشريع الاخرى مسترشدين بالقواعد الشرعية والفقهية المقررة وفق علم اصول الفقه مع المام باللغة والبلاغة والناسخ والمنسوخ وازالة ما قد يقع من اشكالات ومعارضات.

    ان الذي يحدث احياناً انك تجد فقيهاً ينتصر لحكم ويتشدد فيه وبعد البحث والتحري تجد ان مستنده في ذلك حديث ضعيف, وكذا العكس, يصحح محدث ما حديثاً وقد يكون حكمه سليماً من حيث دراسة السند لكن الفقيه قد يستنبط خلاف ما هو ظاهر المتن المصحح لما يراه من معارضة فيه للكتاب او شهور السنة او قواعد الشريعة المقررة او لما وقف عليه من ادلة مقابلة.

    الذي يحدث عند بعضهم انه اذا رأى فقهياً لم يأخذ بحديث صححه تجده يصوّر المسألة وكأنها اعراض عن السنة او رد للصحيح من الحديث وربما تجاوز الامر الى الطعن والغمز واللمز.

    انه لا بد ان يقوم الناقد الحديثي بدوره في نقد الحديث ويحكم عليه بما يهديه علمه وتخصصه بتوفيق الله ثم يدع المجال فسيحاً للفقيه المجتهد ان يستنبط ويرجح وفق علمه مستفيداً كل من الآخر.



    امثلة تطبيقية:.

    والآن دعوني اضرب امثلة في ذلك:.

    1- كنت تحدثت في الحلقة السابقة عن مسألة دية المرأة, ولاحظت ان اكثر الفقهاء يقرون انها على النصف من دية الرجل, ومن انتصر لذلك من المعاصرين الشيخ مصطفى السباعي والشيخ مصطفى الزرقا رحمهما الله.

    ومما ذكره الاستاذ الزرقا ان من مسوغات ذلك:.

    1- ان الدية ليست في القتل الاجرامي المتعمد.

    2- ان الدية ليست عقوبة للزجر.

    3- انها ليست تعويضاً مادياً عن المقتول اذ لا يقوّم الانسان مادياً.

    4- ان التعويض انما يكون بحسب الضرر المادي المترتب على القتل... الخ (العقل والفقه ص 43) بتصرف واختصار.

    واقول هنا: لو ان فقهاءنا الاجلاء رحمهم الله قديماً وحديثاً دققوا المسألة حديثياً وقفوا على ضعف الحديث الشديد في ذلك لاراحوا انفسهم من تبرير هذه المسألة بهذا التكلف..

    مثال آخر.

    وتبعاً لهذه المسألة مسألة دية المرأة عن دون النفس (كقطع اصبع او عدة اصابع خطأ).

    هنا يستشهد الفقهاء بحديث عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده مرفوعاً "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته" اخرجه النسائي 8/44/45 والدارقطني 3/92.

    وفي رواية للبيهقي (فما زاد فعل النصف).

    لقد كان هذا الحديث مثار اشكال عند كثيرين, اذ معناه انه لو قطع من امرأة اصبع ففيها عشر من الابل ولو قطع اثنتين ففيها عشرين ولو قطع ثلاثة ففيها ثلاثين اما لو قطع اربعة اصابع ففيها عشرين (أي تعود الى النصف).

    اعترض سابقاً ولاحقاً على هذا الأمر, اذ كيف يعقل ان دية ثلاثة اصابع ثلاثون ودية اربعة اصابع عشرون.

    ممن وقف ملياً وطويلاً مع هذه المسألة الاستاذ الزرقا رحمه الله ليصل الى ان المراد من الحديث ان الثلاثة الاولى لا تنصف والذي ينصف هو ما زاد على الثلاثة, بشرط ان لا يزيد مجموع دية الاصابع على النصف, وايد كلامه بكلام من نيل الاوطار (7/226).

    لقد اجتهد الشيخ رحم الله نفسه ليصل الى امر مقنع في فهم الحديث ولا شك ان هذا يدل على عظيم فقهه. ولكن: لو رجعنا الى علماء نقد الحديث لرأينا ان الحديث لا يصح البتة, فهو من رواية اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب.

    واسماعيل مخلط في روايته عن غير اهل بلده وهذا منها, كما ان ابن جريج مدلس ولم يسمع من عمرو بن شعيب, فالحديث منقطع, كما ان هناك انتقادات كثيرة لسلسلة حديث عمرو بن شعيب خاصة عند التفرد.

    فاذا كان الحديث ضعيفاً لماذا نجهد انفسنا في فهمه, او تأويله لينسجم مع الشريعة؟.

    لماذا نعمل به اصلاً؟.

    (انظر العقل والفقه في فهم الحديث النبوي للاستاذ الزرقا ص 37 فيما بعد, دار القلم – دمشق, 2002, ط2.



    المسألة الثالثة.

    بالمقابل, نجد الفقهاء يختلفون في مسألة قتل المسلم بالكافر.

    فذهب جمهور الفقهاء الى عدم جواز قتل المسلم بالكافر (أي لا يقام القصاص على المسلم الذي قتل كافراً عمداً).

    معتمدين في ذلك على الحديث الذي رواه ابو جحيفة: "قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا الا كتاب الله او فهم اعطيه رجل مسلم, او ما في هذه الصحيفة, قلت وما هذه الصحيفة قال: العقل (احكام العاقلة) وفكاك الاسير, ولا يقتل مسلم بكافر, اخرجه البخاري (111) والترمذي (1474).

    كما روي من طريق قيس بن عُباد عن علي, اخرجه ابو داود (4530) والنسائي (2/240) واخرجه احمد (2/191) وابو داود (2751) و(4531) وابن ماجه (2659) وغيرهم من طريق عمرو بن شعيب بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر. والحديث صحيح لا مطعن فيه.

    وذهب الحنفية وآخرون مذهباً آخر اذ لهم اجتهاد خاص في فهم هذا الحديث.

    اذ يرون ان الكافر نوعان محارب (عدو) وذمي (معاهد) ولفظ الكافر عام في النوعيم.

    لكنهم جعلوه خاصاً في الكافر المحارب (العدو) اما الذمي المعاهد فيرون انه اذا قتله مسلم عمداً فيقتص منه عملاً بعموم القرآن "والنفس بالنفس" وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر..".

    وقالوا: ان الاسلام اكد على وجوب حرمة وعهد الذمي وايضاً قد يكون بعض المسلمين مجرماص فلم نحمي المجرم, فاذا قتل بلا سبب فلم لا يعاقب (اما لو كان لسبب كأن استفزه في امر ديني, فالأمر مختلف).

    وكونهم استدلوا بأحاديث لم تصح لا يغير من واقع الامر شيئاً, اذ العمدة على فهم الكتاب هنا, ان موقفهم هذا عمل فقهي اجتهادي رائع.

    فهل هو رد للسنة او عمل بالعقل بخلاف هدي النبوة؟؟ ابداً.

    وانه لما يدعو الى مزيد من العجب مع التأمل والتدبر ان يأتي هذا القول "لا يقتل مسلم بكافر" مقترناً بقول الامام علي" (ما عندنا) الا كتاب الله او فهم المطية رجل".

    اليس هذا انموذج لهذا الفهم.. في كتاب الله فما وجه النكير اذا كان المقصد هو العمل بمقتضى الدليلين الكتاب والسنة تحقيقاً لما دعا اليه الاسلام من تحقيق اعلى مراتب العدل, والحق, اما ان يشنع على الحنفية ومن تبعهم انهم خالفوا قول الله تعالى "أفنجعل المسلمين كالمجرمين".

    انه لا شك ان الآية جاءت في سياق بيان فساد عقائد واخلاق الكافرين.. اما موضوعنا فهو تحقيق العدالة عندما يكون احد من المنتسبين للاسلام قد وقعت منه جريمة قتل عمداً قد يقولون ان الحديث قد خصص عموم القرآن.

    فها هنا يقال لا نناقش في هذا الامر ولكن النظر الاجتهادي للأمام ابي حنيفة اداه الى القول ايضاً ان الكافر هنا مخصوص بأحد نوعيه (المحارب المعادي) على ضوء نظرة في مجمل ادلة الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة وقواعدها.

    وهبّ انه اخطأ في هذا النظر الاجتهادي الوجيه حقاً, فيبقى ان القضية كلها اجتهادية, لا تصادم الكتاب والسنة ولا الثوابت او القطعيات فلم لا يكون لدينا من سعة الأفق وبُعُدُ النظر ما يجعلنا نتعامل مع هذه الاجتهادات بصدر رحب وحوار علمي بعيداً عن الطعن والغمز واللمز والتشكيك والاتهام خاصة اننا نتعامل مع جهابذة علماء وفقهاء الأمة رحمهم الله.

    القاعدة العاشرة في

    ضوابط وقواعد التعامل مع المتابعات والشواهد في تصحيح الحديث.

    من القضايا الإشكالية جداً في نقد الحديث التصحيح على المتابعات والشواهد. ولا بد بين يدي بحث المسألة من تعريف المتابعة والشاهد.

    فالمتابعة أن يوافق راو راوياً آخر على ما رواه عن شيخهما أو عمن فوقه عن صحابي واحد.

    فمثلا أن يروي معمر بن راشد عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ثم يرويه يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر فيقال تابع يونس معمراً.

    والشاهد أن يروى حديث عن صحابي ثم يوجد هذا الحديث أو ما يوافق معناه عن صحابي آخر, فقد يتفقان في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط وقد يكون الاتفاق في كل المعنى أو في بعض أجزائه.

    لا شك ان البحث عن المتابعات والشواهد من صميم عمل المحدثين النقاد لمعرفة التفرد والغرابة او عدمها ولمعرفة الموافقة والمخالفة والزيادات ومن ثم الوقوف على العلل والاخطاء الخفية او للتثبت من صحة حديث ما.

    لكن الاشكال الكبير ان تجد طرقا ما كلها ضعيفة بدرجات مختلفة من الضعف فيصحح الحديث بدعوى تعدد الطرق وتقوية الحديث بذلك.

    ان تصحيح الاحاديث بالاعتماد على الشواهد والمتابعات من غير قواعد وضوابط سليمة فتح باباً خطيراً من الاشكالات اذ تصحح احاديث ضعيفة, لا ينبغي ان تصحح وهذا فضلاً عما يمكن ان يكون في متونها من اشكالات وعلل.

    لقد لوحظ ان بعض اهل العلم يسعى لتصحيح كثير من الاحاديث بكثير من التكلف غير ناظر لما يترتب على عمله ذاك من نسبة احاديث الى رسول الله لم تثبت او اصدار احكام شرعية غير دقيقة ومن ثم تكليف الناس بما لم يكلفوا به, وتجد البعض اذا صحح حديثاً بهذه الطريقة المتكلفة يقول لك بعد ذلك فصح الحديث والحمد لله, وكأنه لو لم يصح الحديث لضاع الدين او تفلت الناس, وما عرف هؤلاء ان خطورة تصحيح حديث غير صحيح كتضعيف حديث هو في حقيقته صحيح, بل أشد, ونحن لم نكلف بالتعبد الا بما ثبت حقاً من غير ظنون وأوهام "ان الظن لا يغني من الحق شيئاً" وانه ليس المهم ان نكثر من اعداد الاحاديث الصحيحة المنسوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر ما ان المطلوب هو التحقق والتثبت, بل اذا علمنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشأ ان تدّون السنة واراد ان تبقى ظنية الثبوت – كما سنبين – ليبقى ميدان الاجتهاد توسعة على الامة فسيحاً.

    فعندما نعمد الى تصحيح احاديث لم يثبت صحتها فإننا نضيق واسعاً وتكلف الناس ما لم يكلفوا به من غير دليل.

    ومن ثم كان لا بد ان تكون عملية التصحيح على الشواهد والمتابعات منضبطة بقواعد دقيقة, سأبينها وأضرب لذلك عدداً من الامثلة مبيناً أثر عدم الالتزام بهذه القواعد.

    فلا بد لصحة اعتماده متابعة ما:

    اولاً: ان لا يكون احد الراويين ضعفه شديداً وانما لا يقل كل منهما عن درجة صدوق. او صدوق يخطئ ونحوها حداً ادنى لأن اطلاق لفظة صدوق على راو تدل على عدالته مع وجود اخطاء يسيرة عنده اما اذا قيل في راو ضعيف مثلاً فهذا يدل على كثرة الخطأ عنده وقلة الضبط.

    وكذا اذا كان الراوي مجهولاً فإنه لا يعرف عن ضبطه شيء فضلا عن جهالة عدالته.

    ثانياً: ان لا يكون احد الراويين ممن اختلف فيه توثيقاً وضعفاً, ولم يترجح جانب الوثاقة واذ نقول لا بد ان يكون كل راو من رتبة صدوق او صدوق يخطئ حداً ادنى فلا بد من مراعاة امر ما مهم جداً وهو ان اكثر الرواة الذين يرتكز عليهم في تصحيح المتابعات ممن اختلف فيهم فتجد من ضعفوا تارة ووثقوا تارة وهذه علة تقترح في قبول هذا الراوي في الشواهد أو المتابعات خاصة اذا كان جانب الجرح غالباً في اقوال النقاد أو كان التوثيق متردداً كقولهم: لا بأس به مع ضرورة فهم المصطلحات اذ معنى قولهم صالح مثلاً ان الراوي ثابت العدالة لكن ضبطه ضعيف, فكيف يقبل هؤلاء في الشواهد أو المتابعات اذ اوجد من ضعفهم.

    ثالثاً: ان يتفق كلا الراويين (الصدوقين) في المتابعات على كلام واحد سنداً ومتناً.

    فلو قدرنا ان احدهما رفع الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والاخر اضافه الى الصحابي, فقد اختلفا فهذه علة في الحديث.

    رابعاً: ان يصح الطريق الى كلا الراويين فلو قدرنا ان حديثاً رواه عن الزهري ليث بن ابي سليم وهو ضعيف بل شديد الضعف ثم تابعه مالك عن الزهري ومالك ثقة لكن الطريق الى مالك لم يثبت, فلا قيمة لهذه المتابعة وكذا لو كان الذي تابع ليثاً راو ضعيف مثله فلا قيمة للمتابعة.

    ومما يعين على ذلك كله استخدام شجرة الاسناد في النقد ونحو هذا يقال في الشواهد فلا بد ان يثبت الحديث الى الصحابي الاول لما لا يقل عن رتبة صدوق حصراً ثم يثبت الى الصحابي بنحوه او افضل لماذا؟.

    لأن معنى قولك شاهد ان الصحابي الاول نسب اليه ان ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً ما ثم ان تقول ان الصحابي الثاني يشهد للصحابي الاول على صحة ما نسب الى رسول الله, فاذا كان الصحابي الاول لم يثبت انه قال ما قال وما نسب الى رسول الله. فكيف تبحث له عن شاهد. واذا كان الصحابي الثاني لم يثبت عنه ما رواه وبطريق صحيح فكيف سيكون شاهداً؟.

    ولا يمكن ان يكون أي سند محل احتجاج الا اذا كان رواته من مرتبة ثقة وقد يستأنس بمن كان من مرتبة صدوق حداً ادنى لاحتمال ان هذا الراوي الصدوق توهم في نسبة الحديث الى صحابي آخر.

    خامسا: لا بد من انتفاء العلل من كل وجه. وهذه تحتاج الى تفصيل هذا مع وجوب التحري الشديد في احوال الرواة وخاصة المختلف فيهم فلا نرجح جانب الوثاقة لمجرد التشهي مع النظر في علل الاحاديث الاخرى وتكامل النقد سنداً ومتناً.

    وبعد هذه التوطئة الطويلة نسبياً فلنتناول بعض الامثلة لنرى اثر الخلل في تطبيق قواعد النقد.

    مع القاعدة العاشرة ثانياً

    بدأت معكم ايها الاخوة والاخوات القراء الحديث عن ضوابط التعامل مع الشواهد والمتابعات وانه لا يجوز ان نسارع الى تقوية الروايات التي وردت من طرق ضعيفة باسم الشواهد والمتابعات.

    ولذا لا بد من ضوابط صارمة لصحة الاحتجاج بالشاهد وهي ان تثبت بطريق صحيح الى كل صحابي على حدة مع وحدة المتن وكذا ان يكون المتابِع والمتابَع كلاهما من رتبة صدوق او صدوق يخطئ حداً ادنى مع انتفاء العلل وتطابق الرواية وثبوت الحديث الى كل من الراويين ووعدناكم ببعض الأمثلة:.

    المثال الاول:.

    فمن النماذج التي يتم تصحيحها وفق الشواهد من غير تحقق بالضوابط الاحاديث الداعية الى تكثير النسل والتوالد حتى غدا موضوع الكثرة لذاتها جزءاً من ثقافة الأمة, تجد الاسرة تخلف عشرة من الابناء ثم يتركون للشارع.

    وقبل ان اتحدث عن نقد الحديث سنداً لنرى مدى توافر ضوابط التقوية بالشواهد والمتابعات لا بد من كلمة حول المتن:.

    نحن نؤمن ان محمداً صلى الله عليه وسلم, اعظم الانبياء وانه اكثر الانبياء تبعاً يوم القيامة, وان امته اكثر اهل الجنة, كما ان الوقع يؤكد ان امة الاسلام تربو على ثلث العالم والدراسات تؤكد انه بعد نحو نصف قرن سيكون المسلمون يزيدون على نصف سكان الكرة الارضية.

    ويعتبر المختصون ان من اخطر ما يواجه الغرب هو التمدد السكاني للمسلمين من جهة والتقلص الكبير في المواليد في القرب بالمقابل.

    ومن ذلك ايضاً ان اسرائيل تواجه خطر القنبلة الديمغرافية الفلسطينية.

    والنبي صلى الله عليه وسلم اخبر اننا سنكون كثيرا وحذر في الوقت نفسه من الغثائية ولنا ان نقول: ان هذه الغثائية (كثرة فارغة لا تقدم ولا تؤخر كحال غثاء السيل, أي ما يطفو على سطح الماء من رغوة).

    مرض خطير له اسبابه, لكنه يمكن ان يكون طارئاً ويزول وتتحول هذه الكثرة الى ايجابية كبيرة, ان ايجابيات الكثرة في حق امة محمد (صلى الله عليه وسلم) كثيرة منها:.

    1- تشريف الله بأنه الاكثر تبعاً.

    2- مظهر من مظاهر القوة.. اذا وظفت بشكل سليم.

    3- مظهر من مظاهر اقامة الحجة على الآخرين.

    4- سبب من اسباب فرض هيبة الأمة الاسلامية.

    5- سبب من اسباب شرعية المطالبة بحقوقها المغتصبة في بلدان كثيرة.

    لكننا ونحن نقرأ هذا الحديث.. تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الأمم.

    نقف امام اشكالات:.

    1- جميع مَن في الكرة الارضية هي امة محمد (صلى الله عليه وسلم) من حيث انها امة الدعوة, وهو صلى الله عليه وسلم لم يرسل لفئة معينة حتى يدعوها الى التكاثر بالتوالد انما ارسل رحمة للعالمين.

    2- فالكثرة الحقيقية لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) والتي تدعو الى الفخر والشرف والرفعة تلك الكثرة الناتجة عن قيام المسلمين بواجبهم الكامل تجاه رسالتهم علماً وفهماً ودعوة وتحققاً ومن ثم سعياً الى نشر هذا الاسلام في العالم, ليكون الدين الأعظم في كثرة الداخلين فيه.

    3- وهذا يستدعي ان الكثرة المحمودة هي التي تعنى بالبناء الايماني والاخلاقي والعلمي والحضاري من كل وجه على مستوى الانسان: الفرد والامة معاً.

    4- ما جدوى ان نتغنى بكثرة وهي خواء من كل شيء: امة: ابناؤها وشبابها في ضياع وتسكع في الشوارع.

    5- ما جدوى الكثرة لذاتها اذا لم تلتزم بالحق وتعمل به, والله يقول: "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين".

    6- ولا تجد الكثرة تأتي بمعرض المدح في القرآن لذاتها اذا لم تُقترن بالحق والقرآن لا يمتدح القلة دائماً "وقليل من عبادي الشكور", "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".

    والشاهد من كل ما سبق ان ظاهر حديث "تزوجوا الودود الولود ... " كأننا امة محدودة وفئة معينة تنتمي لقومية معينة او جغرافية محددة يراد تكثيرها والواقع ان الاسلام لا يعترف بهذه القيود والحدود, فهو رسالة عالمية وان ايجاد حقيقة عالمية رسالة الاسلام لا يكون بالتوالد والانشغال بهذا الأمر وانما ببناء الانسان المؤمن الذي يبلغ رسالة الله للعالمين.

    من هنا, نقول.. هل دعا النبي صلى الله عليه وسلم الى كثرة التوالد حقاً لذاته, حتى اصبحنا لما طغت علينا هذه الثقافة منقطعة عن جوهرها في البناء والتربية والاعداد – فعلاً غثاء؟.

    حتى غدت الكثرة لذاتها ثقافة الامة من غير مضمون ولا اثر فعال في الواقع الا ما ندر.

    فلنقف مع دراسة هذا الحديث ولنرَ اثر تصحيح الحديث بالمتابعات او الشواهد دون ضوابط دقيقة وكيف تعاملت الأمة مع هذا الحديث بحيث بحثت عن مجرد الكثرة دون جوهر بناء الانسان في كثير من الحالات.

    فحديث: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم وفي رواية مكاثر بكم الانبياء".

    روي عن اربعة من الصحابة: انس ومعقل بن يسار وعبدالله بن عمرو بن العاص وابي امامة, لكن هل ثبت الى واحد منهم حتى يقال يشهد بعضها لبعض.

    فرواية انس في اسنادها خلف بن خليفة صدوق واختلط بآخرة واضطرب حديثه (تهذيب الكمال 8/288).

    وفيها حفص بن اخي انس, لم يرد عنه الا خلف بن خليفة, ومع ذلك وثقة بعض المتأخرين, لكن قال ابو حاتم: صالح الحديث (أي عند المتابعة).

    اما رواية معقل بن يسار ففي سندها: مستلم بن سعيد الواسطي قال احمد: شيخ ثقة قليل الحديث وقال غيره: صويلح وقال ابن حيان: ربما خالف.

    وفي روايته زيادة "ان رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وانها لا تلد, افأتزوجها, قال لا, ثم آتاه الثانية فقال: لا ثم آتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود....".

    اما رواية عبدالله بن عمرو ففي سندها ابن لهيقة وهو ممن اختلط فترك حديثه واما برواية ابي امامة. ففي سندها محمد بن ثابت العبدي البصري.

    قال ابن مين: ليس بشيء وضعفه النسائي وغيره وقال ابن عدي: عامة احاديث ومما لا يتابع عليه (تهذيب 24/556) وينظر تخريج الحديث في (مسند احمد 2/172 و3/58 وسنن ابي داود (2050) والنسائي 6/65 وابن حيان 4028, و4056 والسنن الكبرى للبيهقي 7/78 و81 كما ان حديث تناكحوا تكاثروا فاني أباهي بكم الأمم يوم القيامة, حديث ضعيف مرسل.

    فأنت ترى ان الحديث وان كان روي عن اربعة من الصحابة لم يثبت الى واحد منهم فكيف يقال بعد ذلك ان رواية انس تشهد لرواية معقل وكلتاهما تشهدان لرواية عمرو وهي لم تثبت الى واحد منهم وبعضها شديدة الضعف لنجعل من هذا الحديث ثقافة التكثير لذاتها, ونحن نرى ان الغثائية هي سمت هذا الكثير وان القرآن ذم الكثرة لذاتها, اين الحد الادنى من العناية والرعاية والتربية لهذه الكثرة, وسأورد نماذج اكثر وضوحاً في هذا الشأن.

    مع القاعدة العاشرة

    ضوابط وقواعد التعامل مع الشواهد والمتابعات.

    نستكمل معكم ايها الاخوة القراء ايراد التطبيقات الحديثية النقدية حول ضوابط التعامل مع الشواهد والمتابعات والتصحيح وفقها.

    اذ رأينا انه لا بد من صحة الطريق الى كل صحابي في الشواهد مع الموافقة في المتن ولا بد من صحة الطريق الى كل متابع وان لا يكون ضعف كل متابع شديدا مع اتفاق الروايين وانتفاء العلل.

    حديث لا صلاة لمنفرد خلف الصف:.

    نجد في اهل العلم من يشدد في حق من يصلي منفرداً خلف الصف بل وبعضهم يبطل صلاته من غير نظر الى تفصيل ذلك وهل كان لعذر ام لا, معتمداً على حديث يروي عن وابصة بن معبد: "ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة" رواه احمد وابو داود والترمذي وحسنه واورده ابن حبان في صحيحه.

    اقول: هذا الحديث له ثلاثة طرق مدارها على هلال بن يساف الاشجعي وهو ثقة.

    اما الطريق الثاني فعن هلال عن عمر وبن راشد وهو مجهول.

    واما الثالث فعن هلال عن زياد بن ابي الجعد عن وابصة لكنه لم يصح عن هلال اذ رواه عنه حصين بن عبدالرحمن مجهول.

    وهنا يأتي هذا التساؤل هل تقوي هذه المتابعات بعضها لنجعل من الحديث صحيحا؟.

    ما دام ان الاول (منقطع) فلا ندري من الساقط وقد يكون هو نفسه المجهول في الطريق الثاني فهما في حكم الطريق الواحد.

    واما الثالث فلم يثبت ان هلالاً رواه عن زياد بن ابي الجعد فكيف يعتبر به,.

    فهذه متابعات لم تتوافر فيها شروط التقوية فالحديث ضعيف.

    ولذا قال الشافعي: لو صح لقلت به.

    هل للحديث شاهد:.

    يرون في ذلك حديث: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف".

    وفي اسناده ملازم بن عمرو قال احمد: مقارب الحديث.

    وقال ابو حاتم: صدوق, لا بأس به ووثقه يحيى بن معين والنسائي, فهو متكلم في ضبطه.

    وقد انفرد بهذا الحديث, والحديث السابق لم يثبت حتى يقال يشهد له حديث وابصة ثم انه يخالف حديثاً صحيحاً اخرجه البخاري عن ابي بكرة انه انتهى الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع, فركع قبل ان يصل الى الصف فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: :"زادك الله حرصاً ولا تعد", والشاهد انه لم يبطل صلاته ولا بد اذن من الترجيح او التوفيق, فالترجيح حديث ابي بكرة اصح اما التوفيق فان يقال ان معنى حديث عمرو بن ملازم لا صلاة كاملة لمن تعمد ذلك.

    نعم الأصل اكمال الصفوف وتسوية الصفوف وسد الفرج, لكن هذا شيء وان يقال ان الصلاة باطلة فشيء آخر.

    ان عدم مراعاة ضوابط التقوية بالشواهد والمتابعات والنظر في الاحاديث المعارضة ومن ثم كشف العلل يبعدنا عن النقد السليم وعن الحكم الصحيح.

    مثال آخر.

    من الامثلة التي يذهب بعض النقاد الى تصحيحها بالمتابعات ويبنون عليها احكاماً غير صحيحة بالتالي حديث:.

    "الماء طهور لا ينجسه شيء".

    ويحتجون ان الترمذي حسنه ونقل عن احمد تصحيحه وصححه ابن حزم واخذ به ومن المعاصرين صححه الشيخ الالباني.

    اقول: الحديث فيه علل كثيرة لكن سأقتصر على بعضها:.

    فمداره على رواة ثلاثة عن ابي سعيد الخدري:.

    الاول: عبيدالله بن عبدالله بن رافع بن خديج.

    الثاني: ابن ابي سعيد الخدري.

    الثالث: ابو نضرة.

    لكن الأول وان صح الطريق اليه الا انه مجهول.

    والثاني والثالث كلاهما لم يثبت الطريق اليهما فالرواة عنهما ضعفاء فلم يستوف الحديث شروط صحة المتابعات ثم انه مخالف للعديد من الاحاديث الصحيحة في الباب منها:.

    1- "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث".

    فدل الحديث انه اذا كان الماء قليلاً دون القلتين ووقعت فيه نجاسة فانه ينجس, فكيف يقال انه لا ينجسه شيء.

    2- حديث ابي هريرة مرفوعا: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" اخرجه مسلم 1/162.

    3- وعن ابي هريرة "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" أخرجه البخاري 1/53 ومسلم 1/162.

    4- حديث "طهور إناء أحدكم إذا وَلغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن في التراب" اخرجه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.

    5- ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن سؤر الهرة قال: انها ليست بنجس, انما هي من الطوافين عليكم او الطوافات" اخرجه مالك واصحاب السنن.

    6- حديث "إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فانه لا يدري أين باتت يده".

    والشاهد في هذه الاحاديث بيان تأثر الماء مما يتوبه من النجاسات, فكيف يقال: الماء طهور لا ينجسه شيء.

    فالحديث لم يصح سنداً لعدم استيفائه شروط الاحتجاج بالمتابعات فلا يثبت فيه الا طريق عبيد الله بن عبدالله بن رافع وهو مجهول وخالف مضامين الروايات الصحيحة المعروفة.

    اما موقف الترمذي من الحديث فلا بد من وقفة معه فهو قد قال:.

    حديث حسن, جود اسناده ابو اسامة لم يروه احد اجود مما رواه ابو اسامة وروي من غير وجه نحو ذاك.

    اقول: معنى كلام الترمذي:.

    1- الترمذي يحكم على الحديث (بالحسن) اذا تعددت طرقه ولم يكن فيها متهم ولا شذوذ او بالاستقراء يحكم على كل حديث ضعيف يمكن ان يتقوى لو جاء ما يقويه, واما اذا جاء ما يقويه فيعده صحيحاً, اذن هي اشارة الى ضعف الحديث.

    2- قوله: جود ابو اسامه اسناده, فلأن الحديث روي من طرق وقع فيها اخطاء (ليس هذا مجال ذكرها) باستثناء رواية ابي اسامة.

    3- قوله روي من غير وجه: قد رأيناها ورأينا انه لم يثبت منها شيء.

    والقضية تحتاج الى معرفة مصطلحات الأئمة وقواعدهم في التصحيح والتضعيف والى امثلة اخرى نرى كيف يتساهل في النقد فننسب الى رسول الله ما لا يثبت فنستنبط احكاماً غير صحيحة شرعاً.

    مع القاعدة العاشرة.

    ومن الشواهد المهمة لبيان اثر عدم التزام بقواعد الدقيقة في التصحيح على الشواهد والمتابعات: الاحاديث المتعلقة بحكم الذهب المحلق للنساء.

    فقد اجمع الفقهاء على تحريم الذهب على الرجال وكان ما يشبه الاجماع على حل الذهب للنساء لكننا رأينا بعض اهل العلم من المتأخرين يذهب, مذهباً آخر اذ يقرر ان الذهب نوعان محلق (أي ما كان على شكل حلقة او يحيط بالعضو كالاساورة والخاتم والحلق والطوق) ومعلق وهو ما كان على شكل قطعة ذهبية اياً كان وزنها وشكلها لكنها تعلق من غير ان تكون محيطة بالعضو كأن تعلق بسلسال فضة, او خيط ونحو ذلك فيرى ان ما كان من الذهب معلقاً فيجوز للنساء لبسه وما كان محلقاً لا يجوز.

    والذي دفعه لذلك انه علم صحة احاديث تبيح الذهب للنساء كحديث "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها".

    ووقف على احاديث ظاهرها يحرم الذهب على النساء فجمع بين النصوص بأن حمل احاديث التحريم على المحلق وحمل احاديث الاباحة على المعلق.

    وكان سبب ذلك كله عدم التقيد بالقواعد النقدية المتعلقة بالتصحيح على الشواهد والمتابعات.

    وفيما يلي عرض موجز لأهم هذه النصوص.

    1- حديث اسيد بن ابي اسيد البراد عن نافع بن عياش عن ابي هريرة مرفوعاً "من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب..." اخرجه احمد وابو داود ينظر السند الجامع 20/429.

    مداره على اسيد: لم يوثق وذكره ابن حبان في كتاب الثقات كعادته في ذكر المجاهيل.

    واختلف في اسمه وذكره ابن سعد في الطبقات وقال: قليل الحديث, وقال الدارقطني: يعتبر به, وهذه تعني لو توبع متابعة صحيحة, وكون الترمذي صحح حديثاً آخر من روايته لا يدل على توثيق هذا الراوي كما هو معلوم.

    فهل يجوز ان يعتمد راو مجهول لاصدار حكم على الحلق؟.

    والحديث الثاني: عن ابي زيد عن ابي هريرة: كنت قاعداً عند النبي فأتت امرأة فقالت يا رسول الله: سواران من ذهب قال: سواران من نار.." أخرجه احمد 2/440 وأبو زيد مجهول.

    ولا يصلح ان يكون متابعة للحديث السابق لشدة جهالة ابي زيد ثم لاختلاف المتن كلياً.

    الحديث الثالث: عن ام سلمة جعلت شعائر من ذهب في رقبتها.. فأعرض النبي عنها ثم قال: "زعموا انه قال ما ضر احداكن لو جعلت قرصاً (حلقاً) من ورق (فضة) ثم جعلته بزعفران.

    1- الحديث روى من طرق ثلاث عن عطاء عن ام سلمة الاول: خصيف بن عبدالرحمن, سيء الحفظ.

    الثاني: ابن جريج مدلس وقد رواه بالعنعنة.

    الثالث: ليث ابي سليم شديد الضعف.

    2- اضطربت رواياتهم فرواية ابن جريج المذكورة وفيه قوله: زعموا انه قال.ز فهي موضع الشاهد وواضح انها غير متصلة.

    ورواية خصيف بلفظ مختلف: سألت رسول الله عن الذهب يربط به المسك (فهي عن استعمال الذهب, لا عن لبسه) والثالثة بلفظ: ما يؤمنك ان يقلدك الله مكانها يوم القيامة شعرات من نار.

    وهذه الرواية الثالثة هي اصرح رواية بالتحريم لكنها من رواية اضعفهم (ليث بن ابي سليم).

    وواضح انه لما كان الرواة ضعفاء اضطربوا في الرواية فكل واحد رواه على نحو مختلف عن الآخر.

    واحدى الروايات ليس فيها دليل على المقصود (رواية خصيف ورواية ابن جريج منقطعة ورواية ليث شديدة الضعف, فلم يتوافر في أي منها شروط التقوية بالمتابعات.

    ولما كان الحديث لا يثبت عن ام سلمة, فلا يصح ان يكون شاهداً لحديث ابي هريرة, حيث لم يثبت الحديث الى أي منهم مع اختلاف المتن, كما انه روى عن ام سلمة خلاف هذا الحديث بسند حسن (وكنت البس اوضاحاً من ذهب, فقلت يا رسول الله اكنز هو, فقال (صلى الله عليه وسلم) ما بلغ ان تؤدي زكاته فليس بكنز, اخرجه ابو داود من طريق ثابت بن عجلان وهو صدوق (بنظر المسند الجامع 19/611).

    وفي الحديث علل اخرى ليس هذا مكان بسطها والحديث الرابع عن شهر بن حوثب عن اسماء بنت يزيد ان النبي (صلى الله عليه وسلم) جمع النساء للبيعة وفي النساء خالة لها وعليها قلبان من ذهب وخواتيم فقال هل يسرك ان يحليك يوم القيامة من جمر جهنم سوارين وخواتيم.. اطرحي ما عليك فطرحته.

    بنظر المسند الجامع (19/73).

    وفي الحديث علل عدة:.

    1- شهر بن حوشب متكلم في ضبطه.

    2- اضطربت الروايات عن شهر فمنها ما كان نصاً في اداء الزكاة بلفظ "اتعطيان زكاته...".

    فهو تهديد عن لا يؤدي الزكاة.

    3- خالف الروايات التي في الصحيحين والتي حث فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) النساء على الصدقة فقال: تصدقن ولو من حليكن" اخرجه البخاري (1466) ومسلم (1000) فتبين ان الموضوع متعلق بأداء الصدقة لا مجرد اللبس.

    4- تابعه محمود بن عمرو لكنه شديد الجهالة فكيف يصح هذا الحديث؟.

    وكيف يقال ان يشهد لما سبق ولم يثبت أي منها الى أي صحابي.

    والحديث الخامس الذي يحتج به من يرى حرمة الذهب المحلق للنساء حديث ثوبان جاءت بنت هييره الى رسول الله وفي يدها فتح (خواتم ضخام) فجعل رسول الله يضرب يدها, قد خلت على فاطمة بنت رسول الله تشكوا اليها الذي صنع رسول الله, فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب, وقالت هذه اهداها ابو حسن, فدخل رسول الله والسلسلة في يدها فقال يا فاطمة: ان يقول الناس ابنة رسول الله في يدها سلسلة من نار, فباعتها واشترت بها عبداً فأعتقته.. فقال (صلى الله عليه وسلم): الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار" اخرجه أحمد والنسائي.

    الحديث من رواية يحيى بن ابي كثير, وهو كثير الارسال وقد رواه عند زيد بن سلاّم, ومع انه صرح بالسماع في هذا الحديث فقد رجح عدد من النقاد ان يحيى لم يسمع من زيد اشار الى ذلك ابن معين وابن القطان وابن القيم والذهبي.

    وللحديث طريق اخرى عن يحيى عن ابي سلام ممطور وهي منقطعة ايضاً.

    ولعل الأهم مما مضى فقد المتن من وجوه:.

    1- اما هذه الفتاة صغيرة, فكيف يضربها النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي لا تعلم الاحكام وغير مكلفة.

    واما انها كبيرة فكيف يمد النبي (صلى الله عليه وسلم) على من لا تحل له.

    2- كيف يجرؤ احد ان يشكو صنيع النبي.

    3- كيف تجرؤ فاطمة ان تعترض باخراج سلسلة في عنقها.

    4- كيف تجهل فاطمة وعلى هذه الأحكام.

    5- كيف يعلق النبي التحريم على قول الناس (أيسرك ان يقول الناس...).

    6- ان النجاة من النار ممكن ان تكون لمجرد العتق للعبد وهذا ثابت.

    7- انه من الممكن ان يكون اصل الحديث دعوة الى الزهد لكنه لم يضبط بشكل صحيح.

    وهكذا يتبين لنا انه لم يثبت الحديث الى أي صحابي, فكيف يقال بعد ذلك ان مجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً ويستفاد منها قوة وصحة.

    وكيف يجوز ان تصدر احكاماً مبنية على الظنون والأوهام.

    كما ان هذه الاحاديث تخالف احاديث اصح كالتي صرحت بمطلق اباحة الذهب للنساء.

    والاحاديث التي جاءت تدعو النساء الى اداء الزكاة او الصدقة من حليهن.

    كما صح في مسلم (209) ان رسول الله رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه فقال ايعمد احدكم الى جمرة من نار فيجعلها في يده وقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله خذ خاتمك فانتفع به.. فكيف يستطيع الانتفاع به لولا انه حل للنساء والصحابة يعلمون ذلك.

    وفي حديث ثوبان كيف صح لفاطمة ان تبيع السلسلة لولا وجود من يلبسها.

    وقد حكى الاجماع على اباحة الذهب للنساء عدد من العلماء ينظر ابن حجر في الفتح (10/37).

    وهكذا نرى ان الغفلة عن شروط التصحيح للمتابعات والشواهد ادى الى القول بحكم شرعي غريب خالف فيه صاحبه الاجماع وصحيح السنة بل وخالف نص القرآن الذي وصف النساء بقوله: " أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ "..

    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الأربعاء 28 ديسمبر 2011 - 19:27

    القاعدة العاشرة في:

    ضوابط وقواعد التعامل مع المتابعات والشواهد في تصحيح الحديث.

    من القضايا الإشكالية جداً في نقد الحديث التصحيح على المتابعات والشواهد. ولا بد بين يدي بحث المسألة من تعريف المتابعة والشاهد.

    فالمتابعة أن يوافق راو راوياً آخر على ما رواه عن شيخهما أو عمن فوقه عن صحابي واحد.

    فمثلا أن يروي معمر بن راشد عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ثم يرويه يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر فيقال تابع يونس معمراً.

    والشاهد أن يروى حديث عن صحابي ثم يوجد هذا الحديث أو ما يوافق معناه عن صحابي آخر, فقد يتفقان في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط وقد يكون الاتفاق في كل المعنى أو في بعض أجزائه.

    لا شك ان البحث عن المتابعات والشواهد من صميم عمل المحدثين النقاد لمعرفة التفرد والغرابة او عدمها ولمعرفة الموافقة والمخالفة والزيادات ومن ثم الوقوف على العلل والاخطاء الخفية او للتثبت من صحة حديث ما.

    لكن الاشكال الكبير ان تجد طرقا ما كلها ضعيفة بدرجات مختلفة من الضعف فيصحح الحديث بدعوى تعدد الطرق وتقوية الحديث بذلك.

    ان تصحيح الاحاديث بالاعتماد على الشواهد والمتابعات من غير قواعد وضوابط سليمة فتح باباً خطيراً من الاشكالات اذ تصحح احاديث ضعيفة, لا ينبغي ان تصحح وهذا فضلاً عما يمكن ان يكون في متونها من اشكالات وعلل.

    لقد لوحظ ان بعض اهل العلم يسعى لتصحيح كثير من الاحاديث بكثير من التكلف غير ناظر لما يترتب على عمله ذاك من نسبة احاديث الى رسول الله لم تثبت او اصدار احكام شرعية غير دقيقة ومن ثم تكليف الناس بما لم يكلفوا به, وتجد البعض اذا صحح حديثاً بهذه الطريقة المتكلفة يقول لك بعد ذلك فصح الحديث والحمد لله, وكأنه لو لم يصح الحديث لضاع الدين او تفلت الناس, وما عرف هؤلاء ان خطورة تصحيح حديث غير صحيح كتضعيف حديث هو في حقيقته صحيح, بل أشد, ونحن لم نكلف بالتعبد الا بما ثبت حقاً من غير ظنون وأوهام "ان الظن لا يغني من الحق شيئاً" وانه ليس المهم ان نكثر من اعداد الاحاديث الصحيحة المنسوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر ما ان المطلوب هو التحقق والتثبت, بل اذا علمنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشأ ان تدّون السنة واراد ان تبقى ظنية الثبوت – كما سنبين – ليبقى ميدان الاجتهاد توسعة على الامة فسيحاً.

    فعندما نعمد الى تصحيح احاديث لم يثبت صحتها فإننا نضيق واسعاً وتكلف الناس ما لم يكلفوا به من غير دليل.

    ومن ثم كان لا بد ان تكون عملية التصحيح على الشواهد والمتابعات منضبطة بقواعد دقيقة, سأبينها وأضرب لذلك عدداً من الامثلة مبيناً أثر عدم الالتزام بهذه القواعد.

    فلا بد لصحة اعتماده متابعة ما:

    اولاً: ان لا يكون احد الراويين ضعفه شديداً وانما لا يقل كل منهما عن درجة صدوق. او صدوق يخطئ ونحوها حداً ادنى لأن اطلاق لفظة صدوق على راو تدل على عدالته مع وجود اخطاء يسيرة عنده اما اذا قيل في راو ضعيف مثلاً فهذا يدل على كثرة الخطأ عنده وقلة الضبط.

    وكذا اذا كان الراوي مجهولاً فإنه لا يعرف عن ضبطه شيء فضلا عن جهالة عدالته.

    ثانياً: ان لا يكون احد الراويين ممن اختلف فيه توثيقاً وضعفاً, ولم يترجح جانب الوثاقة واذ نقول لا بد ان يكون كل راو من رتبة صدوق او صدوق يخطئ حداً ادنى فلا بد من مراعاة امر ما مهم جداً وهو ان اكثر الرواة الذين يرتكز عليهم في تصحيح المتابعات ممن اختلف فيهم فتجد من ضعفوا تارة ووثقوا تارة وهذه علة تقترح في قبول هذا الراوي في الشواهد أو المتابعات خاصة اذا كان جانب الجرح غالباً في اقوال النقاد أو كان التوثيق متردداً كقولهم: لا بأس به مع ضرورة فهم المصطلحات اذ معنى قولهم صالح مثلاً ان الراوي ثابت العدالة لكن ضبطه ضعيف, فكيف يقبل هؤلاء في الشواهد أو المتابعات اذ اوجد من ضعفهم.

    ثالثاً: ان يتفق كلا الراويين (الصدوقين) في المتابعات على كلام واحد سنداً ومتناً.

    فلو قدرنا ان احدهما رفع الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والاخر اضافه الى الصحابي, فقد اختلفا فهذه علة في الحديث.

    رابعاً: ان يصح الطريق الى كلا الراويين فلو قدرنا ان حديثاً رواه عن الزهري ليث بن ابي سليم وهو ضعيف بل شديد الضعف ثم تابعه مالك عن الزهري ومالك ثقة لكن الطريق الى مالك لم يثبت, فلا قيمة لهذه المتابعة وكذا لو كان الذي تابع ليثاً راو ضعيف مثله فلا قيمة للمتابعة.

    ومما يعين على ذلك كله استخدام شجرة الاسناد في النقد ونحو هذا يقال في الشواهد فلا بد ان يثبت الحديث الى الصحابي الاول لما لا يقل عن رتبة صدوق حصراً ثم يثبت الى الصحابي بنحوه او افضل لماذا؟.

    لأن معنى قولك شاهد ان الصحابي الاول نسب اليه ان ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً ما ثم ان تقول ان الصحابي الثاني يشهد للصحابي الاول على صحة ما نسب الى رسول الله, فاذا كان الصحابي الاول لم يثبت انه قال ما قال وما نسب الى رسول الله. فكيف تبحث له عن شاهد. واذا كان الصحابي الثاني لم يثبت عنه ما رواه وبطريق صحيح فكيف سيكون شاهداً؟.

    ولا يمكن ان يكون أي سند محل احتجاج الا اذا كان رواته من مرتبة ثقة وقد يستأنس بمن كان من مرتبة صدوق حداً ادنى لاحتمال ان هذا الراوي الصدوق توهم في نسبة الحديث الى صحابي آخر.

    خامسا: لا بد من انتفاء العلل من كل وجه. وهذه تحتاج الى تفصيل هذا مع وجوب التحري الشديد في احوال الرواة وخاصة المختلف فيهم فلا نرجح جانب الوثاقة لمجرد التشهي مع النظر في علل الاحاديث الاخرى وتكامل النقد سنداً ومتناً.

    وبعد هذه التوطئة الطويلة نسبياً فلنتناول بعض الامثلة لنرى اثر الخلل في تطبيق قواعد النقد.

    القاعدة الحادية عشرة:

    في ظنية ثبوت معظم السنة وأثرها في التعامل معها:

    الاخبار تختلف مراتبها من حيث قوة ثبوتها:.

    1- فمنها ما يفيد العلم اليقيني القطعي وهي لا تحتمل خطأ او كذباً ابداً وهي ما عرف عند العلماء بالمتواترة وتعرف بأنها ما نقل جمع عن جمع من مبدأ السنة الى منتهاه يستحيل تواطؤهم على الكذب, فأي خبر او نص وصلنا بهذه الطريقة فهو قطعاً صحيح, صدق مطابق للواقع ومن نماذج ذلك القطعية القرآن الكريم, وبعض احاديث السنة القليلة.

    ويلحق به من الاخبار والاحاديث ما يفيد العلم النظري وهو ما كان من رواية آحاد (أي ليس متواتراً) لكنه احتف بقرائن جعلته مما يفيد صحة الخبر دون ادنى شك عند اهل الاختصاص خاصة ومن هذه القرائن تعدد طرقه وكانت صحيحة كالمشهور من الاحاديث او ما اتفق الشيخان على صحته دون ان يوجه له نقد من العلماء.

    2- من الاخبار ما كان ظني الثبوت أي ورد بطريق آحادي (مشهور تعددت طرقه لكن لم يبلغ مبلغ العلم النظري, او عزيز: ما ورد من طريقين او فرد ويسمى الغريب ما ورد من طريق واحد) وهذا ان استوفر شروط الحديث الصحيح وهو ما يغلب على الظن ثبوته (الظن الراجح) يسمى صحيحا وهو ما اتصل بنقل العدل تام الضبط من غير شذوذ ولا علة.

    ويلحق به عند بعض اهل العلم الحديث الحسن وهو ما كان فيه خلل يسير في الضبط لكن يبقى في دائرة الرجحان وهذا مما اختلف فيه اهل العلم اذ ربما الحقه البعض بالنوع التالي ويحتاج الى بحث خاص.

    3- مرتبة الشك او التردد: وهو ما ورد من الاخبار, وكان محل تردد اثبت ام لم يثبت فلا انت عندك الدليل القاطع على رده ولا على قبوله ويندرج تحت هذا النوع كثير من انواع الحديث الضعيف ونسبة قبوله 50% وعليه فلا يعمل به في الاسلام.

    4- الوهم .. وهو ما كان اقرب الى الرد وارجح.

    ونحن اذا نظرنا في عموم السنة النبوية تقسم الى صحيح وحسن وضعيف وموضوع ثم هذا الضعيف يقسم الى مراتب حتى يكون منه ما هو ضعيف جداً.

    وكل بحثنا الآن هو ما كان صحيحاً او حسناً, فان معظم احاديث السنة وبنسبة 95% تقديراً التي حكم العلماء بصحتها او حسنها هي من نوع الظن الراجح أي ليست من القطعي ولا مما يفيد العلم النظري, وعندما نقول انها من الظن الراجح في الثبوت فهذا يعني اننا امام اخبار حكمنا عليها بالصحة ويمكن ان لا تكون صحيحة بنسبة (ما) واما اخبار اختلف العلماء في الحكم عليها واجتهدوا وعليه فلا يجوز لأحد من اهل العلم ان يحجر على عالم آخر في الاجتهاد ولا يجوز ان تكون هذه الاحاديث التي هي ظنية في الثبوت سبباً في التكفير او التبديع او التضليل ما دام ان الذي يتعامل معها ممن هو من اهل العلم والاختصاص والتقوى.

    ولذا نستطيع ان نقول ان الاخبار منها ما هو:.

    1- قطعي الثبوت قطعي الدلالة كقوله تعالى "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة".

    2- قطعي الثبوت ظني الدلالة أي وان كان ثبت قطعياً فيمكن ان يختلف في فهمه كقوله تعالى "وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ " وقوله "أو لامستم النساء" فما مقدار المسح الواجب وما هو اللمس الناقض.

    3- ظني الثبوت قطعي الدلالة كقول ابن عمر: "فرض رسول الله زكاة الفطر على كل حر وعبد.." في اثبات فرضية صدقة الفطر لكنه ظني الثبوت فلو قدرنا ان انساناً انكره بلا دليل لا يكفر ولا يخرج من الملة, لكن لو ان احداً انكر فرضية زكاة المال كفر لانها ثبتت بنص قطعي ودلالة قطعية.

    ثم هذا النص الذي هو قطعي الدلالة على فرضية صدقة الفطر اختلف في ثبوت بعض فقراته, فأضاف بعضهم في آخر (من المسلمين فهو ظني الثبوت من جهتين من حيث هو ومن حيث بعض فقراته ومن ثم اختلفت دلالته من حيث التفصيل.

    4- ظني الثبوت ظني الدلالة.

    كالاحاديث التي تتكلم عن بعض البيوع المحرمة وهكذا اذا تحسن تتبعنا السنة النبوية, فمعظمها ظني الثبوت وكثير منها ظني الدلالة, تقف مثلاً مع احاديث "لا نكاح إلا بولي" و"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فهذه ظنية الثبوت فقد صححها بعض العلماء وضعفها آخرون واعتبرها ابو حنيفة مخالفة لظاهر القرآن.

    وعندما نقف مع قوله (صلى الله عليه وسلم) "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب", أو من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج".

    هنا نحن أمام احاديث ظنية الثبوت بمعنى انه وان صحت عند اهل العلم لكنها لم تبلغ التواتر ويخالف ظاهر القرآن, فلذا رأى ابو حنيفة انه لا بد ان يوفق بينهما وبين القرآن فهي ظنية الثبوت ظنية الدلالة, اذ يمكن ان تفهم بمعنى "لا صلاة كاملة" وليس بمعنى بطلان الصلاة لماذا؟.

    لأن الله يقول :" فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ" .. اننا اذا تتبعنا كل اعمال واجتهاد المجتهدين المعتبرين السابقين نجدهم يؤكدون ان معظم السنة ظنية الثبوت او ظنية الثبوت والدلالة ولذا نجدهم يختلفون اختلافاً واسعاً فيما بينهم في الاجتهاد دون ان يعيب احد على احد, فهذا الامام مالك وابو حنيفة لا يأخذان بحديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" على ظاهره ويؤولانه انه اراد بذلك التفرق بالكلام لا بالابدان بأن صدر من احدهما ايجاب ومن الآخر قبول تم البيع, اما اذا صدر من احدهما ايجاب وانصرف الآخر عن القبول فها بعد ذلك بالخيار.

    ان تأصيل هذه القاعدة وهو ظنية ثبوت السنة يفتح لنا ابواباً عظيمة من الاجتهاد ويفتح باباً عظيماً من اعذار بعضنا بعضاً ويفتح باباً من الحوار العلمي الرصين الذي يحفظ فيه المسلم نفسه ويحفظ فيه عرض العلماء فلا يتطاول عليهم, ويفتح باباً من الخطأ والصواب ويفتح باباً لكثير من المراجعات الضرورية للاحكام والتصورات.. حسب الحاجة والدليل, وبالتالي من رد حديثاً صحيحاً في ظاهره سنده او اوله بما يخرجه عن ظاهره ينظر ان كان من اهل العلم والاختصاص والتقوى فلا حرج عليه, ما دام له دليله الخاص في ذلك سواء اقتنعنا به او لم نقنع وهو داخل في اطار حديث رسول الله "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر".

    اما ان كان الذي يرد الاحاديث الصحيحة او يؤولها تأويلاً يخرجها عن ظاهرها, ليس من اهل العلم والاختصاص او ليس ممن يعرف بتقوى الله في ذلك فهذا مما يحكم بفسقه لأنه يقول بلا علم ولا برهان ولكن مع ذلك لا يكفر..

    وانما يخرج من الملة من انكر معلوماً من الدين ضرورة فمن انكر رؤيا الله في الآخرة لم يكفره العلماء لأن الآية القرآنية الواردة في ذلك تحتمل التأويل والنص الحديثي الوارد ظني الثبوت وان كان صحيحاً وان كان في البخاري, ومن انكر عذاب القبر فعلى الراجح لا يكفر لأن الايات الواردة في ذلك تحتمل تأويلاً والنصوص الحديثية هي ليست من باب التواتر اللفظي وانما التواتر المعنوي, فبقيت في دائرة الظن الراجح.

    وبعد ان اصلت هذا المعنى يرد هذا التساؤل ما الدليل على ظنية ثبوت السنة وبمعنى آخر حتى لو صح الحديث يبقى ظني الثبوت نقول نعم والدليل على ذلك امور اهمها:.

    1- كونها رويت بالمعنى في كثير من الاحوال.

    2- كونها مما تأخر تدوينه.

    3- كونها رويت برواية الآحاد.

    4- واقع اختلاف المحدثين في النقد والفقهاء في الاستدلال.

    وكل قضية من هذه القضايا تحتاج الى وقفة خاصة

    مع القاعدة الحادية عشرة ثانياً

    خلاصة ما تقرر في هذا

    اذا اثبتت السنة 100% فلا يمكن ان يرد شك او تردد او ظهر في الثبوت في اليقينية والقطعية وهي المتواترة ومع ذلك قد تكون ظنية الدلالة أي مما يختلف فيها في الفهم.

    اما اذا اثبتت السنة بنسبة 51%-99% فهي من الظنية الثبوت وعندئد حتى وان حكم اهل النقد بصحة حديث فيقال فيه ظني الثبوت, مع كونه قد يكون ظني الدلالة وعليه فيتعامل معه وفق ما تقرر سابقاً, انه محل اجتهاد ونظر وانه محل احتمال الخطأ والصواب, وان كان الصواب والصحة تزداد بمقدار ارتفاع نسبة الثبوت وانتفاء ادلة الرد.

    وانه اذا كان الذي رد هذا النوع من الحديث عالماً مختصاً تقياً فهو مجتهد فان اصاب فله اجران وان اخطأ فله اجر, واذا كانت نسبة الثبوت 50% فهو محل شك وتوقف, واذا كانت نسبة الثبوت 49% فما دون فهو كل رد مطلق.

    والاحاديث الصحيحة التي يسميها العلماء صحيحة غالباً ما تأخذ نسبة 90% فما فوق (تقريباً) والاحاديث التي تسمى (الحسن) تأخذ نسبة 70-90%.

    والاحاديث الضعيفة تأخذ نسبة 51%-69% تقريباً وما دون ذلك رد.

    وقلنا ان السنة في معظمها حتى ما حكمنا بصحته هو في دائرة الظن الراجح لاسباب أي يمكن ان ترد ويمكن ان يكون فيها خطأ وفيما يلي مناقشة هذه الاسباب:.

    1- كونها رويت بالمعنى.

    لم يكن التدوين واسعاً في اول العهد وكان جل اعتماد الصحابة والتابعين على الحفظ ولكن مع تقرير هذا المبدأ فان ذلك مما لا يطعن في السنة لما رافق ذلك من عوامل مهمة جداً مساعدة على الضبط والاتقان والتحري.

    ومن ذلك: عامل الذاكرة والحفظ الذي عرف به كثير من العرب ومن ذلك شدة تحري الصحابة وشدة اهتمامهم فكان الواحد منهم لا يحدث بما يظن انه لم يضبطه ديانة وورعاً.

    ومن ذلك, طبيعة الحديث النبوي الموجز البليغ الذي يساعد على الحفظ وايضاً طريقة النبي صلى الله عليه وسلم الالقاء حيث كان لا يسرد الكلام سرداً بل لو اراد العادّ ان يعده لعده وكان يكرره ثلاثاً ليفهم عنه, هذا مع كون الصحابة كانوا يأخذون الحديث للعمل والتطبيق وورث عنهم التابعون ذلك وكلها عوامل تساعد على حفظ السنة وضبطها, مع كون الاسانيد لم تنشأ اذ هو جيل الصحابة والتابعين.

    وبعد ذلك (بعد المائة الاولى بدأ انتشار التدوين كما سنشير, ولكن ومع كل هذه العوامل فانه لا ينكر ان السنة في كثير منها رويت بالمعنى سواء كان هذا التصرف من قبل بعض الصحابة او من بعدهم ولا ادل على ذلك من واقع كتب السنة نفسها حتى الصحاح فأنت تقرأ الحديث الواحد في الصحيح فتجده روي مثلاً بلفظ:.

    "كان الله ولم يكن غيره".

    وبلفظ "كان الله ولم يكن شيء قبله".

    وبلفظ "كان الله ولم يكن شيء معه".

    فما هو اللفظ الذي نطق به النبي (صلى الله عليه وسلم) حقاً؟؟.

    ونقرأ حديث يضع الجبار "يوم القيامة" قدما وتقرؤوه بلفظ "يضع قدمه".

    وبلفظ "يضع رجله".

    وهذا الفاظ تؤدي الى تباين في الفهم.

    وتقرأ حديث "خلق الله آدم على صورته.

    وخلق الله آدم على صورة الرحمن.

    وامثال ذلك كثير.

    ونأتي الى حديث "إنما الأعمال بالنيات" لتجده بهذا اللفظ وبلفظ "إنما الأعمال" بالنية وبلفظ "إنما العمل بالنية".

    وبلفظ "لكل امرئ ما نوى" او "ولامرئ ما نوى",

    والدليل على الثاني على وجود الرواية بالمعنى ان علماء الحديث قاطبة تصدوا لهذه القضية.

    وهنا لا بد من وقفة بيان.

    ان العلماء بينوا انه اذا روى الحديث بالمعنى فلا بد من ضوابط لقبوله: كان يكون الذي رواه ثقة ضابطاً عالماً بما يحيل المعاني.

    وبينوا انه اذا وقع اختلاف فهذا الاختلاف على نوعين: 1- اختلاف تنوع كما في حديث من تبع الجنازة "حتى تدفن". وجاء بلفظ "حتى توضع". وبلفظ "حتى تلحد" فالامر سهل وقريب.

    2- اختلاف تضاد فلا بد من دراسة وترجيح ورد المرجوح ويعد شاذاً او منكراً.

    ومن الامثلة في ذلك:.

    حديث "طلق ركانة زوجة البتة" فعدها رسول الله واحدة لما سأله ما اردت قال ما اردت الا واحدة وهذا اللفظ لا اشكال فهي وهو الصحيح ومعناه ان من طلق طلاقاً كنائياً يرجع فيه الى نيته سواء في اللفظ او العدد.

    لكن الحديث روى بلفظ آخر "طلق ركانة زوجة ثلاثاً" فعدها النبي واحدة ولكن هذا تصرف باللفظ وفق معنى غير صحيح ظنه الراوي صحيحاً فأوقع في اشكال خطر جعل بعض الناس ان الثلاث واحدة, والمشكلة الكبرى هنا ان تروى احاديث بالمعنى فتؤدي الى فهم ملتبس او خلاف ما اراد الشارع الكريم دون ان نكتشف ذلك او ان يجعل بعض اهل العلم يصر على ظاهر حديث والعلة فيه الرواية بالمعنى.

    نعم,, لقد نهض علماء نقد الحديث والعلل الى دراسة هذه الاحاديث وليس المقصود في هذا الامر الطعن او ان يتخذ احد ذلك ذريعة للطعن في السنة انما المقصود ان هذا احد الاسباب المهمة العملية التي تجعل المجتهد يتعامل مع السنة انها ظنية الثبوت, لاحتمال الخطأ من هذا الباب حتى ولو لم يظهر لنا ولكن ولا شك ليس لكل احد ان يشكك او ان يطعن وفق هواه.

    ولا بد ان يكون ذلك مبنياً وفق علم واجتهاد وبرهان.

    ومن ذلك, مثلاً حديث "كان فيما نزل من القرآن عشر معلومات يحرمن ثم نسخن إلى خمس معلومات يحرمن ثم توفي رسول الله وهن فيما يتلى من القرآن".

    ان هذا الحديث لا يمكن ان يقبل على ظاهرة فهل فيه علة وان هذه العلة من اسبابها الرواية بالمعنى.

    ومن الاحاديث التي تستوقفك ما روي عن الطاعون انه وخز أعدائكم من الجن وشهادة لكم "اخرجه الحاكم بنظر صحيح الجامع (3846) فان الواقع يخالف ذلك الا ان يكون روى بلفظ آخر وبدل فيه بالمعنى ولو من غير قصد وحديث "إن الشمس تذهب (عند الغروب) تسجد تحت العرش".. والواقع العملي يخالف ذلك والحديث في البخاري فهل تصرف الرواة باللفظ فأدى معنى مغايراً.

    ومن الاحاديث في ذلك: "ان احدكم يجمع خلقه في بطن امه اربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك".

    هذا اللفظ الصحيح للحديث, لقد رواه بعضهم واعتمده النووي في الاربعين فاشتهر بلفظ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" وكلها في الصحيح حتى ظن البعض ان مدة النطفة والعلقة والمضغة 120 يوماً بينما هي كلها في اربعين واحدة, كما هي رواية اللفظ الصحيح ويشهد لها احاديث اخرى صحيحة – لا مجال لذكرها الآن -.

    ان سبب الخلل هنا الرواية بالمعنى ومع ذلك فكلها وردت في الصحيح.

    قلت ان العلماء شرطوا لدقة وصحة الرواية بالمعنى شروطا ومنها ان لا يتعمد ذلك وان يكون ضابطاً وعالماً بما يحيل المعنى وان لا يكون لفظ الحديث متعبداً به كما في الحديث ان النبي قال للبراء بن عازب إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: "اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك إلى أن قال: وآمنت بنبيك الذي أرسلت".

    فلما ردده البراء على النبي قال آمنت برسولك الذي أرسلت فصحح له النبي (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: لا, ونبيك الذي أرسلت (خ 247).

    ان هذا انموذج مهم للتدقيق في الرواية والحرص على الالفاظ النبوية.

    ولكن ليست المشكلة هنا, فلا شك ان هذه الضوابط تجعل امن الخطأ من الرواية بالمعنى متحققاً لكن المشكلة ان ندرك ان الشروط قد توافرت في حديث ما, ولذا ولوجود الرواية بالمعنى كان الصحابة يتحرون فيقولون او نحوه او كما قال او شبيه ذا.

    لنخلص الى القول انه لا شك وجدت الرواية بالمعنى مما يستدعي من المحدثين والنقاد والفقهاء المزيد من التدقيق في فنون الاحاديث حتى وان سلمت الاسانيد او سلم ظاهر اللفظ.

    ولنقول ان ذلك يؤكد ان السنة بهذا المعنى, من حيث الثبوت تبقى ظنية – أي احتمال الخطأ ممكن – بينما القرآن هو النص الوحيد في الدنيا الذي حفظ لفظاً ومعنى غاية الدقة الذي ليس بعدها غاية, وانه ما دام الامر كذلك فيبقى ميدان الاجتهاد مفتوحاً سواء من حيث التصحيح والتضعيف او من حيث الاستنباط والعمل.

    وانه لاجل ذلك لا بد ان يعذر بعضها بعضاً وفوسع دائرة النظر والاجتهاد والاختلاف على ان يكون ذلك بعلم وحق ودليل وبرهان بعيداً عن الهوى والتعصب.

    وايضاً ان نضع هذه الظاهرة – ظاهرة الرواية بالمعنى – في حجمها المناسب – فلا نبالغ في الطعن برواية بالمجرد الظن والادعاء وان نعلم ان علماء العلل حاولوا جاهدين ان يكشفوا عما وقع لهم من ذلك لكن ايضاً لا يعني انهم احاطوا بذلك.

    وان نؤكد ان ذلك كله لا يجوز ان يكون سبباً للطعن في السنة ومصداقيتها لما بذل الصحابة فمن بعدهم من جهود مضنية في التحري والتثبيت والتدقيق ولقوة قواعد النقد التي وضعها علماؤنا ومنها محاكمة النصوص الظنية الى النصوص القطعية والى الواقع والتاريخ والعقل الثابت.

    انه اذا اخذنا الامور وفق هذه القواعد سلم لنا المنهج, واجتهد اهل الاختصاص في معرفة الحق او منا هو اقرب الى الحق


    مع القاعدة الحادية عشرة

    في ظنية ثبوت معظم السنة النبوية وأثرها في التعامل وضوابط ذلك:.

    تقديم ومراجعة.

    لا يوجد مسلم بحق يشكك في حجية السُنّة النبوية الثابتة وانها ملزمة للجميع.

    وهذا الموضوع من البدهيات التي لا يستطيع أن يجادل فيها مريد الحق.

    وقد بينت مراراً في هذه الحلقات أننا لو كنا أمام حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحدثنا مباشرة، فإن ما يقوله حجة قاطعة وصدق مطلق "ما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى"، ويجب على كل مسلم أن يُسلّم ويخضع ويتبع ويلتزم بلا تردد، "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمونك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما".

    إذن، أين يقع النقاش والبحث؟.

    إن السنة التي بين أيدينا إنما حملها إلينا رجال، بشر، يخطئون ويصيبون وهم على مراتب فمنهم من هو في أعلى درجات التوثيق ومنهم من في دركات الجرح، ومنهم ما بين ذلك، ثم في كل رواية سلسلة من الرواة، فلئن أصاب الأول، فقد يخطأ الثاني، ثم كل راو مهما بلغ من درجات التوثيق، فإنه بحكم بشريته معرض للخطأ بنفسه أو في الرواية عنه، ثم كل رواية معرضة لاحتمال أن يداخلها خطأ ما، فعندما تناقش حديثاً (ما) أو ننقد رواية (ما) أو نتحدث عن ضوابط التعامل مع السُنّة النبوية، فيقيناً وقطعاً ان هذا لا يخدش حجية السُنّة الثابتة ووجوب العمل بها ولا يطعن بمصداقيتها ولا بجهود علمائنا السابقين، وان ردَّ أي حديث ظاهر الصحة مثلاً قطعاً ليس رداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو مناقشة للرواة فيما نسبوا إلى رسول الله..

    وان مخالفة أي محدث في حكم على حديث (ما) ليس طعناً فيه ولا بعلمه وأن الأمر لا يعدو أن يكون في دائرة الاجتهاد المسموح به شرعاً.

    وان غاية ما نريد من ذلك أن باب الاجتهاد بشروطه الدقيقة في هذا الباب مفتوح، ومن أهم شروط هذا الاجتهاد – أعني الاجتهاد في النقد والتصحيح والتضعيف – أن يكون صادراً عن أهله من العلماء المحدثين.

    الذين شهد أهل العلم لم بالأهلية في ذلك وأن يكونوا قد عرفوا بالتقوى والنزاهة والتحري. مع سعة الأفق والإطلاع وأن يتقبل بعضنا من بعض أي مناقشة في ذلك ما دامت مستندة إلى البرهان والدليل العلمي لا الهوى.. ومن ثم الأعذار في هذا الباب واجب، إذ لا عصمة إلا للأنبياء والرسل.

    بعد هذا، فإنك تعجب أشد العجب ممن يظن نفسه أميناً حارساً على سُنّة رسول الله، فإذا صحح حديثاً هو أو عالم سابق، فجاء من ينقد هذا الحديث تجده لا يطعن في الحكم – فهذا من حقه في دائرة الاجتهاد – لكنه يطعن بالناقد والعالم المخالف له في الحكم لينعت هؤلاء كل من خالفهم في رد حديث أو قبوله تارة بالضلال وتارة بالابتداع وتارة بأنهم من المدرسة العقلية ويقصدون بذلك الذم لا المدح.

    ولو أنهم اقتصروا على مناقشة الموضوع نفسه وتصحيح ما ينبغي تصحيحه لما كان في ذلك حرج مع العلم أنه مما يجب أن يشار إليه وينوه به أن من واجبنا جميعاً النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وقد تقرر أن من أهم مظاهر النصح لله ولرسوله التدقيق في فهم الكتاب والسُنّة والتدقيق فيما ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال أو يرد، فلا شك أن نسبة حديث إلى رسول الله لم يثبت أنه قاله لا يقل خطورة من نفي حديث قد قاله، وكم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب أو التقوّل عليه، ومرّ معنا من قبل كم كان منهج الصحابة شديداً جداً في التحري فيما يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم كان عمر بن الخطاب يحذر من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم كان الصحابة يمتنعون من التحديث عنه صلى الله عليه وسلم، ويقولون الحديث عن رسول الله شديد، وإذا حدثوا تجدهم يقولون: أو هكذا أو نحوه أو شبيه ذا، وهم ليس بينهم وبين رسول الله واسطة، فكيف بعد تباعد الأزمان واختلاف الرواة ووجود الدخلاء, فكم أصبح التحري أشد وجوباً.

    مع القاعدة الحادية عشرة:

    في ظنية ثبوت معظم السنة النبوية وأثرها في التعامل وضوابط ذلك:.

    تقديم ومراجعة.

    بل إننا وجدنا الصحابة يرد بعضهم على بعض، فكم انتقدوا أبا هريرة لكثرة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعاً دافع أبو هريرة عن نفسه، وهم لا يتهمون أبا هريرة في صدقه ودينه لكن يرون ان الاكثار مدعاة للوهم والخطأ أو وجود المدخول من الحديث.

    كما ان الاكثار مدعاة للاستغراب، فكانوا لا يطمئنون دائما – ومن غير اتهام – ومع ذلك كان ابو هريرة يصر على صحة ما يروي – هذا اذا ثبت السند اليه، والملاحظ ان احدا لم يتهم ابا هريرة وان اختلفوا معه.

    بل الاوسع من ذلك ان الصحابة خطأوا بعضهم بعضا ورد بعضهم على بعض فردت عائشة حديث "يقطع صلاة الرجل المرأة.." وحديث "ان الميت ليعذب ببكاء اهله.."، ورد ابن مسعود حديث حذيفة "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"، ورد عمر حديث فاطمة بنت قيس..

    وسبق بيان ذلك، لكن الشاهد ان احدا لم يتهم عائشة في دينها وحرصها على سنة رسول الله، وكذا لم يتهم ابن مسعود، كما ان ابن مسعود وعائشة لم يتهموا احدا من الصحابة في دينهم وعدالتهم، واوصلوا لنا منهجاً عظيماً في البحث والتحري والتدقيق وقبول مبدأ الاجتهاد في قبول الحديث أو رده, هذا مع عدم وجود الأسانيد فكيف بعد وجود مفاوز بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم, كم نحن بحاجة إلى التحري فلماذا نسارع إلى اتهام بعضنا والتشكيك بالنوايا والأهداف والقذف بشتى التهم, ولماذا لا نناقش مناقشات علمية رزينة هادئة موضوعية للوصول الى الحق وهذا غاية ما نريد من هذه الحلقات ان نسعى إلى تحرير سنة النبي المصطفى ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بالحق والعدل لنكون اقرب إلى مراد الله سبحانه وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    ونحن نرى ان علماءنا الأجلاء السابقين قد اختلفوا اختلافاً بيناً فيما بينهم في صحة أحاديث عديدة من مثل حديث: خلق الله التربة.. وحديث رضاع سالم وحديث "لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن وحديث خمس معلومات يحرمن.. وغيرها كثير جداً..

    ردها البخاري وقبلها مسلم او العكس.. ولم يطعن احد في احد..

    بل اختلفوا في بعض قواعد النقد من مثل حتى تقبل رواية الراوي الضعيف (أي الذي يقول في روايته عن فلان وهذا سيؤدي إلى رد أحاديث أو قبولها.. ان كل ما سبق يؤكد المبدأ الذي نتحدث عنه وهو ظنية ثبوت السنة النبوية في معظمها واننا نتعامل معها على هذا الأساس ومن ذلك انه ما لم تنقل السنة نقلاً متواتراً بل نقلت بطريق أحادي وهو ما كان من طريق او طريقين أو ثلاثة أو نحوه فإمكان الخطأ في الرواية ممكن.. ولكن لا يجوز التعسف في الرد لمجرد الهوى والتشهي كما لا يجوز القبول من غير نقد وتمحيص والتأكد من توافر جميع شروط الحديث الصحيح المتفق عليها مما سنبينه في مكانه مع التأكيد ان يكون ذلك صادرا عن أهله والتأكيد أيضاً أن رد حديث لعلة ما مهما كانت او اكتشاف علل في أحاديث ظاهرها الصحة لا يطعن بمصداقية السنة ولا بجهود علمائنا وقد قلت من قبل ان كون السنة ظنية في معظمها يفتح باب الاجتهاد مع الأعذار والحوار في ذلك مع سعة الأفق لكن من أهله مع الدليل واذكر ان أدلة ان السنة ظنية الثبوت أمور منها:.

    اختلاف العلماء فيما بينهم في تصحيح وتضعيف أحاديث بدءاً من الصحابة الى يومنا هذا بل تجد العالم نفسه قد يراجع نفسه في فقد حديث ما.

    كون معظم السنة روي أحادياً والبشر قد يخطئ أو يتوهم.

    كون السنة قد تأخر تدوينها.

    كون السنة قد رويت بالمعنى.

    ولكني أؤكد ان هذا ليس مبررا للمستشرقين ومن معهم ان يطعنوا بمجمل السنة لأن دور العلماء كان تحرير السنة بأشد الموازين وأدقها لعلمهم احتمال وقوع الخطأ من بعض الرواة وهذا ما فعلوه وما زالوا يفعلونه.

    ولكن المطلوب إذا ما وجدنا من الباحثين الصادقين بحثا في تحرير السنة ان لا تسارع الى الطعن في مصداقيتهم ونيّاتهم ودينهم وان لا ننقلب إلى أعداء فيما بيننا هذا وقد بحثت من قبل في كون السنة ظنية من خلال روايتها بالمعنى ونستكمل ان شاء الله البحث في الجوانب الأخرى كما بينت من قبل بعض القواعد المتعلقة في كون السنة ظنية الثبوت واثر ذلك في التعامل معها.

    مع قاعدة ظنية ثبوت السنة:

    1- للتذكير اقول من المؤكد ان معظم السنة النبوية ثبتت ثبوتاً ظنياً كما بينت. فان كان الحديث صحيحاً فهو ظن راجح ويجب العمل به ما لم يظهر قادح يمنع من العمل عند اهل الاختصاص.

    وان كان الظن متردداً فهو الحديث الحسن ويتوقف العمل به الى وجود مرجح لأحد الطرفين وان مرجوحاً او الظن ضعيفاً, فالضعيف وهو على مراتب ويجب رده.

    2- ان كون السنة النبوية ظنية في ثبوتها هو من مراد الشارع الحكيم, وذلك لحكم كثيرة منها يتسع ميدان الاجتهاد, ويقع التيسير على الناس, وليعذر بعضنا بعضاً, ولهذا ادلة كثيرة تأتي .

    3- ان كون السنة ظنية لا يعني بحال الطعن بها او التشكيك بمصداقيتها, وذلك ان علماء الحديث تصدوا لهذه المرويات واخذوا يتفحصونها ويحققوا فيها .

    ولكن كونها ظنية يعني امكان الاجتهاد في النقد والاستنباط والقبول والرد وانه لا ينكر عالم على عالم موقفه ان خالفه ان في الحكم على الحديث او في فهمه.

    مع الرواية بالمعنى واثرها:.

    وقد تكلمت فيما سبق في هذا السياق عن احد مظاهر ظنية السنة واثرها وهو كونها رويت بالمعنى واود ان اضيف هنا شاهداً آخر لما سبق.

    فقد روى مسلم بسنده عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" مسلم (279/91).

    ولكننا نجد هذا الحديث عند البخاري ومسلم ايضاً من رواية ابي هريرة "فليغسله سبع مرات أو قال سبعاً) خ (172) ومسلم (279) دون ذكر التراب.

    وبعض الروايات تقول: فاغسلوه سبع مرات وعقروه الثامنة بالتراب (مسلم 280), وفي رواية للترمذي (اخراهن وأولاهن بالتراب), وفي رواية لمسلم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات.

    ان هذا التلون في الرواية الواحدة عن الصحابي نفسه (ابي هريرة) اورث اجتهادات عدة للفقهاء فنجد الحنفية لا يرون ان تطهيره بالتراب واجباً, ولا يرون عدد السبعة ملزماً لما رووا ان ابا هريرة افتى بغسله ثلاثاً.

    ونجد المالكية يعتبرون ان ذلك تعبدياً وليس من باب ان لعاب الكلب نجس.

    لكن هل يجوز ان يكون هذا باب للطعن في السنة, لا والف لا لكنه قطعاً باب مهم للاجتهاد وسعة الافق والتيسير على الناس وتعدد الآراء.



    القرآن يوحدنا.

    ومن هنا نقول ان الاصول التي لا يصح الاختلاف فيها هي ما جاء في محكم القرآن العظيم وما وراء ذلك, فالأمر فيه واسع وهكذا اراد الشارع ودعوني اضرب امثلة صارخة في هذا الشأن.

    فكم يثار بين اهل السنة والشيعة من خلاف وكم يمزق ذلك المسلمين وكم يفتح باباً للعدو يوقع الفتنة بيننا.

    ولو سألنا انفسنا من اين بدأ الخلل؟ استطيع القول: انه لما طرح الشيعة ان الامامة ركن من اركان الدين وانها وصية في علي بن ابي طالب وذريته حصراً وان من لم يؤمن بهذا الركن يكفر ترتب على ذلك امور خطيرة جداً منها:.

    1- اتهام الصحابة بنقض وصية رسول الله.

    2- تكفير الصحابة ومن وراءهم اذ لم يقروا بقولهم.

    3- بعضهم يغالي فيدعي ان بعض الصحابة اخفى آيات الولاية.

    4- رفض كل روايات السنة التي جاءت عن طريق الصحابة.

    5- اتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفشل في التربية.

    6- تكفير سائر المسلمين.

    7- القول بغيبة المهدي المنتظر لان النص الوصية اقتصر على اثنى عشر خليفة.

    8- القول على الله بالبداء (تغير العلم) لأن الوصية انتقلت من اسماعيل بن جعفر الصادق الى اخيه موسى الكاظم.

    ولكننا نقول وبكل بساطة لو اخذنا بأصول محكمة في القرآن لما كان كل هذا واول هذه الاصول: "إنّا نحن نزّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون".

    والاصل الثاني: اين ذكر الامامة والوصية صريحاً او شبه صريح في كتاب الله.. لا نجد فكيف يكون ركناً من اركان الدين كالصلاة والزكاة والصوم والحج.

    الاصل الثالث اننا نجد خلاف ذلك في كتاب الله وهو قوله تعالى "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".

    فأولوا الامر هم من مجموع المسلمين وليس حصراً في جهة محددة.

    فاذا قلنا انه ما دام القرآن لم يصرح بالامامة ولم ينص على ذلك فلا يجوز ان تكون على الوجه الذي يقول به الشيعة ركناً ومن ثم اذن لا يجوز ان تكون من القضايا التي تكون سبباً في التفرقة والنزاع وتحصر في قضية الاجتهاد والترجيح وامكان الخطأ والصواب.

    والقضايا من هذا القبيل كثيرة جداً, ولكنه الانموذج.. ونعود الى سياق ظنية ثبوت السنة.



    قضية تدوين السنة:.

    بحث مسألة تدوين السنة يؤكد ان السنة النبوية ظنية في معظمها وان الشارع الكريم هكذا ارادها.

    لكن الذي نلاحظه ان هناك افراطاً وتفريطاً في المسألة..

    فاذ نجد المستشرقين واتباعهم من المستغربين ينكرون اصل تدوين السنة او يشككون بها مطلقاً لأن بدء التدوين في زعمهم كان بعد القرن الاول ..

    ولا شك ان هذا موقف لا يستند مع اساس علمي موضوعي ورد عليه علماؤنا من خلال كتابات كثيرة منها:.

    1- كتاب السنة قبل التدوين, للدكتور محمد عجاج الخطيب.

    2- دراسات في الحديث النبوي, للدكتور محمد مصطفى السباعي.

    كما ان الدكتور مصطفى السباعي كان له جولات علمية موفقة في نقاش المستشرفين وقد سطر بعض ذلك في كتابه القيم:.

    السنة ومكانتها في التشريع, اقول: بينما كان للمستشرقين هذا الموقف المتطرف غير العلمي رأينا ان بعض الباحثين ورغبة منه في الرد على المستشرقين بالغ في التأكيد ان السنة دونت وبشكل واسع منذ القرن الاول.

    وتجد هذا خاصة في كتاب محمد مصطفى الاعظمي وفي الوقت نفسه تجد في كتب علوم الحديث آراء عدة في الموقف من تدوين السنة في القرن الاول فمنهم من يرى المنع ومنهم من يرى الجواز ومنهم من يرى الجواز بشروط.. وما ذلك الا لاختلاف الروايات وتعددها في هذا الشأن.

    فاقتضى ذلك, انه لا بد ان نضع القضية في نصابها الصحيح وسياقها الدقيق ان شاء الله.

    اولاً: الروايات الدالة على منع التدوين:.

    كان الرأي السائد عند بعض الصحابة المتقدمين والتابعين عدم تدوين السنة لما روى مسلم في صحيحه عن ابي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن فمن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه".

    ونجد صدى لذلك, ان عمر اراد جمع السنة النبوية وتدوينها ثم امتنع, فعن عروة بن الزبير ان عمر اراد ان يكتب السنن فاستفتى اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك, فأشاروا عليه ان يكتبها, فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً, ثم اصبح يوماً وقد عزم الله له, فقال: اني كنت اريد ان اكتب السنن, واني ذكرت قوماً كتبوا كتباً, فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله, واني والله لا اشوب كتاب الله بشيء, او قال: لا كتاب مع كتاب الله (جامع بيان العلم وفضله) (1/64).

    وفي رواية: اني كنت اريد ان اكتب السنن, واني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كثيراً كتبوا فأكبوا عليها, وتركوا كتاب الله, واني والله لا البس كتاب الله بشيء ابداً.. مصنف عبدالرزاق (20484).

    وهناك روايات وآثار عديدة عن عدد من الصحابة كرهوا تدوين سنة رسول الله منهم عبدالله بن مسعود وعلي بن ابي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابو سعيد الخدري وعبدالله بن عمر وابو موسى الاشعري، ذكر ذلك كله الخطيب البغدادي في كتاب تقييد العلم ص 52 فما بعد, فلتراجع لمن اراد وبعضها يحتاج الى تمحيص من حيث السند.

    وقبل مناقشة هذه الآراء والروايات لا بد من ايراد ادلة القائلين بالتدوين

    قضية تدوين السنة وآثارها:

    مسألة تدوين السنة من المسائل التي جعلتها ظنية الثبوت وتحتاج الى مزيد من التحري والتدقيق في نقد كل حديث على حدة وفق قواعد هذا العلم الشريف.

    و كان توجهاً قوياً عند بعض الصحابة والتابعين يرفض تدوين السنة مطلقاً، وذكرنا حججهم ونسكمل اليوم عناصر الموضوع.

    ادولة القائلين بجواز التدوين :

    ذهب جمهور من اهل العلم الى ان التدوين كان موجوداً من العصر الاول وان شيئاً لا يمنع من ذلك، واستدلوا ب:.

    1- ان حديث ابي سعيد الخدري: "الا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن.." انما هو موقوف على ابي سعيد الخدري, أي من كلامه، وليس من كلام النبي والى هذا ذهب البخاري ، على خلاف مسلم الذي يرى انه حديث صحيح مرفوع الى رسول الله.

    2- ما ثبت من وجود عدد من الصحف كتبت في عهد النبي:

    أ‌- الصحيفة الصادقة التي كتبها عمرو بن العاص.. وقد قال له رسول الله: اكتب فوالله ما يخرج منه إلا حق.

    ب‌- صحيفة علي بن ابي طالب وفيها مقادير الديات وفكاك الاسير..

    ت‌- صحيفة سعد بن عبادة (سنن الترمذي 2/280) وفيها ان النبي قضى باليمين والشاهد.

    ث‌- كتبه عليه الصلاة والسلام الى امرائه وعماله.. والى الملوك..

    ج‌- قوله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاة.. وغير ذلك كتب في العهد الاول.



    مواقف اهل العلم من قضية التدوين:.

    امام تعارض الادلة الظاهري تعددت مناهج العلماء في هذه المسألة:.

    - فمنهم من افرط وادّعى ان كثيراً من السنة دوّن وانه لا يصح شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي.

    - ومنهم من ادّعى انه لم يصح عن النبي شيء في النهي لكن ما كتب كان قليلاً جداً.

    - ومنهم من يرى ان النهي ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    - ومنهم من حاول ان يوفق بين الامر بالكتابة والنهي فذكروا في ذلك اقوالاً لا تكاد تقبل لا شرعاً ولا عقلاً ولا وقاعاً, من ذلك:.

    - قول بعضهم ان الاذن كان موجوداً والنهي مخصوص عن ان يكتب القرآن والسنة في صحيفة واحدة.

    - ومن ذلك قول من قال ان النهي كان خوف ان يلتبس القرآن بالسنة ويختلطا فلما امن اللبس جاز.

    - ومنهم من قال الاصل النهي فاذا وجدت الحاجة والضرورة ومع وجود امن اللبس والاختلاط جازت الكتابة.

    - ومنهم من قال كان النهي اول الأمر ثم نسخ, مع ان ابا سعيد راوي حديث النهي من صغار الصحابة أي ينبغي ان يكون سمعه في اواخر عهد النبي .

    ونحن اذا تأملنا في كل هذه الاقوال نجدها لا تثبت امام النقد العلمي المتين. فالذي لا يستطيع ان يجادل فيه مجادل:.

    1- ان النهي عن كتابة السنة ثابت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابي سعيد الخدري.

    2- وان ذلك لم ينسخ لكون ابي سعيد من صغار الصحابة.

    3- وان الحالات التي اذن بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت محدودة جداً في ظروف خاصة .

    4- ان دعوى ان صحيفة عبدالله بن عمرو بن العاص انتقلت الى احفاده ووصلت الى عمرو بن شعيب لا تثبت امام النقد العلمي فكم انفرد عمرو بن شعيب (ابن حفيد عبدالله بن عمرو بن العاص) بأحاديث جاءت بأحكام ردها جمهور اهل العلم.. وقلّ من يتنبه الى هذه المشكلة.

    5- ان الشيء الثابت والأكيد ان جمهور الصحابة بل كبارهم رفض التدوين بعد رسول الله رفضاً قاطعاً كما نقل عن عمر بن الخطاب وغيره.

    6- يؤكد كل ما مضى – وهو ان السُنة لم تكن مدونة – الا على نطاق محدود جداً, وضمن اعمال فردية بسيطة، فصحيفة علي التي يذكرونها ليس فيها الا سطر او سطرين – يؤكد عدم التدوين ما اخرجه البخاري ان عمر بن عبدالعزيز كتب الى ابي بكر بن حزم في المدينة: "انظر ما كان من الحديث عن الرسول فاكتبه فاني خفت دروس العلم (أي انقراض العلم أي ذهاب واختفاء السنة) وذهاب العلماء" صحيح البخاري .

    فبدأ التدوين عملياً ورسمياً بعد نهاية القرن الاول وكان من اول من نهض لذلك الامام الزهري المتوفى 124هـ فلو كان التدوين موجوداً معروفاً بشكل واسع فلماذا يكتب عمر بن عبدالعزيز الى عامله في المدينة يأمره بكتابة السنة.

    وامام هذه الحقيقة الواضحة ان بدء تدوين السنة عملياً جاء متأخراً قرناً كاملاً – ونحن هنا لا نناقش جواز التدوين, كما فعل البخاري اذ اراد ان يثبت جواز تدوين السنة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، انما نناقش حقيقة ثابتة:.

    - ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تدوين السنة تدويناً عاماً.

    - ان الصحابة في عامتهم استمروا على ذلك.

    - ان التوسع في التدوين لم يبدأ الا في نهاية القرن الاول.



    السؤال الكبير لماذا؟.

    - اذا قال قائل خوف اختلاف القرآن بالسنة، فهذا مردود، لأن القرآن محفوظ حفظاً خاصاً من الله.

    - واذا قال قائل خوف ان ينشغل الناس بالسنة عن القرآن، فهذا يحمل في طياته شيئاً خطيراً اذ اما ان يجعلنا ان نؤكد على ضرورة ان يكون التفقه بالقرآن هو الاساس وهذا ما يعتقده كثيرون.. اليوم.

    او ان الانشغال الكبير في السنة ليس صحيحاً او كأن السنة ستأتي بما هو خارج عن القرآن، وكل ذلك ليس صحيحاً على اطلاقه فالتفقه انما يكون من خلال الكتاب والسنة معاً، ولا بد ان يعطي كل حقه وكما وجد قوم اختصوا بحفظ القرآن وتعليمه وتلاوته وتفسيره, فكذا وجد علماء حملوا السنة وحفظوها وربما جمعوا بين الامرين.

    والسنة لا تأتي بما هو مخالف لكتاب الله، انما تفصل وتبين وتؤكد وتوضح.

    "وأنزلنا إليك الذِّكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون" النحل 44.

    وقال تعالى: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" النحل 64.

    اذن، لا بد من البحث الدقيق في التعليل الحقيقي لماذا منع رسول الله من تدوين السنة؟ ولماذا سار على ذلك اصحابه؟.

    ان الجواب على ذلك والذي يطمئن اليه الباحث ان النبي قصد قصداً شرعياً ان تبقى السنة دون القرآن في ثبوتها وقطعيتها، وان يبقى القرآن الكتاب الخالد الجامع المانع والمرجع الاعظم للأمة، كل الأمة تصدر عنه وترجع اليه في كل شؤونها العظمي الى يوم القيامة بما يحقق وحدتها وينير دربها ويصحح مسيرتها ويعصمها من الزلل والانحراف.

    والقرآن وحده، بما بني عليه من الايجاز والاجمال والاعجاز والثبوت القطعي وبما اشتمل عليه اسلوبه من خصائص ليست لغيره ففيه الوفاء بالمعنى والقصد باللفظ وفيه البيان والاجمال.

    وكون كلام الله الخالد المعجز.. المحفوظ حفظاً خاصاً وعاماً – السنة محفوظة حفظاً تبعياً عاماً وليس بالضرورة لكل نص -.

    فالقرآن باعتباره كذلك هو وحده الذي يسع الزمان والمكان والمستجدات هذا من جهة.

    ومن جهة اخرى، القرآن بني على الاجمال والسنة على التفصيل، فلو ثبتت السنة ثبوتاً قطعياً كما ثبت القرآن لضاق الأمر على الناس، اذ لا يكون مجال الاجتهاد واسعاً وامثلة ذلك كثيرة:.

    1- القرآن اجمل فرض الحجاب، وفصلت السنة واختلف العلماء في صحة بعض الاحاديث في الحجاب، مما يعطي رخصة واسعة للقائلين بعدم وجوب تغطية الوجه.

    2- القرآن اجمل اركان الوضوء ونواقضه مما يخفف على الناس في الاركان والنواقض الاخرى.

    3- القرآن لم يتكلم بالتفصيل عن اشراط الساعة وفصلت السنة لأن قصد القرآن التوجيه والمباشر للعمل والاستعداد وليس الانشغال بالتفاصيل.

    4- القرآن تكلم عن حد الجلد للزاني وفصلت السنة مما فتح باباً للاجتهاد يسع الزمان والمكان.. وامور لا تعد ولا تحصى.

    وبذلك يصلح القرآن ان يكون الدستور الخالد الجامع، ويفسح المجال للاجتهاد والتيسير ومواكبة كل المستجدات ضمن قواعد الاجتهاد وضوابطه الشرعية الدقيقة.

    اذن في عدم تدوين السنة.

    فتح باب واسع جداً للاجتهاد وليعذر بعضنا بعضاً وللتيسير ولمواكبة المستجدات مع بقاء المسلمين وحدة واحدة دون تنافر او تنابز او تفرق .










    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الخميس 29 ديسمبر 2011 - 18:50

    تقرر معنا ان السُنة لم تدون في معظمها وان التدوين الواسع جاء مع بدايات القرن الثاني وان لذلك حكماً كثيرة من اهمها ان رسول الله لم يرد ان يكون ثبوت السنة كثبوت القرآن، بل اراد لها ان تبقى في اطار النقل لتبقى ظنية في معظمها خاضعة للاجتهاد مما يسع الزمان والمكان وييسر على الناس ويعين المجتهد على مواكبة المستجدات, وان يعذر العلماء بعضهم عند الاختلاف.
    وامر آخر مهم جداً ان كثيراً من نصوص السنة صادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرتبطة بأحوالها الخاصة فهو عليه الصلاة والسلام كان يجيب على السؤال الواحد عدة اجوبة في مقامات مختلفة مراعياً اختلاف الاحوال.
    فمن السُنة ما هو مرتبط بواقعة حال او مرتبط بظرف خاص اوله علاقة بتغير الاحوال, فعدم تدوين السنة يذكرك بالأصل الجامع "القرآن" وبقاء الباب مفتوحاً لأهل الاختصاص والحق والاجتهاد ان ينظروا في كيفية الافادة من السنة مع التحري والتيسير والتوسع والتنوع دون ان ينكر احد على احد، فلذا لا تجد في القرآن أي اشارة الى كيفية الصلاة سوى الامر باقامتها والخشوع والخضوع فيها والمحافظة والمداومة عليها, وتجد في السنة قضايا ثابتة لا خلاف فيها كعدد الركعات وعدد الصلوات والقيام والركوع والسجود .. الخ، لكنك تجد تنوعاً في وضع اليدين في الصلاة ورفع اليدين وهيئة السجود والفاظ التشهد وهيئة التشهد.. الخ, مما يفسح باباً من التنوع والاجتهاد والتيسير وتجد القرآن حاسماً جداً في امور مالية كالربا ومنع الرشوة ومنع اكل الحقوق واشتراط امرأتين مع الرجل في الشهاد وترك تفصيل البيوع المنهي عنها للسنة مما يفتح باباً واسعاً جداً من الاجتهاد والتيسير والتنوع دون نكير مع التأكيد ان ذلك كله لا بد ان يكون صادراً عن اهل الاختصاص والعلم والتقوى وان يتكامل في ذلك عمل المحدث والفقيه ومع كون السنة تأخر تدوينها فهذا لا يطعن بها اجمالاً بل يحقق مقاصد شرعية مهمة كا سنبين .
    ولسائل ان يسأل: اذا كان هذا حال السنة من حيث عدم تديونها او عدم تدوين اكثرها لمائة عام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وان ذلك لحكمة جليلة ان يتسع ميدان الاجتهاد وان يكون ذلك باباً من ابواب التيسير على الأمة وان يعذر العلماء بعضهم بعضاً وان تتسع الشريعة لمستجدات الزمان والمكان، القرآن من حيث اجماله وايجازه واعجازه، والسنة من حيث تفصيلاتها وظنية ثبوت كثير منها وامكان الاجتهاد في الفهم والاثبات بعد ان تكون الاصول قد احكمت في الكتاب والسنة، اذا كان الامر كذلك فهل هذا مما يطعن بالسنة وحجية ما صح منها, او هل يجوز لأحد ان يشكك بالسنة اذا ثبت الحديث بشروطه وفق قواعد النقد المقررة عند العلماء.. او هل يجوز التشكيك بحجية السنة اجمالا؟. الجواب القطعي, لا!!.
    لماذا؟.
    ان الوسائل التي نقلت بها السنة حتى قبل تدوينها وكذا القوانين التي احاطت بالرواية ومن ثم قواعد النقد ذاتها الصارمة المتبعة عند العلماء, وجعلت كل حرف منسوباً الى رسول الله صلى الله عليه وسلم محل تمحيص وتدقيق شديدين ونجد من الاحاديث ما اتفق اهل العلم على صحتها ومنها ما اتفقوا على ردها وكان هناك طائفة محل نقد واختلاف واخذ ورد وما كان محل اتفاق على صحته على نوعين:.
    نوع لا يحتمل الا فهماً واحداً ونوع يحتمل اكثر من وجه في الفهم.. وهنا يأتي دور الاجتهاد ثانية.
    واذن ما كان متفقاً على صحته وفهمه فلا يجوز لأحد ان يشكك فيه لأن العلماء قد اتبعوا من القواعد ما هو كفيل بدقة التنقية والتحرير.
    وما كان من الانواع الاخرى فيبقى للاجتهاد فيه نصيب.

    قواعد نقل ونقد الرواية:.
    واحب ان اضع بين يدي القارئ الكريم اهم هذه القواعد والقوانين التي ساعدت على حفظ السنة حتى قبل تدوينها.
    1- طريقة النبي في القاء الحديث، فلم يكن يسرد الحديث سرداً، ولم يكن يطيل الحديث بل هو قصد موجز، وكثيراً ما كان يعيد الحديث ويكرره ليفهم عنه، كما ان الاسلوب النبوي البليغ الفصيح الموجز كل ذلك مما يساعد على سهولة الحفظ ودقته.
    يضاف الى ذلك عوامل اخرى مهمة :
    1- مكانة الحديث فاذا عرف الصحابة والتابعون أهمية الحديث ومنزلته ووجوب العمل بما صح عن النبي فكانوا احرص ما يكونون على التلقي والعمل والنقل والتبليغ.
    2- ما عرف عن العرب من صفاء الذهن وقوة القريحة وسرعة الحفظ، حيث كانوا أمة أمية وكان الحفظ وسيلتهم في حفظ علومهم وشعرهم وتراثهم (منهج النقد ص 37-39).
    3- شدة حرص الصحابة في التحري فاذا لم يكن الواحد منهم متأكد من صحة ما ينسب للنبي، فان ايمانه وخوفه من الله يردعه عن ان يروي عنه.
    4- الذين قاموا بحفظ السنة هم نخبة النخبة من الصحابة، فاذا قدرنا ان عدد الصحابة في حجة الوداع بلغ نحو (1114000) فان عدد الصحابة الذين لهم رواية عن رسول الله لا يزيدون عن نحو (2000) صحابي أي بنسبة 2% فقط وهذه النسبة النخبة في أي جيل ثم ان هؤلاء الالفين معظمهم روى اقل من 50 حديثاً وحفظ 50 خلال عشر سنوات, امر ميسور جداً مع ما علمنا من خصائص الحديث النبوي, وساعدهم على ذلك عدم وجود اسناد يحفظ في المرحلة الاولى.
    اما الصحابة الذين رووا اكثر من 100 حديث فلا يكادون يتجاوزون المائة أي بنسبة 1 من الالف.
    ونسبة الصحابة الذين رووا ما يزيد عن (500) اقل من عشرة.
    مع ما عرف من الترهيب الشديد من الكذب على النبي.
    لذا، كان الصحابة عامة يتعمدون الاقلال من الرواية، وكان اكثرهم يكتفي بأن يكون رقيباً على ما يرويه الآخرون.
    5- ثم ان الصحابة وعلماء التابعين قبل التدوين وبعده قد نهجوا منهج التثبت في الرواية عند الأخذ والاداء .
    6- كما نهج الصحابة ومن بعدهم منهج نقد الروايات بعرضها على الكتاب وما ثبت من السنة.
    7- ثم نشأ علم الإسناد وعلم الجرح والتعديل وعلم الفلك (ينظر منهج النقد 52-56).
    ان هذه القواعد وغيرها كانت حرية ان تجعل المتصف يطمئن الى مبدأ السلامة العامة في رواية السنة، ما سبق ان قررناه ان كونها مروية بالمعنى في كثير من الفاظها وكونها تأخر تدوينها وكونها رويت برواية الآحاد جعلها في معظمها ظنية الثبوت أي خاضعة للنقد والتصحيح والتضعيف واحتمال الخطأ والصواب واحتمال الاجتهاد في ذلك وفق قواعد دقيقة.
    بهذه النظرة المتوازنة يتعامل المسلم مع السنة النبوية، فليست هي محل شك ولا قدح بالمطلق، وكونها رويت في معظمها برواية الآحاد (أي ليست متواترة) فاحتمال الخطأ وارد (وهذا ما تكفل فيه علم العلل) وهي لن تكون في ثبوتها بمستوى القرآن الكريم, بل ولم يرد لها رسول الله ان تكون كذلك.
    ومن ثم كان التصحيح والتضعيف اجتهادياً ولا ادل على ذلك اننا نجد من علماء الحديث من يقول: كنت قد صححت هذا الحديث ثم تبين لي ضعفه والعكس..
    وكنت وثّقت هذا الراوي ثم تبين لي خلاف ذلك, وكنت ظننت ان هذا الراوي فلان ثم تبين لي ان فلاناً آخر. ولا شك ان السنة بمجملها حفظت بمقدار ما يجب لحفظ الشريعة ...
    ثمرات وآثار كون السنة ظنية الثبوت.
    بينت من قبل معنى كون السنة ظنية الثبوت في معظمها، وانها آحاد في الاعم الاغلب، لا ترتقي الى القطعي المتواتر وانها من ثم على درجات في الثبوت وعدمه؛ فمنها ما ترجح فيه جانب الصحة والصواب، لتوافر شروط القبول من عدالة الرواة وضبطهم واتصال السند وانتفاء أي علة، فهذا الصحيح الذي لا يجوز رده الا بدليل وبرهان مقبول شرعاً.
    ومنها ما تردد جانب القبول او الرد فيه وهو ما يسمى بالحسن، والصواب التوقف فيه حتى يترجح احد الطرفين.
    ومنها ما يترجح فيه الرد وهو الضعيف وهو على مراتب.
    وبينت براهين كون السنة ظنية من حيث روايتها بالمعنى. وتأخر التدوين بقصد من الشارع الحكيم، وكونها من رواية الآحاد من الرواة، والوهم جائز على الثقات فضلاً عمن دونهم فهم بشر غير معصومين.
    ثم قد يقع في الرواية اشكالات اخرى تدخل في اطار ما يعرف بعلم العلل او مختلف الحديث او شكل الحديث، ولكل مقامه من البيان والبحث.
    وبينت ان كون السنة ظنية لا يعني القدح او التشكيك بمجمل السنة لأن المحدثين قد وضعوا قواعد دقيقة في النقد والتمحيص.
    ومع هذا, فباب الاجتهاد مفتوح لأهل الاختصاص في نوعيه: اعني في ميدان نقد الحديث صناعة، قبولاً او رداً.
    وفي ميدان فهم النص, على ان يكون صادراً عن اهله ووفق الاصول النقدية والشرعية واللغوية المعتبرة.
    واذا تقرر هذا فما الذي يترتب على كون السنة ظنية؟ وما هي ثمرات ذلك؟ ولماذا نؤكد على ذلك.
    1- ان الحقيقة المطلقة في الثبوت والنص الوحيد في الوجود الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو فقط القرآن العظيم، وهكذا اراد الله سبحانه ان لا يكون كتاب في الكون له خاصية الحفظ المطلق والصيانة التامة والثبوت القطعي المتواتر الا القرآن العظيم ومن ثم وجدنا رسولنا (صلى الله عليه وسلم) يؤكد على عدم تدوين السنة (الا في حالات استثنائية) وهذا يرتب على الامة اموراً في غاية الاهمية منها:.
    - ان يكون القرآن الكريم الحكم الفيصل في كل ما تختلف فيه الامة.
    - ان يكون القرآن المصدر الذي يرجع اليه الجميع.
    - ان اصول العقائد التي على أساسها يكون الفصل بين الايمان والكفر قد سطرت جميعها في كتاب الله.
    - ان اصول الاحكام والاخلاق واصول الترغيب والترهيب كل ذلك، مسطور في كتاب الله "ما فرطنا في الكتاب من شيء".
    - ان كل ما تنافى مع الكتاب فالمرجع فيه الى القرآن.
    - ان العناية العظمى من حيث التدبر والبحث والدرس ودقة الفهم لا بد ان توجه الى القرآن اولاً والاستمرار في استكشاف اسرار القرآن مع تقدم العلوم وتجدد المستجدات.
    - ولهذا, فان القرآن هو الكتاب الخالد المعجز ببيانه ومعانيه ومضامينه وتشريعاته وعلومه وهو العابر للزمان والمكان الذي يسع الزمان والمكان والاشخاص وكل المستجدات.
    - ومن ثم فهو الحجة القاطعة البالغة على الخلق جميعاً.
    - وبه يستطيع المسلم ان يخاطب العالم بما لا يمكن ان يكون فيه حجة الا للذين ظلموا "لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم".
    - هذا وان كنا نؤمن بوجوب العمل بما صح وسلم من كل علة من حديث رسول الله, فان الذي لا مناص من الاقرار به اننا لا نستطيع ان ننزل السنة منزلة القرآن من حيث الثبوت وقطيعة الحجة والبرهان لكل ما سبق:.
    2- ان كون السنة ظنية – في معظمها – يفتح باباً واسعاً من الاجتهاد لأهل العلم نقداً او اثباتاً ونفياً وفهماً (اذ قد يتصرف الراوي بالنص من غير قصد).
    3- ان هذا يقرر مبدأ عاماً عظيماً ومهماً جداً وهو اساس لتقرير وحدة المسلمين وتقاربهم والارتقاء في حسسن التعامل فيما بينهم ونفي كل اسباب الضغائن والتشنج والتفرقة.

    ويقرر ان الاختلاف ممكن بل وارد تماماً، وانه لا بد ان يعذر بعضنا بعضاً ما دام هذا في اطار الفروع والظنيات وان ذلك ليس مدعاة لتفرقة او اتخاذ مواقف حادة.
    4- ان كل عالم مجتهد او ناقد خبير ما قصد فيما يقرره من حكم او فهم لحديث الا مرضاة الله سبحانه وتعالى في اطار ما اداه اليه اجتهاده, واذا كان الامر كذلك فلا بد من ان نحسن الظن بعلمائنا الاجلاء على اختلاف مذاهبهم.
    5- انه لا يجوز ان نحجر على الناس في التفكير او النقد او العمل. ولا ان نسعى ان نلزم الآخرين بآرائنا وما رأي ولا فهم ولا نقد بأولى من غيره الا في اطار النقد والتمحيص والتحرير, ولا يستطيع احد ان يقرر انه يمثل الحقيقة المطلقة النهائية مهما كانت حجته.
    6- ولما كان الامر كذلك, اعني لما كان من خاصية القرآن انه كلام الله المعجز، الذي بني على الاجمال مع البيان واستودع الله فيه من الاسرار ما يتجدد اكتشافه مدار الأزمنة والايام. تكفل الله بحفظه حفظاً خاصاً حرفاً حرفاً وكلمة كلمة.
    ولما كانت السنة بنيت على التفصيل في الاحكام لكن مع ظنية الثبوت انه لما كان الامر كذلك، فان ذلك مما يعين المجتهدين في الشريعة ان يواكبوا كل جديد، ويعالجوا احوال الانسان والمجتمعات والأمم، والدول مهما تبدلت الاحوال والظروف او طرأ طارئ او تجدد حال استثنائي, مما يكون تأكيداً جديداً على صلاحية الشريعة الاسلامية لكل زمان ومكان.
    بينت جملة من الحقائق تترتب على قضية كون السنة فيها الصحيح المتفق عليه وفيها الصحيح المختلف فيه بين علماء الحديث انفسهم، كما ان فيها ما هو حسن او ضعيف وهذا في النهاية معنى قولنا: ظنية الثبوت, فكم من حديث صححه عالم ثم تراجع عن تصحيحه او العكس، وكم من حديث صححه عالم، وضعفه آخر وقد يكون الحديث صححه عالم وضعفه آخر وقد يكون الحديث ثابتاً من حيث سنده لكنه من حيث المتن يحتمل اوجهاً في الفهم وهذا الذي يسمى ظني الدلالة.

    فاذن الاحاديث النبوية منها ما هو:.
    1- ظني الثبوت ظني الدلالة.
    2- او ظني الثبوت قطعي الدلالة, أي لا يحتمل الا معنى واحداً واضحاً.
    3- او قطعي الثبوت (المتواتر) وهو قليل جداً ولكنه مع ذلك قد يكون ظني الدلالة.
    4- او قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
    ولقد بينت ان من ثمرات ظنية السنة ثبوتاً او دلالة انه اذ اثيرت شبهة حول حديث ما كادعاء مخالفة العقل او وجد نص او هم ما لا يجوز في حق الله او رسوله فان امام الباحث – كون السنة ظنية – ثبوتاً او دلالة ميدان واسع من الاجتهاد في التعامل مع النص، فقد يلجأ الى نقد الحديث ورده او يسعى الى التوفيق او الترجيح او التوقف او التأويل ضمن اصول النقد وقواعد الفهم الشرعي من المختصين، ولولا كون السنة ظنية (في معظمها) لما كان لنا هذا الميدان الواسع من الحركة ولربما اتخذ احدهم نصاً ما ذريعة للطعن في دين الله او استغلال نص ما لتشويه الاسلام, ولا بد من ضرب بعض الامثلة للتوضيح، فمن هذه الامثلة:.
    حديث معاوية بن الحكم السلمي ولا اسوقه هنا لأطعن فيه، لا أبداً ليس هذا الهدف ولكن لأبين كيف ان الاحتمال يتطرق الى بعض النصوص ومن ثم تحتمل اوجهاً من التعامل سواء من حيث السند او المتن وفي هذا توسعة على الخلق من جهة وصيانة لمعاني الاسلام والسنة من الطعن.
    وعوداً الى الحديث الحديث طويل وفيه: ان جارية لمعاوية بن الحكم ترعى غنما له فذهب الذئب بشاة من غنمها، فصكَّها (ضربها على وجهها) فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليه، فقال يا رسول الله: أفلا اعتقها؟.
    قال: ائتني بها فأتيته بها، فقال لها:.
    اين الله؟ قالت: في السماء.
    قال من انا؟ قالت: رسول الله.
    قال: اعتقها فإنها مؤمنة.
    اخرجه احمد 5/447 و5/448.
    ومسلم (537) وغيرهما.
    من طرق عن يحيى بن ابي كثير عن هلال بن علي بن ابي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي واخرجه مالك ص 485 فقال عن هلال بن اسامة وهو هلال بن علي نفسه.
    والحديث مع كونه في صحيح مسلم فقد اعله جمهرة من أهل العلم سندا ومتنا اما سندا فمداره على هلال بن علي بن ابي ميمونة.
    قال ابو حاتم: شيخ يكتب حديثه (أي ضعيف يعتبر اذا توبع، ولكنه تقرر بهذا اللفظ).
    وقال النسائي: ليس به بأس ووثقه الدارقطني (تهذيب 11/82).
    فهذا مما اختلف في ضبطه فاذا انفرد بحديث اشتمل على ما استذكره من قضايا في المتن جعلت بعض اهل العلم لا يقبلون تفرده.
    اما متناً فأمور:.
    1- لماذا يتوقف النبي في اعتاقها على كونها مؤمنة، اذ ضربت ظلماً.
    2- هل يعرف ايمان الانسان بمجرد ان يعتقد ان الله في السماء.
    3- السؤال بأين (مما يقتضي اثبات المكان وهذا) مما يتنافى مع تنزيه الله عن المكان.
    4- ان الحديث في هذا الجزء منه مضطرب متناً فقد روي بألفاظ اخرى منها:.
    أ- ما اخرجه احمد في مسنده عن الشريدين سويد ان أمه اوصت ان يعتق رقبة مؤمنة.. فقال لها النبي: من ربك؟ (احمد رقم 18647) و(18636) و(17266) وهذا وان كان ظاهره في قصة اخرى فالسؤال ادق شرعاً وموافق للمعهود: "من ربك" وهذا الشاهد.
    ب- ما اخرجه ابو داود (2857) بسنده عن ابي هريرة ان رجلا جاء بجارية سوداء.. (فاشارت الى السماء) أي لم تكن تتكلم فاكتفى منها بالاشارة التي تفيد انها لا تعبد المعبودات الارضية..
    وفي رواية: "بجارية سوداء لا تفصح" بغية الحارث (1/24) أي ان هذا السؤال كان لعلة خاصة فاستفهم اشارة عن عقيدتها.
    3- في رواية اخرجها مالك (1270) وعبدالرزاق 9/175 رقم (16814) عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة من رجل من الانصار جاء بأمة سوداء.. فقال لها النبي: اتشهدين ان لا اله الا الله قالت نعم: قال اتشهدين اني رسول الله قالت نعم..
    وهذا سند صحيح.. وهو اولى بالقبول سنداً ومتناً اذ لا اشكال فيه..
    4- واخرج الحديث عبدالرزاق (16816) عن معمر عن يحيى بن ابي كثير بن ابي كثير مرسلاً قال صك رجل جارية.. (وهو راوي حديث هلال) فقال لها: من ربك.
    فتعدد هذه الروايات واختلافها فتارة "اتشهدين". وتارة (من ربك) وتارة أين الله وتارة انه اشارة.. في حكم سند الحديث, جعلت النص ظنياً يحتمل وجوهاً..
    وهكذا انت ترى اثر كون الثبوت ظنياً ان الروايات تعددت واختلفت وان بعض هذه الروايات اثار اشكالا عقدياً عند بعض اهل العلم.
    ومن ثم فامام كونها ظنية فالميدان فسيح امام الناقد اما ان يجتهد في الترجيح بين هذه الالفاظ واما ان يرد هذه الرواية واما ان يلجأ الى التأويل بما ينسجم مع القواعد الشرعية.
    وقد أول أهل العلم قوله تعالى "وهو معكم أينما كنتم" فقالوا أي بعلمه, وأولوا قوله تعالى "أأمنتم من في السماء" قالوا أي (امره) او قالوا: (على السماء) وكله تأويل..
    وربما اثبت بعضهم النص على ظاهره مع التنزيه لله فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
    والخلاصة: ان النص لما لم يكن قطعي الثبوت امكن التعامل معه بوجوه عند اهل العلم على اختلاف مذاهبهم.
    استكمالاً لمسألة ثمرات ظنية ثبوت السنة يتساءل البعض: ما هو الموقف من النصوص الحديثية اذا جاءك من يدّعي انها تشكك في القرآن الكريم؟.
    لا شك انه سؤال منافٍ للحقيقة العلمية، فلا شيء يشكك في القرآن.
    ولكن هذا ما يدعيه البعض ويقولون لك ان بعضها في البخاري ومسلم. او صححها بعض أهل العلم قلت: هاتوا امثلتكم؟ اذ في اعتقادنا الجازم لا يصح حديث ولا يقارب الصحة ان شكك بحرف من القرآن الكريم, وحيث ان الحقيقة المطلقة اليقينية ان القرآن حق كله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فان كل نص اوهم امراً سلبياً في حق القرآن فاما انه غير ثابت واما انه لم يفهم فهماً سليماً او لم يرد بشكل دقيق، واليك بعض الامثلة التي يثيرها بعض الباحثين:.
    اخرج البخاري في باب جمع القرآن عدداً من النصوص في بدء جمع القرآن, ومما جاء في بعضها (رقم 4986) قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن اجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال, حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابي خزيمة الانصار, لم اجدها مع غيره (لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. الى آخر السورة).
    واخرج البخاري (2807) كتاب الجهاد والسير و(4988) عن زيد بن ثابت فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله يقرأ بها, فالتمسنا فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الانصاري – الذي جعل رسول الله شهادته بشهادتين (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..) فالحقناها في سورتها في المصحف.
    فتجد من يشكك في جمع القرآن ويثير أموراً منها:.
    1- ان هذا يعني ان القرآن لم يُجمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    2- ان بعض القرآن آحادي في ثبوته (آيتان).
    3- ان هناك اضطراباً فمرة يقولون ابو خزيمة ومرة خزيمة, ومرة آيتان من سورة التوبة, ومرة آية من سورة الاحزاب, وتجد من المستشرقين واتباعهم من يستغل هذه الروايات.
    والجواب عن ذلك كله ان كل هذه الروايات آحادية ظنية, لا يجوز في منهجية البحث ان نحاكم القرآن القطعي الثبوت اليها.
    هذا من جهة ومن جهة آخرى, اذا فهمت فهماً صحيحاً مع واقع القرآن, لا تثير ادنى اشكال وهذا ممكن:.
    1- تواترت الاخبار ان النبي (صلى الله عليه وسلم) هو اول من جمع المصحف ودونه وكتبه (يأمر الكتبة بذلك). الا ان عمل ابي بكر انه جمع ذلك المكتوب كله في ديوان واحد بعد ان كان مفرقاً في العُسُب، واللخاف والصحف.
    2- في الجمع الأول كان كل شيء مكتوباً لدى زيد بن ثابت وهو حافظ لكتاب الله وهو يحفظ آية التوبة وهي موجودة بين يديه فيما كتب منذ عهد رسول الله لكنه لم يثبتها حتى سمعها ايضاً من ابي خزيمة الانصاري. لمزيد من التاكيد, حيث لم يأت أحد من الصحابة في حينها بها اليه.
    وليس معني هذا انه لم تكن الا عند ابي خزيمة فقوله: (لم أجدها مع احد غيره) تأكيد انها بين يديه في الصحف وهو يعرفها ويحفظها ولكن الروايات الآحادية تأتي بألفاظ موهمة.
    3- اما الاضطراب فان الرواية الثانية تتكلم عن مرحلة اخرى لما أُمر زيد بنسخ المصحف الذي كان نسخه ايام ابي بكر – أُمر ان ينسخه الى عدة مصاحف ايام عثمان – وهذا الشيء الوحيد الجديد الذي فعله ايام عثمان ومع ذلك والمصحف بين يديه لم يكن ينسخ شيئاً حتى يسمعه من قارئين على الأقل مع كونه هو حافظ للقرآن, مع وجود لجنة معه تنسخ القرآن فلم يأت احد من خارج اللجنة – مع كونها في المصحف عنده – الا خزيمة بن ثابت فجاء بآية (من المؤمنين رجال ... ). وكان خزيمة قد جعل رسول الله شهادته بشهادتين لقصة حدثت..
    فهما واقعتان في مرحلتين لرجلين مختلفين تشابها في بعض الأسم. ومع ذلك فالنصان القرآنيان معروفان مكتوبان محفوظان (آية .. لقد جاءكم...) وآية (من المؤمنين رجال صدقوا... ) والا فكيف بحث عنهما زيد.
    فلا مجال للقول انها آيات آحادية.. لكنه كما ترى عندما تكون الروايات التي تتحدث عن جمع القرآن آحادية ظنية فقد تثير بعض الاشكالات عند من يريد ان يشكك وللأسف.
    ومن الأمثلة:.
    ما يتصل بالاحرف السبعة.
    فان مبدأ ان القرآن نزل على احرف سبعة روي من عدة طرق عن ابي وعمر وابن عباس, وان كانت لا ترقى الى التواتر خلاف ما يدعيه البعض.
    لكن كل قصة او رواية من تلك الروايات بما اشتملت عليه من تفاصيل هي روايات آحادية ظنية وتجد من يستغلها للطعن او التشكيك. فمن ذلك ما اخرج البخاري ومسلم عن عمر: قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان.. فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله.
    ثم في نهاية الحديث انه أتى به الى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقرأ أمام النبي صلى الله عليه وسلم فقال "هكذا انزلت ان هذا القرآن انزل على سبعة أحرف, فاقرؤوا ما تيسر منه" خ 4706, ومسلم (818), مع العلم ان عمر وهشام كليهما قرشيان ثم يأتي من يفسر هذه الاحرف السبعة.
    وفق الحديث الذي رواه ابو بكرة ان رسول الله قال: "آتاني جبريل وميكائيل عليهما السلام فقال جبريل اقرأ القرآن على حرف واحد، قال ميكائيل استزده حتى قال اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف, ما لم تختم آية رحمة بعذاب او آية عذاب برحمة وزاد بعضهم هنا نحو أقبل وهلم وتعال واذهب واسرع. المسند 5/41, 51. والحديث ضعيف منكر.
    ان الذي يدعو الى العجب, انه لم ينقل لنا نموذج واحد بسند صحيح عن رسول الله يفسر ماهية الاحرف السبعة.
    وان تعتمد مثل هذه الروايات الظنية في بيان ماهية الاحرف السبعة فهذا غير صحيح ثم يأتي من يقول لك ان عثمان اسقط هذه الاحرف ولم يبقَ في المصحف الا حرفاً واحداً. فكيف يجوز لبشر ان يسقط شيئاً من القرآن, مدعين ان عثمان قال للجنة التي كتبت القرآن, اذا اختلفتم في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش, فان القرآن انزل بلسانهم فضيعوا علينا في زعمهم الاحرف الستة, مع ان كلام عثمان لا علاقة له بالموضوع. خ (4984).
    ثم اذا جئت تقول ان هذه القراءات التي نقرأ بها اليوم هي ثمرة الاحرف السبعة ولا معنى لها غير ذلك, يأبى كثيرون عليك هذا مع انهم يقولون ان القراءات متواترة – وهذا حق – فتجدهم يُعرضون عما هو ثابت حق متواتر, وهو هذه القراءات العشر المتواترة ويخوضون في الأحرف السبعة حتى اوصلوها الى 35 قولاً بناء على نصوص ظنية آحادية لا تغني من الحق شيئاً, حتى ان قارئ تلك الاحاديث المتصلة بالاحرف السبعة ليقع في الشك والريبة بينما لو قيل ان كل احاديث الاحرف السبعة ظنية الثبوت لا تقدم ولا تؤخر خاصة وانه لم يؤثر عن رسول الله مثال واحد صحيح يفسرها ثم يجعلون هذه القضية – الأحرف السبعة – من قضايا علوم القرآن المهمة.
    ان ابلغ دليل انها ظنية لا قيمة علمية لها ان العلماء انقسموا فيها الى 35 قولاً, وان ابن الجزري اشهر القراء يقول: "لا زلت استشكل هذا الحديث وافكر فيه وامعن النظر من نيف وثلاثين سنة" ثم مع ذلك لا تجده يتفق مع كثير من العلماء على ما قالوه، فهل يجوز بعد ذلك لروايات ظنية ان تتحكم في كتاب الله ولا يستطيع العلماء – كونها ظنية – ان يصلوا فيها الى رأي قاطع. خاصة وان كثيرين يرفضون ان يفسروا الأحرف بأنها القراءات, اذن فمن اين جاءت هذه القراءات، واين ذهبت الاحرف السبعة.
    ان جملة الامور المثارة بسبب الاحاديث المروية الاحرف السبعة / الظنية ان كانت قرآنا فأين ضاعت؟ وكيف تضيع؟ وهل يجوز لو كانت قرآنا ان لا تعرف ما هي؟ وهل يجوز لو كانت قرآناً ان يسقطها عثمان واذا لم تكن هي القراءات فمن اين جاءت القراءات؟.
    اليس هذا مما يمكن ان يستغله المستشرقون ليقولوا ان نقصاً ما وقع في القرآن بسبب ذهاب الاحرف السبعة وان زيادات دخلت بسبب القراءات وان عثمان انقص من القرآن.
    وكل ذلك بسبب تشثبنا بأحاديث احادية ظنية لم نحسن فهمها, اوَلم نحسن نقدها والصحيح ان يقال دفعاً للشك وانسجاماً مع حقيقة (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وان القرآن حفظ كاملاً بأحرفه السبعة وانه لم يفقد منه شيء ولم يدخله شيء, ان يقال لما اقرأ جبريل محمداً (صلى الله عليه وسلم) القرآن على سبعة أحرف, اقرأ النبي كل ذلك للصحابة فكل حفظ ما حفظ فتكوّن من ذلك كله القراءات المتعددة.
    نعم, ليس بالضرورة ان يكون كل قارئ اخذ حرفاً واحداً بل كل قراءة مجموعة من اكثر من حرف, كل بحسب ما سمع من شيوخه الى رسول الله.

    ان تفسير الاحرف السبعة بأنها القراءات يعصمنا من التشكيك بالقرآن ومن القول بأن شيئاً من الأحرف قد سقط او ان عثمان الغى شيئاً, ويعطينا تطبيقاً عملياً للأحرف والقراءات متواترة بعيداً عن الروايات الظنية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
    وان عثمان من خلال النسخ المتعددة التي كتبت في عهده جمع كل الأحرف السبعة عند اختلاف الرسم يسيراً.
    ولنا وقفات اخرى مع بعض الروايات الظنية المتصلة بكتاب الله وخاصة الناسخ والمنسوخ.
    وقفنا معاً فيما مضى حول بعض آثار كون مرويات السنة ظنية فيما يخص كتاب الله, فاستعرضنا بايجاز قضية الأحرف السبعة فلاحظنا ان هذه القضية يستغلها بعض المشككين قائلين ما هي الأحرف السبعة؟ اين هي؟.
    فعندما نعلم ان مروياتها آحادية ظنية وان القرآن لا يثبت منه شيء الا بالتواتر ولا يخرج منه شيء الا بالتواتر فلا يكون لهذه القضية اعني الأحرف السبعة أي اثر على حفظ القرآن كاملاً, ثم ربطنا ذلك بالقراءات التي وصلتنا متواترة وانها كلها وحي من الله.
    لنقف اليوم مع جانب آخر من النصوص يستغله بعض مرضى القلب او المستشرقين للتشكيك في كتاب الله.
    وهي قضية الناسخ والمنسوخ في كتاب الله حيث تعجب عندما تقف مع بعض الروايات الواردة او قارب الصحة عند بعضهم في ظاهر السند.
    فمن ذلك:.
    ما روي عن ابي بن كعب انه قال لزر بن حبيش كم تقرؤن سورة الاحزاب؟ فقال زر: بضعاً وسبعين آية قال: لقد رأيتها وانها لتعادل سورة البقرة, ولقد قرأنا فيها آية الرجم". اخرجه عبدالله بن احمد في المسند 5/132و وصححه ابن حبان 4411 و4412 والحاكم والضياء في المختارة والالباني في الصحيحة (6/412) مع انه من طريق عاصم بن بهدلة (صدوق يخطئ) ويزيد بن ابي زياد الهاشمي (مضعف) كلاهما عن زر.
    فأي مسلم سيقبل مثل هذا الحديث وماذا سيقول الطاعنون في حق كتاب الله.. وهل يجوز ان تثبت بمثل هكذا رواية نسخاً.
    وماذا سيقول الطاعنون في حق كتاب الله.. وهل يجوز ان تثبت بمثل هكذا رواية نسخاً.
    2- آية الرجم:.
    اخرج البخاري عن ابن عباس ان عمر خطب في الناس (في حديث طويل) وفيه: ان الله بعث محمداً بالحق وانزل عليه الكتاب فكان مما انزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ورجمنا معه.. فأخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله, فيضلوا بترك فريضة انزلها الله, والرجم في كتاب الله حق على من زنى اذا احصن من الرجال والنساء اذا قامت البينة... خ 6830 ومسلم 1631.
    وهنا ايضاً يقف المسلم متعجباً ان كان حقاً قد سبق نزول آية الرجم, فأين هي وان كانت نُسخت حقاً, فكيف يقال: "فيضلوا بترك فريضة انزلها الله" واذا كانت نسخت تلاوة فهل يجوز ان يقال: الرجم في كتاب الله, كما سبق في النصوص, واذا نسخت حقاً.
    فلماذا نصر ان حكم الرجم باقٍ ولماذا لا يقال ان حكم الرجم نسخ ايضاً.
    ونحن بين ايدينا نص قطعي لا يحتمل اللُبس "الزانية والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة", وهذا في ظاهرة يشمل المحصن وغيره.. الامر يحتاج الى دراسة مفصلة معمقة..
    3- ينسبون الى القرآن ان من آياته "الشيخ والشيخة اذا زنيا فاجلدوهما البتة" اخرجه ابن ابي شيبة في المصنف (10/75) وابن ماجه (2553), وصححه غير واحد من المحدثين (الصحيحة 6/412) فهل يجوز ان نقول ان هذه كانت آية من كتاب الله اين هي من الفاظ القرآن واعجازه؟.
    وكيف يجوز ان نقول انها نسخت واين الدليل؟.
    4- من ذلك ما اخرجه البخاري عن ابن عباس سمعت رسول الله يقول: لو أن لابن آدم وادياً من مالٍ لأحب أن له إليه مثله ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.
    قال ابن عباس: فلا ادري من القرآن هو ام لا؟ سمعت ابن الزبير يقول ذلك على المنبر (خ6437).
    5- عن ابي الاسود قال: بعث ابو موسى الاشعري الى قراء اهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال: انتم خيار اهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة بسورة براءة فأنسيتها غير اني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها باحدى المسبحات فأنسيتها غير اني حفظت منها "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة".
    اخرجه مسلم (1050).
    فوا عجبا! ويالله! ويا للقرآن..! كيف يصح في العقل والشرع مثل هذا؟
    لم يعرف هذه السورة التي نسيت الا ابو موسى وكيف نسيت واين هي؟.
    وهل المقصود ان ابا موسى كان يحفظ شيئا ثم نسيه هو ام المقصود انه رفع من القرآن وعبارته تفيد انه هو نسي ذلك..
    ومع ذلك فهي غير موجودة في القرآن.
    ولا نقصد من ذلك اتهام ابي موسى الاشعري – حاشا وكلا – انما ان يكون قد نسب اليه ما لم يقله او وهم ما قد وقع منه او من غيره.
    استعرضنا واياكم عدداً من النصوص التي يوردها من يقول بوجود نسخ التلاوة كإدعاء ان سورة الاحزاب كانت بحجم سورة البقرة وانه كان مما انزل الله في القرآن آية الرجم وادعاؤهم "ان الرجم حق في كتاب الله" مع اننا لا نجد شيئاً من ذلك وليقال لنا انها نسخت تلاوة وبقيت حكماً, وتساءلنا ما الدليل على نزولها ثم ما الدليل على نسخها تلاوة ثم ما الدليل على بقائها حكماً, وكيف يجوز مخالفة قطعي القرآن بدليل ظني وقلنا ان الامر يحتاج الى بحث معمق شامل.
    وناقشنا ادعاء ان ثمة سورة كانت بحجم براءة وشدتها وقلنا لعله وهم من الصحابي او غيره وليس في عبارته ما يفيد النسخ, بل ما يفيد انه هو نسي، ثم لما بحثنا عن هذا الشيء الذي نسيه وهو بحجم براءة لم نجده في القرآن, فذهب اقوام الى القول انه نسخت تلاوة او بلا دليل.
    واستكمالاً لذلك نناقش حديث السيدة عائشة:
    "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات, فتوفي رسول الله وهن فيما يتلى من القرآن".
    (مسلم 1452).
    وهنا الموضوع اشد عجباً:
    والسؤال كانت نسخت ما الدليل؟.
    بل ما الدليل انها نزلت اصلاً؟.
    وهذا جعل الفقهاء يذهبون يميناً وشمالاً في تأويل النص حتى قال النووي: أي تأخر نزولها ونسخها فكانت تُظن انها من القرآن!!.
    واذا كانت نسخت قرآنيتها فلماذا بقي الحكم ما الحكمة ذلك كله.. وما الدليل ان الحكم بقي واستمر, وبعد:.
    فهذه جملة من النصوص كلها تتحدث عما بنى عليه بعض أهل العلم اثبات نسخ التلاوة مع بقاء الحكم او نسخ التلاوة والحكم.
    وهنا لنا ان نتساءل: ما الحكمة ان تنزل الآية بحكم ثم ترفع الآية ويبقى الحكم وما الدليل ان الحكم بقي.
    ولو اراد مريض قلب او مشكك ان يستغل هذه الروايات لقال: اين هذه الآيات والسور وكيف ذهبت ومن اسقطها؟.
    لكننا وبكلمة واحدة، ووفق القاعدة التي نحن بصددها – ظنية ثبوت مرويات معظم السنة – نقول:.
    ان القرآن العظيم كله متواتر قطعي وعليه فلا يجوز ان يدخل فيه آية بل ولا حرف الا بتواتر وكذا لا يجوز ان يُخرج منه حرف واحد الا بتواتر وهذه الروايات كلها آحادية ظنية تتصادم مع واقع القرآن ولا يجوز ان نقول ان شيئا من ذلك نسخ حتى نثبت اولا انه كان قرآنا وهذا غير ثابت، لانها آحاد ظنية ومن ثم لا يجوز ان نقول انها اسقطت او نسيت او نسخت لانها لم تثبت قرآنيتها اصلا.
    ولا مانع ابدا من وقوع الوهم من الرواة او من بعض الصحابة فلا مانع ان يكون ابو موسى توهم وجود سورة بحجم براءة او نسب اليه وهما ما لم يقله ولا مانع ان ابي توهم ان سورة الاحزاب بحجم البقرة او نسب اليه خطأ ذلك ولا مانع ان عائشة توهمت ان قول النبي خمس معلومات (ان صح).
    توهمت انه قرآن وليس كذلك او نسب اليها خطأ ما لم تقله وهكذا تسلل الوهم لان القرآن كان يتنزل اولاً فأول ويحفظه صلى الله عليه وسلم في السطور ويقرأه الصحابة ويحفظونه فلما جمع بين ايديهم متواتراً رواية وموافقاً للمكتوب لم يكدوا ما توهموه قرآنا فظنوا انه نسخ.
    والخلاصة: ان قاعدة ان كل هذه الروايات ظنية والقرآن قطعي تسقط جميع هذه الروايات ولا يكون لها أي وزن نقدي ولا يجوز ان نحكم من خلالها على القرآن ولا ان نثبت من خلالها أي شيء له علاقة لا بالقرآن ولا بالنسخ.
    وهذا ابلغ ورد على كل من يريد ان يشكك في القرآن, ولئن نرد بعض النصوص المتوهمة خير من ان نسمح لاحد ان يشكك في كتاب الله.
    ولعل من اهم المسائل التي ذكرت مسألة حد الرجم, ونحن هنا لا ننكر شيئا من السنة ثبت, لكن الموضوع احاطت به ملابسات ولتوضيح ذلك, اضرب مثالا بموضوع الرضاع المحرم فقد وجدنا المذاهب الفقهية الثلاثة: الحنفية والمالكية والحنابلة لم يأخذوا بحديث "خمس معلومات يحرمن" ورأوا انه معارض لكتاب الله من حيث ادعاء كونها كانت اية نسخت فلم يسلموا لذلك, ومن حيث معارضته لعموم قوله تعالى "وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم" وقطعاً لا يتهم علماؤنا انهم ردوا حديثا صحيحاً لكنهم وجدوا شيئاً مخالفاً لكتاب الله فلم يأخذوا به.
    ونحن هنا امام مسألة الرجم في موقف مشابه ولذا فنحن بحاجة ان ندرس الموضوع من جوانب ثلاثة: الاول: هل كان هناك آية تتحدث عن الرجم.
    الثاني: هل ثبت في السنة الرجم.
    الثالث: ان ثبت ورود هذا الحكم في الكتاب أو السنة هل ما زال مستمراً أم نسخ.
    وهل ورود آية سورة النور التي تتحدث عن حد الزاني مطلقاً وانه الجلد فقط هل هذا دليل على نسخ ما سواه سواء الرجم او تغريب عام.
    كل ذلك, ينبغي ان يدرس بعناية ودقة بما يحقق مرضاة الله فننافح عن كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) فلا ننسب لهما شيئاً غير ثابت او العكس.
    ما زلنا معكم ايها القراء الاعزاء في آثار قاعدة ظنية ثبوت السنة:.
    ونحن نناقش اليوم مسألة من اهم المسائل:.
    حد الرجم هل هو ثابت في كتاب الله؟.
    هل ثبت في السنة؟.
    هل نسخ أم استمر؟.
    وهذه المسألة الخطيرة والمهمة مبنية على قاعدة ظنية ثبوت السنة اذا خالفت القرآن – ولو ظاهراً – كيف نتعامل معها.
    ولقد قادنا الى هذه المسألة ما سبق بحثه من عدم وجود نسخ تلاوة وهذا تقرر سابقاً ولذا لا نسلم ان ثمة اية كانت في كتاب الله تتحدث عن الرجم ثم نسخت, لا تلاوة ولا تلاوة وحكماً, ونظراً لخطورة المسألة بقي ان نبحث في الاحاديث الصحيحة الواردة في ذلك, مع تأكيدي هنا انني ادعو الى البحث والنظر لنصل الى الحكم الذي يرضي الله.
    فلقد كان لمجرد اثارة الموضوع والاشارة اليه, وانه لا يثبت نسخ تلاوة وانه لا يوجد آية رجم نسخت كان لذلك ردود افعال واعتراضات من اهل العلم الاجلاّء, فمنهم من يقول انك تطعن في الصحيحين ومنهم من يقول انك تجاري المستشرقين وآخر يتساءل ما هدفك الى غير ذلك. لأؤكد هنا ان الهدف كيف تُدرس السنة ونتعامل معها تعاملاً سليماً بما يجعلنا ننقي تشريعاتنا مما قد يكون قد الصق به وليس منه او العكس منافحين عن دين الله – وقد اخطأ - .
    وهذه القضية – الرجم – من القضايا التي تحتاج الى مراجعة شاملة وها انذا القي نظرة في الأحاديث التي في الصحيحين حصراً لنرى الموقف منها – من غير تعرض لنقد السند الا عند الحاجة الماسة لذلك مفترضاً صحة ما في الصحيحين اجمالاً وليس كل ما صح سنداً صح العمل به دائماً مع ضوابط وشروط ليس هذا مكان بيانها.


    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الخميس 29 ديسمبر 2011 - 19:01

    احاديث الرجم في الصحيحين:.
    1- حديث الشعبي عن علي: حين رجم المرأة يوم الجمعة, قال: رجمتها بسنة رسول الله أخرجه البخاري (6812).
    وفي سنده انقطاع الشعبي لم يسمع من علي مات بعد المائة عن نحو ثمانين سنة.
    وممن طعن فيه الحازمي, وروي الحديث بواسطة بين الشعبي وعلي, ردها الدارقطني جميعاً ثم ادعى الدارقطني, ان الشعبي لم يسمع غير هذا الحديث من علي, ولا دليل على ذلك (فتح الباري 12/145) ثم في الحديث تأكيد انه لا يُعرف الرجم في كتاب الله.
    2- عن ابي اسحاق الشيباني قال سألت عبدالله بن أبي اوفى هل رجم رسول الله, قال: نعم، فقلت قبل سورة النور ام بعد؟ قال: لا ادري.
    اخرجه البخاري 6812 و 6840 ومسلم (1702).
    وحاول ابن حجر ان يأتي بدليل على ان ذلك كان بعد سورة النور فقال الدليل على ذلك ان سورة النور نزلت في قصة الإفك سنة اربع او خمس, وانه حضر الرجم ابو هريرة وابن عباس (فتح 12/147).
    قلت: ليس بالضرورة ان تكون جميع الآيات نزلت في وقت واحد، ومع ذلك، فلا دليل ان ابا هريرة وابن عباس حضرا الرجم, نعم رووا احاديث الرجم ولكن من غير تصريح بالحضور, كما سنرى وكان الصحابة يرسل بعضهم عن بعض, وما اكثر ذلك في حديث ابي هريرة وابن عباس خاصة.
    3- اخرج البخاري عن جابر بن عبدالله ان رجلاً من اسلم اتى رسول الله فشهد على نفسه اربع شهادات فأمر به رسول الله فُرجم, وكان قد أُحصن".
    هذا الحديث هو قصة ماعز حيث وردت بألفاظ عديدة وقد اخرجها البخاري (6814) عن جابر على نحو ما رواه ابو هريرة تماماً واخرج عن جابر 6816 انه حضر ذلك فواضح ان رواية ابي هريرة انما اخذت من رواية جابر اذ هي موافقة لها حرفياً.
    وكذا اخرجها مسلم 1691 و1692 و 1693 و 1694 و 1695.
    وتستغرب ان روايات ابي هريرة للموضوع شاركه فيها جميعاً غيره من الصحابة.
    فاذا نحن رجعنا الى روايات قصة ماعز وجدناها عن ابي هريرة وجابر بن عبدالله وجابر بن سمرة وابن عباس وابي سعيد الخدري وبريدة الأسلمي وعمران بن حصين (انظر صحيح مسلم 1691-1696).
    وقد صرح بشهود ذلك جابر بن عبدالله وجابر بن سمرة اما أبو هريرة وعبدالله بن عباس فلم يصرحا بشهود ذلك ابداً, ثم لا بد من وقفة خاصة مع قصة ماعز.
    فان النبي (صلى الله عليه وسلم) عقّب عليها قائلاً: الا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف احدهم لا نبيب كنبيب التيس.. ان يمكني الله من احدهم لأنكلنه، او جعلته نكالاً (مسلم 1692).
    مما يعني انه شدد جداً في عقوبة ماعز لأنه خان رجلاً مجاهداً في سبيل الله.. وليقطع دابر فتنة ومفسدة كانت موجودة.
    والروايات واضحة جداً في هذا المعنى في صحيح مسلم لمن اراد ان يرجع اليها.
    فهل لنا ان نقول ان لها سببا خاصا مع الزنى؟ وانه اراد ان يقطع دابر المفسدين هؤلاء.
    4- اما الحديث الرابع في الرجم فحديث ابي هريرة وزيد بن خالد الجهني في قصة العسيف الذي زنى بامرأة سيدة فاخرجها البخاري 6827 و 6828 و 6859 و 6860. ومسلم 1697 و 1698.
    والملاحظ انه لم يتفرد بها ابو هريرة ولم يصرح انه شهد ذلك ابدا ولا يمنع ان يكون قد سمعها من غيره من الصحابة فرواها (مرسل صحابي) وهذا كثير في حديث ابي هريرة.
    5- الحديث الخامس في الرجم حديث عبادة بن الصامت ونصه: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، مسلم 1690.
    وهذا حديث مطول سنداً, فكل رواياته من رواية الحسن البصري معنعن أي بصيغة عن الحسن البصري كثير التدليس, مما يعني انه منقطع حكماً – الا رواية تفرد بها بكر بن خلف فرواها عن غير الحسن البصري وبكر صدوق يخطئ.
    واما متناً: نحن اذا تأملنا هذا النص وجدنا فيه ازدواج عقوبة المحصن وغير المحصن فحتى غير المحصن لم يكتف فيه بالجلد بل وتغريب عام وهو خلاف ما في كتاب الله.
    ووجدنا فيه ازدواج عقوبة المحصن الجلد مع الرجم وهو خلاف ما في الروايات الاخرى التي ذكرت الرجم فقط.
    وهذا جعل الفقهاء يذهبون مذاهب شتى في تأويل الحديث فمنهم من قال يجمع بين العقوبتين ومنهم من قال ان الجمع بين العقوبتين منسوخ ومنهم من قال ان ذلك موكول الى رأي الامام ان رأى مصلحة في النفي والتغريب فعل والا فلا واراء اخرى مما يجعلنا لا نجزم ان الحديث معمول به كما هو عند الفقهاء والمحدثين.
    وانه داخله التخصيص والتأويل بل والنسخ مع كونه ظنياً احادياً يخالف ظاهر القرآن مع ما في سنده من علة, فلم يعد حجة مع كل هذه الاحتمالات
    استعرضنا فيما سبق عدداً من النصوص التي يحتج بها على حد الرجم، ونستكمل معكم ايها الاخوة الاعزاء هذه النصوص لنقف معها بعد ذلك وقفة اجمالية:.
    6- النص السادس الذي يحتج به لاثبات حد الرجم ان عمر خطب على المنبر فقال: ان الله بعث محمداً بالحق وانزل عليه الكتاب، وكان مما انزل عليه: آية الرجم، فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى ان طال بالناس زمن ان يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله في كتابه, فان الرجم في كتاب الله حق على من زنى اذا احصن من الرجال والنساء, اذا اقامت البينة. اخرجه البخاري في الحدود ومسلم رقم 1691 وغيرهما.
    والاشكالات في هذا الحديث كثيرة:.
    1- انه ينسب لعمر قوله :"ان الرجم في كتاب الله حق" ونحن بين ايدينا الكتاب وليس فيه شيء من هذا.
    2- يقول انها فريضة انزلها الله.. ولنا ان نتساءل اين ذلك؟.
    3- يقول "إنها آية قرأناها ووعيناها" اين هذه الآية؟.
    ان كانت نزلت اين هي؟.
    ان كانت نسخت ما الدليل على نزولها, ولا يثبت شيء له صلة بالقرآن الا بالتواتر ثم ما الدليل انها نسخت.
    4- ثم ان سلمنا انها كانت آية فنسخت ما الدليل انها نسخت تلاوة وبقي الحكم وما الحكمة من ذلك؟.
    وما الدليل ان الحكم بقي؟.
    واذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد رجم فمتى كان هذا قبل رفع هذه الآية على فرض سلمنا بنزولها ام بعد رفعها.
    5- وهل كل ذلك قبل آية سورة النور ام بعده..
    6- وكل هذا كلام ينسب لصحابي ليس فيه أي نسبة كلام لرسول الله, سوى فعل الرجم دون بيان متى؟ ولماذا؟.
    7- ينسب الحديث آية لكتاب الله غير موجودة فيه وهذا كافٍ لرد الاستدلال بالحديث. ويلحق بهذا حديث "الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة".
    8- النص السابع في ادلة الرجم:.
    عن ابن مسعود وعائشة وعثمان بألفاظ متقاربة مرفوعا:
    "لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه.
    وهذا الحديث يقرر مبدأ قتل الزاني المحصن, ولكنه لا يبين الرجم والخلاف اساساً ذو شقين:.
    - هل ثبت الرجم.
    - هل استمر الحكم رجماً او قتلا, والحكم بالقتل مع كونه امراً زائداً على كتاب الله. ان ثبت، نعم وردت رواية عند النسائي وابي داود.
    (فانه يرجم) فهي زيادة شاذة مخالفة للنصوص المشهورة في رواية الحديث.
    وبعد:.
    فهذا ما وقفت عليه من روايات تتحدث عن الرجم ولنا ان نقف معها وقفة اجمالية سريعة:.
    1- حديث علي انه رجم بالسنة فيه علة الانقطاع.
    2- حديث عبدالله بن أبي اوفى في البخاري ولا يدري الرجم اولاً ام سورة النور أي لا يعرف الناسخ من المنسوخ والاصل ان يقدم القرآن على كل ما سواه.
    3- حديث ماعز والغامدية رواه جماعة لكن لا يثبت متى كان ورواية ابي هريرة وابن عباس لا تصرح انهما شهدا ذلك فلا دليل فيها على تأخر الرجم.
    4- حديث العسيف رواه ابو هريرة وزيد بن خالد الجهني ولا يعرف متى؟.
    5- حديث عبادة بن الصامت داخله التخصيص والتأويل والنسخ ولا يعرف تاريخه مع كونه مخالفاً في الظاهر لما قرره القرآن وهو من افراد مسلم وفيه علة التدليس.
    6- حديث عمر في آية الرجم فيه اشكالات كثيرة ولها علاقة بنسخ التلاوة.
    وكذا حديث الشيخ والشيخة اذا زنيا واضح انه تحريف لنص الآية "الزانية والزاني فاجلدوهما" ويبقى فيه الاشكالات الواردة على حديث عمر.
    7- حديث لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث: ومنها الثيب الزاني فهو:.
    أ‌. لا يثبت الرجم الا في رواية شاذة.
    ب‌. يبقى الاشكال قائماً متى كان هذا قبل نزول سورة النور او بعد.
    ت‌. ويبقى الاشكال الآخر اننا امام نص ظني خالف نصاً قطعياً عاماً في سورة النور.
    ث‌. ان الحكم بالقتل غير الحكم بالرجم.
    يضاف الى ذلك اشكالات من المهم النظر فيها:.
    الاول: ان اقامة الحد المشدد على ماعز جاء لسبب خاص, اخرجه مسلم وهو انهم كانوا يخرجون للجهاد فيتخلف بعض الناس فيفسد فكان الامر يقتضي عقوبة شديدة تقطع دابر هؤلاء وهذا يرجح ان ذلك كان في بدايات الأمر اذ لا يظن ان يستمر فساد هؤلاء. (سبق تخريج النص).
    الاشكال الثاني: ان الرجم ثبت في التوراة في حديث اخرجه البخاري ومسلم 1699 في حديث طويل "وانهم احضروا التوراة وفيها آية الرجم" والسؤال الآن.
    - هل عمل النبي بشرع من قبلنا في حق المفسدين الى ان نزلت آيات القرآن تبين ان الحكم عندنا الجلد.
    - هل كان هذا عندنا موافقاً ثم نسخ.
    - هل اشتبه الأمر على بعضهم فظن حكم التوراة حكماً لنا.
    الاشكال الثالث:.
    على فرض ثبوت حدوث الرجم في السنة لكننا امام نص قرآني قاطع لا يذكر شيئاً من ذلك مع اهميته وخطورته والحاجة اليه فما الدليل انه بقي حكماً معمولاً به لم لا يكون نص القرآن ناسخاً لكل ما عداه.
    الاشكال الرابع اين الدليل ان الرجم كان آية فنسخت واذا كان الأمر كذلك, فالدليل ان الحكم بقي ولم لا يكون القرآن هو الذي نسخ كل شيء.
    الاشكال الخامس: تحدثت بعض النصوص عن قتل الزاني المحصن, وهذا امر غير الرجم ومع ذلك فهو ظني ويحتمل التأويل أي ان يكون تعزيراً لظروف خاصة.
    الاشكال السادس: ان الرجم عقوبة تتنافى مع طبيعة العقوبة في القرآن (صلب, جلد، قتل, نفي, قطع, حبس) وفيها من البشاعة والتعذيب ما لا ينسجم مع حقائق الشريعة, كيف وقد أمرنا في الحديث "وليحد احدكم شفرته وليرح ذبيحته". وهذا في حق الحيوان, فكيف في حق الانسان؟ وان كان مجرماً فالغاية هي الردع والتأديب.
    الاشكال السابع ان القرآن قرر صريحاً ان عقوبة (الأمَة) (الارقاء) على النصف من عقوبة الاحرار "فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" النساء 25.. وقطعاً الرجم لا ينصف نعم اولها البعض ان المحصنة هنا الحرة وليس المتزوجة, ولكن يبقى تأويلاً..
    الى غير ذلك من الاشكالات التي تدعونا ان ندرس الموضوع بعناية تامة قبل اصدار أي حكم في المسألة.
    فما اقوله هنا دعوة للتأمل والنظر والبحث مع التأكيد انني لم احاول ان ادرس هذه الاحاديث من حيث السند اذ هي في الصحيحين فهي من حيث السند صحيحة في معظمها عن جماهير اهل العلم.
    لكن الدراسة انصبت على جانب المتن وعلاقته بالقرآن وحقائق الشريعة وكون النصوص ظنية قابلت قطعياً.
    في سياق الحديث عن قضية ظنية السنة واثرها في التعامل مع السنة – مع كون ذلك ضمن قواعد متكاملة – اقول في سياق ذلك اثرت قضية حد الرجم في الشريعة..
    وكما قلت اثرتها لندرس ونفكر وتحرر دفاعاً عن الشريعة واتباعاً لكتاب الله.
    وبدأت الطعون تترى والسنة المشككين تنطلق ومن اقوالهم انك تخالف اجماع الامة وتطعن في سنة رسول الله.
    فأقول اما السنة فنحن لم نطعن الا بحديث معلول وانا تساءلنا عن امكان وجود نسخ وان القرآن ثبت الحكم النهائي وان الرجم كان مرحلة استثنائية ومضى بيان ذلك.
    اما مخالفة الامة واجماعها، فهنا لا بد من وقفة متأنية، نعم مذاهب الأئمة الاربعة اقرار حد الرجم، لكن ذلك لا يعني الا جماع المطلق في الآية. والذي يبدو لي: ان هذا الحد قد ساد وانتشر بسبب روايات محددة (ذكرت بعضها) بما لم يسمح للفقهاء ان يقفوا تجاه هذا الحكم وقفة ابعد، فعندما يقف امير المؤمنين عمر يعلن هذا الحد على الملأ من سيجرؤ بعد ذلك ان يقول لا، وهنا سيأتي من يقول لك وكيف تجرؤ انت، لنقول ان العصمة لم تثبت في منهج اهل السنة الا للرسل، والخطأ والاجتهاد ممكن ونحن هنا نعود لكتاب الله اساساً.
    اقول لقد مرت الامة بحالة لم يعد يجرؤ احد على رفض هذا الحد والآن ادعو القارئ الكريم الى ان يقف على ما كتبه الشيخ الزرقا في فتاواه (ص 391-395) لتقف على امور عجب في هذا الشأن.
    فهو يحدثك ان الشيخ الامام محمد ابو زهرة قد توصل الى قناعة تامة ان حد الرجم ليس حداً اسلامياً والعجيب ان يعلق على ذلك الشيخ الدكتور القرضاوي "كنت مع شيخنا العلامة الزرقاء في ندوة التشريع الاسلامي بمدينة البيضاء في ليبيا واستمعت معه الى العلاّمة ابي زهرة في رأيه في الرجم الذي كتمه عشرين سنة ثم باح به" فانظر كيف ان علامة كبيراً فقيهاً لا يجرؤ ان يبوح برأيه صراحة، ولما رجعت الى فتاوى ابي زهرة ص 672 فانك تلمس تشكيكاً بالامر دون تصريح ويكتفي ابو زهرة ان يبوح بذلك امام بعض اهل العلم، اذن هذا يبين لك الحالة التي خضع لها كثير من العلماء فلما يجرؤوا ان يصرحوا بقناعاتهم.
    ثم انه يفهم من كلام الشيخين الزرقا والقرضاوي انهما غير مقتنعين بحد الرجم، اطلاقاً، ولكنهما ايضاً لا يجرؤان على التصريح فيلجآن الى القول انه حكم على سبيل التعزير, ومعنى كونه تعزير أي انه ليس حداً من الحدود ولكنه عقوبة يعود تقديرها الى الحاكم ان رأى لذلك داعياً, وهذا في حد ذاته نفي لحد الرجم.
    وانني لأرى خطورة كبيرة الى الفرار من القول بانه حد – الى انه تعزير مداراة للناس لسبب خطير ان القتل رجماً عقوبة بشعة قاسية جداً فلا يجوز ان يجعل تقرير هكذا حكماً وفيه ازهاق نفس انسانية بصورة بشعة جداً ثم يكون تحت رأي انسان او حاكم ما وليس صادراً عن الله، واذا ثبت من قول القرضاوي والزرقا انه ليس حداً ربانياً فيكون قد حصل المقصود مع العلم ان الشيخ الزرقا نقل كلام ابي زهرة في فتاواه بما يشرك انه يريد ان يستند عليه في رفض حد الرجم.
    ومما يفيد هنا ان انقل بعض ادلة ابي زهرة في رفض حد الرجم.
    اذ ينقل الزرقا ان ابا زهرة شكك في حد الرجم وعلل شكه هذا بما مفاده ان عقوبة الرجم اقسى عقوبة على الاطلاق يتصورها الانسان في الجزاء بالموت, وانه لا يستطيع ان يتصور ان الرسول ذا القلب الرحيم الرؤوف يطبق مثل هذه العقوبة التي يرجف منها قلب السامع ثم بيّن فضيلته، ان حد الرجم يتنافى مع القرآن الكريم الذي بيّن ان حد الزاني الرقيق على النصف من عقوبة الحر "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" وعقوبة الرجم لا تنصف ا.هـ.
    اما ادّعاء علماء السنة ان عقوبة الرجم خاصة بالاحرار ولا علاقة لها بالزناة من الرقيق فادعاء لا دليل عليه.
    ثم ان الشيخ الزرقا يأبى ان يشكك بالآثار الواردة ويذهب الى القول انه ثابت لكنه على سبيل التعزير ويستدل بشكل رئيس بحديث عبادة بن الصامت "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب بالثيب جلد مائة والرجم والبكر بالبكر جلد مائة والنفي" وانه كما كان النفي للبكر تعزيراً فيكون الرجم مع الجلد تعزيراً.
    لكنني اقول: قد وجهنا الاحاديث الواردة في ذلك وانه كان في مرحلة من المراحل ولا يبعد ان ذلك كان عملاً يشرع من قبلنا لظرف خاص.
    وقد قال ابو زهرة: ان هذه عقوبة يهودية في الاصل وقد نسخت بظهور دين الرحمة.
    واؤكد هنا لا يجوز ان يسند ازهاق نفس بطريقة بشعة لرأي بشر كائناً من كان, مما ينبغي ان يكون الرجم ثابتاً لا تعزيراً ولا حداً انه لا بد ان ننظر نظرة متأنية, ذلك ان الزاني اما مستتر فلن يستطيع احد ان يطبق عليه أي نوع من العقوبات, واما معلن وهذا المعلن اما معترف بنفسه وقد جاء مقراً على نفسه بذلك يريد التطهير وهذا حري ان تخفف عقوبته الى ما نص عليه القرآن وهو الجلد من غير ان يميز بين محصن وغيره.
    والنوع الآخر هو ذاك الاباحي المجرم المفسد في الارض المستهتر بالاعراض المستخف بشرع الله وهذا حري ان يشدد في حقه العقوبة سواءً كان محصناً او غير محصن – وليس بالضرورة الرجم – ولكن ان يطبق عليه حد الحرابة.
    ثم اننا مأمورون بدرء الحدود بالشبهات، ولا يجوز ازهاق النفوس بالظن, وان كل ما سبق اورث ظناً بثبوت حد الرجم فكيف نطبقه مع اننا لا يجوز ان نحكم بتهمة الزنى ذاتها الا بيقين وقطع مطلق.
    ثم ان من العلماء من ذهب خلاف ما قاله ائمة المذاهب الاربعة فهذا ابن حزم يرى في المحلى 11/96 ان حد الرجم يطبق على المحصن الشيخ, وحسب اما الشاب ولو كان محصناً فلا يرجم.
    ومن هنا, ترى عدم انضباط هذا الأمر, فمن هو الشيخ ومن هو الشاب وما الحد الفاصل بينهما.
    لذا كله كان لا بد من الأخذ بالنص الصريح القطعي الشامل الواضح في كتاب الله وذلك اجدر بخصائص الشريعة وروحها وابعد عن النزاع.
    القاعدة الثانية عشرة: من شروط الاحتجاج بالحديث التأكد من استيفائه شروط الصحة كاملة ومن اهمها انتفاء العلل من كل وجه:.
    تمهيد:.
    اجدني مضطراً بين الحين والآخر – اذ ربما لا يتابع بعض القراء الاعزاء كل المقالات – اجدني مضطراً للتأكيد على بعض البدهيات او التذكير بها.
    فان اجماع الأمة منعقد بجميع مللها على حجية السنة النبوية، وانها المصدر الثاني من مصادر التشريع ومن يدّعي الاستغناء عن السنة, فهو يرفض اوامر القرآن ذاته "اطيعوا الله واطيعوا الرسول" وهو يهدم كثيراً من تشريعات الاسلام, فان تفصيلات الصلاة والزكاة والبيوع لم ترد الا في السنة.
    لكن الاجتهاد انما يقع في ثبوت النص عن رسول الله، اذ هي في معظمها ثابتة بدلالة ظنية (أي ليست متواترة) او يقع الاجتهاد في الفهم.
    ومن هنا، يتعدد الاجتهاد وما دام هذا الاجتهاد صادراً عن اصحاب الاختصاص وليس مبنياً على الهوى والتشهي فان صاحبه بين اجرين، كما قد يقع الاجتهاد عند بعضهم في شروط الاحتجاج بالحديث وقواعد النقد.
    ومن ثم, فان ما هو قطعي في الشريعة دلالة وثبوتاً يبقى محدوداً وهذا جزء من حكمة التشريع ليسع الزمان والمكان، وليتحقق معنى التيسير, ومعنى ابتلاء الامة بالبحث عن الحق, والبعد عن الهوى.
    ومن هنا، وجب ان يتسع صدر بعضنا لبعض، وان نحسن الظن ببعضنا وان يعذر بعضنا بعضاً في هذه الامور الاجتهادية المحتملة.
    ومما ينبغي التذكير به مما نحن بصدده: من شروط الاحتجاج بالحديث استيفاء جميع شروط الصحة.
    وشروط الحديث الصحيح معلومة عند علمائنا وهي:.
    1- ان يتصف راوته بالضبط التام او ما يقوم مقامه من تعدد الطرق (اعتضاد الحديث).
    2- وان يتصف رواته جميعاً بالعدالة ولها تفصيلات عند المحدثين.
    3- الاتصال في جميع طبقات السند.
    4- انتفاء العلل والشذوذ (والشذوذ احد انواع العلل).
    وجميع المحدثين متفقون على هذه الشروط، لكن الذي يحدث ان يختلف العلماء في تحقق حديث ما بشرط من هذه الشروط.
    فتجدهم قد يختلفون هل هذا الراوي ضبطه تام، واذا كان في ضبطه خلل هل قام ما يسد سد هذا النقص في الضبط ويجده، ام لم يقم.
    وربما اختلفوا في بعض تفصيلات احكام العدالة، فمع اتفاقهم على وجوب تحقق الصدق التام فربما, اختلفوا في شأن المبتدع وما حكم روايته بل وربما، اختلفوا في وجود هذه البدعة في راو ما, وربما اختلفوا هل هذا القول بدعة ام لا، ومن هنا تجد احتمالات تنوع الاجتهادات.
    واتفقوا على وجوب الاتصال بين رواة السند في جميع طبقاته، لكن يقع الاختلاف في بعض التفصيلات فمثلاً اذا قال الراوي حدثنا فلان فانه يحمل على الاتصال ما لم يثبت العكس، كأن يكونا في عصرين مختلفين او كان هناك وهم من بعض الرواة.
    ولكن اذا قال الراوي عن فلان فهل قوله عن فلان تحمل على الاتصال, فجمهور العلماء انه لا بد من شروط حتى تحمل عن على الاتصال.
    ثم اختلفوا في هذه الشروط او بعضها واختلفوا في نسبة بعض الشروط الى بعض العلماء.
    وكلها مسائل البحث فيها طويل جداً، والاختلاف واسع جداً, وعندئذ فقطعاً سيقع اختلاف بين اهل العلم في توافر شروط الصحة في حديث ما من الاحاديث.
    اما الشرط الاخر من شروط صحة الحديث فموضوع انتفاء العلل من كل وجه، وموضوع العلل بحث عريض طويل، وله مؤلفات مطولة، ولكن وبايجاز شديد يقصد من العلل تلك الاخطاء التي يقع فيها بعض الرواة ولا تظهر للوهلة الاولى او تكون خفية او لا يتنبه اليها بعض النقاد حتى يظن ان الحديث صحيح، ثم بعد البحث والتفتيش يكتشف خطأ ما قد وقع فيه بعض الرواة.
    ومن انواع هذه العلل:.
    ان تجد حديثاً منسوباً الى رسول الله بسند ظاهره الصحة ثم بعد استيفاء تخريج الحديث من جميع طرقه يتبين لك ان اكثر الرواة جعلوه من كلام الصحابي وليس من كلام رسول الله, وهذا ما يسميه العلماء تعارض الرفع والوقف، فمن لم يحسن البحث ويستكمل التخريج ووقف على الطريق الذي رفع الحديث الى رسول الله يظنه صحيحاً وليس الأمر كذلك.
    ومن انواع العلل تعارض الوصل والارسال.
    أي ان يروي تابعي حديثاً عن رسول الله ثم يأتي الحديث ذاته متصلاً بذكر واسطة بين التابعي والنبي (ص) بينما هو منقطع في حقيقته.
    او ان يزيد بعض الرواة الفاظاً في النص, لكننا اذا بحثنا في طرق الحديث الاخرى لا نجد هذا اللفظ, ونجد ان من لم يرو هذه الزيادات اوثق فضلاً عن ان يكون في المتن (متن الحديث) ما يخالف ظاهره.
    القرآن او السنة ذاتها او العقل الصريح او التاريخ او الواقع مما يقتضي وقوع وهم ما، وهنا قد تختلف انظار العلماء في التعامل مع هذا التعارض.
    فمنهم من يلجأ الى التوفيق والجمع ومنهم من لا يرى هذا الاسلوب فيلجأ الى الترجيح او البحث عن الناسخ والمنسوخ.
    وهذه نماذج محدودة جداً من انواع العلل التي قد تقع في الروايات, بل ان بعض الرواة قد يكون ثقة جداً, لكن اذا حدث عن غير اهل بلده يكون ضعيفاً او يخطئ.
    واذا كان الامر كذلك، فمن هنا ليس غريباً ان تجد ان انظار العلماء تختلف في الحكم على حديث من الاحاديث.
    ومن هنا كان واجباً على طلبة العلم ان تتسع صدورهم للاختلاف وتعدد وجهات النظر.
    كما كان من اهم الواجبات انه لا يجوز ان نحكم على حديث ما بالصحة الا بعد التأكد من استيفاء الحديث لجميع شروط الصحة وانتفاء جميع العلل المؤثرة.
    ومع ان جميع العلماء متفقون على هذه القاعدة نظرياً فثمة اختلافات كثيرة في التفاصيل والتطبيق اذ تجد من يتساهل في بعض الشروط فيزعم ان الارسال (رواية التابعي عن رسول الله) لا تضر احياناً, او يزعم ان قليل التدليس (الانقطاع الخفي لا يضر, او يزعم ان خلل الضبط اليسير لا يضر.
    ولكن ومع ذلك, فان من اهم الاشكالات التي نواجهها في الحكم على الحديث صحة وضعفاً هو عدم التحقق من انتفاء العلل او التساهل في التعامل معها او ادعاء انها لا تضر.
    او تجد البعض يقف على العلة ثم يحاول ان يدفعها بما لا يدفع او ينفي وجودها او ربما يصحح حديثاً من غير بحث كاف, فاذا جاء من بعد لينبه على علة ما في الحديث قيل له وهل انت اعلم ممن سبقك.
    ثم بعضهم ربما يرى العلة امامه ثم يصر على عدم اعتبارها علة, فاذا جاء باحث آخر ليبين ان في الحديث علة تمنع من الاحتجاج به واجهه المخالفون بالنقد اللاذع والاتهام بعدم الفهم وبالجهل.
    فكل ذلك من المشكلات الحقيقية التي تواجهنا في التصحيح والتضعيف. ومن هنا, كان واجباً عليّ ان اركز على هذه القاعدة، وان أضرب العديد من الامثلة التطبيقية لعل فيها تنويراً لطلبة العلم,
    تطبيقات على القاعدة الثانية عشرة.
    اكدت ان من اهم الضوابط في تعاملنا مع السنة التأكد من استيفاء الحديث شروط الصحة وانتفاء العلل (الاخطاء الخفية) من كل وجه واشرت الى نماذج من هذه العلل نظرياً، ولا بد من عرض بعض التطبيقات في هذا الميدان، اذ في نظري ان من اهم المشكلات التي تواجهنا في التعامل مع السنة هو عدم التطبيق الدقيق للقواعد النقدية وغض الطرف عن كثير من العلل القادحة المؤثرة سلباً على صحة الحديث، واتجاه بعض الباحثين الى الحرص على تصحيح الحديث بكثير من التكلف, والحرص على نفي علل واخطاء بما لا ينسجم مع حقائق النقد.
    النموذج الاول.
    وهي جملة احاديث لها علاقة بتحريم آلات الطرب (وليس القصد هنا تقديم فتوى في حق آلات الطرب, فلذلك بحث خاص, الفقهاء اولى به, لكن ما هي القيمة النقدية لهذه الاحاديث).
    1- عن عبدالرحمن بن غنم الاشعري قال حدثني ابو عامر ابو مالك الاشعري والله ما كذبني: سمع النبي يقول :"ليكونن من امتي اقوام يستحلون الحِرَ (الزنا) والحرير والخمر والمعازف. الحديث (وليسمح لي القارئ ان اخرج الحديث تخر يجاً موجزاً).
    اخرجه البخاري تعليقاً (أي بلفظ قال: ولم يسنده سماعاً) رقم (5590) وابن حبان (6754) وغيرهم عن هشام بن عمار قال ثنا صدقة بن خالد ثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ثنا عطية بن قيس ثنا عبدالرحمن بن غنم به ولم يذكر المعازف.
    واخرجه البيهقي (3/272) من طريق الاسماعيلي قال اخبرني الحسن بن سفيان ثنا عبدالرحمن بن ابراهيم ثنا بشر بن بكر ثنا ابن جابر به واخرجه ابن عساكر بسنده من طريق بشر بن بكر واخرجه ابو داود (4039) قال حدثنا عبدالوهاب بن نجدة ثنا بشر بن بكر عن عبدالرحمن به ولم يذكر المعازف.
    واخرجه البخاري في التاريخ الكبير (1/304) من طريق ابراهيم بن عبدالحميد بن ذي حماية عمن اخبره عن ابي مالك به..
    واخرجه احمد وغيره من طريق حاتم بن حريث عن مالك بن ابي مريم بلفظ "ليشربن ناس من امتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات..".
    هذا موجز تخريج الحديث وفيما يلي بيان علله.
    لقد انشغل الناس باثبات ان الحديث متصل عند البخاري وانه لا مشكلة في الاختلاف في اسم الراوي الصحابي (ابو عامر او ابو مالك) والحقيقة ليست هذه المشكلة, وانما علله هي:.
    1- لماذا اصر البخاري ان يخرجه معلقاً (أي على عهدة الراوي) ولم يسنده بلفظ حدثنا كعادته, اذن لا يريد ان يتحمل مسؤوليته.
    2- اين خرجه البخاري؟ في كتاب الاشربة, باب الخمر يسمونها بغير اسمها.
    وهذا المقطع من الحديث (أي ما له علاقة بالخمر) له شواهد ومتابعات ليست محل نقد عند المحدثين.
    3- لماذا لم يكرر البخاري الحديث في ابواب الفقه المناسبة له مع ان من عادته ان يفعل ذلك.
    4- لماذا لم يعقد لا البخاري ولا مسلم باباً في بيان تحريم آلات الطرب, مع ان القضية مهمة جداً، ومنتشرة (ويوجد احاديث) فلو صحت اما كان بالامكان ان يخرجوا ولو واحداً منها في باب خاص بتحريم آلات الطرب
    5- ساق البخاري هذا الحديث من طريق هشام بن عمار. فلو رجعنا الى كتب الجرح والتعديل سنجد ان العلماء تكلموا كلاماً خطيراً في حق هشام بن عمار من ذلك قول ابي داود فيه اذ قال: حدّث هشام بن عمار بأربعمائة حديث لا اصل لها، وقال احمد بن حنبل: هشام بن عمار طياش خفيف.
    6- مدار الحديث على عطية بن قيس الكلابي ولم يوثقه توثيقاً صريحاً احد من العلماء قال ابن سعد: كان معروفاً وله احاديث وقال ابو حاتم: صالح الحديث (وذكر انه من القراء).
    7- فكيف يقبل حديث فيه هشام بن عمار (طياش خفيف ومن طريق عطية الذي لم يوثق توثيقاً صريحاً).
    8- روى هذا الحديث عبدالوهاب بن نجدة (وهوثقة) عن بشر بسنده عن عطية ولم يذكر كلمة المعازف في حديثه وهي محل الخلاف.
    9- رواية ابن عساكر بسنده عن بشر مثل رواية هشام لكن في سنده مجاهيل لم يعرفوا.
    10- روى هذا الحديث الاسماعيلي في مستخرجه على البخاري بسنده عن بشر مثل رواية هشام وذكر فيها المعازف.
    11- وهنا علة اخرى وهي ان الرواة اختلفوا على بشر فرواية ابي داود عن بشر ليس فيها ذكر المعازف, ورواية الاسماعيلي فيها ذكر المعازف وهذا الاختلاف في حد ذاته علة ثم انفراد الاسماعيلي بذكر المعازف سببه انه اتى بسند بشر لكن ابقى متن هشام بن عمار الذي هو متن البخاري باعتبار كتاب الاسماعيلي مخرجاً على صحيح البخاري كما يعلم اهل الاختصاص.
    12- اما رواية مالك بن ابي مريم فهذا راوٍ مجهول لا يعرف.
    وكذا الراوي عنه حاتم بن حريث لا يعرف.
    13- واما رواية ابراهيم بن عبد الحميد ففيها انقطاع في السند وابراهيم نفسه لم يوثق.
    هذه مجمل علل الحديث بايجاز شديد, والذين يحاولون تصحيح الحديث يغضون طرفاً عن كل هذه العلل محاولين الاحتجاج بأن البخاري خرجه في صحيحه مع ان قضية تخريج البخاري له لا تدل على شيء:
    1- لأنه معلق (لم يعتمده البخاري) 2- خرجه فقط للاستدلال على تحريم الخمر وانها تسمى عند بعضهم بغير اسمها.
    2- ان كلمة المعازف لم يذكرها من روى الحديث من غير طريق هشام وهو اوثق وان الاسماعيلي اذ ذكرها فلأنه اعتمد متن البخاري.. (ولا اريد ان اكرر ما ذكرت).
    وعلى اية حال:.
    نحن امام نص اعتورته المشكلات من كل جانب فهل يصلح ان نبني عليه حكماً، يكون سبباً في تفسيق وتحريم وتضليل على ان بعض المعاصرين ذهب الى القول ان المحرم هو الصورة المجتمعة (خمر مع مغنيات مع معازف) معتمداً على الرواية الاخيرة "يعزف على رؤوسهم بالمعازف..".
    وسبق ذكرها واقول: 1- انها ضعيفة. 2- ان الخمر محرم لذاته وان ظهور المرأة مغنية لا يجوز لذاته..
    فلا داعي لهذا التخريج والكلام هنا فقط عن المعازف والرواية الأصح عند ابي داود لم تذكر المعازف.
    وما ذكرته هنا مختصر غاية الاختصار كنموذج لاحاديث تصحح وهي غير صحيحة، او فيها من العلل ما يجعلها محل نقد عند كثير من اهل العلم.
    نواصل استعراض نماذج من النصوص الحديثية صححت ولا تصح وقد اعتمدت في تحريم آلات الطرب مطلقاً في سياق حديثنا عن قاعدة ضرورة استيفاء شروط الاحتجاج بالحديث وانتفاء العلل وكان الحديث السابق حول الحديث المعلق في صحيح البخاري في تحريم المعازف واستعرضنا بعض علله.
    وفيما يلي الحديث الثاني:.
    2- حديث "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة" والحديث اخرجه البزار من طريق الضحاك بن مخلد قال ثنا شبيب بن بشر البجلي قال سمعت انس بن مالك به. قال البزار: لا نعلمه عن انس الا بهذا الاسناد.
    نقد الحديث:.
    1- الحديث من رواية شبيب بن بشر, قال فيه ابو حاتم: لين الحديث وقال ابن حبان: يخطئ كثيراً، نعم قال فيه ابن معين: ثقة.
    وقال لم يري عنه غير ابي عاصم (وهذه اشارة الى انه من الوحدات) فمع هذا الاختلاف في حال الراوي وضبطه هل يجوز ان يكون حجة على الخلق فيما ينسب الى الله ورسوله؟.
    2- قد يقال ان الراوي قد توبع (أي شاركه غيره في الرواية) فقد تابعه في هذه الرواية عيسى بن طهمان عن انس وعيسى هذا من رجال البخاري (ثقة).
    لكن ابن حبان بين علة خاصة في حديث عيسى عن انس اذ قال: عيسى ينفرد بالمناكير عن انس كان يدلس عن ابان عن ابي عياش ويزيد الرقاشي.. لا يجوز الاحتجاج بخبره.
    ومن هنا نعلم لماذا قال البزار: لا نعلمه عن انس الا بهذا الاسناد (أي اسناد شبيب بن بشر) وكأنه لم يقر برواية عيسى بن طهمان.
    قد يقال له شاهد من حديث جابر بن عبدالله عن عبدالرحمن بن عوف بلفظ: نهيت عن صوتين احمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب مزامير شيطان, وصوت عند مصيبة.." اخرجه الحاكم, وقال الترمذي: (حديث حسن).
    اقول: الحديث عن طريق محمد بن عبدالرحمن بن ابي ليلى, وهو سيء الحفظ جداً.
    واذن لم يثبت هذا الشاهد الى جابر.. فكيف ندعي ان حديث جابر يشهد لحديث انس ومتابعة عيسى بن طهمان لم تثبت فيبقى الحديث من رواة شبيب, والأمر كما قال البزار.
    اما قول الترمذي: حسن, فهذا يحتاج الى بحث خاص في مفهوم مصطلح الحسن عند الترمذي وانه في دائرة الضعيف.
    وهكذا نجد انموذجاً اخر لحديث يصحح بالشواهد والمتابعات دون النظر الدقيق في علله الخفية واذا لم يثبت هذا عن رسول الله (ص) فكيف يقال انه يشهد لحديث ابي عامر الاشعري في المعازف وهو الآخر لم يثبت عند رسول الله كاملاً (خاصة كلمة المعازف).
    عن عبدالله بن عباس مرفوعا: "ان الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر" ووجه التحريم فيه لآلات الطرب ذكر الكوبة وانها تعني (الدربكة).
    أقول: هذا جزء من حديث رواه قيس بن حَبْتَر عن ابن عباس، ونصه:.
    "سألت ابن عباس عن الجر الاخضر والجر الابيض والجر الأحمر (الجرار التي يشرب بها) فقال ابن عباس: ان اول من سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عنه وفد عبد القيس, فقال: "لا تشربوا في الوباء (آنية من القرع) والمرفت (آنية مطلية بالزفت) والختم (نوع من الجرار) ولا تشربوا في الجرار واشربوا في الاسقية.. "الحديث ومن غير ان اطيل على القارئ الكريم".
    فقد صحح بعضهم هذا الحديث واعتبره دالاً على تحريم آلات الطرب لأنه نهى عن (الكوبة) وقالوا الكوبة هي من آلات الطرب كالطبل في تفسير بعض العلماء.
    واقول: الحديث فيه علل:.
    أ‌- مدارة على قيس بن حبتر وقد تفرد به بهذا اللفظ عن ابن عباس, وقد وثقه ابو زرعة والنسائي.
    لكن قال ابن حجر: قال مهنأ (تلميذ احمد بن حنبل) سألت ابا عبدالله (يعني احمد بن حنبل) ما عندك؟ كيف هو؟ ومن اين هذا؟ فقال: لا ادري. وقال ابن حزم مجهول.
    2- ان قيس بن حبتر تفرد بهذا اللفظ وقد رأينا ان بعض (العلماء عدّه في المجاهيل وهو مع ذلك مخالف للحديث المشهور عن ابن عباس وابي سعيد الخدري وابن عمر في حديث وفد عبد القيس وليس في شيء منها ذكر الكوبة.
    3- ان اللفظة موضوع الشاهد كلمة (الكوبة) ما هو معناها؟.
    فقد فسر بعضهم بالطبل او ما نسميه (الدربكة) فهل هذا هو المراد بها هنا.
    لو نظرنا في كل روايات الحديث نجدها تتكلم عن آنية الشرب, ما يجوز وما لا يجوز, فما علاقة الكوبة بالطبل, أليس الاوْلى ان تفسر بنوع من آنية شرب الخمر, اذ جاء بعدها ونهى عن كل مسكر. فنص الحديث كله عن الأشربة والآنية.
    فاذا علمنا ان كلمة الكوبة هنا لا تدل صراحة على الطبل.
    وعلمنا انه تفرد بهذه اللفظة قيس وهو متكلم فيه وعلمنا انه مع تفرده خالف الروايات الصحيحة المشهورة عن ابن عباس وان الموضوع كله حديث عن آنية الشرب، فهل يجوز بعد ذلك ان نقول ان هذا دليل على تحريم الطبل او تحريم آلات الطرب بالمطلق.
    وهناك احاديث اخرى في هذا الموضوع لعلنا نتطرق اليها.
    ومرة اخرى اؤكد ليس هدفي ان اقدم فتوى في حكم آلات الطرب فان فيها تفصيلات لا بد ان يحيط بها المفتي الفقيه ومتى تجوز ومتى لا تجوز وما دليل كل ذلك.
    لكن المأساة انك تجد من مشايخنا الافاضل من يشتد في هذه المسألة حتى يحرم كل انواع الغناء والطرب, وربما يعتبره من اشد الكبائر, وتجده معتمداً في تحريمه ونكيره على هذه النصوص مدعياً صحتها اما لذاتها او بمجموع طرقها.
    ولكننا نلاحظ كيف لا يتنبه الى ما في هذه النصوص من علل فادحة مؤثرة تمنع من الاحتجاج بهذه الاحاديث فضلاً عن الحكم بصحتها منفردة او مجتمعة.
    وهذا من اسوأ ما نعانيه اليوم في تعاملنا مع نصوص منسوبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).
    فلا أحد يمكن ان يُشكك بوجوب اتباع رسول الله والاهتداء بهديه والعمل بسنته، لكن مشكلتنا الاساسية في ما ينسب الى رسول الله بينما هو غير صحيح النسبة ثم يأتي من يدّعي صحة هذه النصوص غير متنبه الى العلل الخفية (وما ذكرت نماذج من ذلك) ثم المأساة الاخرى اذا وجد من الباحثين من يحاول البحث والتحقيق سارع البعض الى الاتهام والادعاء اننا نهدم السنة او لا نقبل حديث رسول الله.
    والحق لن نقبل ان ينسب الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما لم يثبت انه قد قاله او فعله حقاً صلى الله عليه وسلم.
    علل احاديث في المعازف:
    في سياق مناقشة القاعدة الثانية عشرة المتعلقة بضرورة تحرير استيفاء شروط صحة الحديث وانتفاء علله، لاحظنا ان هناك احاديث تصحح ويبنى عليها احكام اقل ما يقال انها خلافية، ومع ذلك فهذه الاحاديث تنطوي على علل تقدح في صحتها، فلا يكون النقد مستوفى لشروطه، وقد ناقشت من قبل ثلاثة احاديث وفيما يلي بعضاً آخر.
    4- حديث عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعاً "إن الله حرّم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء, وكل مسكر".
    هذا الحديث اخرجه احمد (2/158) و(2/171) وابو داود (3685) وغيرهم من طرق عن يزيد بن ابي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبدة عن عبدالله بن عمرو.
    وعمرو هذا لا يعرف, مجهول, كما قال الذهبي على خلاف ما قال ابن حجر: صدوق وفي الحديث علة اخرى وهي الانقطاع, فقد روى البيهقي هذا الحديث من طريق عمرو بن الوليد عن قيس بن سعد.
    وقال عمرو بن الوليد في حديثه بلغني عن عبدالله بن عمرو بن العاص مثله، مما يدل ان عمرو بن الوليد لم يسمعه من عبدالله بن عمرو.
    وقد يقال للحديث متابعة من طريق ابن الهيعة عن عبدالله بن هبيرة عن ابي هريرة او هبيرة العجلاني عن مولى لعبدالله بن عمرو بلفظ "ان ربي حرّم علي الخمر والميسر والمزر والكوبة" وفي رواية "والطبل والكوبة", وفي هذه المتابعة علل شتى:.
    1- تفرد ابن الهيعة فيها وهو ضعيف سيء الحفظ.
    2- خالف غيره ممن رواه من الطريق السابقة.
    3- الاضطراب في سنده فمرة عن ابي هبيرة ومرة عن ابي هريرة او هبيرة ومرة عن ابن العاص ومرة عن مولى له عنه.
    4- جهالة مولى عبدالله بن عمرو.
    وقد يقال للحديث متابعة اخرى من طريق الفرج بن فضالة ثنا ابراهيم بن عبدالرحمن بن رافع عن ابيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص وهذه المتابعة فيها علل:.
    1- عبدالرحمن بن رافع حديثه منكر.
    2- الفرج بن فضالة منكر الحديث ضعيف.
    3- وابراهيم بن عبدالرحمن مجهول.
    فلا تصلح هذه المتابعات لتقوية الحديث اذ لم تثبت الى المتابع بل رويت عن طرق ضعيفة وفيها جملة علل.
    والطريق الاول من رواية مجهول وفيها انقطاع.
    نقد المتن.
    ان الحديث كله يتكلم من اوله الى آخره عن الاشربة وفي هذا السياق ذكرت الكوبة وكل المحدثين خرجوا الحديث في باب الاشربة، فلماذا نفسر الكوبة – على فرض صحتها ولم تصح – بالطبل.
    5-عن قيس بن سعد بن عبادة:.
    ان رسول الله قال: ان ربي تبارك وتعالى حرّم عليّ الخمر والكوبة والقنين واياكم والغبيراء فانها ثلث خمر العالم, والحديث اخرجه احمد وابن ابي شيبة والبيهقي من طريق يحيى بن ايوب عن عبيدالله زحر عن بكر بن سوادة عن قيس وفي هذا الاسناد علل:.
    1- يحيى بن ايوب, قال ابو حاتم: لا يحتج به, وذكر له الذهبي مناكير وقال النسائي: ليس بالقوي.
    2- عبيد الله بن زحر: منكر الحديث فهذا طريق شديد الضعف لا يعتبر به لا في المتابعات ولا الشواهد.
    وقد روى البيهقي هذا الحديث من طريق عمرو بن الوليد عن قيس بن سعد، لكن عمرو بن الوليد مجهول.
    وقد يقال ان هذا الحديث روي عن عبدالله بن عمرو وعن قيس بن سعد، الا يتقويان بالشواهد، فيقال ان الحديث لم يثبت الى أي واحد منهما فكيف يقوي احدهما الآخر مع كون الطريقين رويا من طريق عمرو بن الوليد وهو مجهول والطرق الاخرى اشد ضعفاً.
    6-حديث عمران بن حصين مرفوعا: يكون في امتي قذف ومسخ وخسف .. اذا ظهرت المعازف وكثرت القيان وشربت الخمور"..
    اخرجه الترمذي من طريق عبدالله بن عبدالقدوس عن الأعمش عن هلال بن يساف عن عمران.
    وقال الترمذي: روي هذا الحديث عن الأعمش عن عبدالرحمن بن سابط عن النبي مرسلاً وهذا حديث غريب.
    اقول: ومعنى قول الترمذي: غريب أي ضعيف لا يحتج به. وفي هذا الحديث علل:.
    1- فيه عبدالله بن عبدالقدوس شديد الضعف كما بين يحيى بن معين والنسائي والدارقطني على خلاف ما قال ابن حجر: صدوق يخطئ ولذا قال الترمذي: حديث غريب.
    وقد ذكر لهذا الحديث عدة متابعات لم يصح منها شيء.
    1- فالمتابعة الاولى من طريق حماد بن عمرو عن الاعمش مرسلاً وحماد هذا متهم بالكذب.
    2- الثانية من طريق ليث بن ابي سليم مرسلاً شديد الضعف.
    3- الثالثة من طريق اسحاق بن اسماعيل قال ثنا جرير عن ابان بن تغلب مرسلاً أ.هـ. واسحاق وابان كلاهما مضعف.
    4- من طريق عبدالله بن عمرو بن مرة مرسلاً وعبدالله متكلم فيه.
    وجميع هذه المتابعات مرسلة.
    ومن هنا قال الترمذي روي الحديث مرسلاً وهذا حديث غريب.
    كأنه يقول: اني اطلعت على جميع متابعاته فلا يصح شيء منها للتقوية.
    وقد مر معنا من قبل ان للاحتجاج بالمتابعات والشواهد شروطاً منها ان يصح الطريق الى المتابع، وهذا لم يتوافر مع شدة ضعف طرقه.
    سيأتي من يقول لك ان لهذا الحديث شواهد مروية من طرق صحابة آخرين، وقد تتبعتها جميعاً ووجدتها كلها بأسانيد ضعيفة، لم يثبت اسناد الى أي صحابي.
    ولا اريد ان اطيل في نقد هذه النصوص لانها تحتاج الى مباحث مستقلة ان شاء الله. لكنني اردت ان اقدم لطلاب العلم نماذج من نصوص يحتج بها ويبنى عليها احكام قطعية عند بعضهم ينطلقون من خلالها الى اطلاق اوصاف التفسيق والتضليل لمجرد ان انساناً سمع شيئاً ما من المعازف من غير تمييز بين انواعها وآثارها وما يرافقها من كلمة طيبة وغير ذلك من الامور المؤثرة في الحكم.
    ويتساءل المرء هل تبنى الاحكام الشرعية على مثل هذه الأدلة المعلولة او التي لا تعدو ان تكون ظنية لا يصح منها شيء بوضوح.
    ان ثمة مساحة في الشرع للهو والفرح والسرور والمتعة .. والنفس الانسانية تستمتع بالجميل من الصوت والمنظر, فتراها تطرب وتهتز مشاعرها لزقزقة العصافير وهديل الحمام وخرير الماء وحفيف الاشجار، وما ان تقع عين على منظر جميل الا وتُسبّح الخلاق الجليل.
    ولقد هذّب الشارع الكريم الانسان ووجّهه, فتراه أمَرَهُ بغض البصر عن المحرمات، فليس كل جميل تستحليه العين يجوز النظر اليه, وكذلك نقول وجهنا الى ما يجوز ان نسمع وما لا نسمع، فليس كل صوت يسمع وليس كل ذلك يحرم (قل من حرّم زينة الله التي اخرج لعباده).
    فالغناء وآلات الطرب تشتمل على عناصر عدة هي (الكلمة, الآلة، المؤدي, كيفية الأداء، وجه وطريقة الاستماع، وآثاره وغايته).
    فأما الكلمة المغناة بمفردها: فبحسب موضوعها فان كانت كلمة هادفة صادقة نظيفة مذكرة بالله ورسوله وبالايمان والحماسة والنخوة والاخلاق.. فهي عمل صحيح.. جائز بل قد يكون واجباً.
    واما آلات الطرب بمفردها: فرأينا من العلماء كابن حزم والقاضي ابن العربي المالكي ومن المعاصرين الغزالي والقرضاوي والطنطاوي وابو زهرة رحمهم الله من يقولون: لا يصح في الباب شيء يدل على التحريم ورأينا من المعاصرين من يصحح ستة احاديث مرفوعة.
    امام هذا التعارض اقول اتساءل؟ من اين نستمد حكم الشارع في المعازف وآلات الطرب امن النص الشرعي وهل ثبت ام لا, وان لم يثبت فهل نقول الاصل الاباحة, ام نستمد الحكم من نظر العقل الخاص, امن من اثرها؟ ام من مبدأ البر ما اطمأنت اليه النفس والإثم ما حاك في الصدر؟.
    انه من غير وجود النص الشرعي الثابت الذي لا مطعن فيه يبقى الأمر خاضعاً للاجتهاد والأخذ والرد ويبقى في الأمر متسع، ولا يلزم احد بنظر أحد، فلا يبقى الا النص الشرعي.
    ولقد درست الاحاديث الستة التي صححها بعض اهل العلم فرأيت ان جميعها لم يسلم من المطاعن المؤثرة.. والعلل الفادحة، والله اعلم ولكل وجهته..
    النموذج الثاني:
    علل احاديث الجمع في المطر.
    ما زلنا نناقش القاعدة المتعلقة بضرورة استيفاء شروط صحة الحديث وان كثيراً ما يقع الخلل في هذه القاعدة ولا يخفى ان نقد الحديث له جانب متعلق بالسند وجانب متعلق بالمتن، ولقد ركز كثيرون على جانب واحد وهو نقد السند، ومع ذلك فتجد البعض لا يتنبه, الى علل واخطاء خفية وقوادح تمنع من صحة الحديث فكيف اذا انضاف الى ذلك عدم النظر في نقد المتن وهو جانب مهم واساسي في النقد, ولعلنا نقف على شواهد من ذلك.
    نقف مع نماذج اخرى من الاحاديث المعلولة ومع ذلك يحتج بها البعض مما يترتب عليه احكام خاطئة في العبادات وغيرها, فمن ذلك الجمع بين الصلوات في الحضر بعذر المطر, ولا يتسع المقام الآن لدراسة المسألة من جوانبها لكن اذكر نماذج من النصوص:.
    1- يحتج القائلون بالجمع في الحضر بعذر المطر تقديماً بحديث ابن عباس:
    صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر، وفي رواية (من غير خوف ولا مطر) وفي رواية قال ايوب: احد الرواة: لعله في ليلة مطيرة اخرجه البخاري (518) ومسلم (705).

    فتجد من يحتج بهذا الحديث دون نظر في علله:.
    فالامام الترمذي يقول في كتابه السنن جميع ما في هذا الكتاب معمول به ما خلا حديثين: حديث ابن عباس: جمع رسول الله بين الظهر والعصر.. (5/736) في كتاب العلل الصغير.
    اذن، يلفت الامام الترمذي هنا النظر انه بين ايدينا حديث سنده صحيح في الظاهر لكنه لم يعمل به, لماذا؟ لا بد لعلة ما، ولنا ان نبحث في هذه العلة:.
    1- فمن ذلك ان الحديث في ظاهره مخالف لما هو قطعي ثابت في كتاب الله "ان الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً" فلا يجوز الخروج عن هذا القطعي الثابت الا بدليل قطعي لا شبهة فيه ولا احتمال وظاهر الحديث يجعلك تصلي الصلاة في غير وقتها, بلا دليل صريح واضح فرأى الترمذي ان هذا الحديث غير معمول به غير ظاهره، وهو لم يقل غير صحيح.
    2- ان هذا الحديث يخالف في ظاهره السنة الثابتة القطعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي شدة المحافظة على الصلاة على وقتها، وانه لا تصلى صلاة قبل وقتها, وفي ذلك نصوص صريحة واضحة من ذلك.
    حديث ابن مسعود: ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير ميقاتها الا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة... خ (1598) ومسلم (1289).
    3- انه مخالف لهدي رسول الله في حالة المطر اذ كان يوجه رسول الله الى الصلاة في الرحال.
    فأخرج البخاري (635) ان ابن عمر اذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: "الا صلوا في الرحال".
    ثم قال: ان رسول الله كان يأمر المؤذن اذا كانت ليلة ذات برد ومطر بقوله: الا صلوا في الرحال.
    اذن, الرخصة الثابتة وهذا جزء من تيسير الدين ان يعذر المرء بترك الجماعة في المطر وليس ان يصليها خارج وقتها او قبل مجيء وقتها وقبل وجود سببها.
    4- ان جمع طرق الحديث – حديث ابن عباس – والتعرف على ظروفه يبين ان جمع رسول الله في المدينة هو جمع صوري او تأخير وادلة ذلك كثيرة:.
    أ
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الخميس 29 ديسمبر 2011 - 19:07

    القاعدة الثالثة عشرة:
    ضرورة التزام قواعد النقد الحديثي المتفق عليها المحررة وتحرير قواعد النقد الحديثي المختلف عليها.
    ان علماء الحديث من اوائل من توجه نحو تقعيد القواعد التي تضبط علوم الحديث رواية ودراية, بل ان علوم الحديث تعرف بأنها: "القواعد التي يتوصل بها الى معرفة حال الراوي والمروي", "او معرفة حال الحديث سنداً ومتناً قبولاً او ورداً" (النكت على ابن الصلاح, لأبن حجر 1/225).
    والقواعد تعرف بأنها "قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها "الجرجاني، التعريفات ص 177" او انها "حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف على احكامها منه" (التفتازاتي, التلويح 1/52).
    اذن القاعدة امر كلي ينطبق على جميع جزئياته, ومن هنا فان من اهم قواعد علم الحديث, تعريف الحديث الصحيح "ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله من مبدأ السند الى منتهاه من غير شذوذ ولا علة فادحة".
    فهذا التعريف للحديث الصحيح, هو قاعدة وهو امر كلي فكل ما اندرج تحته من جزئيات واستوفى جميع الشروط من الاحاديث فهو صحيح.
    ويترتب على ذلك قاعدة مهمة:.
    لا يحتج بالحديث الا اذا كان صحيحاً سالماً من كل شذوذ او علة, كما سبق بيانه، ولقد بينت كيف يتساهل كثيرون في تطبيق هذه القاعدة.
    ولأهمية قضية التقعيد في ضبط أي علم بشكل عام ولأهمية ذلك في علم الحديث خاصة وجدنا علماء الحديث يطلقون على كتبهم التي تختص بعلوم الحديث اسم القواعد او الاصول كتسمية الخطيب البغدادي لكتابه: "الكفاية في قوانين الرواية".
    وكان جهد الامام الشافعي في كتاب الرسالة نموذجاً مهماً ومتقدماً جداً في علم تقعيد القواعد ومنها قواعد في الاصول ومنها قواعد في علوم الحديث.
    ومن ذلك مؤلف الامام التهانوي في مقدمة اعلاء السنن والذي سماه محققه الشيخ عبدالفتاح ابو غدة "قواعد في علوم الحديث" وذلك ان ضبط قواعد أي علم مفيد غاية الفائدة في تحصيل ذلك العلم وحسن التعامل معه، على نحو ما نسير فيه في هذه المقالات، لذا, قال الزركشي: فان ضبط الامور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو اوعى لحفظها وادعى لضبطها" (المنثور في القواعد ص 33).
    وان مما يجري مجرى القاعدة والضابط الذي يهتذب في هذا العلم وكل علم قوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم" وقوله تعالى "ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". وقوله (صلى الله عليه وسلم): (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) (خ 107).
    وما يجري مجرى القاعدة قول عمر في التثبت "الحديث عن رسول الله شديد" ينظر كتاب المجروحين (1/37).
    ومن هذه القواعد المهمة:.
    قول ابن عباس (فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ الا ما نعرف) مقدمة مسلم 1/26.
    وقول ابن سيرين (لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم) مقدمة صحيح مسلم 1/28.
    وقول ابن المبارك:.
    (الاسناد من الدين ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء) مقدمة مسلم.
    ومن نماذج القواعد المهمة في علم الحديث: قول الشافعي (لا تقبل من مدلس حديثاً حتى يقول فيه حدثني او سمعت الرسالة) ص 372.
    وقول الشافعي (لا نقبل حديثاً الا عن ثقة) الرسالة ص 389.
    نعم, لقد قدم الامام الشافعي جهداً مميزاً في ذلك وسابقاً، فعليه رحمة الله.
    ان غايتنا من هذه المقالة ان نلفت النظر الى نماذج من هذه القواعد الصحيحة المحررة المتفق عليها وضرورة التزامها, وهي تأكيد على القاعدة السابقة وتفريغ عنها ثم بيان ان هناك من القواعد ما هو محل اختلاف او نقاش فلا بد ان يحرر, وقبل ان استرسل معكم في ذكر نماذج من القواعد المحررة او التي تحتاج الى نظر.
    اود ان اضع بين يدي القارئ حديثاً مبيناً اثر الخطأ في تصحيحه في ضوء عدم مراعاة قضايا النقد الدقيقة.
    وذلك ما اخرجه ابو داود (3933) وغيره عن عائشة قالت وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس او ابن عم له وكانت امرأة (حلوة) ملاحة تأخذها العين.. تقول عائشة فجاءت تسأل رسول الله في كتابتها فلما قامت على الباب فرأيتها فكرهت مكانها وعرفت ان رسول الله سيرى منها مثل الذي رأيت.. ثم ذكرت زواج رسول الله منها وانه ادى عنها مكاتبتها وان المسلمين اعتقوا ما في ايديهم من السبي اكراماً لاصهار رسول الله".
    الحديث فيه جوانب كريمة عظيمة منها: زواج النبي من بنت سيد قوم بني المصطلق مما كان سبباً في تحرير السبي من قومها او سبباً في اسلام قومها وتواثيق العرى بين المسلمين وبعض قبائل العرب.
    لكن في الحديث اشكال خطير وهو قول عائشة: "إنها امرأة حلوة ملاحة تأخذها العين".. ثم قولها "وعرفت ان رسول الله سيرى منها الذي رأيت".
    وفي رواية "لا يراها احد الا اخذت بنفسه" وللحديث روايات عدة متقاربة ينظر (احمد 27120) و(ابن حبان 4130).
    فهل يجوز ان يتصور متصور ان رسول الله تزوجها لجمالها كما صورت العبارات المنسوبة للسيدة عائشة.
    وفي الحديث معلول (لا يصح).
    ذلك ان مداره على محمد بن اسحاق وان ذكره بخير عدد من النقاد. لكن شدد فيه الامام مالك لما كان يرى من مناكيره التي يتفرد بها وشدد فيه الامام احمد بن حنبل ومنه قوله: لا يحتج به, وسئل احمد بن حنبل اذا تفرد ابن اسحاق بحديث تقبله قال: لا والله اني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، لا يفصل كلام اذا عن ذا.
    وتعددت الفاظ يحيى بن معين فيه ومنها قوله: (ليس بذاك، ضعيف) وكذا قال النسائي: ليس بالقوي.
    وقال الذهبي ما له عندي من ذنب الا ما قد حشا في السيرة من الاشياء المنكرة المنقطعة والاسفار المكذوبة).
    ونقل الذهبي عن الدارقطني: (لا يحتج بابن اسحاق واتهمه سليمان التيمي ومالك وهشام بن عروة بالكذب) .. ينظر ميزان الاعتدال 3/468 وتهذيب الكمال 24/405.
    فرجل هذا بعض شأنه كيف اقبل منه ان ينقل في حق رسول الله مثل هذا الاتهام الشنيع "سبحانك هذا بهتان عظيم".
    انه آن لنا ان ننقي هذه السنة وهذه السيرة بمنهجية دقيقة صارمة فلا نقبل على الله ولا على رسوله ما لا يثبت ولا يصح، وما لا يجوز شرعاً ولا نقلاً ولا عقلاً ومفتاح ذلك الالتزام الدقيق بالقواعد وتمريرها عند الحاجة كما سنرى.
    ما زلنا مع القاعدة الثالثة عشرة:
    التزام قواعد النقد الحديثية المتفق عليها وتحرير قواعد مختلف فيها.
    وقد نوهت ببعض تلك القواعد التي لا بد من التزامها بدقة, واود ان اضيف نماذج اخرى هنا يلحظ اننا نتجاوزها احياناً في عملية نقد الحديث مما يترتب عليه احكام خاطئة في النقد, ومن ثم في العمل والتشريع، نعم لا بد من التشديد في الالتزام بهذه القواعد، لأن الأخذ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شديد, ولا يجوز ان يبنى على الظنون والاوهام.
    فمن القواعد المهمة قولهم "لا نقبل من مدلس حديثاً حتى يقول فيه حدثني او سمعت" (الرسالة: 1035).
    ولكننا عند التطبيق نلحظ تهاوناً عند بعضهم فمنهم من يقول لك هذا تدليسه نادر او قليل او يحاولون ان يوجدوا قواعد جديدة كقولهم اذ روى بالعنعنة عن شيخه فهو في حكم المتصل.
    او اذا وقع التدليس في روايات عند الصحيحين قالوا هذا دليل على صحة السماع!! كيف؟.
    ومن التساهل ان يأتي الحديث الذي يرويه المدلس (المدلس: هو من يحدث عمن سمع منه او عمن لقيه فقط بما لم يسمع منه بصيغة موهمة كقوله عن فلان، فيظن انه سمع منه وليس الأمر كذلك, أي انه يخفي الانقطاع عمداً).
    فمن التساهل انك تجد حديثاً رواه المدلس بصيغة عن ثم جاء من طريق آخر بصيغة حدثنا، فلا يتحر ايهما اصح.
    ومن القواعد التي يتغافل عنها، انك تجد بعضهم يصحح كل حديث روي من طريق الثقات، مع ان العلماء قد نصوا كما قال الامام مسلم:.
    "ليس من ناقل خبر وحامل خبر من السلف الماضين الى زماننا – وان كان من احفظ الناس واشدهم ترقياً واتقاناً لما يحفظ وينقل – الا الغلط والسهو ممكن فيما حفظه ونقله".
    كتاب التمييز, لمسلم ص 15.
    وفي هذا يقول الحاكم "وعلة الحديث تكثر في احاديث الثقات" معرفة علوم الحديث ص 112.
    ويقول بدر ان الصحيح لا يعرف بروايته فقط, وانما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع" معرفة علوم الحديث ص 59.
    بل ان العلماء بينوا ان بعض الرواة ربما كان ثقة لكن اذا حدث في غير بلده, او اذا حدث عن شيخ بعينه، او اذا حدث من حفظه فلا يكون مقبولاً. (انظر معرفة علوم الحديث ص 53 والكفاية ص 31).
    ومن القواعد التي هي في غاية الأهمية ان الحديث الغريب لا يكون مقبولاً، وليس المراد بالغريب هنا ما روي عن طريق الثقة الواحد عن الواحد، انما يستغرب الحديث لأسباب كأن يروى من طرق معروفة (ولو كانت ضعيفة) ثم يروى من طريق آخر غير معروف (وقد يكون ظاهره صحيحاً وكذا ان يكون طريقاً لا يعرف في اسانيد الرواة (أي لم ينقل به احاديث صحيحة) ولو كان ظاهره صحيحاً، او يأتي بمعنى مستغرب.
    ونص على ذلك عدد من العلماء منهم الامام ابو داود في رسالته الى اهل مكة في وصف سننه ومنهم الامام الترمذي في العلل الصغير ومنهم الامام مسلم.
    وهذا امر واسع جداً لا يمكن الاحاطة به هنا سوى التنبيه الى تلك القواعد وضرورة دقة الالتزام بقواعد المحدثين.
    وبالمقابل، فاننا نجد ان بعض المحدثين يتداولون قواعد في النقد اقل ما يقال فيها انها محل اجتهاد ونظر وخلاف, مثل ما يؤثر عن الامام الشافعي رحمه الله.
    ان يقبل المرسل من كبار التابعين بشرط ان يعتضد بأحد امور:.
    - ان يسند من وجه آخر.
    - او ان يروى مرسلاً من وجه آخر.
    - او ان يروى عن بعض الصحابة من قولهم.
    - او ان يكون قد قال به اكثر اهل العلم..
    وبشرط اذا سمى الراوي الذي يرسل لا يسمى مجهولاً ولست بصدد مناقشة هذه القواعد لكن تطبيقها يحتاج الى حذر شديد وتدقيق اشد.
    اذ كثير ما يكون المسند الآخر ضعيفاً او من طريق المرسل ذاتها وكذا الطريق الآخر المرسل..
    ثم من يعرفنا ان الساقط في هذه الاسانيد واحد او يمكن الأخذ عنه.
    ومن الكتب المعاصرة التي اهتمت بالتقعيد كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي وكتاب قواعد في علوم الحديث للتهانوي, كلاهما بتحقيق فضيلة الشيخ عبدالفتاح ابو غده رحمه الله.
    وقد اشتملا على كثير من القواعد التي تحتاج الى تحرير ونظر كقولهم "جرح المتأخر لا يعتد به مع توثيق المتقدم" (التهانوي 399).
    وكقوله: "الروايات من النساء مستورات او ثقات" ص 389.
    وكقولهم: "جهالة الصحابي لا تضر".
    نعم, الصحابة عدول، لكنهم يخطئون ويصيبون وقد يحملون الحديث عن غير ثقة, وقد لا تكون الصحبة ثابتة، او ليس من اهل العلم فكيف لا تضر جهالة الصحابي.
    وكقولهم "مرسل الصحابي يحمل على الاتصال" كيف ذلك؟ فمن اين سمع هذا الصحابي؟ وهل بالضرورة سمعه من صحابي ضبط النص وقد يكون امراً لم يشهده الصحابي فيظن شهوده له فيؤثر في احكام الناس وغيرها.
    وكقولهم "الصحيحان تلقتهما الامة بالقبول" نعم, لكن كيف؟ يحتاج الى بحث كبير.
    وكقول البعض: "الضعيف المحتمل يجبر" كيف؟ وما الضابط؟ ان مثل هذه القاعدة فتحت شراً كبيراً؟ ومن اخطر واشنع القواعد عند بعضهم "الحسن يحتج به او كالصحيح في الاحتجاج", كما انه في المقابل هناك قواعد في غاية الأهمية يغضون عنها نظراً من مثل القاعدة: (الباب اذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه) (او لا بد من جمع احاديث الباب قبل الحكم على الحديث).
    ومن مثل قاعدة "اذا رأيت الحديث يخالف المعقول او الاصول او يعارض المنقول الصحيح فانه يرد مطلقاً".
    فعند التطبيق نجد احاديث من هذا الباب ثم بعضاً يصححها لمجرد ظاهر السند او يبني عليها احكاماً او يتساهل البعض في روايتها وتشتهر..
    ولا شك اننا بحاجة الى بعض الأمثلة في ذلك فلعله في مقالات قادمة لكن بعد ان تشير الى مصطلحات في الجرح والتعديل لم تحرر ما ادى الى كثير من الاخطاء في الاحكام.
    ما زلنا مع قاعدة تحرير القواعد النقدية وفي هذا الصدد لا بد من الاشارة انه كما لا بد من تحرير قواعد النقد فلا بد من تحرير المصطلحات النقدية سواء فيما يخص الاحكام التي تطلق من قبل بعض المحدثين على الاحاديث او ما يطلق على الرجال.
    ان عدم تحرير المصطلحات سيسبب كثيراً من الاخطاء في الاحكام، ومخالفة للواقع، وبعيداً عن دقة الترجيح عند الاختلاف.
    ولا بد من ضرب بعض الامثلة في هذا الصدد.
    فمن المصطلحات التي اخذت جدلاً كبيراً بين النقاد مصطلحات الامام الترمذي في كتابه السنن, وخاصة المصطلحات المركبة كقوله (حسن غريب) او (حسن صحيح) اذ نلاحظ ان الترمذي عرّف لنا مراده من مصطلح (حسن) مفرداً ومصطلح (غريب) عندما يقرن بغيره، لكنه لم يعرف مراده من (غريب) مفردة ولا من مصطلح (صحيح) ولا مراده من المصطلحات المركبة فكيف نفهم مصطلحاته؟.
    من حيث المبدأ ومن خلال الاستقراء لوحظ انه اذا قال في حديث (غريب) ولم يقرنها بقولهك حسن او صحيح فذات حديث ضعيف او ضعيف جداً، لا يحتمل تقوية عند الامام الترمذي. اما اذا قرن (حسن غريب) فيصبح لكلمة غريب معنى آخر بينه الترمذي.
    ثم انه عرف الحسن بقوله: وما قلنا فيه حسن فانما اردنا حسن اسناده عندنا وهو من ليس فيه متهماً ويروى من غير وجه وليس شاذاً.
    ومن خلال تتبعي لكثير من الاحاديث التي اطلق عليها (حسن) فان الحديث ضعيف برغم تعدد طرحه لكنها مع تعدد طرقها لم ترتق الى الصحة والاحتجاج وهي مع ذلك لم يُرد الترمذي ان يجعلها في دائرة المردود مطلقاً، بل يقبل الاعتبار به اذا جاء ما يقويه، فهو في نظر الترمذي لم يرتق الى درجة الاحتجاج, ولكنه مع ضعفه عند الترمذي يقبل النظر والبحث.
    واذا قرن مع مصطلح حسن مصطلح غريب فقال (حسن غريب) فما زال الحديث ضعيفاً ومع ذلك ففيه علة من العلل.
    اذ بين ان غريب تأتي بمعان منها ان يستغرب الحديث لا يروى الا من وجه واحد, او يستغرب لحال الاسناد او لزيادة فيه فكل هذا اشارة الى علل (ما يقدح في صحة الحديث) كامنة في الحديث لا بد من النظر فيها.
    ان الذي يلاحظ في تعامل بعض المحدثين مع مصطلحات الترمذي اما ان يعامل مصطلح حسن على انه احد مراتب القبول والاحتجاج, فاذا اراد الاخذ بالحديث احتج بكلام الترمذي واذا لاحظ ان الحديث ضعيف خطأ الترمذي وقال راداً عليه انه ضعيف فكيف يحسنه الترمذي، والواقع ان الخطأ هو عدم فهم الترمذي.
    وقد يطول بنا المقام لدراسة هذا الموضوع الشائك لكن اضرب مثالاً عند الترمذي وهو حديث ابي سعيد الخدري ان رسول الله سئل عن بئر بضاعة (يلقى فيها النتن و...) فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء".
    فهذا الحديث روى من ثلاثة طرق:.
    1- طريق عبيدالله بن عبدالله بن رافع.
    2- طريق ابن ابي سعيد الخدري.
    3- طريق ابي نضرة.
    فأما الطريق الى ابي نضرة وابن ابي سعيد فلم يثبت فقط وانما صح الطريق الى عبيدالله فقط وعبيدالله هذا مجهول.
    فالحديث ضعيف، كما انه من حيث المتن يخالف عدداً من النصوص الشرعية.
    نجد هنا ان الترمذي قال حديث حسن.. فاذا طبقنا تعريف الترمذي لحديث حسن نجد الامر واضحاً، فهذا حديث ليس فيه متهماً، ولكن لا يعني هذا ان الراوي من الثقات بل قوله: ليس متهماً يدل على ضعف في الراوي.
    ثم ان الحديث تعددت طرقه فعلاً لكن لا تصلح للاعتبار لان طريقين منها لا يثبتان اساساً نحن هنا اطلق الترمذي مصطلح حسن، لكن لا يعني هذا الاحتجاج به, بل وفق قاعدته. (علماً ان للترمذي نقد متمم ليس هذا مكان بيانه).

    مصطلحات الجرح والتعديل.
    وكما انه يجب تحرير مصطلحات النقد في الحكم على الحديث فلا يقل اهمية من ذلك الحكم على الرجال.
    هناك مصطلحات واضحة بينها اصحابها كقول بعضهم: ثقة او ضعيف او متروك، لكننا نلاحظ مصطلحات غير منضبطة او لم تفهم بدقة, من ذلك مصطلح (لا بأس به) عند ابن معين فتجده يطلق تارة على من هو ثقة ومن هو صدوق يخطئ بل ودون ذلك؟ فلا يجوز التشبث بأحد المعاني حسب رغبتنا في حديث ما.
    ومن ذلك, مصطلحات الامام ابن عدي في كتابه الكامل حيث وجدت من خلال التتبع ان مصطلحات ابن عدي: "احاديثه مستقيمة"، "احاديثه حسان"، "صالح" ان هذه المصطلحات انما يوردها في الرواة الضعفاء الذين يعتبروا بهم, لكن للأسف وحسب ظاهر اللفظ فان بعضاً من اهل العلم فهم منها ان يقصد تحسين هؤلاء والاحتجاج بحديثهم وهذا من الاخطاء الكبيرة التي تحتاج الى مراجعة تماماً, ومن ذلك حديث ان حركة الاصبع في التشهد اشد على الشيطان من مقامع الحديث، فهو من رواية راو ضعيف يظن خطأ انه حسن لقول ابن عدي فيه صالح.
    كما ان مصطلح منكر الحديث عند البخاري او عنده مناكير تعني ان الراوي متروك لا يجوز رواية حديثه وكذا مصطلح منكر عنده او عند غيره, لكن يحاول البعض ان يجعل مصطلح منكر يعني التفرد وحسب ليمرر حديثاً ما ونجد ان البخاري يطلق مصطلح لين الحديث ومقارب الحديث فيمن هو ضعيف لكن البعض يريد ان يفسرها بأنه حسن الحديث او قريباً منها, وكل ذلك من التساهل وعدم التدقيق.
    علل خطيرة:.
    ان رواية احاديث دون تحريرها وكشف علل ومن غير تحرير المصطلحات يلحق بالسنة بل وبرسول الله اذى كبيراً.
    فبين يدي حديث في الترمذي, وفي كتاب التفسير من سورة النساء (3310) في سبب نزول قوله تعالى: "انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله..".
    وساق قصة طويلها ملخصها ان رسول الله دافع عن السارق من بني ابيرق محسناً ظنه فيه.. من غير بينة وحاشاه ثم حاشاه ثم حاشاه صلى الله عليه وسلم، سبحانك الله هذا بهتان عظيم.
    ان الحديث روى باسناد محمد بن سلمة الحرّاني ثنا محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن ابيه عن جده قتادة بن النعمان..
    وهذا اسناده بحسب ظاهره يقول فيه بعض الناس: حسن.
    ولكن الترمذي اعله بقوله: "حديث غريب لا نعلم احداً اسنده غير محمد بن سلمة, وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن اسحاق مرسلا..".
    اقول: أي ان الحراني وهم في روايته متصلاً فهو منقطع واضيف لقد سبق ان بينت عدداً من الطعون في محمد بن اسحاق, فكيف يصح مثل هذا في حق رسول الله.
    ومن هنا، نلاحظ ان الترمذي عندما يقول: غريب فهو حديث مردود لا يحتج به.
    الا فلنتق الله في رسول الله كيف نجوِّز ان نتهمه بالدفاع عن باطل دون تحقيق, ولنتق الله في سنة رسول الله, ولنحرر القواعد والمصطلحات ونحقق في كشف كثير من العلل.

    القاعدة الرابعة عشرة:.
    لا يحتج بالحديث الحسن الا بعد الاختبار الدقيق والوقوف على قرائن ترجح ثبوته.
    وهذه القضية من المشكلات الاساسية التي واجهت نقاد الحديث وكيف نتعامل مع الحديث؟.
    لقد درج علماء الحديث الاوائل على نقد الحديث، فاما مقبول (صحيح) واما مردود (ضعيف) او ما دونه. وكان لدى علمائنا السابقين من سعة الاطلاع وقوة النقد ان يحكموا على الحديث حكماً مميزاً فاما صحيح واما ضعيف ولم يكن مصطلح الحديث الحسن شائعاً عندهم, بل في الحالات النادرة التي استخدم بها البخاري او علي بن المديني مصطلح حسن وحدناها بالتأمل والاستقراء والتتبع تعني الضعف ثم جاء الامام الترمذي فكان من اول من طرح مصطلح حسن، ولكن لم يرد به ما استقر عند المتأخرين, بل اراد ذلك الحديث الذي لا يكون راويه متهماً ويروى من غير وجه ولا يكون شاذاً.
    وظن بعض اهلم العلم انه يقصد ما عرف فيما بعد (بالحسن لغيره) والصواب كما مر معنا انه اراد به الحديث الضعيف الذي لم يرتق الى الاحتجاج لكنه يمكن ان يعتبر به اذا وجد ما يقويه (تحت دائرة البحث والاختبار).
    وكان قريباً من هذا مصطلح (صالح) عند ابي داود الذي قال في رسالته في رصف سننه "وما سكت عنه فهو صالح" ليتبين ان معظم سنته قد سكت عنه, وما تكلم الا على نحو من اربعين حديثاً شديدة الضعف او ظاهرة العلل، فاشتمل قوله صالح على كثير من الاحاديث الضعيفة.
    ثم اخذ العلماء يحاولون ان يميزوا بين الضعيف والصحيح باقرار مصطلح ورتبة الحسن مع شدة اختلافهم في ضبط هذا المصطلح وسبب اختلافهم في ضبط هذا المصطلح لماذا نشأ اصلاً, ثم كان الاشكال الاكبر كيف نجعله في مرتبة الصحيح ونتعامل معه على هذا الاساس. اذ لو كان صحيحاً لماذا لا نسميه صحيحاً؟.
    سبب نشأة مصطلح الحسن:.
    لما كان علماؤنا السابقون من سعة الاطلاع وقوة النقد والقرب بالقاعدة المعلوماتية للنقد امكنهم ان يحكموا على اكثر الاحاديث صحة او ضعفاً، وبقي جملة كبيرة من الاحاديث لم يتكلموا فيها (وهذا امر طبيعي) فلما جاء جيل الترمذي فمن بعدهم اخذوا يغربلون كثيراً من هذه الاحاديث فاستطاعوا ايضاً ان يصنفوا كثيراً منها الى صحيح وضعيف ثم وقفوا امام جملة منها لم يترجح لديهم صحتها وفي الوقت ذاته لم يروا ان يلحقوها بالضعيف فكان ان رأوا حلاً وسطاً ان يطلق عليها حسن؟ لماذا؟.
    ذلك ان راوي الحديث الحسن ممن روى جملة من الحديث (قلت او كثرت) فشارك الثقات في نحو 80% وانفرد في نحو 20% ثم فتشت رواياته التي شارك فيها الثقات فوجد انه قد ضبط في 70% واخطأ في 30%, فما اصاب فيه الحق بالصحيح وما اخطأ فيه الحق بالضعيف لكن بقي نحو من 20% من مجمل حديثه قد انفرد به فلا بد ان فيه نسبة من الصحيح ونسبة من الضعيف لكنها غير متميزة لانفراد بها (وهذا النسب تقريبية والا قد يكون روى الراوي الذي نصف حديثه بالحسن عشرين حديثاً شارك الثقات في خمسة منها فأصاب في اربعة واخطأ في واحد فاذن قد انفرد بـ 15 حديثاً فلا بد في هذه الـ 15 حديثاً عدد من الاحاديث فيها خطأ ما مع العلم ان انفراد من رتبته حسن علة في حد ذاتها – كما سنرى).
    فاذ لم تتميز روايات هذا الراوي مع علمهم بصدقه وعدالته وجود نسبة جيدة من الصواب عنده اطلقوا على الراوي رتبة صدوق وعلى حديثه رتبة حسن.
    والى هنا قد يكون الامر منطقياً جداً, لكن الاشكال الكبير كيف نتعامل مع هذه الروايات التي انفرد بها الراوي الصدوق فضلاً عن ضبط مفهوم الحسن.
    لقد اراد الخطابي ان يعرف الحسن فقال ما عرف مخرجه اشتهر رجاله وعليه مدار اكثر الحديث وهو الذي يقبله اكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.
    وواضح ان هذا التعريف فيه من العمومية والتداخل مع الضعيف والصحيح الشيء الثكير ثم جاء ابن الصلاح فقال: الحديث الذي لا يخلو رجاله من مستور لم تتحق اهليته غير انه ليس مقفلاً كثير الخطأ ولا متهماً بالكذب – وقد روي من وجه آخر نحوه – وهو الحسن لغيره -.
    او ان يكون راويه من المشهورين بالصدق والامانة غير انه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والاتقان وهو مع ذلك يرتفع عن حال من بعد ما ينفرد به منكراً – فهو الحسن لذاته (علوم الحديث ص 30-34) والاشكالات هنا:.
    ما ضابط الشهرة والامانة وما ضابط نزوله عن جردة رجال الصحيح وهل عندما يأتي علماؤنا اليوم ليحكموا على حديث بأنه حسن هل يتحققون من كون الراوي مشهوراً ومرتفعاً حاله عمن يعد تفرده منكراً والاشكال الاهم كيف نجعل الحسن في مرتبة الصحيح عند التعامل.
    ان تأمل منهج علمائنا الاسبقين يجعلنا نرجح انهم ما كانوا يعاملون الحسن معاملة الصحيح بل لا بد من مرجحات تجعلهم يأخذون به او يردونه والا كان لا بد من التوقف لانه كما رأينا فان الصدوق راوي الحسن لديه جملة من الاحاديث غير متميزة ولا بد فيها خطأ.
    امثلة لمنهج علمائنا.
    ولنضرب امثلة تؤكد ان العلماء السابقين ما كانوا يقبلون الحسن مطلقاً او يحتجون به على الدوام.
    فمثلاً عمرو بن شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص ممن ينزل منزلة الصدوق وحديثه حسن, وقد روى جملة من الاحاديث تفرد بها عن ابيه عن جده (اختلفوا من المقصود بجده هل هو محمد او جد ابيه عبدالله).
    من الاحاديث التي رواها عمرو بن شعيب "من ولي مال يتيماً له مال فليتجر به, ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" رواه الترمذي. وقد رجح عدد من نقاد الحديث العمل بهذا الحديث (خلافاً للحنفية) مع ان كل من روى الحديث عن عمرو فضعف او مضعف جداً.
    لكن رأوا انه له من الشواهد ما يرجح صحة العمل به ولكنهم في الوقت نفسه نظروا في حديث عمرو بن شعيب ان امرأة اتت النبي ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب فقال: "اتعطين زكاة هذا" اخرجه ابو داود والترمذي..
    وفي الحديث اثبات زكاة الحلي, (مع ان الرواة عن عمرو ثقات، نجد ان معظم المحدثين قد رفضوا الاحتجاج بهذا الحديث على خلاف الحديث السابق (النظر الفهقي يستدعي عكس ما رجم المحدثون)، فالشاهد هنا انهم ردوا حديث عمرو بن شعيب مع كونه صدوقا.
    واذا اردت ان تتبع الاحاديث التي حكم عليها بعض المحدثين بالحسن وجعلوها في مرتبة الصحيح من حيث العمل فتسكتشف اننا عملياً صححنا احاديث صحيحة لا تصح وارهقنا الامة بها وكبلنا الفقه والاجتهاد او الزمنا الناس بأحكام لا تثبت عن الله ولا عن رسوله.
    من ذلك:.
    1- حديث "الماء طهور لا ينجسه شيء" .. اخرجه الترمذي.
    2- حديث "من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" وحسنه الترمذي.
    3- حديث "العين وعاء السَّة, فمن نام فليتوضأ" رواه ابو داود.
    4- حديث "كان بأمرنا اذا كنا في سفر ان لا ننزع خفاً منا ثلاثة ايام ولياليهن.." اخرجه احمد 4/293 والنسائي 1/32 وغيرهم.
    5- حديث "لا صلاة من لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر الله" اخرجه احمد 2/418 وغيره.
    6- حديث عمرو بن شعيب "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".. اخرجه الخمس, وصححه الترمذي وغيره بالشواهد.
    7- وكل هذه الاحاديث وما بني عليها من احكام تستحق وقفات مطولة.
    والاشكال الاكبر فيها تنزيل الحسن وما تفرد به الصدوق مما يمكن ان يكون اخطأ فيه – تنزيله منزلة الصحيح-.
    فكيف يكون الحسن حجة لذاته من غير ان يختبر ويتأكد من صحته.

    القاعدة الخامسة عشرة:.
    الباب اذا لم تجمع احاديثه والحديث
    اذا لم تجمع طرقه والفاظه، لا يتبين الخطأ
    من الاخطاء النقدية التي يقع فيها بعض المتعاملين في نقد الحديث انه ينظر الى ظاهر اسناد حديث ما فاذا ما وجد ضعفاً او علة ووقف على طريق آخر تجده يصحح الحديث بما يسمى الشواهد او المتابعات دون تدقيق في حقيقة مضمون هذه الشواهد وقد تكون بعض هذه الشواهد ضعيفة سنداً، فيقول لك وهو حسن بشواهده او ضعف محتمل في الشواهد والمتابعات مما يؤدي الى عدد من المشكلات منها ان نحكم على حديث ما بأنه حسن ثم نتعامل مع معاملة الصحيح وهذا خطأ نقدي, سبقت الاشارة اليه.
    ومشكلة اخرى ان نقف على اخطاء للرواة فنجعلها دليل صحة بدل ان نجعلها دليل بطلان كما سنرى ثم نأخذ كل حديث بشكل مجزأ مفرق دون جمع دقيق لألفاظ الحديث ومرويات الباب الواحد فلا تظهر العلل كما هي. ولتوضيح ذلك كله اضرب الأمثلة التالية:.
    المثال الاول: حديث: جابر بن عبدالله مرفوعاً:
    "يا أيها الناس اني تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي".
    فنجد من يصحح ذكر عبارة "وعترتي اهل بيتي" بالشواهد, مع انه ههنا علة مؤثرة, لماذا؟.
    اصل هذا الحديث في صفة حجة رسول الله وخطبته في عرفة وهي خطبة مطولة وفيها: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ان اعتصمتم كتاب الله وانتم تسألون عني, فما انتم قائلون". وهذا الحديث أخرجه بهذا اللفظ مسلم (3009) وابو داود (1907) وابن ابي شيبة (7/175) وابن الجارود في المنتقى (469) وعبد بن حميد (1137) وابن ماجه (3190) وابن حبان (1479) و(4020) وابن خزيمة (2597) ومشكل الاثار 28 وغيرهم كثر من طرق كثيرة عن حاتم بن اسماعيل المدني عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه دخلنا على جابر .. الحديث".
    فهذا اشهر سياق للحديث وليس فيه ذكر "وعترتي".
    ثم جاء زيد بن الحسن الانماطي بتفرد برواية هذا الحديث عن جعفر بهذا الاسناد فرواه بلفظ "يا ايها الناس قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي" وان ذلك كان في خطبة عرفة.. (الترمذي 4155 والطبراني 2614 و2680 والطبراني في الاوسط (4557).
    وقال الترمذي وفي الباب عن ابي ذر وابي سعيد وزيد بن ارقم وحذيفة حديث حسن غريب.. وهنا علل خطيرة:.
    1- تفرد بهذا اللفظ زيد بن الحسن وهو ضعيف الحديث (تقريب 2127) بل قال ابو حاتم منكر الحديث.
    2- خالف عشرات الرواة الذين رووا خطبة عرفة عمن هو اوثق من (حاتم بن اسماعيل) وليس فيها ذكر وعترتي.
    3- عدم فهم مصطلح الترمذي وان يشير بمصطلح حسن الى الضعف، وبمصطلح غريب الى وجود علة.
    4- وهنا لا يجوز ان يقال ان يشهد لهذا الحديث، حديث زيد بن ارقم لسببين:.
    الاول: ان لفظ حديث زيد ليس كذلك وجاء في سياق آخر كما سنراه.
    الثاني: ان حديث زيد بن الحسن مخالف مع ضعفه لما رواه العشرات فهو منكر.
    الخلاصة: ان حديث زيد بن الحسن معلول منكر لا يجوز ان يقال انه يصح بشواهده لأن الراوي زاد من نفسه شيئاً لم يروه الثقات فلا يجوز ان يعتبر به في الشواهد.
    المثال الثاني:.
    حديث زيد بن ارقم:.
    هذا الحديث اخرجه مسلم (7/122) واحمد _4/366) وابن ابي عاصم (1550) والطبراني (5026) والطحاوي في المشكل 4/368 وغيرهم عن يزيد بن حيان التميمي قال: انطلقت انا وحصين بن سَبَرة وعمر بن مسلم الى زيد بن ارقم, وفي ذكر خطبة النبي في غدير خم وانه قال: اني تارك فيكم ثقلين اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور, فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغّب فيه واهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي ثلاثاً..". هذا لفظ الحديث الصحيح.
    فهو: اولاً: في غدير خم وليس في خطبة عرفة.
    وثانياً: عندما اشار رسول الله الى اهل بيته انما قال اذكركم الله في اهل بيتي وبمعنى آخر بين انه ترك امرين ثم بين ما هو الواجب على المسلمين في حق كل منهما فمن الكتاب ان نأخذ به ونتمسك به .. وحق اهل البيت ان نحفظهم ونحفظ حقهم, وقدرهم وهذا لا شك فيه مصداقاً لقوله تعالى "قل لا اسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى".
    فهاهنا ملحوظات:.
    1- انك ترى ان هذا السياق لا يصلح شاهداً لحديث زيد بن الحسن الانماطي لأن رواية زيد جاءت في سياق خطبة عرفة مخالفة لما رواه الثقات, وهذه جاءت في سياق خطبة غدير ثم ان رواية زيد بن الحسن تجعل اهل البيت قرين الكتاب في العمل، بينما سياق حديث زيد انما يبين الواجب علينا تجاه كل على حدة.
    2- لما لم يلاحظ بعض النقاد دقة رواية زيد بن ارقم عند مسلم ومن معه جعلوا روايات اخرى خاطئة ومعلولة شاهداً لهذه الرواية وصححوا الجميع.
    3- فقد روي حديث زيد بن ارقم بلفظ منكر "لما رجع رسول الله من حجته نزل غدير خم فقال: اني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله وعترتي اهل بيتي..". اخرجه النسائي في الكبرى (8148) والحاكم (4553) واخرجه الطبراني (2615) والمشكل (1521) بلفظ: ثقلين الاكبر كتاب الله والاصغر عترتي.
    وهذا السياق معلول متناً وسنداً اما متناً فكيف يقال احدهما اكبر من الآخر فأي شيء يقرن بالعظمة بكتاب الله.
    وثانياً: انه مخالف للرواية الصحيحة التي رواها مسلم والتي تبين واجبنا تجاه اهل البيت وليس انها مقرونة بذكر الكتاب في وجوب العمل.
    4- وعدم الالتفات الى هذه الدقائق جعل بعض النقاد يصحح رواية زيد بن ارقم ككل دون النظر الى الفرق في الالفاظ وانها حرفت في بعض الالفاظ ثم صححت بناء عليها روايات اخرى شاذة ليقال بعد ذلك انها تصح بالشواهد او حسنة بالشواهد مع انها معلولة ومخالفة.
    ولا يتسع المقام الآن لاستيفاء ذكر كل الشواهد المعلولة وكيف صححت الفاظ تعطي مدلولات غير المطلوب.
    فالخلاصة ان خطبة عرفة لم يصح فيها الا ذكر كتاب الله وخطبة غدير خم ذكر بحق الكتاب وانه الاستمساك والعمل وحق اهل البيت وهو الحفظ والرعاية والحب.
    بينما الروايات المعلولة تجعل كأنه واجب العمل التشريعي بالكتاب وبما ورد عن العترة حتى جعل بعض الفئات يرون ان هناك ائمة معصومين يجب طاعتهم وان لهم حق كحق الكتاب.
    اما باقي الشواهد وعللها فلعلنا نتمكن من بيانها ونستكمل ضرب الأمثلة في موضوع القاعدة التي بين ايدينا.
    ما زلنا مع القاعدة الخامسة عشرة.
    الباب اذا لم تجمع أحاديثه, والحديث اذا لم تجمع طرقه وألفاظه لا يتبين الخطأ فيه.
    وقد خلصنا في الحلقة الماضية الى ان حديث "تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي". الى ان هذا الحديث بهذا اللفظ معلول لا يصح:.
    1- لانه من رواية زيد بن الحسن الانماطي, وهو منكر الحديث.
    2- مخالف للرواية الصحيحة المعروفة التي هي جزء من خطبة عرفة والتي جاءت بلفظ: "تركت فيكم كتاب الله" ولم يذكر شيئاً آخر.
    3- رواية زيد بن ارقم التي تُروى كشاهد لحديث زيد بن الحسن, لفظها الصحيح "تركت فيكم ثقلين.. كتاب الله .. أذكركم الله في أهل بيتي والفرق بين الروايتين:.
    1- ان رواية زيد بن أرقم في خطبة غدير خم اما رواية زيد بن الحسن الانماطي، ففي عرفة ولذا فلا تصح شاهداً.
    2- ان رواية زيد بن الحسن تجعل العصمة ومنع الضلال في التمسك بأمرين: "الكتاب والعترة".
    بينما رواية حديث خطبة عرفة المعروفة تجعل العصمة في كتاب الله وحسب.
    3- ان رواية زيد بن أرقم الصحيحة في خطبة غدير خم تبين حق القرآن وتبين حق أهل البيت فحق القرآن التمسك والعمل وحق أهل البيت الحفظ والرعاية والحب والمودة والتقدير.
    شواهد ومتابعات وعلل:.
    بقي ان نقول ان هناك من يسوق شواهد لحديث زيد بن الحسن الانماطي بلفظ "تركت فيكم ثقلين كتاب الله وعترتي" ليرتقوا الى الصحة فلا بد من وقفة سريعة معها:.
    1- سبق بيان ان رواية زيد بن أرقم لا تصلح شاهداً.
    2- حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: "تركت فيكم الثقلين أحدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي, الا انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض" أخرجه احمد 11512 و11875 وابن حبان 1102 والبغوي في شرح السنة 1/936.
    أقول: هذا شاهد لا يصلح لأنه من رواية عطية وهو صدوق يخطئ كثيراً، وكان شيعياً مدلساً, وقد خالف الثقات في رواية الحديث، فنسبه لأبي سعيد الخدري ولا يثبت الطريق الى أبي سعيد الخدري حتى يقال انه شاهد لغيره.
    3- حديث علي بن أبي طالب مرفوعاً بلفظ: تركت فيكم كتاب الله.. وأهل بيتي. أخرجه ابن أبي عاصم 1558 والطحاوي في مشكل الآثار 2/307 وفي سنده كثير بن زيد صدوق يخطئ وتكلم في ضبطه (تقريب 5611). كما في سنده محمد بن عمر بن علي أيضا ضعف من قبل ضبطه فعندما يكون في السند من هو متكلم في ضبطه ثم ينسب الحديث لصحابي غير الصحابي الذي عرف برواية الحديث فلا يؤتمن ان يكون قد وهم في نسبته لهذا الصحابي فيظن انه شاهد وليس بشاهد.
    4- وروى حديث علي هذا من طريق سعاد بن سليمان عن ابي اسحاق عن الحارث الاعور كذا اخرجه البزار (864) وفيه الحارث مكذب متهم وفيه سعاد: صدوق يخطئ وكان شيعياً.. (تقريب 2225).
    ومن هنا, نلاحظ خطورة الاحتجاج برواية من وصف انه صدوق يخطئ, فللأسف نجد ان بعض النقاد يتعامل مع صدوق يخطئ, كما لو كان ثقة ويقول لك هذا جيد في الشواهد والمتابعات.
    نقول نعم جيد في الشواهد والمتابعات عند الموافقة اما ان يدعي لنا وجود طريق جديد وصحابي جديد لحديث فنثبت به هذا الطريق الجديد ثم نقوي به الأصل الضعيف أصلا وهو ممن يخطئ فهذا غير سديد في النقد لأنه كونه يخطئ, فمعنى ذلك ادعاءه ان هناك صحابياً جديداً روى الحديث فغير مسلم.
    5- حديث زيد بن ثابت بلفظ: "تركت فيكم خليفتين كتاب الله وأهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض" أخرجه احمد 5/181وابن أبي عاصم 1548 والطبراني 4921 و4922 وابن أبي شيبة 135 من طريق شريك وشريك يخطئ كثيراً ايضاً.
    ذكر زيادة وسنتي لا يصح.
    وقد يروي بعضهم هذا الحديث بلفظ آخر "تركت فيكم ما لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيكم" رواه مالك بلاغاً أي معضلاً منقطعاً.
    وللحديث شاهد من طريق صالح بن موسى الطلحي ابو طلحة عن عبدالعزيز بن رفيع عن ابي صالح عن ابي هريرة بلفظ تركت فيكم كتاب الله وسنتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.. اخرجه الحاكم 1/307 وفي سنده صالح بن موسى الطلحي متروك.
    وللحديث من طريق اسماعيل بن ابي اويس عن ابيه عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في خطبة في حجة الوداع "تركت فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه" اخرجه الحاكم 1/306 والبيهقي 10/114 وفي سنده ابن او اويس وابوه وكلاهما يخطئ, وانما انتقى البخاري من رواية ابن ابي اويس, وقد خالف هنا الثقات الذين رووا خطبة عرفة وليس فيها الا ذكر كتاب الله.
    وروى الحديث من طريق ابن الهيعة عند البيهقي في الدلائل 6/54 وهو شديد الخطأ.
    استدراك:.
    قد روى حديث زيد بن ارقم عند الطبراني 2615 بلفظ انظروا كيف تخلفوني في الثقلين الاكبر، كتاب الله والاصغر عترتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض, ففي سنده حكيم بن جبير: ضعيف رمي بالتشيع تقريب (1468).
    تطبيقاً لقاعدة ان الحديث اذا لم تجمع طرقه والفاظه والباب اذا لم تجمع احاديثه لا يتبين الخطأ؟.
    استعرضت حديث تركت فيكم كتاب الله. وهنا لاحظنا اننا امام حديثين اشتهرا وصحا بلفظ محدد:.
    الاول: خطبته صلى الله عليه وسلم في عرفة وهي بلفظ "تركت فيكم كتاب الله" ولم يذكر فيها أي زيادة فلا يثبت فيها ذكر (وعترتي) ولا ذكر (وسنتي) فالعصمة في كتاب الله وحسب.
    الثاني: خطبة غدير خم, وصح فيها لفظ اني تارك فيكم ثقلين اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه.
    واهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي فهذا اللفظ الصحيح, والفرق انه بيّن في هذا اللفظ حق الكتاب على حدة, وحق اهل البيت على حدة. اما الالفاظ الاخرى فمعلولة من وجهين: ا- مخالفة رواية الثقات. 2- ان كل طريق شاذ او مخالف جاء من طريق من تُكلم فيه, واثر الغفلة عن هذه العلل حملنا على ان نجعل العصمة من الضلال في امر غير القرآن.
    والصواب ان العصمة والحفظ من الضلال انما هو في القرآن – كما هو في خطبة عرفة وصحيح خطبة غد يرخم.
    وهذا ابداً لا يعني عدم العمل بالسنة وان فيها الهدى والنور وكل الخير. لكن:
    1- هذا اللفظ لم يثبت بهذا اللفظ فكيف نقوّل رسول الله ما لم يقله.
    2- ان السنة كما هو معلوم لا بد ان تخضع لميزان النقد فيداخلها الخطأ والوهم من قبل الرواة فتبقى في اطار الظن الغالب ان صمت بلا علل.
    ولا شك ان القرآن وجه الى العمل بالسنة وطاعة رسول الله، لكن في سياق الحديث عن عصمة الامة من الضلال فلا شك ان كتاب الله هو العصمة المطلقة.
    اما اللفظ الآخر "وعترتي" فكذا نقول لا نسلم بتقويل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقله ثم ان كانت العترة ملتزمة بالقرآن فلماذا تذكر والمحذور هنا ان يجعل شيء مع القرآن له عصمة او ان يظن ان هناك مصدراً للتشريع سوى كتاب الله, وما وجه اليه كتاب الله من طاعة رسول الله.
    اما اهل البيت فلهم علينا حقوق عظيمة نؤمن بها لهم ونقرها فلهم في قلوبنا صادق الحب والمودة والولاء الصادق لقوله تعالى: "قل ما اسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى".
    ونعتقد فيهم ومن ضمنهم ازواجه صلى الله عليه وسلم نعتقد فيهم كل الطهارة والاستقامة "انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً". ولهم حق الصلاة والسلام عليهم في صلاتنا كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    اما التشريع فاذا وجد من اهل البيت عالم مجتهد فقيه وثبت النقل عنه فهو محل الاعتبار والتقدير لكن العصمة لا تثبت الا لكتاب الله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وهذه المعاني التي اردت ان احررها من خلال دقة النقد لمرويات حديث خطبة عرفة وخطبة غدير خم وقد خلط الناس بينهما وزادوا في كل واحدة او حرفوا فأتوا بما لم يقله رسول الله، وتوهم بعض النقاد فصحح كل هذه الاوهام والزيادات ونحن في غنى عن ذلك.
    ومن هنا, يظهر لنا جلياً الاثر السلبي للاحتجاج بالشواهد التي رواها الضعفاء ومن ليس بضابط ويظهر اثر الاحتجاج بالحسن دون اختبار وعرضه على رواية الثقات, واثر عدم جمع روايات الباب واثر عدم عرض المتن على القرآن والله تعالى يقول "ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم".
    انه لا مناص لنا اذا ما اردنا ان نوحد الامة ونفتح آفاق الاجتهاد الصحيح واستيعاب مستجدات الحياة واذا ما اردنا ان تُحفظ الأمة من الضلال انه لا مناص اذا اردنا ذلك فلا بد ان يكون القرآن العظيم هو الميزان الدقيق والمصدر الذي كما وصفه ربنا "يهدي للتي هي أقوم" وكما قال ربنا "ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" النحل 89.
    ونؤمن ان من مهمة رسولنا صلى الله عليه وسلم بيان ما في الكتاب, فسبحان من قال في سورة النحل ايضاً "وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نُزل اليهم ولعلهم يتفكرون" النحل 44.
    وكما قال سبحانه في سورة النحل ايضاً "وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" النحل 64.
    فاذ نؤمن ونصدق ونقر ان كتاب الله فيه العصمة والهداية والنور وفيه حفظ الامة من الضلال ونؤمن ونقر ان الله كتب الحفظ المطلق لكتابه العزيز "فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، و"انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون"، فجعل الله سبحانه لكتابه خاصية الحفظ المطلق في ذاته والهداية المطلقة "ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين".
    وقد هدى القرآن ولا شك الى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وان طاعة رسول الله من طاعة الله "قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" آل عمران 31.
    وتعددت الآيات في بيان وجوب طاعة الله وطاعة رسوله.. هذا لا شك ولا ريب فيه لكن الذي لا بد ان نتنبه اليه ان الله حفظ القرآن حفظاً مطلقاً ولم يوكل لأحد امر حفظه.
    أما السنة النبوية فشاء الله ان تروى بروايات الآحاد.. وان يقع فيها الصحيح وما دونه ويقع فيها الوهم والعلل مما يستوجب بحثاً وتحرياً فلئن كان رسولنا صلى الله عليه وسلم معصوماً "لا ينطق عن الهوى" فان الرواة عنه قد يخطئون ويزيدون وينقصون وقد يرون بالمعنى وقد يتكلم النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر بصفته اماماً او بحكم السياسة الشرعية أي حكماً استثنائياً او بصفته قاضياً أي في واقعة محددة او لملابسات وظروف خاصة, فلا يتقن بعض الرواة ولا يضبط او يتصرف.
    اولاً ينزل الحديث على ما ينبغي ان ينزل عليه وقد يكون بعضها حلاً لاشكال خاص في مسألة او واقعة محددة او بعضها صلحاً بين اثنين فيظن بعضهم انه حكم عام وهذه قضايا تناولها باستيفاء علماء اصول الفقه.
    وقد نقف مع نماذج منها فيما بعد.. اقول: انك اذا نظرت الى السنة بكل هذه الاعتبارات وعلمت ان القرآن ببيانه المعجز هو الذي يسع الزمان والمكان والمستجدات كلها اذا نظرت الى هذا كله تبين لنا لماذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: في خطبة عرفة "تركت فيكم كتاب الله" ولم يذكر معه شيئاً آخر، وانه لسنا بحاجة اساساً ان يُذكر معه شيء آخر لأن القرآن احال على طاعة رسول الله (اذا صح ذلك عنه بلا شك ولا علل) ومن ثم لا يمكن ان يقرن مع القرآن شيء لذاته لا من حيث قطعية الثبوت ولا من حيث قطعية الالزام, وفي الوقت نفسه لا يمكن ان يكون هناك مصدر للتشريع الا الكتاب وما احال عليه الكتاب من طاعة رسول الله ..
    واذا استطرد بنا الحديث الى هذه القضايا اجدني ملزماً ان ادرس حديثين في هذا الصدد، حديث العرباص بن سارية وعظنا رسول الله موعظة بليغة وفيه قوله: "عليكم بسنتي وبسنة الخلفاء الراشدين.. الحديث الآخر: حديث ايتوني بكتاب اكتب لكم.. فقال عمر عندنا كتاب الله، حسبنا كتاب الله.. اذ يثار حولهما اشكالات كثيرة
    ما زلنا في قاعدة جمع احاديث الباب وطرق الحديث والفاظه ليتبين الخطأ من الصواب.
    حديث العرباض بن سارية:.
    "وعظنا رسول الله موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون...". وقد صحح الحديث الترمذي فقال: حسن صحيح وحسنه البغوي وغيره. ومع هذا فان في الحديث اشكالات يثيرها بعض أهل العلم واهمها:.
    اولاً: في الحديث قوله "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عُضّوا عليها بالنواجذ".
    والاشكال هنا متعدد الوجوه:.
    1- من هم الخلفاء الراشدون المهديون حتى تتبع سنتهم؟ ومن الذي يحددهم؟ وهل المقصود الخلفاء الأربعة وحسب؟ وهل المقصود فقط الذين تولوا الحكم من بعده؟ أم يدخل في ذلك راشدون مهديون عبر التاريخ أمثال عمر بن عبدالعزيز وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح ونور الدين زنكي؟.
    2- ما المقصود بإتباع سنتهم فهل هم يسنون شيئاً غير ما أتى به النبي.؟.
    أليس قد أكمل الدين..؟.
    وهل يجوز لأحد ان يسن بعد رسول الله شيئاً؟
    3- هل هناك مصدر للتشريع سوى الكتاب والسنة؟.
    4- وهل تكون سنة الراشدين ملزمة؟ وهل هم من المعصومين؟.
    5- وإذا كان الراشدون يطبقون هديه صلى الله عليه وسلم ويقتدون بسنته فما الداعي للنص على إتباع سنة الراشدين.
    6- لماذا رفض علي رضي الله عنه يوم البيعة ان يبايع على سنة الخليفتين وقال أبايع على سنة الله ورسوله. (خ 6781).
    فهو رفض ان يسير على منهج الشيخين في الأمور الاجتهادية، فكيف يلزم بها.
    7- ثم ان الخلفاء الراشدين اجتهدوا في أمور وخالف بعضهم بعضاً فيها فسنة أبي بكر التسوية في العطاء وسنة عمر التمييز بحسب السابقة وغيرها من الأمور فسنة من نتبع عند الاختلاف؟.
    8- ان المشهور في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يوصي عند الاختلاف بكتاب الله والاستمساك به، وهذا موقف عمر عند وفاة رسول الله.
    بل
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الخميس 29 ديسمبر 2011 - 19:17




    الاشكالات الواردة على الحديث:.
    1- النبي في حالة احتضار ومرض الوفاة وهو يريد ان يوصي والوصية في هذا الوقت لها اهميتها من أي انسان فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم فهل يجوز لأحد ان يعترض عليه.
    2- النبي مأمور ان يبلغ كل ما أمر به عن ربه فهل يجوز للنبي ان يكتم امراً مهما كان.
    3- اذا اراد النبي ان يبلغ امراً فيه صلاح الأمة فهل يجوز ان يكتمه بعد ذلك ولا ينفذه.
    4- واذا كان امراً غير مهم، فكيف يقول ايتوني اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده.
    5- فان كان حقاً فكيف لم ينفذه وان كان غير حق فهل يجوز للنبي ان يخطأ في امر تبليغي.
    6- هل يجوز ان يقال ان عمر كان ادق نظراً من رسول الله (حاشا وكلا) و(ولا عمر يرضى بهذا).
    7- كيف يأتي في رواية واحدة وطريق واحد من بين طرق الحديث (سفيان بن عيينة ت 198) عن سليمان الاحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الوصية شفاها بثلاثة.
    8- كيف يتفرد راو واحد الى 198 سنة من الهجرة بمعرفة هذه الوصايا على اهميتها وقد قيلت امام جمع؟.
    9- كيف ينسى الثالثة او يسكت عنها مع اضطراب الرواة من الذي سكت هل هو ابن عباس او سعيد بن جبير او سفيان نفسه.
    10- وما هي الثالثة؟ هل هي الوصية بالخلافة؟.
    11- ولمن كانت هل لأبي بكر كما يقول اهل السنة. اذن لماذا نخفيها ونكتمها ومم نخاف؟. وان كانت لعلي فكيف يكتمها الصحابة وهل هذا جائز عليهم بمجموعهم كما يتهمهم غير اهل السنة.
    12- وان كان غير ذلك فلماذا هذا النسيان في هذا الموقف الحرج للوصية الثالثة.
    13- كيف لم يعلم شيئاً الزهري عن هذه الوصايا الثلاث وقد شارك في رواية اصل الحديث.
    14- بعد هذا كله, ومهما ستكون الاجابات: هل يجوز لأحد ان يقول هجر رسول الله, ومعنى هجر كما بين الشراح: هجر الرجل اذا هذى، واهجر اذا افحش والهُجْر: الهذيان والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته (فتح رقم 4432) فهل يجوز شرعاً وعقلاً ان يقال هذا او ما في معناه في حق رسول الله.
    15- روي الحديث بأوجه مختلفة فأين الضبط لهذا الحدث الهام.
    16- في حادثة خطيرة كهذه كيف لا يعرف عنها الصحابة شيئاً ولا يرويها الا ابن عباس الذي كان من أصغر الصحابة في ذلك الوقت وعمره بين (10-13) سنة هـ.
    17- ومن جهة اخرى, هل يصح ان يتصور ان النبي صلى الله عليه وسلم يسكت عن امر خطير متعلق بالخلافة الى آخر حياته.
    18- واذا كان لهذا الحديث علاقة بغدير خم الذي قيل انه قال فيه: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فلماذا لا يعلن امر الخلافة بشكل صريح وببيان واضح لا احتمال فيه, لو كان يريد ذلك.
    نعم ان هذا الحديث سيثير الكثير الكثير من التساؤلات، وهذا من حيث معانيه الاجمالية.

    نقد المتن من حيث رواياته والفاظه:.
    ثم اذا نظرنا في متون الحديث نجد فيها اضطراباً واسعاً – قد يقال يمكن التوفيق بينها:.
    1- نجد اضطراباً في رواية لفظة هجر: فمنهم من قال: هجر, ومنهم من قال انما يهجر، واخرون قالوا: يهجر يهجر, واخرى، أهجر استفهموه, وفي اخرى ما شأنه يهجر؟ وكل ذلك من رواية سعيد بن جبير من طريقين عنه: طريق سليمان الأحول وطريق طلحة بن مصرف.
    وان كانت اكثر الروايات عن سفيان عن سليمان الاحول عن سعيد بلفظ (اهجر استفهموه).
    2- نجد ان رواية الزهري لهذا الحديث ليس فيها هذا اللفظ البتة, بل جاء بلفظ: قال عمر ان رسول الله غلبه الوجع" فهل اريد التلطف بها ام ماذا؟.
    3- تفرد سفيان بذكر الوصايا الثلاث ولم يذكرها الزهري.
    4- نسيان الوصية الثالثة في جميع الروايات.
    5- تفرد رواية الزهري بقول عمر: عندنا كتاب الله حسبنا".
    ومثل هذا التنوع في الرواية مع الاشكالات يثير مسألة عدم ضبط هذه الحادثة في اخطر مواقفها وهي:.
    1- اتهام رسول الله بالهجر.
    2- هل اوصى بشيء وقتها.
    3- هل قال عمر حسبنا كتاب الله.
    وماذا لو قال قائل اليوم حسبنا كتاب الله.
    6- وهذه روايات كلها في الصحيحين فكيف يقع فيها هذا الاختلاف واين الضبط.

    اجوبة العلماء:.
    لقد لحظ العلماء الاشكالات الكثيرة فحاولوا الاجابة عن بعضها فماذا قالوا؟ وهل رفعوا هذه الاشكالات وهم في ذك مصممون ان لا يردوا الحديث كونه في الصحيحين:.
    1- قال الخطابي: اختلف العلماء في الكتاب ثم قال: اراد ان ينص على الامامة فترتفع بعده تلك الفتن العظيمة كالجمل وصفين.
    وقيل اراد ان يبين فيه امهات الاحكام ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه ثم ظهر للنبي ان المصلحة في تركه او اوحي له في ذلك (عمدة القارئ 2/171).
    وقال النووي بعد بيانه عصمته (ص 2 من تغيير الاحكام او كتمانها ونقل كلام الخطابي السابق، قال: واما كلام عمر فقد اتفق الشراح انه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشي ان يكتب اموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة, لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد.. فكان عمر افقه من ابن عباس.. ونقل النووي عن الخطابي قوله: خاف عمر ان يكون ذلك القول (من رسول الله) مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيجد المنافقون الى ذلك سبيلاً ثم قال: واكثر العلماء على انه يجوز على رسول الله الخطأ فيما لم ينزل عليه (شرح النووي 11-90).
    وقال ابن حجر: وقد تكلم عياض وغيره على هذا الموضع, فأطالوا وتحصن القرطبي تلخيصاً حسناُ ثم لخصته من كلامه ثم قال والهُجْر: الهذيان.. ووقوع ذلك من النبي مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه.. فاذا عرف ذلك، فانه قاله من قاله منكراً على من توقف في امتثال امره باحضار الكتف والدواة قال: وهذا احسن الأجوبة.. قال ويحتمل ان بعضهم قال ذلك عن شك عرض له, ولكن يبعده ان لا ينكره الباقون من الصحابة, ويحتمل ان يكون ذلك صدر عن دهش وحيرة كما اصاب كثيراً منهم عند موته ويحتمل انه اراد اشتد وجعه فاطلق اللازم واراد الملزوم.
    واجاب ابن حجر عن عدم كتابة النبي صلى الله عليه وسلم: كأنه ظهرت قرينة دلت ان الامر ليس على التحتم بل على الاختيار.. وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم.. وعزمه (صلى الله عليه وسلم) كان اما بالوحي او بالاجتهاد فكذا تركه اما بالوحي او بالاجتهاد (فتح الباري رقم 4432).
    وهكذا ترى: اخي القارئ – انهم ارادوا ان يزيلوا اشكالات خطيرة، فاكثروا التأويل لشدة الاشكال واوقعونا في اشكالات اكبر منها.
    1- اذا كان اراد ان يبين ما يمنع للفتنة كما حصل في الجمل وصفين فكيف يكون تركه اولى.
    2- اذا كان بالوحي فكيف سيعود الوحي لينسخ ذلك في المجلس ذاته؟ ما هذا الاضطراب.
    3- اذا كان باجتهاد النبي فهل يضطرب النبي هكذا؟.
    4- هل يصح ان يقال ان عمر كان ادق نظراً.
    5- اذا كانوا قالوا ذلك انكاراً على من انكر الكتابة فلماذا ينتصر رأي من أبى الكتابة؟ ومن هؤلاء الذين يمكن ان يكون لهم هذه السطوة؟ واذا كان امر فيه خير للأمة كيف لا يمضه رسول الله.
    6- واذا دققنا فيما قاله النووي ونقله عن الخطابي نجد عجباً, ففي الوقت الذي يؤكد النووي عصمة النبي في الاحكام والتبليغ وعدم الترك وعدم التبديل يذهب الى التأويل.ط
    فيرى ذلك من فقه عمر ودقيق نظره؟! وحتى كان نظر عمر ادق من نظر رسول الله "سبحان الله"؟!! او ان عمر خشي ان يكلفنا رسول الله بما نعجز عنه؟ يا سبحان الله؟ هذا النبي الرحمة المهداة سيكلفنا بما نعجز؟ وان كان تكليفاً فهل يجوز كتمه؟ ثم هل يجوز ان يقول الخطابي لعل عمر خشي ان يكون قول النبي مما يقوله المريض ولا عزم له في ذلك ايجوز هذا في حق رسول الله.
    ثم يختم ذلك بجواز الخطأ على رسول الله؟ افي هذا الموضع؟ موضع النصيحة والانقاذ من الفتن والضلال؟.
    7- ثم تجدهم يذكرون اعتذارات اخرى لعمر منها ان عمر علم حصول تمام الدين واراد ان يرفع عن النبي المشقة؟ وهل لا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، حصول تمام الدين؟ واين المشقة في ان يأمر صلى الله عليه وسلم بكتابة كلمات.
    8- ومن قائل انه اراد ان يوصي لأبي بكر بدلالة قول صلى الله عليه وسلم لعائشة في اول مرضه: ادعي لي اباك واخاك حتى اكتب كتاباً فاني اخاف ان يتمنى متمنٍ، ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون الا ابا بكر (اخرجه البخاري ومسلم 2387).
    ولنا ان نتساءل اذن لماذا لم يعلنه رسول الله على الملأ؟.
    كما لنا ان نتساءل هل حلت اجوبة العلماء الاشكالات واجابت عنها ام اوقعت المزيد من الاشكال مع اجماعهم انه لا يجوز ان يقال في حق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هجر.

    والخلاصة:.
    انه اذا اردنا ان نسلم بصحة هذا الحديث لمظاهر الاسناد, فان هذا يعني وبالرغم من اجابات العلماء التي لم تشفِ غليلاً بل ازداد القارئ حيرة – ان يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكتم ما فيه خير الأمة وهذا محال.
    - او يوصف بأنه اخطأ في هذا الموضوع، ثم رجع الى الصواب وان عمر افقه وادق وهذا محال.
    - وان يصفه الصحابة بالهُجْر فكذا امر محال تنزه مجموع الصحابة ان يرضوا ذلك عنه حتى ولو على سبيل الاستفهام واذا كان على سبيل الانكار لمن قال ذلك, فأين نذهب بكلمة عمر غلبه الوجع.
    - ومحال ان يكون المرض سبب في ان يخطئ النبي (صلى الله عليه وسلم).
    - ومحال ان يخطئ النبي في امر تبليغي.
    - ومحال ان يوحى اليه ثم يرفع في التو ومباشرة فالوحي لا يتردد ولا يضطرب.
    - ثم كيف يوصي بأمور مهمة بحضرة جمع من الصحابة ثم لا ينقل لنا ذلك الا من طريق سفيان عن سليمان عن سعيد عن ابن عباس.
    - ثم كيف ننسى اخطر وصية في التاريخ او كيف يكتمها الصحابة.
    - مع ما في المتون من اختلاف واضطراب يؤذن بأن الرواة لم يضبطوا النص ابداً حتى تعددت اوجه التأويل.
    ومع كون هذا الحديث قد استغله المخالفون لأهل السنة في اثارة اتهامات خطيرة لهم كونهم كتموا امر الخلافة وخالفوا امر رسول الله واساؤوا له باللفظ وكل ذلك مما لا نقبله في حق الصحابة الكرام لما علم من حالهم في الحرص على انفاذ امر رسول الله.
    لهذا كله.. فان لا نقبل صحة هذا الحديث البتة, دفاعاً عن رسول الله ان ينسب له ما لا يجوز ودفاعاً عن الصحابة ان يتهموا بما لا يليق بهم اولى من قبوله فان الرواة غير معصومين عن الخطأ والتزيد والنقص والرواية بالمعنى وان أي تصرف في مثل هذه الروايات يجعلها محل شك لا تصلح ان تكون وثيقة تاريخية يستند اليها في شيء مع كون التفرد ببعض الفاظه الخطيرة والتصرف بها بالرغم من انه كان في حضرة جمع من الصحابة كل ذلك يجعلنا لا نسلم بصحة رواية هذه الحادثة على هذا الوجه.

    فائدة:.
    حاول بعضهم ان يذكر ان الوصية الثالثة لرسول الله هي انفاذ بعث اسامة الى الشام.
    نقول: نعم قد ذكرت عدة وصايا لرسول الله قبيل وفاته في سياقات غير هذا السياق، كانفاذ بعث اسامة والوصية بالنساء والوصية بالصلاة فلا يكون ذلك بياناً للوصية الثالثة المسكوت عنها – على زعم الرواة - .
    -سبق ان اسعرضت معكم حديث الخميس الذي يتحدث عن تنازع الصحابة بين يدي رسول الله اذغلبه الوجع في مرض وفاته وقد اراد ان يكتب كتابا ، وقد بينت الاشكالات الواردة عليه وبقي مناقشة هذه الاشكالات مبتدئا بأجوبة العلماء :
    اجوبة العلماء:.
    لقد لحظ العلماء الاشكالات الكثيرة فحاولوا الاجابة عن بعضها فماذا قالوا؟ وهل رفعوا هذه الاشكالات وهم في ذك مصممون ان لا يردوا الحديث كونه في الصحيحين:.
    1- قال الخطابي: اختلف العلماء في الكتاب ثم قال: اراد ان ينص على الامامة فترتفع بعده تلك الفتن العظيمة كالجمل وصفين.
    وقيل اراد ان يبين فيه امهات الاحكام ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه ثم ظهر للنبي ان المصلحة في تركه او اوحي له في ذلك (عمدة القارئ 2/171).
    وقال النووي بعد بيانه عصمة النبي من تغيير الاحكام او كتمانها ونقل كلام الخطابي السابق، قال: واما كلام عمر فقد اتفق الشراح انه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره لأنه خشي ان يكتب اموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة, لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد.. فكان عمر افقه من ابن عباس.. ونقل النووي عن الخطابي قوله: خاف عمر ان يكون ذلك القول (من رسول الله) مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيجد المنافقون الى ذلك سبيلاً ثم قال: واكثر العلماء على انه يجوز على رسول الله الخطأ فيما لم ينزل عليه (شرح النووي 11-90).
    وقال ابن حجر: وقد تكلم عياض وغيره على هذا الموضع, فأطالوا ولخصه القرطبي تلخيصاً حسناُ ثم لخصته من كلامه ثم قال والهُجْر: الهذيان.. ووقوع ذلك من النبي مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه.. فاذا عرف ذلك، فانه قاله من قاله منكراً على من توقف في امتثال امره باحضار الكتف والدواة قال: وهذا احسن الأجوبة.. قال ويحتمل ان بعضهم قال ذلك عن شك عرض له, ولكن يبعده ان لا ينكره الباقون من الصحابة, ويحتمل ان يكون ذلك صدر عن دهش وحيرة كما اصاب كثيراً منهم عند موته ويحتمل انه اراد اشتد وجعه فاطلق اللازم واراد الملزوم.
    واجاب ابن حجر عن عدم كتابة النبي صلى الله عليه وسلم: كأنه ظهرت قرينة دلت ان الامر ليس على التحتم بل على الاختيار.. وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم.. وعزمه (صلى الله عليه وسلم) كان اما بالوحي او بالاجتهاد فكذا تركه اما بالوحي او بالاجتهاد وشبهوا ذلك برفع العلم بليلة القدر عند ما تنازع رجلان(فتح الباري رقم 4432)
    وتأول بعضهم فعل عمر أنه كأحد موافقاته لرسول الله في حياته وفسر الوصية التي لم تذكر انها ربما انفاذ بعث أسامة .
    وهكذا ترى: اخي القارئ – انهم ارادوا ان يزيلوا اشكالات خطيرة، فاكثروا التأويل لشدة الاشكال واوقعونا في اشكالات اكبر، منها:
    1- اذا كان النبي اراد ان يبين ما يمنع الفتنة كما حصل في الجمل وصفين فكيف يكون تركه اولى.
    2- اذا كان بالوحي فكيف سيعود الوحي لينسخ ذلك في المجلس ذاته؟ ما هذا الاضطراب.
    3- اذا كان باجتهاد النبي فهل يضطرب النبي هكذا؟.
    4- هل يصح ان يقال ان عمر كان ادق نظراً والامر متعلق برفض أمر للنبي.
    5- اذا كانوا قالوا أهجرانكاراً على من انكر الكتابة فلماذا ينتصر رأي من أبى الكتابة؟ ومن هؤلاء الذين يمكن ان يكون لهم هذه السطوة؟ واذا كان امر فيه خير للأمة كيف لا يمضه رسول الله.
    6- واذا دققنا فيما قاله النووي ونقله عن الخطابي نجد عجباً, ففي الوقت الذي يؤكد النووي عصمة النبي في الاحكام والتبليغ وعدم الترك وعدم التبديل يذهب الى التأويل.
    فيرى ذلك من فقه عمر ودقيق نظره؟! ومتى كان نظر عمر ادق من نظر رسول الله "سبحان الله"؟!! او ان عمر خشي ان يكلفنا رسول الله بما نعجز عنه؟ يا سبحان الله؟ هذا النبي الرحمة المهداة سيكلفنا بما نعجز؟ وان كان تكليفاً فهل يجوز كتمه؟ ثم هل يجوز ان يقول الخطابي لعل عمر خشي ان يكون قول النبي مما يقوله المريض ولا عزم له في ذلك ايجوز هذا في حق رسول الله.
    ثم يختم ذلك بجواز الخطأ على رسول الله؟ افي هذا الموضع؟ موضع النصيحة والانقاذ من الفتن والضلال؟.
    7- ثم تجدهم يذكرون اعتذارات اخرى لعمر منها ان عمر علم حصول تمام الدين واراد ان يرفع عن النبي المشقة؟ وهل لا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، حصول تمام الدين؟ واين المشقة في ان يأمر صلى الله عليه وسلم بكتابة كلمات.
    8- اما القياس على رفع ليلة القدر فلايسلم لان ليلة القدر امر غيبي فرفعه الله اما نحن هنا فبصدد أمر تشريعي فيه صلاح الامة لوكان ثابتا.
    9 وأماان الوصية الثالثة لرسول الله هي انفاذ بعث اسامة الى الشام.
    نقول: نعم قد ذكرت عدة وصايا لرسول الله قبيل وفاته في سياقات غير هذا السياق، كانفاذ بعث اسامة والوصية بالنساء والوصية بالصلاة فلا يكون ذلك بياناً للوصية الثالثة المسكوت عنها – على زعم الرواة - .
    10- وأما أنها من الموافقات التي حدث لعمر مثلها في حياة النبي كقضية الاذان وحجاب ازواج النبي وعدم التبليغ بفضل الشهادتين ، فأقول ليس شئ من ذلك مشابها حتى أمر الشهادتين قد تم تبليغه لكن النبي لم يناقش عمر في ذلك ولنا ان نتذكر كم كان عمر يلوم نفسه لانه ناقش في أمر صلح الحديبية .
    11- ولما كان أمر السكوت عن الوصية الثالثة كبيرا وخطيرا في هذا الموطن قال بعضهم لعله العهد لأبي بكر بالخلافة بدلالة قول صلى الله عليه وسلم لعائشة في اول مرضه: ادعي لي اباك واخاك حتى اكتب كتاباً فاني اخاف ان يتمن متمنٍ، ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون الا ابا بكر (اخرجه البخاري ومسلم 2387).
    ولنا ان نتساءل اذن لماذا لم يعلنه رسول الله على الملأ؟ وهذا فتح بابا للآخرين أن يقولوا بل أوصى لعلي ؛ لكن الصحابة كتموه .وهكذا فتحنا بابا عريضا للادعاءات والاتهامات.
    وهنا لنا ان نتساءل هل حلت اجوبة العلماء الاشكالات واجابت عنها ام اوقعت المزيد من الاشكال مع اجماعهم انه لا يجوز ان يقال في حق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هجر.ولاانيكتم امرا فيه خير الامة ولاان يكتم امر الخلافة لو أراد فضلا عن تأخيرها ومع استحالة اجماع الصحابة على باطل .

    والخلاصة:.
    انه اذا اردنا ان نسلم بصحة هذا الحديث لظاهر الاسناد, فان هذا يعني -وبالرغم من اجابات العلماء التي لم تشفِ غليلاً بل ازداد القارئ حيرة :--ان يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكتم ما فيه خير الأمة وهذا محال.
    - او يوصف بأنه اخطأ في هذا الموضوع، ثم رجع الى الصواب وان عمر افقه وادق وهذا محال.
    - وان يصفه الصحابة بالهُجْر ،وهذا امر محال ننزه مجموع الصحابة ا عنه حتى ولو على سبيل الاستفهام واذا كان على سبيل الانكار لمن قال ذلك, فأين نذهب بكلمة عمر غلبه الوجع.
    - ومحال ان يكون المرض سببا في ان يخطئ النبي (صلى الله عليه وسلم).
    - ومحال ان يخطئ النبي في امر تبليغي.
    - ومحال ان يوحى اليه ثم يرفع في التو ومباشرة فالوحي لا يتردد ولا يضطرب.والموقف موقف تبليغ وانقاذ وهداية .
    - ثم كيف يوصي بأمور مهمة بحضرة جمع من الصحابة ثم لا ينقل لنا ذلك الا من طريق سفيان عن سليمان عن سعيد عن ابن عباس.
    - ثم كيف ننسى اخطر وصية في التاريخ او كيف يكتمها الصحابة.
    - مع ما في المتون من اختلاف واضطراب يؤذن بأن الرواة لم يضبطوا النص ابداً حتى تعددت اوجه التأويل.
    ومع كون هذا الحديث قد استغله المخالفون لأهل السنة في اثارة اتهامات خطيرة لهم كونهم كتموا امر الخلافة وخالفوا امر رسول الله واساؤوا له باللفظ وكل ذلك مما لا نقبله في حق الصحابة الكرام لما علم من حالهم في الحرص على انفاذ امر رسول الله.

    لهذا كله.. فان لا نقبل صحة هذا الحديث البتة, دفاعاً عن رسول الله ان ينسب له ما لا يجوز ودفاعاً عن الصحابة ان يتهموا بما لا يليق بهم وصونا لرسولنا عن الخطأو صونا للصحابة عن الاساءة البالغة للنبي وهم من هم في الطاعة والنصرة، ومنعالاتهامهم بكتم امر نبوي مهما كان والاتفاق على ذلك – أن لا نسلم بصحة الحديث منعا لذلك كله اذ كل ذلك لا يكون ولابعضه ؛ اولى من قبول الحديث ؛ فان الرواة غير معصومين عن الخطأ والتزيد والنقص والرواية بالمعنى وان يدخل في حديث بعضهم ماليس منه ،وأي تصرف في مثل هذه الروايات يجعلها محل شك ؛فلا تصلح ان تكون وثيقة تاريخية يستند اليها في شيء مع كون التفرد ببعض الفاظه الخطيرة والتصرف بها بالرغم من انه كان في حضرة جمع من الصحابة كل ذلك يجعلنا لا نسلم بصحة رواية هذه الحادثة على هذا الوجه والله أعلم.
    التعامل مع الصحيحين(1).
    بمقدار ما كان وجود الصحيحين إنجازا علمياً هائلاً عظيماً مباركاً انتقل بالسنة النبوية من طور إلى طور آخر متميز؛ بمقدار ذلك فقد كان وجود الصحيحين إشكالية عند آخرين، فكيف؟ ولماذا؟.
    والحديث هنا عن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم، كما لا يخفى.

    قبل الصحيحين مرّت السنة بأدوار عدة، لا نستطيع التفصيل فيها الآن، ولكن بإيجاز نستطيع الإشارة إليها بحملة:.

    1- فقد كانت تعتمد السنة على الرواية الشفوية – الا قليلاً – وهذا امر شائع ومشهور، خاصة أن بعض المحدثين تمسك بحديث رسول الله فيما رواه الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري "لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن..".

    2- مع مطلع القرن الثاني الهجري بدأ التفكير في تدوين السنة, التدوين الذي اصطلح عليه بالتدوين الرسمي.
    والواقع أن مصطلح (الرسمي) يراد منه أن يقال: أن التدوين كان موجوداً قبل ذلك لكنه كان بجهود فردية ونقول قبل هذه الفترة وبعدها قبل الرسمي وبعد الرسمي كان تدوين السنة تدويناً فردياً ولم يحدث قط أن وجد تدوين رسمي بالمعنى الدقيق كأن تشكل لجنة للمتابعة أو أن يوجد عمل يقوم عليه مجموعة علماء بإشراف من الخلافة أو سواها.. لم يوجد شيء من ذلك.
    ولقد حاول بعض الباحثين المعاصرين مثل الدكتور محمد مصطفى الاعظمي في كتابه "دراسات في الحديث النبوي" أن يؤكد أن التدوين كان من اليوم الأول وأورد في ذلك وثائق كثيرة, وكان جهده مباركاً وأراد أن يقول للعلماء أن ما يدعيه المستشرقون من عدم التدوين غير صحيح، وبالتالي ما يبنون عليه من القول أن السنة لا يوثق بها لأنها مبنية على الرواية الشفوية ليس صحيحاً.
    وهنا أود أن أناقش الدكتور الاعظمي بإيجاز من أكثر من وجوه:
    1- إن جميع ما أورده من وثائق تدل على وجود التدوين لو جمع لا يشكل مجلداً واحداً في السنة النبوية, بمعنى آخر فأين باقي السنة النبوية، لا شك أنها كانت تعتمد على الرواية الشفوية.
    2- إننا اذا وقفنا مع النص الذي يعتمد القول أن القرن الأول كان فيه تدوين لكنه غير رسمي وان القرن الثاني كان فيه التدوين الرسمي.
    إن هذا النص ينفي ذلك كله، ويؤكد النص أن التدوين لم يكن شائعاً قبل القرن الأول, وان كلمة تدوين رسمي هي إطلاق مجازي اصطلح عليه البعض ليقولوا لنا أن اصل التدوين موجود وشائع ولكن انتقل إلى كونه رسمياً, وحتى لا نتجادل في هذا الموضوع دعونا نقف مع النص ذاته، كما هو في صحيح البخاري في كتاب العلم باب رقم 34 قال البخاري: باب كيف يقبض العلم, وكتب عمر بن عبدالعزيز، إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاكتبه، فاني خفت دروس العلم (انقراض العلم) وذهاب العلماء، ولا تقبل الا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولتفشوا العلم, ولتجلسوا حتى يُعلّم من لا يعلم، فان العلم لا يهلك حتى يكون سراً ثم اسند البخاري الحديث بسنده إلى عمر بن عبدالعزيز، هذا هو النص المعتمد في قضية التدوين الرسمي. وسمي رسمياً لأن الخليفة عمر بن عبدالعزيز (المتوفى 101 هـ) أرسل إلى عامله على المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وهو تابعي فقيه استعمله عمر على إمرة المدينة وقضائها ولهذا كتب إليه ومن ثم سمي رسمياً وأؤكد أنهم قالوا (رسمي) فقط ليقولوا أن التدوين كان موجوداً رغبة في الرد على المستشرقين والا فلو نظرنا في النص نفسه لعلمنا أن ينبأ إن الواقع يؤكد أن التدوين لم يكن شائعاً.
    وهذا الذي أقول هو عين ما قاله ابن حجر في شرح النص (1/194) من فتح الباري قال ابن حجر: قوله: فاكتبه: يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبدالعزيز وكان على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء؛ رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاء. وقد روى أبو نعيم في تاريخ اصبهان هذه القصة بلفظ: كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الآفاق انظروا حديث رسول الله فاجمعوه أ.هـ من الفتح.؟
    إذن الحقيقة، أن التدوين لم يكن معروفاً ولا شائعاً الا في حدود على هيئة ورقات وصحف.
    والحقيقة أن عمر بن الخطاب جدّ عمر بن عبدالعزيز (فأم عمر بن عبدالعزيز بنت عاصم بن عمر بن الخطاب) فعمر بن الخطاب هو الذي شدد في منع تدوين السنة في وقته.
    إذ روي عنه "إني كنت أردت أن اكتب السنن، واني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني والله لا البس كتاب الله بشيء ابداً".. ينظر (تقييد العلم للخطيب البغدادي ص 49) فلما كان عمر بن الخطاب منع التدوين لما تخوف منه جاء الحفيد عمر بن عبدالعزيز ليزيل هذا المنع، والا فان التدوين بقي عمل فردياً وجهوداً خاصة قام بها من قام من العلماء كما هو الواقع.
    3- ومع ذلك نقول: إن كون التدوين لم يكن معروفاً قبل القرن الأول لا يعني الطعن بالسنة إنما فقط قضية الدراسة، والنقد وكونها ظنية, وذلك لما عرف عن الصحابة والتابعين من دقة في الرواية.
    إذن، المرحلة الثانية من السنة مرحلة التدوين أو بدء انتشار التدوين - إذ لا شك كان هناك شيء وان كان يسيراً من التدوين قبل ذلك.
    ومن آثار هذه المرحلة وصلنا جامع معمر بن راشد (المتوفى 154) وموطأ مالك (ت 179).
    4- ثم في مرحلة ثالثة من المراحل التي مرت بها السنة الانتقال إلى التدوين الموسوعي مع بدء تدوين قواعد علوم الحديث وكان من نتاج هذه المرحلة الرسالة للإمام الشافعي (ت 204).
    ومصنف عبدالرزاق (ت 211) ومصنف ابن ابي شيبة (ت 231) ومسند الإمام احمد (ت 241) والملاحظ على هذه المرحلة انها ركزت على الجمع الشمولي دون النظر في النقد والصحة والضعف.
    5- ثم جاءت مرحلة الإمام البخاري ومسلم وقد شعر كل من الإمام البخاري ومسلم كثرة الدّس في حديث رسول الله، بل وكثرة المنكرات والخطأ في الرواية، فكل منهما شعر بالحاجة إلى تأليف من نوع خاص في السنة يعتمد الانتقاء الدقيق والاقتصار على الصحيح ضمن منهجية شاملة.
    من هنا، نقول إن مرحلة كتابة الصحيحين مرحلة فاصلة بين طور وطور آخر انتقلت فيه السنة انتقالة هائلة – كان ذلك في أواسط القرن الثالث الهجري.
    ويحدثنا مسلم بصراحة عن الحال التي كان عليها الأمر مما دعاه إلى تأليف وكتابة صحيحه, وكذا نجد البخاري يشير إلى شيء من ذلك.
    ونحن بصدد الحديث كيف نتعامل مع الصحيحين – قد يكون من المناسب أن نقف على كلام الشيخين إذ يبينان حال الرواية للسنة قبل عهدهما لنتبين اهمية العمل الذي قاما به ونتبين كما هو مطلوب لنا الحذر ونحن نتعامل مع روايات الحديث المنسوبة لرسول الله, وقد اختلط الامر على كثيرين.
    التعامل مع الصحيحين – 2 -
    ذكرت ان تدوين الصحيحين كان مرحلة فاصلة وتطوراً هائلاً بين مرحلة سبقت مرّت بها السنة ومرحلة لحقت وقلنا من المهم معرفة كيف كان حال السنة قبل تدوين الصحيحين لنعرف اهمية ومكانة الصحيحين، ووجوب الحذر في التعامل مع السنة اذ لم يكن التدوين شائعاً وكان جل الاعتماد على الرواية الشفوية مع وجود التفرد غالباً في هذه الروايات.
    حال السنة قبل كتابة الصحيحين:.
    ذكرت من قبل ان السنة في المرحلة الثالثة وتقدير هذه المراحل انما هو اجتهاد عمومي، والا فيمكن لعلماء آخرين ان يعيدوا ذكر المراحل بطريقة اخرى.
    اقول: ذكرت ان المرحلة الثالثة كانت مرحلة تدوين موسوعي، لكن الملاحظ انها كانت تجمع الصحيح والسقيم والسليم والمعلول، بل وكثير من الغرائب والمنكرات مما دعا الشيخين – البخاري ومسلم – الى منهجية جديدة في التأليف ودعا الى وجود الست الاربعة كما سأبين.
    ولقد صوّر لنا الامام مسلم بوضوح حال السنة والرواية والتصنيف قبيل تصنيف الصحيح.
    يقول الامام مسلم في صحيحه (1/Cool وهو يحدث عن سبب تأليفه الصحيح ومنهجه فيه، فيقول: وبعد يرحمك الله, فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثاً، فيما يلزمهم من طرح الاحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الاحاديث الصحيحة المشهورة, مما نقله الثقات المعرفون بالصدق والامانة، بعد معرفتهم واقرارهم بألسنتهم، ان كثيراً مما يقذفون به الى الاغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم ائمة اهل الحديث، مثل مالك بن انس وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم من الائمة – لما سهل علينا الانتصاب لما سألت من التمييز والتحصيل، ولكن من اجل ما اعلمناك من نشر القوم الاخبار المنكرة، بالاسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها الى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خفّ على قلوبنا اجابتك الى ما سألت" أ.د.
    ونحن اذا تأملنا هذا النص الدقيق المهم الصادر عن الامام مسلم سنجد فيه قضايا مهمة ودقيقة جداً, ولا بد من فهم منهجية التعامل مع السنة في ضوئها وضوء امثالها من النصوص عن الائمة. فالامام مسلم بيّن اموراً منها:.
    1- كثرة الاحاديث الضعيفة بل والمنكرة.
    2- تداول كثير ممن ينسبون الى الحديث لهذه الروايات.
    3- نشر الاخبار المنكرة وتلقي العوام لها.
    4- عدم الاقتصار على الصحيح من روايات الأئمة. بل والانشغال عنها.
    5- عدم قدرة كثيرين على التمييز بين الصحيح والسقيم وتداخل ذلك.
    6- وقد حذر مسلم من الرغبة الجامحة عند بعضهم في الاستكثار من الرواية دون تمييز، ووجوب دقة النقد والتيقظ.
    فقال (1/4): "فالقصد الى الصحيح القليل اولى بهم من ازدياد السقيم".. فاما عوام الناس بخلاف معاني الخاص من اهل التيقظ فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل".
    فاذا كان هذا الحال من الاختلاط وسوء النقد وكثرة الروايات المنكرة وجهل كثيرين شأنها واعجز الاكثر عن نقدها مع انها تروى ممن نصب نفسه محدثاً، فاذا كان هذا الحال وقت الامام مسلم فماذا سيقول في يومنا هذا, وقد اصبح كل من هبّ ودبّ يتكلم في الحديث، واذا وجد طالب علم محقق يقصد التحري والدقة فيسعى الى كشف ما في بعض النصوص من علل، فاذا بالتهم توجه اليه من كل صوب مدّعين عليه انكار السنة, او تحكيم الهوى او نعته بالزندقة او الجهل, مع ان واجب طلاب علم الحديث بحق ان ينهضوا بقوة الى النقد سنداً ومتناً نصحاً لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وذباً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فلا يجوز الاغترار بظاهر الرواية والسند، وقد اكد العلماء ان من شروط الصحيح تفي العلل والشذوذ.
    فاذا جاء حديث من رواية ثقة يخالف ثقات او اوثق ردّ، فكيف اذا خالف القرآن او السنة المشهورة او الواقع او احكام العقل المستقرة لدى العقلاء, وهذا امر سنعود لبيانه ان شاء الله بوضوح.
    وقد حذر مسلم من التفرد والغرائب وشؤون الروايات وكذلك فعل ابو داود في رسالته الى اهل مكة في وصف سننه اذ يقول: "فالحديث المشهور المتصل الصحيح ليس يقدر ان يرده عليك احد، اما الحديث الغريب فانه لا يحتج به، ولو كان من رواية الثقات من ائمة العلم.. ولا يحتج بالحديث اذا كان غريباً شاذاً" رسالة ابي داود ص 24 تحقيق الصباغ.
    واني لأقف متعجباً جداً امام كلام ابي داود في رفض الحديث الغريب والحديث الشاذ بل وحتى لو كان هذا الغريب من رواية الثقات – ومع تأكيدي اننا بحاجة ان نفهم بدقة كلام ابي داود – لكن القصد من ذلك بيان شدة دقة علمائنا وان لا نغتر بظواهر الاسانيد كما في ذلك اشارة الى معاناة ائمتنا في النقد وضرورة متابعة المسيرة.
    ويتحدث الامام البخاري عن سبب تأليفه لصحيحه بما يكشف عن حال الرواية في عصره وكثرة الضعيف وانتشار المعلول والقيم والمنكر من ذلك قوله:.
    "صنفت الصحيح في ست عشرة سنة" السيرة 12/405.
    وهذا كما ينبئ عن دقة الامام البخاري فانه ينبئ عن المعاناة التي كان يواجهها في ذلك. وقد امضى مسلم الفترة ذاتها – 15 – في تصنيف صحيحه.
    يقول البخاري "لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء، كنت اذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله للحديث، ان كان الرجل فهماً، فان لم يكن، سألته ان يخرج الى اصله ونسخته, فأما الآخرون, لا يبالون ما يكتبون، وكيف يكتبون" السير (12/406)).
    وهنا نلاحظ ان مجرد وجود الكتاب عند محدث ليس كافياً وكم شوهت كتب او دس فيها او اسيء نسخها او تلاعب متلاعب فيها وتلاحظ كذلك من كلام البخاري شكوى مرة من حال اهل عصره في الرواية.
    ويذكر ابن حجر السبب الباعث للبخاري على تأليف صحيحه، ويذكر كيف كان حال الرواية قبله، وان اكثر الصحابة والتابعين لم يكونوا يعرفون الكتابة (او قل لم يدونوا) ويذكر حال المصنفات قبل البخاري فقال: "وجدها بحسب الوضع (التأليف جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح والتحسين والكثير منها يشمله التضعيف.. فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين.
    ونقل عن البخاري قوله: كنا عند اسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله, قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح" هدى الساري 1/6 والسير (12/401).
    وهكذا نلحظ من كلام اسحاق بن راهويه شعوره بالمشكلة الخطيرة في تداخل الصحيح بالضعيف.
    فاذا كان هذا بعض حال السنة قبل تدوين الصحيحين مما دفع الشيخين الى تدوين كتابيهما.
    ثم وجد اصحاب السنن الاربعة انفسهم امام كم هائل من الروايات ما زال بحاجة الى نقد وسبر وكثير من هذه الروايات يتداولها الفقهاء فضلاً عن الوعاظ.
    فماذا قدّم الائمة الاربعة اصحاب السنن وما دلالة جهود الائمة الستة (البخاري ومسلم وابي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وما هو الواجب اليوم,
    كيف نتعامل مع الصحيحين – 3 -
    بينا فيما مضى ان السنة الى عهد البخاري ومسلم, مرّت بعدة مراحل:.
    1- الرواية الشفوية على الاكثر الى بدايات القرن الثاني.
    2- البدء بالتدوين في بداية القرن الثاني.
    3- التدوين الشمولي الموسوعي وبدء دراسات نقدية، لكن التدوين في اغلبه لم تكن منهجيته واضحة ولم يميز بين الصحيح وغيره مع تميز الموطأ في ذلك، وهذا بدأ من منتصف القرن الثاني الى بدايات القرن الثالث.
    4- مرحلة البخاري ومسلم؛ مرحلة التصنيف المنهجي الشمولي النقدي.
    وهنا تحدثنا عن حال السنة قبل الصحيحين ورأينا استشعار كل من البخاري ومسلم خطورة الامر واختلاط الروايات والحاجة الى النقد، فكانت النتيجة ان يستخلص الشيخان ما مجموعه 5000 حديث يُرى انها الاصح وسنعود للوقوف على حال ومكانة الصحيحين وهنا نود ان نلقي نظرة موجزة على عمل الائمة الاربعة (ابو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه) اذ يلاحظ ان ائمة الحديث ركزوا بشدة على الكتب الستة الصحيحين والاربعة المذكورة وعدّوها خلاصة السنة واصفى وانقى ما قدم في التدوين مع الاختلاف في كون سادس الكتب هل هو الموطأ او سنن ابن ماجه او سنن الدارمي فتحصل من مجموع ذلك ثمانية مصنفات فاذا اضيف لها سند الامام احمد كانت تسعة مصنفات هي المراجع الاساسية في السنة, ومن ثم يلاحظ اهل العلم ان أي حديث ينفرد به مصنف جاء بعد هؤلاء لا يكاد يكون صحيحاً واذا انفرد بطريق ما لحديث ولو كان موجوداً اصله في الكتب التسعة فان هذا الطريق الذي يتفرد به بعض المتأخرين محل شك او علة التفرد والغرابة، بمعنى لو وجدنا حديثاً رواه الترمذي بسند ما ربما نراه ضعيفاً فنجد بعد ذلك ان لهذا الحديث طريقاً آخر تفرد به الطبراني (360) او ابن عساكر او الحاكم في المستدرك، ان مجيء هذا الطريق علة في حد ذاته، اذ كيف يتفرد به المتأخرون، ولا يعرفه المتقدمون وهم يحاولون ان يقدموا الافضل.
    من هذا المنطلق، نريد ان نفهم ماذا اراد الأئمة الاربعة بتدوين كتبهم، لقد لاحظ الائمة الاربعة الحال التي كانت عليها السنة من حيث كثرة المنكرات والعلل والاخطاء في الرواية.
    ولاحظوا جهد البخاري ومسلم في استخلاص جملة من الاحاديث هي الاصح والأنقى ولكن وجدوا في الوقت نفسه ان ثمة احاديث او روايات او طرقاً يمكن ان تضاف لجهد الشيخين ولاحظوا ان بعض ما في الصحيحين لا يخلو من نقد كما لاحظوا تداول كثير من الفقهاء والوعاظ والمفسرين وعلماء العقائد لاحاديث لا بد من معرفة مخارجها وهل تصلح للاحتجاج بها او الاستشهاد او انها معلولة.
    كما ارادوا ان يستكملوا عمل الشيخين في تقديم ما هو الاصلح والانقى وهذا لا يعني انه صحيح بحال.
    اذن نستطيع القول ان جهد الائمة الاربعة اشتمل على:.
    1- نقد بعض ما في الصحيحين ولو من خلال بيان علل بعض الطرق, وهذا يحتاج قطعاً الى دراسة استقرائية لعله يأتي وقتها.
    2- استكمال عمل الشيخين في تقديم طائفة اخرى من الاحاديث الصحيحة او المعتبر بها او تقبل التقوية.
    3- استقراء ادلة الفقهاء واصول العقائد والتفسير ولو كان بعضها ضعيفاً, ليقدموا اصول هذه العلوم من جهة ولينقدوا ما يحتاج الى نقد وان اختلفت مناهجهم في النقد وكلها تحتاج الى دراسات مفصلة.
    4- كانت النتيجة التلقائية لجهد الائمة هؤلاء ان أي حديث يأتي من أي طريق لحديث عندهم سيكون محل شك وعلة - الا ان يثبت العكس – ومن ثم ندر حقيقة ان يسلم حديث يتفرد به متأخر عن القرن الثالث.
    بل وجدنا ان الجهود المتميزة جهود ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما فلا تكاد تجد حديثاً عندهما ليس موجوداً في الكتب الستة.
    ونظراً لمحاولة الحاكم توسيع دائرة الصحيح نلاحظ ان ثلاثة ارباعه ما بين الموضوع المكذوب او الضعيف او المعلول ما يسلم منه اصوله في الكتب الستة.
    5- مع التأكيد هنا ونتيجة طبيعية لما سبق ان الكتب الاربعة اشتملت على كثير من الضعيف والمعلول، والسبب انهم ارادوا ان يقدموا الاصلح مما اعتمد عليه الفقهاء والوعاظ وعلماء التفسير والعقيدة ويقدموا نقدهم لها وينبهوا على عللها ولم يريدوا ان يقدموا الصحيح.
    الخلاصة:.
    1- ان جهود الائمة الاربعة مكملة لعمل الشيخين في تنقية السنة.
    2- ان ما في الكتب الستة هو الانقى والاصلح.
    3- ليس بالضرورة كل فيها صحيح ولم يرد الائمة الاربعة ذلك.
    4- ان هدف الائمة الستة اضافة الى محاولات التنقية والاصطفاء والتعليل حصر ما يمكن الافادة منه من السنة.
    5- ان معظم ما جاء بعد الكتب الستة معلول او مشكوك فيه او ضعيف اذا تفرد به المتأخرون.
    6- انه ستبقى هذه الكتب – مع كونها الافضل مع خصوصية الصحيحين – ستبقى في دائرة النقد, ولم يدع احد من مؤلفيها سلامتها من النقد.
    سنجد من يعترض على هذا التحليل لكنني سأنقل من كلام الائمة انفسهم ما يؤيد ذلك، مؤخراً الحديث عن الصحيحين.
    قال ابو داود:.
    "سألتموني ان اذكر لكم الاحاديث التي في كتاب السنن اهي اصح ما عرفت في الباب؟
    فاعلموا انه كذلك.. وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، واذا كان فيه حديث منكر بينته, وليس على نحوه في الباب غيره وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته ومنه ما لا يصح سنداً وما لم اذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها اصبح من بعض وهو كتاب لا ترد عليك سنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الا وهي فيه ولا اعلم شيئاً بعد القرآن الزم للناس ان يتعلموه من هذا الكتاب, ولا يضر رجلاً ان لا يكتب من العلم شيئاً بعدما يكتب هذا الكتاب" رسالة ابي داود الى أهل مكة, تحقيق الصباغ ص 24 فما بعد.
    وانت ترى واضحاً في النص ان فيه الضعيف وما دونه وما فوقه وانه حاول ان يحصي السنة التي يلزم العمل بها.. على نحو ما ذكرت من قبل.
    وقال الترمذي في كتاب العلل في سننه (5/736): جميع ما في هذا الكتاب معمول به, وقد اخذ به بعض اهل العلم ما خلا حديثين.. وهنا اذكر ان مصطلحاً معمولاً به لا يعني انه صحيح.
    والملاحظ الآن انه بعد وجود الحاسوب من السهل ان تجد طرقاً عديدة لحديث ما ولكنها كلها في كتب المتأخرين بعد القرن الثالث ولا نجد لها ذكراً في كتب المتقدمين، ان بعض الباحثين يظن ذلك ايجابياً وحقيقة الحال انه امر سلبي، الامر يحتاج الى دراسة ايضاً وبعد هذه الملحوظات على عمل الائمة الاربعة نعود لبيان حال الصحيحين وكيف نتعامل معها
    التعامل مع الصحيحين – 5-
    تبين لنا من قبل ان العلماء اجمعوا على تلقي الصحيحين بالقبول، وانهما اصح كتب السنة على الاطلاق, وان العلماء اقروا مع ذلك مبدأ مناقشة بعض احاديث الصحيحين وقد فعلوا ذلك فعلاً.
    لكننا وجدنا انفسنا امام حال تكرست في العصور المتأخرة ان احاديث الشيخين لا تقبل نقاشاً ولا نقداً بل وتجد من ينسب لهما العصمة (حالاً ان لم يكن مقالاً) وتجد من يتهم من ناقش حديثاً في الصحيحين بالبدعة والزندقة والفسق.. الى غير ذلك من التهم.
    من اين جاءت مثل هذه التصورات؟.
    نعم، لقد رأى بعض اهل العلم ان كل ما في الصحيحين صحيح – اوهكذا فهم من كلامهم – فلنرَ اقوال هؤلاء ولنناقشها بايجاز:.
    اولاً: ابو جعفر محمد بن عمرو العقيلي ت 322:.
    من اول من رأيتهم نصوا على صحة كل ما في الصحيحين ابو جعفر العقيلي حيث يقول "لما صنف البخاري كتاب الصحيح عرضه على ابن المديني واحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة الا اربعة احاديث، والقول فيها قول البخاري" (هدى الساري ص 7 وص 676).
    ولا بد من مناقشة هذا القول:.
    1- ما مصدر هذا القول وما مدى صحة نسبته للعقيلي؟ وما سند العقيلي الى البخاري في ذلك؟ لم اجد مصدراً يبين سند هذا القول الى العقيلي وهل قاله فعلاً ام لا؟ ولم اجد مصدراً ذكر سنداً بين العقيلي والبخاري لنثبت صحة هذا القول.
    2- ولنا ان نناقش هذا القول تاريخياً، فمتى الف البخاري صحيحه؟ ومتى عرضه على هؤلاء الائمة؟ فان ابن معين توفي عام 233 وابن المديني توفي عام 234. والبخاري كما هو مشهور بقي في تأليف كتابه ست عشرة سنة, وكان اول من سمعه ممن عرفناهم محمد بن يوسف القربري عام 248هـ.
    يقول البخاري: صنفت الصحيح في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى (السير 12/405) وقال ابن حجر: اتصلت لنا رواية القربري وكان سماعه للصحيح مرتين مرة بقربر سنة ثمان واربعين (أي بعد المائتين) ومرة ببخارى سنة 252 .. (مقدمة فتح الباري 1/5).
    3- ومع هذا ولو سلم نقل العقيلي فان واقع الحال ان النقاد تعرضوا لنقد الصحيحين اضافة ان السابقين انما ركزوا على النظر في الاسانيد دون النظر في المتون.
    ثانياً: ابو اسحاق ابراهيم بن محمد الاسفرائيني المتوفى سنة (418) وهو من علماء الاصول والفقه وعلوم الكلام، شافعي المذهب:.
    يقول الاسفرائيني: اهل الصنعة مجمعون على ان الاخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوعة بصحة اصولها ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال وان حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها.. (فتح المغيث 1/47).
    وللقائل ان يقول: هذه وجهة نظر الاسفرائيني وهو كلام عام، فهل واقع الصحيحين والعلماء انهم كذلك وقد نقلنا من كلام المحدثين انفسهم ما هو خلاف ذلك.
    ثالثاً: ابو عبدالله محمد بن فتوح الازدي الحميدي المتوفى سنة 420 له كتاب الجمع بين الصحيحين, نسب له ابن حجر انه كان ممن يقول بافادة ما خرجه البخاري ومسلم العلم النظري (نزهة النظر ص 53) ذلك ان العلماء يفرقون بين العلم النظري والعلم الضروري، فالقطعي هو الضروري اما النظري فهو قطعي في حق العالم، ومع ذلك وجدنا النووي وابن حجر يردون على ذلك كما سبق نقله. ونص عبارة الحميدي: لم نجد من الائمة الماضين من افصح لنا في جميع ما جمعه بالصحة الا هذين الامامين (علوم ابن الصلاح ص 26).
    رابعاً: ابو الفضل محمد بن طاهر المقدسي ت 507، كذا نسب له ابن حجر قوله: ان الاخبار في الصحيحين تفيد العلم النظري، (نزهة النظر ص 53).
    خامساً: ونسب الى امام الحرمين وابو نصر الوائلي السجزي وغيرهما قولهم "اجمع اهل العلم الفقهاء ان رجلاً لو حلف بالطلاق ان جميع ما في كتاب البخاري قد صح عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لا شك فيه, لا يحنث" (علوم ابن الصلاح، والتقييد والايضاح ص 26).
    ومع ذلك قال العراقي: وما ذكره لا يقتضي انه لا يشك في صحته ولا انه مقطوع به لأن الطلاق لا يقع بالشك.
    سادساً: ابو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح ت 643:.
    ان كلام ابن الصلاح في مقدمته من أسباب اشتهار القول بقطع الصحة لكل ما في الصحيحين فبعد ذكر ما اتفق عليه البخاري ومسلم قال: وهذا القسم مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به ثم قال: ما انفرد به البخاري او مسلم مندرج في قبيل ما يٌقطع بصحته لتلقي الامة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه.. سوى احرف يسيرة تكلم عليها بعض اهل النقد.." (علوم الحديث ص 28-29).
    ولا بد من التنويه ان كلام ابن الصلاح هذا قائم على مذهبه المرجوح في اغلاق باب الاجتهاد في التصحيح والتضعيف كما نص على ذلك في علوم الحديث ص 12 ومن ثم تساهل بقبول تصحيح من صحح من بعد الشيخين فقبل تصحيح ابن حبان وابن خزيمة والحاكم حتى قال في حق الحاكم ص 18 بعد ذكر انه متساهل في التصحيح "ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الائمة ان لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به الا ان تظهر علة توجب ضعفه, انتهى.
    بينما الواقع ان كتاب الحاكم مليء بالمنكرات شديدة الضعف.
    كما ان ابن الصلاح قال كلاماً ناقض نفسه فيه فمرة يقول في حق الصحيحين الا احرفاً يسيرة (وهذا امر نسبي) ثم يقول في حق الحاكم الا ان تظهر علة.
    فيلاحظ ان كلام هؤلاء العلماء او هم ان كل ما في الصحيحين صحيح وان ذلك اجماع بينما الواقع ان النووي والعراقي وابن تيمية والعز بن عبدالسلام وكبار العلماء لم يقروا كلام ابن الصلاح وغيره.
    وقد ورد الامام زين الدين عبدالرحيم العراقي ت 806 على ابن الصلاح ومن سار على نهجه من قبله فقال: ان ما ادعاه من ان ما اخرجه الشيخان مقطوع بصحته قد سبقه اليه ابن طاهر المقدسي وابو نصر الوائلي السجزي وقد عاب الشيخ عزالدين بن عبدالسلام على ابن الصلاح هذا.
    ... وقال النووي: خالف المحققون والاكثرون ابن الصلاح فقالوا يفيد الظن ما لم يتواتر, وقال النووي في شرحه على مسلم: لا يلزم من اجماع الامة على العمل بما فيهما اجماعهم على انه
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    رد: منهجية التعامل مع السنة النبوية

    مُساهمة  nawal في الخميس 29 ديسمبر 2011 - 19:22

    في قواعد نقد المتن.
    لا يتردد المحدثون في بيان وجوب نقد المتن ضمن قواعد وضوابط بعيداً عن الهوى والامزجة الخاصة, فهذا الامام الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه 1/132 – 133 يقول: "اذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الاسناد (أي لا علة ظاهرة فيه) رد بأمور:.
    - ان يخالف موجبات العقل فيعلم بطلانه.
    - ان يخالف نص الكتاب او السنة الصحيحة الثابتة.
    - ان يخالف الاجماع فيستدل انه منسوخ او لا اصل له، اذ لا يجوز ان تجمع الامة على خلاف الصواب.
    - ان يتفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه فيدل ذلك على انه لا اصل له.
    - ان ينفرد بنقل ما جرت العادة ان ينقله اهل التواتر.
    ولعلي اورد نماذج مما يمكن ان يندرج تحت بعض ما ذكر.
    ونجد الامام ابن القيم الجوزيه يبين في فصول اموراً كلية يعرف بها كون الحديث موضوعاً في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف"، ونقله عنه ملا علي القاري في كتابه "الاسرار المرفوعة في الاخبار الموضوعة"، وقد علق الشيخ محمد لطفي الصباغ محقق كتاب الاسرار المرفوعة على هذا الفصل قائلاً: "وهذه الامور الكلية التي قررها علماء الحديث تدل دلالة قاطعة على ان النظر في متن الحديث كان موضع اهتمام بالغ عندهم بالاضافة الى النظر في نقد الحديث..." ص 406.
    امور كلية يرد بها الحديث متناً:.
    وفيما يلي تلخيص لتلك القواعد التي اوردها ابن القيم:.
    1- اشتمال الحديث على المجازفات التي لا يقول مثلها رسول وهي كثيرة جداً.
    2- تكذيب الحس له.
    3- ومنها سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه.
    4- ومنها مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة.
    5- ومنها ان يدعي على النبي انه فعل امراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم وانهم اتفقوا على كتمانه ولم يفعلوه.
    6- ومنها ان يكون الحديث باطلاً في نفسه فيدل بطلانه على انه ليس من كلامه (صلى الله عليه وسلم).
    7- ومنها ان يكون الحديث لا يشبه كلام الانبياء, بل لا يشبه كلام الصحابة.
    8- ومنها ان يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا.
    9- ومنها ان يكون في الحديث بوصف الاطباء.
    10- ومنها احاديث العقل كلها كذب.
    11- ومنها الاحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته, كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد.

    12- ان يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
    13- ومنها مخالفته لصريح القرآن.
    ومن النماذج التي اوردها ابن القيم هنا: قال ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث ابي هريرة "خلق الله التربة يوم السبت.." وهو في صحيح مسلم ... وانما هو من قول كعب الاحبار.
    14- ومنها ركاكة الفاظ الحديث وسماجتها بحيث يمجها السمع ويرفضها الطبع.
    15- ومنها ما يقرن بالحديث من القرائن التي يعلم انه باطل.
    اقول: ومنها مخالفة التاريخ.
    ويمكن ان نخلص من كل ما سبق ان كل ما خالف القرآن او الثابت من السنة او العقل او التاريخ او الحس او الواقع او لا يشبه كلام النبوة او تفرد به راو في موقع لا يحتمل تفرده.
    ولذا نجد نقاد الحديث احياناً يحكمون على حديث بالنكارة ويتعجبون من نظافة اسناده (كالذهب في ميزان الاعتدال 1/213 وتلخيص المستدرك 1/317 وابن كثير في تفسير سورة الكهف).
    وقد قال ابن القيم ايضاً "وقد علم ان صحة الاسناد شرط من شروط,. وليست موجبة لصحة الحديث، فان الحديث انما يصح بمجموع امور كلية منها: صحة سنده وانتفاء علته وعدم شذوذه ونكارته، وان لا يكون راويه قد خالف الثقات او شذ عنهم (الفروسية ص 49).
    اذن من اساسيات نقد الحديث نقده سنداً او متناً – وسأتكلم عن تقصير بعض اهل العلم في ذلك تم نورد نماذج ان شاء الله.
    هل مثل القرآن شيء؟
    عندما نتكلم عن منهجية التعامل مع السنة النبوية نؤكد على حجية السنة حال ثبوتها بلا مطعن ولا علة، ونقول في الوقت ذاته ان خبر الآحاد يبقى ظنياً – على اختلاف مراتبه – ولا يمكن ان ينزل منزلة القرآن في الثبوت ولا منزلة المتواتر لما سبق بيانه من كون الآحاد قد يخطئ، ومن حيث ان الاسانيد قد تعتريها العلل، وربما لا يقف عليها الناقد، وان السنة رويت بالمعنى في معظمها, وتأخر تدوينها، وان العلماء يختلفون في التصحيح والتضعيف ويختلفون في الحكم على الرواة, وان نقد الاحاديث كله اجتهادي.
    هنا يأتي من يريد ان يحتج عليك بحديث "الا اني اوتيت الكتاب ومثله معه" وفي بعض الروايات "اوتيت القرآن ومثله معه" ليستنبط من وراء ذلك ان السنة مثل القرآن ويعمم ذلك في حكم ثبوتها وقوة العمل بها.
    وقبل ان اقدم دراسة هذا الحديث لا بد من بيان كل ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وثبت ثبوتاً لا مجال للشك فيه فهو وحي وهو معصوم وهذا ما أدين الله تعالى به.
    ولو كنت اسمع من النبي (صلى الله عليه وسلم) امراً او نهياً او ارشاداً فقوله لي كقول الله تعالى.
    اذن ليست قضيتنا مع حجية السنة ذاتها ولا مع وجوب طاعة رسول الله فكل ذلك مسلم قطعاً انما قضيتنا مع الوسائط والرواة فيما ينسبون الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حيث وجوب التحري والتدقيق هذا من جهة، ومن جهة اخرى، انه حتى في حال تم نقل ما نُقل وروي بأسانيد صحيحة ما لم تبلغ التواتر يبقى ان كون السنة ظنية هو واقع الحال, والا لماذا اختلف العلماء في صحة مئات الاحاديث فتجد عالماً صحح حديثاً، واخر يضعفه وتجد العالم نفسه اليوم يصحح وغداً يتراجع.
    حديث اوتيت الكتاب ومثله:.
    وبين يدينا الحديث الآتي:.
    عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه قال: "الا اني اوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على اريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه, وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، الا لا يحل لكم (لحم) الحمار الاهلي ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد الا ان يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم ان يقروه فان لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه".
    ينظر تخريجه في صحيح ابن حبان بتحقيق الشيخ شعيب (1/رقم 12) والمسند الجامع 15/454-455) وسنن الترمذي بتحقيق د. بشار 2663 و2664).
    والحديث كما نرى يشتمل على اربع فقرات:.
    1- قوله "اوتيت الكتاب ومثله معه" وفي رواية اوتيت القرآن ومثله معه وفي رواية اوتيت الكتاب وما يعدله.
    2- قوله: "يوشك رجل شبعان على اريكته ...".
    3- قوله "الا لا يحل لكم لحم الحمار ...".
    4- قوله "ولا لقطة معاهد....".
    اما تحريم لحوم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع فصح وثبت في البخاري ومسلم.
    من طرق عن انس وجابر وابي ثعلبة الخشني وابن عباس (ا رواء 8/136).
    لكن الاشكالات في:
    1- ان اصل الحديث في تحريم الحمر وكل ذي ناب في الصحيحين، ومع ذلك لم يوردا هذه الزيادات.
    2- كيف يكون شيء مثل او عدل القرآن؟.
    3- هل رويت هذه الفقرات الزائدة بأسانيد صحيحة؟.
    فكان لا بد من نقد الحديث سنداً ومتناً.
    نقد الحديث سنداً:.
    الحديث من رواية المقدام بن معد يكرب ورواه عنه اثنان:.
    1- عبدالرحمن بن ابي عوف الجرشي.
    2- الحسن بن جابر اللخمي.
    ورواه عن عبدالرحمن اثنان:.
    1- حريز بن عثمان.
    2- مروان بن رؤبة التغلبي.
    ورواه عن الحسن معاوية بن صالح.
    اما عبدالرحمن بن ابي عوف فقد قال فيه الآجري عن ابي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، أ.هـ، أي لم ينص صراحة على توثيق عبدالرحمن لكن اكتفى بأنه من شيوخ حريز والقاعدة عند المحدثين عدم قبول التعديل على الابهام فلم يقبلوا قول من قال حدثني الثقة. ولم اجد احداً وثق هذا الراوي صراحة الا ابن حبان ذكره في الثقات وكذا العجلي (وهما ممن يوثق المجاهيل).
    لذا, قال ابن القطان: مجهول الحال (تهذيب 6/246).
    اما مروان بن رؤبة فمجهول، لم يوثقه الا ابن حبان كعادته في توثيق المجاهيل (تهذيب 10/92).
    واما حريز بن عثمان، فالكلام فيه طويل حتى قيل فيه ثقة ثقة، الا انه كان يحمل على علي بن ابي طالب وينتقص وينال منه بشدة ويقول: لا احبه تهذيب (2372-240) فهل يكون عدلاً من يبغض علياً.
    وقد بيّن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه لا يبغض علياً الا منافق (مسلم 249).
    واما الحسن بن جابر فليس له الا هذا الحديث.. في السنن, وهو مجهول، ايضاً لم يوثقه غير ابن حبان (تهذيب 2/259).
    واما الراوي عنه معاوية بن صالح: فقد وثقت احمد وابو زرعة لكن كان يحيى بن سعيد القطان لا يرضاه وقال ابو حاتم: لا يحتج به ولينه ابن معين (ميزان 4/135). هذا النقد الاجمالي لاسانيد الحديث.
    فان الرواة مع ذلك لم يتفقوا على لفظ واحد وثمة علل في الحديث.
    وخلاصتها:.
    1- تفرد عبدالرحمن بن ابي عوف بعبارة "اوتيت الكتاب (او القرآن) ومثله (او ما يعدله) لم يروها احد غيره عن المقدام وهو مجهول على الارجح.
    2- اضطربت الرواية عن مروان عنه فبعضهم روى هذه العبارة من طريقه وبعضهم لم يروها مع كون مروان مجهولاً.
    3- حريز متهم بعداء علي رضي الله عنه وان كان الحديث لا صلة له بهذا الامر، لكن كيف يعدل من يبغض علياً؟.
    4- اما عبارة (يوشك رجل شبعان على اريكته) فقد رواها عن المقدام ابن ابي عوف والحسن بن جابر لكن الحسن مجهول والراوي عنه معاوية بن صالح ضعّفه عدد من الائمة.
    5- وعبدالرحمن ايضاً مجهول والرواة عنه متكلم فيهم او مجاهيل.
    6- اصل الحديث جاء في سياق ذكر تحريم لحوم الحمر الاهلية وكل ذي ناب من السباع وقد اتفق الشيخان على رواية تحريم الحمر الاهلية وكل ذي ناب ومع ذلك، فان احداً منهم لم يذكر فيه هذه العبارات (اوتيت القرآن ومثله) او (يوشك رجل شبعان ..).. فهي زيادة شذ بها هؤلاء الضعفاء والمجاهيل.
    7- لو نظرنا في قوله (اوتيت القرآن ومثله او ما يعدله) فهل يجوز ان يقال هذا شرعاً.
    هل يمكن لشيء ان يعدل القرآن او يماثله سواء من حيث الاعجاز او النظم او البلاغة والبيان او الاسرار او قوة الثبوت وقطعيته او العظمة والخلود..
    فلو قال قائل: يقصد رسول الله ان طاعة رسول الله كطاعة الله، قلنا هذا لا خلاف فيه، لكن هل نقلت لنا سنة رسول الله كما نقل القرآن اما انها كما ذكرت في البداية منع رسول الله كتابتها ونقلت احادية على الأعم.. ثم هل الرواة هؤلاء الذين رووا هذه العبارات يحتج بهم؟.
    فكيف وقد شذوا بزيادة ليست مروية في الصحيحين مع كون الصحيحين اخرجا اصل الحديث وهو تحريم لحوم الحمر الاهلية وكل ذي ناب من السباع.
    واما حديث "لا الفين احدكم متكئاً على اريكته يأتيه امر مما امرت به او نهيت عنه فيقول: لا ادري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (اخرجه احمد 6/8 والترمذي 2663) فهو من الاحاديث المعلولة بالارسال ينظر سنن الترمذي.
    هل في الصحيحين ما تعارض ظاهره مع القرآن.
    لا شك ان هذا السؤال خطير وكبير والاجابة عنه لا بد ان تكون في غاية الدقة والحذر ومن ثم فلا بد من مقدمات بين يدي ذلك:.
    1- الذي نقطع به ونعتقده ويجب الايمان به ان أي حديث ثبت عن رسول الله ثبوتاً قطعياً لا يمكن ان يتعارض مع القرآن ابتداء لان كلاً من القرآن والسنة وحي وحق.
    2- ان أي يتعارض يظهر لنا بين الحديث والقرآن انما هو لأحد امرين:
    أ‌- اما ان الحديث لا يثبت او دخله وهم او تحريف خطأ او عمداً. واحياناً كلمة او حرف تغير المعنى.
    ب - او ان هذا التعارض متوهم وليس حقيقياً وانما هو تعارض نشأ في ذهن الدارس والباحث.
    3- وستجد من خلال النماذج التي سأقدمها ان من الاحاديث ما عارض ظاهره القرآن ولكن ربما كان للعلماء محاولات للتوفيق قبل الرد.
    4- ان الغاية من هذا السؤال (هل في الصحيحين ما يعارض القرآن؟) ان نشير الى مبدأ امكانية خضوع بعض احاديث الصحيحين للنقاش، والبحث عند العلماء، لأسباب علمية وشرعية وجيهة, وان هذا لا يطعن لا في الصحيحين ولا في العالم ما دام ذلك مبنياً على اسس علمية نقدية سليمة.
    كما في ذلك اشارة الى مبدأ ظنية ثبوت السنة بمعنى احتمال وقوع الخطأ في بعض روايات الثقات فضلاً عن ضعفائهم.
    5- وسأحاول في عرض هذه النماذج المتكلَّم فيها ان اكون حيادياً اعرض الرأي وما يقابله ليرى الدارس بنفسه وجهات نظر اهل العلم وفيما يلي نماذج:.
    الحديث الاول:.
    اخرج البخاري (1292) ومسلم (927) عن عمر ان رسول الله قال: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" وفي رواية "ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه". وفي رواية "ان الميت ليعذب ببكاء الحي" (خ 1290) وفي رواية "من يُبكى عليه يعذب" م (927/20) ونحوه عن عبدالله بن عمر ( خ 1286 ومسلم 928) ونحوه عن المغيرة بن شعبة (م 933 وخ1291).
    كما روي الحديث عن ابي هريرة وأبي موسى الأشعري ينظر سنن الترمذي بتحقيق د. بشار عواد رقم (1002 – 1004).
    نقد الحديث:.
    لم تقبل السيدة عائشة نسبة هذا الحديث الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنجدها تقول: لا والله ما قال رسول الله قط "ان الميت يعذب ببكاء أحد" ولكنه قال: ان الكافر يزيده الله ببكاء اهله عذاباً وان الله لهو اضحك وابكى "ولا تزر وازرة وزر اخرى" ثم قالت: انكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ" م (927) وايدها ابن عباس بقوله عند ذلك "والله اضحك وابكى".
    وفي رواية اخرى "ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء اهله عليه، فقالت رحم الله ابا عبدالرحمن سمع شيئاً فلم يحفظه، انما مرت على رسول جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: انتم تبكون وانه ليعذب (م 931), وفي رواية "لانه ليعذب بخطيئته او بذنبه وان اهله ليبكون عليه" خ 3978 وم 932.
    واخرج البخاري (1288) ومسلم (929) قال ابن عباس فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة (أي قوله عن رسول الله ان الميت يعذب ببعض بكاء اهله عليه) فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله ان الله ليعذب المؤمن ببكاء اهله عليه, ولكن رسول الله قال: ان الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء اهله عليه، وقالت حسبكم القرآن "ولا تزر وازرة وزر اخرى" قال ابن عباس عند ذلك والله "هو اضحك وابكى".
    قال ابن ابي مليكة الراوي عن ابن عباس: والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئاً" أ.هـ.
    وهنا احب ان انوه انه حتى لو كان كافراً فانه لا تزر وازرة وزر اخرى, لذا فالراوية الاصح عن عائشة قولها مرت جنازة يهودي (مسلم 931).
    وفي رواية البخاري مر على يهودية يبكي عليها اهلها فقال انهم ليبكون عليها وانها لتعذب في قبرها (خ 1289) وكذا رواية البخاري رقم (3978) السابق ذكرها وفي كل ذلك بيان انها تعذب لذاتها.. ولعملها.. وانهم ليبكون ولا علاقة بين هذا وذاك.
    وبعد: فماذا نلاحظ:".
    1- حديث الميت يعذب.. يرويه عمر وابن عمر وغيرهم.
    2- اتفق الشيخان على تصحيحه.
    3- لم تقبل السيدة عائشة الحديث.
    4- ان ابن عباس ايدها في نقد الحديث.
    5- ان ابن عمر سكت عندما سمع النقد.
    6- ان نقد السيدة عائشة توجه للنص والمتن من خلال عرضه على القرآن والسنة معاً.
    7- ان في الحديث بيان امكان خطأ الصحابة واوثق الرواة.
    8- كما فيه بيان عرض السنة على القرآن والسنة الصحيحة المشهورة.
    9- ان ما خالف القرآن يرد..
    10 - ان البخاري ومسلم استشعرا مخالفة الحديث للقرآن فحاولا تأويله وهذا يؤكد وجود الاشكال. ولذا فان صاحبا الصحيحين خرّجا الحديث تارة مع اعتراض عائشة وتارة من غير اعتراض بل ان البخاري قصد الى تثبيت صحة حديث ابن عمر "ان الميت ليعذب ببكاء اهله" فعنون للباب رقم 33 باب قول النبي "يعذب الميت ببعض بكاء اهله عليه" ثم قال: اذا كان النوح من سنته لقول الله تعالى "قوا انفسكم واهليكم ناراً" وقال النبي "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فان لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة " لا تزر وازرة وزر اخرى.. وهو كقوله تعالى "وان تدع مثقلة الى حملها لا يحمل منه شيء" انتهى من البخاري كتاب الجنائز.
    فأنت ترى ان البخاري يصر على صحة الحديث ولكن ذهب الى التأويل والتوفيق بأن الميت يعذب اذا كان ذلك من سنته، مع ان الحديث في لفظه مطلق ومع ان رد السيدة عائشة كان عاماً ومن وجهين:.
    الاول: ان الحديث مخالف للقرآن, واكد ابن حجر ان عائشة انما ردت الحديث لما رأت انه مخالف للقرآن (فتح 3/197 الجنائز).
    الثاني: انها اكدت خطأ الصحابة فيما نسبوا الى رسول الله, وانها سمعت خلاف ذلك.
    ويبقى موقف البخاري مجرد تأويل ومحاولة توفيق ولكل وجهه, ومما يؤكد الاشكال في الحديث كثرة التأويلات التي اوردها العلماء على الحديث (فتح 3/196-199).
    وهنا اتساءل لو جاء عالم الآن ليقول ان حديثاً تعارض مع القرآن في نظري فلا اسلم به، ماذا سيقول بعض الناس فيه؟.
    وبناء على نقد السيدة عائشة هذا الا يمكن ان يكون في الصحيحين ما ينقد او يختلف فيه على الاقل.
    وثالثاً: لو كان ما ينقله الصحابة عن رسول الله – مع صدقهم وعدالتهم – قطعياً كيف سمحت السيدة عائشة لنفسها ان تنقدهم وتخطأهم جميعاً اذ لو كان عندها قطعياً للجأت الى التأويل والجمع وليس الى رد الحديث وباصرار.
    وسنقف مع احاديث اخرى ان شاء الله في هذا الصدد..
    هل في الصحيحين ما يعارض ظاهره القرآن
    2- حديث الشؤم في ثلاثة:.
    بدأت بذكر نماذج من الاحاديث التي في الصحيحين مما يعارض ظاهرها القرآن.
    واكدت فيما سبق ان أي تعارض بين حديث وآية ليس حقيقياً، فاما ان يكون الحديث غير صحيح النسبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) او هو تعارض في ذهن الدارس وناشئ عن عدم الفهم وفيما يلي حديث آخر في الصحيحين يتعارض ظاهره مع القرآن:.
    الحديث الثاني:.
    اخرج البخاري (2858) ومسلم (2225) عن ابن عمر مرفوعاً لرسول الله: "انما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار". ونحوه عن سهل بن سعد.
    واخرج البخاري (5753) ومسلم (2225) عن ابن عمر عن رسول الله "لا عدوى ولا طيرة, وانما الشؤم في ثلاثة: المرأة والدار والدابة" وروي نحوه عن ابي هريرة (مسند احمد 6/150 و240) وللحديث الفاظ اخرى, وينظر سنن الترمذي بتحقيق د. بشار (2824).

    نقد الحديث:.
    هذا الحديث مما اتفق عليه الشيخان لكن هل يصح متناً، الا يعارض ظاهره القرآن وكان اول من اعترض على صحة نسبة هذا الكلام الى رسول الله السيدة عائشة.
    فقد اخرج الامام احمد (24894) ان رجلين دخلا على عائشة فقالا ان ابا هريرة يحدث ان نبي الله (صلى الله عليه وسلم) كان يقول: "انما الطيرة في المرأة والدابة والدار" قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة في الارض (أي غضبت غضباً شديداً) فقالت والذي انزل القرآن على ابي القاسم ما هكذا كان يقول ولكن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "كان اهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة" ثم قرأت عائشة "ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها" والحديث صحيح عن عائشة ينظر مسند الامام احمد رقم (24013) و(24841) وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة وشكل الآثار للطحاوي (665) والمستدرك للحاكم رقم (3747) والسلسلة الصحيحة للألباني (993). وجاء في مسند الطيالسي (1630) عن محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة ان ابا هريرة قال: قال رسول الله "الشؤم في ثلاثة" فقالت: لم يحفظ، انه دخل وهو يقول: "قاتل الله اليهود، يقولون الشؤم في ثلاثة فسمع آخر الحديث ولم يسمع اوله".
    وأُعل هذا الحديث بأن مكحول لم يسمع، من عائشة اقول: لكن الطريق السابق صحيح، ومع هذا فان ابن حجر وتبعاً لغيره من اهل العلم لم يرتضِ انكار السيدة عائشة وقال: "ولا معنى لانكار ذلك على ابي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك" فتح 6/76.
    اراد ابن حجر ان يقول: ما دام ابو هريرة لم ينفرد بالحديث فهو صحيح, لكنه لم يلتفت الى سر انكار السيدة عائشة للحديث وان انكارها كونه مخالفاً للقرآن العظيم.. مما يعني انه مهما روى هذا الحديث عدد من الصحابة سيبقى الاشكال قائماً.
    اذ لنا ان نتساءل الا يتعارض هذا النص مع النصوص القطعية التي تبين ان لا فعل ولا تأثير في الكون كله الا لله سبحانه وان النفع والضر بيده سبحانه، "الا له الخلق والأمر"، "قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا"، "ان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو" ولقد بين سبحانه ان عقيدة التطير انما كانت عند من اشرك ولم يؤمن، "قالوا انا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم، قالوا طائركم معكم" (سورة ياسين 18-19), وقال تعالى: "وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، الا انما طائرهم عند الله، ولكن اكثرهم لا يعلمون" (الاعراف 171)، والله تعالى يقول: "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون".
    الا يتصادم مع قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة) خ (5756) وم(2220) الا يتصادم مع حديث ابن عباس .. (واعلم ان الامة لو اجتمعت على ان يضروك لم يضروك الا بشيء قد كتبه الله عليك)
    الم يأت الاسلام ليحرر العقول من الخرافات والاوهام والاعتقادات الفاسدة ومنها الاعتقادات التي ترى ان لشيء في هذا الكون تأثيراً ذاتياً دون الله.
    لقد استشعر كل شراح الحديث مصادمة هذا الحديث لحقائق القرآن وحقائق التوكل على الله.. فتراهم اذا اصروا على القول بصحته كيف وقد اخرجه الشيخان – يجتهدون في تأويل الحديث، فتجدهم يقولون شؤم المرأة: سوء خلقها وسوء طباعها ونقول: اذن اذا كان الرجل سيء الخلق فكذلك هو شؤم، فما معنى تخصيص ذلك بالمرأة ويقولون شؤم المرأة ان لا تلد وتقول اذا كان الرجل عقيماً فهل نقول هو شؤم..
    وتجد من يحتج لصحة الحديث (الشؤم في المرأة) بقوله تعالى: "ان من ازواجكم واولادكم عدواً لكم" كما فعل البخاري في كتاب النكاح ونقول هذا ابلغ رد، فلماذا حصرتم الامر بالمرأة مع ان المعنى مختلف تماماً.
    وقال ابن قتيبة محاولاً تفسير النص "ووجهه ان اهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم واعلمهم ان لا طيرة، فلما ابوا ان ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الاشياء الثلاثة" فتح 6/76.
    اقول: مفاد كلامه ان النبي اقر القوم على بعض ما لا يجوز، فهل يعقل هذا شرعاً.
    وقال القرطبي: "ولا يظن به انه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على ان ذلك يضر وينفع بذاته فان ذلك خطأ، وانما عنى ان هذه الاشياء هي اكثر ما يتطير به الناس, فمن وقع في نفسه شيء ابيح له ان يتركه ويستبدل به غيره" فتح 6/76.
    اقول: وبناء على هذا فيجوز للمرأة ان تتشاءم من الرجل او الزوج فلماذا التخصيص بالمرأة، واذا كان الاسلام اقر الناس على اكثر ما يقع التطير به, واباح لهم ترك الشيء حسب زعمهم، فهل جاء الاسلام ليعالج فقط ما كان سهل المعالجة ام من باب اولى ان يعالج ما كان اشد انتشاراً والخلاصة:.
    1- اننا امام حديث يعلم شراح الحديث انه لا يتفق مع حقائق القرآن والشرع، اذ ان المرأة اما أمُّاً، او بنتاً او اختاً او زوجة، ولا يمكن التشاؤم من الأم ولا البنت ولا الاخت، اذ اين سيذهب بهم فما بقي الا الزوجة او من ستكون زوجة، وهذا مراد حديث الشؤم من المرأة حسب الظاهر, فاذا كانت المرأة زوجاً اليس هذا مما يتصادم مع قوله تعالى: "هن لباس لكم وانتم لباس لهن" ومع قوله تعالى: "هو الذي خلق لكم من انفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها".
    واذا كان المقصود المرأة مطلقاً الا يتصادم هذا مع قوله تعالى: "يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى..." وقوله: "اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة..." وقوله "ولقد كرمنا بني آدم".
    والاسلام هو الذي جاء ليعيد للمرأة مكانتها ويصحح كل التصورات الخاطئة والسلوكيات المنحرفة تجاهها، فكيف يقر التشاؤم منها, فلما كان الامر كذلك نجد الشراح حاروا في تأويله – ولم يقنعوا برد السيدة عائشة له حتى نقل بعضهم انه ربما اتفق قدر مع ما يكره من سكنى الدار فتصير في ذلك كالسبب (فتح 6/76) واقول: أليس كل شيء يحدث في الوجود هو قدر الله – فلماذا التخصيص بهذه الثلاثة؟.
    2- ان السيدة عائشة ردته رداً صريحاً لما ترى فيه من مخالفة للقرآن ومن ثم، فان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن ان يكون نطق به هكذا.
    3- ان هذا المنهج ثابت لدى السيدة عائشة – اعني منهج عرض النصوص مع القرآن.
    4- ان الرواة الثقات بل الصحابة يمكن ان يهموا او يخطئوا من غير قصد، فلا بد من نقد الحديث سنداً ومتناً.
    5- وحتى لو سلمنا بصحة الحديث بناء على بعض التأويلات فيبقى ان في الصحيحين ما قد ناقشه اهل العلم.
    هل في الصحيحين ما يعارض ظاهره القرآن؟.
    الحديث الثالث:.
    جاء في الصحيحين وغيرهما حديث "أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله، فمن قال لا اله الا الله فقد عصم مني ماله ونفسه الا بحقها وحسابه على الله".
    وللحديث روايات عدة والفاظ متقاربة من طرق عن عمر وابي هريرة وابن عمر وجابر بن عبدالله وانس بن مالك واوس بن ابي اوس ومعاذ بن جبل.
    ينظر تخريجه (المسند الجامع 19190 و3/402 و13/487 و16/459).
    فالحديث صحيح من حيث الصناعة الاسنادية على انه من الممكن ان لا يكون جميع هؤلاء الصحابة سمعوه مباشرة من رسول الله اذ معظم الروايات لا تصرح بسماع الصحابي فيعد مرسل صحابي.
    اشكال الحديث:.
    الا ان الاشكال الاهم في الحديث انه يوهم مقاتلة الناس، بل وجوب قتالهم، حتى يقولوا لا اله الا الله، أي حتى يدخلوا في الاسلام وهذا يقتضي دخولهم في الاسلام تحت تهديد السلاح مما يعني اكراههم على ذلك.
    وهذا مخالف لآيات كثيرة في كتاب الله، نحوه قوله تعالى "لا اكراه في الدين" و"فأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" و"ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن" ثم كلمة الناس في قوله "امرت ان اقاتل الناس" تشمل كل الناس حسب الظاهر ومن هؤلاء الناس اهل الكتاب بينما القرآن يقول: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
    فالمطلوب هو الخضوع لسلطان الدولة ورمزها الجزية اما الدخول في الدين فهو امر اختياري في الدنيا وحسابه أخروي.
    ولقد اقر ابن حجر في الفتح (1/105) ان ظاهر الحديث يقتضي قتال كل من امتنع عن التوحيد لكنه استشكل اننا لا نقاتل مؤدي الجزية ولا المعاهد فقال: "مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد".
    لكن الذي يؤسف له حسب ظاهر كلام ابن حجر انه سلّم بصحة مبدأ قتال كل من امتنع عن التوحيد (وهنا الخطورة) واخذ يناقش لماذا تُرك قتال اهل الجزية والمعاهدين أي لم يجد الحديث مناقضاً لأحكام القرآن الا في موضوع اهل الكتاب والمعاهدين مع ان قتال من امتنع عن التوحيد وحسب ايضاً لا يصح.
    ومع ذلك اورد عدداً من الاجابات كلها غير مقنعة ولا قوية ولضعف تلك الاجابات اخذ يذكرها كاحتمالات لفهم الحديث..
    ومن ها هنا اننا امام حديث ظاهره معارض لما ذكرنا من الآيات ما العمل؟ هل نرده وقد جاء من طرق عدة.. لأن حقائق القرآن اولى بالثبوت؟
    لقد قلبت النظر طويلاً في هذا الحديث فترجح لدي ان الحديث روي بالمعنى مقطوعاً عن سياقه وسبب وروده والحال التي قيل فيها فأوهم معنى مخالفاً تماماً، وفيما يلي بيان ذلك:.
    1- جاء في بعض روايات الحديث (مسلم 32 والترمذي 3264) عن جابر ان النبي بعد قوله "أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله.." قرأ قوله تعالى: "انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر".
    وادنى تأمل في الآية يفيدنا انها مخالفة لظاهر الحديث فهل يعقل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلاماً ثم يستشهد عليه بآية تناقضه، حاشاه صلى الله عليه وسلم، اذن لا بد انه صلى الله عليه وسلم قال كلاماً موافقاً للآية تماماً.
    لكن الرواة رووه بالمعنى وقطعوه عن سياقه وسببه فأعطى معنى مغايراً.
    2- من روايات الحديث رواية حميد الطويل عن انس وتدل رواية هذا الحديث انه جاء جواباً على سؤال، اذ سأل ميمون بن سياه (احد التابعين) انس بن مالك ما يحرم دم العبد وماله، فقال من شهد ان لا اله الا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا واكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم (البخاري 392 والنسائي 7/76) وينظر المسند الجامع 1/190 لكنه جاء في معظم المصادر حديث انس بلفظ امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله.. مقطوعاً عن السؤال فاختلف المعنى..
    3- اخرج الامام احمد (4/84) والدرامي (1450) وابو داود (1393) والنسائي (7/80) وغيرهم بسند صحيح عن النعمان بن سالم قال: سمعت اوس (بن ابي اوس) يقول: اتيت رسول الله في وفد ثقيف.. فجاء رجل فسارّه (اسرّ اليه بكلام) فقال اذهب فاقتله (ثم دعاه) فقال: اليس يشهد ان لا اله الا الله قال بلى ولكنه قالها تعوذاً قال: ردّه (أي منعه من قتله) وفي رواية "فخلوا سبيله" ثم قال: انما امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوا لا اله الا الله حرمت عليّ دماؤهم واموالهم الا بحقها...".
    ان السياق الطبيعي لهذا الحديث "أُمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله".. انه جاء في سياق عرض حال قوم قد اعلنوا الشهادتين, بعد ان كانوا مقاتلين فاراد احدهم ان يستبيح دمهم فكان الجواب لا.
    فُقطع الحديث عن سياقه وسبب وروده وقصته فأورد معنى مغايراً.
    4- ويؤيد هذا حديث اسامة بن زيد (ينظر صحيح مسلم 96) قال: بعثنا رسول الله في سرية الى الحُرقة من جهينة .. فهزمناهم ولحقت انا ورجل من الانصار رجلاً منهم, فلما غشيناه قال: لا اله الا الله، فكف عنه الانصاري, وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ ذلك النبي فقال: يا اسامة اقتلته بعدما قال لا اله الا الله.. قلت يا رسول الله: انما كان متعوذاً فما زال يكررها.
    فهذا كله يفيد ان قوله "حتى يقولوا" انما هي لبيان وجوب انهاء القتال فوراً ومنع استمراره، اذا دخل المقاتل المحارب في الاسلام بمعنى "أمرت ان لا اقاتل الناس اذا شهدوا.. لكن الرواة قطعوه عن سياقه وقصته.
    5- ويؤيد هذا ان السياق الذي استشهد به عمر وهي اشهر روايات الحديث في البخاري ومسلم (المسند 13/487) فيه قول عمر لأبي بكر "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله قال ابو بكر والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة..".
    فواضح من الحديث ان عمر استشهد بقول النبي "أمرت ان اقاتل...." لمنع القتال اذ هم قوم يشهدون ان لا اله الا الله.
    وان مقاتلة ابي بكر انما كانت لانهم تمرودوا على الدولة وخرجوا بالسلاح على القانون ومنعوا حقاً عاماً.
    ثم ان المرتدين كانوا انواعاً فمنهم من كفر مطلقاً لكن قتالهم كان لانهم خرجوا بالسلاح وتمنعوا به كما سنبين.
    ومن هنا نلحظ اثر عدم الدقة في الرواية واثر قطعها عن سياقها ونجد علماءنا يركزون ان احاديث الاحاد ظنية الثبوت لما يمكن ان يقع في روايتها من احتمال الخطأ او الايهام وللحديث تتمة ان شاء الله..
    هل خانت حواء زوجها؟.
    الحديث الرابع:.
    نواصل ذكر نماذج مما في الصحيحين مما يعارض ظاهرة القرآن.
    وقد أكدت مراراً ان الطعن بأحاديث لا يعني الطعن بالصحيحين مطلقا ولا الطعن بالسنة، ابدا، ولكن لا بد من البحث والتحري والتحرير لما يُنسب لرسولنا صلى الله عليه وسلم ومن ثم لديننا.
    وأكدت ان أي تعارض بين حديث وآية إما انه تعارض في أذهاننا وحسب علمنا او انه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ومن هذه النماذج التي تؤكد ضرورة التحري والبحث في بعض أحاديث الصحيحين لمعارضتها لظاهر كتاب الله حديث ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لولا بنو اسرائيل لم يَخنْزَ اللحم (او قال الطعام) ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر".
    تخريج الحديث.
    الحديث مروي من طرق عن ابي هريرة ينظر البخاري (3330) و(3399) ومسلم (1470) واحمد (2/249) و (304) وابن حيان (4169) والحاكم (4/175) كما ينظر للمزيد المسند الجامع (13557 و13558 و13559).
    نظرة في معنى الحديث.
    قوله لم يخنز اللحم:.
    قال اهل العلم: خَنِزَ اللحم اذا انتن وتغير ريحه.
    قالوا: ومعناه ان بني اسرائيل لما أنزل الله عليهم المنّ والسلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وانتن واستمر من ذلك الوقت.
    وقال بعضهم: لولا ان بني اسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى انتن لما ادخر لم ينتن او ينظر. شرح النووي 10/95 وفتح الباري 6/368.
    ومفهوم كلامهم ان الأصل في اللحم والطعام عدم فساده اذا ادخر لكن بدأ فساده بسبب مخالفة بني اسرائيل.
    قوله "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها".
    قال ابن حجر: فيه اشارة الى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك.
    فمعنى خيانتها انها قبلت ما زين لها ابليس حتى زينته لآدم ولما كانت هي ام بنات آدم أشبهنها ونزع العرق فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها. فتح اليساري 6/368.
    وإنما نقلت هذا الشرح لنرَ أي صورة سلبية من الفهم جراء هذه النصوص وانه وعلى فرض صحته فلن يكون هذا الفهم سليماً.
    نقد الحديث:.
    اما سنداً فان الحديث صح من طرق الى ابي هريرة ولا يخلو بعضها من نقد وعلل لكنها بمجموعها تصح من حيث الصناعة والاسنادية.
    اما متناً:.
    فالحديث يصادم ويخالف حقائق القرآن من وجوه:.
    ا- قضية خيانة حواء:.
    ان التوراة المحرفة هي التي تقرر ان سبب وقوع آدم في المعصية: حواء، ولقد جاء النص هنا موافقا للتوراة مع ما يتضمن النص المنسوب لرسول الله من 1- تحميل حواء المسؤولة. 2- انها هي سبب الغواية. 3- توريث الخطيئة لذريتها.
    وكل هذا مخالف للقرآن وموافق للتوراة. فالقرآن نجده إما يحمل آدم المسؤولية ابتداء او يحملهما معا.
    ونجد القرآن يبين ان سبب الغواية هو ابليس وان الوسوسة توجهت الى آدم وزوجه سواء بسواء كما يبين القرآن ان التوبة حدثت وتمت وانتهى الامر.
    قال تعالى "وعصى آدم ربه فغوى" طه121.
    وقال تعالى :يا آدم ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" ط117.
    وقال تعالى "فأزلهما الشيطان" البقرة36.
    وقال "فوسوس لهما الشيطان" الأعراف .20
    وقال "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه".
    وقال :ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" طه122.
    وقال : كل امرئ بما كسب رهين"
    وقال " كل نفس بما كسبت رهينة".
    وقال :ولا تزر وازرة وزر اخرى".
    هذا اضافة الى الآيات الكثيرة التي تتحدث عن مكانة المرأة وسمو العلاقة الزوجية.
    وبعد: فان كل حقائق القرآن تأبى ان تحمل حواء مسؤولية الغواية او الخيانة او انها هي سبب الغواية او ان ذلك مورث لبناتها.
    ولنا ان نتساءل لماذا لم يورث آدم الخيانة الى أبنائه الذكور.
    ولماذا الاناث دون الذكور.
    تلك فكرة التوراة.
    ففي الاصحاح الثالث (1-7) من سفر التكوين:
    وكانت الحية أحيَلَ جميع حيوانات البرية.. فقالت للمرأة أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة... فرأت المرأة ان الشجرة جيدة للأكل.. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها.. فقال آدم للرب: المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت.. ثم ذكر ان اسمها حواء.
    قد يقول قائل وما المانع ان يوافق الحديث التوراة أقول: عندما يكون الكلام باطلا شرعا وعقلا وواقعا ومصادما للقرآن فلا يجوز ان نسأل هذا السؤال.
    2- قضية فساد اللحم.
    وهذا مخالف ايضا لما يعلم علميا من قانون أجرى الله الكون وفقه بان اللحم يفسد اذا تعرض للهواء وغيره من المؤثرات.
    ويخالف النص القرآني ايضا.
    ومما يدل على مخالفة هذا النص للقرآن ان القرآن قصَّ لنا قصة الذي أتى على قرية وهي خاوية على عروشها ولم يبين القرآن متى ولا من ولا ممن ولا يعنينا مطلقا البحث في ذلك, والشاهد انه قال له: "فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنه..." أي ان الله أقام أمامه جملة من الآيات الخارقة للعادة منها حفظ طعامه وشرابه خلاف العادة مع المكث الطويل ومنها كيف أراه خلق الحمار ونشز العظام فلو كان القانون الذي كان سائدا والذي جرت به العادة ان الطعام لا يفسد لما كان في ذكر هذه الآية هنا أي معنى.
    وهكذا أستطيع الجزم بلا تردد – واستغفر الله من أي خطأ – ان هذا من النصوص الاسرائيلية التوراتية وليست من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ابدا.
    وسيبقى السؤال الكبير ذي الحرج الشديد والحساسية المفرطة عند المحدثين كيف تردُ حديثا روي من أربعة طرق على الأقل عن ابي هريرة وبعضها في الصحيحين؟!.
    ومن أين جاء الخلل الى هذا الحديث الذي ثبت انه لا يمكن ان يكون حديثا من كلام رسول الله؟.
    لعلي أستطيع الإجابة عن ذلك فيما بعد.
    هل خلق الله آدم على صورته؟.
    بين يدي المقال:.
    رأى بعضهم ان في هذه المقالات تشكيكاً في السنة وهدماً لأعظم صرحين في السنة (البخاري ومسلم) واتهموا باتهامات شتى.
    وان الانسان ليعجب اذا كان نقد بعض يسير من النصوص التي يظن صحتها هدماً للسنة، فهل السنة بهذا الضعف؟!.
    ولماذا الخوف من مواجهة الحقيقة؟ ولماذا نترك غير المختصين يوجهون سهاماً للسنة ولا نقوم نحن اهل الاختصاص بالنقد العلمي المطلوب؟ ان من اهداف هذه المقالات – هل في الصحيحين ما يعارض ظاهره القرآن؟.
    1- التأكيد على ما سبق وذكره العلماء المحققون ان في الصحيحين ما ينتقد.
    2- انه مع مكانة الصحيحين الكبرى فانه لا عصمة لهما فاذا وجد ما هو محل نقد فليكن ولا يجوز ان يتعلق بها الطاعنون.
    3- وان هذا يؤكد قيمة الصحيحين لقلة الاحاديث التي تنتقد مع كون العلماء يغربلون كل ذلك.
    4- التأكيد على ظنية احاديث الآحاد ومن ثم جواز ان يختلف فيها.
    5- ضرورة ان يسير نقد المتن الى جانب نقد السند.
    6- اننا بذلك ندافع عن القرآن والاسلام والسنة ذاتها وعن رسولنا ان ينسب اليه ما لا يصح شرعاً.
    الحديث الخامس:.
    مع حديث خلق الله آدم على صورته.
    وبين ايدينا حديث آخر في الصحيحين فيه ما يعارض ظاهره القرآن، بل ويوافق التوراة المحرفة وهو مما رواه ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    اللفظ الاول:.
    عن ابي هريرة ان رسول الله قال: "خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال اذهب فسلم على اولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فانها تحيتك، وتحية ذريتك فقال السلام عليكم، فقالوا السلام عليك ورحمة الله, فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن".
    اخرجه البخاري (6227) ومسلم (2841) وابن حبان (6268) وغيرهم.. من طريق عبدالرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن ابي هريرة.
    وهذا الحديث مشكل جداً اذ فيه تشبيه الخالق بخلقه ولما كان ظاهر اسناد الحديث صحيحاً اصر اكثر علماء الحديث على التمسك به ثم اختلفوا في كيفية التعامل معه فمنهم من اوّله ومنهم من قال بل هو على ظاهره وتمسكوا برواية "خلق الله آدم على صورة الرحمن".
    ثم اختلفوا في تأويله:.
    قال ابن حبان راداً على من انكر الحديث (قالوا الهاء ليست) تخلوا من ان تنسب الى الله او الى آدم، فان نسبت الى الله كان ذلك كفراً اذ ليس كمثله شيء وان نسبت الى آدم تعرّى الخبر عن الفائدة لأن كل شيء خلق على صورته لا على صورة غيره.
    ثم اجاب بما محصله ان الهاء عائدة الى آدم وان الله اراد ابانة فضله وانه خلقه على صورته من غير ان يكون تقدمه اجتماع الذكر والانثى والمرور بنطفة وعلقة ومضغة.
    وقال ابن حجر: فائدته دفع لتوهم من يظن انه لما كان في الجنة كان على صفة اخرى.. فتح (11/3). وبعض المعاصرين اوّله بمعنى انه لم يتطور في الخلق.
    والحقيقة ان الاشكال قائم لأننا اذا اعدنا الهاء الى آدم كنا كمن قال: وخلق الله آدم على صورة آدم" وسيبقى لمن انكره حجة واما التأويلات المذكورة فهي محاولات الحديث, ويتأكد الاشكال عندما يتمسك بعضهم بلفظ خلق الله آدم على صورة الرحمن، علماً ان هذا المعنى "خلق الله آدم على صورته" هو نص التوراة المحرفة.
    ففيها "وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا".. وفيها "فخلق الانسان على صورة الله" تكوين ا ص ح 1 / فقرة 27 و28, وفي التوراة: لأن الله على صورته عمل الانسان" تكوين ا ص 2 9/ فقرة 7.
    اللفظ الثاني:
    "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا"
    اخرجه البخاري (3326) من طريق عبدالله بن محمد بن عبدالرزاق عن معربه ولم يذكر (على صورته).
    اللفظ الثالث: وليس في الصحيحين
    عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" "ان الله خلق آدم على صورة الرحمن".
    وقد ضعفه الالباني في السلسلة الضعيفة (1175) (1176).
    أما ابن حجر فقال" قال القرطبي أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه "ان الله خلق آدم على صورة الرحمن".
    ثم نقل عن القرطبي والمازري انكارها ثم قال ابن حجر:
    الزيادة اخرجها ابن ابي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر باسناد رجاله ثقات واخرجها ابن ابي عاصم من طريق ابي يونس عن ابي هريرة بلفظ يرد التأويل الاول _اي يرد ان المقصود على صورة المضروب آدم كما سنبين) ولفظه "من قاتل فليجتنب الوجه فان صورة وجه الانسان على صورة وجه الرحمن" قال ابن حجر: فتعين اجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من اصراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه: ونقل تصحيح ذلك عن اسحاق بن راهويه واحمد بن حنبل (الفتح 5/183).
    وهنا يزداد الاشكال تعقيدا وندرك ماذا وراء هذه اللفظة (خلق الله آدم على صورته" وانه في النهاية موافق لما في التوراة كما نقلت ويتنافى مع قوله تعالى "ليس كمثله شيء" وان فيه تشبيه صريح لله بالانسان وحاشا وكلا.
    اللفظ الرابع
    عن أبي هريرة أن النبي قال: "اذا ضرب احدكم فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته..
    أخرجه احمد ومسلم وابن حيان (ينظر المسند الجامع (17/554) وتمسك بعض من يصحح حديث "ان الله خلق آدم على صورته" بهذا الحديث ويرونه تفسيرا مقبولا للحديث وان المقصود ان الله خلق هذا المضروب على صورة آدم فلا تضرب وجهه لان آدم كذلك صورته... أي إكراما لادم ابينا
    ويرون انه بذلك ينتفي التشبيه بالله ويتعين ان يعود الضمير على آدم.
    اقول: لكن الذي سكت عنه النقاد أن هذا الحديث بهذا اللفظ مضطرب ومعلول:
    ذلك ان الحديث رواه عن ابي هريرة همام بن منبه (أبو سعيد المقبري أبو صالح وابوسلمه وليس فيها ذكر "فان الله خلق آدم على صورته" وانما فقط "اذا قاتل احدكم فليجتنب الوجه.
    ورواه عن ابي هريرة الاعرج ويحيى بن مالك ابو ايوب واضطرب الرواة عنهم فمنهم من زادها ومنهم من لم يذكرها ينظر طرق (السند الجامع 17/554 – 558 ولذا فان البخاري لم يخرج هذه الزيادة في رواية هذا الحديث اما مسلم فقد اخرجها مؤخرة في الباب ومن عادته ان يؤخر ما فيه علة.
    وهكذا نجد ان هذه اللفظة "خلق الله آدم على صورته" تسربت الى مرويات ابي هريرة وهي مما يوافق التوراة وتعلق بها من جعل الانسان على صورة الرحمن وحاشا وكلا... وتتنافى تماما مع قوله تعالى "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
    ذكرت في مقالتي السابقة أن هناك حاجة لمعالجة خلل في بعض العقليات العربية التي لا تتصور حق الاختلاف والاجتهاد وتبادر الى الاتهام حتى وكأنها تطلع على الغيب فتتهم النوايا، ويسرح بها الخيال في افتراض مؤامرة ضد الصحيحين وقد ضربت نماذج من تاريخ علمائنا الذين أوذوا لمجرد أنهم قالوا قولاً يخالف السائد لأؤكد هنا ضرورة الحوار العلمي الجاد الذي يركز على الفكرة والفهم ولطالما كررت أني لا ادعي امتلاك الحقيقة، لا أنا ولا غيري من عموم البشر، إذن هي اجتهادات نشعر بحاجة الى المصارحة والمراجعة فيها وفي هذا الصدد أجد من المناسب أن أؤكد على قضايا منهجية محددة – ومعظمها تكرار لما سبق – لكن أجد كثيرين يتجاهلون ذلك وهم يقرؤون هذه المقالات وهي مضمون حوارات جرت بيني وبين بعض أهل العلم الذين راجعوني في بعض ما أكتب:.
    1- جميل وحق أن نجد من ينتصر للسنة النبوية وللإمامين الجليلين البخاري ومسلم الا انه لا يجوز أن يعيبوا على من يعتقد انه ينتصر لله ولرسوله ولكتاب الله ولسنة رسول الله إذ يسعى إلى تحرير القول في نصوص نُسبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها ما قد يستفاد من إثبات تهمة التحريف أو الإساءة لمقام الأنبياء أو المخالفة لحقائق الشريعة، فنحن أيضاً ننتصر للحق وللقرآن حسب اعتقادنا.
    2- طالما أكدت على أن السنة حُجّة من حيث المبدأ إذا استوفى الحديث شروطه وأن نقد أحاديث بعينها لن يكون مطعناً في السنة ولا في من قام بالنقد وهذا الشيخ ناصر الألباني قد نقد عشرات الأحاديث في صحيح مسلم وشيئاً يسير جداً في صحيح البخاري.
    فقد ضعف الشيخ ناصر رحمه الله، ما رواه مسلم عن طريق أبي الزبير المكي عن جابر بن عبدالله معنعناً (أي بصيغة (عن)) وهي 35 حديثاً لأن أبا الزبير مدلس.
    إضافة إلى نحو خمسة عشر حديثاً أخرى (ينظر تنبيه المسلم إلى تعدي الألباني على صحيح مسلم) للباحث محمود سعيد ممدوح مع اني ها هنا أؤكد اعتراضي على منهج الباحث محمود سعيد في نقد كلام الشيخ ناصر وأسجل اعتراضي على عنوان الكتاب أساساً. لكن الشاهد أن انتقاد الألباني – أصاب أو اخطأ – لبعض ما في الصحيحين لم يجعله محل تهمة أبداً.
    3- ولطاما أكدت على عظمة ومكانة الصحيحين وأنهما أصح كتب السنة على الإطلاق ومع ذلك فلم يمنع ذلك العلماء السابقين من مناقشة الكتابين ولم يقل أحد بعصمتهما وهنا أود أن أشير إلى مزية للشيخين لا توجد في كتب السنة الأخرى وهي أنه إذا جاء الحديث في الصحيحين أو أحدهما فالأصل أنه صحيح إلا ان يقوم ناقد ببيان رأي آخر، فلا يكلف مثلاً الخطيب أو المدرس أن يبين لنا صحة حديث في الصحيحين أو أحدهما، بينما لو جاء حديث في أي كتاب آخر من كتب السنة فلا يجوز لباحث أو مدرس أن يستشهد به إلا أن

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 3:40