hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    بحوث ومقالات الشيخ عبدالمجيد الزنداني

    شاطر

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    بحوث ومقالات الشيخ عبدالمجيد الزنداني

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:45

    بحوث ومقالات الشيخ عبدالمجيد الزنداني

    أخفض منطقة في العالم

    أطوار الجنين ونفخ الروح

    الإعجاز القرآني في وصف السحاب الركامي

    الأمواج الداخلية وظلمات البحر العميقة

    الخوف والمطر

    المعجزة العلمية في القرآن والسنة

    حالة الصدر في الطبقات العليا

    نظرة تاريخية في علم الأجنة
    وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ

    وصف التخلق البشرى.. مرحلة النطفـة

    ولد أم بنت ؟

    وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    أخفض منطقة في العالم

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:47


    أخفض منطقة في العالم

    آية نزلت كانت سببا في إسلام بعض المشركين في شأن الروم والفرس . حدثت معركة بين الروم والفرس فانتصر الفرس على الروم وكان الفرس عباد النار والروم أهل كتاب ففرح المشركون لأنهم أهل أوثان بانتصار أهل الأوثان على أهل الكتاب من النصارى وحزن المسلمون ..

    فأنزل الله قرآنا يواسى به المؤمنين ويرد فرحة الكافرين قال تعالى: ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [ الروم: 1-4] أي في أقل من عشر سنوات . فلما جاء هذا الخبر : قال تعالى : ﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾[الروم 4- 5] نعم يعلمون ظاهرا كما يعلم كروستوفر حكمة لبس الحذاء لكنه لا يدري الحكمة من خلقه هو ؟ فلما نزلت هذه الآيات : ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّه﴾ ثم يعقب بعد ذلك ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَه ﴾ تحدي .. يعني الروم هذه التي انهزمت ستنتصر في أقل من عشر سنين ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون ﴾ هذه واحدة وثانية سيأتي هذا النصر وسيفرح المؤمنون وبعده ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَه ﴾ ما كان سيكون ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يعني يستثير في الكفار كل حمية, كل مقاومة .. فجاء واحد من الكفار لما سمع هذا .. إلى أبي بكر، وقال: انظر ما يقول محمد ... قال: ما يقول؟ قال: يقول: إن الروم تهزم الفرس قال: صدق .. يا أبا بكر ! - بلغ الغيب في أشده .. ثم كسب أبو بكر في النهاية فما مرت سبع سنوات حتى تحقق وعد الله - جل وعلا - وانتصر الروم على الفرس، وفرح المسلمون، وكان ذلك في عام الحديبية ... ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ كانت معجزة للأولين في هذا الأمر الغيبي الذي رأوه بعد سبع سنين من إخبار القرآن به. فقال بعض الكفار الذين أسلموا: محمد عاقل وما هو مجنون, لقد جعل دينه كله، ومستقبله كله، والإسلام كله مرهون بانتصار دولة مهزومة، إنه حدد زمنا قريبا يكون في حياته فلو أنه مرت عشر سنوات، ولم تنتصر الروم راح الإسلام وراح القرآن وراح محمد !! لكن يراهن محمد هذا الرهان لكن يحدد محمد، والذي راهن أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- محمد اللهم -صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله- يقول , ويرمي بثقله كله , ويحدد هذا التحديد، ويجزم هذا الجزم، ولا تمر سبع سنوات إلا وقد تحقق لا يمكن أن يكون هذا من عند بشر ! هذا صنع الذي يحكم البشر فأسلموا ودخلوا في الإسلام.

    قال الزنداني: التقيت مع واحد من أساتذة علوم الجيولوجيا في أمريكا اسمه البروفيسور - بالما - وهو من كبار علماء الجيولوجيا في أمريكا جاء في زيارة، وجاء ومعه نموذج للكرة الأرضية بها تفاصيل الارتفاعات والانخفاضات، وأعماق البحار، وكم طول الارتفاع، وكم عمقه كله مبين في التضاريس بالمتر محسوب ... فلما جلس قلت له: عندنا عبارة في القرآن .. آية في القرآن تقول بأن منطقة بيت المقدس حيث دارت المعركة هي أخفض منطقة في العالم .. في آدنى الأرض .. لأن لفظ أدنى لفظ مشتق يأتي بمعنى أقرب أقول: أدنى إلى من الأخ .. أدنى بمعنى أقرب فأدنى تأتي بمعنيين بمعنى الأقرب ومعنى الأخفض. فقلت له: الله قال في ﴿ أَدْنَى الْأَرْضِ ﴾ المفسرون السابقون أخذوا المعنى الأول من أدنى: فقالوا: أقرب منطقة إلى بلاد العرب منطقة الأغوار في البحر الميت فهي أدنى الأرض بالنسبة لجزيرة العرب , فقالوا: أقرب لكن الآية تشتمل على المعنى الثاني بمعنى الأخفض. وقلت له: هي أخفض وأنا أعلم بأنها أخفض .. لكن أريده هو أن يقول فقال ذلك. لكن لما عرف أنها من القرآن قال: ليست أخفض الأرض. قال : فيه منخفضات موجودة في هولندا , وتحت مستوى البحر ومنخفضات كذا وأخذ يتذكر أخفض المناطق في العالم. قلت له: أنا متأكد مما أقول .. استغرب الرجل، وأنا أقول: أنا متأكد مما أقول .. هذه الكرة الأرضية التي فيها الارتفاعات والانخفاضات أدارها بسرعة فلما أدارها على منطقة بيت المقدس والمنطقة حولها وجد سهما طويلا خارجا من المنطقة ومكتوب بخط واضح أخفض منطقة في العالم ! فلما رآها قال: صحيح ! صحيح ! الأمر كما قلت .. إنها أخفض منطقة في الأرض .. هذا القرآن الكريم نزل بعلم الذي أحاط بكل شيء - سبحانه وتعالى-.



    المصدر " وغدا عصر الإيمان " للشيخ عبد المجيد الزنداني

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الإعجاز القرآني في وصف السحاب الركامي

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:53

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الإعجاز القرآني في وصف السحاب الركامي



    ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾[ النور:43]



    الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني د. محمد أيمن عبد الله

    د. مصطفي محمد إبراهيم د. محمود عمراني حنش

    د. أحمد عبد الله مكي السحب

    أنواع كثيرة، والقليل منها: هو الممطر، وقد صنف العلماء الأرصاد والسحب إلى أنواع متعددة، تعتمد على ارتفاع قاعدتها وسمكها، وطريقة تكوينها. وأحد أنواع هذه السحب: يسمى بالسحب الركامية, وهي الوحيدة التي قد تتطور بإذن الله لتصبح ما يسمى بالركام المزني (المطر). وهو النوع الوحيد الذي قد يصاحبه برد وبرق ورعد، ويتميز هذا النوع بسمك كبير، وقد يصل إلى أكثر من (15كم) ويشبه الجبال(1) كما في ( الشكل رقم:1). وبتطور علم الأرصاد الجوية، واستخدام الأجهزة الحديثة، مثل أجهزة الاستشعار عن بعد، والطائرات والرادارات والأقمار الصناعية، وبمساعدة الحاسبات الإلكترونية استطاع علماء الأرصاد دراسة تفاصيل دقيقة عن مكونات السحب وتطورها، ومازال هناك الكثير أمام هذا الفرع من العلوم لاستكمال دراسته وفهمه، والسحاب الركامي الذي تصف الآية الكريمة تكوينه: هو ضمن ما درسه علماء الأرصاد واهتموا به من حيث: كيف يبدأ؟ كيف يتطور.. الظواهر الجوية المصاحبة له؟ وقد أجاب القرآن الكريم على كل هذه التساؤلات قبل 1400 عام بدقة مذهلة.

    نبذة تاريخية عن علم الأرصاد

    السحاب والمطر:

    تطورت الأرصاد الجوية إلى علم في القرن التاسع عشر بينما يرجع تاريخ اعتبارها فرعاً من فروع المعرفة إلى العصور الأولى لحضارات الإنسان، ويمكن تقسيم تاريخ الأرصاد الجوية كما ذكر (فريز نجر) إلى ثلاث فترات أساسية على النحو الآتي:

    الفترة الأولى: (من سنة وفيها 600ق.م - 1600م) وهي ما تسمى بفترة التخمين فيها كانت أفكار الفيلسوف الاغريقى أرسطو علم الأرصاد هي السائدة في ذلك الحين.

    الفترة الثانية: (من سنة 1600م - 1800م) وهي الفترة التي يمكن تسميتها " فجر علم الأرصاد الجوية" وأهم ما يميزها: هو بداية اختراع وتطور أجهزة الأرصاد، وقد بدأت قياسات العناصر الجوية في هذه الفترة تأخذ طابع التناسق والاستمرارية، وقد وصفت في هذه الفترة أساسيات الأرصاد الجوية الحديثة التي ظهرت في القرنين السابع عشر،والثامن عشر.

    الفترة الثالثة: بدأت مع بداية القرن التاسع عشر، وفيها أصبحت الأرصاد الجوية علماً من العلوم التطبيقية، ومنذ ذلك الحين شاركت العلوم الأخرى كالرياضيات والفيزياء والكيمياء في دراسة وفهم طبيعة الغلاف الجوى.

    وهكذا ظهرت الأرصاد الجوية وتطورت في الحضارات الأولى العظيمة في أفريقيا (قدماء المصريين ) وأسيا (البابليون) وجنوب وسط أسيا (الهندوس والتتار) وشرق أسيا (هوانج هو ويانجتز) ولكن معظم معلوماتنا ترجع إلى قدماء المصريين والبابلين. ففي مصر (3500ق.م ) أخذت الأرصاد الجوية الطابع الديني فقد اعتقد قدماء المصريين أن الظواهر الجوية المختلفة تخضع للآلهة. بينما ربط البابليون (3000-300 ق. م) بين الظواهر الجوية وعلم الفلك بما عرف في ذلك الحين بالأرصاد الفلكية. وبالرغم من أن أول رصد للظواهر الجوية كان بواسطة اليونان القدماء (600ق.م) إلا إنه لا يوجد دليل يدل على أنهم فهموا عملية تكوين السحب حتى بعد أن ظهر مؤلف (أرسطو) (300ق.م) تحت عنوان (الأرصاد الجوية)، والذي كان يمثل كل ما عرف في ذلك الحين عن الأرصاد الجوية. وفيه يصف الغلاف الجوى بأنه "المنطقة المشتركة للنار والهواء" وأن الشمس هي العامل الرئيسي والأول لتكون السحب لأن عمليتي التبخر والتكاثف هما نتيجة قرب أو بعد الشمس عن الأرض، وهذا يسبب تكون أو تبدد السحب.. وتعتمد نظريته على أنه لا يمكن أن تتكون السحب في علو يزيد عن قمة أكثر الجبال ارتفاعاً، لأن الهواء بعد قمة الجبل تحتوى ناراً نتيجة حركة الشمس الجغرافية. ولا تتكون السحب قريباً من سطح الأرض بسبب الحرارة المنعكسة من الأرض.



    المفاهيم القديمة عن البرد والرعد والبرق:

    شاهد الناس منذ القدم ظواهر البرد والرعد والبرق وبالرغم من اختلاف ردود فعلهم ودوافعهم في التعامل معها، فإنهم أجمعوا على عبادتها وتقديم القرابين بين يديها، إما فرقاً من هالة المشهد الذي تكون هذه الظواهر مسرحاً له، وإما خوفاً مما تحمله أو تنذر به. فحضارة الرافدين وسوريا وحضارة الصين والهند، وكذا حضارة الإغريق، كلها تشهد بذلك.

    ففي حضارة الرافدين والشرق الأوسط على العموم تبين كتب التاريخ وبعض الآثار المنقوشة على الحجر أنهم كانوا يرمزون إلى الرعد بشارات إما على صورة مخاريق برقية أو حزم من الصواعق تقذف بها الآلهة. أما العصر الحثى (الحثيون: شعب فتح آسيا الصغرى وسوريا في الألف الثانية قبل الميلاد) في شمال سوريا فتميز بأن معبود الطقس كان الإله الرئيس ومعبود الكل، رعية وملوكا. أما الحضارة الصينية فتكونت لديها أسطورة أكثر تعقيداً إذ ظهر بها ما يسمى بمجلس وزراء أرباب العواصف الرعدية ومساعديهم من النبلاء فكان يرأس المجلس المكون من خمسة آلهة وإلهة - إلهة الرعد "لى تسو" كما يظنون، أما الربة "تين ميو" إله البرق فكانت تتميز عن الآخرين بحملها مرآتين لتوجيه الشرارات المحرقة، بينما الرعد باعتباره صوتاً فكان من اختصاص النبيل الكونت "لى كونج" قارع الطبول، وهكذا كانوا يتوهمون !!

    واختصت الهند من بين التراث الأسطوري للشعوب بأن ظهر فيها مفهوم ما يسمى "بالضجرا" (الحجر باللغة السانسكريتية) أو الحجر الساقط من السماء. ففي العقد الأخير من الفترة المهيانية أطلق على بوذا اسم "فاجرا ستفا" أي: (الكائن الحامل للصواعق) تجسيداً للحقيقة المطلقة. وهناك صورة أخرى لبوذا تحمل اسم " فاجر ادهارا " أي صاحب الرعد " ويجسدونه بتمثال معبود في جلسة تأملية خاصة، ماسكاً بحجر ( صاعقه ) بيده اليمنى أمام صدره، وبجرس في يده اليسرى على فخذه وهكذا تفشت الأوهام. أما التفكير التأملي في هذه الظواهر باعتبارها ظواهر طبيعيه فكان منشؤه عند الأغريق على الأرجح ما بين القرنين العاشر والتاسع قبل الهجرة حيث لمعت أسماء " أنا جزجوراس " و " امبيدو كليس " و" كليديموس " وغيرهم مناظرين في هذه المسائل. واشتهر من بينهم " أرسطو " بتأليفه لكتاب جامع جمع فيه أقوال علماء زمانه ومن قبلهم، وسماه " علم الأرصاد " وهو المشهور بكتابه الثاني من بين مؤلفاته.

    خلاصة المفاهيم القديمة:

    ويمكن لنا تلخيص المفاهيم والرموز التي كانت سائدة في حضارات البشر قبل البعثة المحمدية فيما يلي:-

    1-الرعد:

    - سوط ( حضارة الرافدين)

    - احزمه صواعق ( حضارة الرافدين)

    - قرع طبول (الصين)

    - حجر ساقط ( الهند ) -ريح ( أرسطو: اليونان)

    - أزيز النار المنطفئة (امبيدوكليس واناجزا جوراس: اليونان)

    - ضرب السحاب) ( كليديموس: اليونان) - جرس ( الهند).

    2- البرق:

    - مخاريق (حضارة الرافدين)

    - مرايا محرقه ( الصين)

    - التهاب الريح ( أرسطو: اليونان)

    -وميض نار ( امبيدوكليس وأناجزا جوراس: اليونان )

    - تلآلؤ الماء ( كليديموس اليونان)

    الحقبة الإسلامية: يقول (ابن خلدون): ( إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، لغلبة الأمية والبداوة عليهم، وإذا ما استشرفوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفس البشرية، في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فأنهم يسألون عنه أهل الكتاب، إلى أن جاء الإسلام فبدؤا يحتاطون لما له تعلق بالأحكام الشرعية فيتحرون فيه الصحة ولا يبالون بغيره ). وانطلاقا من هذا الكلام قمنا باستخراج الأحاديث والآثار والأخبار التي لها تعلق بتفسير ظواهر البرق والرعد، والبرد والصواعق، وخرجنا أحاديثها فتوفر لنا منها ما ينوف على 60 وجها، وما يربو على 166 طريقا، وتعقبناها بالبحث في أسانيدها، حسب القواعد العلمية، وخرجنا بالنتائج التالية:

    1- لم نحصل على حديث صحيح مرفوع إلى رسول الله صلى الله في هذا الشأن.

    2- أكثر الأخبار الواردة في تفسير هذه الظواهر وردت موقوفة على أصحابها.

    3- استطاع أصحاب الحديث بتتبعهم للرجال جرحاً وتعديلاً، وبدراستهم لعلل الروايات أن يمحصوا كل ما نسب خطأ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبقيت الأخبار المستفادة من التوراة والإنجيل أو أقوال الأقدمين موقوفة على أصحابها ممن دخلوا في الإسلام.

    4- وقفنا على حديث واحد (لأبى هريرة) وكعب الأخبار موقوفا عليهما رضي الله عنهما، ولم ينسباه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن البرق هو: اصطفاق البرد " ( تفسير الدر المنثور: الرعد: 13) أي: اضطراب البرد، وقد جاء في لسان العرب ( الريح تصفق الأشجار فتصطفق. أي تضطرب ) وكما في حديث أبى هريرة رضي الله عنه " إذا اصطفق الآفاق بالبياض " أي: اضطرب وانتشر الضوء واصطفاق المزاهر: إذا أجابت بعضها بعضا، واصطفق القوم: تقاربوا ( النهاية في غريب الحديث3/38، ولسان العرب ). وهذا المعنى أقرب ما يكون إلى صريح الآية: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾. الرابطة بين البرق والبرد وإلى ما يعرفه العلم الحديث.

    وسواء أكان الحديث من كلام (كعب) أخذه عن (أبى هريرة) رضي الله عنه أو العكس، فهذا المعنى غير مسبوق مما يؤكد أصله الإسلامي لوروده في الآية الكريمة.

    السحاب الركامي في علم الأرصاد:

    أ- بداية التكوين:

    ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ السحاب الركامي يبدأ بأن تسوق الرياح قطعاً من السحب الصغيرة إلى مناطق تجميع يؤدى سوق قطع السحاب لزيادة كمية بخار الماء في مسارها - وخاصة أول منطقة التجمع - وهذا السوق ضروري لتطور السحب الركامية في مناطق التجمع كما في ( شكل 2 ) ففي هذا الشكل نرى أن المناطق B،C،D تمثل مناطق تجمع ويستدل على ذلك من حركة الرياح التي تبين في الشكل بالأسهم، ويظهر منها تجميع للهواء في هذه المناطق، بينما المنطقة (A) تمثل منطقة تفرق، حيث نجد أن الهواء لا يتجه إليها.





    ب- تطور السحب الركامية:


    1-التجميع: (ثم يؤلف بينه): من المعلوم أن سرعة السحب تكون أبطأ من سرعة الرياح المسيرة لها، وكلما كبر حجم السحابة كانت سرعتها أبطأ، وذلك بسبب تأثير قوى الإعاقة (Drag-Force) كذلك تقل سرعة الرياح عامة كلما اتجهنا إلى مناطق التجمع كما في (شكل 2) وعلى ذلك يؤدى العاملان السابق ذكرهما إلى أن قطع السحب تقترب من بعضها، ثم تتلاحم، وبالتالي نلاحظ تكاثف السحب كلما اقتربنا من مناطق التجميع ( شكل 3) وقد لخص " أنش Anthes" وآخرون العمليات السابقة في ( شكل 4) حيث يظهر الشكل عمليات السوق والتجمع.

    2-الركم: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: إذا التحمت سحابتان أو أكثر فإن تيار الهواء الصاعد داخل السحابة يزداد بصفة عامة، ويؤدى ذلك إلى جلب مزيد من بخار الماء، من أسفل قاعدة السحابة، والذي بدوره يزيد من الطاقة الكامنة للتكثف، والتي تعمل على زيادة سرعة التيار الهوائي الصاعد دافعاً بمكونات السحابة إلى ارتفاعات أعلي، وتكون هذه التيارات أقوى ما يمكن في وسط السحابة، وتقل على الأطراف مما يؤدى إلى ركم هذه المكونات على جانبي السحابة، فتظهر كالنافورة أو البركان الثائر، الذي تتراكم حممه على الجوانب وقد أثبتت الشواهد أن التحام السحب (Cloud - merger) يؤدى إلى زيادة كبيرة في الركم وبالتالي إلى زيادة سمك السحاب وأن تجمعاً من الدرجة الأولى(First - order merger) يؤدى إلى عشرة أضعاف المطر المنتظر وتجميعاً من الدرجة الثانية(Scond- order merger) يؤدى إلى مائة ضعف من كمية الأمطار المتوقعة بدون أي تجميع للسحب.

    وإجمالاً فإن تجميع قطع السحب يؤدى إلى زيادة ركمه، وبالتالي إلى زيادة سمكه التي تدل على قوة هذا السحاب من ناحية أمطاره ورعده وبرقه بل نجد أن السحاب الذي نحن بصدده يسمى سحاباً ركامياً لأن عملية الركم في هذا النوع أساسية وتفرقة عن باقي أنواع السحاب. ومن المعلوم أن عملية سوق السحاب قد تستغرق بضع ساعات، بينما تستغرق عمليتا التجميع والركم أقل من ذلك (حوالي ساعة أو أقل).

    ومن المعلوم أيضاً أن من السحب الركامية ما يسمى بالركامي الساخن (ذو سمك صغير نسبياً) وأقل درجة حرارة داخل هذا السحاب أعلى من درجة التجمد. وهو بذلك السمك الصغير نسبياً أقرب شبهاً بالتلال لا الجبال وحرارته لا تسمح بتكون البرد وهذا النوع تتكون الأمطار فيه من قطرات الماء فقط، وليس به رعد وبرق.

    وهناك سحاب ركامي يصل إلى ارتفاعات شاهقة ويشتمل على قطرات ماء في القاعدة، وخليط من ماء شديد البرودة، وحبات برد في الوسط، أما القمة فتسودها بللورات الثلج، وهذا السحاب هو الذي تكون زخاته من الماء أو البرد أو كليهما ويحدث به برق ورعد وهو السحاب الركامي المزني الذي يكون في شكل الجبال.
    الظواهر الجوية المصاحبة: الهطول (زخات من المطر أو البرد أو كليهما):

    تتحرك السحب الركامية إلى ما شاء الله لها، وعامل الركم والبناء مستمر طالما كانت تيارات الهواء الصاعدة قادرة على حمل مكونات السحاب من قطرات ماء، أو حبات برد وعندما تصبح الرياح الرأسية غير قادرة على حمل هذه المكونات تتوقف عملية الركم وتبدأ مكونات السحاب في الهبوط مباشرة إلى أسفل كمطر من ماء أو برد أو كليهما، وذلك حسب مكونات السحاب وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة أسفل السحاب، ويتكون البرد داخل السحاب بين درجتي حرارة: أقل من الصفر وحتى (40ْ-م).

    وفي هذه المنطقة تكون هناك قطرات من ماء شديد البرودة (أقل من الصفر المئوي) وذلك لعدم كفاية نويات التثلج، وهذه القطرات غير مستقرة بمعنى أنها تتجمد فور اصطدامها بأي جسم آخر، وفي حالة وجود تيار هوائي شديد صاعد داخل السحاب الركامي المزني ونتيجة اختلاف سرعات القطرات شديدة البردة تحدث تصادمات ينتج عنها تحول قطرات الماء شديدة البرودة إلى ثلج، يغطى حبات البرد، فتكبر وتستمر في الكبر حتى يثقل وزنها ولا يستطيع التيار الرأسي حملها فتهبط برداً وقد شوهدت حبات برد يصل حجمها إلى حجم البرتقالة وهذا يعنى: أنه في مثل هذه الحالات التي تكون فيها حبات البرد كبيرة (شكل 5 ب) فإن هذه السحب تحمل في طياتها دماراً عاما، خاصة الزراعة.

    ومن المعلوم كذلك أن نزول المطر من قاعدة السحاب ( شكل6أ) يكون على شكل زخات خلال جزء من قاعدة السحاب ( شكل 6ب) في بداية الهطول حيث يسود في نـهاية حياة السحاب في نهاية الهطول ثم زخات من معظم قاعدة السحاب تيار هابط.
    الرؤية العلمية الحديثة لتكون البرق بواسطة التفريغ الحاصل من اصطفاق البرد:

    أولاً:الظواهر المخبرية:

    أ- ظاهرة (وركمان – رينولدذ): أكتشف (رينولدذ)و(وركمان) أن الماء أثناء تجمده مع محلول ملحى مائى يولد فرق جهد كهربائى خلال السطح الفاصل بين الثلج والسائل وينعدم بانتهاء التجمد واقترحا أن يكون هذا أساساً لتولد الشحن داخل السحب وبالتالي تولد البرق.

    ب- ظاهرة (دينجر- جون) لاحظ (دينجر) و(جون) أن الثلج أثناء ذوبانه تتولد عنه شحنات كهربائية ومكن هذا (دريك) من اكتشاف أنه إذا ما علقت بلورة ثلجية في سلك وأرسل عليها تيار غازي معلوم السرعة والحرارة والرطوبة لإذابتها فإن الغاز عند نهاية مروره على البلورة لا يحمل شحناً إلا إذا بدأت البلورة في الذوبان وهناك دليل ميداني قد اكتشفه (تشالمنز) يؤكد أن التيار الكهربائي الجوى ينساب في اتجاه معاكس بالنسبة للمطر والثلج أثناء سقوطهما.

    جـ- الظاهرة الديناميكية الحرارية للثلج إذا تلامست قطعتان من الثلج تختلفان في درجة الحرارة فإن قوة دافعة كهربائية تتولد بالتأثير الحراري وقد اكتشف (لاتهام ستو) بأن الشحن يمكن أن ينتقل من بلورة إلى أخرى بالتصادم، وكذا إذا انزلقت قطعة ثلجية على أخرى مختلفة عنها في الحرارة. وأن وجود فقاقيع هوائية منحبسة في الثلج يؤثر في إشارة الشحن سلباً وإيجابا
    د- التكهرب الناشئ عن تصادم أو تكسر بللورات الثلج أو تصادم الماء الشديد البرودة مع البرد اكتشف (بيرس وكنييه) أن تسليط تيار هوائي على قطعة ثلج تتطاير منه - أثناء تآكله - قطع وشظايا تحمل شحنات سالبة، بينما يحمل الهواء شحنات موجبة، لاحظ (لاتهام وماسون) بأن هناك تولداً للشحن أثناء تصادم وتجمد قطرات الماء الشديدة البرودة مع سطح ثلجى وأثناء تكون " الضريب" وهو (البرد - الجليد - الثلج - الصقيع )- كما في معاجم اللغة مما سبق يتبين أن الثلج أو البرد يولد شحنات كهربائية أثناء تحوله من حال إلى حال إما بالتصادم أو الملامسة أو الانكسار أي كلما طرأ عليه طارئ غير من شكله، أو حجمه، أو حرارته أو حالته.

    ثانياُ الشواهد الميدانية:

    وجد (Kiehbid) وآخرون بأن مصدر الشحنات السالبة للتفريغات المتتالية من السحاب إلى الأرض يوجد على ارتفاعات محصورة ما بين سطحين متاخمين درجة حرارتهما (-15ْو25ْ) وتتطابق مع منطقة وجود أمطار أو ثلوج بين هذين المستويين ( أنظر شكل رقم 7) ومن هنا يظهر أنه رغم اختلاف أنواع السحب الركامية جغرافيا، أو فصلياً، فإن حيز الحرارة الذي توجد بداخله مراكز الشحن السالبة ثابت لا يختلف. ويقرر (لاتهام) أن هذه المشاهدة متفقة تماماً مع الظواهر المخبرية، وبالتالي فإن باستطاعة البرد أن يولد مجالاً كهربائياً انهيارياً في الفترة الزمنية المطلوبة مع أمطار معتدلة إذا وصل تركيز بلورات الثلج في منطقة الشحن إلى 10 بلورات في اللتر الواحد. وبما أن مركز الشحن يقع في الحيز المحصور ما بين (-15ْو 25ْ) فأنه من الواضح إن عدد نويات التجمد الطبيعية غير كاف لتوليد البلورات الثلجية بالتركيز المطلوب، ولا شك أن هناك عاملاً ثانوياً وإن لم نقف عليه بعد لازدياد عدد البلورات.







    شكل 7: رسم توضيحي يبين مستويات وتوزيع وتفريغ الشحنات الكهربائية من السحاب الركامي في ظروف مناخية مختلفة.

    الخلاصة: وهكذا فإن الظواهر المخبرية والمشاهدات الميدانية قد أقامت الدليل على أن البرد قد يكون سبباً في تولد البرق وهذا ما قرره القرآن الكريم قبل 1400عام.

    الطرح القرآني لعملية تكون السحاب الركامي:

    المعاني اللغوية والتفسيرية: فيما سبق تم إيضاح نشأة وتطور السحاب الركامي وكذا الظواهر الجوية المصاحبة لذلك، والآن نرجع إلى النص القرآني في وصف السحاب الركامي ومن المهم قبل ذلك أن نتعرف على معاني الألفاظ القرآنية لفهم النص كما جاء في معاجم اللغة وكتب التفاسير:

    1- ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾: جاء في معجم مقاييس اللغة مادة (زجى) والريح تزجى السحاب: تسوقه سوقاً رفيقاً وبمثله قال ابن منظور في لسان العرب وقال الجوهري (زجيت الشيء تزجية إذا دفعته برفق) وهذا ما فهمه المفسرون من الآية. فقد قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه يسوق السحب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة وهو الإزجاء:وقال أبو السعود: ( الإزجاء: سوق الشيء برفق وسهولة )، وقال أبو حيان: (ومعنى يزجى يسوق قليلاً ويستعمل في سوق الثقيل برفق ) وقال الشوكانيSadالإزجاء: السوق قليلاً المعنى انه يسوق السحاب سوقاً رفيقاً) وهذا الذي ذكره المفسرون هو نفسه الذي قرره علماء الأرصاد في الخطوة الأولى من تكوين السحاب الركامي كما بينا سابقاً تحت عنوان: كيف يبدأ كون السحاب الركامي.

    2- ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾: يبين علماء اللغة أن التأليف: هو الجمع مع الترتيب والملائمة قال الأصفهاني في غريب القرآن: (والإلف اجتماع مع التئام... والمؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة ورتب ترتيباً قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر فيه ما حقه أن يؤخر) وقال ابن فارس في المقاييسSadالهمزة واللام والفاء أصل واحد يدل على انضمام الشيء إلى الشيء والأشياء الكثيرة أيضاً ) ومن المفسرين قال القرطبيSadأي يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل ويكثف)، وقال الزمخشريSadومعنى تأليف الواحد أنه يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض وجاز "بينه" وهو واحد لأن المعنى بين أجزائه )، وقال ابن الجوزيSadأي يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة والسحاب لفظه لفظ الواحد ومعناه الجمع). وقال الطبريSadوتأليف الله السحاب: جمعه بين متفرقها)، وهذا اللفظ الذي استعمل في كتاب الله للدلالة على المرحلة الثانية في نظام تكوين السحاب الركامي يندرج تحته هذا المعنى العلمي الذي شاهده علماء الأرصاد. ففي هذه المرحلة تتألف السحب المتعددة لتكون سحاباً واحداً وبلغ التأليف بين السحب أن أصبحت كياناً واحداً. ويحدث كذلك تأليف بين أجزاء السحاب الواحد. كما أشار إلى ذلك الزمخشري أخذاً من معنى اللفظ القرآني. ولكي تتم هذه الخطوة: وهي الانتقال من مرحلة الإزجاء لقطع السحب إلى مرحلة التأليف يحتاج الأمر إلى وقت ولذلك نرى أن الحرف الذي استعمل في القرآن للدلالة على هذه العملية هو حرف العطف "ثم" الذي يدل على الترتيب مع التراخى في الزمن (ثم يؤلف بينه).

    3- ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ الركم في اللغة: (يأتي بمعنى إلقاء الشيء بعضه فوق بعض كما قال ابن فارس وقال ابن منظور الركم: جمعك شيئا فوق شيء حتى تجعله ركاماً مركوماً كركام الرمل والسحاب ونحو ذلك من الشيء المرتكم بعضه على بعض)، وقال الأصفهاني: (والركام ما يلقى بعضه على بعض )، وقال الجوهري: ( ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض) ومن المفسرين قال الطبري: ( يعنى متراكماً بعضه على بعض) وقال بن كثير: (أي يركب بعضه بعضاً) وبمثلهما قال القرطبي، والزمخشري، وأبو السعود، وابن الجوزي، والشوكاني، والبيضاوى، والخازن، والنسفي. وهذه المرحلة الثالثة من مراحل تكوين السحاب الركامي المذكور في الآية الكريمة تقابل ما ذكرناه آنفاً تحت عنوان: ركم السحاب. وبيناً فيه أن عامل ركم السحاب الذي يكون بالنمو الرأسي لنفس السحابة، هو العامل الرئيسي في هذه المرحلة، وأن الانتقال إليه من المرحلة السابقة يحتاج كذلك إلى زمن لذلك كان استعمال حرف العطف الدال على الترتيب مع التراخي في الزمن. وهو حرف العطف (ثم).

    4- ﴿ فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ الودق: هو المطر عند جمهور المفسرين كما قال الشوكاني والقرطبي. خلاله: في هذا اللفظ قراءة أخرى، قال ابن الجوزيSadوقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك من خلله). وبين المفسرون معنى "من خلاله" فقالوا: من فتوقه ومخارجه وقال بهذا التفسير الزمخشري وأبو حيان والشوكاني والبيضاوى وأبو السعود والنسفي، وقال القرطبيSadوخلال جمع خلل مثل: جبال وجبل وهي فرجه ومخارج القطر منه)، وقال ابن كثيرSad يخرج من خلاله: أي من خلله كما هي القراءة الثانية. وهذا الذي أشارت إليه الآية الكريمة هو ما قرره علماء الأرصاد من مراحل لنزول المطر في السحاب الركامي. فهذه المرحلة تعقب المرحلة السابقة وهي مرحلة الركم وبعد أن يضعف الرفع في السحاب أو ينعدم وهو الذي كان يسبب الركم ينزل على الفور المطر وبضعف عملية الرفع إلى أعلى أو انعدامها تتكون مناطق ضعيفة في السحاب لا تقوى على حمل قطرات المطر إلى أعلى بسبب ثقلها فتخرج من مناطق الخلل أو الضعف في جسم السحابة.

    5- ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾: قال أبو السعود: (وينزل من السماء) من الغمام فإن كل ما علاك سماء (من جبال فيها) أي: من قطع عظام تشبه الجبال في العظم، كائنة فيها (من برد) مفعول ينزل على أن (من) تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى بإعادة الجار أي ينزل مبتدئاً من السماء من جبال فيها بعض برد وقال من السماء من جبال فيها بعض برد، وقال الشوكاني بمثل ما قال أبو السعود، وقال البيضاوي بمثل ما قال أبو السعود أيضاً، إلا أنه اعتبر (من) الثالثة بيانية فقال: (من برد بيان للجبال والمفعول محذوف أي ينزل مبتدئاً من السماء من جبال فيها من برد برداً ) وقال ابن الجوزيSadوينزل من السماء) مفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها من برد برداً، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه و"من" الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض؛ لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال جنس البرد). وهذا الذي فهمه هؤلاء المفسرون الذين نقلنا أقوالهم في بيان تفسير الآية هو ما كشف عنه العلم فلابد أن يكون السحاب في شكل جبلي يسمح بتكوين الثلج في المناطق العليا منه ويسمح بتكوين الماء الشديد البرودة الذي سيتحول إلى مزرعة للبرد عندما يشاء الله في المنطقة الوسطى من السحابة، وإن البرد يتكون عندما تمكث نواة ثلجية لفترة زمنية كافية، وتحتوى على ماء شديد البرودة (ماء درجة حرارته تحت الصفر حتى درجة -40ْم) وتحت هذه الظروف المواتية فإن البرد ينمو بتعدد اصطدامه مع قطرات الماء الشديد البرودة، والتي تتجمد بمجرد ملامسته فلابد أن يكون في تلك السحابة شيء من برد (فيها من برد) ويكون المعنى والله أعلم، وينزل من السماء برداً من جبال فيها شيء من برد والجبال هي: السحب الركامية التي تشبه الجبال وفيها شيء من برد وهي: تلك البذور الأولى للبرد.

    6- ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء﴾: هذه الفقرة من الآية الكريمة تقرر أن نزول البرد مكاناً وزماناً مرهون بمشيئة الله سبحانه وتعالى ومع معرفتنا بأن الأمر متعلق بمشيئة الله التي لا نعلمها إلا إن الله قد جعل لكل شيء قدراً، فوقت نزول المطر بيده ونزول البرد بيده سبحانه ولكن ذلك كله يجرى وفق سنن محكمة.

    7- ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾: يبين الله تعالى أن للبرد برقاً شديد اللمعان فالضمير في برقه يرجع إلى أقرب مذكور وهو البرد وسنا البرق: شدة بريقه وضوئه يذهب بالأبصار أي خطفه إياها من شدة الإضاءة فنسب البرق إلى البرد في كتاب الله. وقد بينا فيما سبق أن البرد يقوم بتوزيع الشحنات الكهربائية في جسم السحابة أثناء صعوده وهبوطه ثم يقوم بالتوصيل بين الشحنات الكهربائية المختلفة فيحدث تفريغاً هائلاً.

    وهكذا فإنك إذا تأملت في الآية ستراها ترتب مراحل تكوين السحاب الركامي خطوة خطوة مشيرة إلى التدرج الزمني. وتتجلى أوجه الإعجاز المتعددة في هذه الآية الكريمة إذا طرحنا بين أيدينا هذه التساؤلات:من أخبر محمداً بأن أول خطوة في تكوين السحاب الركامي تكون بدفع الهواء للسحاب قليلا قليلاً؟ ﴿ يُزْجِي سَحَابًا﴾!! وهذا أمر لم يعرفه العلماء إلا بعد دراسة حركة الهواء عند كل طور من أطوار نمو السحاب، ومن بين له أن الخطوة الثانية هي التأليف بين قطع السحب﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾، ومن أخبره بهذا الترتيب؟ ، ومن بين له أن ذلك يستغرق فترة زمنية حتى يعبر عنه بلفظ {ثم}، ومن أخبره محمداً أن عامل الركم للسحاب الواحد هو العامل المؤثر بعد عملية التأليف؟، ومن أخبره أن هذا الركم يكون لنفس السحاب، وأن ذلك الانتقال من حالة التأليف يستغرق بعض الوقت: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾؟ هذه المسائل لا يعرفها إلا من درس أجزاء السحاب ورصد حركة تيارات الهواء بداخله فهل كان يملك الرسول الأجهزة والبالونات والطائرات!

    وكذلك من الذي أخبر محمدا بأن عملية الركم (الناتجة عن عملية الرفع) إذا توقفت أعقبها نزول المطر مباشرة ؟، وهو أمر لا يعرف إلا بدراسة ما يجرى داخل السحاب من تيارات وقطرات مائية وهذا لا يقدر عليه إلا من امتلك الأجهزة والقياسات التي يحقق بها ذلك، فهل كان لمحمد مثل هذه القدرة وتلك الأجهزة؟، ومن الذي أخبر محمداً أن في السحاب مناطق خلل وهي التي ينزل منها المطر؟، وهذا أمر لا يعرفه إلا من أحاط علما بدقائق تركيب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ويحركه الهواء داخل السحاب، ومن أخبر محمداً بأن الشكل الجبلي وصف للسحاب الذي ينزل منه البرد؟ فهل أحصى الرسول كل أنواع السحاب حتى تبين له هذا الوصف الذي لابد منه لتكوين البرد؟، ومن أنباه عن نويات البرد التي لابد منها في السحاب الركامي لكي يتكون البرد﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ إن هذا السر لا يعرفه إلا من تمكن من مراقبة مراحل تكوين البرد داخل السحاب، ومن الذي أنباه بأن للبرد برقاً وأن البرد هو السبب في حصوله ؟ وأنه يكون أشد أنواع البرق ضوءا ؟ إن ذلك لا يعرفه إلا من درس الشحنات الكهربائية داخل السحاب واختلاف توزيعها ودور البرد في ذلك. ولشدة خفاء هذا الأمر فقد نسب المفسرون البرق إلى السحاب، وإن كان السحاب يشتمل على البرد في كلام المفسرين، ولم نجد من نسب هذا البرق إلى البرد، مع أنه المعنى الظاهر لقوله تعالى:﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ من أخبر محمداً بكل هذه الأسرار منذ أربعة عشر قرنا ؟ وهو النبي الأمي في الأمة الأمية التي لم يكن يتوفر لديها شيء من الوسائل العلمية الحديثة، لا أحد إلا الله الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً.

    المصدر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القران والسنة

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    أطوار الجنين ونفخ الروح

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:55

    أطوار الجنين ونفخ الروح1/2

    7/3/1423 هـ

    19/05/2002م
    الورقة الأولى: الشيخ عبد المجيد الزنداني
    الورقة الثانية: د.عبد الجواد الصاوي

    الورقة الأولى:-الشيخ عبد المجيد الزنداني

    موضوع نفخ الروح في الجنين الذي يطرحه (موقع الإسلام اليوم) من الموضوعات الدقيقة ذات الأهمية الطبية والشرعية ويسعدني أن أشارك في هذه الندوة بهذه الورقة .

    أولا: قصتي مع علم الأجنة:

    بداية دراستي وأبحاثي لعلم الأجنة كانت معتمدة أولاً على الكتاب والسنة من خلال دراسة آية وحديث، ثم أتسع البحث والدرس حتى قرأت ورجعت إلى حوالي عشرين تفسيراً، وخمسة من شروح الأحاديث، وأخر من كتب اللغة والمعاجم، وقابلت عدداً من علماء الشريعة المعاصرين الأحياء.

    ثم فكرت بمقابلة ما توصلت إليه من حقائق شرعية على أكابر علماء العالم في علم الأجنة، وسمعت عن عالم اسمه(كيث مور)حيث اطلعت على أكثر من 34 فلماً كلها ترجع إلى هذا العالم فسألت عنه فقيل لي: إنه أبو علم الأجنة،ثم قابلته في كندا في الملتقى العلمي السعودي، وسألته عن حولي ثمانين سؤالا فأجابني عنها كلها فقلت له أنا ومن معي: أن كل ما ذكرته من خلال أجابتك هو موجود عندنا في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ثم جعلنا نقرأ عليه ونطلعه على الأحاديث ونناقشه حتى قال: هذا شيء مدهش ثم ذهب وقابلناه مرة ثانية، وسألناه عن أربعين سؤالاً وقبل إجابته قال: سوف ألقي محاضرة الآن أجيب عليها.

    ثم بعد ذلك قدم إلى المملكة العربية السعودية حيث ألقى محاضرة عن مطابقة علم الأجنة للقرآن الكريم والسنة وهناك دهش الحاضرون بما قاله وقرره حيث قال:إن هذا العلم يشهد أنه لابد أن يكون من عند الله، وأن محمداً لابد أن يكون رسول الله.

    وقد طلب مني البروفيسور كيث مور: أن اكتب له بحثاً (نبذة مختصرة) عن الإشارات القرآنية والنبوية حول علم الأجنة، ومقدمة ليضعها في الصفحة التاريخية وهي الآن موجودة في الطبعة الأخيرة ،ثم بعد ذلك طلبنا منه أن ينشر ما توصلنا إلية في مؤتمر عالمي فوافق على ذلك وأضافها إلى الصفحة العلمية -حوالي خمسين صفحة- وهي موجودة الآن ،وقد علمت أنه قد قدم ثلاث لقاءات علمية حول الأعجاز العلمي في القرآن والسنة في علم الأجنة في تلفزيون كندا.

    ثانيا: قصة الجنين في بطن أمة:

    كان الاعتقاد السائد في الجنين أنه يتكون من دم الحيض، وكان لعلماء الإسلام كالغزلي وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله إسهام في الرد على هذا الاعتقاد الخاطئ ،وبعد اكتشاف المجاهر، وتقدم علم الإنسان، وصلوا إلي حقائق علمية موافقة لما في القرآن الكريم والسنة كما يلي:

    قال الله تعالي: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾[القيامة:37] مع العلم بأن الأطباء في العصور الوسطى كانوا يتصورون أن الإنسان بخلق كاملا في الحيوان المنوي ثم يكبر في الرحم وبقى العلماء قرنا كاملا- طوال القرن السابع عشر- ثم تراجعوا، وقالوا: إنه يخلق كاملا في البويضة لأنها أكبر ولا دور للرجل إلا الشبه فقط .وفي منتصف القرن التاسع عشر تبين العلماء أن الإنسان يمر بأطوار معينة.

    ولما قابلنا البروفيسور مارشال جونسون وقلنا له: إنكم اكتشفتم أن الجنين يمر بأطوار في منتصف القرن التاسع عشر، والقرآن أخبرنا بذلك منذ أربعة عشر قرناً، فقام وقال:

    لا.. مستحيل…؟، ولما قرأنا له ما في القرآن جلس وتكلم معنا، وبعد حوار ومناقشة قال: ما بقي إلا أن أقول إن هذا العلم من عند الله.

    ثم يقول الله تعالي: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾[المؤمنون:12]، والسلالة: الخلاصة والمعنى خلاصته من طين، ولها معنى آخر أنها: السمكة الطويلة وهذا يشبه شكل الحيوان المنوي.

    وقد اكتشف عالمان أمريكيان أن المادة الوحيدة التي تقبل الحياة في طور من أطوارها هي الطين، وقد قدم البر فسور مارشال جو نسون بحثا في ذلك في مؤتمر إسلام أباد.

    ثم قال الله تعالي: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾[المؤمنون:13]. القرار المكين: هو الرحم ،والنطفة :هي قطرة داخلها حيوان منوي،والنبي -صلى الله علية وسلم-

    يقول:" يا يهودي ما من كل الماء يكون الولد".

    ثالثاً: أطوار خلق الجنين:

    والجنين في بطن الأم يمر بمراحل مختلفة وهي:

    1ـ النطفة:وهي النطفة الأمشاج الخليط بين الحيوان المنوي وبويضة المرأة، وهذه تمشي إلى جسم الرحم وتلتصق بجداره وتنمو،وفي اليوم الثاني عشر تبدأ بداية صغيرة في بطانة الرحم وتبرز وتبدأ الزيادة في الرحم.

    2ـ العلقة : في اليوم الثاني والعشرين يظهر هذا الطور، و يكون الجنين على شكل العلقة: الدودة الموجودة في الماء وتكون عالقة في جدار الرحم، وهذا الاسم أصدق لها في هذه المرحلة والمفسرون يقولون:"إن العلقة قطعة من الدم الجامد" والعلم أثبت أن عروق الدم وكريات الدم الحمراء تبدأ تتخلق وتكون محبوسة داخل الشعيرات الدموية، وفي اليوم الواحد والعشرين تتجمع هذه الدماء وتبدأ في الحركة حينما يبدأ القلب في خفقانه.

    3ـ المضغة: تظهر في هذا الطور الكتل البدنية على هيئة أثر أسنان، وذلك في أواخر الشهر الأول حينما تبدأ خلايا الظهر بالنمو والزيادة وهذا الاسم (مضغة) مناسب للشكل والحجم حيث يكون طول الجنين 1سم2 ، وداخل المضغة تبدأ الأجهزة الداخلية مثل القلب والرئتين بالظهور حتى يصل الأربعين حيث ترى جميع الأجهزة وقد تخلقت ولكن هل هي في صورة إنسان أم لا؟ الواقع أنه ليس في صورة إنسان حيث أن أجزءاً لم تتخلق في سطحها مع تكون جميع الأجهزة الداخلية.
    وهنا تكون المضغة نصفها مخلق والأخر غير مخلق هذا ما قرره علماء الأجنة وقد وافق ما قرره القرآن الكريم ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾[ الحج:5]، وفي الأسبوع السابع يبدأ الجسم بالبروز حيث تظهر العينان والفم وتتميز الأرجل والجذع و الرقبة وغيرها من الأعضاء، وهذا مصداق ما جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله علية وسلم- قال:" إذا مر بالنطفة اثنتان، وأربعين يوماً جاءها الملك فصورها وخلق سمعها وبصرها…" الحديث.
    ورواية مسلم لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله علية وسلم- قال:" إن أحدكم يجمع خلقة في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقه في ذلك مثل ذلك ثم يكون مضغة في ذلك مثل ذلك." مع العلم بأن قلب الجنين ينبض بعد 22يوماً من التلقيح، وهذا لا يعنى الحياة الإنسانية فإن الحياة موجودة حتى في الحيوان المنوي والبويضة قبل التلقيح إنما هذه الحياة حياة نباتية كما أشار إلى ذلك ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن.

    4ـ طور العظام: قال الله تعالي: ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً ﴾ يبدأ طور العظام بعد المضغة كما هو في القرآن حيث تبدأ الكتل البدنية تنمو مكونة العظام.

    5ـ طور اللحم: قال الله تعالي: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾، وينتهي كساء اللحم في الأسبوع الثامن وبهذا تنتهي مرحلة الجنين، وتبدأ مرحلة الحميل( fetus).

    6ـالنشأة الأخرى: قال تعالي: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾، ويكون ذلك بعد تكون اللحم على العظم، وفي الشهر السادس يصبح الإنسان قادراً على الاستقلال عن أمه إذا خرج حيث تتكون في الشهر السادس الأسناخ الرئوية، ويستطيع الجنين أن يتنفس مستقلا عن أمة، وبعد ذلك يكون دور الرحم دور الحضانة فقط.

    متى ينفخ في الروح؟

    الروح أمر لا نعلم عنه إلا القليل فقد قال الله تعالي: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الإسراء:85]، والوحي هو الطريق اليقين لمعرفة ما يتعلق بالروح، وقد جاءت النصوص في الكتاب والسنة تفيد أن نفخ الروح يكون بعد تكوين العظام وكسائها باللحم أي بعد نهاية الشهر الثاني كما قال تعالي: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. والنشأة خلقاً آخر هي مرحلة نفخ الروح كما قال جمهور المفسرين، وجاء في الأحاديث أن نفخ الروح يكون بعد خلق اللحم والعظم والسمع والبصر والجلد وأعضاء التذكير أو التأنيث، وهذا يكون بعد الشهر الثالث، ويمكن الاستدلال بأن علامة وجود الروح تعرف بظاهرة النوم واليقظة كما قال تعالي: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[ الزمر:42]، ويقرر علماء الأجنة أن النوم واليقظة تحدث بعد نهاية الشهر الثالث.

    كما يمكن الاستدلال على وجود الروح بالحركات الإرادية التي تكون بعد مئة وعشرين يوماً.
    والله أعلــم.


    أطوار الجنين ونفخ الروح2/2

    7/3/1423 هـ
    19/05/2002م




    ورقة د.عبد الجواد الصاوي
    نائب رئيس تحرير مجلة الإعجاز العلمي

    مقدمة:

    شاع فهم بين كثير من علماء المسلمين السابقين والمعاصرين على أن زمن أطوار الجنين الأولى: النطفة والعلقة والمضغة، مدته مائة وعشرون يوما، بناء على فهم منطوق حديث جمع الخلق الذي رواه الإمام البخاري وغيره ، عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً يؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح(1)"،و بما أن الحديث قد أشار إلى أن نفخ الروح في الجنين يحدث بعد انتهاء زمن طور المضغة الذي ينتهي بنهاية الأربعين الثالثة حسب هذا الفهم، فعليه أفتى بعض علمائنا الأجلاء بجواز إجهاض الجنين وإسقاطه خلال الشهور الأربعة الأولى من عمره، بلا ضرورة ملجئة؛ لأن حياته في هذه الفترة حسب فهمهم حياة نباتية، لم تنفخ فيها الروح الإنسانية بعد، وقد ترسخ هذا الفهم عند البعض حتى أصبح كأنه حقيقة شرعية مسلمة، لكن هذا المفهوم لزمن أطوار الجنين الأولى وأنها تقع في ثلاثة أربعينات، قد ثبت يقينا اليوم أنه يتعارض مع الحقائق العلمية المعتمدة في علم الأجنة الحديث مما جعل غير الراسخين في العلم من المسلمين يردون مثل هذه الأحاديث ويشككون في صحتها، كما توهم بعض المحاربين للإسلام أن هذا الموضوع يعد خنجرا بأيديهم يمكن أن يطعنوا به سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    ولذلك أعد هذا البحث لبيان الحقيقة في هذه القضية، واعتمد في منهجه على ثلاثة أسس :

    1-الدراسة الموضوعية لجميع نصوص القرآن والسنة الواردة في هذه الموضوع .

    2-وصف أطوار الجنين من خلال فهم الدلالات اللغوية وأقوال المفسرين للألفاظ والآيات القرآنية، ثم للحقائق العلمية في علم الأجنة البشرية.

    3-نفخ الروح في الأجنة يجب أن يخضع فهمه أساسا للنصوص الشرعية حيث تمثل الدليل القطعي فيها، أما الجوانب العلمية المتعلقة بها إن وجدت . فهي أمر ثانوي ودليل ظني لا تقوم به حجة قاطعة في هذه القضية.

    وقد أثبت البحث أن الوصف القرآني لأطوار الجنين الأولى وشرح المفسرين لهذه الأطوار، والتحديد الزمني الدقيق لها في السنة النبوية ، تتوافق والحقائق العلمية في علم الأجنة الحديث، وأن أطوار النطفة ، والعلقة، والمضغة، تقع كلها في أربعين يوماً واحدة فقط.

    كما أجاب البحث على سؤال: متى تنفخ الروح في الجنين ؟ أبعد أربعين واحدة أم بعد ثلاثة أربعينات ؟.

    ولذلك تمت معالجة البحث ضمن النقاط التالية:

    أولا : الوصف الدقيق لأطوار الجنين المطابق للواقع في القرآن الكريم:

    وصف القرآن الكريم أطوار الجنين وصفا دقيقاً من خلال إطلاق مسمى على كل طور له بداية ونهاية محددة، حيث يصف المظهر الخارجي للجنين، ويعكس عمليات التخلق الداخلية له في فترات زمنية متعاقبة.

    قال الله تعالى:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: 12-14]

    و سأذكر ملخصا للدلالات اللغوية وأقوال بعض المفسرين في كل طور ومطابقة ذلك للحقائق المستقرة في علم الأجنة الحديث .

    أ ـ طور النطفة:

    تطلق النطفة على الماء القليل ولو قطرة، وفي الحديث:" وقد اغتسل ينطف رأسه ماء"، رواه مسلم ،وقد أطلقها الشارع على مني الرجل ومني المرأة، وفي الحديث: ( من كل يخلق من نطفة الرجل ونطفة المرأة ) رواه مسلم، قال الألوسي: والحق أن النطفة كما يعبر بها عن مني الرجل يعبر بها عن المني مطلقا .(2)

    وقال ابن كثير: ثم صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة (3).كما أطلقها الشارع أيضا على امتزاج نطفتي الرجل والمرأة وسماها النطفة الأمشاج في قوله تعالى:﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾[الإنسان 2 ].

    وقد عرف المفسرون النطفة الأمشاج بأنها: النطفة المختلطة التي اختلط، وامتزج فيها ماء الرجل بماء المرأة(i)،وهذه هي البييضة الملقحة بتطوراتها العديدة، والتي لا تزال تأخذ شكل قطرة الماء ولها خاصية الحركة الانسيابية كقطرات الماء تماما، وينتهي هذا الطور بتعلق الكيسة الأريمية ببطانة الرحم في نهاية الأسبوع الأول من التلقيح، وهي الصورة الأخيرة للنطفة الأمشاج والتي ما زالت تحافظ على شكل قطرة الماء بالرغم من تضاعف خلاياها أضعافا مضاعفة، وحينما يفقد هذا الطور حركته الانسيابية ويتعلق ببطانة الرحم يتحول إلى طور جديد هو طور العلقة.

    ب ـ طور العلقة:

    هذا الطور عدة أشكال من بدئه وحتى نهايته،وكلمة علقة كما يقول المفسرون: مشتقة من علق وهو الالتصاق والتعلق بشيء ما(4) ،وهذا يتوافق مع تعلق الجنين ببطانة الرحم خلال الأسبوع الثاني .كما يطلق العلق على الدم عامة وعلى شديد الحمرة وعلى الدم الجامد(5) . وهذا يتوافق مع شكل الجنين في هذا الطور حينما تتكون لديه الأوعية الدموية المقفلة و الممتلئة بالدماء خلال الأسبوع الثالث حيث يظهر نطفة دم حمراء جامدة.

    والعلقة: دودة في الماء تمتص الدم ،وتعيش في البرك وتتغذى على دماء الحيوانات التي تلتصق بها ،والجمع علق، وقد وصف ابن كثير هذا الطور فقال: أي صيرنا النطفة علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة.(3/251)

    فالجنين في نهاية هذا الطور كما يقول المفسرون : يكون على شلك علقة مستطيلة لونها شديد الحمرة لما فيها من دم متجمد، وهذا يتوافق مع الشكل الأخير لهذا الطور حيث يأخذ الجنين شكل الدودة التي تمتص الدماء وتعيش في الماء، ويشترك الجنين معها في قوة تعلقه بعائله، والحصول على غذائه من امتصاص دمائه، والمدة الزمنية لهذا الطور من بداية الأسبوع الثاني و حتى نهاية الأسبوع الثالث من التلقيح.

    ج ـ طور المضغة:

    وفي بداية الأسبوع الرابع وبالتحديد في اليوم الثاني والعشرين يبدأ القلب في النبض، وينتقل الجنين إلى طور جديد هو طور المضغة، وقد وصف المفسرون هذا الطور وصفا دقيقا: فقال ابن كثير: مضغة : قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط ، قدر ما يمضغ الماضغ تتكون من العلقة. (3/251) ، وقال الألوسي: قطعة لحم بقدر ما يمضغ لا استبانه ولا تمايز فيها (10/21) ، وهذا ما يتوافق مع الجنين في أول هذا الطور حيث يتراوح حجمه من حبة القمح إلى حجم حبة الفول (5.3مم)، وهو القدر الذي يمكن مضغه، ويبدو سطحه من الخارج وقد ظهرت عليه النتوءات أو الكتل البدنية حيث تجعله كشيء لاكته الأسنان تماما، لكن لا شكل فيه ولا تخطيط يدل على أنه جنين إنساني ولا تمايز للملامح الإنسانية ولا استبانة فيه لأي عضو من أعضاء الجسم الإنساني،وبما أن الجنين يتحول ويتغير من يوم إلى يوم بل من ساعة إلى أخرى فالجنين في النصف الثاني من هذا الطور تقريبا تظهر عليه براعم اليدين والرجلين والرأس والصدر والبطن كما تتكون معظم براعم أعضائه الداخلية، ومع احتفاظه بالشكل الخارجي المشابه لمادة ممضوغة يصدق عليه أنه مخلق وغير مخلق.

    وهاهو الوصف القرآني يقرر هذه الحقيقة قال تعالى: ﴿ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ الحج:5]، قال ابن كثير: مضغة قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، ولهذا قال تعالى : ﴿ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي كما تشاهدونها(3/216).

    وقال الألوسي: والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً (10/173). لذلك فالوصفان ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ لا بد أن يكونا لازمين للمضغة.

    قال ابن عاشور: قوله تعالى: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾صفة [مضغة ]وأن هذا تطور من تطورات المضغة، وإذ قد جعلت المضغة من مبادئ الخلق تعني أن كلا الوصفين لازم للمضغة(6). ويؤكد ذلك الرازي بقوله: يجب أن تحمل[مخلقة وغير مخلقة ]على من سيصير إنسانا لقوله تعالى في أول الآية:﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم﴾(7)، وفي هذه النص دلالة على أن التخليق يبدأ في هذا الطور وهو ما أكدته حقائق علم الأجنة في أن التخليق يبدأ من أول الأسبوع الرابع، وينتهي هذا الطور قبيل نهاية الأسبوع السادس حيث يبدأ الطور التالي في التخليق.

    د ـ طور العظام:

    وذلك بتشكل الجنين في هذا الطور على هيئة مخصوصة وإزالة صور المضغة عنه واكتسابه صورة جديدة ، حيث يتخلق الهيكل العظمي الغضروفي ، وتظهر أول مراكز التعظم في الهيكل الغضروفي في بداية الأسبوع السابع ، فيتصلب البدن ويتميز الرأس من الجذع وتظهر الأطراف، قال ابن كثير في قوله تعالى : ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾: يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها(3/251).

    وقال الشوكاني : أي جعلها الله سبحانه متصلبة لتكون عمودا للبدن على أشكال مخصوصة (3/483).

    و قال الألوسي: وذلك التصيير بالتصليب بما يراد جعله عظاما من المضغة وهذا تصيير بحسب الوصف ، وحقيقته إزالة الصورة الأولى عن المادة وإفاضة صورة أخرى عليها (10/21) .

    ثم يبدأ الجنين الطور الأخير من التخليق وهو طور كساء العظام باللحم، وفي هذا الطور يزاد تشكل الجنين على هيئة أخص، قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾: أي جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، وقال الشوكاني: أي أنبت الله سبحانه على كل عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه وكذا قال غيرهم. (Cool وهذا يتوافق مع ما ثبت في علم الأجنة من أن العظام تخلق أولا ثم تكسى بالعضلات في نهاية الأسبوع السابع و خلال الأسبوع الثامن من تلقيح البييضة وبهذا تنتهي مرحلة التخليق حيث تكون جميع الأجهزة الخارجية والداخلية قد تشكلت ولكن في صورة مصغرة ودقيقة . وبنهاية الأسبوع الثامن تنتهي مرحلة التخليق و التي يسميها علماء الأجنة بالمرحلة الجنينية.

    هذا وقد أكد علم الفحص بأجهزة الموجات فوق الصوتية أن جميع التركيبات الخارجية والداخلية الموجودة في الشخص البالغ تتخلق من الأسبوع الرابع وحتى الأسبوع الثامن من عمر الجنين ، كما يمكن أن ترى جميع أعضاء الجنين بهذه الأجهزة خلال الأشهر الثلاثة الأولى .

    ثم يبدأ الجنين بعد الأسبوع الثامن مرحلة أخرى مختلفة يسميها علماء الأجنة بالمرحلة الحميلية ، ويسميها القرآن الكريم : مرحلة النشأة خلقا آخر . ولذلك يعتبر طور كساء العظام باللحم الحد الفاصل بين المرحلة الجنينية و الحميلية.

    هـ ـ مرحلة النشأة خلقا آخر:تبدأ مرحلة النشأة في الأسبوع التاسع حيث ينمو الجنين ببطء إلى الأسبوع الثاني عشر ثم ينمو بعد ذلك بسرعة كبيرة . و تستمر هذه المرحلة حتى نهاية الحمل.

    خصائص مرحلة النشأة: تختص هذه المرحلة بعدة خصائص أهمها : تطور و نمو أعضاء وأجهزة الجنين وذلك بتهيئتها للقيام بوظائفها . كما تختص بنفخ الروح فيها عند جمهور المفسرين.

    قال ابن كثير:ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب(3/251).

    ،وقال الألوسي:أي مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعل حيوانا ناطقا سميعا وبصيرا (10/22). كما تحدث أثناء هذه المرحلة التغيرات في مقاييس الجسم ويكتسب الجنين صورته الشخصية . وهو ما أشارت إليه الآيات: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ﴾[الانفطار: 7،8 ].

    و كلمة [سواك]تعني جعل الشيء مستويا و مستقيما ومهيأ لأداء شيء محدد . و التعديل في اللغة تعني التقويم و تعني كلمة ]فعدلك [تغير الشكل والهيئة لتكوين شيء محدد، وكلمة صورة تعني هيئة أو شكل(9) و ما ذكره القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا هو ما قررته حقائق علم الأجنة، فالتسوية تبدأ عقب عملية الخلق في المرحلة الحميلية أي بعد الأسبوع الثامن، حيث يستقيم الجنين وتتهيأ الأعضاء لأداء وظائفها ، ويتخذ الجنين المقاييس الطبيعية ( التعديل )، كما تتغير مقاييس الجسم وتتخذ ملامح الوجه المقاييس البشرية المألوفة، ويكتسب الجنين الصورة الشخصية له ( التصوير ) (10)




    ثانيا : نصوص السنة تحدد زمن أطوار الجنين الأولى:

    1-روى الإمام مسلم بسنده عن عبد الله ابن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : ( إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح . ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه و أجله وعمله وشقي أو سعيد ) رواه مسلم .

    2-روى الإمام مسلم بسنده عن حذيفة بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكا ، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها و لحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء و يكتب الملك ) رواه مسلم .

    أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول أن الجنين يجمع خلقه في أربعين يوما، فما هو هذا الجمع للخلق ؟

    تعني كلمة ( جمع ) في اللغة(11).: جمع الشيء عن تفرقه . قال ابن حجر :(12) و المراد بالجمع ضم الشيء بعضه إلى بعض بعد الانتشار . فما هو الشيء المنتشر المفرق الذي يضم بعضه إلى بعض لتحقيق تكون الخلق ؟ إن هذه العبارة النبوية غاية في الدقة العلمية ، حيث يمكن استنتاج أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بها إلى انقسام وتكاثر الخلايا الجنينية الهائل والسريع وفي اتجاهات متفرقة، وعلى تمايز هذه الخلايا في طور العلقة ، ثم تجمع خلايا كل عضو من أعضاء الجنين ليتم تكونه

    وتخلقه في طور المضغة في صورة براعم أولية ، ولا تنتهي الأربعون يوماً الأولى إلا وخلايا جميع أعضاء الجنين المختلفة قد تمايزت وهاجر ما هاجر منها وتجمعت في أماكنها المحددة لها بعد أن كانت متشابهة وغير متمايزة في مرحلة التكاثر الهائل والسريع للخلايا الجنينية الأولية في الأسابيع الأولى .
    كما أخبر في نفس الحديث أن أطوار الجنين الأولى ، العلقة والمضغة تبدأ وتكتمل أوصافها وتنتهي خلال هذه الأربعين . فالحديث يتكلم عن التحديد الزمني لقضيتين :
    الأولى : زمن جمع الخلق لخلايا أعضاء الجسم في صورة براعم أولية.

    الثانية : زمن أطوار الجنين ،العلقة والمضغة نصا والنطفة لزوما،لأنه لا وجود لكلمة النطفة في الروايات الصحيحة.

    والحديث بهذا اللفظ للإمام مسلم يختلف عن حديث الإمام البخاري في زيادة عبارة ( في ذلك ) والتي صححت الفهم وأظهرت التطابق التام مع حقائق علم الأجنة الحديث فأزالت شبه الزائغين و ردت كيد أعداء السنة والإسلام إلى نحورهم.

    بناء على هذه الرواية للحديث فخلق الجنين يجمع خلال الأربعين يوما الأولى من عمره .و أطوار النطفة والعلقة والمضغة تقع وتكتمل كلها في خلال هذه الأربعين ، لأن لفظ ( في ذلك ) يعود إلى الوقت ، أي إلى الأربعين يوما ، أما اسم الإشارة في قوله ( مثل ذلك ) ، فلا بد أنه يعود إلى شيء آخر غير الوقت ، وأقرب شيء إليه هنا هو جمع الخلق . والمعنى إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك ( أي في ذلك العدد من الأيام ) علقة ( مجتمعة في خلقها ) مثل ذلك (أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين)، ثم يكون في ذلك( أي في نفس الأربعين يوما )مضغة (مجتمعة مكتملة الخلق المقدر لها)مثل ذلك(أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين يوما) وذلك من ترتيب الإخبار عن أطوار الجنين لا من ترتيب المخبر به.

    كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني أن الجنين قبل اليوم الثاني والأربعين لا يمكن تمييز صورته الإنسانية ولا تخلق أجهزته بصورة تامة إلا بعد هذا التاريخ، فالحديث يشير بوضوح إلى أن تشكل الجنين بتصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه وتمايز أعضائه الجنسية لا يحدث إلا بعد اليوم الثاني والأربعين.

    ثالثا : حل الخلاف في فهم الأحاديث:

    كان الشيخ عبد المجيد الزنداني وهو على رأس الباحثين في هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فضل السبق في التوفيق بين الأحاديث الواردة في هذا الموضوع وحل الخلاف في فهمها والانتصار لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيان أوجه الإعجاز العلمي فيها .

    وقد اتضح بالأدلة الشرعية والحقائق القطعية بأن القول بأربعين لكل طور من أطوار النطفة والعلقة و المضغة قول غير صحيح للأدلة التالية:

    1-روى حديث ابن مسعود السابق كل من الإمامين البخاري ومسلم، و لكن رواية مسلم تزيد لفظ ( في ذلك ) في موضعين قبل لفظ ( علقة ) وقبل لفظ ( مضغة ) وهي زيادة صحيحة تعتبر كأنها من أصل المتن جمعا بين الروايات، وعلى هذا تكون الرواية التامة لألفاظ الحديث كما هي ثابتة في لفظ مسلم.

    2-ذكر القرآن الكريم أن العظام تتكون بعد طور المضغة، وحدد النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث حذيفة أن بدء تخلق العظام يكون بعد الليلة الثانية والأربعين من بدء تكون النطفة الأمشاج ، وبالتالي فالقول بأن العظام يبدأ تخليقها بعد مائة وعشرين يوما يتعارض و ظاهر الحديث الذي رواه حذيفة تعارضا بينا.

    كما يتعارض قطعا مع ما أثبتـته حقائق علم الأجنة الحديث من أن تكون العظام يبدأ بعد الأسبوع السادس مباشرة ، وليس بعد الأسبوع السابع عشر مما يؤيد المعنى الواضح الظاهر لحديث حذيفة .

    وقد نبه على هذا التعارض الواضح مع الحقائق العلمية الواقعية لأطوار الجنين علماؤنا الأجلاء السابقون فقال ابن رجب الحنبلي : بعدما أورد حديث ابن مسعود برواية الإمام أحمد والتي تشبه رواية البخاري فضعف متنه وسنده حيث قال : ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يكسى إلا بعد مائة و ستين يوما ، وهذا غلط لا ريب فيه ، وعلي ابن زيد هو ابن جدعان لا يحتج به(13).

    وقال في موضع آخر: و ظاهر حديث ابن مسعود يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أول الأربعين الثانية، فيلزم من ذلك أن يكون في أول الأربعين الثانية لحما وعظاما.

    3-التعارض مع الوصف القرآني لأطوار الجنين حيث لا ينطبق التفسير للوصف القرآني مع الطور الموصوف ، فالجنين في اليوم العشرين أو الثلاثين أو التاسع والثلاثين لا يمكن وصفه كقطرة الماء و يختلف في شكله و حجمه عنها على وجه القطع .

    والجنين في اليوم الستين أو السبعين لا يمكن وصفه بأنه على شكل الدودة التي تعيش في البرك وتمتص الدماء، أو أنه يظهر على شكل قطعة دم جامدة حيث يكون الجنين في هذه الفترة قد تشكل و تطور وتم خلق جميع أعضائه، والجنين بعد اليوم الثمانين وإلى اليوم المائة والعشرين لا يمكن وصفه بحال بأنه مضغة لا شكل فيها ولا تخطيط، أو أنه مخلق وغير مخلق حيث تكون أجهزة الجنين قد تخلقت منذ زمن بعيد ، والجنين نفسه في منتهى الحيوية والنشاط ويمارس جميع حركاته و انفعالاته .
    4-رواية مسلم تحل الخلاف :إنه لما كان اسم الإشارة في قوله ( مثل ذلك ) لفظا يمكن صرفه إلى واحد من ثلاثة أشياء ذكرت قبله في الحديث ، وهي: جمع الخلق، وبطن الأم، وأربعين يوما ، فهو لفظ مجمل يحمل على اللفظ المبين للمقصود من اسم الإشارة في قوله ،والذي يبين لنا ذلك حديث حذيفة الذي يمنع مضمونه أنه يعود اسم الإشارة على الفترة الزمنية ( أربعين يوما ) لأن النص المجمل يحمل على النص المبين حسب قواعد الأصوليين، ولا يصح أن يعود اسم الإشارة على ( بطن الأم ) لأن تكراره في الحديث لا يفيد معنى جديدا، وسيكون الكلام حشواً يتعارض مع فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان اسم الإشارة في الحديث لا يصح إعادته إلى الأربعين يوما الأولى ، ولا إلى بطن الأم ، فيتعين بناء على ذلك أن يعود اسم الإشارة في قوله ( مثل ذلك ) على جمع الخلق،لا على الأربعينات وهو ما توصل إليه وحققه ابن الزملكاني في القرن السابع الهجري، واستنتج من ذلك أن النطفة والعلقة والمضغة تتم خلال الأربعين يوما الأولى.

    قال ابن الزملكاني: ( وأما حديث البخاري فنزل على ذلك ، إذ معنى يجمع في بطن أمه، أي يحكم ويتقن ، ومنه رجل جميع أي مجتمع الخلق . فهما متساويان في مسمى الإتقان و الإحكام لا في خصوصه ، ثم إنه يكون مضغة في حصتها أيضا من الأربعين ، محكمة الخلق مثلما أن صورة الإنسان محكمة بعد الأربعين يوما فنصب مثل ذلك على المصدر لا على الظرف . ونظيره في الكلام قولك : إن الإنسان يتغير في الدنيا مدة عمره، ثم تشرح تغيره فتقول : ثم إنه يكون رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم هرما ثم يتوفاه الله بعد ذلك وذلك من باب ترتيب الإخبار عن أطواره التي ينتقل فيها مدة بقائه في الدنيا.

    ومعلوم من قواعد اللغة العربية أن ( ثم ) تفيد الترتيب والتراخي بين الخبر قبلها وبين الخبر بعدها ، إلا إذا جاءت قرينة تدل على أنها لا تفيد ذلكن مثل قوله تعالى : ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾[ الأنعام:153-154]، ومن المعلوم أن وصية الله لنا في القرآن جاءت بعد كتاب موسى، فـ ( ثم ) هنا لا تفيد ترتيب المخبر عنه في الآية . وعلى هذا يكون حديث ابن مسعود :" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك" أي في ذلك العدد من الأيام ) علقة ( مجتمعة في خلقها ) مثل ذلك ( أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين ) ثم يكون في ذلك ( أي في نفس الأربعين يوما مضغة مجتمعة مكتملة الخلق المقدر لها ) مثل ذلك أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين ا.هـ(14)

    وعلى هذا يتضح أن معنى ( مثل ذلك ) في حديث عبد الله ابن مسعود لا يمكن أن يكون مثلية في الأربعينات من الأيام . فينبغي فهم حديث ابن مسعود برواية البخاري بما ينسجم مع رواية مسلم ومع الأحاديث الأخرى المتعلقة بالموضوع ، وينبغي التنبيه على أن هناك كلمة أدرجت في رواية البخاري عمقت المفهوم الخاطئ لأطوار الجنين وهي: كلمة (نطفة) في الجملة الأولى من الحديث:" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ..... الحديث ) فكلمة نطفة غير موجود في رواية البخاري فضلا عن عدم وجودها في أي رواية صحيحة.

    رابعا : متى تنفخ الروح في الجنين؟ أبعد أربعين واحدة أم بعد ثلاثة أربعينات ؟

    إن هذه القضية كما قلنا لا يفصل فيها العلم الحديث ولكن تفصل فيها النصوص الشرعية، ولا يوجد فيما أعلم نص صريح وصحيح إلا حديث جمع الخلق الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( وهو الصادق المصدوق ):" أن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله و عمله وشقي أم سعيد" رواه مسلم.

    وقد اتفق علماء المسلمين أن الجنين تنفخ فيه الروح بعد اكتمال طور المضغة ، بناء على هذا النص النبوي الصريح، وبما أنه قد ثبت أن زمن المضغة يقع في الأربعين يوما الأولى ، بنص رواية الإمام مسلم لحديث جمع الخلق، وحديث حذيفة بن أسيد:" إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون يوما ...." ، وتوافق حقائق علم الأجنة الحديث مع هذه الأوصاف الشرعية لأطوار الجنين، إذا فالروح تنفخ بعد الأربعين الأولى من عمر الجنين ليس قبل ذلك ـ بيقين، لكن متى يحدث ذلك بالضبط؟ أبعد شهرين أم ثلاثة أم أربعة أو أقل أو أكثر ؟ لا أظن أن أحدا يستطيع أن يحدد موعد نفخ الروح على وجه الجزم واليقين في يوم بعينه بعد الأربعين يوما الأولى! حيث لا يوجد فيما أعلم نص صحيح في ذلك . لكن يمكن أن يجتهد في تحديد الموعد التقريبي استئناسا بقول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾[السجدة: 9]، حيث يمكن أن يفهم منه أن الروح تنفخ في الجنين بعد التسوية ، وبما أن التسوية تأتي بعد الخلق مباشرة لقوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾[الانفطار:7] .
    فيمكن القول بأن الروح تنفخ في الجنين بعد مرحلة الخلق أي بعد الأسبوع الثامن من عمره أي في مرحلة النشأة خلقا آخر ، وهو استنتاج معظم المفسرين الذين قالوا إن طور النشأة خلقا آخر هو الطور الجنيني الذي تنفخ فيه الروح، والذي لا يكون إلا بعد طوري العظام وكسائه باللحم كما نصت الآية الكريمة، ويعضد ذلك حرف (ثم ) الذي يفيد التراخي في حدوث الفعل حينما ذكر مع نفخ الروح في حديث جمع الخلق حيث ورد( ثم ينفخ فيه الروح )كما في البخاري أو (ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح) كما في مسلم.

    وحيث أنه لا ينتهي الأسبوع الثامن إلا وجميع الأجهزة الرئيسة قد تخلقت وانتهى طور المضغة في الأربعين يوما الأولى من عمر الجنين وتميزت الصورة الإنسانية وسوي خلق الإنسان خلال هذه الفترة أو بعدها بقليل، فعليه يمكن للروح أن تنفخ في الجنين بعد انتهاء عملية الخلق في الأسبوع التاسع أو العاشر أو بعد تميز الأعضاء التناسلية في الأسبوع الثاني عشر أو بعد ذلك! والله أعلم .
    لكن هل توجد علامات تدل على أن الجنين قد نفخت فيه الروح ؟ نعم يمكن أن يكون نوم الجنين علامة على نفخ الروح فيه قياسا على النائم الذي يتمتع بالحياة رغم أن الروح قد قبضت منه مؤقتا . أخذا من قول الله تعالى:﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الزمر :42].
    كما يمكن أن تكون الحركات الإرادية دليلا على وجود الروح، وقد أشار لذلك ابن القيم في وصفه الجنين قبل وبعد نفخ الروح فقال: كانت فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات، ولم تكن حركة نموه و اغتذاءه بالإرادة ، فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذاءه(15)
    وقد أثبتت الأجهزة الحديثة رؤية حركات جسم الجنين في وقت مبكر ، حيث يمكن أن تصور عند الأسبوع الثامن أو عندما يبلغ كيس الحمل 3 سم أو يبلغ طول الجنين حوالي 15 مم. كما يمكن أن ترى الحركات الجنينية التي تعبر عن حيوية الجنين مثل حركات التنفس وحركات الأطراف العليا

    وضربات القلب وحركات عدسة العين والبلع وحركات الأمعاء الدودية. كما رصدت الحركات التي تعبر عن نشاط الجنين مثل البلع وحركة اليد إلى الفم والمضغ وحركات اللسان وحركة اليد إلى الوجه ومص الأصابع، والتي يمكن أن ترى عند الأسبوع السادس عشر، أي قبل مائة وعشرين يوما فتأمل!

    وتعتبر هذه الحركات انعكاساً غير مباشر لحالة الجهاز العصبي المركزي فكلما كانت هذه الحركات موجودة ومتوازنة، كلما كانت حالة الجهاز العصبي نشطة وسليمة.
    وهكذا أثبت علماء الأجنة بهذه الأجهزة الدقيقة هذه الحقائق التي تؤكد في مجملها أن أطوار الجنين الأولى من النطفة والعلقة والمضغة، تحدث كلها خلال الأربعين يوما الأولى من عمره، وأن حركات الجنين الإرادية وبدء عمل وظائف أعضاء الجنين الرئيسية تحدث في الأربعين يوما الثانية من عمره .
    وعليه فالقول بأن مدة الأطوار الأولى للجنين من النطفة والعلقة والمضغة مائة وعشرون يوما ، قول غير صحيح مناقض للحقائق العلمية بكل وضوح.

    وبناء على كل ما سبق يمكننا القول بأن الجزم بعدم نفخ الروح إلا بعد أربعة أشهر قول ليس عليه دليل قطعي من النصوص الشرعية ، بل مبني على فهم لحديث ابن مسعود ثم جاءت حقائق علم الأجنة الحديث معارضة لمفهوم هذه الرواية، ومؤيدة لرواية أخرى لنفس الحديث، ونفس الراوي رواها الإمام مسلم بزيادة بسيطة في المتن بينت القضية بوضوح لا لبس فيه وهذا يبطل الاحتجاج برواية البخاري في تحديد زمن أطوار الجنين الأولى.

    و بالتالي يبطل الاحتجاج بالجزم بعدم نفخ الروح في الجنين قبل أربعة أشهر .

    و عليه فإمكانية نفخ الروح في الأجنة قائمة في أي وقت بعد الأربعين يوما الأولى ، في نهاية الأسبوع السابع ،أو الثامن ، أو التاسع ، أو حتى بعد أربعة أشهر وإن كان الراجح من النصوص أن الروح تنفخ بعد الأسبوع الثامن من التلقيح لدلالة النصوص الصريحة والصحيحة على ذلك . ولعدم وجود حديث واحد صحيح أو حسن يصرح بأن الروح لا تنفخ في الجنين إلا بعد أربعة أشهر، ومما يؤكد ذلك الحقائق العلمية الثابتة في علم الأجنة ومن أهمها رؤية مراحل الجنين المختلفة منذ بداية تكونه، واكتمال خلقه وتصويره، وقيام معظم أجهزته بوظائفها ورصد حركته الذاتية وأنشطته البدنية قبل أربعة أشهر على وجه القطع.

    و ينبني على ذلك حرمة الإجهاض بعد الأربعين، لأن الإجهاض محرم عند جمهور الفقهاء بعد نفخ الروح، ونفخ الروح يكون بعد طور المضغة، وطور المضغة يبطأ ويكتمل وينتهي خلال الأربعين يوما الأولى بيقين، فعليه يرجح القول بحرمة الإجهاض بعد الأربعين يوما الأولى من بداية التلقيح البييضة

    وتكون النطفة الأمشاج، وتشتد الحرمة بعد مرحلة التخليق ، أي بعد ثمانية أسابيع ،وهي أشد بعد الشهر الثالث أو الرابع. والله أعلم.

    خامسا: أوجه الإعجاز العلمي في النصوص الشرعية:

    1-وجه الإعجاز في حديث الأربعين:

    يدل ظاهر الحديث أن خلق الإنسان يجمع في الأربعين يوما الأولى فلا تكاد تمر إلا وقد تمايزت

    وتجمعت خلايا كل عضو من أعضاء الجنين وتخلقت في صورة براعم، واجتمعت كلها في حيز لا يزيد عن سنتيمتر واحد، ثم يذكر الحديث وصف طوري العلقة والمضغة في هذه المدة من الزمن: ( ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ) أي ثم يكون علقة مكتملة الخلق المقدر لها مثل ما اكتمل جمع خلايا خلق الإنسان في الأربعين يوما الأولى.

    و يقرر العلم الحديث أن الجنين فيما بين اليوم الثامن والواحد والعشرين يأخذ صورة العلق المختلفة من تعلق شيء بشيء ومن ظهوره كقطعة دم جامد، حتى تكتمل صورته كصورة العلقة التي تسبح في البرك و تتعلق بالماشية في نهاية الأسبوع الثالث . ( ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ) حيث يأخذ الجنين شكل المضغة المستديرة المميزة بعلامات تشبه طبع الأسنان عليها ، وبسطح غير منتظم ، وتنتج الفراغات بين الكتل البدنية شكلا أشبه بالمادة الممضوغة، ويتجلى الإعجاز في التطابق بين الاسم

    والمسمى، مع أن الجنين من الصغر بحيث لا يزيد طوله عن قدر أنملة، والفترة الزمنية بين هذه الأطوار قصيرة، وتقدير عمر الجنين قبل اكتشاف البييضة وارتباط دورة الحيض بها أمر في غاية الصعوبة . كما أن النطفة والعلقة والمضغة التي ذكرها القرآن الكريم لم تكن معروفة أصلا في تلك الأيام . كذلك فإن الأعضاء الأساسية للجنين في الداخل تبدأ في التمايز و التخلق، وبالتدريج يأخذ الجنين شكل المضغة المخلقة وغير المخلقة.

    2-وجه الإعجاز في حديث اليوم الثاني والأربعين :

    هذا الحديث النبوي يتحدث عن خلق أعضاء السمع والبصر والعظام والعضلات، وأعضاء الذكورة والأنوثة.

    و التصوير الآدمي للجنين ، ويحدد زمانها بيوم يبدأ بعده خلق أو استكمال خلق هذه الأجهزة لا قبله وهو ما أكدته الحقائق العلمية في علم الأجنة.

    3-إشارة النصوص إلى مرحلتي التخليق و النمو:

    تعتبر مرحلة تكون الأطوار الخمسة الأولى من طور النطفة الأمشاج ، وحتى طور كساء العظام باللحم هي المرحلة الأساسية في التخليق، والتي تسمى في المراجع الطبية بالمرحلة الجنينية، وقد أشار إليها حديث جمع الخلق في الأربعين يوما الأولى.

    كما يمكن بناء على هذين الحديثين أيضا تقسيم مرحلة التخليق زمنيا إلى قسمين :

    الأول : الأسابيع الستة الأولى بعد التلقيح وفيها تقع الأطوار الثلاثة الأولى و تتخلق أثناءها براعم أعضاء وأجهزة الجسم وذلك بتجمع خلايا الأعضاء وبداية عملية الخلق .
    والثاني : اكتمال خلق أجهزة الجسم في صورتها المعهودة حيث لا يتم ذلك إلا بعد الأسبوع السادس من عمر الجنين.

    وأما مرحلة النمو و اكتمال وظائف الأعضاء المخلقة ، فيه التي تتميز بوجود علامات ترجح نفخ الروح ، وتبدأ هذه المرحلة من أول الشهر الثالث وحتى نهاية الحمل ، وتعرف في المراجع الطبية بالمرحلة الحميلية، وأشار إليها نص سورة المؤمنون: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾[ المؤمنون:14].

    وقد أثبت علم الأجنة أن مرحلة التخليق تكون في الأسابيع الثمانية الأولى من عمر الجنين، و يتكون خلالها معظم أجزاء الأجهزة،والتركيبات الجنينية المختلفة، وقسمها العلماء إلى طورين: طور انقسام وتمايز الخلايا الجنينية، وزمنه في الأسابيع الثلاثة الأولى أي: ( زمن طوري النطفة والعلقة )، وطور تكون وتشكل أعضاء الجنين و زمنه من الأسبوع الرابع وحتى نهاية الأسبوع الثامن ( زمن أطوار المضغة والعظام وكساء العظام باللحم ) ولا تنتهي هذه الفترة إلا وقد تشكلت الملامح الأساسية للجنين.

    وقد تطابقت المعلومات العلمية والدراسات الجنينية الحديثة، بعدما أصبحت حقائق مشاهدة مع ما ورد في القرآن الكريم، وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن أخبر محمدا -صلى الله عليه وسلم- بكل هذه الحقائق؟ ومن كان يجرؤ من البشر في زمنه عليه -الصلاة والسلام-، بل وبعد زمنه بعشرة قرون، أن يحدد تاريخا باليوم من عمر الجنين يفصل به بين مرحلتي مختلفتين تمام الاختلاف، بل ويذكر فيه تفاصيل لم تعرف إلا بعد أبحاث مضنية، وبعد تقدم وسائل المعرفة واختراع المجاهر الدقيقة!
    قال سبحانه تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾[فصلت: 53-54].

    والحمد لله رب العالمين




    المراجع الأجنبية :

    1-E Albert reece & others
    (1994) Fundamental of obstetric &
    Gynecology Ultrasound International ED.
    Printiice-Hall International Inc. U.S.A
    2-F.gary Cunnigham , Pc.MacDonald & Others
    (1993) William,s obstetrics. 19th ED.Prentice-
    hall lnt. Lnc .
    3-J.P. Green Hill & Others (1989) Modern practice of Obstetrics. 3rd ED.W.B.Saunders
    company . Philadelphia
    4-John Mclachlan (1994) Medical
    Emberiology 1st E Publishing comp ..
    Addeson -Wesly
    5-keith L.moor (1985) Develobing Human
    With Islamic Edittion 3rd ED. Dar Qiblah .
    Jeddah
    6- Moor & Persaud. (1998) Befor We Aer
    Born 5th .ED.W.B. Saunders Company .
    7-Marjorie A.England (1987).A colour Atlas Of
    Life Befor Birth Wolj Medical Publications
    Ltd.
    8- Peter J.Ruselt. (1992) Genetics 3rd
    Ed.Harber Collins Publishers .U.S.A
    9-Steven Gobbe & Others (1991) Obstetrics
    2nd ED. Churchill living Stone New York.
    10-Salder (1990) , William`s & .lon don`s medical
    Embryology. 6th 60- ED.Wilkins.



    (1) ـ-فتح الباري شرح صحيح البخاري 6/303، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، رقم الحديث 3208 و6/363
    (2) ـ الألوسي ( أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود ) روح المعاين في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، المجلد العاشر ، ص 172، 1414 هـ /1994م ـ دار الفكر ـ بيروت
    (3) ـ ابن كثير ( أبو الفداء إسماعيل بن كثير ) تفسير القرآن العظيم ، المجلد الرابع ص 483 دار المعرفة ـ بيروت
    (i) ـ ابن كثير 4/483 ، والألوسي 16/262
    (4) ـ الشوكاني 0 محمد بن علي ) فتح القدير 1983م المجلد 3 ص 442 دار الفكر ـ بيروت
    (5) - لسان العرب(10/267،268)،الجوهري(4/529)،مقاييس اللغة(4/125)
    (6) ـ الطاهر بن عاشور ـ التحرير و التنوير ( 1984م ) .الدار التونسية للنشر .
    (7) ـ الرازي ( الفخر ) ، التفسير الكبير 12/9 دار الباز ، مكة المكرمة .
    (Cool . ابن كثير 3/251 والشوكاني 3/483 والمراغي 18/9 و الألوسي 10/21
    (9) ـ المعجم الوسيط ص:588 و 528
    (10) ـ كيث مور وعبد المجيد الزنداني ومصطفى أحمد، وصف التخلق البشري طور العلقة والمضغة ، بحث مقدم للمؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة ( 1408 هـ ـ 1987 م ) من كتاب علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ، ط أولى ، مطابع رابطة العالم الإسلامي ، مكة المكرمة .
    (11) ـ لسان العرب لا بن منظور 8/53
    (12) العسقلاني ( أحمد بن علي بن حجر )، فتح الباري في شرح صحيح البخاري 11/488 ، دار المعرفة ـ بيروت .
    (13)ـ ابن رجب الحنبلي ( زين الدين أبي الفرج عبد الرحيم بن شهاب الدين بن أحمد ) جامع العلوم والحكم ، ص 55 ، تحقيق الدكتور يوسف البقاعي (1995) ط1، المطبعة العصرية ـ بيروت
    (14) ـ البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن لابن الزملكاني ص:275
    (15) ـ التباين لا بن القيم ص : 339 و 351.



    المصدر: الإسلام اليوم

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الأمواج الداخلية وظلمات البحر العميقة

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:56

    الأمواج الداخلية وظلمات البحر العميقة



    الشيخ عبد المجيد الزنداني

    ووليام هاي



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد؛ فقد قال تعالى: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾[النور: 40]

    تتضمن هذه الآية الكريمة وصفًا للظواهر الطبيعية في البحار، وهي ـ على وضوحها ـ فقد وجد المفسرون صعوبة في تفسيرها بصورة مفصلة، لأن معرفة هذه الظواهر معرفة تامة كانت مجهولة وقت نزول القرآن الكريم. لقد آمن الأقدمون بخرافات عديدة عن البحار والمحيطات، واعتقدوا بوجود حيوانات وحشية غريبة الخلقة تعيش في أعماقها، ولم تتوفر ـ حتى للبحارة ـ آنذاك معرفة حقيقية عن الأحوال السائدة في أعماق البحار، وكانت المعلومات عن التيارات البحرية نادرة، ولم تتوفر أية معلومات عن الأمواج الداخلية في العصور الماضية، وسيطرت الخرافات فيما يتعلق بالمياه الراكدة، التي لا يمكن أن تعبرها البواخر، واعتقد الرومان القدماء بوجود أسماك مصاصة، لها تأثيرات سحرية على إيقاف حركة السفن. وبالرغم من أن القدماء عرفوا أن الرياح تؤثر على الأمواج والتيارات السطحية إلا أنه كان من الصعب عليهم أن يعرفوا شيئًا عن الحركات الداخلية في المياه.

    ولم تبدأ الدراسة المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر، عندما توفرت الأجهزة الضرورية لمثل هذه الدراسات المفصلة.

    المعلومات الحديثة فيما يتعلق بمعنى الآية الكريمة:

    تعتبر فكرة انتشار الظلمات في أعماق البحار من المعلومات الشائعة. ويعرف صيادو الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية جدًّا، وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية إلى الأزرق، حتى يختفي تمامًا مع تزايد العمق. وقد تبين من الملاحظات الشخصية للدكتور (هي HAY) - الباحث الرئيس لهذه الدراسة- في أوساط صيادي الأسماك في جزر البهاما أنهم قادرون على استخدام الاختلاف الظاهر في لون الماء لتحديد العمق بدقة ملحوظة، إذ إن بطون معظم الأسماك بيضاء اللون، ويحدث من حين لآخر أن تنقلب أثناء محاولتها التخلص من شباك الصيادين فتنكشف بطونها.

    ومن المعروف تمامًا للصيادين حتى في المياه التي لا تتسم بالصفاء التام ـ أن نفاذ الضوء يتناسب عكسيًّا مع ازدياد العمق. ويبدو المحيط أزرق اللون إذا نظرنا إليه نظرة جانبية، وأسود اللون إذا نظرنا إليه بزاوية مائلة نحو الأسفل. وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو (قرص سيتشي The Secchi Disk)، وهو عبارة عن قرص أبيض ذي قطر معين يتم إنزاله في الماء ليسجل العمق الذي تتعذر رؤيته كنقطة قياسية ولا يزال هذا القرص الذي وصفه ـ لأول مرة في الكتب العلمية ـ كل من (سيلادي وسيتشي Ciladi and Secchi)، في عام 1281هـ/1865م ـ قيد الاستعمال(1)، حيث يكفي لتحديد قياس تقريبي لشفافية الماء.

    إن صورة طبقات الأمواج التي تعلو إحداها الأخرى (بعضها فوق بعض) تثير الدهشة. والمظهر المعقد للأمواج على سطح البحر معروف تمامًا للبحارة وصيادي الأسماك. وتزداد سرعة الأمواج في المياه العميقة مع ازدياد طول الموجة (وهي المسافة الفاصلة بين ذروة موجة وأخرى) بحيث تتحرك الأمواج الطويلة بسرعة أكبر من الأمواج القصيرة. ويندر أن نشاهد مجموعة واحدة من الأمواج على سطح البحر، فهناك عادة مجموعات مختلفة من الأمواج، ويتفاوت طول الموجة في كل مجموعة ويختلف اتجاه قدومها كذلك. وهذا التفاعل المعقد بين الأمواج العديدة، يضفي على سطح البحر مظهره العادي الذي يصعب تمييزه، ولكن الآية الكريمة لا تشير إلى تلك الأمواج الصغيرة القصيرة التي تعلو الأمواج الكبيرة الطويلة، إذ إنها تشير بوضوح إلى وجود موجة عميقة جدًّا تعلو طبقة من الظلمة وتعلوها موجة أخرى، وهذه حالة لا توجد على سطح الماء.

    إن الأمواج الداخلية التي تحدث في عمق المحيط معروفة أيضًا، غير أنها لم تعرف علميًّا إلا منذ أقل من مئة سنة وهي تحدث داخل البحر ـ إلا في حالات قليلة معروفة ـ وعلى امتداد سطوح طبقات المياه المختلفة الكثافة والمتفاوتة في درجة حرارتها وملوحتها، وتشير الآية الكريمة ـ على ما يبدو ـ إلى هذه الأنواع من الأمواج.



    مناقشة:

    بالرغم من أن قرص سيتشي يعتبر وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية، وبالرغم من استعماله على نطاق واسع، إلا أن قياس هذا الاختراق في ماء البحر بصورة أدق لم يتحقق إلا باستخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي(2). وبتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهروضوئية خلال الثلاثينيات(3).

    ومن المعروف الآن أن كمية الضوء التي تنفذ إلى أعماق البحار تتناقص تناقصًا رأسيًّا. وفقًا لما يراه (جيرلوف jerlov)(4). فينخفض مستوى الإضاءة في مياه المحيط المكشوفة إلى نسبة 10% من مستواه عند السطح في عمق 35م، وإلى 1% في عمق 85م، وإلى 0.1% في عمق 135م، وإلى 0.01% عند عمق 190م، وإن كان بعض الأشخاص الذين قاموا بالدراسة والمراقبة من الغواصات ـ ولمدد طويلة ـ أفادوا أنهم تمكنوا من رؤية الضوء في أعماق تزيد على ذلك.

    ويرى كل من (كلارك) و(دنتون)(5) أن الإنسان يستطيع أن يرى الضوء المنتشر على عمق 850م، ومن الواضح أن الأسماك التي تعيش في أعماق البحار ترى أفضل من ذلك إلى حد ما، وهي قادرة على اكتشاف الضوء المنتشر حتى عمق 1.000م مع أن شدة الضوء عند هذا العمق تبلغ 1×1310 من شدته عند السطح.

    يعود الفضل في تفسير ظاهرة الأمواج الداخلية للدكتور (ف.و. ايكمان V.W.Ekman) 1322هـ/1904م(6) الذي فسر بها ما يعرف بظاهرة المياه الراكدة التي توجد في الفيوردات ـ الخلجان النرويجية ـ فالسفن التي تبحر في هذه الخلجان تفقد فجأة قدرتها على التقدم فتقف ساكنة في (المياه الراكدة)، ولم تحظ هذه الظاهرة إلا بقدر يسير من الاهتمام العلمي، إلى أن لاحظ المستكشف وعالم المحيطات النرويجي (فريتيوف نانسن Nansen) تعرض سفينته (فرام Fram) لهذه الظاهرة شمال جزيرة (تايمير) خلال عملية استكشاف القطب الشمالي في السنوات (1311ـ1314هـ)، (1893ـ1896م) التي حاول خلالها أن يجتاز منطقة القطب.

    ولقد شجع (نانسن) (ايكمان) على البحث عن تفسير ظاهرة (المياه الراكدة)، وكان في رأي (ايكمان) أنها تنجم عن الأمواج الداخلية التي تتولد على السطح الفاصل بين الكثافة الضحلة للمياه العذبة السطحية ومياه المحيط التي تحتها.

    وَتَعُبُّ الجداول والطامينات الجليدية الآخذة في الذوبان خلال فصل الصيف كميات كبيرة من المياه العذبة في الفيوردات والبحار الساحلية ـ مما يؤدي إلى تكون طبقة رقيقة من المياه العذبة تطفو على سطح ماء البحر المالح، وإذا بلغ سُمك هذه الطبقة الرقيقة من المياه العذبة ما يقارب عمق غاطس السفينة فقد تتولد عن حركة السفينة الأمواج الداخلية على السطح الفاصل بين المياه العذبة والمياه المالحة، ويمكننا أن نلاحظ بسهولة الأمواج السطحية التي تتولد عن اندفاع السفينة إلى الأمام. وتتكون هذه الأمواج عند مقدمة السفينة وجوانبها، وتمتد إلى الخارج وإلى الخلف بزاوية حادة على طريق السفينة، وتتبعها لمسافة تزيد عن طولها عدة مرات، والأمواج التي تتولد في الأعماق الضحلة على سطح المياه المختلفة الكثافة تشبه الموجات السطحية ـ ولكن لا يمكن أن تشاهد بسهولة من فوق سطح الماء ـ وتستهلك عملية تكونها جزءًا كبيرًا من الطاقة التي كان يمكن استخدامها لدفع السفينة إلى الأمام. ولا تزيد سرعة الأمواج الداخلية عن عقدتين بالنسبة لغاطس السفن العادية الذي لا يزيد عن عدة أمتار.

    فالسفن التي تبحر بسرعة أكبر من ذلك لا تعاني من المياه الراكدة، لأن الزخم الذي يستهلك في تكوين الأمواج الداخلية صغير إذا قارناه بزخم السفينة المسرعة. أما السفن التي تبحر بسرعة منخفضة فإن تكوّن الأمواج الداخلية قد يستنفذ جُلّ الطاقة التي كانت ستدفع السفينة إلى الأمام مما يؤدي إلى توقّف السفينة في المياه الراكدة.

    وبعد مُضيّ وقت غير طويل على وصف (ايكمان) للأمواج الداخلية القصيرة التي تقترن بحركة السفن، وصف (اوتو باترسون Otto Petterson) تأثير الأمواج الداخلية الطويلة التي تحدث في أعماق البحار على هجرة الأسماك.

    وفي فصل الصيف تحمل الأمواج الطويلة (التي يدوم زمنها بين 8 و10 أيام) المياه ذات الملوحة البحرية الطبيعية (على شكل تيار) إلى الكاتيغات(6) والخلجان مما يدفع المياه السطحية العذبة إلى الخارج، الأمر الذي أدى إلى اختفاء مجموعات الأسماك من نوع هيرينج (herring) التي توجد بالقرب من سواحل جوتلاند (Jutland) اختفاءً تامًّا داخل خلجان الساحل الغربي للسويد، كما لو أنه تم بفعل مضخة تفريغ هائلة(7).

    والاختلاف في كثافة المحيط المفتوح أقل منه في المناطق الساحلية، ويكون السطح الفاصل بين الكثافات المختلفة ـ والتي تتكون عليها الأمواج الداخلية بصفة عامة ـ عند منطقة المنحدر الحراري الرئيس، الذي يفصل مياه السطح الدافئة عن مياه الأعماق الباردة. وقد يتراوح سُمك طبقة المياه الدافئة من بضع عشرات إلى مئات من الأمتار. ويتراوح طول الأمواج الداخلية في منطقة المنحدر الحراري من عشرات إلى مئات من الكيلومترات. وبالرغم من أن الإزاحة العمودية تبلغ عادة بضع عشرات أو أقل لكنها قد تصل إلى 100 متر(Cool. ويمكن مشاهدة تأثير الأمواج الداخلية على سطح البحر، لأنها عندما تتولد على عمق أقل من 100 متر من السطح تولد أحزمة شفافة خالية من التموجات تقع خلف قمم الأمواج الداخلية، وتكون موازية لها(9).

    وقد يكون مرور الأمواج الداخلية محسوسًا بصورة أقوى من قبل الغواصات، إذ قد يطرأ تغير مفاجئ على السفن التي تنقب عن النفط في المياه العميقة عندما يصبح المعوّم- الذي يربط سفينة الحفر بفتحة البئر الكائنة في قاع البحر - بصورة مفاجئة كثير العوم أو ثقيلاً، والمعتاد أن يكون ساكنًا.

    وقد تنشأ في المضايق والقنوات أمواج داخلية ذات أشكال خاصة. والأمواج الداخلية ظاهرة شائعة في مضيق جبل طارق. وقد يتسبب التدفق الداخلي للتيار السطحي القوي، والتدفق الخارجي للتيار السفلي، في دخول الأمواج الداخلية من المحيط الأطلنطي إلى المضيق، كأنها أمواج متكسرة، مثل الأمواج المزبدة على الشاطئ، مما يتسبب في قدر كبير من الاضطرابات الداخلية.

    الوقت بالساعات الشمسية

    لاحظ أن مقدمة الموجة زاد انحدارها حتى تكاد تتعرض للانكسار وتكون موجة منكسرة داخلية (internal Surf) نقل عن كل من جاكسوبسون وتومسون (Jacobson and Thompson)(10).

    وتنطوي مضائق ميناء مسينا على ظاهرة أمواج داخلية اشتهرت منذ أقدم العصور، وهي دوامة (تشاريبديز Charybdis)، وفي ملحمة (هوميروس Homers) الكاتب الإغريقي القديم (الأوديسا Odyssey) التي تصف رحلة عودة بطل الملحمة الشعرية (أوليسيوس Ulysses) إلى وطنه بعد معركة طروادة ـ والتي كتبت حوالي عام 720 قبل الميلاد.

    وفي ملحمة (أرغونوتيكا Argonautica) التي تروي قصة بحث (جيسون Jason) عن جزة الصوف الذهبية ـ والتي كتبها (أبولونيوس روليوس Appollonius) في القرن الثالث قبل الميلاد ـ توصف مضائق (مسينا Messina) بأنها خطرة جدًّا بسبب دوامة تشاريبديز (على طول ساحل صقلية) ودوامة شيلا (على الساحل الإيطالي).

    وتوصف دوامة تشاريبديز بأنها تبتلع السفن. ولا تزال هذه الدوامة تظهر تحت هذا الاسم على بعض الخرائط الملاحية، بالرغم من تضاؤلها كثيرًا منذ العصور القديمة عن طريق الزلازل التي غيرت قاع البحر. وتوصف دوامة شيلا: كوحش له ستة أذرع وستة رؤوس، ومع ذلك اعتبرت أقل خطرًا من دوامة (تشاريبديز)، ولربما كانت هي أيضًا منطقة مضطربة من البحر.

    وتنتج حركة اضطراب المياه من تكون الأمواج الداخلية بين المياه الأخف كثافة في البحر (التيريني Tyrrhenian) والمياه الأكثر كثافة للبحر (الآيوني Ionian)

    وعند دخول الأمواج هذا المضيق تتكسر الأمواج الداخلية وتكون (زبدًا داخليًّا) يمكن أن يصل إلى السطح وتكون له آثار لافتة للنظر(11)، وفي وصف حديث لدوامة تشاريبديز نقرأ ما يلي:

    (خرجت مرة سليمًا من الدوامة عند الفجر، وكانت الريح تهب على مؤخرة السفينة، والأمواج تدفعنا إلى الخلف، وفجأة توقفت الدفة عن توجيه السفينة التي مالت بنا نحو اليمين بقوة كبيرة، وأرغى البحر وأزبد من حولنا، واتخذ مظهرًا زيتيًّا غريبًا، ثم اندفعت من أعماق البحر كمية الماء البارد)(12).

    فهل هناك مناطق أخرى كان للأمواج الداخلية فيها آثار سطحية بارزة وعرفها العرب قديمًا؟

    هذا أمر بعيد الاحتمال، لأن العرب لم يكونوا من الشعوب البحرية قبل ظهور الإسلام، بل كانوا ينتقلون في الصحاري في القوافل التجارية، ولم يشتهروا بالملاحة البحرية إلا بعد نزول القرآن الكريم وانتشار الإسلام بسرعة كبيرة، الأمر الذي استدعى خوض البحار.

    وربما اقترنت لدى الأقدمين ملامح مثيرة للانتباه بسبب الاختلاف الكبير في كثافة الماء الذي يتدفق من البحر الأسود،وإليه عبر مضيق البوسفور والدردنيل، واختلاف الكثافة بدرجة أقل في المضيق الذي يصل البحر الأحمر بخليج العقبة وخليج عدن.

    وحتى لو سمع العرب بهذه الظاهرة لكان من الصعب أن نتصور أنهم فكروا في إمكانية وجود الأمواج الداخلية، لأن كثيرًا من الشعوب البحرية القديمة التي وصلت مستوى رفيعًا من المعرفة لاحظت الآثار السطحية لهذه الأمواج، ولكنها عجزت عن تفسيرها.

    وكان الفهم العلمي للآثار المترتبة على اختلاف الكثافة ـ بسبب الحرارة والملوحة، وفهم آثار تضاريس قاع البحر ـ منعدمًا في تلك العصور الغابرة.

    وربما لاحظ المراقب الذكي للبحر آثار الأمواج التي تحدث تحت الأمواج السطحية، أما معرفة وجود الأمواج الداخلية نفسها فهو أمر لا يزال من الصعب تخيله.

    الخاتمة

    تدل الآية الكريمة سالفة الذكر على ما يلي:

    1 ـ إن الظلام ينتشر في أعماق المحيطات.

    2 ـ إن مياه المحيطات تحوي الأمواج الداخلية.

    3 ـ إن هناك فوق الأمواج الداخلية طبقة مائية أخرى هي الطبقة السطحية التي تحوي الأمواج السطحية.

    4 ـ إن هذه الطبقات المائية تولد بالإضافة إلى الغيوم التي تعلوها طبقات من الظلام التدريجي.

    5 ـ إن ظاهرة الظلام تتزامن مع الأمواج الداخلية في المياه العميقة.

    6 ـ إن فكرة انتشار الظلام في أعماق المحيطات لا تعتبر غريبة على صيادي الأسماك والبحارة، أما فكرة الأمواج الداخلية في المحيط وعلى سطحه فليس من المحتمل أنها كانت شائعة لديهم.

    وهناك احتمال بعيد بأن المراقب الحاد الملاحظة ربما قرن بين حركة الأسماك أو الآثار غير العادية في المياه السطحية بوجود أمواج داخل المحيط، ولكن المؤلفات القديمة لا تتضمن أي إشارة إلى ذلك.

    وفي حقيقة الأمر: إن (وليارد باسكون Willard Bascom) ذكر ما يلي في أمواج المحيط: (إنها على قدر كبير من التعقيد بحيث إن ملاحظات البحارة والمسافرين بحرًا وعلى مدى 2000 سنة لم تقدم أي تعليل يزيد على القول بأن الرياح تؤدي إلى تكون الأمواج بطريقة ما، أما حركات المحيطات فقد كانت أعقد من أن يفهمها التفكير الحدسي)(13). وإنه لَمِمَّا يدعو إلى الدهشة حقًّا أن القرآن الكريم قد أشار إلى هذه الظاهرة منذ 14 قرنًا في دقة متناهية، وتصوير رائع مثير، تتفاعل معه النفس وكأنها أمام واقع حي تشاهده في قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾[ النور: 40].







    المراجع

    1.Ciladi, M., Secchi, P.A, 1885 sur la transparence de la mer: Comptes Rendus des seances de l’Academie des Sciences, pp 100 – 104.

    2.Fol, H. and Sarasin, E. 1994, Sur la penetration de la lumiere du jour dans les eaux du Lac de Genenve: Comptes Rendus des seances de l’Academie des Sciences, pp 624-627.

    3.Atkins, W.G.R. and Poole, H. H., The photochemical and photoelectic measurement of submarine daylight: lour. Marine Biological Assoc., V. 16, PP 509-514.

    4.Jerlov, N.G., 1976, Marine Optics, Elsevier, Am-sterdam, xxxx.

    5.Clarke, G. L., and Dention, e. J., 1962, Light and animal life, in Hill, M., editor, The sea, v.1, Physical Oceanography, Interscince Publishers, New Yourk, PP. 456-468.

    6.Ekman, V.W., 1904, On dead water: Scientfic Results, Norwegian North polar Expedition, 1893-1896, V.5, pp 1-162.

    7.murray, J., and Hjort, J., 1912, The Depths of the Ocean, Macmillan and Co., London, xx + 821.

    8.Sverdrup, H. U., Johnson, M. W., and Fleming, R. H., 1942 The Oceans, Their Physics, Chemistry and General Biology, Prentice-Hall, Englewood Cliffs, NJ, x + 1087 pp.; La Fond, E.c., Internal Waves, part in hill, M.N., editor, The sea vil, physical Oceanography, Interscience Publishers, New York, pp 731-751; Cox, C.S., internal Waves,part ii, in hill, M. N., editor, The Sea, v.i, physical Oceanography, intersicince publishers, New York, pp 731-751; Cox, C.S. internal Waves, part ii, in hill, M. N., editor, The Sea, v. I, physical Oceanography, interscince publishers, New yourk, pp 752-763.

    9.Dietrich, G., 1963, General Oceanography: An introduction, interscience Publishers, New York, xv + 588 pp.

    10.Bradford, E., 1968, Voyage in search of fabled lands, in Severy, M., editor, Greece and Rome: builders of World National Geography Society, Washington, pp 74-111.

    11.Bescom, W., 1959, Ocean Waves in Readings from Seientific American, The physics of Everday phenomena, W. H. Freeman and Company, San Francisco, pp 62-72.

    12.Whipple, A.C. and The Editors of Time-Life Books, Restless Oceans, 1983, Timelife Books, inc, Alexandria, virginia.

    13.Boorstin, D. J., Ch. 24 in The Discoverers, 1983, Vintage Books, New York.

    المصدر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الخوف والمطر

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:57



    الخوف والمطر



    أول معركة خاضها محمد -صلى الله عليه وسلم- بين الكفر والإسلام في غزوة بدر الكبرى حيث خرج المسلمون، وهم قلة يريدون قافلة الكفار، وإذا الأمر تحدث فيه المفاجآت فهم أمام جيش قوي كبير أضعافهم عدد، وتدور المعركة، ويثق الكفار بأن النصر لهم قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ﴾ [الأنفال:44]

    إن المسلمين قلة ثلاث مئة أو يزيدون عددا قليلا، أما الكفار فكانوا ألفا فيهم مائتا فارس، والفارس يحسب بعشرة من المقاتلين، لما نظر الكفار المسلمين وقد زاد عدد الكافرين وقد قل المسلمون في نظر الكافرين أيضا أيقنوا أن النصر لهم, فأرادوا أن يسجلوا نصرا في مجال العقيدة , إلى جانب النصر المضمون في مجال المعركة فخرجوا يستفتحون الله يقولون : اللهم من كان منا على حق فانصره لكن الله لا يضيع عبادة، لا يضيع رسوله -صلى الله عليه وسلم- لقد علم الرسول أنها موقعة فاصلة , فاستغاث بربه فأنزل الله قوله : ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ*وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [ الأنفال:9-10].

    فعندما يرى المسلمون جند الله بينهم تطمئن القلوب, وما النصر إلا من عند الله , لا من عند الملائكة ولا من عند البشر ثم ماذا ؟ هذا النعاس الذي جعله الله نعمة للناس, إذا ناموا استعادت أبدانهم قوتها بعد إجهاد وتعب يشاء الله أن يخرق السنة للمسلمين الخائفين ليلة المعركة, فنزل عليه نعاسا يغشاهم جميعا , في لحظة واحدة, فينام كل واحد منهم على حاله ومع هذا النعاس الذي غشيهم جميعا حيث النوم العميق والأمان القوي احتلم بعض المسلمين فأجنب فقاموا في الصباح, فجاء الشيطان واعظا لهم يقول: كيف تدخلون معركة وأنتم جنب ؟!! كيف تقتلون وتلقون الله وأنتم جنب ؟! فرد الله كيد الشيطان فأنزل مطرا من السماء ليطهر المسلمين به, ويذهب عنهم رجز الشيطان.

    يقول الأطباء عند الخوف تفرز في الدماء مادة معينه ترتعش منها الأطراف فلا تثبت, ومن وسائل تثبيت الأطراف بتقليل هذه المادة أن يرش من هذه حالته بالماء, وقد كان نزول الماء أيضا من الأسباب المادية التي جعلها الله وسيلة لتثبيت الأقدام, بتقليل هذه المادة في الدماء إلى جانب تثبيت الأرض التي يسير عليها المجاهدون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتكون ثابتة تحت أقدامهم , لأن الرمال إذا بللت تماسكت وسار عليها السائر بعزم وثبات وتتقدم القدم فلا تغوص ونزل الماء على الكفار فعطلهم عن السير ترى عندما التقى الجيشان ماذا كانت النتيجة ؟ بعد المعركة وبعد أن التحم الصفان صفت الملائكة مع المؤمنين إذا بالمؤمنين يزدادون عددا في نظر الكافرون , ويرونهم مثليهم رأى العين بعد أن كانوا يرونهم قليلا ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْن ﴾[آل عمران:13].

    المصدر " العلم طريق الإيمان " للشيخ عبد المجيد الزنداني

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    المعجزة العلمية في القرآن والسنة

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 18:58

    المعجزة العلمية في القرآن والسنة

    فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني

    · الإعجاز العلمي

    · اللقاء حتمي والمعجزة واقعة

    · الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي

    · مصادر أبحاث الإعجاز العلمي

    · قواعد أبحاث الإعجاز العلمي

    · أوجه الإعجاز العلمي

    · أبحاث الإعجاز العلمي في ضوء منهج السلف وكلام المفسرين

    · أهمية أبحاث الإعجاز العلمي وثمارها

    · ميادين أبحاث الإعجاز العلمي



    الإعجاز العلمي

    تعريف الإعجاز :

    الإعجاز مشتق من العجز. والعجز : الضعف أو عدم القدرة.والإعجاز مصدر اعجز : وهو بمعنى الفوت والسبق.(1) والمعجزة في اصطلاح العلماء : أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة.(2)

    وإعجاز القرآن : يقصد به: إعجاز القرآن الناس أن يأتوا بمثله. أي نسبة العجز إلى الناس بسبب عدم قدرتهم على الآتيان بمثله.

    تعريف العلم :

    وصف الإعجاز هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم.

    والعلم : هو إدراك الأشياء على حقائقها. أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً.(3) والمقصود بالعلم في هذا المقام : العلم التجريبي. وعليه فيعرف الإعجاز العلمي بما يلي:

    تعريف الإعجاز العلمي:هو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي،وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول.وهذا مما يظهر صدق الرسول محمد فيما أخبر به عن ربه سبحانه. لكل رسول معجزة تناسب قومه ومدة رسالته: ولما كان الرسل قبل محمد يبعثون إلى أقوامهم خاصة، ولأزمنة محدودة فقد أيدهم الله ببينات حسية مثل: عصا موسى عليه السلام، وإحياء الموتى بإذن الله على يد عيسى عليه السلام، وتستمر هذه البينات الحسية محتفظة بقوة إقناعها في الزمن المحدد لرسالة كل رسول، فإذا حرف الناس دين الله بعث الله رسولاً آخر بالدين الذي يرضاه، وبمعجزة جديدة، وبينة مشاهدة.

    المعجزة العلمية تناسب الرسالة الخاتمة والمستويات البشرية المختلفة:ولما ختم الله النبوة بمحمد ضمن له حفظ دينه، وأيده ببينة كبرى تبقى بين أيدي الناس إلى قيام الساعة، قال تعالى:﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾[الأنعام:19] ومن ذلك ما يتصل بالمعجزة العلمية.وقال تعالى: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ [النساء:166].وفي هذه الآية، التي نزلت رداً على تكذيب الكافرين، بنبوة محمد(4)بيان لطبيعة المعجزة العلمية، التي تبقى بين يدي الناس، وتتجدد مع كل فتح بشري في آفاق العلوم، والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي.قال الخازن عند تفسير هذه الآية :"لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة، بواسطة هذا القرآن، الذي أنزله عليك"(5)وقال ابن كثير :"فالله يشهد لك بأنك رسوله، الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم … ولهذا قال : أنزله بعلمه : أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى، والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب، من الماضي والمستقبل(6).وقال أبو العباس بن تيمية :فإن شهادته بما أنزل إليه، هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر، هو خبر عن علم الله، وليس خبراً عمن دونه، وهذا كقوله:﴿فَإِْن لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾[هود:14]، وليس معنى مجرد كونه أنزله أنه معلوم له، فإن جميع الأشياء معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق، لكن المعنى : أنزله فيه علمه، كما يقال: فلان يتكلم بعلم، فهو سبحاه أنزله بعلمه، كما قال:﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (7)[الفرقان:6].وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين(Coolوهكذا تسطع بينه الوحي، المنزل على محمد –صلَّى الله عليه وسلَّم – بما نزله فيه من علم إلهي، يدركه الناس في كل زمان ومكان، ويتجدد على مر العصور، ولذلك قال:"ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً، أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".(9) قال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث:"ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه، وفي بلاغته، وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار، إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون ؛ يدل على صحة دعواه فعم نفعه من حضر، ومن غاب، ومن وجد، ومن سيوجد"(10).﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ*وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾وبينة القرآن العلمية يدركها العربي والأعجمي، وتبقى ظاهرة متجددة إلى قيام الساعة.ففي القرآن أنباء تعرف المقصود منها، لأنها بلسان عربي مبين، لكن حقائقها وكيفياتها لا تتجلى إلا بعد حين.قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ*وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) ﴾[ص:87-88].قال الفراء في تفسير الحين الذي ذكرته الآية أنه: "بعد الموت وقبله أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول (بعد حين) أي في المستأنف"(11)وذهب السدي الكبير إلى هذا المعنى(12)وقال ابن جرير الطبري، بعد ذكر الأقوال المتعددة، في تفسير الحين الذي ذكرته الآية )وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال : أن الله أعلم المشركين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين، من غير حد منه لذلك الحين بحد، ولا حد عند العرب للحين، لا يجاوز ولا يقصر عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا قول فيه أصح من أن يطلق، كما أطلقه الله، من غير حصر ذلك على وقت دون وقت(13).﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾[الأنعام:67]، وشاء الله أن يجعل لكل نبأ زمناً خاصاً يتحقق فيه، فإذا تجلى الحدث ماثلا للعيان أشرقت المعاني، التي كانت تدل عليها الحروف والألفاظ في القرآن، وتتجدد المعجزة العلمية عبر الزمان، وإلى هذا الزمن أشار القرآن في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُون َ﴾ [الأنعام:67].ويبقى النبأ الإلهي محيطاً بكل الصور، التي يتجدد ظهورها عبر القرون.وقال ابن جرير الطبري :"لكل نبأ مستقر، يقول : لكل خبر مستقر، يعني قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها ليتبين حقه وصدقه، من كذبه وباطله.وسوف تعلمون. يقول : وسوف تعلمون أيها المكذبون بصحة ما أخبر به"(14)وقال ابن كثير :قال ابن عباس وغير واحد : أي لكل نبأ حقيقة، أي لكل خبر وقوع، ولو بعد حين، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين ﴾ٍ[ص:88] ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:38].(15)إلى هذا ذهب كثير من المفسرين(16)أنباء الأرض والسماء في القرآن والسنة، تتجلى في عصر الاكتشافات :وأن خبر القرآن والسنة، وما فيهما من أوصاف لما في الأرض والسماء، هو نبأ إلهي عما في الأرض والسماء، ممن هو أعلم بما خلق فيهما من أسرار.﴿... قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ... ﴾ [يونس: 18] فالخبر بما في الأرض والسماء، نبأ عما في الأرض والسماء.ولقد زخر القرآن والسنة، بأنباء الكون وأسراره، وتفجرت في عصرنا علوم الإنسان، باكتشافاته المتتالية، لآفاق الأرض والسماء فحان الحين لرؤية حقائق العلم، الذي نزل به الوحي في القرآن والسنة.﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت:53].ولقد أعلنت البشرية اليوم قبولها العلم طريقاً إلى معرفة الحق، بعد أن كبلت طويلاً بأغلال التقليد الأعمى، فشيدت للعلم البناء، وفرغت لخدمته العلماء، ورصدت له الأموال، وما أن وقفت العلوم التجريبية على قدميها إلا وبدأت في تأدية رسالتها، التي حدد الله لها في جعلها طريقاً إلى الإيمان به، وشاهداً على صدق رسوله.لقد نزل القرآن في عصر انتشار الجهل، وشيوع الخرافة، والكهانة، والسحر، والتنجيم، في العالم كله، وكان للعرب النصيب الأوفى، من هذه الجاهلية والأمية، كما بين القرآن ذلك بقوله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة:2].لقد نزل القرآن على قوم استماتوا في الصد عنه، دفاعاً عن أصنامهم، التي كانوا عليها عاكفين، وتعلقاً بما آمنوا به من خرافات السحر، والكهانة،والتنجيم، وأوهام الأزلام، والتشاؤم من بعض الشهور، ومن مرور بعض أنواع الحيوان، وجادلوا عن ضلالتهم في طلب الحماية من ملوك الجان، في الشعاب والوديان.وهذا مثل من الضلال الفكري، الذي كان عليه العرب عند نزول القرآن وكان العرب أمة أمية، وبعد أن حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على القراءة والكتابة والعلم. والحساب، لم يجدوا أمامهم من أدوات الكتابة إلا الجلود، والأحجار الرقيقة، وعسب النخل، وعليها كانوا كتبون.(17)في ذلك العصر، وعلى تلك الأمة، نزل الوحي، وفيه علم الله، يصف أسرار الخلق في شتى الآفاق، ويجلي دقائق الخلق في النفس البشرية، يقرر البداية، ويصف أسرار الحاضر، ويكشف غيب المستقبل الذي ستكون عليه سائر المخلوقات.وعندما دخل الإنسان في عصر الاكتشافات العلمية، وامتلك أدق الأجهزة للبحث العلمي، وتمكن من حشد الجيوش من الباحثين، في شتى الآفاق، وجمعهم في ميادينه، على اختلاف الأجناس، يبحثون عن الأسرار المحجوبة في آفاق الأرض والسماء، وفي مجالات النفس البشرية، يجمعون المقدمات، ويرصدون النتائج، في رحلة طويلة عبر القرون، فإذا ما تكاملت الصورة، وتجلت الحقيقة وقعت المفاجأة الكبرى، بتجلي أنوار الوحي الإلهي، الذي نزل على محمد قبل ألف وأربعمائة عام، بذكر تلك الحقيقة في آية من القرآن أو بعض آية، أو في حديث لرسول الله أو بعض حديث بدقة علمية معجزة، وعبارات مشرقة، وبهذا أنبأنا القرآن.قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:52-53] فهيا لنتدبر بعض معاني هذا النص القرآني:لقد ورد الأفق في اللغة بمعنى : ما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض، وآفاق السماء: نواحيها(18)وآيات الله في آفاق الأرض والسماء تحمل معاني ثلاثة: الأول : المخلوقات التي خلقها الله في شتى آفاق الأرض والسماء مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ... ﴾[الشورى:29].

    الثاني : آيات القرآن التي تخبر وتصف أنواع المخلوقات، وهي آيات كثيرة.

    الثالث : البينات والمعجزات التي يظهرها الله تصديقاً لرسول صلى الله عليه وسلم في شتى آفاق الأرض والسماء برؤية مصداقها من حقائق الخلق حينا بعد حين.قال الشوكاني :﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ﴾: سنريهم صدق دلالات صدق القرآن، وعلامة كونه من عند الله في الآفاق وفي أنفسهم …. والمعنى : سنريهم آياتنا في النواحي وفي أنفسهم(19).وقال ابن كثير:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾: أي ستظهر لهم دلالاتنا، وحججنا، على كون القرآن حقاً منزلا من عند الله، على رسول الله صلى الله عليه وسلمبدلائل خارجية في الآفاق(20).وقال الزمخشري :ومعناه أن هذا الموعود، من إظهار آيات الله في الآفاق، وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدون، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب، الذي هو على كل شيء شهيد، أي مطلع ومهيمن، يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حق وأنه من عنده(21).بهذا قال كثير من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ وقال أبو العباس بن تيمية :وأما الطريق العياني : فهو أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية، ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [ فصلت:53] أي: أولم يكف بشهادته المخبرة بما في علمه، وهو الوحي الذي أخبر به الرسول فإن الله على كل شيء شهيد وعليم به.(22)ولقد قرر عطاء وابن يزيد أن معنى (الآفاق) المذكورة في الآية هو ما نقله عنهما القرطبي في تفسيره:"وقال عطاء وابن زيد أيضاً : في (الآفاق) يعني أقطار السموات والأرض، من الشمس والقمر، والنجوم والليل والنهار، والرياح والأمطار، والرعد والبرق، والصواعق، والنبات والأشجار، والجبال والبحار، وغيرها"(23).وروى هذا عنهما عدد من أئمة التفسير(24).وفي الجلالين :﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ﴾: أقطار السموات والأرض من النيران والنبات والأشجار.﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾: من لطيف الصنعة وبديع الحكمة(25).فهذه آيات الله في كتابه تتحدث عن آياته في مخلوقاته، وتتجلى بمعجزة علمية بينة تسطع في عصر الكشوف العلمية في آفاق الكون.

    اللقاء حتمي والمعجزة واقعة

    إننا على وعد من الله عز وجل بأن يرينا آياته، فيتحقق لنا – بهذه الرؤية – العلم الدقيق بمعاني هذه الآيات، قال تعالى : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا... ﴾ [النمل:93].ومخلوقاته من آياته، ومنها ما جاء في القرآن وصفاً ونبأ عن آياته في السموات والأرض.وروى الطبري عن ابن أبي نجيح وابن جريج عن مجاهد، أنه قال في تفسير هذه الآية:"قوله: ﴿ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾قال : في أنفسكم والسماء والأرض والرزق".(26)

    وقال ابن كثير في تفسير الآية :"أي الحمد لله الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى:﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا،﴾كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾.(27)وبمثل هذا قال القرطبي في تفسيره(28). والألوسي في تفسيره(29).وقال أبو حيان في البحر المحيط :"سيريكم آياته : تهديد لأعدائه بما يريهم الله من آياته، التي تضطرهم إلى معرفتها، والإقرار أنها آيات الله … وقيل آياته في أنفسكم، وسائر ما خلق، مثل قوله : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، وقيل معجزات الرسول، وأضافها إليه لأنه هو مجريها، على يدي الرسول، ومظهرها من جهته.(30)وبمثل ما قال أبو حيان، قال البقاعي، في نظم الدرر(31):ومما سبق يتبين لنا أن البشرية على موعد من الله متجدد ومستمر بكشف آياته في الكون، وفي كتابه أمام الأبصار، لتقوم الحجة وتظهر المعجزة.إنه الوحي في القرآن والسنة، يفيض بالخبر عن أوصاف المخلوقات، وهذه الأبحاث العلمية التجريبية، تتجه بدراستها وبحثها إلى نفس الميدان، الذي وصفه القرآن، وتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فاللقاء حتمي، والمعجزة لا شك واقعة.لقد جاءت العلوم البشرية التجريبية شاهدة بصدق ما أخبر به القرآن، من تحريف سائر الأديان(32) وجاءت شاهدة ومجلية لدقائق المعاني، في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ذات التعلق بالأمور الكونية. وهذه مناكب دعاة الإسلام، على اختلاف تخصصاتهم العلمية، تتزاحم لبيان هذه المعجزات العلمية، وبدأ عدد من كبار علماء الكون، من غير المسلمين، يتجهون إلى نفس الميدان(33)، فمنهم من أسلم(34)، ومنهم من شهد بحقيقة المعجزة العلمية، فحان حين تجلى معاني كثير من آيات القرآن الكونية، وعدد – في نفس المجال – من الأحاديث النبوية ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:67].وإذا كان النقص يعتري بعض الدراسات، في مجال الإعجاز العلمي، في القرآن والسنة، فلا يصح أن يكون ذلك حكماً على جميعها، وإن هذا ليوجب على القادرين من علماء الإسلام، أن يسارعوا لخدمة القرآن والسنة، في مجال العلوم الكونية، كما خدمهما السلف، في مجال اللغة والأصول، والفقه،وغيرها من مجالات العلوم الشرعية، فنحن أمام معجزة علمية كبرى، تنحني أمامها جباه المنصفين من قادة العلوم الكونية في عصرنا. فالإعجاز العلمي أكده ذلك النوع من التفسير، الذي يعلمه علماء المسلمين، الذي يعلمون بأسرار المخلوقات كما أشارت هذه الآيات الكريمة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ*فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون َ ﴾ [الأنعام:95-97]. يعلمون بآيات القرآن. وآيات الأكوان، وهناك فرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي.

    الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي

    فالتفسير العلمي : هو الكشف عن معاني الآية أو الحديث في ضوء ما ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية

    أما الإعجاز العلمي: فهو إخبار القرآن الكريم، أو السنة النبوية، بحقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيراً، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية، في زمن الرسول.وهكذا يظهر اشتمال القرآن أو الحديث على الحقيقة الكونية، التي يؤول إليها معنى الآية أو الحديث، ويشاهد الناس مصداقها في الكون، فيستقر عندها التفسير، ويعلم بها التأويل، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:67]. وقد تتجلى مشاهد أخرى كونية عبر القرون، تزيد المعنى المستقر وضوحاً وعمقاً وشمولاً لأن الرسول قد أوتى جوامع الكلم(35) فيزداد بها الإعجاز عمقا وشمولاً، كما تزداد السنة الكونية وضوحا بكثرة شواهدها المندرجة تحت حكمها.

    مصادر أبحاث الإعجاز العلمي

    ولما كانت أبحاث الإعجاز العلمي متعلقة بالتفسير العلمي للآيات الكونية، ومتصلة بشرح الأحاديث في هذه المجالات، فهي فرع من فروع التفسير، وجزء من شرح الحديث وتقوم على مصادر هذين العلمين، ولما كانت قائمة على إظهار التوافق بين نصوص الوحي وبين ما كشف العلم التجريبي من حقائق الكون وأسراره، فهي كذلك تقوم على مصادر العلوم التجريبية، إلى جانب العلم المتعلق بتاريخها، كما تتصل أيضاً بعلم أصول الدين.

    قواعد أبحاث الإعجاز العلمي :

    ولقد قامت هذه الأبحاث على قواعد نوجزها فيما يلي:-

    (أ) علم الله هو العلم الشامل المحيط الذي لا يعتريه خطأ، ولا يشوبه نقص، وعلم الإنسان محدود، يقبل الازدياد، ومعرض للخطأ.

    (ب) هناك نصوص من الوحي قطعية الدلالة، كما أن هناك حقائق علمية كونية قطعية.

    (ج) وفي الوحي نصوص ظنية في دلالتها، وفي العلم نظريات ظنية في ثبوتها.

    (د) ولا يمكن أن يقع صدام بين قطعي من الوحي وقطعي من العلم التجريبي، فإن وقع في الظاهر، فلابد أن هناك خللا في اعتبار قطعية أحدهما(36).

    (هـ) عندما يري الله عباده آية من آياته، في الآفاق أو في الأنفس مصدقة لآية في كتابه، أو حديث من أحاديث رسوله يتضح المعنى، ويكتمل التوافق، ويستقر التفسير، وتتحدد دلالات ألفاظ النصوص، بما كشف من حقائق علمية وهذا هو الإعجاز.

    (و) إن نصوص الوحي قد نزلت بألفاظ جامعة(37) تحيط بكل المعاني الصحيحة في مواضيعها التي قد تتابع في ظهورها جيلا بعد جيل.

    (ز) إذا وقع التعارض بين دلالة قطعية للنص، وبين نظرية علمية رفضت هذه النظرية، لأن النص وحي من الذي أحاط بلك شيء علما،وإذا وقع التوافق بينهما كان النص دليلا على صحة تلك النظرية، وإذا كان النص ظنيا والحقيقة العلمية قطعية يؤول النص بها.

    (ح) وإذا وقع التعارض بين حقيقة علمية قطعية، وبين حديث ظني في ثبوته، فيؤول الظني من الحديث،ليتفق مع الحقيقة القطعية،وحيث لا توجد مجال للتوفيق فيقدم القطعي.

    أوجه الإعجاز العلمي:

    إن معجزة القرآن العلمية، تظهر لأهل العلم، في كل مجال من مجالاته، فهي ظاهرة في نظمه، وفي إخباره عن الأولين، وفي إنبائه بحوادث المستقبل، وحكم التشريع، وغيرها.. ولقد شاع مصطلح الإعجاز العلمي في عصرنا، للدلالة على أوجه إعجاز القرآن والسنة، التي كشفت عنها العلوم الكونية والطبية.والمتأمل في أحوال العالم قبل نزول القرآن، يرى التخلف الهائل في مجال العلوم الكونية، وكيف اختلطت المعارف الكونية للإنسان، بالسحر والكهانة والأوهام، حتى غلبت الخرافة، وسادت الأساطير، على الفكر الإنساني.ولقد انتظرت البشرية طويلاً – بعد نزول القرآن – إلى أن امتلكت من الوسائل العلمية، ما يكشف لها أسرار الكون، وإذا بالذي يكتشفه الباحثون بعد طول بحث ودراسة، تستخدم فيها أدق الأجهزة الحديثة، يرى مقررا في آية، أو حديث، قبل ألف وأربعمائة عام، وذلك فيما تعرض له الوحي من حقائق. وما كان العرب الذين خوطبوا بهذا القرآن، بحاجة إلى هذه الأوصاف، والأنباء المستفيضة فيه، وفي السنة، عن الكون وأسراره، لإثبات صدق الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، لكنه الوحي المعجز؛ الذي يحمل بينه صدقه معه، لجميع البشر، في عصورهم المختلفة، وأطوارهم المتباينة، كما قال أبو العباس بن تيمية في وصف القرآن.وقد اجتمع فيه من الآيات ما لم يجتمع في غيره، فإنه هو الدعوة والحجة، وهو الدليل والمدلول عليه، وهو البينة على الدعوى، وهو الشاهد والمشهود به(38).

    وتتمثل أوجه الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فيما يلي:

    1- في التوافق الدقيق بين ما في نصوص الكتاب والسنة، وبين ما كشفه علماء الكون(39) من حقائق كونية، وأسرار علمية،لم يكن في إمكان بشر أن يعرفها وقت نزول القرآن.

    2- تصحيح الكتاب والسنة لما شاع بين البشرية،في أجيالها المختلفة، من أفكار باطلة، حول أسرار الخلق(40) لا يكون إلا بعلم من أحاط بكل شيء علما.

    3- إذا جمعت نصوص الكتاب، والسنة الصحيحة، وجدت بعضها يكمل بعضها الآخر، فتتجلى بها الحقيقة، مع أن هذه النصوص قد نزلت مفرقة في الزمن، وفي مواضعها من الكتاب الكريم، وهذا لا يكون إلا من عند الله ؛ الذي يعلم السر في السموات والأرض.

    4- سن التشريعات الحكيمة، التي قد تخفى حكمتها على الناس، وقت نزول القرآن، وتكشفها أبحاث العلماء في شتى المجالات.(41)

    5- في عدم الصدام بين نصوص الوحي القاطعة ؛ التي تصف الكون وأسراره، على كثرتها، وبين الحقائق العلمية المكتشفة على وفرتها، مع وجود الصدام الكثير، بين ما يقوله علماء الكون، من نظريات تتبدل مع تقدم الاكتشافات، ووجود الصدام بين العلم، وما قررته سائر الأديان المحرفة المبدلة.وصدق الله القائل : ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ(49)وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(51)قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (العنكبوت:48-52).

    تنبيه:

    وكلامنا هنا محصور في قضايا الإعجاز العلمي؛ الذي تسفر فيه النصوص عن معاني لكيفيات وتفاصيل جديدة عبر العصور، أما ما يتعلق بالعقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق، فقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضح تفسيرها(42).

    أبحاث الإعجاز العلمي في ضوء منهج السلف وكلام المفسرين

    للسلف منهج سديد، في التعامل مع الأمور الغيبية ؛ التي جاء بها الوحي، وخاصة فيما يتعلق بأمر الصفات الإلهية، وأحوال يوم القيامة، وما لا سبيل إليه من غير طريق الوحي، ويتمثل هذا المنهج في الوقوف عندما دلت عليه النصوص، بدون تكلف، لمعرفة الكيفيات والتفاصيل ؛ التي لم يبينها الوحي، لأن البحث فيها كالبحث في الظلام، وهي قسر لحقائق الوحي الكبرى في قالب تصورات ذهنية بشرية، بحدود الحس والزمان والمكان، المحيط ببيئة الإنسان.وكلام الخالق سبحانه، عن أسرار خلقه، في الآفاق والأنفس، غيب، قبل أن يرينا الله حقائق تلك الأسرار، ولا طريق لمعرفة كيفياتها وتفاصيلها قبل رؤيتها، إلا ما سمعنا من طريق الوحي، وكان السلف لا يتكلفون ما لا علم لهم به.إن معاني الآيات المتعلقة بالأمور الغيبية، ودلالتها اللغوية معلومة، لكن الكيفيات والتفاصيل محجوبة، وإن من وصف حقائق الوحي الكونية، بدقائقها وتفاصيلها، بعد أن كشفها الله، وجلاها للأعين، غير من وصفها من خلال نص يسمع، ولا يرى مدلوله الواقعي، لأن وصف من سمع وشاهد غير من سمع فقط، ومثلهما كمثل اثنين استمعا وصفا لمكتبة كبيرة من صاحبها، وكان بعضها مشاهدا، وبعضها محجوبا بالستائر والظلام، وكان أحدهما لا يملك قدرة على إزاحة الستائر، وتبديد الظلام، فوصف ما حجب عنه في ضوء ما سمع، وقياسا على ما رأى، وتمكن الثاني من كشف بعض الستائر، وتبديد بعض الظلام، فرأى دقائق، وتفاصيل، وكيفيات، ما وصف له من قبل سماعا، فجاءت المشاهدة متوافقة مع السماع.ولقد وفق السلف الصالح من المفسرين كثيرا في شرحهم لمعاني الآيات القرآن، رغم احتجاب حقائقها الكونية، مع أن المفسر الذي يصف حقائق وكيفيات الآيات الكونية، في الآفاق والأنفس، وهي محجوبة عن الرؤية في عصره، قياسا على ما يرى من المخلوقات، وفي ضوء ما سمع من الوحي، يختلف عن المفسر ؛ الذي كشفت أمامه الآية الكونية، فجمع بين ما سمع من الوحي، وبين ما شاهد في الواقع.ونظراً لعدم خطورة ما يتقرر في مجال الأمور الكونية، على أمر العقيدة يوم ذاك، لم يقف المفسرون بها عند حدود ما دلت عليه النصوص. بل حاولوا شرحها بما يسر الله لهم من الدراية ؛ التي تيسرت لهم في عصورهم، وبما فتح الله به عليهم من أفهام، وكانت تلك الجهود العظيمة التي بذلها المفسرون عبر القرون، لشرح نصوص الوحي؛ المتعلقة بالأمور الكونية؛ التي لم تكشف في عصرهم؛ مبينة لمستوى ما وصل إليه الإنسان من علم، في تلك المجالات، ومبينة لمدى توفيق الله لهؤلاء المفسرين.فإذا ما حان حين مشاهدة الحقيقة، في واقعها الكوني، ظهر التوافق الجلي بين ما قرره الوحي وما شاهدته الأعين، وظهرت حدود المعارف الإنسانية ؛ المقيدة بقيود الحس المحدود،والعلم البشري المحدود بالزمان والمكان، وازداد الإعجاز تجليا وظهوراً.وكتب الله التوفيق للمفسرين، فيما شرحوه من آيات وأحاديث ؛ متعلقة بأسرار الكون وخفاياه ؛ بفضل اهتدائهم بنصوص الوحي ؛ المنزل ممن يعلم السر في الأرض والسماء، مهتدين بما علم لهم من دلالات الألفاظ، ومعاني الآيات.

    سرور رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بظهور التوافق بين الوحي، وبين الواقع:

    روى مسلم في صحيحة (43) عن فاطمة بنت قيس قال : … فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلمصلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال : "ليلزم كل إنسان مصلاه. ثم قال: أتدرون لم جمعتكم ؟" قالوا : الله ورسوله أعلم. قال "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداري، كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال" ثم ذكر لهم خبر تميم الداري ورحلته ؛ التي استغرقت أكثر من شهر في البحر، وجاءت موافقة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلممن قبل.وكان الناس يشككون في نسب أسامة بن زيد، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها – قالت : إن رسول الله دخل علىَّ مسروراً، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم ترى أن مجززاً (44)نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد (وفي رواية، وعليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما)(45) فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.وهكذا جاء الدليل من الواقع المشاهد ؛ ليحسم الخلاف، فبرقت له أسارير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم.وكم يسر المؤمن في عصرنا، وهو يشاهد حقائق الواقع،والمشاهدات الكثيرة،قد جاءت مصدقة لما جاء به الوحي،قبل ألف وأربعمائة عام.

    أهمية أبحاث الإعجاز العلمي وثمارها:

    1-تجديد بينة الرسالة في عصر الكشوف العلمية:

    إذا كان المعاصرون لرسول الله قد شاهدوا بأعينهم، كثير من المعجزات،فإن الله أرى أهل هذا العصر، معجزة لرسوله تتناسب مع عصرهم، ويتبين لهم بها أن القرآن حق، وتلك البينة المعجزة هي : بينة الإعجاز العلمي، في القرآن والسنة، وأهل عصرنا لا يذعنون لشيء مثل إذعانهم للعلم، وبيناته ودلائله، على اختلاف أجناسهم وأوطانهم وأديانهم، وأبحاث الإعجاز كفيلة بإذن الله بتقديم أوضح الحجج، وأقوى البينات العلمية، لمن أراد الحق من سائر الأجناس. وفي حجج هذه الأبحاث قوة في اليقين، وزيادة في إيمان المؤمنين.﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال:2).وظهور هذه البينات العلمية، يسكب الثقة مرة ثانية، في قلوب الذين فتنهم الكفار من المسلمين عن دينهم باسم العلم ؛ الذي قام عليه التقدم والحضارة.

    2- تصحيح مسار العلم التجريبي في العالم :

    لقد جعل الله النظر في المخلوقات ؛ الذي تقوم عليه العلوم التجريبية طريقاً إلى الإيمان به، وطريقاً إلى الإيمان برسول الله، ولكن أهل الأديان المحرفة كذبوا حقائقه، وسفهوا طرقه، واضطهدوا دعاته، فواجههم حملة هذه العلوم التجريبية، بإعلان الحرب على تلك الأديان، فكشفوا ما فيها من أباطيل، وأصبحت البشرية في متاهة، تبحث عن الدين الحق ؛ الذي يدعو إلى العلم، والعلم يدعو إليه.إن بإمكان المسلمين أن يتقدموا لتصحيح مسار العلم في العالم، ووضعه في مكانه الصحيح، طريقاً إلى الإيمان بالله ورسوله، ومصدقا بما في القرآن، ودليلا على الإسلام، وشاهدا بتحريف غيره من الأديان.

    إن البشرية بحاجة إلى الدين الحق ؛ لإنقاذها مما حل بها من خواء في الروح، وضياع في الشعور، وشقاء في النفس، بحاجة إلى الدين الذي يجمع لها بين الدين والعلم، والمادة والروح، والنظام والخلق وسعادة الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ولكنها بحاجة إلى دليل من العلم يثبت لها صحة الدين، وفي هذه الأبحاث جواب.ومما يبشر بإمكانية تحقيق هذا الهدف، وجود قاعدة كبيرة من علماء الكون المنصفين، الذين لا يترددون في إعلان ما يقتنعون به من الحق، وهم أهل الكلمة في شعوبهم، ولا يستطيع المكابرون والجاحدون أن يحجروا عليهم في كثير من بلدان العالم، فيما عدا البلاد الشيوعية ؛ التي جعلت الإلحاد منهجاً لها في الحياة. ولكن وسائل الإعلام المعاصرة قد تكون سبباً لإبلاغ أهل تلك البلاد حقائق العلم والإيمان، وربما فتح الله فيها ما لا يتيسر في غيرها.

    3-تنشيط المسلمين للاكتشافات الكونية، بدافع من الحوافز الإيمانية:

    إن التفكر في مخلوقات الله عبادة، والتفكر في معاني الآيات والأحاديث عبادة، وتقديمها للناس دعوة إلى الله، وهذا كله متحقق في أبحاث الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. وهذا من شأنه أن يحفز المسلمين إلى اكتشاف أسرار الكون ؛ بدوافع إيمانية، لعلها تعبر بهم فترة التخلف؛التي عاشوها فترة من الزمن،في هذه المجالات.وسيجد الباحثون المسلمون، في كلام الخالق عن أسرار مخلوقاته، أدلة تهديهم أثناء سيرهم في أبحاثهم، وتقرب لهم النتائج، وتوفر لهم الجهود.

    واجب المسلمين :وإذا علمنا أهمية هذه الأبحاث في تقوية إيمان المؤمنين، ودفع الفتن التي ألبسها الكفار ثوب العلم، عن بلاد المسلمين، وفي دعوة غير المسلمين، وفي فهم ما خوطبنا به في القرآن والسنة، وفي حفز المسلمين للأخذ بأسباب النهضة العلمية، تبين من ذلك كله أن القيام بهذه الأبحاث من أهم فروض الكفايات.وصدق الله القائل:﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾[البينة:1].

    ميادين أبحاث الإعجاز العلمي:

    إن كل موضوع تحدث عنه القرآن أو السنة، في أي مجال من مجالات العلم، التي ظهرت حقيقتها، والتي لا يمكن نسبة خبرها الذي جاء به الوحي، إلا إلى الله، هو ميدان من ميادين أبحاث الإعجاز العلمي،ولكن هذا المصطلح، يقصد به الإعجاز العلمي، الذي كشفت عنه العلوم الحديثة.وميادينه على هذا المفهوم :هي الميادين والمجالات الكونية؛ التي جاء ذكرها أو الإشارة إليها في القرآن والسنة، وتمكن العلم البشري من معرفة أسرارها، إلى جانب الميادين التي يحتاجها الباحث؛لتفسير النصوص الشرعية، تفسيرا صحيحا لا شطط فيه،مع معرفة بتاريخ العلوم، وتقدمها،تعينه على توضيح جوانب الإعجاز.



    الهامش:

    (1) انظر لسان العرب لابن منظور (مادة عجز) 5/370 ط دار بيروت , و المفردات للراغب الأصفهاني ص 322.

    (2) انظر معنى ذلك في تفسير القرطبي 1/96 وفتح الباري 6/581.

    (3) راجع الراغب الأصفهاني : المفردات ص 343؛ والشوكاني : إرشاد الفحول ص 4.

    (4) انظر سبب النزول ابن الجوزي : 2/257؛ الطبري 5/122؛ ابن كثير :1/590؛ الجلالين: ص 137.

    (5) الخازن في مجموعة من التفاسير : 2/210.(6) ابن كثير : 1/560.

    (7) الفتاوى: 14/196.

    (Cool ابن الجوزي : 2/257؛ الزمخشري : 1/584؛ أبو حيان : 3/399؛ الألوسي :6/19-20؛ الشوكاني : 1/539؛ البيضاوي والنسفي والخازن في كتاب مجموعة من التفسير :2/210؛ الجلالين: ص 137.

    (9) البخاري : فتح الباري: 9/3, مسلم- كتاب الإيمان.(10)فتح الباري لابن حجر: 9/7.

    (11) القرطبي: 15/231.

    (12) أبو حيان: 7/412.

    (13) الطبري: 23/121.

    (14) الطبري: 7/147.

    (15) ابن كثير: 2/144

    (16) القرطبي: 7/111 الشوكاني: 2/128؛ الرازي: 7/25-26؛ القاسمي:6/575؛ أبو السعود: 3/147؛ البقاعي: 7/145-146.

    (17) قال زيد بن ثابت عندما أمره أبو بكر الصديق أن يجمع القرآن بعد أن كثر الشهداء من حفظة القرآن: فتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال(رواه البخاري-كتاب فضائل القرآن). والعسب:جمع عسيب وهو جريد النخل, واللخاف: الحجارة الرقاق.

    (18) انظر:مقاييس اللغة لابن فارس:1/114-115 لسان العرب:10/5-6؛الصحاح للجواهري:4/1446؛تاج العروس:1/279؛ المفردات للأصفهاني: 19.

    (19) فتح القدير: 4/523.

    (20) تفسير ابن كثير: 4/106.

    (21) الكاشف:3/458.

    (22) الفتاوى: 14/189.

    (23) القرطبي: 15/374-375.

    (24) انظر : الطبري : 25/24؛ أبو حيان: 7/505؛ الخازن في مجموعة من التفاسير: 5/395؛ الشوكاني: 4/523.

    (25) الجلالين: 638.

    (26) الطبري: 20/18.

    (27) ابن كثير: 3/380.

    (28) القرطبي: 13/246.

    (29) الآلوسي: 20/40.

    (30) أبو حيان: 7/103.

    (31) البقاعي: 14/229-230.

    (32) انظر الكتاب الذي ألفه الطبيب الفرنسي المشهور: موريس بوكاي بعنوان: "التوراة و الإنجيل والقرآن في ضوء المعارف العلمية الحديثة", وأثبت فية تحريف التوراة والإنجيل وصدامهما مع العلم, وسلامة القرىن من التحريف وسبقه للعلوم الحديثة.

    (33) انظر الأبحاث التي شارك فيها سبعة من كبار علماء الأجنة والتشريح وأمراض النساء, من غير المسلمين في لجنة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة, في القاعة الكبرى في المؤتمر الطبي السعودي الثامن المنعقد في الرياض, في محرم عام 1404هـ.

    (34) مثل البرفيسور: تاجاتات تاجاسن الذي أعلن إسلامه في قاعة المؤتمر الطبي السعودي الثامن في نهاية أبحاث الإعجاز العلمي.

    (35) انظر فتح الباري: 13/247.

    (36) هذه قاعدة جليلة يقررها علماء المسلمين,وألف أبو العباس بن تيمية كتابا من أحد عشر مجلدا لبيانها تحت عنوان: "درء تعارض العقل و النقل".

    (37) قال صلي الله عليه وسلم "بعثت بجوامع الكلم". (أخرجه البخاري في الجهاد) ومسل المساجد برقم 4523, والنرمذي في السير برقم 1553 والنسائي في الجهاد باب وجوب الجهاد. وقال ابن حجر في الفتح 13/247: كان يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني, ونقل عن البخاري قوله: بلفني أن جوامع الكلم: أن الله عز وجل يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد أو الاثنين.

    (38) الفتاوى: 14/190.

    (39) البروفيسور: كيث ل. مور وهو من أشهر علماء العالم في علم الأجنة , وكتابه في علم الأجنة مرجع علمي مترجم إلى سبع لغات, منها : الروسية و اليابنية و الألمانية و الصينية. بعد اقتناعه بأبحاث الإعجاز العلمي, ألقى محاضرة في ثلاث كليات طبية في المملكة العربية السعودية عام (1404هـ) بعنوان: " مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة".

    (40) مثل ما كان شائعا بين علماء التشريح من أن الولد يتكون من دم الحيض واستمر ذلك الاعتقاد إلى أن اكتشف المجهر, في القرن السادس عشر الميلادي,ونصوص القرآن والسنة,تقرر أن الإنسان يخلق من المني,وقد رد ابن القيم وابن حجر,وغيرهما من علماء المسلمين,أقوال علماء التشريح أن مني الرجل لا أثرله في الولدإلا في عقده,وأنه إنما يتكون من دم الحيض,وأحاديث الباب تبطل ذلك".

    (41) مثل ما كشفه العلم حديثا من حكم في تحريم أكل لحم الخنزير.

    (42) التفسير والمفسرون للذهبي: 1/34.

    (43)صحيح مسلم " كتاب الفتن وأشراط الساعة" باب قصة الجساسة" حديث رقم 119" (2942).

    (44)مجزز: كان قائفا, والقائف: هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر.

    (45)انظر فتح الباري ج 12 ص 56.



    المصدر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القران والسنة

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    حالة الصدر في الطبقات العليا

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 19:00

    [

    في المؤتمر العلمي الأول عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد في إسلام آباد تقدم الدكتور صلاح الدين المغربي، وهو عضو في الجمعية الأمريكية لطب الفضاء، وهو أستاذ لطب الفضاء بمعهد طب الفضاء بلندن ببحث عن حالة الصدر في طبقات الجو العليا فقال : لنا حويصلات هوائية.

    والأوكسجين إذا دخل في الهواء ينفخ هذه الحويصلات الهوائية فنراها منتفخة , لكن إذا صعدنا إلى طبقات الجو العليا ينقص الهواء , وينقص الأكسجين فيقل ضغطه فتنكمش هذه الحويصلات ويقل الأكسجين فإذا انكمشت هذه الحويصلات ضاق الصدر يضيق ويتحرج التنفس ويصبح صعبا . قال من سطح البحر إلى ... و10 قدم لا يحدث تغير . من 000و10 قدم إلى 000و16 قدم في هذه المنطقة يبدأ الجسم في تكييف نفسه ليعدل النقص الذي حدث والتغيير الذي حدث، ومن 000و16 قدم إلى 000و25 قدم يبدأ الضيق الشديد في الصدر فيضيق الصدر , ويصاب صاحبة بالإغماء , ويميل إلى أن يقذف وتأخذه دوخة , ويكون التنفس حادا جداً، وهذه الحالة تقع للطيار الذي تتعطل أجهزة التكييف في كابينة الطائرة فكلما صعد الإنسان إلى أعلى نقص الأكسجين فيتعذر التنفس وتتحرج العمليات الحيوية , ويضيق الصدر لعدم وجود هواء يضغط على هذه الحويصلات الهوائية بل بعد 000و25 قدم تتمدد الغازات في المعدة فتضغط على الحجاب الحاجز فيضغط على الرئتين ويضيق الصدر قال : كل هذا يشير إليه المولى في قوله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾[الأنعام: 125] يضرب مثلا بحال من يصعد في السماء .. هل كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عنده من الطيران ما يمكنه من معرفة تلك الحقائق ؟! لقد كان عنده أكثر من ذلك عنده الوحي يأتيه الوحي من الله هذا البحث تقدم به أربعة من علماء الأرصاد في جامعة الملك عبد العزيز بجدة اشتركوا معه.



    المصدر "العلم طريق الإيمان " للشيخ عبد المجيد الزنداني

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    نظرة تاريخية في علم الأجنة

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 19:03

    نظرة تاريخية في علم الأجنة

    بروفيسور: ج.س.جورنجي أستاذ علم الأجنة- جامعة جورج تاون- أمريكا

    الشيخ عبد المجيد الزنداني الأمين السابق لهيئة الأعجاز

    د. مصطفي أحمد هيئة الإعجاز العلمي

    {ألقي هذا البحث في المؤتمر العالمي الأول عن الأعجاز العلمي في القرآن والسنة

    بمدينة إسلام آباد / باكستان(صفر 1408هـ/أكتوبر 1987)



    البروفيسور/ جورنجر يلقي بحثه أمام المؤتمر

    مدخـل:

    قال تعالى: ﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ }[عبس:18] تجسد هذه الآية القرآنية سؤالا أساسيا في علم الأحياء، وتعتبر معضلة معرفة كيفية تخلق الإنسان جزءا من السجلات العلمية التي دونها التاريخ عبر العصور، ويشكل سجل محاولاتنا الإجابة على هذا السؤال جزءاً كبيراً من تاريخ العلوم، ونحاول في هذا البحث تلخيص بعض معالم تاريخ علم الأجنة بهدف التمهيد للتحليلات التي سيقدمها الباحثون في هذا المؤتمر، وفيما يتعلق بكثير من النقاط التي نبرزها فيه ستلاحظون وجود آيات قرآنية وأحاديث نبوية تتصل بها. وتاريخ علم الأجنة يرتبط ارتباطا أساسيا بتاريخ العلوم العامة، وبقدر ما يعالج علم الأجنة أصل كل أشكال الحياة الراقية بقدر ما يتصل بالتطور التاريخي للتفكير الفلسفي، ولقد كان العالم يشير إلى نفسه منذ عهد غير بعيد كما كان الآخرون يشيرون إليه بـ( فيلسوف الطبيعة )

    أولا: المراحل التاريخية لعلم الأجنة:

    يمكننا أن نقسم تاريخ علم الأجنة إلى ثلاث مراحل:

    أ- المرحلة الوصفية:

    المرحلة الأولى: التي يمكن أن نسميها (علم الأجنة الوصفي) تعود إلى أكثر من ستة قرون قبل الميلاد، وتستمر حتى القرن التاسع عشر، وتم خلال هذه الفترة وصف الملاحظات الخاصة بظاهرة تطور الجنين (وتفسيرها بأساليب مختلفة ) ووجدت بعض السجلات المدونة من فترة السلالات الفرعونية الرابعة والخامسة والسادسة في مصر القديمة، وقد حمل مالا يقل عن عشرة أشخاص متعاقبين اللقب الرسمي (فاتح مشيمة الملك ) واقتضت المراسيم فيما بعد أن تحمل راية تمثل مشيمة الملك شكل أمام موكب الفراعنة، وكانت تعزى إلى خواص المشيمة قوى سحرية خفية، ودام ذلك الاعتقاد حتى عهد اليونانيين القدماء وبعدهم، وارتبط السحر بالعلم، وأقدم الوصفات المدونة للوقاية من الحمل، مدونة بالخط الهيري( لغة مصر القديمة قبل الهيروغليفية) على ورق البردي (ويعود تاريخها إلى 2000-1800 سنة قبل الميلاد ). ومن العناصر الأساسية المكونة للوصفة روث التماسيح إلى جانب عناصر أخرى.

    أما اليونان القدماء، فهم أول من ربط العلم بالمنطق بفضل تعليلهم للملاحظات بالمنطق لا بالقوى السحرية الغامضة، ولكن المنطق لم يبرهن دائمًا على أنه ينسجم مع الحقائق، وحتى في عصر العلم الحالي قد لا تكون تفسيراتنا لتجاربنا وملاحظتنا المنطقية صحيحة، كما ظهر مفهوم أساسي خلال هذه الفترة من تاريخ علم الأجنة يعرف( بالتغير المتعاقب).

    وقد هيمنت كتابات (أرسطو طاليس) و (جالينوس) على الجزء الأول من السجل التاريخي (لا سيما من حيث النفوذ والتأثير) وإن لم تكن الوحيدة في هذا المجال، ولم تسجل منذ عام 200 بعد الميلاد حتى القرن السادس عشر أية معلومات تذكر عن علم الأجنة في المؤلفات العلمية في الغرب، ولولا الكتّاب المسلمون لفقد الكثير من مؤلفات اليونانيين.

    ولقد نشط البحث العلمي في القرن السادس عشر، وخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ومهدت أعمال (فيساليوس) و (فابريسيوس) و (هارفي) لبدء عصر الفحص المجهري، ونشطت المناظرات العلمية، واكتشف الحوين المنوي. وكانت مواضيع التكوين السابق والخلق الذاتي التلقائي (والبييضة) والقول بوحدة البييضة، ومذهب النطفة الذكرية محل نقاش دائم، دعونا ننظر بإيجاز إلى بعض الأشياء كما كانت في ذلك الوقت.



    شكل 1: رسم من كتاب جاكوب رويف 1554م يبين الكتلة الدموية والبذرة في الرحم وفقاً لمفهموأرسطو طاليس



    شكل رقم 2: يوضح تخلق الدجاجة.





    أولا: تبين بعض الرسوم (الشكل1) في كتب القبالة خلال القرن السادس عشر كيف يتطور الجنين من كتلة دموية وبذرة، وهذا المفهوم الخاطئ قال به (أرسطو) وانتقل على مر القرون، وكان يعتقد خلال هذه الحقبة أن الجنين يتولد من دم الحيض.

    وبينما سادت هذه الفكرة عند جميع الأطباء إلى ما بعد اكتشاف المجهر كان علماء المسلمين يرفضون فكرة أن الجنين يتولد من دم الحيض، مستندين إلى الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ﴾[القيامة:37]، والأحاديث النبوية، من تعليق عالم الحديث بن حجر 852هـ. يقول: زعم كثير من أهل التشريح أن ضحي الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده وأنه إنما يتكون من دم الحيض. وأحاديث الباب تبطل ذلك راجع فتح الباري 11/480) وهذا جانب من الصور الجلية في سبق القرآن الكريم والسنة النبوية لما كان مستقرًا عند أهل العلماء غير المسلمين عبر القرون.

    وتبين أعمال (فابرسيوس 1604) رسمًا ممتازًا لتطور جنين دجاجة (شكل2) وقد اشتهر (ويليام هارفي) - أحد تلاميذ (فابرسيوس) في بادوا - بدراسته عن دوران الدم.



    شكل رقم 3: المراحل الأولى من تخلق الدجاجة وفقاً لكتاب مالبيجي



    شكل رقم 4: رسم قديم يظهر التخلق البشري



    ثم ظهر بعد ذلك بقليل (مارسيللو مالبيجي) الذي نشر في عام رسومات لجنين الدجاجة المتخلق يظهر الفلقات بوضوح تام (الشكل3) ونعرف اليوم أن هذه الفلقات تحتوي على خلايا، تولد الجزء الأكبر من الهيكل العظمي للجسم وعضلاته.

    ونشرت في الوقت ذاته تقريبا مجموعة أخرى من الرسومات، تظهر تخلق الجنين البشري (الشكل4) وتعبر كلها عن رسم واحد، ولكن بقياس مختلف (ولم يشر إلى ذلك ناشرو ومحكمو ) الجمعية الملكية للفلسفة عندئذ فقد كانوا يعتقدون إلى هذا الوقت أن التخلق الإنساني ليس إلا زيادة في الحجم لصورة واحدة تتسع أبعادها بمرور وقت الحمل، لسيطرة فكرة الخلق التام للإنسان من أول مراحله على أذهان العلماء.



    شكل رقم 5



    شكل رقم6: رسم من وضع لوفينهوك للحوين المنوي للأرنب والكلب



    وقبل أن نناقش ظهور علم الأجنة التجريبي دعونا ننظر إلى الأداة التي تَّوجت تقدم علم الأجنة الوصفي والتي تستخدم على نطاق واسع الآن، بشكلها المتقدم المتطور، وهي المجهر (انظر الشكل5) وقد أدي هذا التطور في القرن السابع عشر إلى إعلان كل من (هام) و (فان لوفينهوك) اكتشاف الحوين المنوي( شكل6) الجمعية الملكية للفلسفة. وتظهر صورة الحوين المنوي البشري التي نشرت في عام 1701 في (الشكل7).



    شكل رقم 7: الحوين المنوي وفقاً للعالم لوفينهوك



    الشكل رقم 8: رسم وضعة هارتسوكر للحوين المنوي البشري مطويا على قزم - نقلاً عن مؤلفه 1694

    والرقمان 1،7 يشيران إلى الحوين المنوي البشري أما البقية فتشير إلى الحوين المنوي للأغنام، ولم يمض وقت طويل حتى تعرف المراقبون على أشياء في الحوين المنوي تعبر عن روح الخلق والإبداع في ذلك العصر (الشكلCool وفي هذا الرسم الذي قدمه (هارتسوكر) للحوين المنوي عام 1105هـ-1694 م. بعد اكتشاف الميكروسكوب بفترة – يدل على أن المجهر يومئذ لم يكن كافيًا لبيان تفاصيل تكوين الحوين المنوي، فأكملت الصورة من خيال العلماء، وعبروا مرة ثانية عن الفكرة السائدة عندهم وهي:" أن الإنسان يكون مخلوقًا خلقًا تامًا في الحوين المنوي في صورة قزم كما في ( شكلCool. انظر مرة ثانية إلى الشكل أي أنهم لم يعرفوا بعد أن خلق الإنسان في رحم أمه يمر بأطوار مختلفة الخلق والصورة، وهي الحقيقة التي قررت في القرآن الكريم والسنة قبل ذلك بقرون.

    فالقرآن الكريم يقرر أن خلق الإنسان ينتقل طورًا بعد طور في بطن أمه في مثل قوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ﴾[الزمر6] وكان (مالبيجي) - الذي اعتبر أبا علم الأجنة الحديث -قد فطن أن بيضة الدجاجة غير المخصبة تتضمن شكلا مصغرا لدجاجة على إثر دراسته لبيضة غير ملقحة عام 1086هـ-1675م.

    الخلاف حول: مم يخلق الإنسان ؟:

    وبينما كان فريق من العلماء يرى أن الإنسان يخلق خلقًا تامًا في بييضة المرأة، كان فريق آخر يقول إن الإنسان يخلق خلقًا تامًا في الحوين المنوي

    ولم ينته الجدل بين الفريقين إلا حوالي عام (1186هـ-1775م) هـ م عندما أثبت (سبالا نزاني) أهمية كل من الحوين المنوي والبييضة في عملية التخلق البشري. بينما نجد في القرآن الكريم والسنة النبوية أن هذه القضايا قد حسمت بأن عملية التخلق مشتركة بين الذكر والأنثى. ومما جـاء في ذلك قـوله تعـالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات13] ( راجع بحث النطفه).

    ب - علم الأجنة التجريبي:

    لم تكتشف بييضة الثدييات إلا في أواخر القرن التاسع عشر، وبدأت المرحلة التاريخية الثانية - عهد علم الأجنة التجريبي - بكتابات (فون باير) و(داروين) و(هيجل) اعتبارا من نهاية القرن التاسع عشر حتى الأربعينات من القرن العشرين

    وكان (فون باير) عملاقًا في عصره في هذا المجال، فقد قفز بعلم الأجنة من التجارب والمشاهدات إلى صياغة المفاهيم الجنينية لا العكس، وكانت تلك ومضة ذكاء دقيقة جدًا. وقد انتقل به تفكيره إلى أبعد من المفاهيم التي تعلمها

    كما تميزت المرحلة التاريخية الثانية بالبحث عن (الآليات) وبرز اسم (ويلهيلم روكس) في هذا المجال، وانتقـلت الــدراسة الجنينية من وصف الملاحظــات إلى التــدخل ومعــالجة الكائنات الحية المتطورة.

    وقد شغلت مسألة معرفة الآلية التي يحدث فيها التمايز بين الخلايا اهتمام الباحثين أمثال (ويلسون) و (ثيودور) و (بوفيري)، وقد طور (روس هاريسون) تعنية زرع الحبل السري، وبدأ (أوتو) و(اربورغ) دراسات عن الآليات الكيميائية للتخلق، ودرس (فرانك راتري ليلي) طريقة إخصاب الحوين المنوي للبييضة، كما درس (هانس سبيمان) آليات التفاعل النسيجي كالذي يحدث خلال التطور الجنيني، ودرس (يوهانس هولتفرتر) العمليات الحيوية التي تظهر بعض الترابط بين خلايا الأنسجة فيما بينها وبين خلايا الأنسجة الأخرى.



    جـ – التقنية واستخدام الأجهزة:



    شكل رقم 9: مسح بجهاز الرسم الإلكتروني لجنين فأرة شكل رقم 10: مسح بجهاز الرسم الإلكتروني لقلب جنين فأر ، شكل رقم 11: مسح بجهاز الرسم الإلكتروني لقلب جنين فأر يظهر إحدى مراحل تكوين هلام بطانة القلب.



    وتمتد المرحلة الثالثة أو الحديثة من الأربعينات من هذا القرن حتى يومنا هذا، وقد تأثرت هذه المرحلة تأثرًا كبيرًا بتطور الأجهزة مما أثر بقوة على مجرى البحوث، وعلى سبيل المثال فإن المجهر الإلكتروني وآلات التصوير المتطورة الأخرى، وقياس الشدة النسبية لأجزاء الطيف، والحاسوب، ومجموعة وسائل الكشف عن البروتينات، والأحماض النووية، والكربوهيدرات المعقدة، وعزلها وتحليلها، يمكن أن تعتير كلها عوامل تجعل علماء الأحياء البيولوجي النمائي اليوم في وضع يسمح لهم بإجراء تجارب كانت تبدو قبل عقد من الزمن مجرد حلم خيالي فيمكننا اليوم أن نجري تحليلاً دقيقًا مفصلاً لسطح الخلايا خلال تمايزها ويمكننا أيضا أن ندرس دور النواة، وجبلة الخلية ( السيتوبلازم: المادة الحية للخلية باستئناء النواة )، والمنابت خارج الخلية باستخدام تهجين الخلايا وغرس النواة وغرس الجينات في الرحم، وغير ذلك من التقنيات ويمكننا أن ننظر الآن إلى الأجنة بوضوح لم يمكن تصوره في زمن العالم (مالبيجي) ( أنظر الشكل 9 ) ويمكننا أن ننظر داخل الأقسام، (الشكل10/11) لتفهم آليات التمايز الطبيعي والشاذ فهمًا أفضل.

    ثانياً: المعلومات الجنينية في القرآن الكريم والسنة النبوية:

    ولكن ماذا عن القرآن الكريم والسنة النبوية اللذين يرجع تاريخهما إلى قبل عام فيما يتعلق بالأجنة ؟ لقد وصف القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في أوائل القرن السابع الميلادي – وبأسلوب رفيع رائع – الكثير من هذه المكتشفات المدهشة، التي اكتشفها العلم الحديث بأجهزته وأساليب بحثه. ونجد أن المكتشفات التي تمت في القرن التاسع عشر – بل وحتى في القرن العشرين – ورد وصفها في القرآن الكريم والحديث الشريف ( انظر على سبيل المثال [سورة النجم:45-46] ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾



    وقد أوضح القرآن الكريم أن الإنسان يخلق من مزيج من إفرازات الرجل والمرأة، وأن الكائن الحي الذي ينجم عن الإخصاب يستقر في رحم المرأة على هيئة بذرة، وإن انغراس كيس الجرثومة (النطفة) يشبه فعلا عملية زرع البذرة ( أنظر تفاصيل ذلك في بحث النطفة). ويتضمن القرآن الكريم أيضًا معلومات عن المراحل الأخرى من عملية التخلق كمرحلة العلقة والمضغة( تكون الفلقات – أو الكتل البدنية – Somites )، والهيكل العظمي، وكساء العظام بالعضلات

    ( اللحم )، ويشير كل من القرآن الكريم والحديث الشريف إلى توقيت التخلق الجنسي والتخلق الجنيني واكتساب المظهر. البشري وهذه النصوص تثير الدهشة إذ أنها تشير إلى أحداث التخلق بترتيبها المتسلسل الصحيح وبوصف واضح دقيق.

    خـــاتمـــة:

    موجز القول: إن تاريخ علم الأجنة يدل على أن التخلق البشري كان دائما مثار اهتمام كبير، وقد اقتصرت الدراسات الأولى على استخدام الوصف التخيلي نظرا لقلة الوسائل التقنية المتقدمة حينئذ، وبعد اختراع المجهر في وقت لاحق اتسمت الدراسات بدقة أكبر، وظلت تستخدم الوصف إلى جانب الأساليب التقنية التجريبية، بيد أن كثيرًا من تلك الملاحظات الوصفية كان على قدر كبير من التخيل والبعد عن الدقة، ولم يتم التوصل إلى أرائـهم ووصف أدق للتخلق الجنيني إلا في هذا القرن، وباستخدام الأجهزة الحديثة فقط. ويمكننا أن نستنتج من تحليلات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أنها تتضمن وصفًا دقيقًا شاملاً للتخلق البشري من وقت امتزاج الأمشاج، وخلال تكون الأعضاء وما بعد ذلك، في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[المؤمنون 12-14]، ومثل قوله- صلى الله علية وسلم-: إذا مر بالنطفة أربعون ليلة بعث إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها، ولحمها، وعظامها" أخرجه مسلم،وأبو داود، والطبراني، وذكره ابن حجر في الفتح جـ11/ص480 )، ولم يكن هناك أي تدوين مميز شامل للتخلق البشري كالتصنيف المرحلي وعلم المصطلحات، والوصف قبل القرآن الكريم، فقد سبق هذا الوصف القرآني والنبوي بقرون كثيرة في معظم الحالات – إن لم يكن في كلها – تسجيل المراحل المختلفة لتخلق الجنين البشري في المؤلفات العلمية المعروفة، وقبل ظهور المجهر المركب لم تكن هناك أية وسيلة نعرفها لمراقبة المراحل الأولى للتخلق البشري( النطفة على سبيل المثال )، وإن تقديم وصف علمي لمراحل التخلق البشري، يتطلب الحصول على عدد كبير من الأجنة البشرية في عمر معين ودراستها، ويصعب تمامًا حتى في يومنا هذا تجميع مثل هذه السلسلة، وقوله تعالى: ﴿ وما كنا عن الخلق غافلين﴾[ المؤمنون: 17]، يلمح إلى سبب وجود نصوص عديدة في القرآن والسنة النبوية تصف تفاصيل التطور الجنيني.



    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 19:04

    ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾



    الشيخ/ عبد المجيد الزنداني

    قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾[الحديد:25].

    تتحدث هذه الآية عن وجود الحديد في الأرض، وأنه وجد فيها بعملية إنزال من السماء، وهذا يسوقنا إلى دراسة كيفية تكوين الحديد في الكون، وقد درس العلماء المتخصصون هذا الأمر فوجدوا أن 98% من الكون يتكون من الهيدروجين والهليوم، وهما أخف العناصر(1) وأن الـ 2% الباقية تشكل العناصر الأثقل وعددها مائة وخمسة عناصر، مما حمل الدارسين على استنباط حقيقة تكون المواد ـ الأثقل وزناً ذرياً ـ من المواد الأخف، وأن ذلك يتم عن طريق الاندماج النووي(2) الذي تصحبه طاقة هائلة. ووجد الباحثون أن هناك نجوماً تصل درجة حرارتها من 300 ألف مليون درجة إلى 400 ألف مليون درجة مئوية(3) تسمح بأن يتكون الحديد بداخلها.

    فإذا وصلت كمية الحديد إلى 50% من كتلة النجم وأصبح قلب النجم كله حديداً تتوقف العملية بالكامل وعندئذ ينفجر النجم، وإذا انفجر تناثرت أشلاؤه في صفحة الكون، ودخلت بقدر الله في مجال جاذبية أجرام سماوية أخرى تحتاج إلى هذا الحديد، ونرى ذلك يحدث الآن كما نرى نيازك حديدية تصل إلى الأرض مثل ما حدث في جنوب السودان حين نزل في مدينة جوبا نيزك كتلته (90 طناً). وأغلب النيزك يحترق باحتكاكه بالغلاف الغازي، ووصول (90 طناً) من الحديد الصافي يعني أن كتلة هذا النيزك كانت أكبر من ذلك بأضعاف كثيرة.

    ونحن نرى النيازك الحديدية تصل إلى الأرض وتصل إلى القمر وإلى المجموعات الأخرى، مما دفع العلماء إلى تصور أن الأرض حينما انفصلت عن الشمس لم تكن سوى كومة من الرماد.

    ويقول المختصون إن الأرض تشكلت قبل أربعة بلايين ونصف بليون عام، وكانت النيازك والمذنبات تقصفها بشدة وعنف بحيث كانت الحرارة المنبعثة من هذا التصادم والقصف ـ فائق السرعة ـ عظيمة لدرجة تكون كافية لإذابة الكوكب بأكمله.

    ثم بدأت الأرض تبرد بعد ذلك واستمرت تبرد إلى اليوم، وأخذت المواد الأكثر كثافة مثل الحديد والقادمة من تلك النيازك طريقها إلى قلب ومركز الأرض، بينما صعدت السيليكات الأخف وزناً وكذلك مركبات الأوكسجين الأخرى والماء القادم من المذنبات إلى قرب السطح، ويكون الحديد أكثر من 35% من كتلة الأرض حيث تتكون الأرض من قلب صلب من الحديد ثم يليه قلب منصهر أغلبه من الحديد، ثم أربعة أوشحة متمايزة يشكل الحديد فيها نسبة عالية ثم الغلاف الصخري للأرض وفيه نسبة جيدة من الحديد، ويوضح الشكل (1) الآتي تركز المعادن في طبقات الأرض المختلفة.


    ونلاحظ أن القلب الداخلي يتكون في معظمه من الحديد في حالته الصلبة بينما يتكون القلب الخارجي الذي يحيط به من الحديد و10% من الكبريت، وبهذا يكون الحديد عنصراً مهماً من مكونات طبقات الأرض السبع.

    وقال البرفسور آرمسترونج(4) أحد مشاهير علم الفلك في أمريكا والذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حين سألناه كيف تكون الحديد أجاب قائلاً:

    (سأحدثكم كيف تكونت كل العناصر على الأرض لقد اكتشفناها، بل لقد أقمت عدداً من التجارب لإثبات ما أقوله لكم. إن العناصر المختلفة تجتمع فيها الجسيمات المختلفة من إلكترونات وبروتونات وغيرها، لكي تتحد هذه الجسيمات في ذرة كل عنصر تحتاج إلى طاقة، وعند حسابنا للطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد، وجدنا أن الطاقة اللازمة يجب أن تكون كطاقة المجموعة الشمسية أربع مرات، ولذلك يعتقد العلماء أن الحديد عنصر غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها).

    وعند سؤاله متى اكتشف العلماء التجريبيون حقيقة إنزال الحديد إلى الأرض؟ قال:

    (بأنها لم تعرف عند العلماء التجريبيين إلا في الربع الأخير من القرن العشرين وإنه لم يشر أحد من العلماء المتخصصين والباحثين إلى شيء من ذلك، ولم تشر كتب العلم التجريبي إلى هذه الحقيقة قبل هذا التاريخ).

    إن علماء الفيزياء قد تمكنوا من أن يوجدوا عناصر أثقل من عناصر أخف(5). واستطاعوا أن يحسبوا الطاقة اللازمة لتكوين كل عنصر من هذه العناصر، وقد وجدوا أن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة واحدة من الحديد تحتاج إلى أربعة أضعاف الطاقة الموجودة في المجموعة الشمسية مما جعلهم يجزمون بأن الحديد لا يمكن أن يكون قد خلق في الأرض، أو في المجموعة الشمسية بل لابد أن يكون قد خلق في نجم خارج المجموعة الشمسية، ونزل إلى الأرض في صورة حديد.

    أقوال المفسرين:

    وهيا لنرى ما قاله علماء التفسير في هذه الآية:

    لقد انقسم المفسرون إلى فريقين:

    فمنهم من فسر اللفظ على ظاهره فقالوا:

    ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ.. ﴾ بمعنى أن الله أنزل الحديد كما أنزل آدم من السماء إلى الأرض، وهو قول ابن عباس وعكرمة وإليه ذهب الطبري والقرطبي والواحدي.

    ومنهم من اضطر إلى تأويل اللفظ عن ظاهره لاستبعاد إمكانية تصور نزول الحديد إلى الأرض من السماء ولِمَا يشاهدونه في أزمنتهم وبيئاتهم من استخراج الحديد من باطن الأرض فقالوا:

    ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ... ﴾ بمعنى أنشأناه وخلقناه وهو قول الحسن، وإليه ذهب ابن كثير والثعالبي والشوكاني.

    ونرى من أقوالهم أنهم أولوا لفظ أنزلنا إلى خلقنا وجعلنا، وفرق بين الإنزال والخلق والجعل لكنها المعارف البشرية المحدودة في تلك الأزمنة التي كانت تحمل المفسرين على صرف اللفظ عن ظاهره.



    وجه الإعجاز:

    لم يتمكن الإنسان من معرفة حقيقة أن الحديد نزل من السماء إلى الأرض إلا بعد أن امتلك من الوسائل العلمية ما تمكن به من معرفة ما جرى ويجري في أعماق النجوم البعيدة لتكوين مادة الحديد.

    وبعد أن تمكن من تحويل بعض العناصر الخفيفة إلى عناصر ثقيلة وحساب ما يحتاج إليه ذلك من طاقة، وعجزه عن تكوين مادة الحديد من مواد أخف منه إذ يتطلب ذلك طاقة تساوى أربعة أضعاف طاقة المجموعة الشمسية. كما أن استخراج البشر للحديد من مناجمه في باطن الأرض جعلهم لا يتوقعون أن يكون الحديد قد نزل من السماء إلى الأرض، وحملهم على الاعتقاد بأنه خلق مع سائر العناصر الأرضية. لذلك خلت العلوم التجريبية من أي إشارة إلى هذه الحقيقة قبل الربع الأخير من القرن العشرين. وكذلك اضطر كثير من المفسرين إلى تأويل اللفظ القرآني { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ.. ﴾ إلى معنى لا يحتمله اللفظ بما فيهم مفسرون معاصرون عاشوا في القرن العشرين. فمن أخبر محمداً ؟ بهذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في الربع الأخير من القرن العشرين والتي خفيت عن كل البشر حتى هذا التاريخ، من؟ إلا الذي أنزل الحديد وأنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً القائل: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[الحديد:25](6).

    الهوامش:

    1- يكون غاز الهيدروجين وحده وهو أخف العناصر أكثر من 74% من مادة الكون، يليه في الكثرة غاز الهليوم، ثاني أخف العناصر ، الذي يكون أكثر من 24% من مادة الكون

    2- إن التفاعل الأساسي الذي يولد كميات الطاقة الهائلة التي تشعها الشمس ومعظم النجوم الأخرى سببه الاندماج النووي لعنصر الهيدروجين وتحوله إلى هليوم، الذي تندمج ذراته بدورها مكونة عناصر أثقل وصولاً إلى عنصر الحديد.

    3- بينما لا تزيد درجة حرارة الشمس عن 600 ألف درجة عن سطحها و20 مليون في باطنها.

    4- كتاب «إنه الحق» الشيخ عبد المجيد الزنداني ص67- مطابع المحرابي.

    5- وأن وراء كل اكتشاف من هذه الاكتشافات جائزة نوبل.



    المصدر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القران والسنة


    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    وصف التخلق البشرى.. مرحلة النطفـة

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 19:06

    وصف التخلق البشرى.. مرحلة النطفـة



    بروفيسور/ مارشال جونسون رئيس قسم التشريح – كلية جيفرسون الطبية فيلادلفيا – الولايات المتحدة الأمريكية

    الشيخ عبد المجيد الزنداني. الأمين السابق لهيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

    د. مصطفي أحمد. هيئة الإعجاز العلمي



    لقد كان اكتشاف المراحل المتنوعة والمتتابعة التي يمر بها الجنين من المسائل الصعبة والمعقدة في تاريخ علم الأجنة، ومرد تلك الصعوبة إلى الحجم المتناهي في الصغر لمراحل الجنين وخاصة في الأسابيع الأولى من الحمل، ولعدم تيسر مشاهدته أو فحصه في مستقره داخل الرحم دون تقنية خاصة، ناهيك عن عدم الإدراك الصحيح لقرون طويلة قبل اكتشاف الميكروسكوب في القرن السابع عشر لدور كل من الذكر والأنثى في تكوين الجنين إلا أن القرآن الكريم الذي يرجع تاريخه إلى القرن السابع الميلادي يمثل أول مرجع بين أيدينا يذكر أطوارا متميزة للجنين ويقدم مسميات ومصطلحات تصف المظهر الخارجي، وأهم العمليات والأحداث الداخلية لكل مرحلة، وقد استوفت هذه المصطلحات القرآنية بدقة رائعة جميع الشروط التي يجب توافرها للمصطلحات العلمية الدقيقة. يقول الله تعالى مبينًا مراحل التطور الجنيني:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾[سورة المؤمنون13-14] والمرحلة الأولى التي ستكون موضوع بحثنا من هذه المراحل هي مرحلة النطفة.



    تعريف المصطلح:

    النطفة في اللغة العربية تطلق على عدة معان منها: القليل من الماء والذي يعدل قطرة. قال ابن منظور(1) في صغار اللؤلؤ: والواحدة نطفة، ونطفة شبهت بقطرة الماء. وقال الزبيدي وابن منظور (2): ونطفت آذان الماشية وتنطفت ابتلت بالماء فقطرت. وجاء في الحديث الشريف (3) " فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج إلينا وقد اغتسل ينطف رأسه ماء ". روي الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يطلع عليكم الآن رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه" (4) ويشير إلى ذلك ما رواه أحمد (5) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:" مر يهودي برسول الله وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، قال فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مم يخلق الإنسان ؟ فقال رسول الله يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة." ويبدأ مصطلح النطفة من المنوي والبيضة، وينتهي بطور الحرث (الانغراس)، وتمر النطفة خلال تكونها بالأطوار التالية:

    ولاً: الماء الدافق:

    يخرج ماء الرجل متدفقًا ويشير إلى هذا التدفق قوله تعالى:﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾[ الطارق: 5-6] ومما يلفت النظر أن القرآن يسند التدفق للماء نفسه مما يشير إلى أن للماء قوة دفق ذاتية وقد أثبت العلم في العصر الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة وهذا شرط للإخصاب ( أنظر شكل1).



    شكل1 المني أو ماء الذكر مكبراً (450) مرة كل حوين له رأس بيضوي بارز قليلاً وجسم قصير وذيل متحرك له القدرة على الحركة التي تساعده على الوصول إلى مكان الإخصاب.

    شكل 2: بييضة مع طبقتها من الخلايا التجريبية وماء المرأة مكبر (100) مرة، يتم سحب البييضوة داخل سائل قناة المبيض بواسطة ملايين الأهداب التي تدفعها إلى داخل القناة.



    وقد أثبت العلم أيضا أن ماء المرأة الذي يحمل البيضة يخرج متدفقًا إلى قناة الرحم (فالوب)وأن البيضة لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب ( أنظر شكل2) ومن المعلوم أن ماء الرجل يحوي بالإضافة إلى المنويات عناصر أخرى تشارك وتساعد في عملية الإخصاب مثال ذلك مادة (البرستاجلاندين)، التي تحدث تقلصات في الرحم مما يساعد في نقل المنويات إلى موقع الإخصاب(6) كما أن ماء المرأة يحوي بالإضافة إلى البيضة عناصر أخرى تساعد وتشارك في عملية الإخصاب، ومنها بعض الإنزيمات التي تفرزها بطانة الرحم وقناته، التي تجعل المنوي قادرا على الإخصاب وذلك بإزالة البروتين السكري من رأسه (7) وتعمل هذه الأنزيمات بالإضافة إلى ذلك على إطلاق الخلايا المحيطة بالبيضة وكشف غشائها الواقي أمام المنوي (Cool وبما أن لفظ نطفة بمعنى الكمية القليلة من السائل، فإن هذا المصطلح يغطي ويصف تلك الكميات من السوائل التي تخرج متدفقة لدى كل من الذكر والأنثى. (أنظر شكل 2،1 )

    ثانياً: السلالة:

    يأتي لفظ سلالة في اللغة بمعان منها انتزاع الشيء وإخراجه في رفق (9)، كما تعني أيضًا السمكة الطويلة (10). أما الماء المهين فالمراد به هنا ( أي في طور السلالة ) ماء الرجل (11). وإذا نظرنا إلى المنوي فسنجده سلالة تستخلص من ماء الرجل وعلى شكل السمكة الطويلة، ويستخرج برفق من الماء المهين.



    شكل 3: بييضة محاطة بالحوينات المنوية التي تندفع بنشاط نحوها،

    وعندما يفلح إحداها في إحداث الإخصاب يكون قد اختير وتبدأ بذلك مرحلة السلالة من النطفة.



    (أنظر شكل 4،3) ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) [السجدة 8] وخلال عملية الإخصاب يرحل ماء الرجل من المهبل ليقابل البيضة في ماء المرأة في قناة البييضات (قناة فالوب) ولا يصل من ماء الرجل إلا القليل ويخترق منوي واحد البيضة، ويحدث عقب ذلك مباشرة تغير سريع في غشائها يمنع دخول بقية المنويات ( أنظرالشكل4 ) وبدخول المنوي إلى البيضة تتكون النطفة.



    شكل 4: صورتان أخذتا بالمجهر الإلكتروني: الصورة العليا تبين لحظة ملامسة الحوين المنوي لسطح البيضة. والصورة السفلى تبين دخول رأس الحوين البيضة ويقوم غشاء خلية البيضة عندئذ بمنع دخول الحوينات المنوية الأخرى. وتعرف هذه العملية في مراحل النطفة بالسلالة حيث يتم اختيار حوين واحد وبييضة واحدة ليتحدا مبتدئين التخلق البشري، ويفقد الحوين المنوي بعد دخوله الخلية ذيله وغطاءه ليذوبا وتندمج المادة الوراثية بعدئذ.

    الأمشاج: (أنظر شكل5) ويشير الحديث النبوي الشريف إلى أن الإخصاب لا يحدث من كل ماء الذكر، وفي ذلك يقول رسول الله "ما من كل الماء يكون الولد" (12) وهكذا فإن الخلق من الماء يتم من خلال اختيار خاص، والوصف النبوي يحدد بكل دقة كل هذه المعاني التي كشف عنها العلم اليوم.



    شكل 5: بييضة غير ملقحة في ثنايا قناة المبيض تحيط بها خلايا جرابية، يقوم الغشاء المخاطي ذو الثنايا بإفراز إنزيمات تعمل بصورة تدريجية على فك الغلاف الخارجي للخلايا وتسمح للحوين المنوي بالوصول إلى الغشاء الواقي للبيضة.

    ثالثاً: النطفة الأمشاج:

    تأخذ البيضة الملقحة شكل قطرة، وهذا يتفق تمامًا مع المعنى الأول للفظ نطفة أي قطرة ومعنى نطفة الأمشاج: أي قطرة مختلطة من مائين. وهذه النطفة الأمشاج تعرف علميًا عند بدء تكونها

    ( بالزيجوت ) ويشير القرآن الكريم إلى النطفة الأمشاج بقوله تعالى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾[ الإنسان: 2]، وهناك نقطة هامة تتصل بهذا النص وهي كلمة (نطفة) اسم مفرد و أما كلمة أمشاج فهي صفة في صيغة جمع؛ وقواعد اللغة تجعل الصفة تابعة للموصوف في الإفراد والتثنية والجمع. وكان مصطلح ( نطفة الأمشاج ) واضحًا عند مفسري القرآن الكريم الأوائل مما جعلهم يقولون: النطفة مفردة لكنها في معنى الجمع (13)، ويمكن للعلم اليوم أن يوضح ذلك المعنى الذي استدل عليه المفسرون من النص القرآني. فكلمة أمشاج من الناحية العلمية دقيقة تماماً وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة، التي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين، وتواصل هذه المرحلة نموها، وتحتفظ بشكل النطفة، ولكنها تنقسم إلى خلايا أصغر تدعى قسيمات جرثومية (blastomeres ). وبعد أربعة أيام تتكون كتلة كروية من الخلايا تعرف التوتية(morula) وبعد خمسة أيام من الإخصاب تسمى النطفة كيس الجرثومة blastocyst) (مع انشطار خلايا التوتية إلى جزئين ( أنظر شكل 6).



    شكل 6: شكل إيضاحي موجز لمرحلة النطفة خلال الأسبوع الأول من التخلق البشري، ومصطلح (مني) ينطبق على المرحلة من وقت الإباضة حتى الإخصاب، وينطبق مصطلح (نطفة أمشاج) على الوقت من تكون اللاقحة الزيجوت (اليوم الأول) حتى تكون (التوتة) والخلية الجرثومية الأولى (اليومان 5،4). ويشير المصطلح (حرث) إلى عملية الغرس التي تبدأ في اليوم السادس.

    وبالرغم من انقسام النطفة في الداخل إلى خلايا فإن طبيعتها ومظهرها لا يتغيران عن النطفة لأنها تملك غشاءً سميكا يحفظها ويحفظ مظهر النطفة فيها. وخلال هذه الفترة ينطبق مصطلح ( نطفة أمشاج ) بشكل مناسب تمامًا على النطفة في كافة تطوراتها، إذ إنها تظل كيانًا متعددًا. فهي إلى هذا الوقت جزء من ماء الرجل والمرأة، وتأخذ شكل القطرة فهي نطفة، وتحمل أخلاطًا كثيرة فهي أمشاج، وهذا الاسم للجنين في هذه المرحلة يغطي الشكل الخارجي وحقيقة التركيب الداخلي، بينما لا يسعفنا مصطلح توتة ( هذا المصطلح الــذي يعنى جسماً مصمتاً لا سائلاً ) بهــذا المعني، كمــا لا تعبر الأرقــام المستعملة الآن عن هذه المعاني.

    نتاج تكوين النطفة الأمشاج:

    أ- الخلق: وهو البداية الحقيقية لوجود الكائن الإنساني فالمنوي يوجد فيه(23) حاملاً وراثيًا، كما يوجد في البيضة(23) حاملاً وراثيًا أيضًا. ويمثل هذا نصف عدد حاملات الوراثة في أي خلية إنسانية ويندمج المنوي في البيضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحوي عددًا من الصبغيات ( الكروموسومات ) مساويا للخلية الإنسانية (46)، وبوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني، ويتقرر به خلق إنسان. جديد لأن جميع الخطوات التالية ترتكز على هذه الخطوة وتنبثق منها، فهذه هي الخطوة الأولى لوجود المخلوق الجديد.

    ب التقدير (البرمجة الجينية): وبعد ساعات من تخلق إنسان جديد في خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقبل ( الصفات السائدة ) كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة، وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها (14). وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين ( الخلق والتقدير ) في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾[عبس: 17-19].

    جـ – تحديد الجنس: ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة، وإلى هذا تشير الآية الكريمة:﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } [النجم: 45-46] فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البيضة يحمل الكروموسوم y كانت النتيجة ذكرًا، وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم x كانت النتيجة أنثى .

    رابعاً: الحرث:

    تبقى النطفة إلى ما قبل طور الحرث ( الانغراس ) متحركة وتظل كذلك حين تصير أمشاجًا وبعد ذلك، وبالتصاقها بالرحم تبدأ مرحلة الاستقرار التي أشار إليها الحديث النبوي:" يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين يومًا…." (15)، وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغــراس البذرة في التربة في عملية حـرث الأرض، وإلى هذه العملية تشير الآية الكريمة:﴿ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾[البقرة: 223]، وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث ويكون عمر النطفة حينئذ ستة أيام. وفي الحقيقة تنغرس النطفة( كيس الجرثومة ) في بطانة الرحم بواسطة خلايا تنشأ منها تتعلق بها في جدار الرحم والتي ستكون في النهاية المشيمة كما تنغرس البذرة في التربة ( أنظر الشكلين 7-8 ).



    شكل 7: رسم يوضح تعلق الخلية الجرثومية بظهارة بطانة الرحم في المراحل الأولى للغرس أو الحرث. (أ) ستة أيام، تتعلق الأرومة الغازية بظهارة بطانة الرحم عند القطب الجنيني للخلية الجرثومية. (ب) سبعة أيام، تخترق الأرومة الغازية السخدية لظهارة بطانة الرحم. وتبدأ في الانتشار في سداة بطانة الرحم هيكل النسيج الضام.



    ويستخدم علماء الأجنة الآن مصطلح ( انغراس) في وصف هذا الحدث، وهو يشبه كثيرا في معناه كلمة الحرث في العربية وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة، وبنهايته ينتقل الحميل من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة، وذلك في اليوم الخامس عشر( أنظر شكل 9) وعليه فقد وصف القرآن الكريم كل جوانب مرحلة النطفة من البداية إلى النهاية، مستعملا مصطلحات وصفية علمية دقيقة لكل طور من أطوارها.



    (أ) مقطع من خلية جرثومية منغرسة جزئياً في بطانة الرحم عند اليوم الثامن تقريباً. ويكون التجويف الأمنيوني على شكل شقب)ب( صورة مكبرة لخلية جرثومية أكبر قليلاً بعد إزالتها من بطانة الرحم، ويظهر فيها كل من الأرومة الغازية السخدية عند القطب الجنيني والتجويف الأمنيوني أكبر حجماً )ج( مقطع من خلية جرثومية عمرها تسعة أيام ومنغرسة في بطانة الرحم، وقد ظهرت فراغات وجوبات في الأرومة الغازية السخدية سرعان ما تتصل بأوعية بطانة الرحم،وعرف هذا النوع من الانغراس - الذي تنطمر الخلية الجرثومية فيه انطماراً في بطانة الرحم- بالانغراس الخلالي.

    شكل 8: رسم يوضح انغراس الخلية الجرثومية في بطانة الرحم خلال مرحلة الحرث ويبلغ حجم ناتج الحمل حوالي 1مم.




    شكل 9: رسومات توضح الخلية الجرثومية البشرية. طور الحرث من مرحلة النطفة. تشهد الأرومة الغازية في هذه الفترة توسعاً سريعاً في حين يكون حجم الجنين صغيراً نسبياً(25X) تشير الأسهم إلى الحجم الفعلي للخلية الجرثومية في الفترة المحددة من الحمل. إن الوصف المفصل الوارد في القرآن الكريم والسنة يدعو إلى العجب نظراً لصغر حجم الخلية الجرثومية وعمر الحمل. فإذا علمت أن نهاية مرحلة النطفة (اليوم 14) تتزامن مع الوقت المتوقع عادة للحيض، ومن غير المحتمل أن تعرف المرأة أنها حامل قبل هذا الوقت أدركت أن الوصف يتجلى فيه الإعجاز الإلهي، وأيقنت أنه وحي من الله سبحانه وتعالى إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    ويستحيل عمليًا كشف التطورات وعمليات التغير التي تحدث خلال مرحلة النطفة من غير استخدام المجاهر الضخمة، نظرا لصغر حجم النطفة، ولقد حدد القرآن الكريم أول مراحل النطفة بالماء الدافق فقال تعالى: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾[الطارق: 5-6]،وحدد آخرها بحرث النطفة أي غرسها في القرار المكين، وفي العصر الذي ذكر فيه القرآن هذه المعلومات عن المرحلة الأولى للتخلق البشري، كان علماء التشريح من غير المسلمين يعتقدون أن الإنسان يتخلق من دم المحيض (16)، وظل هذا الاعتقاد رائجا حتى اختراع المجهر (microscope) في القرن السابع عشر، والاكتشافات التالية للحيوان المنوي والبيضة، كما ظلت أفكار خاطئة أخرى سائدة حتى القرن الثامن عشر، حيث عرف أن كلا من الحيوان المنوي والبيضة ضروريان للحمل (17). وهكذا فإنه بعد قرون عــديدة يتمكــن العلــم البشري مــن الوصــول إلى مــا ورد في القــرآن الكــريم والسنة النبوية قبل 1400عام.

    وصف الرحم بأنه ( القرار المكين ):

    وصف القرآن الكريم النطفة بأدق وصف، ووصف المكان الذي تستقر فيه النطفة بوصفين جامعين معبرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾[سورة المؤمنون13] فكلمة قرار في الآية تشير إلى العلاقة بين الجنين والرحم فالرحم ـ مكان لاستقرار الجنين(18) أمــا مكــين فهي تشير إلى العــلاقة بين الــرحــم وجسم الأم. يقــول الــزبيدي: قــرّ معناة (استقر واستراح). وكذلك القرار هو مكان يستقر فيه الماء ويتجمع وقد وصف القرآن الكريم المكان الذي تستقر فيه النطفة في الرحم بأنه قرار، وقد كشف العلم الكثير من التفاصيل لهذا الوصف الجامع المعبر، فالرحم للنطفة ولمراحل الجنين اللاحقة سكن لمدة تسعة أشهر وبالرغم من أن طبيعة الجسم أن يطرد أي جسم خارجي، فإن الرحم يأوي الجنين ويغذيه، وللرحم عضلات وأوعية رابطة تحمي الجنين داخله. ويستجيب الرحم لنمو الجنين ويتمدد بدرجة كبيرة ليتلاءم مع نموه فهو قرار له ويحاط الجنين بعدة طبقات بعد السائل الأمينوسي وهي الغشاء الأمينوسي المندمج بالمشيمة، وطبقة العظلات السميكة للرحم ثم جدار البطن، وكل هذا يمد الجنين بمكان مناسب للاستقرار وللنمو الجيد وهكذا فإن كلمة قرار قد استعملت في القرآن الكريم كل هذه المعاني وغيرها، متضمنة وظائف الرحم باعتباره مكانًا مناسبًا لاستقرار الجنين وتمكينه من مواصلة نموه ( أنظرشكل10).



    شكل 10: تظهر هذه الرسوم وصف الرحم بأنه قرار مكين. (أ) قبل الحمل. (ب) الحمل في الأسبوع 20. (ج) الحمل في الأسبوع (30) ومع نمو الجنين يزداد حجم الرحم ليستوعب سرعة نمو الجنين. وعند الأسبوع 20 يصل كل من الجنين والرحم مستوى السرة، وعند الأسبوع 30 يصلا المنطقة الشرسوفية (لبة القلب)وتتحرك أحشاء الأم من مكانها وتشهد عضلات وجلد جدار البطن الأمامي تمدداً كبيراً، ويكون الرحم في كل مرحلة من مراحل الحمل مكان استقرار كما تشير إلى ذلك كلمة (قرار) ويكون الرحم مثبتاً بشكل راسخ في بطن الأم كما تشير إلى ذلك كلمة مكين.



    وقد جمع اللفظ ( قرار ) الذي وصف القرآن الكريم به الرحم بقوله قرار كل الحقائق التي اكتشفها العلم، لبيان مناسبة الرحم لاستقرار الجنين، فهو لفظ معبر جامع. أما كلمة مكين فتعني مثبتاً بقوة ( ويذكر كثير من المفسرين هذا المعنى عن تفسير هذه الآية 20) كما تبين آية أخرى من القرآن الكريم معنى ( مكين ) بأنه تمكين بقوة قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾[يوسف:4]، أي قوي التمكين، وهذا يشير إلى علاقة الرحم بجسم الأم، وموقعه المثالي لتخلق ونمو كائن جديد، ويقع الرحم في وسط الجسم، وفي مركز الحوض وهو محاط بالعظام والعضلات والأربطة التي تثبته بقوة في الجسم أي أنه مكين، كما قرر القرآن الكريم وهذا أيضًا لفظ جامع معبر عن كل المعاني التي تبين تمكن الرحم وتثبيته في جسم الأم وهكذا فإن كل وصف يتضمن العلاقة بين الجنين والرحم وبين الرحم وجسم الأم، قد أدخل في معنى الكلمتين قرار و مكين اللتين تعبران تعبيرًا تامًا عن حقيقة الرحم ووظائفه الدقيقة ولا يفطن إلى أهمية هذين الوصفين إلا من له علم بحاجات نمو الجنين، وحاجات الرحم، لمواكبة هذا النمو حتى يخرج سليمًا.

    الهوامش:

    1- لسان العرب 9/335

    2- تاج العروس 6/258 259 , لسان العرب 9/226

    3- رواه مسلم في صحيحه 1/422 ح 157

    4- مسند أحمد 3/166

    5- نفس المرجع 1/465

    6- التناسل البشري - مبادئ الطب التناسلي ط3 بيج و فيللي

    7- التخلق البشري - كيث مور ص10

    8- ميلاد طفل نيلسون , انغلمان سندبيرغ ويرسون ص22 / التخلق البشري - كيث مور ص10

    9-( لسان العرب ج11 / ص338 , 339 القاموس المحيط ج3/ص407 الصحاح ج5/ص1731 , تاج العروس ج7/ص377-378)

    10- القاموس المحيط 3/407 , تاج العروس ج7/277-278

    11- الطبري 21/59 , القرطبي 19/159

    12- مسلم 2/1064 ح123

    13-القرطبي 19/121 , حاشية الصاوي على الجلالين 4/273 , الشوكاني 5/344

    14- يأتي التقدير في اللغة بمعنى ( أ ) التروية و التفكير في تسوية أمر و تهيئته ( ب) تقديره بعلامات يقطعه عليها ( ج ) أن تنوي أمرا بعقدك تقول. قدرت أمر كذا و كذا أي نويته و عقدت عليه.

    15- مسلم 4/2037 ح2

    16- أنظر تحت نظرة تاريخية في علم الأجنة

    17- التخلق البشري - كيث مور ص9

    18- معجم مقاييس اللغة 5/7-8 , لسان العرب 5/84

    19- تاج العروس للزبيدي 3/486

    20- ابن كثير 3/243 , الطبري 18/7 , أبو حيان 6/398



    المصدر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القران والسنة

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    ولد أم بنت ؟

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 19:14

    من كتاب " أنت تسأل والشيخ الزنداني يجيب حول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة " للشيخ عبد المجيد الزنداني



    عندي أمر مهم سيقابلنا غدا في المستقبل, وسنجد الصحف تتكلم كلاما غريبا عجيبا .. ربما وجدتم الصحف تقول لكم .. تريد ولدا أم بنت ؟ ! وأحب أن أتطرق لهذه المسألة؛ لأن هذا بحث علمي لا يزال في أدراج جامعة أمريكية أقامت بحثا حول هذا الموضوع, ولنا قصة مع صاحب البحث .. كنا نبحث في معنى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, الذي رواه ابن كثير يقول:" إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنثا بإذن الله" الحديث النبوي يذكر سنّة مادية لحدوث الذكورة والأنوثة أخذنا نبحث عن جواب لهذا السؤال فأرسلنا إلى فرنسا, وإلى بريطانيا وإلى ألمانيا, وإلى أمريكا وإلى اليابان نبحث عمن يجيبنا عن هذا السؤال فكان الجواب بالنفي في العام قبل الماضي !!

    وفي العام الماضي بدأنا نجد بداية جواب في- علم الحيوان - قالوا: إن هناك شيئا يشير إلى هذا . ليس في الإنسان لكنه في الحيوان .. فقد وجدوا في بعض الحيوانات إفرازات الذكر قلوية والأنثى حمضية .. فإذا التقى الماءان وتغلبت الحموضة التي للأنثى على القلوية التي للذكر فإن الفرصة تتاح لأن يلقح الحيوان المنوي الذي يحمل الأنوثة، ولا تتاح الفرصة للحيوان المنوي الذي يحمل الذكورة. أي إذا غلبت صفة الحموضة التي هي من خصائص الأنثى كان الناتج أنثى, وإذا غلبت خصائص الذكورة القلوية كان الناتج ذكرا، فجربوها في فرنسا على الأبقار لزيادة الإناث فحققت نتائج 70% ثيران 30% أبقار .. فأرجئوا التجارب .. هم في بداياتهم.

    وفي العام الماضي جاءنا هذا الخبر, ففي المؤتمر الطبي الذي عقد بالدمام جامعة الملك فيصل حضرة مجموعة من مشاهير العلماء في العالم فقالوا: لا يوجد سوى شخص واحد يستطيع أن يجيبكم عن هذا السؤال .. قلنا : من هو ؟ قالوا : هو البروفيسور سعد حافظ مسلم مصري .. أين هو ؟ قالوا : في أمريكا .. لم يكن بالمؤتمر تقابلنا معه بعد ذلك.

    وقلنا له: عرفنا بنفسك .. قال : مؤسس علم جديد في العالم اسمه: علم العقم عند الرجال.. وأنه رئيس مجلتين علميتين في أمريكا, وله 34 كتابا، وقد عكف على دراسة العلاقة بين ماء الرجل وماء المرأة عشر سنوات مستخدما الميكروسكوب الالكتروني والكمبيوتر .. وصدفة وصلت إلى النتيجة التي نقولها في هذا الحديث !! ( حقيقة صحيحة مئة في المئة ). ماء الرجل قلوي, وماء المرأة حمضي .. فإذا التقى الماءان وغلب ماء المرأة ماء الرجل, وكان الوسط حامضياً تضعف حركة الحيوانات المنوية التي تحمل خصائص الأنوثة في تلقيح البويضة فيكون المولود أنثى والعكس صحيح ! سبحان الله !!

    وقلت: إن هذا ذكر في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: هذا صحيح مئة في المئة ولكن لعلمكم هو لا يزال سراً علمياً إلى الآن لا يعلمه أحد في العالم، ومازال في أدراجي في الجامعة ولم آخذ إذنا من الجامعة لنشرة .. ولكن تقدم أبحاثكم هو الذي أرغمني على أن أحدثكم عن هذا السر .. قلنا له: الذي أخبرتنا عنه هو حالة واحدة من ست حالات ذكرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشرحها علماء المسلمين لتحديد العلاقة بين ماء الرجل وماء المرأة ... فقال بلهجته المصرية - أبوس إيدك قل لي ما هي ؟! - فأقول لكم غدا - أبوس إيديكم لا تصدقوا الصحف - فإنهم سيضخمون الأمر وسيكبرونه واعلموا أن الأمر مرهون بمشيئة الله سبحانه وتعالى ..كم من الناس أراد تحديدا للنسل، وما أراد أولادا فأعطاه الله زوجا في حمل واحد رغم أنفه، نقول: سنة الله في تحديد الذكورة والأنوثة.

    إنها السنّة الماضية" إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنثا بإذن الله" هذه السنة ماضية، ولكن إن شاء الله أن يوقفها فهي في يد الله وليست في يد الأطباء ! والله أعلم

    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

    مُساهمة  nawal في الجمعة 13 يناير 2012 - 19:17

    ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾





    يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني كنت أقرأ قول الله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ* نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾[العلق: 15-16].

    والناصية هي مقدمة الرأس فكنت أسأل نفسي وأقول يا رب اكشف لي هذا المعنى ! لماذا قلت ناصية كاذبة خاطئة ؟ وتفكرت فيها أكثر من عشر سنوات، وأنا في هذه الحيرة فأرجع إلى كتب التفسير فأجد الجواب.

    أجد المفسرين يقولون : المراد ليست ناصية كاذبة، وإنما المراد معنى مجازي وليس حقيقياً فهو من باب المجاز لا من باب الحقيقة ناصية كاذب خاطئ.



    ولما كانت الناصية هي مقدمة الرأس فأطلق عليها صفة الكذب والمقصود صاحبها هكذا يقولون وليست هي مكان الكذب أو مصدر الكذب إلى أن يسر الله البحث الذي كان عن الناصية قدم من أحد العلماء وهو كندي الأصل، ومن أشهرهم في علم المخ والتشريح والأجنة.



    وكان ذلك في المؤتمر الطبي الذي عقد في القاهرة، وتواجد في ذلك المؤتمر طبيب ومعه زوجته فلما سمعت زوجته هذا الكلام ناصية كاذبة قالت: والهاء أين راحت ؟ فالمفسرون يقولون : المعنى ناصية كاذب خاطئ قالت : والهاء أين راحت ؟ قلت في نفسي هذه الهاء هي التي دوختني عشر سنوات الله سبحانه وتعالي يقول لنا ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ نعود لبحث العالم الكندي، وقال فيه منذ خمسين سنة فقط تأكد لنا أن المخ الذي تحت الجبهة مباشرة الذي في الناصية هو الجزء المسئول عن الكذب والخطأ.

    هو المكان الذي يصدر منه الكذب ويصدر منه الخطأ، وأن العين ترى بها، والأذن تسمع منها فكذلك كان هذا المكان الذي يصدر منه القرار هذا مصدر اتخاذ القرار فلو قطع هذا الجزء من المخ الذي يقع تحت العظمة مباشرة فإن صاحبه في الغالب لا تكون له إرادة مستقلة لا يستطيع أن يختار اجلس .. اجلس .. قم ... قم .. امش .. يفقد سيطرته على نفسه مثل واحد تقلع له عينيه فإنه لا يرى

    فقال : منذ خمسين سنة فقط عرفنا أن هذا الجزء هو المسؤول عن هذا المكان الذي يصدر منه القرار ... فمن يتخذ القرار ؟ نحن نعلم أن الروح هي صاحبة القرار، وأن الروح هي التي ترى، ولكن العين هي الجارحة والروح تسمع، ولكن الأذن جارحة، كذلك المخ هذا جارحة لكن في النهاية هذا مكان صدور القرار ... ناصية كاذبة خاطئة ولذلك قال الله : ﴿ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي نأخذه أو نحرقه فسبحان الله كلمة جاءت في كتاب الله ... وها هو هذا الحرف يعرف الناس سره بعد أن يتقدم العلم أشواطا وأشواطا.

    ثم وجدوا أن هذا الجزء من الناصية في الحيوانات ضعيف صغير لأن الحيوان مركز قيادته وحركة جسمة أيضا من هذا المكان وإلى هذا يشير المولى سبحانه وتعالى : ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾[هود : 56]

    مركز القيادة .. موجود في الناصية .. من يعلم هذا ؟ متى عرف العلماء هذا ؟ متى عرفوه ؟ عندما شرحوا مخ الحيوانات.

    إن القرآن يذكر هذه الحقيقة وجاء بعلم الله الذي أحاط بكل شيء علماً، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ."

    والناصية : مركز القيادة ولحكمة شرع الله أن تسجد هذه الناصية وأن تطأطئ لله ولعل هناك علاقة بين ناصية تسجد خاشعة وبين سلوك يستقيم ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت:45]

    المصدر " وغدا عصر الإيمان " للشيخ عبد المجيد الزنداني

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 8 ديسمبر 2016 - 1:10