hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    تاريخ (طلبة ليسانس تاريخ , ماستر , دكتوراه , مقالات ومواضيع وكتب في التاريخ)

    شاطر
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    تاريخ (طلبة ليسانس تاريخ , ماستر , دكتوراه , مقالات ومواضيع وكتب في التاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:08

    امتحان في صدر الاسلام 2012

    السنة الثانية تاريخ
    موضوع امتحان صدر الاسلام 2012
    أستاذ المقياس : شارف
    جامعة زيان عاشور بالجلفة

    الجزء الأول :
    عرف الأمكنة التالية :


    عسقلان
    أيلة
    سواد العراق
    حمص
    الجزء الثاني :
    أذكر أصحاب المؤلفات التالية :
    فتوح البلدان
    فجر الإسلام
    البيان والتبيين

    الجزء الثالث :
    من أوائل المسلمين أثناء الدعوة ومن أشراف قريش ومن خيرة الناس - رضوان الله عليهم جميعا ً-
    اذكر أسمائهم


    بالتوفيق للجميع امتحان الاسلام 2012
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    بحث حول الدولة الرستمية تاريخ

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:09

    بحث حول الدولة الرستمية

    المبحث الأول:نشأة الدولة الرستمية
    المطلب الأول : نشأتها وموقعها
    تنسب إلى عبدا لرحمان بن رستم الفارسي الإباضي كان تابعا للزعيم الإباضي أبي الخطاب , وتم قتل الإمام أبا الخطاب بع د تعرضه لمعركة سنة 144 للهجري وبلغت هذه الأنباء عبدا لرحمان بن رستم , وبعدها فرّ إلى القيروان ليتحصّن بها فامتنعت عليه واتجه إلى المغرب واقبل إليه أنصاره ن كل مكان وتقوّى جانبه1) ورأى عبد الرحمان بن رستم بعد مبايعته بالإمامة أن يتخذ لنفسه عاصمة يباشر منها مهام الحكم , وكان عليه أن يوفر لهذه العاصمة كل عناصر الأمن والرخاء لذا فقد استعان بأهل العلم والخبرة بالأرض وطاف الجميع إنحاء البلاد يبحثون عن مكان يصلح لبناء العاصمة حتى استحسنوا موضع تاهرت واختير هذا الموقع لبعده عن الخطر العباسي وهي منطقة غنية اقتصاديا فهي تشتهر بمراعيها الواسعة وثرواتها الزراعية المتنوعة ويرجع ذلك لكثرة مصادر المياه وتنوعها في المنطقة وكان لذلك أثره في دعم اقتصاديات الدولة2) وتم تأسيس مدينة تاهرت سنة 144 للهجري وانشأ بها مقر دولته الرستمية(3.
    وتقع تاهرت في مكان يتوسط التل والصحراء , قد حقق لها ذلك السيادة على المنطقة السهوبية الشاسعة وما بها من طرق تجارية تمتد غربا إلى المغرب الأقصى وجنوبا إلى قلب إفريقيا عبر الصحراء الكبرى ثم هي تشرف من موقعها على الطريق المار من منطقة التلول إلى أسفل وادي الشلف المؤدي إلى البحر ويحد الدولة الرستمية مملكة الاغالبة شرقا والادارسة غربا وشمالا والصحراء جنوبا وأحيانا يمتد جذورها ويتسع نفوذها فيصل حكمه إلى طرابلس(4
    ............................................
    1- رابح بونار (1923 -1974), المغرب العربي تاريخه وثقافته, ط ,3 دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع, الجزائر ,ص 27
    2- محمد عيسى الحريري, الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس ( 160-296ه),ط 3 , (1408هـ – 1987م) , دار القلم للنشر و التوزيع , الكويت , ص 95-96
    3- المرجع نفسه , المغرب العربي تاريخه وثقافته.
    4- المرجع نفسه ص 28.
    المطلب الثاني: مؤسسها وأئمتها
    اجمع المؤرخون على أن عبدالحمان بن رستم من أصل فارسي , كان جده بهرام من موالي عثمان بن عفان1)
    ومنهم ن يرفع نسبه إلى ملوك الفرس القدماء ويذكر أن أباه رستم قدم من العراق إلى مكة وبصحبته زوجته وابنه
    عبد الرحمان لأداء فريضة الحج فمات , فتزوجت امرأته برجل من أهل القيروان حملها وابنها عبد الرحمان معه عند عودته إلى بلده2) , وتربى عبد الرحمان بن رستم بالقيروان ودرس على يد كبار علمائها , ومال إلى تعاليم الخوارج
    ووقع تحت تأثير سلامة بن سعيد الذي يدعو إلى مذهب الاباضية ولما بلغ سن الشباب رحل إلى البصرة مع بعض إخوانه من المغاربة وهم : عاصم السدراتي وابوداود القبلي النغزاوي وإسماعيل بن ضرار الغدامسي وانضم إليهم
    أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعارفي3) وكان ذلك عام 135 للهجري , حيث اخذ الفقه الاباضي وتشبع بمبادئه واجتهد فيه على يد شيخ الاباضية الفقيه ابوعبيدة مسلم بن أبي كريمة , حتى صار احد حملة المذهب الاباضي إلى افريقية4) وكلهم حماسة لإنشاء دولة على مذهبهم الاباضي , وتمت مبايعة أبي الخطاب بالإمامة وتمكن الاباضية من الاستيلاء على طرابلس واتخذوها مقرا لهم واختار أبو الخطاب عبد الرحمان بن رستم رفيقا له بأعلم قاضيا بطرابلس ثم شاركه في معركته ضد رجال ورفجومة الصفرية لتخليص مدينة القيروان,حيث نجح في سنة 141 هـ – 758م من تحريرها من أيدي الصفرية المتطرفين الذين استباحوها , ثم عهد إلى عبد الرحمان بن رستم بولايتها , وبقي عبد الرحمان فيها إلى إن قدم محمد بن الأشعث بالقوات العباسية وخرج إليه أبو الخطاب بجيش كبير , وعسكر بهم عند ارض سرت وإمام هذه الكثرة الهائلة
    ..............................................
    1- ابوعبيدة البكري, المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب من كتاب المسالك والممالك , الجزائر نشر دي سلان
    1857 , ص 67
    2- عبد العزيز سالم ,تاريخ المغرب في العصر الإسلامي , الإسكندرية مؤسسة شباب الجامة , د.ت,ص452.
    3- نهلة شهاب احمد , تاريخ المغرب العربي , عمان 2010 ,ط1 ,ص 204.
    4- موسى لقبال , المغرب الإسلامي , الجزائر 1984م ,ط3 ,ص 16
    أحجم ابن الأشعث عن لقاء الاباضية فتظاهر بالانسحاب إلى مصر ثم هاجم معسكر ابن الخطاب فجأة في صفر سنة 144 للهجرة الموافق لسنة 761للميلاد , فانهزم الاباضية وقتل ابوالخطاب1) , وكان عبد الرحمان بن رستم يتأهب لنجدة أبي الخطاب, فسمع هو
    في طريقه إليه نبأ هزيمة الاباضية ومقتل أبي الخطاب فعاد أدراجه ومضى إلى المغرب
    الأوسط حيث لايصل نفوذ العباسيين وحيث يتركزانصار الاباضية وهذا ما مكنه من تأسيس دولة الاباضية 2).
    أئمتها : كان أمراء هذه الدولة يسمون الأئمة , والمعتقد الاباضي لا يحصر الإمامة في أسرة واحدة ولكن أعيان تاهرت رأوا أن يحصروها في أسرة عبد الرحمان بن رستم حتي
    لايحصل تنافس بين القبائل وكان دستورهم هو العمل بإحكام القرآن والسنة النبوية والسلطة تكون بيد الرئيس الذي يلقب بالإمام وله أعوان يساعدونه على ذلك وأشهر أمرائهم هم :
    1- عبد الرحمان بن رستم ( 144-168 هـ) وهو الأمير المؤسس لهذه الدولة ويعود أصله إلى فارس .
    2- عبد الوهاب ( 168-188هـ) بويع بعد وفاة أبيه عبد الرحمان, ووقعت فتن في عهده حيث تمكن من إخمادها بدهائه وسياسته .
    3- افلح بن عبد الوهاب ( 188-238هـ) بويع بالإمامة وكان صاحب نفوذ قوي وكانت تاهرت في أيامه هادئة مزدهرة 3)
    ............................................
    1- المرجع السابق ,تاريخ المغرب العربي , ص 205
    2- المرجع السابق ,تاريخ المغرب في العصر الإسلامي, ص 451-452
    3- المرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته ,ص28
    4- ابوبكر بن افلح (238-241هـ) بويع هذا الأمير من قبل قبيلة نفوسة إحدى قبائل تاهرت ذات نفوذ سياسي ولم يبايعه غيرها , وكان أديبا فقيها غير مهتم بالناحية السياسية بل ترك أمرها لأخيه أبي اليقظان وصهره محمد بن عرفة
    5- ابواليقظان محمد بن افلح (241-281هـ) كان قبل توليته الإمامة قد ذهب إلى الحج في أيام والده فسجنه الواثق الخليفة العباسي مع أخيه المتوكل , بعدها سمح له بتولي الإمارة وبقي أربعين سنة بعدها توفي سنة 281هـ
    6- ابوحاتم يوسف (281-294هـ) كان كثير المروءة واسع الإحسان محبوبا لدى العامة وبعد مبايعته اضطربت عليه الأمور وقتل سنة 294هـ
    7- اليقظان بن أبي اليقظان (294-296هـ) بويع بعد مقتل أخيه أبي حاتم ولم يتمتع بالملك طويلا وقتل سنة 296 هـ1)
    المطلب الثالث : نظام الحكم والإدارة
    اتسم نظام الحكم في مطلع الدولة الرستمية بالبساطة الشديدة فاتخذ حاكم الدولة لنفسه
    لقب إمام , وأصبح رئيس الدولة مصدرا لجميع السلطات دينية كانت أم سياسية ويظهر ذلك من خلال حوار البيعة الذي دار بين رؤساء الاباضية وشيوخهم وبين عبد الرحمان بن رستم , وقد راعى رؤساء الاباضية وشيوخهم عندما اختاروا عبد الرحمان بن رستم
    إماما للدولة كل القواعد التي قننت في المذهب الاباضي حول اختيار رئيس الدولة وطبقوا شروط البيعة تطبيقا يكاد يكون حرفيا واتفق رأي الرؤساء على عبد الرحمان لكونه من حملة العلم ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل ويبدو أن فقهاء الاباضية ارادو أن يضعوا شروطا مثالية لاختيار إمام دولتهم والعلم شرط أساسي يجب توفره في الشخص المترشح للإمامة 2)
    ..... .. ......................................
    1- المرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته , ص 29 .
    2- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية ,ص 224.
    وتعني هذه القواعد السابقة تطور واضح في بناء الفكر السياسي للخوارج في بلاد المغرب فقد تطرق إلى مبدأ الانتخاب العام الذي اشتهرت به الخوارج , بعض المؤثرات كتسلل فكرة التعيين او الوصية التي ازدهرت في المشرق الإسلامي لدى الشيعة الى نظام الحكم في الدولة الرستمية فبدأت هذه المؤثرات بسيطة في ذهن الاباضية متمثلة في ان عبد الرحمان بن رستم كان عاملا لأبي الخطاب على القيروان في افريقية وتطورت هذه الفكرة إلى أن أصبحت في الدولة الرستمية فكرة توريث مطلق وذلك يؤكد فكرة التوريث والتعيين على مبدأ الانتخاب العام , ويعني التغلب على الطابع الديني في نظم الحكم الرستمية وتحول الإمامة الرستمية إلى سلطة مركزية أشبه ما تكون بالملكية المطلقة , فعبد الرحمان بن رستم حين أحس بدنو اجله اقتدى بالخليفة عمر بن الخطاب فاختار سبعة من كبار رجال دولته من أهل التقوى والصلاح وكان من بينهم ابنه عبد الوهاب وأوصاهم بالاجتماع والتشاور لاختيار إمام من بينهم . وكان الاحتفاظ بأبناء البيت الرستمي على رأس هذه الدولة سبيلا إلى احتفاظهم بمكانتهم , والملاحظ انه في عصر الأئمة الرستميين الأقوياء حرص هؤلاء على التعيين أو الوصية لأبنائهم , فعبد الرحمان بن رستم عين ولده عبد الوهاب ضمن السبعة المرشحين للإمامة , وعبد الوهاب أوصى صراحة بالإمامة لابنه افلح , أما في عهد الأئمة الضعاف فلم يعد الامر في حاجة إلى الوصية أو التعيين لان الأمر كان بيد القبائل وجماعات العجم والفرس وأخذت الدولة الرستمية منذ قيامها بالأساليب المعروفة لإدارة الدول وان غلب على هذه الأساليب طابع البساطة وأوضاع القبائل التي حكمت الدولة التي والذي غلب على معظمها الطابع البدوي ,فقد وضع عبد الرحمان بن رستم نظاما بسيطا للقضاء والشرطة وجباية الأموال والصدقات , وسار الرستميون على سنن المشارقة في كافة النظم الإدارية الأخرى التي تكفل بضبط الأمور في دولتها فانشأوا جهازا للشرطة يقوم بأعمال الحراسة والمحافظة على الأمن وأقاموا نظاما يتمتع القضاة في ظله بالنزاهة التامة وحظوا بالاحترام الكامل من قبل الأئمة حيث لم يسمح هؤلاء القضاة لأحد بان يتدخل في شؤونهم , وفضلا عن ذلك اتخذ الرستميون الوزراء والكتاب والحراس ونظام السجلات والخاتم كلها نظم ورسوم تأثرت إلى حد كبير بالتقاليد الفارسية في الإدارة والحكم ومن أشهر الوزراء الذين تقلدوا هذا المنصب السمح بن أبي الخطاب ومحمد بن عرفة1)
    ................................
    1- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية ,ص 225-230
    المبحث الثاني إجازاتها الاقتصادية والفكرية
    المطلب الأول : الجانب الاقتصادي
    شهدت بلاد المغرب الأوسط في عهد الدولة الرستمية ازدهارا تجاريا كبيرا ونموا عظيما في حركة الاقتصاد حيث ساعد على استقرار هذه المناطق تحت حكم الرستميين
    على ازدهارها بعد معاناتها زمنا طويلا من عدم الاستقرار الاقتصادي بسبب الاضطرابات , وباستقرار الأوضاع السياسية سارت عناصر الحياة الاقتصادية الزراعة والصناعة والتجارة في طريقها نحو التحسن حيث كان يمتلك الرستميون مجالات ضخمة من الأراضي الزراعية وتوفرها على الوديان ومجاري المياه التي تحيط بعاصمتها تاهرت , وكانت أهم المزروعات التي جادت في المنطقة الكتان والسمسم والحبوب , ونشطت الزراعة أيضا في الواحات والمدن الصحراوية فاشتهرت واحة
    ورجلان بغابات النخيل الواسعة وانتشرت النطاقات الرعوية الشاسعة التي دعمت اقتصاد الدولة بثروة حيوانية وفيرة , أما بالنسبة للصناعة هي الأخرى في المجتمع
    الرستمي لتلبي حاجات أفراده , وكان توفر مواد الخام اللازمة لمختلف الصناعات
    أثره في وفرتها فاشتهرت بصناعة المنسوجات على اختلاف أنواعها الصوفية والكتانية والحريرية لتوفر خامات الصوف والكتان من المراعي والمزارع , واشتهرت قابس بصناعة دبغ الجلود كما تعددت المناجم التي أمدت الصناع بحاجاتهم ولوازم صناعتهم
    ففي جبل ارزو توفر معدن الحديد وخشب العطور , وعرف الرستميون الطواجين وصناعة الأواني الفخارية والخزف وخاصة ما كان يستعمل من هذه الأواني لغرس الأزهار, وقام الرستميون بدور بارز في مجال التجارة حيث لم تعق الخلافات السياسية والمذهبية بين الرستميين وجيرانهم حركة التجارة ,ومما أعطى دفعة قوية في هذا المجال وقوع عاصمتهم على طريقين من أشهر الطرق التجارية , طريق الشرق والغرب , وطريق الشمال والجنوب , إذ هيأ لها ذلك أن تكون مركزا للتبادل التجاري بين بلاد السودان والمغرب والمشرق وسواحل البحر المتوسط 1)
    ................................................
    1- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية , ص 231-232.
    وكانت تاهرت مركزا تجاريا داخليا وكانت ابرز العلاقات التجارية في عهد الرستميين قائمة بينهم وبين الأمويين والأندلس والسودان , حيث قام الرستميون بدور الوسيط التجاري بين الطرفين
    واهم البضائع التي يصدرها الرستميون إلى الأندلس هي الحبوب وأشهر السلع التي نقلها الرستميون من بلاد السودان الذهب و العاج وريش النعام وجلود الحيوانات
    وقد جعلت هذه الحركة التجارية النشطة من تاهرت عاصمة فذة متألقة بين حواضر المغرب الكبرى .
    المطلب الثاني : الجانب الفكري
    ارتبطت الجانب الفكري في عصر بني رستم ارتباطا كبيرا بالمذهب الاباضي , وإذا كان داعية الاباضية الأول سلمة بن سعيد قد تكمن من اختيار أربعة من معتنقي أفكاره
    الاباضية وأطلق عليهم اسم حملة العلم ووفدت هذه الجماعة إلى البصرة لتلقي العلم
    على يد داعية الاباضية الأكبر أبي عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة, حين عودة هذه الجماعة إلى بلاد المغرب بدأت في نشر ثقافة المذهب الاباضي في حلقاتهم , حيث انتشرت في جهات المغرب الادنى وافريقية , ولقن حملة العلم أتباعهم علم الأصول والفروع والسير والتوحيد والشريعة وعلوم اللغة والفلك والرياضيات , ومنذ ذلك الوقت طغت شؤون الدعوة الاباضية على الحياة الفكرية في بلاد المغرب الأوسط
    وخلقت مجالا عظيما للتنافس بين إتباع المذهب الاباضي وبين الفرق والمذاهب الأخرى
    كالسنة والمالكية والمعتزلة والشيعة وقد أفسح الرستميون المجال لهذه الفرق والمذاهب فعقدت المناظرات بين علماء الاباضية والمعتزلة , وقد أدى نشاط الحركة الفكرية على هذا النحو إلى أن يتجه الرستميون إلى توثيق علاقتهم الثقافية بمختلف البيئات العلمية
    والاحتكاك بمراكز الثقافة سواء في المغرب والأندلس أو في المشرق1)
    ............................................
    1- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية , ص 233-236
    كما حرص بنو رستم على تأسيس مكتبة ضخمة أطلق عليها اسم المعصومة حوت على ثلاثمائة ألف مجلد في مختلف أنواع العلوم والفنون والآداب وقد قام الشيعة بحرقها لتدمير كل اثر للفكر الاباضي المعادي لهم كما كرس الأئمة الرستميين حياتهم لنشر العلم في المجتمع الاباضي وكان العلم شرطا أساسيا لتولي الإمامة , وكان بعضهم و يقوم بالتدريس في جامع تاهرت , كما اشتركوا في حركة التأليف فنبغ عدد كبير من
    العلماء في العصر الرستمي , وكان شيوخ المذهب منهم يمثلون فئة اجتماعية ذات شأن كبير في تاهرت , كما شاركت المرأة الرستمية في الحركة الفكرية فكانت أخت الإمام
    افلح بن عبد الوهاب عالمة بالحساب والفلك .
    ومن المراكز العلمية الهامة في الدولة الرستمية غير تاهرت مدينة شروس ومدينة جادو
    وقرية اجناون وجزيرة جربة , وقد أتاح تعايش العلماء على اختلاف مذاهبهم وأفكارهم
    في تاهرت الفرصة لتكوين مدرسة لها معالمها الخاصة وسماتها الواضحة في تاريخ الفكر الإسلامي في بلاد المغرب1)
    أصبحت بذلك عاصمة للعلم والفكر والثقافة تشع بنور علمها على شمال إفريقيا وغربها وشرقها وفي جنوب شبه الجزيرة العربية2) , والحضارة الرستمية العربية قد تأثرت بحضارات فارسية و فينيقية سابقة 3
    .......................................
    1- المرجع نفسه ص237-238
    2- صالح فركوس , المختصر في تاريخ الجزائر من عهد الفنيقيين الى خروج الفرنسيين 814 ق م -1962م , دار العلوم للنشر والتوزيع , ص58 .
    3- الرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته , ص 33.
    المبحث الثالث : علاقتها بجيرانها وأسباب سقوطها
    المطلب الأول : علاقتها بجيرانها
    كانت علاقة الدولة الرستمية مع الخلافة العباسية متوترة حيث انه بعدما انشأ عبد الرحمان بن رستم دولته الفتية واختار لها موقعا حصينا لم يحاول ولاة افريقية مهاجمتها بعد ابن الأشعث الذي رفع الحصار على جبل بسوفجج معقل عبد الرحمان
    بن رستم سنة 144 هـ الموافق 761م وعلى الرغم من تمكن عمر بن حفص من إنزال الهزيمة بجيش ابن رستم بالقرب من تهودة سنة 151هـ الموافق ل 768 م , فانه
    لم يفكر بعد في مهاجمة تاهرت , فعاد إلى القيروان وبمرور الزمن استطاع عبد الرحمان
    بن رستم أن يثبت أركان دولته , فهابه روح بن حاتم ورغب في مهادنة بن رستم فهادنه
    سنة 171 هـ الموافق ل 787م , كما وادع ابنه عبد الوهاب من بعده1)
    ولما قامت دولة الاغالبة استمر الهدوء سائدا بين تاهرت والقيروان حتى عكره عبد الوهاب بن رستم عندما هاجم طرابلس سنة 196هـ الموافق 811م على أن الهدوء
    الذي ساد العلاقات بين الطرفين خلال هذه الفترة , لايعني أن العباسيين قد غيروا من موقفهم تجاه الرستميين فلم تتوقف محاولاتهم الرامية إلى القضاء على الخوارج في المغرب الأوسط , على الرغم من أن هذا الهدف أصبح من أولى مهمات الاغالبة الذين أقاموا دولتهم بدعم وتأييد من الخلافة العباسية ليقفوا في وجه أعدائها ويحاولوا دون تقدمهم نحو الشرق , وقد حرصت الخلافة العباسية على إثارة المشاكل في وجه الدولة الرستمية في تاهرت وشجعت حركات التمرد ضدهم كما حدث في عهد افلح بن عبد الوهاب , وبالمقابل فان سياسة الرستميين وأهدافهم التوسعية في المغرب لا تحتاج إلى دليل فقد قاموا بفرض نفوذهم على المناطق المجاورة لطرابلس , كما قاموا بإحراق
    المدينة العباسية التي بناها محمد بن الأغلب سنة 227هـ الموافق 841م , كما حرصوا على اثارة القلاقل في وجه أمراء القيروان وعقد المحالفات مع الأمويين في الأندلس 2)
    ......................................
    1- عبد العزيز سالم ,تاريخ المغرب في العصر الإسلامي , الإسكندرية مؤسسة شباب الجامة , د.ت,ص481
    2- نهلة شهاب احمد , تاريخ المغرب العربي , عمان 2010 ,ط1 ,ص 211
    أما عن علاقة الدولة الرستمية مع دولة بني مدرار فقد التقت أهدافهما في عدائهم المشترك
    للخلافة العباسية وتوطدت بينهم المودة والصداقة وزادت هذه الروابط وثاقة وإحكاما منذ أن زوج اليسع بن اليابس ,ابنه مدرار من أروى ابنة عبد الرحمان بن رستم 1).
    وبالنسبة لطبيعة العلاقات بين الادارسة والرستميين فان الاختلاف المذهبي والعداء التقليدي الموروث بين العلويين والخوارج كان من اهم عوامل التوتر بين الدولتين,هذا فضلا عن العامل الجغرافي الذي أسهم في حدة الخلاف بين الرستميين والادارسة حيث كانت حدودهما متداخلة مما جعل من الصعوبة تحديد انتماء بعض القبائل التي كانت تعيش تارة في كنف الدولة الرستمية, وتارة أخرى تحول انتماؤها
    إلى الادارسة , وقد لعبت تلمسان دورا مهما في النزاع بين الرستميين والادارسة
    بسبب موقعها الاستراتيجي على الحدود الذي أصبح موضع تنافس بين الدولتين
    كما اتسمت العلاقة بين الدولة الرستمية والدولة الأموية بالأندلس بأنها علاقة مودة وصداقة على الرغم من الخلاف المذهبي بين الدولتين إذ أن ثمة أسبابا وراء ذلك
    وهي العداء المشترك لكلا الدولتين للخلافة العباسية فضلا عن ذلك قيام دولتي الاغالبة والادارسة في المغربين الأدنى والأقصى,قد أغلق المغرب بوجه الأمويين في الأندلس لذلك حرصوا على توثيق علاقتهم مع الرستميين في تاهرت مستهدفين من وراء ذلك إضعاف أعدائهم الادارسة من جهة,وتامين استمرار اتصال الأندلس بالمشرق من جهة أخرى.وقد انعكست علاقة الصداقة والمودة بين الدولتين على الناحية الاقتصادية التي شهدت نشاطا ملحوظا خلال هذه الحقبة,وتعبيرعن علاقات المودة والصداقة بين الدولتين تبادل الطرفان الهدايا النفيسة,وقد بلغت العلاقات بين الدولتين ذروتها في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن افلح الذي قامت بينه وبين الأمير محمد بن عبد الرحمان بن الحكم علاقات متينة فكان ابواليقظان لايقدم ويؤخر في أموره ومعضلاته إلا عن رأيه(2).
    .................................................
    1- المرجع السابق , المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب من كتاب المسالك والممالك , الجزائر نشر دي سلان
    1857 , ص 149 .
    2- المرجع السابق , تاريخ المغرب العربي , ص 212-213
    المطلب الثاني : أسباب سقوطها
    لم يتمتع اليقظان في عهده طويلا حيث غمرته الفتن السياسية المائجة والأحوال المتدهورة وزحفت عليه جيوش الشيعة الفاطميين في سنة 296 ه فقتلته في طائفة من أفراد أسرته , وبقتله انقرضت هذه الدولة من تاهرت والتجأ باقي أفرادها إلى الصحراء وأسباب ضعف هذه الإمارة إلى اختلاف شيعتها واشتداد روح العصبية لقبائلها كما تعود تمكّن الخلافات المذهبية في رعاياها فقد كان فيها اباضية وصفرية وسنية وغيرها (1) حيث لما جاء الشيعة إلى تاهرت وجدوا المدينة فاقدة لكل قوة , على أن قوة الشيعة الجارفة كانت من اكبر عوامل انقراضها وانقراض جميع الإمارات الصغيرة والدويلات بافريقية والمغرب وغيرها (2) والخلاف والشقاق بين أئمتها على الحكم أخذت بذلك الدعوة الشيعية تنتشر لصالح العبيديين الفاطميين , وانتهى أمراء الدولة الرستمية وتشتت الاباضية في كل مكان وعلى إثرها سقطت الدولة الرستمية بتاريخ 296هـ الموافق 909م (3).
    .................................................. .......
    1- مبارك الميلي , تاريخ الجزائر الحديث والقديم , ج 2 , الشركة الوطنية للنشر والتوزيع , الجزائر 1976م , ص64.
    2- المرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته , ص 29
    3- المرجع السابق , المختصر في تاريخ الجزائر, ص 58.
    قائمة المصادر والمراجع :
    1- البكري ابوعبيدة , , المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب من كتاب المسالك والممالك , الجزائر نشر دي سلان 1857 .
    2- بوناررابح (1923 -1974), المغرب العربي تاريخه وثقافته, ط ,3 دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع, الجزائر
    3- الحريري محمد عيسى , , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس ( 160-296هـ),ط 3 , (1408ه – 1987م) , دار القلم للنشر و التوزيع , الكويت.
    4- سالم عبد العزيز , تاريخ المغرب في العصر الإسلامي , الإسكندرية مؤسسة شباب الجامة , د.ت
    5- شهاب احمد نهلة , تاريخ المغرب العربي , عمان 2010 ,ط1.
    6- فركوس صالح , المختصر في تاريخ الجزائر من عهد الفينيقيين إلى خروج الفرنسيين 814 ق م -1962م , دار العلوم للنشر والتوزيع.
    7- الميلي مبارك , تاريخ الجزائر الحديث والقديم , ج 2 , الشركة الوطنية للنشر والتوزيع , الجزائر 1976م .
    8- لقبال موسى , المغرب الإسلامي , الجزائر 1984م ,ط3 .
    خطة البحث :
    _المقدمة
    المبحث الأول : نشأة الدولة الرستمية
    المطلب الأول : نشأتها وموقعها
    المطلب الثاني : مؤسسها وأئمتها
    المطلب الثالث : نظام الحكم والإدارة
    المبحث الثاني :
    المطلب الأول : الجانب الاقتصادي
    المطلب الثاني : الجانب الفكري
    المبحث الثالث: علاقتها بجيرانها وأسباب سقوطها
    المطلب الأول : علاقتها بجيرانها
    المطلب الثاني : أسباب سقوطها
    جامــــــــــــعة زيــــــان عاشـــــــور
    كلية العــــلوم الإنسانية
    قسم التاريــــــــــــخ
    السنة الثالثة مقيـــــــــــــاس:
    الفوج : 01 المغـــرب الإسلامي
    بحث حول
    الـــــــــــــــدولة الرستمـــــــــــــــية
    إعـــــــــــــــداد : أستاذ المقياس :
    - عروي فاطنة ربـــــــــــــــوح
    - عمراوي حسينة
    الموسم الدراسي
    2011/2012
    المقدمة :
    عرف المغرب الاسلامي خلال ق2ه ظهورعدة دويلات مستقلة ,حيث ظهرت دولة الاغالبة في المغرب الادنى ودولة الادارسة بالمغرب الاقصى وظهرت الدولة الرستمية بالمغرب الاوسط ومن خلال بحثنا هذا نتطرق الى الدولة الرستمية فكيف نشات هذه الدولة ومن مؤسسها ؟وماهي اهم جوانب تطورها ؟ ولقد قسمنا بحثنا هذا الى ثلاث مباحث ,


    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الروم والفرس تاريخ

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:09

    سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الروم والفرس

    السنة الثانية تاريخ : مقياس صدر الاسلام

    مع الروم والفرس
    كانت الرسائل التي أرسلها الرسول في منتهى الوضوح، ودعا الرسول زعماء الأرض للدخول في الإسلام، وحملهم مسئوليتهم ومسئولية شعوبهم أيضًا، وبدأت فعلاً هذه الرسائل تخرج من المدينة المنورة، وخرجت هذه الرسائل في نفس الشهر الذي رجع فيه الرسول من صلح الحديبية في شهر ذي الحجة سنة ست من الهجرة، والبعض يؤخّرها إلى غرة محرم سنة 7هـ، أي بعد أيام من صلح الحديبية. وانظر إلى حرص الرسول على توصيل الإسلام إلى كل مكان، ولكن الظروف لم تكن مهيأة قبل ذلك، وعندما سنحت الظروف خرجت هذه الرسائل، وهي في معظمها في وقت متزامن لا يفصل بينها إلا أيام. والرسائل التي أرسلت في شهر ذي الحجة سنة 6هـ وأوائل محرم 7هـ، كانت سبع رسائل:
    - رسالة إلى قيصر ملك الروم، وحملها دِحْيَة بن خليفة الكلبي
    - رسالة إلى كسرى ملك فارس، وحملها عبد الله بن حذافةالسهميّ
    رسالة الرسول لهرقل (قيصر الروم)
    جاءت رسالة الرسول في صحيح البخاري، وهناك كثير من الناس من الممكن أن تستغرب كلام هذه الرسالة، فنحن نعلم أن هذه الرسالة هي من رئيس دولة صغيرة جديدة وهي دولة المدينة المنورة، وجيشها على أكبر تقدير ثلاثة آلاف جندي، وعمرها لا يتجاوز الثلاث سنوات وأسلحتها بسيطة، وعَلاقاتها في العالم محدودة جدًّا، ومع ذلك يُرسِل زعيمها رسالة إلى هرقل قيصر الروم، الزعيم الأعظم للدولة الأولى في العالم الإمبراطورية الرومانية التي تسيطر على نصف أوربا الشرقي، إضافةً إلى تركيا والشام بكامله، ومصر والشمال الإفريقي، وجيوشها تقدر بالملايين بلا مبالغة، والأسلحة متطورة جدًّا، وتاريخها في الأرض أكثر من ألف سنة، لا بد أن ندرك كل هذا ونحن نقرأ كتاب الرسول إلى قيصر الروم: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ".
    هكذا في منتهى الوضوح: أسلم تسلم.
    "يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ[1]"[2].
    ثم كتب آية من آيات رب العالمين I: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
    ونحن نرى الوضوح والقوة والعزة والحكمة في كل كلمة من كلمات الخطاب. وهذا الخطاب يحتاج إلى وقت طويل حتى نحلله، وندرسه، ونستخرج منه الدروس التي في باطنه، ولكن هنا سوف نشير إلى بعض الدروس المهمة.
    - فقد حرص الرسول على ظهور عزته وعزة الدولة الإسلامية في كل كلمة من كلمات الخطاب؛ أولاً: بدأ باسمه قبل اسم هرقل. وهذا الكلام كان خطيرًا في زمانهم، فقد كتب : "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم"، ثم دعاه مباشرة للدخول في الإسلام، فقال: "أسلم تسلم". في صيغة ليس فيها تردُّد.
    - وأيضًا من الدروس أنه مع إظهار هذه العزة والقوة إلا أنه لم يقلل من قيمة الطرف الآخر، بالعكس رفع قدر الطرف الآخر وحفظ له مكانته قال: "إلى هرقل عظيم الروم". وأيضًا جمع في مهارة عجيبة بين الترهيب والترغيب يقول له: "أسلم يؤتك الله أجرك مرتين". يعني فيها نوعٌ من الترغيب، ثم يقول له مهدِّدًا بوضوح: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين". ونحن نراه يجمع بين الترغيب والترهيب، فهو في ناحية يرغِّب، وفي ناحية أخرى يرهب، وهذا الكلام في سطور قليلة للغاية.
    - وأيضًا من الدروس من هذه الرسائل حسن اختيار الآية المناسبة من القرآن الكريم، فقد أتى بآية تقرب قلوب أهل الكتاب، وتوضح أن هناك قواسم مشتركة كثيرة بيننا وبينهم، حتى يفتح عقولهم للتفكير، ويرفع حواجز كثيرة جدًّا بين الطائفتين المسلمة والنصرانية.
    هذا كان خطاب هرقل عظيم الروم، وهكذا كان الخطاب إلى كل زعماء العالم، الخطاب متشابه في مضمونه مع اختلاف الألفاظ على حسب البلد المرسَل إليها، واختلاف الدين الذي يدينون به. ومع وحدة الخطاب إلا أن ردود الأفعال كانت متباينة، فقد بلغ بعضها القمة في الأدب وحسن الردّ، في حين بلغت بعض الردود الأخرى أدنى مستوى لسوء الأدب والمعاداة، وبعضها بين هذا وذاك.
    رد هرقل على رسالة النبي
    هرقل زعيم الدولة الرومانية، وهي دولة تسيطر تقريبًا على نصف مساحة العالم في ذلك الوقت. والحقيقة أن موقف هرقل من الرسالة يحتاج إلى وقفة، ويحتاج إلى تحليل، فهو يفسر لنا الكثير من أحداث التاريخ، سواءٌ في أيام رسول الله أو في الأيام التي تلت الرسول ، ويفسر لنا أحداثًا كثيرة جدًّا من الواقع الذي نعيشه؛ لأننا نعرف أن التاريخ يتكرر.
    عندما تسلم هرقل رسالة الرسول أخذ الموضوع بمنتهى الجدية، مع أنه زعيم أكبر دولة في العالم، وهو يتسلم رسالة من زعيم دولة لم يسمع عنها أحد، وهذه الدولة خرجت في بلاد العرب، والرومان بصفة عامة كانوا ينظرون إلى بلاد العرب نظرة دونيّة، ويرونهم دائمًا أقل من أن يهتم أحدٌ بشأنهم، أو يدرس أحوالهم؛ فهؤلاء العرب قوم يعيشون حياة البداوة في أعماق الصحراء بعيدة كل البعد عن كل مظاهر الحضارة والمدنية، وهم متفرقون ومشتتون، وأحلامهم بسيطة، وأعدادهم محدودة، وأسلحتهم بدائية. الفارق بينهم وبين إمبراطورية الرومان الهائلة، كالفارق بين السماء والأرض أو يزيد. وحينما كان يدور الصراع بين دولة فارس ودولة الروم فإن كل ما كان العرب يفعلونه هو الاكتفاء فقط بمراقبة الأحداث، ويراهن بعضهم على بعضٍ فيمن سوف يكسب من الدولتين العظيمتين: فارس والروم، ولم يكن عندهم طموح لا من قريب ولا من بعيد في مشاركة القوة العالمية في الأحداث الجارية في العالم.
    ومع كل ذلك عندما أرسل الرسول رسالته إلى زعيم الروم، أخذ هرقل ملك الروم الأمر بمنتهى الجدية، ولم ينكر أن يكون ذلك الرجل نبيًّا حقًّا، ولم يكن ينقصه إلا التأكد فقط. ونحن عندما نسمع عن هرقل أو نقرأ عنه نشعر أنه كان زعيمًا نصرانيًّا متدينًا ملتزمًا إلى حد كبير بتعاليم النصرانية، وكان يعلن كثيرًا أن الله يساعده في معاركه، حتى إنه نذر أن يحج إلى بيت المقدس ماشيًا على قدميه من حمص إلى القدس؛ شكرًا لله على نصره للرومان على الفرس. ورجل مثل هرقل لا بد أنه قد قرأ في التوراة والإنجيل أن هناك رسولاً سيأتي، وأن هذا الرسول بشَّر به موسى وعيسى عليهما السلام، وكان هرقل ينتظر هذا الرسول، وهذا الرجل الذي أرسل له الرسالةَ يذكر له في هذه الرسالة أنه نبي آخر الزمان، وهرقل آمَنَ بالفكرة، ولعله مشتاق لرؤية ذلك النبي. وكان هرقل قبل هذه الأحداث قد سمع عن هذا النبي ، بل إن الله يسَّر له لقاءً غريبًا عجيبًا ربما يكون قبل استلام الرسالة، مما قد يكون مهَّد هرقل نفسيًّا تمامًا لاستلام مثل هذه الرسالة العجيبة.
    حوار بين أبي سفيان وهرقل
    سمع هرقل أن هناك نبيًّا ظهر في بلاد العرب، فأمر هرقل جنوده أن يأتوا ببعض العرب؛ لكي يسألهم عن هذا النبي الذي ظهر في بلادهم. واستطاع الجنود الإمساك ببعض التجار الذين كانوا يتاجرون في غزة بفلسطين، وكان هرقل في بيت المقدس في ذلك الوقت، وهو يريد أن يستوثق من أمر الرسول ، وكان من بين هؤلاء التجار أبو سفيانبن حرب زعيم قريش. وهذا الأمر حدث بعد صلح الحديبيةمباشرة؛ فقد سافر أبو سفيان لغزة للتجارة، وأمسكه بعض الجنود، وأخذوه إلى هرقل في بيت المقدس، والتوقيت عجيب من كل النواحي، فكأن الله I أرسل أبا سفيان الذي كان كافرًا في ذلك الوقت؛ ليقيم الحجة على هرقل في هذا اللقاء العجيب.
    ورد في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، نقلاً عن أبي سفيان t بعد إسلامه، أن هرقل سأل التجار أيكم أقرب نسبًا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان: "أنا أقربهم نسبًا إليه".
    فقال هرقل: "أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره". أي جعل أبا سفيان واقفًا ووراءه مجموعة من أصحابه، ثم قال لترجمانه: "قل لهم: إني سائلٌ هذا الرجل -يعني أبا سفيان- فإن كذبني فكذبوه".
    هرقل يريد أن يعرف بجدية كل شيء عن هذا النبي، فسأل أقرب الناس إليه نسبًا؛ ليكون على معرفة تامة به، وفي الوقت نفسه جعل وراء أبي سفيان مجموعة التجار الآخرين كحكّام على صدقه. وتحت تأثير إرهاب هرقل وبطشه، أبو سفيان سوف يخاف أن يكذب، ومَن وراءه سوف يخافون أن يكذبوا. ولكن أقول لكم: إن عامل الكذب هذا لم يكن واردًا في القصة، فالعرب حتى في أيام الجاهلية كانت تستنكر صفة الكذب هذه، وتعتبرها نوعًا من الضعف غير المقبول، حتى إن أبا سفيان كان يقول تعليقًا على كلمة هرقل هذه: "فوالله لولا الحياء من أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني عنه، ولكني استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته".
    فهو في هذه اللحظة -سبحان الله- مع أنه يكره الرسول كراهية شديدة، إلا أنه لا يستطيع أن يكذب على محمد ، لا يحب أن يشوّه صورته بالكذب، لدرجة أنه في رواية كان يقول: "ولكني كنت امرأً أتكرَّم عن الكذب".
    وبدأ استجواب هرقل لأبي سفيان أمام الجميع من العرب والرومان وفي حضور عِلية القوم من الأمراء والوزراء والعلماء من الرومان. وفي هذا الاستجواب سوف نرى أن هرقل سيسأله أسئلة يحاول بها أن يتيقن من أمر هذه النبوة التي ظهرت في بلاد العرب، هل هي نبوة حقيقية أم كذب؟ وهذه الأسئلة عبارة عن استنباطات عقلية، وهذه الأسئلة بناء على معلومات عن الأنبياء بصفة عامة، وعن هذا النبي بصفة خاصة كما جاء في التوراة والإنجيل. وهذا الحوار الذي دار بين هرقل زعيم أكبر دولة في العالم في ذلك الوقت وأبي سفيان زعيم قريش، نحن نحسبه من أعجب الحوارات في التاريخ، وهو عجيب من أكثر من وجه؛ لاهتمام زعيم أكبر دولة في العالم بأمر رجل يظهر في صحراء العرب، أو من حيث ذكاء الأسئلة ودقتها، أو من حيث ردود أبي سفيان المشرك -آنذاك- الذي كان يكره محمدًا كراهية شديدة، أو من حيث تعليق هرقل على كلام أبي سفيان في آخر كلامه، أو من حيث ردّ فعل هرقل بعدما سمع كلمات أبي سفيان. إنه حوار عجيب بكل المقاييس، وقد بدأ الحوار بسؤال:
    كيف نسبه فيكم؟
    قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
    قال هرقل: فهل قال هذا القول من قبلكم أحد قَطُّ قبله؟
    قال أبو سفيان: لا، لم يدَّعِ أحدٌ في تاريخ العرب النبوة.
    فقال هرقل: هل كان من آبائه من مَلِك؟
    فقال أبو سفيان: لا.
    قال هرقل: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
    قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
    قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟
    قال أبو سفيان: بل يزيدون.
    قال هرقل: فهل يرتد أحد منهم سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟
    قال أبو سفيان: لا، لا يرتد منهم أحد.
    قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
    قال أبو سفيان: لا.
    قال هرقل: فهل يغدر؟
    قال أبو سفيان: لا. ثم قال: ونحن منه في مدةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها[3].
    هذا كلام أبي سفيان، فهو أراد أن يقول أي شيء سلبي على الرسول ، فكل الإجابات ترفعُ من شأن الرسول ، يقول أبو سفيان: ولم تُمْكِنِّي كلمةٌ أُدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة.
    أي حاولتُ قدر ما أستطيع أن أطعن في الرسول بأي شيء، فلم أستطع إلا بهذه الكلمة، وهرقل لم يعلِّق على هذه الكلمة، وكأنه لم يسمعها.
    ثم قال هرقل: فهل قاتلتموه؟
    قال أبو سفيان: نعم.
    فقال هرقل: فكيف كان قتالكم إياه؟
    قال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال[4].
    قال هرقل: بماذا يأمركم؟
    قال أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
    انتهى الاستجواب الطويل من هرقل، وبدأ هرقل يحلل كل كلمة سمعها، وكل معلومة حصل عليها حتى يخرج باستنتاج. وأعلن ذلك الاستنتاج ترجمان هرقل، قال هرقل: "سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها".
    وسوف يبدأ هرقل يأخذ كل كلمة، وكل نقطة يثبت بها لأبي سفيان وللجميع ولنفسه قبلهم أن هذا رسول من عند الله.
    ثم قال: سألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، قلتُ: لو كان قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يَأْتَسِي بقول قيلَ قبله.
    وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من مَلِك، قلتُ: رجلٌ يطلب مُلك أبيه.
    وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فَقَدْ عَرَفْتُ أنه لم يكن ليذَرَ الكذب على الناس ويكذب على الله.
    وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
    وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
    وسألتك: أيرتد أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
    وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر.
    وسألتك: بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
    فهذه هي تحليلات هرقل حتى خرج إلينا في نهاية الأمر بنتيجة خطيرة فعلاً، يقول بمنتهى الصراحة: فإن كان ما تقوله حق فسيملك موضع قدمي هاتين[5]، وقد كنت أعلمُ أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم[6]، فلو أني أعلم أني أخلصُ إليه لتجشَّمْتُ لقاءَهُ، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قَدَمِهِ[7].
    إنها كلمات خطيرة وعجيبة من زعيم الإمبراطورية الرومانية، فقد أيقن هرقل من أول وهلة أن هذا الرجل رسول حقًّا، وأن ملكه سيتسع حتى يأخذ بلاد الشام، وأنه يجب الاتباع له والانصياع الكامل لأمره، بل الرضوخ لقوله تمامًا، والتواضع الشديد لدرجة أن هرقل يتمنى أن لو غسل قدمي رسول الله . ودعا هرقل بكتاب الرسول والمرسَل مع دِحْية بن خليفة الكلبي t، وقرأ هذا الكتاب في وجود أبي سفيان، ونحن لا نعلم إن كانت هذه أول مرة يقرأ هرقل الرسالة، أم قرأها قبل ذلك، وقد يكون هرقل قرأ رسالة النبي قبل ذلك، ثم أراد أن يَعْرف أكثر عن هذا النبي، فبحث عمن يَعْرفه جيدًا؛ ليسأله عنه وعن سيرته وأخلاقه كما رأينا. ولعله أراد أيضًا أن يُعَرِّف أساقفة الرومان وقادتها بهذا النبي الذي يريد أن يؤمن به هو شخصيًّا، وقد رأينا أسئلته لأبي سفيان وتحليلاته الشخصية لأجوبة أبي سفيان عنها، تلك التحليلات التي تنطق بأن هذا الرجل هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
    المهم أنه قرأ الكتاب أمام أبي سفيان وأمام العرب وأمام الرومان الموجودين، وبدأ يقرأ الكلمات العجيبة، وفيها دعوة صريحة لدخول الإسلام. وبعد انتهاء القراءة من الرسالة سمع أصواتًا عالية، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات في كل مكان، وضجت القاعة بالاعتراض على كل كلمة من كلمات هذا الكتاب النبوي؛ لأن زعماء النصارى وأمراء الجيوش وعلماء الدين الموجودين رفضوا تمامًا هذه الدعوة الكريمة من رسول الله . ولما حدث ذلك أمر هرقل بأبي سفيان ومن معه من تجار أن يخرجوا من القاعة، ورأى أبو سفيان رهبة هرقل عندما سمع قصة المصطفى ، ولم يؤمن برسالته بعدُ، وهو يرى الرسول وهو يكتب الرسائل إلى زعماء الدول العالمية الكبرى في ذلك الوقت، فقد ترك هذا الموقف أثرًا نفسيًّا هائلاً عند أبي سفيان، حتى إنه ضرب يدًا بالأخرى، وقال: "لقد أَمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة". أي عَظُم أمر ابن أبي كبشة، يقصد الرسول ، ثم قال: "إنه ليخافُهُ مَلِكُ بني الأصفر"[8].
    هرقل زعيم الرومان، لدرجة أن هذا الحدث سيحفر تمامًا في ذهن أبي سفيان، وسيكون له أبلغ الأثر في قرارات أبي سفيان، وسوف نرى أبا سفيان يُسلِم بعد ذلك في فتح مكة.
    هرقل يعترف بالإسلام ولكنه يفضل الملك
    لقد كان هرقل على استعدادٍ لاتباع الرسول ، ولكن في المقابل كانت هناك ثورة كبيرة في داخل البلاط الملكي ترفض تمامًا فكرة الإسلام. وأدرك هرقل أنه لكي يعلن رغبته في اتباع الرسول عليه أن يغامر بملكه، وأن يخاطر بسيادته على شعبه؛ فالأمراء من الممكن أن يخلعوه من ملكه، وفي رواية أنه قال لدحية بن خليفة الكلبي: "والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظره، ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته".
    وفي رواية ثانية ذكرها ابن كثير -رحمه الله- أن هرقل استدعى الأسقف الأكبر للرومان فدخل عليه، وكان كل الناس في الرومان يطيعون أمر هذا الأسقف الكبير، فعرض عليه هرقل الكتاب، فلما قرأ الأسقف الكتاب قال: "هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر".
    قال قيصر: فما تأمرني؟
    فقال الأسقف: أما أنا فإني مصدقه ومتبعه.
    فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكني لا أستطيع أن أفعل، وإن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم[9].
    وهذا الأسقف كان اسمه ضغاطر وخرج للرومان، ودعا جميع الرومان إلى الإيمان بالله وإلى الإيمان برسوله الكريم ، وأعلن الشهادة أمام الجميع. إنه موقف شجاع من هذا العالم، ولقي ربه شهيدًا؛ حيث قام الناس وقفزوا عليه قفزة واحدة، فضربوه حتى قتلوه. وكان هذا الأسقف أعظم شخصية في الدولة الرومانية، حتى إنه كان أعلى من هرقل عند الناس، وعرف هرقل بقتل هذا الرجل الكبير، ولم يستطع أن يفعل أي شيء؛ وفي هذا دلالة على ضعفه الشديد أمام الكرسيّ الذي يجلس عليه.
    وعقد هرقل مقارنة سريعة بين المُلك وبين الإيمان، أي بين الحياة ممكَّنًا وبين الموت شهيدًا، فأخذ القرار، واختار الملك والحياة ورفض الإيمان، ولم يكن ذلك لعدم تيقنه من أمر الرسول ، ولكنه ضنَّ بملكه وضحَّى بالإيمان. إن أمر الإيمان واضح، وإعجاز القرآن ظاهر، وطريق الإسلام مستقيم، والدلائل على صدق هذا الدين بينة وقاهرة وظاهرة للجميع، والإنسان هو الذي يختار، وعلى قدر قيمة الشيء في النفس يضحي الإنسان، يقول الله : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]. ويقول تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [يونس: 108].


    وما فعله هرقل لا يمكن أبدًا أن يعذر فيه، مهما كانت الفتنة التي سوف يتعرض لها بعد ذلك، ومهما كان راغبًا في المُلك، راهبًا من الموت؛ يقول الإمام النووي -رحمه الله- تعليقًا على موقف هرقل: "لا عذر له في هذا؛ لأنه قد عرف صدق النبي ، وإنما شحَّ في الملك، ورغب في الرياسة، فآثرها على الإسلام... ولو أراد الله هدايته لوفَّقه كما وفَّق النجاشي، وما زالت عنه الرياسة"[10].
    والحافظ ابن حجر رحمه الله يقول أيضًا تعليقًا على هذا الحديث: "لَكِنْ لو تفطَّن هرقل لقوله في الكتاب: (أسلم تسلم)، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة، لسَلِمَ -لو أسلم- من كل ما يخافه، ولكنَّ التوفيقَ بيدِ الله تعالى"[11].
    وبعد كل هذا اليقين اكتفى بأن يحمِّل دحية الكلبي ببعض الهدايا لرسول الله ، ولم يفكر في قضية الإيمان، مع أنه يعرف أنه في يوم من الأيام سيتحول كل الملك الذي يحكمه إلى رسول الله ، وكان يوقن في الكتب التي قرأها قبل ذلك في التوراة والإنجيل، ومن حواره مع أبي سفيان أن رسول الله سيملك موضع قدميه في الشام. وعندما غادر بيت المقدس إلى القسطنطينية، قال -بعد أن أشرف على الشام وصعد فوق رَبْوَةٍ عالية وأطلَّ على الشام بكاملها-: السلام عليك يا أرض سورية، تسليم الوداع[12].
    وبعد كل هذه القناعة برسول الله ، وبكل هذا اليقين بنبوته لم يقف هرقل عند حدِّ عدم الإيمان ولم يقبل بالحياد، ولكنه سيَّر الجيوش تلو الجيوش لحرب المسلمين مع إحساسه الداخلي أنه سيغلب، وأنه لن ينتصر على المسلمين، ولكن هذا الإحساس لم يمنعه من اتباع الشياطين، ومحاولة مقاومة الإسلام بداية من مؤتةومرورًا بتبوك، ومعارك متتالية في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وتركيا وغيرها، ومع فشله في كل هذه المعارك ومع تناقص الأرض من حوله ومع ظهور صدق الرسول يومًا بعد يوم، إلا أن هرقل لم يؤمن، ويبدو أن فتنة الكرسيّ لا تعدلها فتنة.
    كان هذا هو موقف الدولة الرومانية، اعتذار مهذب، ثم حرب ضروس. وهذا الموقف نراه كثيرًا في التاريخ؛ فكثير من زعماء وأمراء ورجال دين في العالم يعرفون صدق الإسلام، ويعرفون نبوَّة الرسول ، ولكنهم يرفضون هذه النبوة حفاظًا على كراسيهم، وشحًّا بملكهم، فهم قد يحاولون في بعض الأحيان إقامة العلاقات الدبلوماسية اللطيفة، وتبادل الهدايا مع المسلمين، ولكن حتمًا سيأتي يوم تقف فيه الهدايا، ويبدأ فيه الصراع، وبدلاً من كلمات التحية والتودد ستكون هناك كلمات التهديد والإنذار، وبدلاً من الرسائل والسفراء ستكون القذائف والجيوش، يقول الله في كتابه الكريم: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].
    رسالة النبي إلى كسرى


    أرسل الرسول رسالة إلى كسرى ملك الفرس، وهي الدولة الثانية التي تقتسم العالم مع الدولة الرومانية. وقد رأينا موقف هرقل وميله في البداية إلى الإسلام، ثم حربًا ومقاومة، ولكن كسرى من البداية كان واضحًا، فمن البداية ظهر عداؤه للإسلام، ومن أول لحظة قرأ فيها الخطاب وهو ينوي تدمير هذا الدين الجديد وحرب الرسول ؛ فمن أول كلمة في الخطاب الذي بدأ بالبسملة، وبعدها من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، ثم بعد ذلك دعوته إلى الدخول في الإسلام، مع تغيير في بعض الألفاظ لتتناسب مع الديانة المجوسية التي هم عليها، قال :
    "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ"[1].
    إنها كلمات قوية! غضب كسرى وتعامل مع الرسالة بسطحية بالغة، ولم يلتفت إلى المعاني التي في داخل الخطاب، فأمسك الخطاب ومزَّقه، وقال في غطرسة: عبد من رعيتي يكتب اسمه قبلي.
    وسبَّ الرسول ، وهذه الكلمات عندما وصلت لرسول الله ، قال : "مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ"[2].
    وقد كان ذلك في غصون سنوات قليلة من هذه الأحداث، فقد مزَّق الله عزَّ وجلَّ مُلك كسرى تمامًا، وامتلك المسلمون كل الأراضي الفارسية، وسقطت الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر على مساحات هائلة من الأرض؛ وهذه هي النبوة في مواجهة الغطرسة المجوسيَّة الكافرة. ولكن كسرى فارس أَبْرَوِيز لم يكتفِ بهذه الكلمات وتقطيع الخطاب، بل حاول أن يعتقل رسول الله حتى يعاقبه.
    كسرى يأمر باذان باعتقال الرسول

    أرسل ملك الفرس رسالة إلى عامله على بلاد اليمن[3]، وكان اسمه باذان وكان فارسيًّا، وطلب منه أن يبعث رجلين من رجاله ليأتي برسول الله إلى المدائن عاصمة فارس. ونحن نرى مدى النظرة الدونية التي ينظر بها الفرس إلى العرب، فيبعث برجلين فقط، ليأتي بزعيم المدينة المنورة، وأنه إن رفض فسيُقتل، وسيُهلِك كسرى قومه، ويخرب بلاده. وذهب رسولا باذان إلى رسول الله ، وأبلغوه بما قال كسرى، وطلب الرسول منهما في أدب أن ينتظرا إلى اليوم التالي وسوف يردُّ عليهما، وفي هذه الليلة التي جاء فيها رسولا عامل كسرى، أتى الوحي لرسول الله وأخبره بنبأ عجيب أن هذا الزعيم الفارسي المتغطرس أبرويز قُتِل في نفس الليلة، وقتله ابنه شيرويه بن أبرويز، وكان هذا في ليلة الثلاثاء العاشر من جمادى الآخرة سنة 7هـ، ولما جاء اليوم الثاني بعث الرسول إلى الرسولين، وقال لهم: "إِنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّكُمُ اللَّيْلَةَ"[4].
    ففزع الرسولان؛ لأن المدائن على بُعد مئات الكيلو مترات من المدينة المنورة، وقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب عنك هذا، ونخبر الملك باذان؟
    فقال الرسول في ثقة: "نَعَمْ أَخْبِرَاهُ ذَاكَ عَنِّي".
    وقال لهما في يقين: "وَقُولاَ لَهُ أَيْضًا: إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي إِلَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ. وَقُولاَ لَهُ: إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكِ".
    وعاملهم الرسول معاملة الملك الكريم، وأعطاهم بعض الهدايا، وعادوا مرة أخرى إلى اليمن. وصل الرسولان إلى باذان ملك اليمن الفارسي، وأبلغاه بكلام الرسول ، وكان باذان هذا رجلاً عاقلاً، فقد سمع الكلمات فقال: "والله ما هذا بكلام مَلِك، وإني لأرى الرجل نبيًّا كما يقول، ولا يكونَنَّ ما قال إلا أن يكون رسولاً"؛ لأن المسافة بين المدائن والمدينة المنورة مئات الكيلو مترات في ذلك الزمن.

    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:10

    سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش

    استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي
    تقدم ما أدلى به كفار مكة من التنكيلات والويلات على المسلمين في مكة، ثم ما أتوا به من الجرائم التي استحقوا لأجلها المصادرة والقتال، عند الهجرة، ثم إنهم لم يفيقوا من غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم بعدها، بل زادهم غيظاً أن فاتهم المسلمون ووجدوا مأمناً ومقراً بالمدنية، فكتبوا إلى عبد الله بن أبي سلول- وكان إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة - فمعلوا أنهم كانوا قد اتفقوا عليه، وكادوا يجعلونه ملكاً على أنفسهم لولا أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وآمنوا به - كتبوا إليه وإلى أصحابه المشركين، يقولون لهم في كلمات باتة :
    إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم .
    وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركين من أهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى الله عليه وسلم : لما يراه أنه استبله ملكه- يقول عبد الرحمن بن كعب : فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم، فقال : ( لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقالوا أبناءكم وإخوانكم ) ، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا .
    امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذلك، لما رأي خوراً أو رشداً في أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته أنه كان متواطئاً مع قريش، فكان لا يجد فرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معه اليهود، ليعينوه على ذلك، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين .
    إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام
    ثم أن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف بمكة، فقال لأمية : انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف البيت، فخرج به قريباً من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال : يا أبا صفوان، من هذا معك ؟ فقال : هذا سعد، فقال له أبو جهل : ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً، فقال له سعد - ورفع صوته عليه : أما والله لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليكم منه : طريقك على أهل المدينة .
    قريش تهدد المهاجرين
    وكأن قريشاً كانت تعتزعلى شر أشد من هذا، وتفكر في القيام بنفهسا للقضاء على المسلمين، وخاصة على النبي صلى الله عليه وسلم .
    ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكائد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهراً، أو في حرس من الصحابة . روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضى الله عنها قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال : ( ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة ) ، قالت : فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال : ( من هذا ؟ ) قال : سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما جاء بك ؟ ) فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام .


    ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي، بل كان ذلك أمراً مستمراً، فقد روى عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلاً حتى نزل : { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [ المائدة : 67 ] ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال : ( يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل ) .
    ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يحدق بالمسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه .
    الإذن بالقتال
    في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، وتنبئ عن قريش أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا يمتنعون عن تمردهم بحال، أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم، قال تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [ الحج : 39 ] .
    وأنزل معه آيات بين لهم فيها أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل وإقامة شعائر الله، قال تعالى : { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [ الحج : 41 ] .
    وكان الإذن مقتصراً على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتى وصل إلى مرحلة الوجوب، وجاوز قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس أن نذكر تلك المراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الأحداث :
    1- اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب .
    2- قتال كل من تمالأ من مشركي العرب مع قريش واتحد معهم، وكذلك كل من تفرد بالاعتداء على المسلمين من غير قريش .
    3- قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان لهم عقد وميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم على سواء .
    4- قتال من بادأ بعداوة المسلمين من أهل الكتاب، كالنصارى، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .
    5- الكف عمن دخل في الإسلام، مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً أو غير ذلك، فلا يتعرض لنفسه وماله إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله .
    ولما نزل الإذن بالقتال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبسط سيطرته على الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة إلى الشام في تجاراتهم، واختار لذلك خطتين :
    الأولى : عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة، وقد عقد صلى الله عليه وسلم معاهدة مع جهينة قبل الأخذ في النشاط العسكري، وكانت مساكنهم على ثلاث مراحل من المدينة، كما عقد معاهدات أخرى أثناء دورياته العسكرية، وسيأتي ذكرها .
    الثانية : إرسال البعوث واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق .

    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:11

    سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش

    السنة الثانية تاريخ : مقياس صدر الاسلام

    معاهدة مع اليهود
    بعد أن أرسى رسول الله صلى الله وعليه وسلم قواعد مجتمع جديد وأمة إسلامية حديدة، بإقامة الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأ بتنظيم علاقاته بغير المسلمين، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلام والسعادة الخير للبشرية جمعاء، مع تنظيم المنطقة في وفاق واحد، فسن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في ذلك العالم الملئ بالتعصب والأغراض الفردية والعرقية .
    وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود - كما أسلفنا - وهم وإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام .
    وفيما يلى أهم بنود هذه المعاهدة :
    بنود المعاهدة
    1- إن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بنى عوف من اليهود .
    2-وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم .
    3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .
    4- وإن بينهم النصح والنصحية، والبر دون الإثم .
    5- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه .
    6- وإن النصر للمظلوم .
    7- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .
    8-وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة .


    9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    10- وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها .
    11- وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب . . على كل أناس حصتهم من جابنهم الذي قبلهم .
    12- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم .
    وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة، ورئيسها ـ إن صح هذا التعبير ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين .
    ولتوسيع منطقة الأمن والسلام عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قبائل أخرى في المستقبل بمثل هذه المعاهدة، حسب ما اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر شيء عنها .
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    اسس بناء الدولة الاسلامية في المدينة (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:12

    اسس بناء الدولة الاسلامية في المدينة

    السنة الثانية تاريخ : مقياس صدر الاسلام

    أسس بناء الدولة الاسلامية في المدينة
    1- بناء المسجد النبوي
    2- المؤاخاة بين المسلمين
    3- ميثاق المدينة (الصحيفة)
    - أثر المعنويات في المجتمع الجديد
    - بناء المسجد النبوي
    - وأول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة ويقول :
    - ( اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة )
    - وكان يقول :
    - ( هذا الحِمَالُ لا حِمَال خَيْبَر ** هذا أبَرُّ رَبَّنَا وأطْهَر )
    - وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في العمل، حتى إن أحدهم ليقول :
    - لئن قَعَدْنا والنبي يَعْمَل ** لذاك مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّل
    - وكانت في ذلك المكان قبور للمشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غَرْقَد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخَرِب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى بيت المقدس، وجعلت عضادتاه من حجارة، وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعل سقفه من جريد النخل، وعُمُده الجذوع، وفرشت أرضه بالرمال والحصباء، وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانبان مثل ذلك أو دونه، وكان أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع .
    - وبني بجانبه بيوتًا بالحجر واللبن، وسقفها بالجريد والجذوع، وهي حجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم، وبعد تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبي أيوب .
    - ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقى وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع الشئون وبث الانطلاقات، وبرلمان لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية .
    - وكان مع هذا كله دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون .
    - وفي أوائل الهجرة شرع الأذان، تلك النغمة العلوية التي تدوى في الآفاق، وتهز أرجاء الوجود، تعلن كل يوم خمس مرات بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتنفي كل كبرياء في الكون وكل دين في الوجود، إلا كبرياء الله، والدين الذي جاء به عبده محمد رسول الله . وقد تشرف برؤيته في المنام أحد الصحابة الأخيار عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم، والقصة بكاملها مروية في كتب السنة والسيرة .


    - المؤاخاة بين المسلمين
    - ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بجانب قيامه ببناء المسجد : مركز التجمع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، قال ابن القيم : ثم أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخي بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل : { وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } [ الأنفال : 75 ] رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة .
    - وقد قيل : إنه أخي بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية . . . والثبت الأول، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف المهاجرين مع الأنصار . اهـ .
    - ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام .
    - وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال .
    - روى البخاري : أنهم لما قدموا المدينة أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع، فقال لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالى نصفين، ولى امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال : بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقِطٍ وسَمْنٍ، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَهْيَمْ ؟ ) قال : تزوجت . قال : ( كم سقت إليها ؟ ) قال : نواة من ذهب .
    - وروى عن أبي هريرة قال : قالت الأنصار للنبى صلى الله عليه وسلم : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل . قال : ( لا ) ، فقالوا : فتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة . قالوا : سمعنا وأطعنا .
    - وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم .
    - وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً، وحلًا رشيدًا لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون، والتي أشرنا إليها .
    - ميثاق التحالف الإسلامي
    - وكما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد هذه المؤاخاة بين المؤمنين، قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية، وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة . وفيما يلى بنودها ملخصًا :
    - هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم :
    - 1ـ إنهم أمة واحدة من دون الناس .
    - 2ـ المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُون عَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .
    - 3ـ وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل .
    - 4ـ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين .
    - 5ـ وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم .
    - 6ـ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر .
    - 7ـ ولا ينصر كافرًا على مؤمن .
    - 8 ـ وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم .
    - 9ـ وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم .
    - 10ـ وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم .
    - 11 ـ وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله .
    - 12 ـ وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن .
    - 13 ـ وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول .
    - 14 ـ وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه .
    - 15 ـ وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل .
    - 16 ـ وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمد صلى الله عليه وسلم .
    - أثر المعنويات في المجتمع
    - بهذه الحكمة وبهذا التدبير أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد مجتمع جديد، كانت صورته الظاهرة بيانا وآثارًا للمعاني التي كان يتمتع بها أولئك الأمجاد بفضل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة .
    - سأله رجل : أي الإسلام خير ؟ قال : ( تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) .
    - قال عبد الله بن سلام : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئت، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال : ( يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام )
    - وكان يقول : ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه )
    - ويقول : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )
    - ويقول : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )
    - ويقول : ( المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) .
    - ويقول: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ويقول: (لا تباغضوا، ولا تحاسدون، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام). ويقول: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) ويقول: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). ويقول: (ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه). ويقول: (سِباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر). وكان يجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويعدها شعبة من شعب الإيمان . ويقول: (الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار). ويقول: (أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عُرى كساه الله من خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيم المختوم) ويقول: (اتقوا الناء ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة). وبجانب هذا كان يحث حثاً شديداً على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر فضائل الصبر والقناعة، فكان يعد المسألة كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاً في وجه السائل اللهم إلا إذا كان مضطراً. كما كان يبين لهم ما في العبادات من الفضائل والأجر والثواب عند الله، وكان يربطهم بالوحي النازل عليه من المساء ربطاً مؤثقاً، فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه: لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة وتبعات الرسلة، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر. وهكذا هذب تفكيرهم، وربع معنوياتهم، وأيقظ مواهبهم، وزودهم بأعلى القيم والأقدار، حتى وصولا إلى أعلى قمة من الكمال عرفت في تاريخ البشر بعد الأنبياء. يقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة؛ وأبرها قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، وابتعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. ثم إن هذا الرسول القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم كان يتمتع من الصفات المعنوية والظاهرة، ومن الكمالات المواهب، والأمجاد والفضائل، ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال بما جعتله تهوى إليه الأفئدة، وتتفانى عليه النفوس، فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته رضي الله عنهم إلى امتثالها، وما يصدر من إرشاد أو توجيه إلا ويتسابقون إلى العمل به. بمثل هذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني في المدينة مجتمعاً جديداً أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً تنفست له الإنسانية الصعداء، بعد أن كانت قد تعبت في غياهب الزمان ودياجير الظلمات. وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها، وحول مجرى التاريخ والأيام.



    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الهجرة - السنة الثانية تاريخ ( تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:13

    الهجرة - السنة الثانية تاريخ lmd

    الهجرة
    هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إلى الغار

    الهجرة لغة :
    الهجرة: هي الاسم من الهجر أو الهجران ، وهي مأخوذة من مادة ( هـ ج ر ) التي تدل على معنيين:
    الأول : القطيعة.
    الثاني : شد شيء وربطه
    فمن الأول : أخذ الهجر ضد الوصل وكذلك الهجران , وقولهم : هاجر القوم من دار إلى دار : أي تركوا الأولى إلى الثانية كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة .
    قال ابن منظور : الهِجرةُ والهُجرة : الخروج من أرض إلى أرض والمهاجرون : الذين ذهبوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مشتق منهم.

    الهجرة في الشرع :
    * هي ترك الوطن الذي بين الكفار ، والانتقال إلى دار الإسلام
    قال الرَّاغبُ : الهجرة : الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان ، كمن هاجر من مكة إلى المدينة .
    قال الكُفوي: الهجرة هجرتان :
    الأولى: هجرة المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة فراراً من أذى قريش
    الثانية: هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين قبله وبعده ومعه إلى المدينة وقد كانت الهجرة من فرائض الإسلام بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - ثم نسخت بعد فتح مكة.
    لقوله - صلى الله عليه وسلم – (( لاهجرة بعد الفتح )) صحيح مسلم- كتاب الإمارة- باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير برقم (2468).
    لقد عاش نبينا - صلوات الله وسلامه عليه - محبوباً بين قومه وعشيرته ، محترماً عندهم غاية الاحترام ، والتقدير مما أدى بهم إلى أن حكَّموه في وضع الحجر الأسود ، حينما تنازعوا في وضعه ، ولقبوه بالصادق الأمين ، ولكن سرعان ما انقلب هذا الحب والتقدير إلى كُرهٍ وبغضاء , وحقدٍ ذميم ، وذلك حينما صدع - صلوات الله وسلامه عليه - بالدعوة إلى الله ، إلى إفراده سبحانه بالألوهية ، والربوبية ، والطاعة والإتباع ، عند ذلك ثارت ثائرة قريش بالتصدي له وتكذيبه فقالوا :
    {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (5) سورة ص )) ص : 5 . وقالوا :{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} (Cool سورة ص. وصاروا يقابلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأشد أنواع الإيذاء ، من سخرية ومحاولة اغتيال ، وعروض دنيوية ، وغير ذلك ، من الوسائل التي يسلكها أعداء الله للقضاء على الإسلام ودعاته في كل زمانٍ ومكان . ولما كانت الهجرة أمراً مهماً لإعلاء شأن الدين ، ولحصول الحرية الكاملة لعبادة الله وطاعته ، ولأنها لا تحدث إلا عن حرب ومضايقة من أعداء الله لأوليائه . لذلك نوه الله بذكرها فأطلع بعض الأمم على أمرها فكان عندهم العلم اليقين بهجرة سيد المرسلين من البلد الأمين إلى المدينة النبوية . عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال :
    (( رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة ، أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب.. )) البخاري- كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام برقم (3352)
    وعند البخاري : (( رأيت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان )) البخاري-كتاب الحوالات-باب جوار أبي بكر في عهد النبي وعقده برقم (2134).
    وبعد ما علم - عليه الصلاة والسلام - مكان هجرته وبايع الأنصار على النصرة والتأييد, واطمأنت نفسه الشريفة على وجود بلد آمن يستطيع فيه هو وأصحابه - رضي الله عنهم- أن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته وتوحيده , وعند ذلك أذن - صلوات الله وسلامه عليه - لأصحابه بالهجرة – إلى طيبة الطيبة. فعن عروة وعائشة قالا : لما صدر السبعون من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- طابت نفسه وقد جعل الله له منعة , وقوماً أهل حرب , وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ، فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم ، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى ،فشكا ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واستأذنوه في الهجرة فقال : (( قد رأيت دار هجرتكم ، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي )) ، ثم مكث أياماً فخرج إلى أصحابه مسروراً ، فقال : (( قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب فمن أراد الخروج فليخرج إليها )). البخاري-كتاب الحوالات-باب جوار أبي بكر في عهد النبي وعقده برقم (2134)
    فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسعون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، أبو سلمة بن عبد الأسد, ثم قدم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، فهي أول ظعينة قدمت المدينة ، ثم قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أرسالاً ، فنزلوا على الأنصار فآووهم ونصروهم وواسوهم .
    ثم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب, وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق - رضي الله عنهما - وكان بقاء الصديق بإذن من رسول الله. وكان أبوبكر كثيراً ما يستأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً فيطمع أبوبكر أن يكونه )). انظر سيرة ابن هشام 2/102.
    ولما أزفت التراتيب التي قضاها الله ، بعد أن وقت لها أوقاتها ، ورأت قريش أن الفرصة سانحة للنيل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن خرج أصحابه من مكة ، وبقي وحيداً مع المستضعفين ، وحسبتها غنيمة سهلة المنال ، فاجتمع رجالها في دار الندوة ، يتشاورون فيما بينهم بشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقترح بعضهم حبسه في حديد وتجويعه حتى يموت ، لكنهم رفضوا ذلك مخافة أن يجتمع أصحابه وينقذوه. وأشار ربيعة بن عامر بأن يخرجوه من بين أظهرهم فيفرغون بذلك منه ، لكن هذا الرأي لم يجد موافقه عند القوم ، خشية أن يغلب النبي الناس بحديثه ، ثم يجمع منهم قوة تدحر قريشاً في يومٍ من الأيام. ورأى أبو جهل أخيراً أن يأخذوا من كل قبيلة فتىً شاباً جلداً ، شريفاً ، ثم يعطى كل فتى منهم سيفاً صارماً ، فيعمدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد ، وهكذا يتفرق دمه بين القبائل كلها. وحظي رأي أبو جهل بالقبول التام، وفيما كانت قريش تجمع فتيانها، نزل جبريل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمه بما يبيت ضده، ويأمره أن لا يلزم فراشه تلك الليلة قال الله – تعالى - :{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (30) سورة الأنفال
    وكان من عادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر كل يومين : بكرة وعشية ، قالت عائشة : فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- متقنعاً - مغطياً رأسه - في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر : فداءً له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فاستأذن له ، فدخل ، فاستأ خر أبو بكر عن السرير حتى جلس عليه ، فقال لأبي بكر : ( أخرِج مَنْ عِندَك ) فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فإني قد أُذن لي في الخروج ) فقال أبو بكر وهو يبكي من الفرح – الصحبة يا رسول الله اختر إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( بالثمن ) واستأجر عبد الله بن أريقط ، وكان – مشركاً - يدلهما على الطريق ، ودفعا إليه الراحلتين اللتين أعدهما الصديق – رضي الله عنه – للهجرة فكانت عنده يرعاهما لميعاديهما الذي واعده بعد ثلاث. وقد اشتركت أسماء وعائشة ابنتا الصديق في تجهيز السفرة التي سيأخذها المهاجران ووضعتاها في جراب ، فلما أرادتا ربط فم الجراب لم تجد شيئاً فشقت السيدة أسماء نطاقها نصفين فربطت فم الجراب بنصفه ، وانطلقت بالآخر ، فلذلك سميت ( بذات النطاقين أو ذات النطاق.)

    النبي - صلى الله عليه وسلم – ينجو من كيد قريش :
    عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بعدما أخبر أبا بكر بالإذن له في الهجرة ، وبعد أن أعد العدة للهجرة إلى بيته، وكان جبريل - عليه السلام - أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن لا يبيت على فراشه ، فلما كانت عتمة الليل اجتمع فتيان من قريش على بابه ، وبيدهم السيوف المرهفة ، ويتطاير من عيونهم شر الغدر والمكيدة، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: (( نم على فراشي ، وتسبَّح ببردي هذا الحضرمي الأخضر ، فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه))
    وفي هجعة من الليل خرج - صلى الله عليه وسلم - وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يبصروا به ، وكان أخذ كفاً من تراب فصار ينثر منه على رؤوسهم زيادة في النكاية بهم ، وهو يتلوا قول الله - تبارك وتعالى-:{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (9) سورة يــس ثم انصرف رسول الله لشأنه ، وبقي المشركون ينتظرون النائم حتى يخرج فيفعلوا به ما اتفقوا عليه ، لكن الله حارس لا ينام فقد أعمى أبصارهم عن رؤية رسوله فخرج رسول الله سالماً من بين أظهرهم يذر التراب على رؤوسهم.

    ذهاب الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى بيت الصديق و نظره إلى البيت ودعاءه :
    وذهب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من فوره إلى بيت الصديق – رضي الله عنه – وكان الصديق يترقب وصوله في أية ساعة بعد أن اتفقا على الصحبة في الهجرة وأعدا للسفر عدته.
    ولما خرج من مكة توجه إلى البيت ، وقال : (( والله إنك لأحب الأرض إلي ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ماخرجت )) رواه ابن ماجة أنظر صحيح ابن ماجه 2برقم 2523 الألباني البداية والنهاية (3 / 178)
    ثم توجه إلى الله بهذا الدعاء :
    (( الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً ،اللهم أعني على هول الدنيا ، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام ,اللهم اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى صالح خُلقي فقوني ، وإليك ربي فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني.رب المستضعفين وأنت ربي ، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، وتنزل بي سخطك.
    أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بالله ))1.

    النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار:
    خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم- وصاحبه وقد تزودوا بالزاد والماء ليلاً من خوخة في ظهر بيت أبي بكر حتى لا يراهما أحد، وسلكا طريقاً غير معهودة، فبدلاً من أن يسيرا نحو الشمال ذهبا إلى الجنوب حيث يوجد (غار ثور) وكان خروجه كما قال ابن إسحاق لهلا ربيع الأول ، وقيل: في أواخر صفر.
    ولما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه إلى الغار وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن ينزل فيه قال له الصديق : مكانك حتى أستبرئ لك، فإن كان به أذى نزل بي قبلك، ثم نزل فتحسس الغار فلم يجد به شيئاً، فنزل رسول الله وقد بلغ منه الإعياء والتعب مبلغه فما أن دخلا حتى توسد الرسول قدم أبي بكر ونام ، وكان الصديق يأخذ من ثوبه ويسدُّ فم الأجحار خشية أن يكون شيء من الهوام فتؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- , - رضي الله عن الصديق - ما أصدقه في الصحبة ، فبقي منها جحر فألقمه عقبه ، وكانت به حية فلدغته ، فمنعه مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه أن يتململ أي صدق في الصحبة بعد هذا وأي فداء يفدي بنفسه بعد هذا - رضي الله عنك - يا أبا بكر ولعن الله من يطعن فيك!!!
    ولكن الألم لما اشتد به تحدرت دموعه ، فسقطت على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال : ( ما لك يا أبا بكر؟ ) فأخبره بما حدث فتفل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فبرئت بإذن الله تعالى).

    حفظ الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من كيد الأعداء :
    روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لما دخل هو وصاحبه الصديق بالغار أمر الله – سبحانه- شجرة فنبتت على فم الغار ، وانتشرت أغصانها على بابه ، وألهم العنكبوت فنسجت على أغصان الشجرة، وألهم حمامتين وحشيتين فعششتا وباضتا بين أغصان الشجرة، وقد كان لهذه الآيات الثلاث أثرها في تضليل المشركين وصدهم عن اقتحام الغار ودخوله كما سترى عن كثب , وهكذا وقى الله نبيه وصاحبه بأضعفه جنده.
    ولما تبينت قريش إفلات النبي منهم جن جنونهم ، وصاروا يهيمون على وجوههم طلباً له ، وجعلوا لمن يأتي به حياً أو ميتاً مائة ناقة ، وبعثوا القافة وهي (جمع قائف ، وهو الذي يتبع أثر الأقدام في الأرض حتى يعلم أين ذهب صاحبه) . إثرة في كل وجه ، منهم : كرز بن علقمة ، وسراقة بن جعشم ، فصاروا يتبعون الأثر حتى انتهوا إلى جبل ( ثور ) ثم صعدوا الجيل حتى وقفوا على فم الغار. وهنا وقفوا متحيرين ..!!
    إذ لو كان دخل الغار فكيف لم يتهدم نسيج العنكبوت ..!! ، وكيف لم ينكسر بيض الحمام؟!
    ووقفوا مترددين ، أيدخلون الغار أم لا؟ حتى إن أحدهم هم أن يدخل الغار فقال له الآخرون : إن هذا العنكبوت لمن قبل ميلاد محمد !! وهكذا نرى أن الله صرف المشركين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه ، وهذا من حفظ الله – عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من كيد أعدائه وحساده .
    لطيفة خرافية : سُئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه - صلى الله عليه وسلم - في غار ثور دون غيره فأجاب بأنه - - صلى الله عليه وسلم - كان يحب الفأل الحسن ، وقد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثور فناسب استقراره - صلى الله عليه وسلم - في غار ثور تفاؤلاً بالطمأنينة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه2 سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد 3 / 242.
    خروج النبي من الغار إلى المدينة
    بعد ثلاث ليالٍ وقد هدأ الطلب ، ويئس المشركون من إدراكهما خرجا من الغار ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر استأجرا رجلاً من بني الديل وكانا قد دفعا راحلتهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه ، فكانوا ثلاثة والدليل.


    طريق الهجرة :
    فلما خرج بها عبد الله بن أريقط دليلهما سلك بهما أسفل مكة ، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من ( عسفان )، ثم سلك بهما أسفل ( أمج )، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أنأ جاز قديداً أجاز بهما من مكانه ذلك ، فسلك بهما ( الخرَّار ) ثم سلك بهما ثنية مرة ، ثم سلك بهما القفاء ، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ، ثم استبطن بهما مدلجة فجاج، ويقال : فجاج فيما قال ابن هشام– ثم سلك بهما مرجح من ذي الغضون قال ابن هشام : ويقال: العضوين، ثم بطن ذي كثر، ثم أخذ بهما على الجداجد ثم على الأجرد ، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء من لجة تعهن ، ثم على العبابيد ثم أجاز بهما الفاجة ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهما ، فحمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – رجل من أسلم يقال له : أوس بن حجر على جمل له يقال له : ابن الرداء إلى المدينة، وبعث معه غلاماً له يقال له : سعود بن هنيدة ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركوبه، ويقال ثنية الغائر – فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل.

    في خيمة أم معبد:
    وفي الطريق إلى المدينة مرَّ النبيُّ بأم معبد، وإليك قصتها لما فيها من معجزة ظاهرة للنبي، ولما فيها من صورة واضحة لكثير من نساء الجاهلية في عفتها وشهامتها ، ومروءتها ، وبلاغتها وفصاحتها، فقد وصفت النبي- صلى الله عليه وسلم- بما يعجز عنه بيان غيرها.
    روى الإمامُ البيهقي وغيره عن أخي أم معبد حبيش قال : لما خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعه أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - وعامربن فهيرة ، وابن أريقط يدلهم على الطريق فمروا بقديد على أم معبد :" عاتكة بنت خالد الخزاعية " ، وكانت برزة ، جلدة ، تحتبي بفناء القبة ، ثم تسقي وتطعم من يمر بها ، وكان القوم مرملين مسنين ، فسألوها : هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئاً ، وقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم ، فسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل بها من لبنٍ؟ ) فقالت هي : أجهد من ذلك فقال : (( أتأذنين لي أن أحلبها؟ )) فقالت : نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت حلباً فاحلبها ، فدعا بالشاة فاعتقلها ، ومسح ضرعها ، فتفاجَّت ودرت ودعا بإناءٍ يربض الرهط ، فحلب فيه ثجاً وسقى القوم حتى رووا ، وسقى أم معبد حتى رويت ، ثم شرب آخرهم وقال : (( ساقي القوم آخر هم شرباً )) ، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللاً بعد نهل ، ثم حلب فيه آخراً وغادره عندها ، وفي رواية أنه قال لها أن (( ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك )) ثم ركبوا وذهبوا في انتظار الرسول.
    ولما بلغ المسلمين بالمدينة مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم- من مكة هو وصاحبه الصديق -رضي الله عنه-كانوا يخرجون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فعلوا ذلك مراراً ، فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مبيضين ، يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن صاح بأعلى صوته : يا معشر العرب ، هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم – بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف.
    وكانت منازل بني عمر وبن عوف في قباء ، وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، وقيل لهلال ربيع الأول ، وقيل : لليلتين خلتا منه وقيل لثامن يوم منه ، وقال ابن إسحاق لاثنتي عشرة ليلة خلتا من ربيع الأول ، وعند ابن سعد لثلاث عشرة منه .
    فقام أبو بكر للناس يتلقاه ، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صامتاً ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعرفه من قبل يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عند ذلك. فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في بني عمرو بن عوف أربعة أيام . الاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، وخرج يوم الجمعة قاصداً المدينة.

    استقبال أهل المدينة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم –:
    إنه ما إن ركب - صلى الله عليه وسلم - راحلته وسارت به من ديار بني سالم متجهة نحو المدينة ، وأهل كل دار من دور الأنصار يمر بها إلا ويستقبله رجالها قائلين هلم إلينا يا رسول الله إلى العدد والعدة وهم ممسكون بخطام ناقته وهو يقول : (( دعوها فإنها مأمورة ))
    وخرج أهل المدينة لاستقبال الحبيب – صلى الله عليه وسلم – على بكرة أبيهم ، فامتلأت بهم الطرق ، وظهروا على سطوح المنازل نساءً وأطفالاً ورجالاً وهم يقولون ، الله أكبر جاء رسول الله ، الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء رسول الله ، والنساء والصبيان يضربون بالدفوف وينشدون طلع البدر علينا ...
    وواصل الحبيبُ سيره في تلك الحشود الحاشدة ، والجموع المتجمعة في هذا اليوم التاريخي العظيم الذي قال فيه أنس بن مالكٍ : "لقد رأيت اليوم الذي دخل فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم -علينا واليوم الذي قبض فيه فلم أر يومين مثلهما قط " (هذا الحبيب يا محب – الجزائري - ص 163)
    وبعد الجمعة دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعبر عنها بالمدينة إختصاراً وكان يوماً تاريخياً أغر فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس ، والأنصار إن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة ؛ إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول - صلى الله عليه وسلم – عنده.
    مـن فـوائـد الـهـجـرة ما يــلـي:
    1. دليل كمال الإيمان ، وحسن الإسلام.
    2. إعلان العبودية الكاملة لله – عزوجل - والانقياد له .
    3. دليل محبة الله ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
    4. دليل صلاح العبد واستقامته.
    5. الوعد بالكرامة والفوز بالجنة.
    6. تفريج الكربات وحصول الخيرات.
    7. تمحيص للإيمان واختبار للإنسان.


    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الدعوة الاسلامية في العهد المكي (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:14

    الدعوة الاسلامية في العهد المكي

    مقياس صدر الاسلام : السنة الثانية تاريخ

    ولادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) :
    أولاً: مكان ولادته صلى الله عليه وسلم
    ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة على القول الصحيح الذي عليه الجمهور، واختُلف في مكانه من مكة على أقوال:
    أحدها: في الدار التي في الزقاق المعروف بزقاق المولد في شعب مشهور بشعب بني هاشم – وكانت بيد عقيل-.
    قال ابن الأثير -رحمه الله تعالى-: قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهبها عقيل بن أبي طالب فلم تزل بيده حتى توفي عنها، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، وقيل: إن عقيل باعها بعد الهجرة تبعاً لقريش حين باعوا دور المهاجرين.
    الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم- ولد في شعب بني هاشم، حكاه الزبير.
    الثالث: أنه ولد - صلى الله عليه وسلم- بالرَّدم.
    الرابع: بعسفان(1).
    قال الدكتور محمد أبو شهبة: وقد صارت هذا الدار إلى محمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج، ذلك أن ابن عقيل بن أبي طالب باع دور من هاجر من بني هاشم ومنها هذه الدار، وقد أدخلها محمد بن يوسف هذا في داره التي يقال لها: البيضاء، ولم تزل كذلك حتى حجت الخيزران أم الرشيد، فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجداً، وقيل: إن التي بنته هي السيدة زبيدة زوجته حين حجَّت وقد بقى هذا المسجد حتى هدم أخيراً(2).

    ثانياً: زمان ولادته صلى الله عليه وسلم
    لما أخذت أشهر الحمل بالسيدة الشريفة آمنة بنت وهب تتقدم وهي تترقب الوليد الذي حملته في بطنها تسعة أشهر، ولما بلغ الكتاب أجله، وبعد تسعة أشهر أذن الله للنور أن يسطع وللجنين المستكن أن يظهر إلى الوجود، وللنسمة المباركة أن تخرج إلى الكون، لتؤدي أسمى وأعظم رسالة عرفتها الدنيا في عمرها الطويل.
    قال الإمام الشامي: الصواب أنه - صلى الله عليه وسلم- ولد يوم الاثنين. روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن يوم الاثنين فقال: (ذاك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه).
    وروى يعقوب بن سفيان عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين(3).
    وروى الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن حزّبوذ - رحمه الله تعالى- قال: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين حين طلع الفجر.
    وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في المورد: الصواب أنه - صلى الله عليه وسلم- ولد في النهار وهو الذي ذكره أهل السير. وحديث أبي قتادة مصرح به.
    وعن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى- قال: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عند إبهار النهار وجزم به ابن دحية وصححه الزركشي في شرح البردة(4).
    ومن قال: كذلك أنه ولد يوم الاثنين ابن إسحاق وابن كثير وابن القيم وغيرهم كثير، والحق معهم للحديث السابق.
    أما عن الشهر الذي ولد فيه وتاريخ هذا اليوم فقد اختلف فيه العلماء، فقال ابن إسحاق: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل(5).
    وقال ابن كثير: ولد -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل ثامنة، وقيل عاشرة، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقال الزبير بن بكار ولد في رمضان وهو شاذ حكاه السهيلي في "الروض"(6). وقيل في التاسع من شهر ربيع الأول(7).
    أما العام: فقال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى-: عام الفيل، قال ابن كثير وهو المشهور عند الجمهور، وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري: وهو الذي لا يشك فيه أحد من العلماء، وحكاه خليفة بن الخياط وابن الجزَّار وابن دحية وابن الجوزي وابن القيم وغيرهم إجماعاً(Cool.
    وروى البيهقي والحاكم، عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم الفيل. يعني عام الفيل(9).
    وروى ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال: ولدت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الفيل كنا لِدَيْنِ(10).
    وسأل عثمان بن عفان قياث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قياث أنت أكبر أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكبر مني، وأنا أسن منه!! ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الفيل ووقفت بي أمي على خذق الفيل أخضر مُحِيلا(11).
    وعلى هذا فقيل: بعد الفيل بخمسين يوماً. قال ابن كثير وهو أشهر، وصححه المسعودي والسهيلي. وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل: بزيادة خمس. وقيل: بزيادة ثمان.
    وروى ابن مسعود ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر -رحمه الله تعالى- قال: كان قدوم أصحاب الفيل في النصف من المحرم ومولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعده بخمس وخمسين ليلة.
    وصحح الحافظ الدمياطي هذا القول.
    وقيل بأربعين يوماً. وقيل بشهر وستة أيام، وقيل بعشر سنين، وقيل بثلاثين عاماً. وقيل بأربعين عاماً. وقيل بسبعين عاماً(12).
    وكان مولده -صلى الله عليه وسلم- لأربعين خلت من ملك كسرى أنو شروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571 وقيل: 570(13).
    ومن هنا نأتي على القول بأنه ولد في يوم الاثنين في شهر ربيع الأول لأول عام من حادثة الفيل هذا هو القول الذي عليه أغلب العلماء.
    وروى ابن سعد أن أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قالت: لما ولدته خرج مني نور أضاءت له قصور الشام(14).
    وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت روى ذلك البيهقي(15).
    قال الشيخ الألباني – رحمه الله- في كتابه : "صحيح السيرة النبوية" (14) ما نصه : " ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات و ليس فيه شيء".
    قلت: ومراده –رحمه الله – أنه لم يرد فيه شيء صحيح.
    ويقول الدكتور أكرم ضياء العمري – حفظه الله – في كتابه القيم: "السيرة النبوية الصحيحة" (1/98-101) ما نصه: "... وكذلك وردت روايات موضوعة حول هواتف الجان في ليلة مولده وتبشيرها به، وانتكاس بعض الأصنام في المعابد الوثنية بمكة. وحول ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرفاته، وخمود نيران المجوس، وغَيض بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة، وتنتشر في بلاد الفرس. كذلك وردت روايات ضعيفة عن إخبار يهود بليلة مولده، وإخبار الراهب عيصا بمر الظهران بمولده. وقول العباس عمه إنه رآه في المهد يُناغي القمر. ولكن ثمة أخباراً تَقوى ببعضها إلى الحسن احتفَّت بمولده منها ما يفيد أن آمنة رأت حين وضعته نوراً خرج منها أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام." اهـ
    ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشراً ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم محمد(16).
    هذا ما كان في مولده -صلى الله عليه وسلم-، جعلنا الله من المتبعين لسنته، المهتدين بهديه، المقتفين أثره، إنه سميع قريب، والحمد لله رب العالمين.
    مقدمة حول نشأته (صلى الله عليه وسلم)

    في مكة / قبل النبوة
    إن الله سبحانه – يصطفي من عباده ما يشاء ويختار، وقد اختار الله لإنقاذ البشرية خليله وحبيبه محمداً (صلى الله عليه وسلم) ، وقد تم اختيار الله لمحمد من قبل خلق آدم، ولكن الله أظهر للوجود ، وجعله خاتم رسله وأنبيائه فلا نبي بعده.
    وقد أحاط الله نبيه ورعاه وحماه منذ ولادته، فإنه في يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، وقيل لثمانية، وقيل لعشرة، وقيل لثنتي عشرة وعليه الأكثر، وذلك عام الفيل ظهرت تباشير الصباح وولد المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم، وهي التي سميت بعد ذلك بدار محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف، وهي الآن مكتبة عامة.
    وكانت حاضنته أم أيمن بركة الحبشية أمة أبيه، وأول من أرضعته ثويبة أمة عمه أبي لهب.
    ثم استُرضع (صلى الله عليه وسلم) في بني سعد بن بكر، وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون أنجب للولد، وكانوا يقولون إن المُربَّى في المدينة يكون كليل الذهن، فاتر العزيمة، فجاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً يرضعنهم فكان الرضيع المحمود المبارك من نصيب حليمة السعدية.
    وحصل له ( صلى الله عليه وسلم) وهو في بادية بني سعد بن بكر حادثة شق الصدر، فقد روى مسلم عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) أتاه جبريل - عليه السلام- وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة ، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره - فقالوا: إن محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس (رضي الله عنه) : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره، ثم أشفقت عليه مرضعته فأعادته إلى أمه، وتوجهت به أمه إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق، فماتت بالأبواء ، ودفنت هناك. وكأن الله يقول: هذا الغلام لا يؤثر عليه أبوه، وأمه بنوع من التربية، والله (عز وجل) سيتولى تربيته وتهذيبه.
    والأكثر على أن وفاة أمه آمنة كان وله (صلى الله عليه وسلم) من العمر ست سنوات، فحضنته أم أيمن، وكفله جده عبد المطلب، ورقَّ له رقة لم تُعهد له في ولد. روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال: ثم توفيت أمه فيتم في حجر جده فكان – وهو غلام - يأتي وسادة جده فيجلس عليها، فيخرج جده، فتقول الجارية التي تقوده: أنزل عن وسادة جدك، فيقول عبد المطلب: دعي ابني فإنه يُحس بخير، ثم توفي جده ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) غلام (1).
    وتُوفي عبد المطلب وكان عمر النبيّ (صلى الله عليه وسلم) ثماني سنوات، فكفله شقيقُ أبيه أبو طالب، وكان به رحيماً، وكان مُقلاً في الرزق، فعمل النبيّ (صلى الله عليه وسلم) برعي الغنم مساعدةً منه لعمه، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه ) عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) قال: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم). فقال أصحابه: وأنت؟، فقال: (نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)(2).
    وعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: كنَّا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمرّ الظهران نجني الكباث، فقال: (عليكم بالأسود منه فأنه أطيب). فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ قال: (نعم وهل من نبي إلا رعاها)3 . ثم اشتغل (صلى الله عليه وسلم) بالتجارة، روى عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن الزهري في سرده للسيرة قال: فلما استوى وبلغ أشده ، وليس له كثير مال استأجرته خديجة ابنة خويلد إلى سوق حباشة، وهو سوق بتهامة، واستأجرت معه رجلاً آخر من قريش، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يحدث عنها: (ما رأيت من صاحبة أجيرٍ خيراً من خديجة)(4). وهذه نبذه قصيرة عن مولده وكيفية تنشئته – عليه الصلاة والسلام - وأعماله التي قام بها في نشأته، وقبل بعثته. وسوف يأتيك - أخي القارئ - ذلك كله مفصلاً- إن شاء الله - .
    مكانة النبيّ - صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة وبعض أعماله


    كانت حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة حياة فاضلة شريفة، لم تعرف له فيها هفوة، ولم تُحصَ عليه فيها زلّة، لقد شبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحوطه الله - سبحانه وتعالى - بعنايته، ويحفظه من أقذار الجاهلية، لما يريده له من كرامته ورسالته، حتى صار أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم حسباً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزهاً وتكرماً حتى صار معروفاً (بالأمين).
    لقد نشأ سليم العقيدة، صادق الإيمان، عميق التفكير، غير خاضع لترهات الجاهلية، فما عُرف عنه أنه سجد لصنم، أو تمسح به، أو ذهب إلى عرّاف أو كاهن، بل بُغِّضت إليه عبادة الأصنام، والتمسح بها.وكذلك بُغِّض إليه قول الشعر فلم يعرف عنه أنه قال شعراً، أو أنشأ قصيدة، أو حاول ذلك؛ لأن ذلك لا يتلاءم مع مقام النبوة، فالشعر شيء والنبوة شيء آخر.ولم يكن الشعراء بذوي الأخلاق، والسير المرضية، فلا عجب أن نزهه الله سبحانه عن الشر، والرسالة تقتضي انطلاقاً في الأسلوب والتعبير، والشعر تقيد والتزام.وصدق الله حيث يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) سورة يــس.


    ومع هذا فقد كان يتذوق ما في الشعر من جمال وحكمة وروعة، ويستنشده أصحابه أحياناً، ولا عجب فهو القائل: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة)(1).
    ولم يشرب خمراً قط، ولا اقترف فاحشة، ولا انغمس فيما كان ينغمس فيه المجتمع العربي حينئذ من اللهو، واللعب، والميسر (القمار)، ومصاحبة الأشرار، ومعاشرة القيان، والجري وراء القيد الكواعب2 على ما كان عليه من فتوة، وشباب، وشرف نسب، وعزة قبيلة، وكمال، وجمال وغيرها من وسائل الإغراء.
    لهذه الصفات والمميزات كانت المكانة الرفيعة له بين قومه، فكان يُدعى بالصادق الأمين، فهو صدوق عند قومه، وهو الأمين، فكان محل ثقة الناس وأماناتهم، لا يأتمنه أحد على وديعة من الودائع إلا أدّاها له، فكانت قريش لا تضع أمانتها إلا عنده لما سُمع من أمانته وصدقه، ولا يأتمنه أحد على سر أو كلام إلا وجده عند حس الظن به، فلا عجب أن كان معروفاً في قريش قبل النبوة (بالأمين)(3).
    لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه، وأمانته حتى إنه لما بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمره فوصولا إلى موضع الحجر الأسود اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه، فقالت كل قبيلة: نحن نضعه، ثم اتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب ثم أخذ(4). الحجر فوضعه موضعه - صلى الله عليه وسلم- ). ثم طفق لا يزداد فيهم على السِّنِّ إلاّ رضاً، حتى سموه الأمين، قبل أن ينزل عليه الوحي. قال: وطفقوا لا ينحرون جزوراً للبيع إلا دعوه ليدعو لهم فيها. وهذا يدل دلالة واضحة أنه - عليه الصلاة والسلام- بلغت مكانته درجة رفيعة عند قومه وعشيرته، وهذا شيء اختاره الله - عز وجل - لكي يمهد لرسالته.

    أعماله - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة:
    لقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته بأعمال عدة، وذلك ليعلمنا الجد والعمل، وخدمة النفس، وأن أفضل ما أكل ابن آدم من عمل يديه، وأنه لا ينبغي الاعتماد على الغير، بل ينبغي الجد والعمل لخدمة النفس، وأن ذلك مما يؤجر عليه الإنسان عن هو أصلح نيته، كما أنه لابد من التحلي بالأخلاق الرفيعة كالتواضع، والصدق والأمانة ، وغير ذلك من الأخلاق النبيلة، ومن هذه الأعمال التي قام بها النبي قبل البعثة ما يلي:

    أولاً: رعيه - صلى الله عليه وسلم – للغنم:
    قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعيّ: أن نفراً من أصحابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: (نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمّي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام، واستُرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخٍ لي خلف بيوتنا نرعى بَهْماً لنا إذا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بَطست من ذهب مملوءة ثلجاً، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي، فشقاه و استخرجا منه علقة سوداء فطرحاها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم زنه بمئة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال: زنه بألفٍ من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فوا الله لو وزنته بأمته لوزنها)(5).

    رعيه - صلى الله عليه وسلم- للغنم وافتخاره بقُرَشيَّته:
    قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)، قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: (وأنا). وإنما أراد ابن إسحاق بهذا الحديث رعايته الغنم في بني سعد مع أخيه من الرضاعة، وقد ثبت في الصحيح أنه رعاها بمكة أيضاً على قراريط لأهل مكة. الروض 1/192. (6)
    فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم- قال: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم). فقال أصحابه: وأنت؟ قال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)7.
    ورث سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- عن أبيه خمسة من الإبل، وقطيعاً من الغنم، وجارية هي أم أيمن (أعتقها الرسول فيما بعد)، وزوجها مولاه زيد بن حارثة فولدت له أسامة.
    فائدة: وتلك ثروة – في عرف زمانها - ضئيلة، إلا أن الله - تعالى - هيأ له الأسباب ، وعمل سيدنا محمد في رعي الغنم، فقد رعاها وهو صبي في بني سعد، ورعاها وهو شاب في مكة، وكان يذكر ذلك مغتبطاً ، فالعمل شرف، واكتساب الرزق فريضة.. وفي رواية البخاري قال - عليه الصلاة والسلام-: (ما بعث الله نبياً إلا وقد رعى الغنم). فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: (وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط) والقراريط: من أجزاء الدراهم والدنانير.
    تعليق: ولعل لله حكمة في رعي النبيّ للغنم، فالرعي يكسب صاحبه يقظة حتى لا يعدوا الذئب على شاة منها ويجعله حريصاً على المصلحة، صابراً على المشاق، مثابراً على الهدف كي يوفر لغنمه مآكلها ومشاربها..
    ثم إن الرعي بعد ذلك يدع للراعي فرصة للتأمل في مظاهر الطبيعة ، ونظام الكون حين يجلس في امتداد الصحراء يلحظ غنمه... والمتتبع لتاريخ الأنبياء يجد أن للغنم دوراً في هذا التاريخ... فإسماعيل - عليه السلام - ترتبط قصة حياته بكبش أنزله الله فداءً له وتصديقاً لرؤيا أبيه.. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * ... إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ* سورة الصافات(103)- (107).
    وموسى - عليه السلام- وهو في الوادي المقدس ، حال المفاجأة الكبرى، جرى هذا الحوار: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى؟ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى* سورة طـه(18).
    ولما ائتمر القوم بموسى وتوجه تلقاء مدين وقعت أحداث كان للغنم فيها نصيب، فقد سقى للمرأتين ثم دعي إلى بيت أبيهما الشيخ الكبير، وانتهى الأمر بالزواج من إحداهما، وظل مع أبيها عشر سنين يرعى له الغنم: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌسورة القصص(26)(27)(28).
    وداود - عليه السلام - تسور عليه الخصمان مكان عبادته ليحكم بينهما في شركة لأحدهما تسع وتسعون نعجة، وللأخر نعجة واحدة، وأراد صاحب النصيب الكبير أن يستأثر بالشركة كلها لنفسه، فحكم داود وعدل، وبين عبرة الحياة: قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ... سورة ص(24). وأشار القرآن إلى قصة نزاع بسبب الغنم تحاكم فيها أصحابها إلى داود وسليمان - عليهما السلام - فحكم سليمان وهو صغير بحكم غير حكم أبيه، وكان حكم سليمان أرفق: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَسورة الأنبياء(78) (79). وقال أكثر أهل العلم: إن الحرث الذي حكم فيه سليمان وداود – إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ – بستان عنب، والنفش: رعي الغنم ليلاً خاصة. وقيل : كان الحرث المذكور زرعاً. وذكروا أن داود حكم بدفع الغنم لأهل الحرث عوضاً عن حرثهم الذي نفشت فيه فأكلته.
    وقال بعض أهل العلم: اعتبر قيمة الحرث فوجد الغنم بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث، إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها، ورضوا بدفعها، ورضي أولئك بأخذها بدلاً من القيمة.
    وأما سليمان فحكم بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان حين نفشت فيه غنمهم، ولم يضيع عليهم غلته من حيث الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ما شية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم ، وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء.. قالوا: وهذا هو العلم الذي خصة الله به وأثنى عليه بإدراكه .. هكذا يقولون - والله تعالى أعلم- 8.
    لقد كان للرعي دور أساسي في التاريخ الإنساني، ولا زال للأنعام ارتباطها الوثيق بحياة الإنسان ... وصدق الله حيث يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ سورة يــس(71 - 73). والأنبياء ما هم إلا بشر يعيشون مجتمعهم بكل معالمه الإنسانية، ولعل في رعي الغنم توطئة لرعي الخلق وسياستهم...9.
    وفي رعي الغنم من الفوائد ما يعجز الإنسان عن تحصيلها من غير هذا العمل، وقد يرى كثير من الناس أنه- صلى الله عليه وسلم - رعاها كعادة قومه، ولم يكن يبتغي من وراء ذلك إلا الكسب الذي يستطيع به مواجهة متطلبات الحياة فقد كان عمه فقيرا ذا عيال، وهو فوق ذلك سيد قومه، وكان للسيادة حينئذ من التكاليف ما يعجز الثرى المليء.
    لم تكن السيادة يومئذ بابا واسعا من أبواب الرزق كما هي الآن، ولكنها كانت عبئا ثقيلا تنوء به كواهل الرجال، حيث كان السيد يتحمل استضافة القادمين، وغرم الغارمين، وتبعات أفراد القبيلة إلى غير ذلك مما كان يقوم به سيد القوم، وهو يشعر أنه يؤدي واجبا عليه لا ينتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً. يقول أصحاب هذه النظرة القصيرة المادية: إن محمداً رعى الغنم ليساعد عمه الفقير، وليعينه على تكاليف الحياة الباهظة، وليرد جميلا أسداه إليه حين كان عاجزاً عن الكسب غير قادر على إعالة نفسه. وليس في ذلك عيب لو اقتصر عمله على تلك الغاية؛ لأن فيها من الوفاء وحسن المعاشرة، وحفظ الجميل ما يجعل فاعله عظيما في أعين الناس.
    ولكنا مع ذلك نقول لم يكن أمر رعيه الغنم – صلى الله عليه وسلم – قاصرا على إرادة الكسب ومساعدة عمه، بل كان من وراء ذلك مقاصد عظيمة، وفوائد جليلة لا يدركها أصحاب النظر القاصر، لأنها أمور تدق عن الإدراك إلا لذوي البصائر والألباب، أذكر منها :

    1. يقظة الراعي: إن الراعي يجب أن يكون يقظا واعيا مدركا لما حوله، وذلك لأن الغنم كثيرة الجري سريعة الحركة، شديدة النفور، فإذا غفل عنها راعيها تفلتت منه، وصعب عليه جمعها وردها إلى مرعاها، وتكون بعد ذلك عرضة لا فتراس الضواري من السباع، ومهددة بالفناء والضياع. وهذه الصفة ليست موجودة في كثير من الناس، وكثير من الناس يغادرون الحياة دون أن يتصفوا بها، فأما الذين يمارسون رعي الغنم، ويخرجون معها في الصباح ينتجعون أماكن الرعي، ويعودون بها آخر النهار ممتلئة موفورة، كاملة غير منقوصة، فهؤلاء يكتسبون تلك الصفة بالممارسة حين يفقدونها بالفطرة والوراثة.

    2. حرصه على رعيته: ومحافظة الراعي على رعيته، وحرصه على سلامتها أمر تحتمه عليه هذه الوظيفة، إذ لوكان مهملا، أو متهاونا لأدى ذلك إلى أوخم العواقب، حيث تتعرض لها الذئاب فلا تجد من يدفعه، وتفترسها الوحوش وهو غافل عنها. وأما الراعي الحاذق فهو الذي يتفقد غنمه، ويجمعها كلما تفرقت وإذا شذت منها واحدة ردها إلى الجماعة، فهو لا يهدأ له بال، ولا تغمض له عين ما دامت غنمه تسرح هنا وهناك، وأن حرصه ليدفعه لأن يدفع عنها كل معتد، ويحفظها من التعرض للمهالك حتى يعود بها سالمة من كل سوء.

    3. حسن السياسة: وتلك من أهم الصفات التي يستفيدها الراعي من وظيفته؛ لأن رعي الغنم يحتاج إلى سعة الصدر وحسن الحيلة، وطول البال، وإذا فقد الراعي شيئا من ذلك ضاق بغنمه فنقرها، أو ضاقت هي بها فنفرت منه، ويرجع آخر النهار وقد فقد الكثير من رعيته إن لم يكن فقدها كلها. ومن حسن سياستها أن يرتاد بها المراعي الخصبة، وألا يدع واحدة منها ترجع دون أن تأخذ كفايتها من الرعي، وألا يترك بعضها يعتدي على بعض، فتنطح القرناء منها الجماء، وتحول بينها وبين الأكل والشرب فتهزل، ثم تتعرض للهلاك.

    4. الأمانة: ومن أعظم صفات الراعي الأمانة؛ لأنه مؤتمن على ما تحت يده، فإذا لم يكن أمينا عرض رعيته لكثير من المفاسد، وهذه الصفة هي جماع ما تقدم من الصفات، فهي التي تجعل الراعي يقظا حتى يؤدي الأمانة كما استلمها، وهي التي تجعله حريصا عليها؛ لأن فقد شيء منها تعمدا خيانة، وهي التي تدفعه لحسن سياستها؛ لأنه إذا لم يرعها الخصب من المراعي، ويحافظ على كيانها يكون قد خان الأمانة. زد على ذلك أنه يستطيع أن يبيع منها ويدعي أنها فقدت، ويحلب لبنها لنفسه ويحرم أولادها منه إلى غير ذلك مما يسد حياة الغنم، ويضيع الفائدة على صاحبها. ونحن إذا نظرنا إلى هذه الصفات وجدناها ضرورية لكل من يقوم بهذا العمل، وإذا كانت تلك الصفات ضرورية فيمن يرعى الغنم، أفلا يكون من يرعى الناس ويقوم على أمورهم أشد حاجة إليها ممن يرعى الغنم؟؟. أعتقد أنه لا يختلف اثنان في ذلك، ولهذا أراد الله – عزوجل – لرسله أن يرعوا الغنم قبل البعثة لتتأصل فيهم هذه الصفات، وليتدربوا عمليا عليها، وليقودوا أممهم على أساسها قيادة رشيدة. ولقد رأينا هذه الصفات واضحة جلية في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – فكان يقظا لما يفعله أصحابه لا يرى مخالفة ويسكت عنها، وكان يتفقد أصحابه إذا غابوا، ويطمئن عليهم إذا حضروا، ويعودهم إذا مرضوا.
    كذلك كان حريصا عليهم، وما أعظم وصف الله – سبحانه – له بقوله: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ سورة التوبة(128). وفي حديثه – صلى الله عليه وسلم – ما يصور لنا هذا الحرص أروع تصوير حيث يقول: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش، وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم , أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني وتقحمون فيها)10. كما كان – صلى الله عليه وسلم – يسوس أمته سياسة حكيمة رشيدة، فكان يدلها على الخير، ويبعدها عن الشر، ويرتاد بهم مناهل البر، فيأخذ بأيديهم إلى المعالي، ويعينهم على طاعة الله، ولم يترك – صلى الله عليه وسلم – شيئا مما ينفعهم إلا دلهم عليه، ولم يترك شيئا مما يضر بهم إلا حذرهم منه فكان كما قال الله - تعالى - : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ التوبة(128).وبهذا نعلم أن رعيه – صلى الله عليه وسلم – الغنم لم يكن فقط للتكسب ، وجلب الرزق، وإنما كان إلى جوار ذلك وسيلة للتربية والتدريب على رعاية أمة أراد لها الله أن تكون خير أمة أخرجت للناس11.

    ثانياً: عمله - صلى الله عليه وسلم- بالتجارة:
    كانت خديجة - رضي الله عنها - سيدة تاجرة ذات شرف، ومال، وتجارة تبعث بها إلى الشام، وكانت تستأجر الرجال، وتدفع إليهم المال مضاربة12 ، وكان رجال قريش تُجاراً، ومن لم يكن تاجراً فليس عندهم بشيء.
    وكان النبيّ قد ناهز العشرين من عمره المبارك، وأصبح شاباً جلداً قوياً، أغر الطالع ، ميمون النقية، يزين شبابه الغض ما يتمتع به من حلو الشمائل، وكرم الأخلاق من أمانة، وصدق حديث، وعفة، وعزوف عما ينغمس فيه أمثاله من الشباب من لهو ومجون، فكان ذلك مما وجَّه نفس السيدة خديجة إلى أن يعمل لها في تجارتها، فأرسلت إليه، فلما جاء إليها قالت له: دعاني إلى طلبك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، فذكر ذلك لعمه أبي طالب، فقال له: إن هذا لرزق ساقه الله إليك. وفي رواية أخرى : أن أبا طالب هو الذي عرض على النبيّ أن يعمل لها في تجارتها، وأنها – ولا شك - ستفضله على غيره، وأن أبا طالب هو الذي سعى إليها، وقال لها: هل لك يا خديجة أن تستأجري محمداً؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلاناً ببكرين، ولن نرضى لمحمد إلا بأربعة أبكار، فقالت: هذه الكلمة تنم عن تقدير صادق، وحس مرهف، وشعور يفيض بالحب والحنان. لو طلبت هذا لبغيض بعيد لأجبتك، فكيف، وقد طلبته لحبيب قريب!! فرجع الشيخ أبو طالب مغتبطاً، وحدّث ابن أخيه بما سمع، ولا تَسَلْ عما كان لهذه الكلمات الصادقة من أثر في نفس النبيّ الشاب13. ثم خرج النبيّ بتجارة خديجة إلى الشام وكانت سَّنه تخطو إلى الخامسة والعشرين، وكان خروجه لأربع عشرة ليلة من ذي الحجة ومعه غلام خديجة (مَيْسَرة، حتى وصل سوق (بصرى) وفي رواية، سوق حباشة (سوق من أسواق العرب) وفي رواية أخرى بتهامة فنزل تحت ظل شجرة في سوق (بصرى) قريباً من صومعة راهب يسمى (نطورا) فقال: ما ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش أهل الحرم، فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة، وفي رواية بعد عيسى- إلا نبيّ!!. ولا تَسَل عما غمر نفس ميسرة من حب، وتقدير لسيده محمد لقد رأى تظليل الغمام له في مسيره هذا، ولمس عن كثب الكثير من أخلاقه، وبره، وعطفه، وحسن معاملته وأمانته، وسمع من(نطورا) ما سمع، فلا عجب إن كان حّدث سيدته بعد عودته بما رأى وما سمع، وما وجده منه من حسن خلق. وباع النبيّ التجارة وابتاع، وعاد بربح وفير، وعاد معه غلام خديجة، ووصل الركب في الظهيرة إلى مكة، وخديجة في عليّة لها، فرأت النبيّ تكسوه المهابة والجلال، فلما دخل عليها أخبرها بخبر التجارة وما ربحت، فسرت لذلك سروراً عظيماً، وخرج النبي، وترك ميسرة يقص على سيدته من شأن سيده محمد ما شاءت نفسه أن يقص(14).
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الوضع الاقتصادي للعرب قبل البعثة النبوية( تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:15


    الوضع الاقتصادي للعرب قبل البعثة النبوية

    مقياس صدر الاسلام : السنة الثانية تاريخ lmd

    ما كان للعرب صناعةٌ سوى ما كانت تغزل نساؤهم، وما كانُوا يحيكونه ويدبغونه في اليمن، والحيرة، ومشارف الشام، وتناثرت بقاعٌ متفرقة يشتغل أهلُها بالزِّراعة، أمَّا الرَّعي فكان مهنةمنتشرة-على شقائها-لقلةِ الكلأ ونُدرةِ العشب، وانصرف العَرَبُ إلى التِّجارةِ، فكانت أكبرَوسيلةٍ للتكسب والرِّزقِ، وشهدت أرضُ الجزيرة رحلاتهم الدَّائبةَ شمالاً وجنوبًا، صيفـًاوشتاءً، إلى الشام و اليمن، ترويجاً لتجارتهم المهمة، التي كانُوا يعتمدُون عليها، ويُقيمون لها الأسواقَ الشَّهيرةَ:كعكاظ، وذي المجاز، ومجنة، وغيرها, إلا أن تجارتهمهذه، وأسواقهم تلك،كانت تتهددها حروبُهم الدَّائمةُ، ومعاركهم الشرسة، وقبائل متناثرةفي الصحراء، لا تعرف لها حرفةً سوى قطع طريق القوافل ونهبها؛ لذا فإنَّ تجارتهمالخافتة ما كادت تضيء إلا في الأشهر الحرم، وكان أهلُ الحجاز-العرب واليهود- يتعاطون الرِّبا، ويبالغون فيه مبالغة شديدة، ولا يعتبرونه غُبناً أو منقصة خُلُقٍ، إنمايرونه تجارةً محضةً، فقد سرتْ فيهم سريانَ الحياةِ الطبيعيةِ.
    أمَّا الأحوالُ الاقتصاديةُ في شبه جزيرة العرب، فقد كانتِ البادية تعتمد على الاقتصاد الرعوي، فالقبائل العربية تستقر في الأماكن التي يتوفر فيها الماء وتصلح لرعي الإبل والأغنام والماعز. وعندما يشح الماء فإنها تضطر للانتقال مما يجعلها في حروب مع بعضها للحصول على المورد الأفضل. وتوجد في شبه جزيرة العرب واحات زراعية متناثرة يستقر فيها السكان لكنها عرضة لغزو البدو لها. ويقوم في المدن نشاط تجاري وزراعي وصناعي، وقد يغلب عليها نوع من هذه النشاطات، فمكة كان يغلب عليها النشاط التجاري؛ لأنها تقع بواد غير ذي زرع ، وتتحكم بطرق التجارة بين اليمن والشام حيث تمر القوافل محملة بالتوابل والبخور والعطور، وقد استفادت مكة من مكانة الكعبة الدينية عند العرب في حماية قوافلها التجارية وعقد"الإيلاف"مع القبائل التي تجتاز ديارها، واشتهرت برحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن.أما المدينة-وكانت تعرف قبل الإسلام بيثرب-فكان يغلب عليها الاقتصاد الزراعي حيث اشتهرت ببساتين النخيل والأعناب والفواكه الأخرى والحبوب و الخضروات.أما الطائف فقد غلبت عليها الزراعة وخاصة بساتين الأعناب والفواكه و الخضروات، وكذلك الصيد حيث تتوافر فيها الحيوانات البرية كالبقر الوحشي والحمار الوحشي والغزلان والظباء والأرانب. وأما اليمامة فاشتهرت بزراعة القمح الذي كان يزيد عن حاجاتها فتصدر منه إلى الحجاز. وأما اليمن ففيها زراعة واسعة ومناطق رعوية طبيعية إضافة إلى قيامها بالنشاط التجاري الكبير بنقل التوابل والبخور والعطور, والأبنوس, والعاج, والحرير, من الهند, إلى بلاد العرب, والشام. وكانت السواحل الشرقية لشبه جزيرة العرب تربط تجارة الصين والهند بالهلال الخصيب (العراق وسوريا).وكانت شبه جزيرة العرب تستورد الدقيق والزيت والأقمشة من الشام، كما تستورد التمور والأُدم من العراق. وقد ساعدت أسواق العرب في الجاهلية على نشاط التبادل التجاري، واشتهرت منها أسواق عكاظ, ومجنَّة, وذي المجاز, ودومة الجندل, ونطاة-بخيبر-وبدر, وحباشة. واستعمل العرب الدينار البيزنطي والدرهم الفارسي في التبادل التجاري،كما استعملوا المكاييل والموازين ومقاييس الطول في عمليات البيع والشراء. أما الصناعة في شبه الجزيرة العربية، فقد اشتهرت اليمن بصناعة البرود اليمانية. وعُرفت المدينة بصياغة الحلي الذهبية والفضية ؛ وصناعة السيوف والرماح والقسي والنبال والدروع والحراب،كما قامت في المدن العربية حرف التجارة, والحدادة, والصياغة, والدباغة، والغزل, والنسيج، والخياطة، والصباغة. ولكن معظم الحرفيين كانوا من الموالي والعبيد ولم يكونوا عرباً. وقد شاع التعامل بالربا في مكة والطائف ويثرب ونجران، ومارسه اليهود وانتقل منهم إلى العرب، وكان على نوعين: ربا النسيئة؛ وهو زيادة المبلغ على المدين مقابل تأجيل الدفع. وربا الفضل وهو الزيادة التي تترتب على بيع العينات المتماثلة بسبب اختلاف جودتها. وكانَ الرِّبا يُؤخذ أضعافاً مضاعفة، وقد حَرَّمَهُ الإسلامُ بنوعيه،قال-تعالى-{وأحَلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الرِّبا }البقرة 275.وكان العرب يعرفون أنواعاً من المعاملات المالية كالقراض, والمضاربة, والرهن، وكان الغرر يحيط بكثير من عقود البيع والشراء كالمنابذة, والملامسة, والنجش, وبيع الحاضر للبادي. وكذلك كان الاحتكار يدخل في معاملاتهم التجارية، كما تفرض عليها المكوس الباطلة. وقد حرَّم الإسلامُ البيوعَ التي فيها غَرَرٌ أو ضَرَرٌ كَمَا حَرَّمَ الرِّبا والاحتكارَ؛ تحقيقاً للعدلِ بينَ النَّاسِ.فَعَاشَ النَّاسُ في خيرٍ ورَفَاهِيةٍ لما تمسكوا بهدي الإسلامِ في سياستِهم واقتصادِهم، وأصابهم الضَّنكُ والضِّيقُ لمَّا تنكبوا الصِّراطَ المستقيمَ.


    نستنج مما سبق أن بلاد العرب بأقسامها الآنفة الذكر لم يكن فيها اقتصاد ذو قيمة تُذْكَرُ؛ فيغلب عليها أنها بَوَادٍ صحراويَّةٌ، إلا ما كان من بلاد اليمن فقد كانت بلاداً خِصْبةً في الجملةِ, ولاسيما أيام سد مأرب حيثُ ازدهرتِ الزِّراعةُ والفِلاحةُ عامة بصورةٍ تدعُو إلى العجب، وقد ذكرها في القرآن الكريم إذ قال-تعالى-:{ لقد كان لسبأٍ في مسكنهم آية ..... } سبأ، الآية:15. فلم يشكروا وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله فسلبهم الله-تعالى-ما أعطاهم فخرب سدهم، وأحدبت أرضهم، ورحل عنها أكثرها فالتحق بعضهم بالعراق, وبعضهم بيثرب ومنهم الأوس والخزرج, وآخرون بالشمال والشام. ومع هذا فقد وجدت في اليمن صناعات فاخرة في وقتها كصناعة الكتان, والسلاح من سيوف وحراب ودروع وغيرها. هذا بالنسبة إلى أهل اليمن، أما القبائل العدنانية فكان جلها يعيش في الصحراء ينتجع الكلأ والعشب لماشيته ويعيش على ألبانها ولحومها إلا ما كان من قبائل قريش القاطنين بالحرم فإنهم يعيشون على رحلتي الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام، وقد امتن الله تعالى ذلك عليهم في قوله : { لإيلاف قريش ... } فكانوا في رغد من العيش، على خلاف غيرهم ، فإنهم كانوا يعيشون على شظف العيش وضيقه، وما كان لقريش من سعة الرزق إنما كان لها من أجل حماها للحرم وتقديسها له، كما هو كرامة الله لأرحام وأصلاب ينتقل فيها رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-.

    نتائج واستنباطات من الكلام السابق:
    1. بيان أن الاقتصاد في بلاد العرب بصورة عامة لا يُعتَبر شيئاً يُذْكَرُ إلى جانبِ غيرِهِ في البلادِ الأُخرى.
    2. بيان أنَّ شمال بلاد اليمن كان ذا اقتصادٍ لا بأس به؛ لوجود خِصْبٍ وصناعةٍ.
    3. خراب سد مأرب, وهجرة أهله من بلادهم كان نقمةً إلهيةً؛ سببها الكفرُ والإعراضُ عن طاعةِ اللهِ ورسولِهِ .
    4. بيانُ إكرامِ اللهِ-تعالى-لقريشٍ بتحقيقِ أهمِّ هَدَفٍ للإنسان في هذه الحياةِ، وهو الأمنُ من الخوفِ، والإطعام من الجوع.
    5. وجوبُ شكرِ اللهِ-تعالى-على نعمِهِ, إذ طلب ذلكَ من قُريشٍ بقولِهِ:{فليعبدوا رب هذا البيت ... } قريش:الآية:4, والعبادةُ هِيَ الشُّكْرُ, وأعظمُها إقامةُ الصَّلاةِ, فَمَنْ لم يُصَلِّ مَا شَكَرَ.
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الوضع السياسي للعرب قبل الاسلام (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:18

    الوضع السياسي للعرب قبل الاسلام

    الحياة السياسية العربية قبل الاسلام
    مقياس صدر الاسلام : السنة الثانية تاريخ lmd

    إن مُجمل القول في الحالة السياسية في بلاد العرب هو أن بلاد العرب-وهي شبه جزيرة لوقوعها بين ثلاثة أبحر؛ الأحمر غرباً، والهندي جنوباً، والخليج شرقاً-من المناطق السياسية ذات الأثر على الحياة الاجتماعية. ففي اليمن حيث ملوك حمير من التبابعة وغيرهم. والحيرة شرقاً إلى العراق حيث المناذرة، والشمال حيث الغساسنة. أما الوسط وهو نجد والحجاز وتهامة فإنه دائرة المجد، وموضع طلوع الفجر، فأرض حماها مولاها من شطوة الجبابرة، وسياسة المتاجرة، فلم تصل إليها يدُ الأحباش، ولا يدُ الفوارس، ولا يد الروم ولا الرومان؛ لأنها مشرق الأنوار، ومكمن الأسرار، وعما قريب يطلع نجمُها ويعلو كعبها، وتسود الدنيا وما فيها. فالبلاد اليمانية: تداولتها ملوك حِمْيَرْ من التبابعة, كما حكمها في فترات ملوك الأحباش مباشرة أحياناً، وبواسطة أبنائها أحياناً أخرى، وقد عظم ملك اليمانيين أحياناً حتى غزوا الشرق ووصلت طلائع جنودهم إلى بلاد فارس متجاوزة أرض العراق إلى أعماق الشرق. وآخر ملوكهم ذو نواس وهو صاحب الأخدود وكان يهوديَّ العقيدة، فكان آخر ملوك حمير ببلاد اليمن. كما أن آخر ملوك التبابعة باليمن كان أبا كرب تبّان بن أسعد الذي غزا المدينة ودخل مكة وكسا الكعبة المشرفة وعاد إلى اليمن، وهلك بها. وأما المناذرة بالحيرة فإن ملوكهم وآخرهم النعمان بن المنذر كانوا تابعين في الغالب لملوك إيران. وكذلك الحال بالنسبة إلى الغساسنة بأرض الشام فإنهم تابعون في الغالب لملوك الروم. مع العلم بأن ملوك الحيرة كملوك الشام أصلهم يمنيُّون نزحوا من اليمن بعد خراب سد مأرب، بواسطة سيل العرم، والأوس والخزرج بالمدينة النبوية, وطيئ بجبل طيئ شمالاً الكل من مهاجري اليمن بعد خراب سدهم الذي كان مصدر غناهم وثروتهم، إذ أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم عقوبة لهم بعدما ظلموا. قال تعالى :{ لَقَدْ كَاَنَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَتَانِ عَنْ يَمِنِنْ وَشِمَاَلٍ } إلى قوله-تعالى-:{ فَأَعْرَضُوا} أي عن طاعة الله وطاعة رسوله { فَأرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمْ }. وأما العدنانيون وهم سكان مكة وما حولها من ديار تهامة والحجاز فمجمل القول في الحالة السياسية عندهم: أن قبيلة جرهم التي استوطنت مكة مع هاجر أم إسماعيل وعاشت زمناً في ظِل حكم إسماعيل وأحفاده إلى أن استولت على الحكم بمكة وانتزعته من يد أبناء إسماعيل-عليه السلام- وبقي الحكم في جرهم إلى أن جارت وظلمت واستحلت المحرَّم في مكة فسلَّط الله-تعالى-عليها كما هي سنته في الظالمين المعرضين عن طاعة الله وطاعة رسوله- بني بكر من كنانة، وغبشان خزاعة, فأجلوهم عن مكة وهم يبكون فالتحقوا باليمن ديارهم الأولى
    زعيم القبيلة
    كان سكان الجزيرة العربية ينقسمون إلى بدو، وحضر، وكان النظام السائد بينهم هو النظام القبلي، حتى في الممالك المتحضرة التي نشأت بالجزيرة، كمملكة اليمن في الجنوب ومملكة الحيرة في الشمال الشرقي، ومملكة الغساسنة في الشمال الغربي، فلم تنصهر الجماعة فيها في شعب واحد، وإنما ظلت القبائل وحدات متماسكة والقبيلة العربية مجموعة من الناس، تربط بينها وحدة الدم } النسب{ ووحدة الجماعة، وفي ظل هذه الرابطة نشأ قانون عرفي ينظم العلاقات بين الفرد والجماعة، على أساس من التضامن بينهما في الحقوق والواجبات، وهذا القانون العرفي كانت تتمسك به القبيلة في نظامها السياسي والاجتماعي. وزعيم القبيلة ترشحه للقيادة منزلته القبلية وصفاته، وخصائصه من شجاعته ومروءة وكرم ونحوها، ولرئيس القبيلة حقوق أدبية ومادية، فالأدبية أهمها احترامه وتبجيله، والاستجابة لأمره، والنزول على حكمه وقضائه، وأما المادية فقد كانت له في كل غنيمة تغنمها } المرباع { وهو ربع الغنيمة، و} الصفايا{ وهو ما يصطفيه لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، و}النشيطة { وهي ما أصيب من مال العدو قبل اللقاء، و} الفضول{ وهو ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة
    ومقابل هذه الحقوق واجبات ومسئوليات، فهو في السلم جواد كريم ، وفي الحرب يتقدم الصفوف، ويعقد الصلح ، والمعاهدات. والنظام القبلي تسود فيه الحرية، فقد نشأ العربي في جو طليق، وفي بيئة طليقة، ومن ثم كانت الحرية من أخص خصائص العرب، ويعشقونها ويأبون الضيم والذل وكل فرد في القبيلة ينتصر لها، ويشيد بمفاخرها، وأيامها ، وينتصر لكل أفرادها محقاً أو مبطلاً ، حتى صار من مبادئهم : } انصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً { وكان شاعرهم يقول :
    والفرد في القبيلة تبع للجماعة، وقد بلغ من اعتزازهم برأي الجماعة أنه قد تذوب شخصيته في شخصيتها،
    وكانت كل قبيلة من القبائل العربية لها شخصيتها السياسية وهي بهذه الشخصية كانت تعقد الأحلاف مع القبائل الأخرى، وبهذه الشخصية أيضاً كان تشن الحرب عليها، ولعل من أشهر الأحلاف التي عقدت بين القبائل العربية، حلف الفضول، } حلف المطيبين{ وكانت الحروب بين القبائل على قدم وساق، ومن أشهر هذه الحروب حرب الفجار، وكان – عدا هذه الحروب الكبرى – تقع إغارات فردية بين القبائل تكون أسبابها شخصية أحياناً، أو طلب العيش أحياناً أخرى، إذ كان رزق بعض القبائل في كثيرٍ من الأحيان في حد سيوفها، ولذلك ما كانت القبيلة تأمن أن تنقض عليها قبيلة أخرى في ساعة ليلى أو نهار لتسلب أنعامها ومؤنها، وتدع ديارها خاوية كأن لم تسكن بالأمس.
    مِنْ زُعَمَاءِ الجَزِيْرَةِ المشهورينَ
    قُصَي بن كِلَاب
    بعد مرور زمن طويل ومكة يحكمها بنو بكر وغبشان خزاعة أي من يوم انتزعوا الحكم من يد جرهم تغلبت غبشان خزاعة على بني بكر واستقلوا بالولاية وتداولوها زمناً، وكان آخر من وليها منهم حُليل بن حُبْشِيّة بن سلول الخزاعي، فخطب ابنته حُبّى قصي بن كلاب فزوّجه إياها فولدت له عبد الدار، وعبد مناف, وعبد العزّى، وعبداً وكبروا وكثر مالهم وعظم شرفهم، ومات حُليُل فرأى قُصي أنه وبنيه أولى بولاية الكعبة فكلم رجالاً من قريش وبنى كنانة طالباً نصرتهم فأعانوه على إخراج خزاعة وبني بكر انتهى بصلح وتحكيم عمرو بن عوف الكناني، كانت نهاية ولاية قصي على مكة والكعبة فجمع قصي قومه من قريش من منازلهم إلى مكة وملكوه فكان أول أمير من قريش في مكة المكرمة، وكانت له الحجابة والسقاية وجمع قصي قبائل قريش في مكة والحرم ، وبذلك سُمّي مُجمعاً
    حقائق وعبر :
    من استعراضنا للحالة السياسية في بلاد العرب نستخلص الحقائق التالية :
    1. إن البلاد اليمانية اعتورتها حكومات متعددة أعظمها حكومات التبابعة من قبيلة حمير .
    2. إن كلاً من الأحباش والفوارس قد استعمروا اليمن بواسطة اليمنيين الذين يستنجدونهم في ظروف معينة.
    3. شرق الجزيرة من الحيرة إلى العراق لم يكن في الحقيقة إلا ولايات تابعة للحكم الفارسي طيلة الدهر حتى جاء الإسلام، وأن ملوك المناذرة لم يكونوا مستقلين في الغالب، وإنما هم تابعون سياسياً للحكم الفارسي المجوسي .
    4. شمال الجزيرة كشرقها لم يكن فيه في الغالب حكم عربي خالص، وإنما كان تابعاً لحكم الروم والغساسنة فيه كالمناذرة في الشرق سواء بسواء.


    5. وسط الجزيرة حيث الحرم وما جاوره من ديار العرب العدنانيين كان مستقلاً لم يحكمه الروم ولا فارس ولا الأحباش كرامة الله تعالى لحرمه وحرم حبيبه محمد-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-وسكانهما وجيرانهما.
    وفي هذه المقطوعة من العبر ما يلي :
    1. إن الظلم لا يدوم وإن طال زمانه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً
    2. حماية الله لبلده وحرمه بإهلاك وإبعاد كل من يظلم فيهما ويستبيح المحرم فيهما.
    3. من فضائل قريش الرفادة والسقاية؛ إذ الرفادة هي جمع المال من أفراد القبائل القرشية سنوياً وإنفاقه في إطعام الحجاج كل عام والسقاية كذلك وهي: إحضار الماء محلّى أحياناً بالزبيب وسقي الحُجّاج أيام حجهم من كل عام .
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الوضع الديني للعرب قبل البعثة النبوية( تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:21


    الوضع الديني للعرب قبل البعثة النبوية

    مقياس صدر الاسلام : السنة تاريخ

    إنَّ مما لا شك فيه أنَّ هاجر أم إسماعيل كانت مسلمة، وأن والدها إسماعيل كان مسلماً كأبيه إبراهيم وأمه هاجر، وأن الله-تعالى-نبّأه وأرسله رسولاً إلى أهل بيته من زوجة وولد، وإلى أخواله وجيرانه من قبيلة جُرْهُم اليمانيَّة، وأن دين الله وهو الإسلام قد عَمَّهم وانتظم حياتهم زمناً طويلاً لا يُعُرف منتهاه. وكما هي سنة الله في الناس إذا انقطع الوحي عليهم، جهلوا وظلوا كالأرض إذا انقطع عنها الغيث-المطر-أمحلت وأجدبت، وتحولت خضرتُها ونضارتُها إلى فترة وظلام يجهل فيه الإنسان ذاته ويتنكر فيه لعقله. وأول ما بدأ الشركُ في العرب المستعربة من ولد إسماعيل أنهم كانوا إذا خرجوا من الحرم لطلب الرزق، أخذوا معهم حجارةً من الحرم، فإذا نزلوا منزلاً وضعوها عندهم، وطافوا بها طوافهم بالبيت، ودعوا الله عندها، وإذا رحلوا أخذوها معهم، وهكذا. وبموت من أحدث لهم هذا الحدث، ومع مرور الزمان، نشأ جيلٌ جاهلٌ ينظر إلى تلك الأوثان من الحجارة أنها آلهة يتقرب بها إلى الله–تعالى-رب البيت والحرم. فكان هذا مبدأ الوثنية في أولاد إسماعيل من العدنانيين. أما الأصنام والتماثيل فإن أول من أتى بها من الشام إلى الديار الحجازية عمرو بن لُحي الخُز اعيُّ، إذ سافر مرة من مكة إلى الشام فرأى أهلَ الشام يعبدون الأصنام، فسألهم قائلاً: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: نعبدها نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً فأذهب به إلى بلاد العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له: هُبل، وهو الذي نصبوه حول الكعبة وبقي حولها إلى يوم الفتح الإسلامي حيث حُطَّم مع ثلاثمائة وستين صنماً، وأبعدت، فطُهِّر البيت الحرام، وطهرت مكة والحرم منها، والحمد لله رب العالمين. وكان عمرو بن لُحي محترماً في مكة عند أهلها، يشرع لهم فيقبلون شرعه، ويبتدع لهم فيُحَسِّنون بدعتَهُ، فكان أول من بدَّل دينَ إبراهيمَ وإسماعيلَ في الحجاز، ويشهد لهذا قولُ النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- في حديثه الصَّحيح: "رأيت عمرو بن لُحي يجرُّ قُصْبَهُ في النار .. إنه كان أول من غَيَّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحَّر البحيرة، وسيَّب السَّائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي .."
    البخاري، الفتح، كتاب المناقب، باب قصة خُزاعة (6/633) رقم (3521) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري(6/549) الزيادة.
    وبمقتضى بدعة عمرو بن لُحي في جَلْبِ الأصنام إلى الحجاز من الشام انتشرت الأصنامُ في بلاد العرب، وهذا بيانُ أسمائها ومواقعها، والقبائل التي كانت تعبدها، كما ذكر ذلك ابنُ إسحاق وغيرُه من المؤرِّخين:


    1. سُواع: بِرُهَاط بساحل ينبع، تعبده قبيلةُ هذيل المضرية .
    2. ود: بدُومة الجندل شمال المدينة قريباًً من الشام، تعبده كَلْبٌ القضاعيةُ.
    3. يغوث: بجُرَش، يعبده أهلُ جرش، وهم بمخاليف اليمن جنوب مكة المكرمة.
    4. يعوق: بأرض همدان من أرض اليمن، تعبده قبيلة خَيْوَان وهم بطن من همدان.
    6. نسر: بأرض حمير من اليمن، تعبده قبيلة ذو الكلاع من حمير.
    7. عميانس: بأرض خولان، تعبده قبيلة خولان اليمانية، وهم الذين قسموا له أنعامهم وحروشهم، ونزل فيهم قول الله –تعالى- من سورة الأنعام : وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ(136) سورة الأنعام.
    8. سعد: بأرض مِلكان بن كنانة المضرية، وتعبده قبيلة مِلْكَان، وذلك أن هذا الشاعر أقبل بإبلٍ مُؤبَّلة ليقفها على سعد (الصنم) رجاء بركته، فلما رأته الإبلُ، وكان ملطخاً بدم القربان نفرت الإبلُ وشردت، فذهبت كُلَّ مذهب، فأخذ صاحبها حَجَراً وهو غضبان، وضرب سعداً (الصنم)، وقال له: لا بارك الله فيك نفّرت عليَّ إبلي. ثم طلب إبله وجمعها بعد تفرقها، 9. ذو الخَلَصَةِ: بِتَبالة جنوب مكة ببلاد اليمن، وكانت تعبده دوس وخثعم وبَجيلة. وهذا الصنم بعث إليه رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، عندما نصر اللهُ دينه ورسوله والمؤمنين، فلله الحمد والمنة .
    10. إساف ونائلة: وهما صنمان كانا بالكعبة، ثم وضعا على الصفا والمروة كانت تعبدهما قُريش من جُملة أصنامها. ويُروى أنَّ أصلهما كان رجلاً وامرأة من جُرهم فَجَرَا في داخل الكعبة، فمسخهما الله –تعالى-، فالرجل يدعى إسافاً والمرأة تُدعى نائلة. ولما جاء الإسلام تحرّج أناس في السعي بين الصفا والمروة لمكان إسافٍ ونائلة منهما، فرفع الله –تعالى- ذلك الحرج بقوله -عز وجل- من سورة البقرة : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) سورة البقرة, أي لا حَرَجَ عليه في السعي بينهما.
    11. العُزَّى(1): وكانت بنخلة عن يمين الصاعد إلى العراق من مكة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سُليم خلفاء بني هاشم، وكانت تعبد وتقدّس تقديس البيت الحرام.
    12. اللاّت: وكانت بالطائف، وكانت ثقيف تعبدها، ومنهم سدنتها وحُجَّابُها .
    13. مناة: وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلّل قُرب قديد، وتعبدها قبيلتا الأوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل يثرب (المدينة)، ولما جاء الإسلام وانتصر التوحيد على الشرك بعث رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-أبا سفيان أو على بن أبي طالب-رضي الله عنهما-فهدمهما.
    14. فِلْس: بجبَلَيْ طي، وهما سَلْمَى وَأجَا من أرض طي شمال الحجاز قريباً من حائل المدينة المعروفة اليوم، كانت تعبده طي بأنواع من العبادات كالهدي إليه، والاستسقاء به، والائتمان بساحته، وبعث إليه النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- علي بن أبي طالب فهدمه، وكان شبه إنسان لاصق بحبل أجا.
    15. رئام: وهو بيت لحمير بصفاء من اليمن يعظمونه وينحرون عنده، وتكلمهم الشياطين عنده لفتنتهم.
    16. رُضاء: وهو بيت أيضاً لبني ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم. ولما جاء الإسلام هدمها المُستوغر(2) بن ربيعة، 17. ذو الكعبات: وهو بيت لبكر وتغلب ابني وائل وإياد، وكان بسنداد، وهي منازل لإياد أسفل أسوار الكوفة
    عمل العرب مع أصنامهم:
    أكثر ما يعمله العرب مع أصنامهم؛ أنَّ أحدهم إذا أراد السفر توجّه إلى صنمه فتمسح به ثم سافر، وإذا عاد من سفره أول ما يبدأ به يتمسح بصنمه ثم يدخل على أهله.
    نتائج وعبر:
    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نوجزها فيما يلي:
    1. بيان منشأ الشرك في العرب المستعربة، وهو نقلهم الحجارة من الحرم للتبرك بها والطواف، ولذا وجب سد هذه الذريعة فلا ينقل شيء للتبرك به حتى إن عمر-رضي الله عنه- قطع شجرة بيعة الرضوان مخافة أن تُعبد بمرور الزمان، اللهم إلا ما كان من آثار النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-كشعره أو ثوبه، أو سلاحه، ولم يبق من ذلك شيء لمرور الزمان الطويل.
    2. طاعة عمرو بن لُحي وتعظيمه والغلو فيه؛ هو الذي جرأه على نقل الأصنام لهم وأمرهم بعبادتها، ولذا وجب التحذير من الغلو في المشايخ، وعدم قبول قولهم وطاعة أمرهم إلا ببرهان من كتاب أو سنة يدل على ذلك ويأمر به.
    3. عبادة العرب لآلهة قوم نوح بعد مرور القرون الطويلة أَمْر عَجَبٌ، إلا أنه لا عجب مع خبث الشياطين ومكرهم ببني آدم لإغوائهم وإهلاكهم. إنهم كما زينوا لقوم نوح عبادتهم فعبدوهم زينوا كذلك للعرب عبادتهم فعبدوهم.
    4. بناء الأضرحة والقباب على قبور الأولياء والصالحين تركة موروثة عن الجاهلية قبل الإسلام زيّنتها الشياطين وحملت الجهال على بنائها ثم عبادتها بأنواع العبادات كالنذر لها والاستغاثة بها وتقديم الشاة والبقرة لها، وإيقاد الشموع عليها، وتجميرها إلى غير ذلك من الحلف بها وتعظيمها وشد الرحال إليها؛ إذ تقدم أن العزى ورئام ورضاء وذا الكعبات كانت بيوتاً تعبد، ولها سدنة وحجابٌ كما هي الحال للأضرحة في أكثر بلاد المسلمين.

    البدع الدينية في عهد الجاهلية:
    إنه وإن كان كلُّ ما عليه عرب الجاهلية من دين هو بدع ابتدعوها بعد غياب العلم والعلماء، إلاّ أن هناك أموراً ظاهرة في الابتداع زائدة على أصل الدين الوثنيّ الذي هم عليه، ومن ذلك ما يلي:
    1. البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ فالبحيرة الناقة تُشقُّ أُذنُها وتُترك فلا تُركب، ولا يُشرب لبنها إلا أن يسقوه ضيفاً من ضيوفهم، ولا شك أن لهذه البدعة سبباً ولا يبعد أن يكونوا فعلوه تقرباً لآلهتهم. كما أن السائبة وهي: الناقة تُسيَّب، أي تترك في نذر أو غيره لمجرد التقرّب، فلا يُركب ظهرها، ولا يُشرب لبنها، ولا يُؤكل لحمها. وأما الوصيلة: فالابتداع فيها ظاهر إذ هي: الشاة تُتئم بأن تلد عشر إناث في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، فيطلقون عليها الوصيلة، بمعنى الواصلة؛ إذ وصلت بين إناثها العشرة. ثم هي بعد ذلك إذا ولدت، فما تلده لذكورهم دون إناثهم إلا أن يولد ميتاً فإنهم يشركون فيه إناثهم فيأكلونه جميعاً. وهذا ما ذكره تعالى في قوله من سورة الأنعام: وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سورة الأنعام(139). هذه الوصيلة. وأما الحامي: فهو الجمل إذا بلغ حداً معيناً من النتاج يحمون ظهره فلا يُركب ولا يُحمل عليه، ويتركونه للضراب فقط، ولا شك أن هذا يفعلونه تعبداً وتقرباً للآلهة.
    2. بدعة الوقوف في الحج بمزدلفة دون عرفة، وهذه البدعة ابتدعها أشراف مكة، وهم الذين يعرفون بالحُمْس أما سائر العرب فإنهم يقفون بعرفات، ولا يسمح لهم أن يقفوا بمزدلفة.
    3. بدعة عدم الطواف في ثياب عُصِي فيها الله -عز وجل-، فلا يُحلّون لأحد من غير الحمس أن يطوف في ثوب قديم، فإن لم يجد من الحُمس ثوباً يطوف فيه طاف عُرياناً؛ حتى إن المرأة تطوف عارية وتضع شيئاً تستر به فرجها
    وفي إبطال هاتين البدعتين أنزل الله–تعالى- قوله: ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) سورة البقرة. وقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) سورة الأعراف.
    4. بدعة الاستقسام بالأزلام، وهي عبارة عن ثلاثة قداح كتب على أحدها أمرني ربّي، والثاني نهاني، والثالث تُترك غُفْلاً لا يكتب عليه شيء، فإذا أراد أحدهم أن يتزوج، أو يطلق، أو يسافر، أو يتاجر، يذهب إلى صاحب الأزلام (القداح) فيقدم له شيئاً من المال، ويجيل القداح في خريطة، فإذا خرج أمرني أمضى ما عزم عليه، وإذا خرج نهاني ربي توقف، وترك العمل الذي استقسم من أجله، وإن خرج القدح الغُفْل أعاد العمليّة بإجالة القدح مرّة أخرى، وقد حرم الله –تعالى- هذه البدعة، بقوله من سورة المائدة: وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ (3) سورة المائدة. وسُمّي هذا العمل استقساماً؛ لأنهم يطلبون به معرفة ما قسم لهم.
    5. بدعة النسيء، وهي تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر من أجل استحلال القتال في الشهر الحرام، وأصحاب هذه البدعة يقال لهم: النَّساة، ويفاخرون بهذه البدعة
    ولما جاء الإسلام حرم هذه البدعة فقال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(37) سورة التوبة(37).
    نتائج وعبر:
    إن لهذه المقطوعة في السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها فيما يأتي:
    1. إذا غاب نور العلم بموت العلماء نجمت البدع، واستبدل الناس الهدى بالضلال.
    2. ضعف الإنسان الفطري هو الذي يحمله على طلب ما يجلب له النفع ويدفع عنه الضُّر، فإن اهتدى إلى الطريق الصحيح الذي يحصل به على ما يرغب وينجو به مما يرهب فذاك، و إلا سلك مسالك الغواية والضلال من الظلم والشرك والابتداع.
    3. مع طول العهد من فقد العدنانيين للعلم الصحيح بالله–تعالى-ودينه، فقد بقيت لهم بقايا صالحة كالحج والعمرة، وتعظيم البيت واحترام الحرم والأشهر الحرم، والتقرب إلى الله–تعالى-بالهدي وإطعام الحاج، وسقايته، ودفع الظلم عنه. كانت هذه نتائج، وأما العبر فهي:
    1. إن المسلمين الذين فقدوا العلم الصحيح في ديارهم ابتدعوا بدعاً شبيهةً ببدع أهل الجاهلية، فقد نذروا لأصحاب الأضرحة والقباب وساقوا لهم الشاة والعجل، وحلفوا بأسمائهم وكسوا توابيتهم(4) بأفخر أنواع الكسوة.
    2. بدعة خط الرّمل للتعرف على المغيبات عند جُهّال المسلمين كبدعة الاستقسام بالأزلام عند أهل الجاهلية المشركين.
    3. احتيال بعض المشايخ على تحليل بعض المحرمات لمنافع خاصة لهم أو لغيرهم، هو مسلك النسأة في تأخير الشهر الحرام لاستحلاله، وهكذا فكلُ فُتيا يُراد بها استحلال ما حرَّم الله بالتأويلات البعيدة فهي إتباع لأهل الجاهلية، واستنان بسنتهم الجاهلية - والعياذ بالله تعالى-.

    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الوضع الاجتماعي للعرب قبل البعثة النبوية (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:24


    الوضع الاجتماعي للعرب قبل البعثة النبوية

    مجتمع تفكّكت أوصاله،وانحلَّت أواصره، وتحطّمت جدرانه، هو مجتمع لم يبق له من صفة المجتمعات إلا الاسمفحسب. هكذا كان الحال في مجتمع العرب الجاهلي حين أصابته الأدواء الاجتماعية، فلمتتركه إلا وقد أصبح حطامـًا، انتشر فيهم الزنا وفشا فيهم، حتى ما كانوا يستترونمنه، إنما يعلقون على دوره الأعلام ويغشونها، وكانوا يئدون بناتهم خشية العار، ويقتلون أبناءهم خشية الفقر، يعاقرون الخمر، ويحتفون بها، حتى شغلت كثيرًا منأشعارهم، ويتبارون في مجالسهم الميسر، حتى يعدون عدم المشاركة فيها عارًا، وانحدرتأوضاع المرأة عندهم إلى قاع سحيق، وشاع فيهم الرق كقانون من قوانين الحياة، وأصاببنيانهم التفكك الاجتماعي حتى تناثرت أشلاؤه، ثم أنت إذا عدوت تفتش عن مؤسساتهمالاجتماعية، في التعليم، والقضاء، والطب، وغيرها، لم تجد شيئًا يذكر، أو وجدت هياكلعلى عروشها، إذا ولجت فيها لم تظفر إلا بالخواء.
    المرأة :
    باستثناء بعض أوساطالأشراف الذين احتفظوا للمرأة بمكانتها بينهم، لم يكن للمرأة في أرض العرب حق يعترفبه، أو قوة تستند إليها. إذا ولدت سبق النور إلى بصرها وجه أبيها وقد علاه الحزن،وكساه الهم العميق، وقد يقضى عليها دون ذنب أو جريرة ألا تستمر في الحياة أكثر مندقائق أو ساعات توأد بعدها، ويهال على وجهها البريء التراب، فإن فرت من خطر الوأدلم يبق لها إلا حياة هي أقرب للموت منها للحياة، فكانت التي لم توأد مرة تمتد بهاالحياة لتوأد في كل يوم ألف مرة !! إن أراد وليها أن ينكحها فلا رأى لها أو نظر،وإن أراد زوجها أن يعلقها فيطلقها ثم يعيدها ثم يطلقها فيعيدها دون نهاية لذلكالوضع المهين، لم يبق لها إلا أن تستسلم وتنتظر، ثم إذا مات عنها زوجها ورثها معمتاعه ابنه أو أخوه، أو حبسها أهله لتكون في خدمتهم وطاعتهم، فإن أرادت أن تتاجروتشارك الرجال أسواقهم، طفف معها في المكيال، وأصابها الظلم غير مستتر!، ثم هي معهذا كله لا يحق لها طعام الرجال وشرابهم، إنما يتركون لها ما خلفته الموائد، وعافهالنظر، فكأن المرأة في هذه الأرض ليست إلا وسيلة متعة لرجال ليس لها عندهم إلاالظلم والقسوة والبطر.
    الرِّق :
    قبل بزوغ شمس الحق-رسالة محمد-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- على الدنيا كان الرق واقعًا يسري بين الناس دوندهشة أو إنكار، في الدولة الرومانية وغيرها، بين اليهود الذين نظموا أساليب الاسترقاق وفقًا لتعاليم التوراة بزعمهم الباطل، وبين النصارى الذين يطالعون رسالة "بولس" إلى أهل أفسس فيقرؤون فيها: أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة!! في بساطة قلوبكم للمسيح، ولا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح،وهكذا كان شأن العرب، يسترقون الأحرار بحد السيوف في المعارك، أو بالخطب والحيلة والغدر في أحوال أخرى. ما كان أحد يتحدث عن الرقيق إلا باعتبارهم متاعًا يحق لسيدهفيه التصرف كما يحلو له، حتى إن أراد أن يزهق روحه لم يلمه في ذلك لائم، أو يعتبعليه عاقل، تكره الإماء على ممارسة البغاء؛ ليحصل سادتها الأجور، ويساق العبيد إلىالعمل الشاق كما تساق البهائم والشاء، والأعجب من هذا كله ألا يسمع بين الرقيق صوتلمعارض أو ممانع!! كيف وهم يعلمون أنها قوانين الحياةوطبيعتها!.
    التفكُّك الاجتماعي :
    لئن كانت صحراءالجزيرة العربية قد باعدت بين قبائل العرب وبطونها، فإن نظام العرب الاجتماعي كانأشد فرقة، وأكثر تشتتًا. لم يكن العربي يعرف سوى قبيلته، وما كانت تحركه سوى عصبيتهالشديدة لها، يسالم من سالمت، ويحارب من حاربت، شعاره في ذلك المثل العربي القائل: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. هان دم العربي على العربي، ودفعتهم طبيعتهم البدويةلحروب ضروس، ومعارك شرسة، امتد بعضها عقودًا عدة، وما حركها وأشعل نارها سوىالأسباب التافهة، والعقول السمجة، ألوفًا من الأرواح أزهقتها حرب داحس والغبراء،وما أشعلها سوى رهان بين فرسين، وأربعون عامـًا من القتال بين بكر وتغلب، وما بدأهاسوى قتل كليب لناقة البسوس. وما اكتفوا بتفرقهم القبلي فحسب، بل قسمهم ترفع بعضالبيوت على بعض، حتى كان التفاوت الطبقي من مسلمات المجتمع العربي، والعجيب أن يقننذلك في شعائر الحج، فيسبق ناس آخرين في الإفاضة والإجازة، ولا يشاركونهم الوقوفبعرفة لعلو منزلتهم، وسمو شرفهم بزعمهم الأحمق!.
    كانت في العرب أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت علاقةالرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم، وكان لها من حريةالإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر، وكانت محترمة مصونة تُسَلُّ دونها السيوف، وتراقالدماء، وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرموالشجاعة لم يكن يخاطب في معظم أوقاته إلا المرأة، وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعتالقبائل للسلام، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال، ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة وصاحب الكلمة فيها، وكان ارتباط الرجل بالمرأةبعقد الزواج تحت إشراف أوليائها، ولم يكن من حقها أن تفتات عليهم‏.‏بينما هذه حال الأشراف، كان هناك في الأوساط الأخرى أنواع منالاختلاط بين الرجل والمرأة، لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاحوالفاحشة‏.‏ روى البخاري وغيره عن عائشة-رضي الله عنه.‏إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء‏:‏ فنكاح منها نكاحالناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر‏:‏كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها‏:‏ أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه،ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه،فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الـولد،فكان هـذا النكاح ‏يسمى‏‏ نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر‏:‏ يجتمع الرهط دون العشرة،فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت ومر‏‏ت‏‏ ليال بعد أن تضعحملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، ‏فتقوللهم‏:‏ قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، ‏‏فتسمي منأحبت ‏‏منهم‏ باسمه، فيلحق به ولدها‏.‏ لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، ونكاحرابع‏:‏يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كنينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعتحملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته به، ودعى ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث ‏الله‏‏ محمدًا-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-بالحق هدمنكاح ‏‏أهل‏ الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم‏. وكانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف، وأسنةالرماح، فكان المتغلب في حروب القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الأولادالذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة حياتهم‏.‏وكان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات منغير حد معروف ينتهي إليه، حتى حددها القرآن في أربع‏.‏ وكانوا يجمعون بين الأختين،وكانوا يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها حتى نهى عنهما القرآن { ‏‏وَلاَ تَنكِحُواْ مَانَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةًوَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْوَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُالأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَالرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُممِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمبِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْأَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّاللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}سورة النساء‏:‏ 22، 23‏ وكان الطلاق والرجعة بيد الرجال، ولم يكن لهما حد معين حتى حددهما الإسلام‏.‏وكانت فاحشة الزنا سائدة في جميع الأوساط، لا نستطيع أن نخص منهاوسطًا دون وسط، أو صنفًا دون صنف إلا أفرادًا من الرجال والنساء ممن كان تعاظمنفوسهم يأبى الوقوع في هذه الرذيلة، وكانت الحرائر أحسن حالًا من الإماء، والطامةالكبرى هي الإماء، ويبدو أن الأغلبية الساحقة من أهل الجاهلية لم تكن تحس بعار فيالانتساب إلى هذه الفاحشة، روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قامرجل فقال‏:‏ يا رسول الله، إن فلانًا ابني عاهر بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- :‏ ‏(‏لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراشوللعاهر الحَجَر‏)‏الدراية في تخريج أحاديث الهداية(2/73) أما قوله الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقد رواه مسلم ، والبخاري،والترمذي، وابن حبان، وغيرهم. وقصة اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَة في ابن أمة زمعة ـ وهو عبد الرحمن بن زمعة ـ معروفة‏.‏وكانت علاقة الرجل مع أولاده على أنواع شتى


    ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق، ويقتل الأولاد خشيةالفقر والإملاق‏: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّتُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْأَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْالْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِيحَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْتَعْقِلُونَ‏ }‏ ‏الأنعام‏:‏ 151‏‏. ولكن لا يمكن لنا أن نعد هذا منالأخلاق المنتشرة السائدة، فقد كانوا أشد الناس احتياجًا إلى البنين ليتقوا بهمالعدو‏.
    أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية،فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ويموتون لها، وكانت روح الاجتماع سائدة بينالقبيلة الواحدة تزيدها العصبية، وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسيةوالرحم، وكانوا يسيرون على المثل السائر‏:‏ ‏(‏انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا‏)‏ علىالمعنى الحقيقي من غير التعديل الذي جاء به الإسلام؛ من أن نصر الظالم كفه عن ظلمه،إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيرًا ما كان يفضي إلى الحروب بين القبائل التيكان يجمعها أب واحد، كما نرى ذلك بين الأوس والخزرج، وعَبْس وذُبْيان، وبَكْروتَغْلِب وغيرها‏.‏
    أما العلاقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تمامًا،وكانت قواهم متفانية في الحروب، إلا أن الرهبة والوجل من بعض التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها‏.‏ وأحيانًا كانت الموالاة والحلف والتبعية تفضي إلى اجتماع القبائل المتغايرة‏.‏ وكانت الأشهر الحرمرحمة وعونًا لهم على حياتهم وحصول معايشهم‏.‏ فقد كانوا يأمنون فيها تمام الأمن؛لشدة التزامهم بحرمتها، يقول أبو رجاء العُطاردي‏:‏ "إذا دخل شهر رجب قلنا‏:‏مُنَصِّلُ الأسِنَّة؛ فلا ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناه،وألقيناه شهر رجب‏.‏ وكذلك في بقية الأشهر الحرم‏.‏
    وقصارى الكلام أن الحالة الاجتماعية كانت في الحضيض من الضعفوالعماية، فالجهل ضارب أطنابه، والخرافات لها جولة وصولة، والناس يعيشون كالأنعام،والمرأة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحياناً، والعلاقة بين الأمة واهية مبتوتة،وما كان من الحكومات فجُلُّ همتها ملء الخزائن من رعيتها أو جر الحروب علىمناوئيها‏.‏
    يظهر من هذا العرض أن عادات العرب الاجتماعية كان فيها السيئ الرديء, وفيها الجيد المفيد.


    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    محاضرات تاريخ الجزائر الحديث (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:26

    محاضرات تاريخ الجزائر الحديث

    محاضرات تاريخ الجزائر الحديث , السنة الثانية تاريخ

    برنامج مقياس : تاريخ الجزائر الحديث
    1 – الفتح العثماني للجزائر ( أبعاده و خلفياته )
    2 – إلحاق الجزائر بالدولة العثمانية
    3 – فترة حكم البيلربايات ( 1518 – 1587 م )
    4 – خصائص عهد البيلربايات ( إداريا ، عمرانيا ، اقتصاديا ) .
    5 – عهد الباشاوات ( 1587 – 1659 م )
    6 – خصائص عهد الباشاوات ( إداريا ، اجتماعيا )
    7 – عهد الآغاوات ( 1659 – 1671 م )
    8 – خصائص و مميزات عهد الآغاوات
    9 – عهد الدايات ( 1671 – 1830 م )
    10 – خصائصه و مميزاته
    11 – استقلال الجزائر عن الدولة العثمانية و علاقاتها بجيرانها .
    12 – مواجهة الوجود الاسباني في وهران
    13 – مكانة الجزائر الدولية
    14 – الحملات الأوربية على الجزائر ( حملة أوريلي ، جون أنطونيو ، حملة اللورد اسكموث )
    15 – العلاقات الجزائرية الفرنسية ( الأزمة الجزائرية الفرنسية )
    16 – مشكلة الديون و دور اليهود فيها
    17 – الحملة الفرنسية على الجزائر ( تحضيرها ، سيرها )
    18 – المواقف الدولية من الاحتلال الفرنسي للجزائر .

    قائمة المصادر بالعربية :
    1 – المرآة ( حمدان بن عثمان خوجة ) .
    2 – تاريخ الدولة العثمانية العلية ( حليم إبراهيم بك )
    3 –مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار ، نقيب أشراف الجزائر ، تحقيق أحمد توفيق المدني
    4 – مذكرات قنصل أمريكا في الجزائر ( وليام شال ) ، ترجمة إسماعيل العربي .
    5 – الجزائر و أوربا ( جون وولف ) تعريب أبو القاسم سعد الله
    قائمة المراجع العربية :
    1 – دراسات و أبحاث في تاريخ الجزائر ، ناصر الدين سعيدوني
    2 – محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث ، أبو القاسم سعد الله
    3 – تاريخ الجزائر الثقافي ، أبو القاسم سعد الله .
    4 – الجزائر في التاريخ ( العهد العثماني ) ، مهدي بوعبدلي و ناصر الدين سعيدوني
    5 – وهران عبر التاريخ ، يحي بوعزيز .
    6 – المراسلات الجزائرية الأسبانية في أرشيف مدريد ، بوعزيز
    7 – علاقات الجزائر الخارجية مع دول و مماليك أوربا ( 1500 – 1870 م ) ، يحي بوعزيز .
    8 – العالم العربي الحديث و المعاصر ، جلال يحي .
    9 – المغرب عبر التاريخ ، إبراهيم حركات .
    10 – الأتراك العثمانيون في شمال إفريقيا ، عزيز سامح تير
    11 – دراسات في المقاومة و الاستعمار ، جمال قنان .
    12 – العلاقات الفرنسية الجزائرية ، جمال قنان
    قائمة المصادر الأجنبية :
    1 – Alger au 18em siècle , venture de paradis
    2 – Histoire des dernier Bey de Constantine
    3 – Histoire D'Alger sous la domination turc , degramond
    4 – Histoire de la conquête d'Alger , Alfred netman
    5 – La mideteranee et le monde mideterannien , Fernand brodele
    6 – Les captifs algériens et l'Europe chrétien , Moulay belahmissi
    الفتح العثماني للجزائر
    الغزو الاسباني لسواحل الجزائر :
    كان لضعف دولة بني زيان تأثير سيئ على الوضع العام في الجزائر حيث انقسمت هذه الدولة إلى دويلات و إمارات متقاتلة فيما بينها منها :
    - الإمارة الحفصية في قسنطينة
    - إمارة جبل كوكو في بلاد القبائل
    - إمارة بني جلاب بتقرت و وادي ريغ
    - إمارة الثعالبة بجزائر بني مزغنة و متيجة
    - إمارة دواودة بالحضنة و منطقة الزاب .. إلخ
    - هذا التفكك دفع الأسبان و شجعهم على القيام بغزو الموانيء و السواحل الساحلية للجزائر حيث مهد للأسبان لذلك بحركة جوسسة واسعة ، إذ كلف الكاردينال كازيميناس شخصا يسمى ( لوراندو باديا ) بمهمة التجسس في مملكة تلمسان الزيانية و ذهب متنكرا في زي تاجر مسلم بصحبة التاجر البندقي ( جيرونيمو فينال ) و بقيا قرابة السنة في جمع المعلومات و رسم خريطة تضم المدن الجزائرية و أهم الموانيء ، و بعد إنجاز هذه المهمة قدما هذه الوثائق للملك الاسباني و كافأهم مكافأة كبيرة
    - انطلاقا من هذه الوثائق و المعلومات المهمة جهّز الملك الاسباني فرديناند حملة عسكرية اسند قيادتها إلى(دون دييغو فرنانديز ) و ذلك في سبتمبر عام 1505 م .
    ُكلفت هذه الحملة بالهجوم على المرسى الكبير الذي كان يستقر به عدد كبير من مسلمي الأندلس المطرودين ، فهجم ( دون دييغو ) في 09 سبتمبر 1505 م على المرسى الكبير و ارتكب الأسبان مجازر دامية ضد المسلمين و أبلى سكانها مقاومة كبيرة و استمرت المعارك أياما إلى غاية سقوطها في أيدي الأسبان .
    - كرر الأسبان محاولة ثانية فجهّزوا حملة جديدة خرجت من قرطاجنة بإسبانيا يوم 16 ماي 1509 بقيادة الكاردينال كازيميناس ، و وصلت هذه الحملة إلى وهران يوم 19 ماي 1509 و فرضت حصار على سواحل المدينة و نتيجة خيانة بعض الضعفاء و بعض اليهود سقط المرسى الكبير في أيدي الأسبان و أصبحت حدود وهران و المرسى الكبير تحت الهيمنة الاسبانية ، بعد هذا النجاح عيّن الأسبان أحد القراصنة المسمى ( بيدروا نافاروا ) حاكما عاما على المرسى الكبير و مملكة بني زيان بتلمسان التي استسلمت لاحقا .
    - لم يكتفي الأسبان بالمرسى الكبير و بتلمسان بل أخذوا يتحرشون بمدن أخرى مثل مدينة بجاية التي كانت خاضعة لأمير حفصي تابع لإمارة قسنطينة الحفصية يسمى عبد الرحمان الحفصي و الذي كان ينافسه أخوه عبد الله في الحكم .
    فشنّ الأسبان حملة كبيرة يوم 05 جانفي 1510 م و احتلوها بعد أن فتكوا بأهلها و دروا الكثير من الآثار و المعالم الإسلامية ، و لم تتوقف حملاتهم عند هذا الحد فاتجهوا شرقا و احتلوا مدينة عنابة و القالة في 1510م و توجه الأسبان نحو السواحل التونسية لإسقاط بعض مدنها ، لكن السلطان الحفصي قدم للأسبان ضرائب و أتاوات عنوانا للخضوع و الاستسلام .
    - بعد هذه الحملات المتتابعة من وهران و المرسى الكبير و بجاية و عنابه و القالة و خضوع أغلبها للهيمنة الاسبانية توجس سكان مدينة الجزائر من الخطر القادم و خافوا من مهاجمة الأسبان لمدينتهم بين حين و آخر فوجّه سكان مدينة الجزائر وفدا من الأعيان إلى بيدروا نافاروا الذي تعهد ( الوفد ) بإطلاق سراح الأسرى و دفع ضريبة مالية للحامية الاسبانية الموجودة ببجاية ، مقابل ألا يتعرض الأسبان لمدينة الجزائر ، بل أكثر من ذلك توجه وفد من الجزائر إلى مدريد عام 1511 م و تنازل عن الجزر الساحلية الشرقية المقابلة لمدينة الجزائر ليقيموا عليها حصونهم و مراكزهم ، أسس الأسبان بإحدى الجزائر حصنا كبيرا يسمى صخرة الجزائر ، كل ذلك التنازل مقابل ألا يتعرض الأسبان بهجوماتهم لمدينة الجزائر .
    - أمام تنامي خطر القوة الاسبانية على السواحل الجزائرية أرادت بعض المدن الجزائرية أن تشتري السلم و الأمان من الأسطول الأسباني حيث قدّم سكان مستغانم و تنس فروض الطاعة و الولاء للأسبان بوهران .
    أمام هذا الوضع أصبحت أهم المدن الساحلية الجزائرية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب تحت هيمنة الأسبان .
    بروز الإخوة بربروس :
    ينتمي الأتراك إلى القبائل الأولى التركمانية التي اتخذت من الغزو أسلوبا لها ، تعتبر أواسط آسيا هي موطنهم الأصلي ( أذربيجان ) ، اتجهوا غربا إلى شبه جزيرة آسيا الصغرى ( الأناضول ) ، استقروا بها و كونوا نواة دولـتـهم بـها في نهاية القرن 13 م ( 1288 م ) على حساب أراضي الدولة البيزنطية ، و من هناك عبروا بحر مرمرة و مضيق البوسفور و الدردنيل ، رمى الأتراك بكل ثقلهم في شرق أوربا و أطاحوا بعاصمة الدولة البيزنطية و سقطت على أيديهم القسطنطينية عام 1453 م في عهد السلطان محمد الثاني ( الفاتح ) ، و اتخذها العثمانيون عاصمة لهم ، ثم أخذوا يوسعون حدود دولتهم في كل الاتجاهات .

    امتلك العثمانيون أساطيل بحرية تجوب مختلف البحار و امتاز البحارة الأتراك بالشجاعة و القوة و كان من بين هؤلاء البحارة الذين جابوا عرض البحر المتوسط الإخوة بربروس ( عروج و خير الدين – خسرف - و إسحاق ) ، كان أبوهم يدعى يعقوب بن يوسف الفخارجي امتهن التجارة على سواحل اليونان و زيادة على أبنائه الثلاث كان له ولد يسمى محمد إلياس .
    - ولد أشهر الإخوة بربروس (عروج ) حوالي 1473 م بجزيرة مادلي و خير الدين في العام الموالي ، كانا يبيعان الفخار لأبيهم في سواحل تونس و الجزائر ، و في إحدى المرات وقع عروج أسيرا و بيع عبدا بجزيرة رودس ، و في أثناء توجهه إلى مصر كمجدف في سفينة تحمل أسرى مسلمين و جرى إفتدائهم بالمال ، بعد ذلك فرّ عروج من ذلك المركب و تعرّف على شخص يدعى علي بوراس في الاسكندرية ، اشتغل معه في بيع و نقل الأخشاب بواسطة السفن ينقلونها من ميناء إلى آخر ، و في إحدى المرات اعترض طريقهم قراصنة جنويون و أحرقوا سفينتهم و لم يبقى له سوى العودة إلى الأناضول و تحديدا ( أداليا ) ، تعرّف هناك بالأمير قرقود شقيق سلطان الدولة العثمانية السلطان سليم الأول فأكرمه و جهّز له سفينة للجهاد في البحر الأبيض المتوسط ضد القراصنة المسيحيين الذين كانوا يعترضون كل السفن بما فيها سفن الحجيج ، ساقته الظروف إلى جزيرة جربة جنوب تونس عام 1504 م ، لحق به أخواه خير الدين و إسحاق و أصبحت لهم مجموعة من السفن و بنوا العديد من المستودعات هناك ، اتفق الجميع مع الأمير الحفصي ( أبي عبد الله محمد علي ) بأن يجعل جربة مركزا لأسطولهم و يفتح أمامهم الموانئ التونسية عند الضرورة مقابل الخُمس ( 1/5 ) من غنائم البحر ، فأخذوا يجاهدون ضد القراصنة المسيحيين ابتداء من 1506 و خاصة البرتغال و الأسبان . و لما كانت جزيرة جربة بعيدة عن ميدان الجهاد في غرب المتوسط نتيجة كثرة هجمات الأسبان طلبوا من الأمير تغيير مركزهم نحو شمال تونس إلى حلق الواد .
    - ابتداء من عام 1512 م سطع نجم الإخوة الأتراك و أصبح الناس يسمعون عن انتصاراتهم على الأسبان و في شواطئ الأندلس .
    - كما اتصل بهم علماء و أعيان بجاية و حتى أمير قسنطينة أبو بكر الحفصي و استصرخوهم للنجدة و طرد الأسبان من بجاية و سواحلها ، فلبى الإخوة بربروس رغبتهم ، و اتجهوا نحو بجاية ، لكنهم فشلوا في حملتهم هذه بسبب تحصينات الأسبان ، و أثناء هذا الهجوم جُرح عروج و استعصى جرحه مما أضطر القائمين عليه بقطع ذراعه .
    - أَثََـر هذا الانهزام على عروج و أدرك أيضا أن تمركزه في شواطئ تونس ( حلق الواد ) كان بعيدا عن ساحة المعركة لذلك قرر مساعدوه ضرورة البحث عن موقع آخر يساعدهم في إدارة المعارك على أن يكون هذا الموقع المختار في السواحل الجزائرية و قريبا من مدينة بجاية التي أحكم الأسبان قبضتهم عليها ، و كان من بين المواقع المقترحة منطقة جيجل ، كأحسن موقع قريب من بجاية و ذلك بسبب صعوبة التضاريس و التحصينات الطبيعية ، و معرفة بعض الأتراك بهذه المدينة .
    - و في هذه الأثناء كانت مدينة جيجل تحت سيطرة قراصنة جنويين ، و لما علم أهالي مدينة جيجل بالأخوة بربروس و مكانتهم بعثوا لهم بريدا يحمل في محتواه الاستنجاد لطرد القراصنة من مدينة جيجل فلبى عروج و خير الدين طلب أهالي جيجل و قدما على رأس قوة بحرية تجاوزت 500 بحار و نجحوا في طرد قراصنة جنوة سنة 1514 و أصبحت بذلك جيجل تحت نفوذ عروج و خير الدين ، و أمام هذا الانتصار تحققت رغبة عروج في الاقتراب من شواطئ الجزائر و تم بذلك نقل مركز قيادتهم العسكرية من حلق الواد بسواحل تونس إلى جيجل على السواحل الجزائرية و أصبحت بذلك بجاية المستعصية على مرمى حجر من قواتهم .

    استرجاع بجاية :
    بعدما استقر عروج و خير الدين في مدينة جيجل و أسسا بها قاعدة بحرية كانت لا تزال مظاهر الاضطهاد تنقل عبر الأخبار و الروايات و كانت القشتالة ( سكان شبه جزيرة أيبيريا ) يلاحقون في عرض البحر المتوسط الأسر الفارّة من الأندلس نتيجة محاكم التفتيش الني نصبت هناك ، لذلك عمل الإخوة بربروس على مساعدة الموريسكيين و نقل أسرهم و عتادهم من شواطئ إسبانيا نحو شواطئ شمال إفريقيا ( المغرب ، الجزائر ، تونس ، طرابلس الغرب ) ، و لم يكتفي الإخوة بربروس بهذه الأعمال بل هاجموا جزر غرب البحر المتوسط ( جزر البليار ) ، و تم أسر أكثر من ستة آلاف أسير إسباني انتقاما من بطش الأسبان بالأندلسيين .
    - نظرا لسلوك و أخلاق و نجاحات عروج ، فقد بايعه سكان مدينة جيجل أميرا عليهم و طلب منه شيوخ القبائل و أمير إمارة جبل كوكو بزعامة أحمد بن القاضي ، و أصبح بذلك عروج يتمتع بسلطة كبيرة و تأييد من سكان و أعيان مدينة جيجل و ضواحيها .
    - جهّز عروج حملة عسكرية لاسترجاع بجاية و حاصرها قرابة ثلاثة أشهر و كان ذلك دون فائدة و ذلك في نهاية 1514 م ، و اضطر إلى رفع الحصار لكنه أعاد محاولة جديدة مطلع عام 1515م بواسطة قوة كبيرة ، لكن قلة الذخيرة و نفاذ المخزون الموجود و امتناع الأمير الحفصي بتونس عن تزويده بالذخيرة جعله يتراجع بعدما أسر 300 اسباني .
    - لكن إرادة عروج لم تتوقف عند هذا الحد فبعث بأحد مساعديه إلى الباب العالي إمداد بالسلاح و الذخيرة فبعث له من هناك بحوالي 14 سفينة و أكثر من 100 مجدف من المهرة و كمية كبيرة من الأسلحة و الذخيرة و كان ذلك جراء الهدية التي قدمها عروج إلى الباب العالي بعد فتح جيجل .
    الانتقال إلى الجزائر :
    تحوّل الحصن الذي أنشأه الأسبان قبالة مدينة الجزائر في 1510 م إلى وكر و مكان للجوسسة و التخريب ، حيث اتخذه الأسبان مركزا لعملياتهم العسكرية لسلب أموال الجزائريين ، و نتيجة هذه الأوضاع المزرية ذهب جمع من سكان مدينة الجزائر إلى مدينة جيجل عام 1516م و شكا هذا الوفد أوضاعه لعروج و بطش الأسبان بسكان مدينة الجزائر فأخذ عروج مطلبهم هذا محمل الجد ، لذلك قرر عروج نجدة سكان مدينة الجزائر ، و قدم هذا الوفد راجعا إلى الجزائر في انتظار تلبية مطالبهم .
    جهّز عروج قوة عسكرية و قاد أخوه خير الدين حملة ثانية في نفس الاتجاه و التقيا على مشارف مدينة الجزائر و استقبلهما سكان مدينة الجزائر استقبالا كبيرا و شرعا في الحال في قذف الحصن الاسباني بمدافعهما . في تلك الأثناء اتجه عروج إلى شرشال التي كان يحكمها شخص تركي اسمه قارة حسن فقضى عليه و سيطر على المدينة و عاد إلى الجزائر و هناك بايعه السكان أميرا للجهاد .
    - بعد مبايعة عروج أميرا للجهاد ، أثار ذلك حفيظة و حقد أعيان و وُجهاء مدينة الجزائر ، و لعل أبرز هؤلاء سالم التومي الذي رأى في تلك المبايعة تراجعا لمكانته و نفوذه و مركزه في مدينة الجزائر ، بل و حتى أتباعه رأوا في ذلك توقيفا لمصالحهم و امتيازاتهم لأن السلطة كانت بأيديهم فحاولوا التآمر ضده و أشاعوا في أوساط الناس أن عروج و إخوانه غرباء و دخلاء و لا يحق لهم أن يحكموا السكان .. لم تجد تلك الدعوى التي أطلقها سالم التومي آذانا صاغية لدى سكان الجزائر ، بل زادوا تمسكا بعروج نظير نجاحاته لذا فكر في حبك مؤامرة ضده و هي محاولة تسميمه ، ففي إحدى المرات قدّم زوج ابنة سالم التومي طعاما لعروج و مجموعة من أتباعه ، و وضعوا له في طعامه سم ( صمغ ) الخشب ( كان يستعمل آنذاك في صناعة السفن و يجلب من مدينة صقلية ) ، لكن عروج تفطن للمؤامرة و قبض على سالم التومي و صهره و اغتاله عروج في منزله ، و في رواية أخرى وسط الحمام .
    بعد قضاء عروج على هذه المؤامرة سارع في نسج علاقات اجتماعية في أوساط الجزائريين ، و جمّع أهالي الجزائر في ساحة التوت و خطب وسط تلك الجموع بأنه لا يرغب في أن يكون حاكما جائرا أو ظالما لكل فئات الجزائريين ، و أنه تنازل عن القيادة لصالح من تراه تلك الجموع أهلا لها ، فتعالت الأصوات في تلك الساحة تدعوه للبقاء أميرا للجهاد بديار الجزائر .
    اعتبر الأسبان وجود عروج و خير الدين في الجزائر خطرا يهدد وجودهم و مصالحهم ، ليس في الجزائر وحدها بل في شمال إفريقيا لذلك عزم الأسبان على مقاومتهم و طردهم فتحالف الأسبان مع أمير تنس و استمالوا إليهم أتباع سالم التومي المغتال و بعض زعماء القبائل المجاورة ، و وجهوا حملة كبيرة انطلاقا من وهران بقيادة ( دييغو دوفيرا ) ، و صلت الحملة إلى الجزائر أواخر سبتمبر 1916 و نزلت قرب باب الواد ، فتركهم عروج ينزلون في البر و شرع في مناوشتهم لاستنزاف قواتهم ، و اغتنم فرصة تقهقرهم و هبوب رياح قوية ، فزحف بجيشه عليهم و أغرق سفنهم و قتل و اسر الكثير منهم ، فكانت هزيمة كارثية بالنسبة للأسبان ، و إثر ذلك خرج الناس فرحين مبتهجين من ديارهم و ذبحوا الولائم ابتهاجا بعروج و جنوده .


    هذا الانتصار على الأسبان دفع سكان المدن المجاورة كالبليدة و المدية و دلس و مليانة و جزء من بلاد القبائل إلى مبايعة عروج أميرا عليهم ، و كانت هذه الحملة الناجحة هي التي فتحت أبواب النجاح لعروج و بداية توسع نفوذه في الجزائر .
    و لما كان موقف أمير تنس متعاونا مع الأسبان قرر عروج الانتقام منه و ذهب على رأس قوة كبيرة و اقتحم المدينة في جوان 1517 و قتله و اسر أسرته و طرد الأسبان من تنس ، كما أقدم في هذه الأثناء على تقسيم مملكته الجديدة إلى قسمين : قسم شرقي مركزه دلس يشرف عليه أخوه خير الدين ، و قسم غربي مركزه الجزائر يحكمه بنفسه .
    أُعتبر هذا التقسيم بدايات التنظيم الإداري في الجزائر ، لأنه قسم مناطق النفوذ إلى منطقتين ، و كل منطقة لها حاكمها ، و هذا قصد تسهيل التدخلات العسكرية و حماية الحدود ، و وضع المناطق غير الآمنة تحت حراسة الجنود العثمانيين .
    تلمسان تستنجد :
    بينما كان عروج في مدينة تنس ينظم شؤونها ، قدم إليه وفد من تلمسان يشكوا إليه أوضاعهم المزرية ، و تهديد الأسبان لهم ، بسبب ضعف أمراء بني زيان نظرا لصراعهم على السلطة. في هذه الظروف قام أبو أحمد الثالث بالاستيلاء على العرش بتلمسان بالقوة ، و طرد ابن أخيه أبا زيان الثالث و وضعه في السجن ، و نتيجة هذا الوضع استنجد و طلب التعاون مع الأسبان
    لبّى عروج رغبة الوفد و استخلف أخاه عروج على الجزائر و اتجه إلى تلمسان و في طريقه مر على قلعة بني راشد ( قرب معسكر ) فوضع بها حامية تركية كبيرة بقيادة أخيه إسحاق من أجل حماية مؤخرة الجيش و واصل زحفه إلى تلمسان و استطاع بسهولة التغلب على أبو أحمد الثالث المتآمر مع الأسبان و دخل عروج تلمسان و أطلق سراح أبا زيان الثالث و أجلسه على عرشه من جديد ، لكن هذا السلطان خاف من هيمنة عروج و حاول أن يغتاله ، مما أدى بعروج إلى إلقاء القبض عليه و اغتياله .
    أما أبو أحمد الثالث فقد فر إلى وهران لطلب النجدة من الأسبان ، و تعاون الأسبان معه و شنوا حملة كبيرة على قلعة بني راشد و احتلوها و قتلوا صاحبها ( إسحاق في جانفي 1518 ) ، و واصل الأسبان سيرهم نحو تلمسان و فرضوا عليها حصارا كبيرا مما أضطر عروج أن يعتصم بقلعة المشور ثم غادرها ليلا لكن الأسبان تفطنوا لخروجه و تبعوا مسيرته ليلا و اغتالوه في منطقة سهلية بين المالح و زاوية سيدي موسى ، و أخذوا رأسه إلى اسبانيا ( مدريد ) ، و جندت لهذا الغرض فرق جابت معظم المدن الاسبانية زاهية برأس عروج كما أرسلوا جلبابه الذي كان يلبسه إلى كنيسة القديس جيروم .
    إلحاق الجزائر بالدولة العثمانية
    بعد مقتل عروج و إسحاق لم يبقى إلا خير الدين وحيدا، فأصبحت الأخطار تهدده من كل جانب ، ففي الداخل كثر معارضوه و تمرد عليه أحمد بن القاضي أمير إمارة كوكو ، و تمردت عليه مدينة شرشال و تنس و تواطأ ضده بنو زيان في تلمسان ، و ازدادت أطماع الأسبان في ملكه و تقاعس أمير تونس الحفصي على تقديم يد المساعدة لخير الدين ، بل أكثر من ذلك حي لما سمع الأمير الحفصي مقتل عروج عقد مجلس حرب لتوسيع نفوذه داخل الأراضي الجزائرية ، أما أخطار الخارج فكانت واضحة من الأسبان لأنهم كانوا لا يزالون يحتلون مدنا ساحلية ، أمام هذا الوضع قرر خير الدين مغادرة الجزائر ليستأنف الغزو ضد قراصنة البحر ، و ترك الجزار على حالها ، لكن عقلاء و أعيان الجزائر ألحوا عليه بالبقاء . بعد تفكير طويل استغرق أسابيع تفطن خير الدين إلى فكرة سياسية و هي محاولة ربط الجزائر مع الدولة العثمانية حتى تصبح لها حماية الإمبراطورية العثمانية
    هذه الفكرة تدل على حنكة خير الدين و دهائه السياسي لأن الجزائر في هذه الظروف بالذات لا تستطيع أن تحمي نفسها من الزحف الأسباني بينما الدولة العثمانية قادرة على دعم سلطتها و تمدها بالرجال و السلاح .
    أمام هذه الفكرة التي استحسنها أعيان مدينة الجزائر و بعد أن شاورهم في الرأي أرسل خير الدين وفدا من أعيان الجزائر إلى الباب العالي في زيارة السلطان سليم الأول ، و لأن السلطان لم يكن موجودا في الأستانة استقبلهم الصدر الأعظم ، بينما السلطان كان لا يزال منتشيا بفتح مصر ، و إثر عودته عُرضت عليه الفكرة فأستحسنها و أرسل إلى خير الدين و عينه بوجوده حاكما للجزائر برتبة بيلرباي ( أمير الأمراء ) و بعث له بحامية انكشارية تعدادها 2000 جندي مزودة بـ 12 مدفع و سفنا محملة بالذخائر ، و أذن له بتجنيد المتطوعين ليساعدوه في الحرب ، و بذلك دخلت الجزائر تحت نفوذ الدولة العثمانية و أصبحت إيالة من إيالاتها ، و أكسبها ذلك حماية و حصانة من التهديدات الخارجية منذ نهاية 1518 – 1519 أصبحت الجزائر جزءا من هذه الإمبراطورية منذ تعيين خير الدين بيلرباي .
    - تحالف خير الدين مع قوى إسلامية ( أعيان مدينة الجزائر ) للدفاع عن سلطته و نفوذه ، و توجه وفد جزائري منهم إلى الباب العالي الذي استجاب بتحميله فرمانا ( مرسوم ) بتعيين خير الدين بيلرباي ، و أرسلت له حامية انكشارية و اسلحة و ذخيرة و أذنت له بفتح باب المتطوعين ، و بذلك ( 1518 – 1519 ) أصبحت الجزائر إيالة عثمانية .
    - رأي في إلحاق الجزائر بالدولة العثمانية :
    1 - هناك من يقول أن سببه خير الدين لميولاته نحو أصوله و دولته الأم .
    2 – و منهم من يقول أن أعيان الجزائر هم من اقترح ذلك بدليل سفر وفد منهم نحو الاستانة ، لكننا نقف موقفا عادلا بين الرأيين .
    عهد البيلربايات 1518 – 1587 :
    تم فيه تعيين خير الدين بيلر باي بموجب فرمان أمضاه السلطان ( سليم الأول ) و اتخذ من مدينة الجزائر مركزا لحكمه . كما عيّن خير الدين أحمد بن القاضي حاكم جبل كوكو ( على بعد 18 كلم عن الأربعاء نايت ايراثن ) حاكما على بلاد القبائل و ناحيتها الشرقية .
    و قد حيكت ضد خير الدين مؤامرات من قبل الدولة المرينية و كذا الدولة الحفصية ، و حتى الاسبان نظموا حملات عسكرية كبيرة و ضخمة قادها البحار دييغو مونكاد و نزلت الحملة بواد الحراش في أوت 1519 و لكنها منيت بهزيمة كبيرة ، فقد فيها الاسبان معظم قواتهم و أسلحتهم ، و كان من بين أسباب هزيمتهم تأخر إمدادات الزيانيين .
    كما كان لهذه الهزيمة تأثير كبير على الوجود الاسباني شمال افريقيا ، كما أن الحفصيين و الزيانيين استعملوا الدسائس ، و استمالوا إليهم ابن القاضي و حاولوا استمالة بعض الأعيان أمثال ابن علي محمد و حاولوا دفعهم للثورة ضد خير الدين .
    و بدعم من الحفصيين ثار ابن القاضي في وجه خير الدينو نجح في البداية في أن يلحق هزيمة به و يقطع عليه خط الرجعة إلى الجزائر التي استولى عليها ابن القاضي فاضطر خير الدين أن يتراجع و ينسحب إلى قاعدته البحرية القديمة بجيجل لمدة 6 سنوات ( 1521 – 1527 ) و ظل طيلة هذه الفترة يحارب الاسبان .
    - لقد عانى سكان مدينة الجزائر كثيرا من ظلم و جور ابن القاضي خاصة في ميدان جباية الضرائب ، نتيجة لذلك راسلوا خير الدين و استنجدوا به ، و سرعان ما ضعفت سلطة ابن القاضي و تفرق الناس من حوله نتيجة سياساته التعسفية ، ثم ما لبث أن عاد خير الدين للجزائر عام 1527 و استعاد سلطته و نفوذه بل و مدهما إلى جبهات كثيرة وقضى على أعداء الداخل و الخارج ، و أسقط الحصن الاسباني الشهير في 16 ماي 1529 و ردم البحر و شكل رصيف طويل أصبح يشكّل جزءً من ساحل الجزائر . و كان طرد الاسبان نقطة تحول في مدينة الجزائر و شكل صدمة للأسبان لذلك قرروا الانتقام من خير الدين .
    خير الدين و الأسبان :
    بعد طرد خير الدين للاسبان من الحصن المقابل للجزائر قرروا إعداد و تجهيز حملات عسكرية ضد الجزائر و موانئها ، فأمر الملك الاسباني بتجهيز حملة عسكرية ضد الجزائر و منح أموالا طائلة لأحد أكبر القراصنة ( أندري دوريا – مدينة ميلانو ) الايطالي الأصل الذي كان يتقاضى مبالغ طائلة من كنائس أوربا و بعض الملوك مقابل الأعمال العسكرية .
    - نجح أندري دوريا في الدخول لشرشال و ألحق بها خرابا كبيرا و نكّل بأهلها و هدّم بعض المساجد و نهب الأموال ...
    - و أمام زحف خير الدين اضطر الأسبان للتراجع ، و لعب سكان شرشال دورا بوقوفهم إلى جانب خير الدين الذي نجح في طرد ( دوريا ) من شرشال .
    - أمام هذا النجاح استدعاه السلطان إلى القسطنطينية عام 1535 و عيّنه وزيرا للحربية و قائدا لأساطيل الجيش العثماني ، و خلف مكانه حسن آغا
    - ظن الأسبان أن رحيل خير الدين سيسهل عليهم احتلال الجزائر فرموا بثقلهم و استنزفوا قواتهم و احتلوا العديد من موانئ تونس ، و في أثناء توجه خير الدين بسفينة ، شارك في الصراع ضدهم و بعد أن تأكدوا من رحيله أعدوا حملة عسكرية استغرق تجهيزها 6 اشهر و أطلق عليها ( ليبارتوا ) و قادها الملك الاسباني شارلوكان ( شارل الخامس ) .
    نزلت هذه الحملة بحسين داي يوم 23/10/1541 و رغم تعداد هذه الحملة و كثرة اسلحتها إلا أن تعاون الأهالي و بسالة الفرق الانكشارية تصدت لهجومات هذه الحملة و بقي الاسبان يترقبون إمكانية النزول على الشواطئ عدة ايام إلا أن شجاعة الحاميات العسكرية الجزائرية وقف سدا منيعا أمام هذه الحملة و تعرض الأسبان لهزيمة كبيرة و عادوا خائبين ، و اعتبر هذا بمثابة التجربة الأولى لاختبار قوة البيلرباي الجديد حسن آغا .
    - استغل حسن آغا هذا المنصب ليوسع نفوذه و يمد سيطرته بإتجاه العديد من مناطق الجزائر الداخلية فوصلت سيطرته إلى غاية بسكرة و الزيبان .
    - بعد أن جزم الاسبان أن الجزائر المحروسة أصبحت مستعصية عليهم حولوا أنظارهم و جهودهم إلى سواحل الجزائر اتلغربية و تحديدا إمارة بني زيان المنهارة بتلمسان ، و أخذوا يتدخلون في شؤونها الداخلية و حاولوا تجنيد أميرها الزياني عبد الله ضد شقيقه أحمد ، و لكن حملتهم التي جهزت بألف مقاتل أُبيدت عن آخرها قرب عين تيموشنت 1543 ، و رغم هزيمتهم عاودا الكرة في العام الموالي 1544 و اقتحموها و نهبوا خزائنها و وضعوا المصاحف في طريق جيادهم و نصبوا فيها حليفهم عبد الله الزياني
    - أمام هذا الموقف المشين للإسلام ثار السكان ضد الأمير عبد الله و طردوه من القصر و طالبوا بعودة أخيه أحمد .
    - لم تكن الجزائر محل أطماع اسبانيا وحدها ، بل حاول السعديون احتلال تلمسان و ضم أجزاء من الحدود الغربية تحت سيطرتهم ، حيث أرسل السلطان محمد المهدي السعدي حملة عسكرية من مراكش معظم جنودها من عبيد البخاري ، حيث احتلوا تلمسان مدة من الزمن ، و لكن البيلرباي حسن قاوم هذا الغزو و أعدّ فيالقه العسكرية ، و توجه بهم صوب تلمسان ، فأوقع بهم هزيمة قرب مستغانم و زحف نحو تلمسان و طرد القوات السعدية منها ، و نصّب على عرشها الحسن الزياني سنة 1592 ، و بذلك انضمت تلمسان و ضواحيها إلى حظيرة الدولة الجزائرية الحديثة .
    إرساء دعائم الدولة الجزائرية العثمانية :
    بعدما أُلحقت تلمسان بنفوذ الدولة الناشئة ، رغم ذلك كان الوضع لا يزال هشا في الغرب الجزائري و تحديدا بتلمسان و وهران ، فكان لبقاء هذه الأماكن بعيدا عن مركز الدولة يعتبر في حد ذاته نقطة ضعف قد تشجع الاسبان على التدخل في هذه المناطق .
    - استخلف صالح رايس حسن آغا الذي حكم ما بين 1552 – 1556 ، و هو أحد رفاق خير الدين ، فبعد أن وسع فتوحاته نحو الجنوب و سيطر على تقرت و ورقلة ، جهز حملة عسكرية أخرى كبيرة ضد الأشراف السعديين بفاس ، الذين كانوا متآمرين مع الاسبان ضد الأتراك بالجزائر ، و في طريقه مر بتلمسان و عزل أميرها الحسن الزياني ، نظرا للشبهات التي كانت تحوم حول علاقته الوثيقة بالأسبان و تآمره معهم ، و بتنحية الحسن الزياني انتهت فترة حكم الزيانيين بتلمسان نهائيا ، و ألحقت بقايا هذه الدولة بالسلطة التركية بالجزائر ، و بذلك وضع صالح رايس حد لهذه الدويلة ، و قطع بذلك آمال الاسبان في إمكانية احتلالها .
    - و لم يكتفي صالح رايس بهذا فقام بطرد الاسبان من بجاية بعد كر و فر طويل نجح في إعادتها ، و بذلك توسع نفوذ الدولة التركية إلى ما وراء بجاية ، و لكن حلم صالح رايس في استرجاع وهران من أيدي الاسبان تأجل سنوات طويلة و سرعان ما أدركته المنية عام 1556 ، و بذلك فقدت الجزائر أحد حكامها الذين اشتهروا بالدفاع عن وحدة أراضيها .
    تأسيس و إنشاء نواة الإدارة العثمانية في الجزائر :
    كان للجهود التي بذلها صالح رايس تأثير في مستقبل الجزائر حيث وسع نفوذ السلطة نحو الكثير من المناطق في مختلف الجهات الشرقية و الغربية ، و منذ ذلك الحين بدأت ترتسم معالم الحدود السياسية و مناطق نفوذ الدولة العثمانية ، حيث تجدر الإشارة إلى أن البيلرباي الثاني للجزائر ( حسن آغا ) خلال ولايته للجزائر ( الأولى و الثانية ) سعى لتنظيم الإدارة الجزائرية فقسم الجزائر إلى أربع ( 4 ) مناطق ( بايلك )
    1 – بايلك الجزائر : مركزه مدينة الجزائر ( دار السلطان ) ، و هو مركز وجود مختلف السلطات و الحاميات العسكرية ، و وجود القناصل الأجانب .
    2 – بايلك الشرق : مقره قسنطينة ،و يعتبر من أهم البايلك ، له حدود جغرافية واسعة حتى حدود تونس ، يحكم البايلك باي يعين من دار السلطان .
    3 – بايلك التيطري : من أوسع البايلك مساحة ، عاصمته المدية ، و تصل حدوده أحيانا إلى الصحراء .
    4 – بايلك الغرب : مركزه مازونة ، ثم تحول لمعسكر ثم وهران بعد تحريرها عام 1792 ، و من أهم البايلك نظرا لموقعه و حدوده المفتوحة مع دويلات المغرب الأقصى .
    - منذ ذلك التاريخ بدأت شخصية الجزائر تتضح حدودها ، و أصبح لقادتها و أسطولها دورا في أحداث البحر المتوسط .
    فحسن باشا شارك في الحصار ضد جزيرة مالطا ثم أستدعي إلى القسطنطينية مثل أبيه لتولي منصب قيطان البحرية العثمانية ، فخلفه في حكم الجزائر البيلرباي علج علي 1568 – 1571 ، و كان علج علي أحد رفاق خير الدين و كان ضمن القادة الكبار الذين شاركوا و خاضوا المعركة الشهيرة في اليونان ( معركة ليبانتوا ) في البلقان عام 1571 ، و كان الوحيد الذي نجا بأسطوله و أنقذ الكثير من المراكب العثمانية ، مما جعل السلطان يكلفه بإعادة تنظيم الأسطول ، كما اشترك علج علي مع سنان باشا و عرب أحمد في طرد الأسبان من تونس عام 1574 ، و أصبحت بذلك تونس نيابة تركية تابعة للدولة العثمانية .


    خصائص و مميزات فترة البيلربايات :
    يتسم عهد البيلربايات و فترة حكمهم بخصائص عديدة يتمثل أهمها في :
    – معظم الحكام الأوائل ( البيلربايات ) من طائفة رياس البحر ، حيث كان أغلبهم من رفاق خير الدين ، و امتهن معظمهم أعمال البحر ، كما أن السلطان العثماني هو الذي يعين أو يوافق على البيلرباي ، أو بالأحرى يقبل اقتراح الرياس ، بحكم أن الجزائر إيالة تابعة للدولة العثمانية .
    – كانت روابط رياس البحر بالسلطان العثماني روابط قوية ، يتولون تنفيذ أوامره و تعليماته ، و حكم بعضهم لفترات طويلة .
    – امتاز بعضهم بالقدرة و الكفاءة فنقلوا إلى الأستانة بطلب من السلطان ليتولوا مناصب هامة في الدول مثل قبطان باشا ( وزير الحربية ) ، أمثال خير الدين و حسن أغا و علج علي
    – ركز معظمهم في أعمالهم على مواجهة المسيحيين خاصة الاسبان في البحر المتوسط و تصفية جيوبهم في بعض المناطق الداخلية و الموانئ ، و قدموا يد المساعدة لمسلمي الأندلس الفارين من بطش المسيحيين ، و بذلوا جهودا كبيرة في هذا المجال .
    – معظمهم امتازوا بالشخصية و السلطة و النفوذ ، ما أتاح لهم فرصة السيطرة على مناطق خارج الجزائر مثل تونس و طرابلس الغرب ( ليبيا ) ، فبحكم تعيينهم بفرمان ( مرسوم ) من طرف السلطان تولوا تعيين باشاوات في تونس و طرابلس الغرب .
    – نجح معظمهم في إدارة مختلف جبهات الصراع الخارجية ضد اسبانيا مثلا و الداخلية كمعارضة ابن القاضي و بعض أعيان الجزائر لسلطتهم ، و لعل اشهر هءلاء البيلربايات خير الدين و ابنه حسن باشا و صالح رايس و علج علي و حسن فنزيانو ...
    – أبرز نجاح لبيلربايات هذا العهد أنهم وحّدوا الجزائر تحت سلطة واحدة ، و تحقيق الوحدة السياسية و الترابية ، لأن معظمهم اهتم بمد نفوذه و سيطرته على كل الجهات من الجزائر ، و قضوا على كل المؤامرات و السلطات المناوئة لحكمهم ، مثل الدولة الزيانية بتلمسان ، و الحفصية بقسنطينة و عنابة ، و إمارة جبل كوكو بالقبائل
    و يعتبر البيلرباي صالح رايس بطل تحقيق هذه الوحدة السياسية و الترابية للجزائر ، فهو الذي مد نفوذ الأتراك حتى وصلت إلى الواحات بالجنوب و فرضت الطاعة بالقوة .


    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    امتحانات السنة الثانية تاريخ (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:27


    امتحانات السنة الثانية تاريخ

    مواضيع وامتحانات السنة الثانية تاريخ lmd
    امتحانات السداسي الأول
    امتحانات السنة الثانية تاريخ
    مقياس صدر الإسلام

    لقد أرادت مشيئة الله أن تكون الدعوة الإسلامية متدرجتا و ذلك لاعتبارات متعددة كانت قاعدتها اليقين و قمتها صفاء بلوغ الإسلام ، و في ثنايا هذا التدرج روّح الله على الأنفس بما يثبتها و يعز الإسلام .
    - حلل و ناقش ذلك بناءا على ما درسنا من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في العهد المكي ، مع \كر خمس مراجع اطلعت عليها و أنت تدرس الموضوع .
    الأستاذ داودي مصطفى


    جامعة زيان عاشور – الجلفة السنة الثانية تاريخ نظام LMD
    امتحانات السداسي الأول جانفي 2011
    مقياس مدخل إلى مصادر تاريخ الجزائر المدة ساعة و نصف

    صرح الجنرال الفرنسي فالزي ( Valze ) مقيما الوضع الثقافي في الجزائر عند بداية الاحتلال و شاهدا على انتشار التعليم و الثقافة العربية الإسلامية قائلا " إن كل العرب الجزائريين تقريبا يعرفون القراءة والكتابة ، و في كل قرية توجد مدرستان "
    المطلوب :
    أكتب مقالا تاريخيا تقيم فيه الوضع الثقافي خلال العهد العثماني اعتمادا على الدلائل التاريخية و موضحا ما يلي :
    - أهم العوامل التي أثرت في الحياة الاجتماعية و الثقافية الجزائرية في العهد العثماني .
    - واقع التعليم خلال هذه الفترة مشيرا إلى بعض رجالات العلم و الثقافة و انتهاجهم الفكري .
    - استنتج أهم الانتقادات الموجهة للفترة العثمانية في المجال الثقافي
    ملاحظة :
    - يجب وضع خطة مفصلة و دمجها في الإجابة مع المناقشة و التحليل و النقد
    - الإلتزام بالموضوع و ذكر المختصر المفيد
    - الكتابة بنظام الفقرات ( لكل فقرة فكرة ) .
    الأستاذ جرد


    جامعة زيان عاشور – الجلفة السنة الثانية تاريخ نظام LMD
    امتحانات السداسي الأول جانفي 2011
    مقياس تاريخ الجزائر الحديث المدة ساعة و نصف
    السؤال :
    ضع يدك على العوامل المساعدة لاستقرار الحكم العثماني بالجزائر
    ملاحظة : إجابة مختصرة و على شكل عناصر
    الأستاذ برابح الشيخ

    جامعة زيان عاشور – الجلفة السنة الثانية تاريخ نظام LMD
    امتحانات السداسي الأول جانفي 2011
    مقياس البيبلوغرافيا المدة ساعة و نصف
    السؤال الأول : 4ن
    حدد مفهوم العلوم الإنسانية
    السؤال الثاني : 4ن
    ما هو مفهوم البيبلوغرافيا ؟
    السؤال الثالث : 6ن
    مصادر بيبلوغرافيا العلوم الإنسانية كثيرة و متنوعة ، أذكر 6 منها حسب أهميتها .
    السؤال الرابع : 6ن


    هناك علوم مفسرة للعلوم الإنسانية متعددة . أذكر 5 منها كذلك ذات صلة وطيدة



    الأستاذ : نايلي

    جامعة زيان عاشور – الجلفة السنة الثانية تاريخ نظام LMD
    امتحانات السداسي الأول جانفي 2011
    مقياس تاريخ الأفكار المدة ساعة و نصف

    نص السؤال :
    قارن بين الفكر الفلسفي اليوناني و الفكر الأسطوري
    - الإجابة في شكل مقالة
    الأستاذ شارف أحمد

    جامعة زيان عاشور – الجلفة السنة الثانية تاريخ نظام LMD
    امتحانات السداسي الأول جانفي 2011
    مقياس تكنولوجيا المعلومات و الاتصال المدة ساعة و نصف
    س1 – ما هي مختلف ثورات المعلومات التي سبقت ظهور الحواسيب .
    س 2 – يهدف التوثيق إلى تمكن الباحثين من الوصول إلى معلومات متخصصة تمتاز بخصائص أهمها ؟
    س 3 – أذكر مختلف أوعية التخزين المغناطيسية . في شكل مخطط
    س4 – قارن بين انتقال المعلومات في الأسلاك النحاسية و الألياف الضوئية .
    س 5 – أذكر أربعة من الوسائط اللاسلكية للاتصال .
    س6 – عرف قواعد البيانات
    س 7 – فيما تتمثل أهمية قواعد البيانات ؟
    س 8 – لتكنولوجيا المعلومات و الاتصال دور مهم في الحياة العامة و في تسيير المكتبات و مراكز المعلومات خاصة من جانب المستفيدين من خدماتها .
    وضح ذلك بدقة و اختصار .
    الأستاذ : كداوة عبد القادر

    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    بحث حول يوبا الثاني( تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:28

    بحث حول يوبا الثاني

    بحث عن يوبا 2

    لطلبة التاريخ , السنة الثانية
    الملك الأمازيغي يوبا الثاني

    مـقـدمـة:

    هناك العديد من المقاومين الأمازيغيين المحنكين الذين خاضوا المعارك والبطولات القتالية أمثال: تاكفاريناس وماسينيسا وصيفاقس وأيديمون ويوغرطة وفيرمينا ويوباالأول… ولكن ما يميز هؤلاء عن يوبا الثاني هو أن هذا الأخير اشتهر بالمقاومة الثقافية فقد حارب الرومان بسلاح العلم والثقافة والفنون والآداب وتمدين البوادي والحواضر. ومن هنا، فقد اتخذ يوباالثانيالمقاربة الثقافية سبيلا لخلق نوع من الاستقرار الحضاري في الكثير من المناطق الأمازيغية.
    فمن هو يوبا الثاني ؟ وماهي أبرز إنجازاته ؟


    خطة البحث:


    مــــــــــقــــــــــــــــــــــــــدمــــــــــ ـــــــــــة
    مـــــــــــــــن هـــــــو يــــــــــوبـــا الثاني ؟
    الإنجازات السياسية والإدارية والاقتصادية
    الإنجازات الفكرية والثقافيــــــة والفنيــــــة
    خـــــــــــــــاتـــــــــــمــــــــــــــــــــ ـــــــــــة






    1)- من هو يوبـــا الثاني؟[1]
    ولد يوبا الثاني حوالي 52 ق.م في مملكة نوميديا، وهو ابن الملك يوبا الأول الذي قاوم الرومان مقاومة شرسة ووقف في وجه خصمين لدودين من أبناء تمازغا وهما: بوگود وبوكوس.
    وبعد هزيمة يوبا الأول أمام القوات الرومانية، أسر يوليوس قيصر ابنه يوبا الثاني الذي كان طفلا صغيرا بين خمس وسبع سنوات فحمله إلى روما حيث نشأ في البلاط الفاخر وعاش في كنف الإمبراطور أغسطس خلف قيصر، فعلمه الفنون والآداب والعلوم وشؤون الحكم في مدارس ومعاهد روما وأثينا .
    ونظرا لمكانة يوبا الثاني الثقافية وصدق ولائه وإخلاصه للإمبراطور الروماني أوغسطس Auguste، فقد أجلسه هذا الأخير على عرش موريطانيا الغربية نظرا لما قام به من خدمات جليلة لصالح شعبه. وبالتالي، حكم يوبا الثاني خمسين سنة في ظل الحماية الرومانية، ولم يضيع هذه السنوات إلا فيما يعود على شعبه الوفي بالخير والسؤدد والهناء. ويالتالي، ۥعرفت أيامه بالاستقرار والهدوء حتى توفي سنة23م، ليخلفه ابنه بطليموس الذي نهج سياسة أبيه في توحيد الأمازيغيين وتحقيق آمالهم وطموحاتهم.
    وقد توطدت العلاقات الإدارية والشخصية بين يوبا الثاني وقياصرة روما حتى استصحبه " كايوس قيصر، ولي عهد الإمبراطورية الرومانية… إلى الشرق وزوجه هناك من الأميرة كليوبترا (La princesse Cléopâtre) ابنة أنطون، وكليوبترا ملكة مصر".
    ومايلاحظ على شخصية يوبا الثاني أنها شخصية متميزة بموسوعيتها الفكرية والثقافية ، وذات خبرة في مجال السياسة والتدبير الإداري، بله عن نبل أخلاقها ووفائها وإيثارها التضحية من أجل الشعب ولمصلحة الشعب. ويقول محمد بوكبوط في هذا الصدد:" لعله من المفيد الإشارة إلى شخصية هذا الملك المتميزة، فعلاوة على أصله النوميدي الأمازيغي وتربيته الرومانية، فهو بونيقي بما ورثه مع قومه من حضارة قرطاج، وإغريقي بثقافته وذوقه الفني، ومصري بزواجه من ابنة كليوبترة ملكة مصر، كل هذه الجوانب روعيت بدون شك من طرف الإمبراطور عند اختيار يوبا لاعتلاء عرش موريطانيا.".
    وعلى الرغم من الازدهار الحضاري الذي عاشته تمازغا في عهد يوبا الثاني، فقد كانت هناك ثورات أمازيغية تطالب بالاستقلال والتحرر من قبضة الرومان؛ مما جعل بعض المؤرخين يعتبرون الأمازيغيين "مفطورين على قلة الولاء"، ولكنهم في الحقيقة مفطورون على الحرية والاستقلال والتخلص من الاستعمار الأجنبي المستغل.
    و سيتعرض يوبا الثاني للاغتيال في أواخر حياته بعد أن عاش نصف قرن في كنف الرومان. ومن ثم، سيكون المغرب بعد وفاة يوبا الثاني تابعا للحكم الروماني مباشرة. وسيدخل الأمازيغيون المغاربة في مقاومة شرسة ضد القوات اللاتينية ستنتهي بطرد الرومان وحلول الوندال والبيزنطيين.



    2)- الإنجازات السياسية والإدارية والاقتصادية: [2]
    تمكن يوبا الثاني ومن بعده ابنه بطليموس من توحيد القبائل الموريتانية في إطار مملكة مورية واسعة الأطراف تنقسم إلى قسمين: موريطانيا القيصرية وموريطانيا الطنجية. ومن أهم المدن التي كانت تابعة ليوبا الثاني في 40 للميلاد نذكر: طنجيس وزيليس وليكسوس وسبتة وتمودة ووليلي وبناسة وتموسيط وتوكولوسيدا وبوماريا.
    وستكون موريطانيا خاضعة للوصاية الرومانية على يد يوبا الثاني منذ 25 ق.م ، ويعني هذا أن يوبا الثاني الذي تربى في العاصمة الإيطالية سيكون حليفا للرومان وتابعا وفيا لهم وصنيعة في أيديهم. لذلك، سمحوا له بإدارة مملكة موريطانيا الطنجية أولا وموريطانيا القيصرية ثانيا.
    وعلى أي حال، حكم يوبا الثاني موريطانيا سواء الطنجية أم القيصرية " تحت مراقبة روما وبالنيابة عنها طوال الفترة بين 25 و23 قبل الميلاد قام خلالها بتمهيد السبيل أمام الحكم الروماني."
    وعليه، فأول ما قام به يوبا الثاني بمساعدة ابنه بطليموس الذي كان يتولى شؤون القيادة العسكرية هو العمل على توحيد القبائل الأمازيغية في المغرب، فتمدين مملكته حضاريا وثقافيا وعلميا، ثم تزيينها عمرانيا وهندسيا بالإستيتيقا(الجمالية) اليونانية والرومانية والقرطاجنية والأمازيغية في إطار وحدة تنصهر فيها جميع هذه الملامح الموروثة . وبعد ذلك، اتخذ يوبا الثاني عاصمتين لمنطقة نفوذه " شرشال" في الجزائر التي سماها بالـ" قيصرية" إرضاء للروم ولإمبراطورها قيصر ، فأمر يوبا الثاني رعاياه الأوفياء بتقديس القيصر بصورة رسمية ، كما جعل من "وليلي" عاصمة له في المغرب كما يعتقد كاركوبينو .
    هذا، وأنشأ يوبا الثاني في عاصمتيه" شرشال" و" وليلي" حكما ديمقراطيا نيابيا تمثيليا، إذ طالب بتكوين مجلس بلدي يتم انتخاب أعضائه من بين المواطنين الأحرار ، ويتولى كل مجلس تسيير أمور المدينة على غرار المدينة الرومانية.
    بالإضافة إلى الجانب الإداري، فقد حقق عصر يوبا الثاني طفرة اقتصادية متنوعة وازدهارا تجاريا كبيرا ؛ لأنه شجع الزراعة والصناعة والتجارة. وأقام مشاريع صناعية كبرى في عدة مدن كصناعة الأصباغ الأرجوانية وتمليح السمك وصنع الكاروم (Garum) وهو مرق مصنوع من السمك يستعمل عوض التوابل لطهي الطعام ( يشبه كنورالسمك حاليا)، ويستعمل كذلك دواء في الاستشفاء من بعض الأمراض.
    وفي الحقيقة ، تميزت أيام يوبا الثاني (25 ق.م-33 بعد الميلاد) بالازدهار الاقتصادي في جميع المجالات وعلى جميع المستويات والأصعدة والقطاعات. وبطبيعة الحال، سيكون عصر يوبا الثاني عصر الرخاء الاقتصادي والتطور التجاري وتحسن الأحوال الاجتماعية وانتعاش النهضة الفكرية والثقافية.
    وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان يوبا الثاني يهتم بتجميل الحواضر وتزيينها على غرار الحواضر الرومانية تقليدا بفن عمارتها وهندسة مبانيها وجمال مدنها كما يقول المؤرخون "خاصة عاصمتيه أيول( شرشال القيصرية) وأوليلي، مما يعكس ذوقه ومدى الرخاء الذي شهدته مملكته، فضلا عما يمكن استنتاجه من كون تشجيع الحياة الحضرية يدخل في إطار السياسة الرومانية الرامية إلى تدجين الأمازيغيين.
    وۥيعرف على يوبا الثاني أنه كان مولعا بالعمارة الجميلة وزخارفها الفسيفسائية الباهرة،كما كان ميالا إلى الفنون الهندسية، ووضع التصاميم العمرانية الفنية الدقيقة. وتعد مدينة شرشال آية في الفن العمراني الجميل وقد سماها بالقيصرية ( Cesarea ) على غرار اسم القيصر اعترافا له بالجميل والثناء العميم . و" جلب لعاصمته ( شرشال) مختلف الفنانين من مصر واليونان، فشيدوا فيها من القصور الجميلة والهياكل الفخمة ماجعلها بحق محط أنظار الملوك والأمراء، كما جلب لها عددا من الكتاب والشعراء والفلاسفة".
    وإذا أردنا معرفة طبيعة هندسة المدينة في عهد يوبا الثاني فقد كانت ممزوجة بالعمارة اليونانية والنحت الروماني ومتأثرة بالهندسة الفينيقية القرطاجنية، وتطبعها الروح الأمازيغية الثورية المبنية على الفروسية والمقاومة.
    وهكذا، فقد كانت المدينة البربرية :" محاطة بالأسوار والأبراج، وبداخلها ميدان عمومي، و معبد، وقوس النصر تعلوه عربة تجرها ستة خيول، وكانت بها كذلك خزائن لحفظ الكتب وتماثيل الآلهة، وفسقيات وحمامات عمومية مفروشة أرضها بالرخام ومغطاة جدرانها بالفسيفساء المصورة لمناظر من الطبيعة ومشاهد من الحياة. أما المدينة نفسها فكانت مقسمة إلى قسمين: أحدهما في الجنوب تجمعت فيه المصانع والمخابز ومعاصر الزيت والدكاكين والدور الشعبية، والثاني في الشمال يسكنه الأغنياء والحكام.
    ومازالت بعض الآثار الباقية في وليلي شاهدة على ماكانت عليه هذه المدينة، حيث كشف النقاب عن بعض الشوارع والمنازل والمعاصر، وعن قاعة الاجتماعات والساحة العمومية التي كانت تعتبر المكان المحوري في المدينة، وعن بعض التحف كتمثال برونزي لكلب وآخر لغلام ورأس مرمي وتمثالين نصفيين لبروتوس ولبعض الأمراء".
    3)- الإنجازات الفكرية والثقافية والفنية:[3]

    يعتبر يوبا أو جوبا الثاني من كبار العلماء والمثقفين الأمازيغ إذ كان يمتاز بسعة العلم والاطلاع، وكان كثير السفر والبحث والتجوال وموسوعي المعارف والفنون. وقد ألف كثيرا من الكتب والبحوث والمصنفات في التاريخ والجغرافيا والرحلة والطبيعيات والفنون والآداب والطب والعلوم الاستكشافية ؛ ولكن هذه المؤلفات النادرة والثمينة لم تصل إلينا سليمة، بل ثمة إشارات إليها في كتب المؤرخين مبثوثة هنا وهناك…
    كما اهتم يوبا الثاني بالجانب الثقافي والعلمي والفكري ، فأعد خزانة ضخمة جمع فيها أنواعا من الكتب والوثائق العلمية والتاريخية، واستقطب نحو عاصمته كبار العلماء والأطباء من اليونان والرومان، وأمر بجمع النباتات الطبية والأعشاب. وشارك في رحلات علمية استكشافية داخل جبال الأطلس و جزر كناريا الحالية. وجمع رحلاته العلمية وكشوفاته الطبيعية والجغرافية وأحاديثه عن المغرب وخاصة المجتمع الأمازيغي وعاداته ولغته وتقاليده في ثلاثة مجلدات ضخمة سميت"ليبيكا"Libyca . ومن أحسن ما تضمنته ليبيكا قصة "الأسد الحقود" التي مازالت تروى من قبل الجدات في عدة مناطق أمازيغية في المغرب باللغة البربرية كما ورد في كتاب"لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين" .
    و إذا انتقلنا إلى مؤلفات يوبا الثاني فهي كثيرة لا يمكن عدها أو حصرها، ومنها: " تاريخ بلاد العرب"les Arabica الذي وضعه لتعليم يوليوس قيصر إمبراطور الرومان، وهو كتاب يبحث في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها، و"آثار آشور" وقد كتبه بعد أن رأى بلاد الأشوريين واستمتع بحضارتهم وثقافة بلاد الهلال الخصيب، كما كتب عن "آثار الرومان القديمة" ، و" تاريخ المسارح " الذي تحدث فيه عن الرقص وآلاته الموسيقية ومخترعي هذه الفنون، وكتب " تاريخ الرسم والرسامين" ، وكتاب "منابع النيل"، بله عن كتاب "النحو" و"النبات".
    وزد على ذلك ، أن ليوبا الثاني مكتبة عامرة بالكتب المتميزة في مختلف الفنون والعلوم والآداب، وكان له" نساخ عديدون، كما كانت له عناية خاصة بجمع التماثيل والصور واستقدام النفائس من مختلف الأقطار، وتوجد منها الآن كمية ثرية بمتحف الجزائر وشرشال".
    وۥيظهر لنا هذا الكم الهائل من الكتب أن يوبا الثاني كان من المثقفين الأمازيغيين الكبار الذين تعتمد عليهم الإمبراطورية الرومانية في التكوين والتأطير والتدريس وجمع المادة المعرفية المتنوعة التي تتمثل في الجغرافيا والحفريات واللغويات والفنون والتاريخ والطبيعيات…
    وكانت ليوبا الثاني أيضا مكانة كبيرة في المجتمع الروماني مادام قد حظي بتدريس يوليوس قيصر الروماني وسهر على تثقيفه وتعليمه. وكان يوبا الثاني يتقن لغات عدة كاللغة اليونانية واللغة اللاتينية واللغة البونيقية ولغته الأمازيغية المحلية التي كان يتواصل بها مع فئات شعبه.
    ومن أهم ماكان يهتم به يوبا الثاني الفنون الجميلة ولاسيما الموسيقا والرقص والنحت والتمثيل المسرحي متأثرا في ذلك بالفنون الجميلة اليونانية والرومانية. ونحن نستغرب لما ذهب إليه الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه:" ورقات عن الحضارة العربية بأفريقية التونسية" الذي أنكر وجود الفنون الجميلة عند الأمازيغيين قديما نظرا لسذاجة الألحان الأمازيغية وقلة الآلات الموسيقية وبساطة الإيقاع وانعدام البحث الموسيقي والتأثر بالأغاني الزنجية الأفريقية السوداء الرتيبة بقوله:" مهما تتبع الباحث رسوم الحضارة، والمجتمع البربري؛ الذي يقطن شمال أفرقية- من قديم الزمان- فإنه لا يجد للفنون الجميلة- ومنها الموسيقا- أدنى أثر يذكر؛ وغاية ما يقال أن الأهالي الأصليين كانوا يتغنون ببعض ألحان ساذجة بسيطة، ربما قلدوا فيها أغاني الزنزج ببعض ألحان ساذجة بسيطة؛ ربما قلدوا فيها أغاني الزنوج المحيطين بهم من ناحية الجنوب- الصحراء الكبرى والسودان- فالقبائل المحافظة على بربريتها الأولى مازالت تصوت بألحان أقرب ما تكون إلى إيقاع السودانيين…ويمكن الاستدلال على بساطة الموسيقا- لأي شعب كان- بآلات الطرب التي يستعملها لهذا الغرض. فالأمم البربرية ليس لها من الأدوات إلا مزمار؛ وهي( الشبابة) يتخذ في الغالب من القصب؛ ينفخ فيه، أو نوع من الرباب ذي وترين لا غير( گمبري)؛ وهوعين ما يوجد عند الزنوج البدائيين. وهذا من أكبر الشواهد على تأخر التلحين عندهم. وكذلك الشأن في الأصوات نفسها، التي تتغنى بها القبائل البربرية مثل: جبل(زوارة)- كتامة قديما- وبلاد الريف وأهل جبال المغرب من السوس الأدنى والأقصى؛ فإن الإيقاع فيها بسيط جدا[4]؛ ولا يتجاوز بعض مقامات السلم، شبيه ما يشاهد عند السودانيين. وهذه هي الألحان الساذجة التي وجدها العرب عند عشائر البربر لما فتحوا البلاد عليهم؛ وبقي استعمالها شائعا بين السكان الأصليين إلى أن امتد التعريب في البلاد، ورسخ في البلاد اللوبية؛ فتحولت أوضاعهم بالتدريج إلى أوضاع عربية؛ وانتشرت على مر الزمان من الحواضر العربية أو المتعربة أو المتعربة حتى بلغت قرارات البربر".
    ولايمكن لنا إطلاقا أن نقبل بهذا الحكم الساذج المتسرع ؛ لأن أبوليوس كان متفننا في الأغاني ومتحكما في أشكال الموسيقا حسب الأداة وطبيعة الأغراض الشعرية ومتنوعا فيها بتنوع الأعاريض والألحان، وهذا يبين لنا مدى ازدهار الشعر والموسيقا في تامازغا، وفي هذا الصدد يقول أبوليوس أو أفولاي الأمازيغي:" أعترف بأني أوثر من بين الآلات شق القصب البسيط أنظم به القصائد في جميع الأغراض الملائمة لروح الملحمة أو فيض الوجدان لمرح الملهاة أو جلال المأساة وكذلك لا أقصر لا في الهجاء ولا في الأحاجي ولا أعجز عن مختلف الروايات والخطب يثنى عليها البلغاء، والحوارات يتذوقها الفلاسفة. ثم ماذا بعد هذا كله؟ إنني أنشىء في كل شيء ياليونانية أم باللاتينية بنفس الأمل ونفس الحماس ونفس الأسلوب".
    ولاننسى كذلك إقبال يوبا الثاني على الموسيقا بشغف مثير ونهم متميز ، فقد اهتم بها كثيرا، وخصص لها كتبا وافية عرّف فيها بمخترعي الموسيقا وأشار إلى طبيعة حرفتهم والآلات الفنية التي كان يستعملونها ورصد إيقاعاتها وألحانها. وفي نفس الوقت، تحدث بإسهاب عن الفنون المجاورة للموسيقا كالرقص والتمثيل والمسرح والنحت. وكان يوبا الثاني يستدعي العلماء والفنانين والأدباء من روما وأثينا ليمتع الأمازيغيين ويفيدهم في المجال الثقافي والفني.
    ومن أهم الكتب الدالة على مانقوله كتابه الرائع:" تاريخ المسارح" الذي جمع فيه دراسات شاملة حول الموسيقا والرقص. ويثمن الكثير من الباحثين الإنجازات القيمة التي حققها الملك المثقف يوبا الثاني في مجال الموسيقا بصفة خاصة والفنون الجميلة بصفة عامة. وفي هذا الصدد يقول الباحث الجزائري بوزياني الدراجي:" والجميع يعلم المجهودات الجبارة التي قام بها يوبا الثاني في نشر الفنون- بشتى أنواعها- في بلاده؛ مثل الموسيقا التي أنشأ- لتدريسها ونشرها- معهدا خاصا بشرشال؛ كما قام هو نفسه بتأليف موسوعة موسيقية ضخمة. أما التمثيل فقد أسس يوبا أيضا معهدا لتدرسيه في شرشال كذلك. هذا بالإضافة إلى معهد النحت الذي أسسه في عاصمته شرشال. ولم يكن يوبا هو الوحيد المهتم بالفنون الجميلة ببلاد المغرب آنئذ؛ فثمة آخرون كانت لهم الاهتمامات نفسها؛ لأن التأثير الإغريقي والفينيقي والروماني لابد أن يولد اهتماما معينا بين السكان؛ وإذا لم يهتم بذلك السكان كلهم فقد يهتم بعضهم…".
    ومن الناحية اللغوية، فقد سهر يوبا الثاني على نشراللغة اليونانية واللغة اللاتينية باعتبارهما لغتي الفكر والثقافة وتملك العلم والآداب والفنون والانفتاح على العالم في ذلك الوقت، دون أن ينسى لغته الأمازيغية التي كانت أداة للتواصل والتعامل وتبادل الأفكار والاتصال والتبليغ في المنزل والشارع والحقول والمصانع والمدارس والمعاهد.
    وعلى العموم، فلقد تعجب الكثير من الدارسين القدماء والمحدثين من شخصية يوبا الثاني ومن كفاءته الحاذقة وعبقريته المتميزة، فالباحث المغربي محمد شفيق أثبت بأن يوبا الثاني كان يكتب" باليونانية في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب وفقه اللغة المقارن، فتعجب من نبوغه " فلوتارخوس Plutarkhos " ومن كونه" بربريا نوميديا ومن أكثر الأدباء ظرفا ورهافة حس"….
    ونصب له الأثينيون تمثالا في أحد مراكزهم الثقافية…تقديرا لكفاءته الفكرية. وقد نقل عنه علماء العصر القديم، وحسده معاصروه منهم ونفسوا عليه نبوغه، بصفته بربريا barbarus ، وكأن نفاستهم عليه تسربت إلى نفس المؤرخ الفرنسي Stéphane Gsell ، إذ ما فتئ Gsell يحاول أن يغض من قيمة أعمال يوبا الفكرية، فتبعه في ذلك تلامذته من الأوربيين الذين أرخوا للمغرب الكبير في عهد الاستعمار الفرنسي، كما تبعوه في تحاملهم على أبيه يوبا الأول من أجل حرصه على سيادة مملكته. والدافع عند Gsell ومن تبعوه هو أنهم كانوا يعتبرون الفرنسيين ورثة للرومان في أفريقية الشمالية، ويرون أن "الأهالي " Les indigènesلا يمكن أن يكونوا إلا "أهالي" في الماضي والحاضر على السواء، بما أشربته الكلمة في لغتهم إذاك من معاني الاحتقار." .
    وعليه، فإن يوبا الثاني شخصية موسوعية بارزة اعتمدت على المقاربة الثقافية في مقاومتها للرومان، واستطاعت أن تقدم الكثير لشعبها على الرغم من الضغوطات الرومانية. كما اعتمد هذا الملك المثقف على سياسة الانفتاح والتسامح والتبادل الثقافي ومعرفة قدراته العسكرية جيدا والاحتراس من المغامرات المتهورة التي قد تقود شعبه إلى الهلاك؛ لذلك كان يهادن الرومان، ويعرف من أين تؤكل الكتف، ويستعمل جميع الوسائل الدبلوماسية لتفادي الحروب والثورات. لذا، استمر في حكمه مدة طويلة تقدر بنصف قرن بسبب رجاحة رأيه وصحة رؤيته وموضوعية بصيرته.[5]
    وعلى الرغم من ذلك، فقد كان يعتبر عند الباحثين الأمازيغيين بمثابة خائن للهوية الأمازيغية و" أداة طيعة لتنفيذ أوامر روما وخدمة مصالحها، وذلك بالسهر على قمع الثورات التي قام بها الأمازيغ ضد التواجد الروماني، ففي سنة 6 م حارب قبائل جدالة التي ثارت ضد الرومان وضد الملك نفسه، بسبب اغتصاب أراضيها وحرمانها من المراعي، وبعد ذلك بعشر سنوات ، اندلعت ثورة تاكفاريناس العارمة ضد الرومان، وكانت جيوش يوبا بالطبع إلى جانب الرومان في محاربة بني جلدته الأمازيغ.".
    ويتبين لنا من كل هذا، أن الملك يوبا الثاني لم يكون سوى حليف طائع وخادم وفيّ للرومان على حساب القضية الأمازيغية وخيانة المبادىء الكبرى التي يدافع عنها الإنسان الأمازيغي، ولكنه في نفس الوقت كان مقاوما ثقافيا متميزا يحب شعبه ويسهر من أجل سعادته. ونفسر هذه المفارقة الكبرى بهذا الاستنتاج: إذا كان يوبا الثاني عاجزا عن طرد الاستعمار الروماني الذي هادنه على حساب كرامة الأمازيغيين وحقوقهم المشروعة، إلا أنه استطاع أن يخدم شعبه ثقافيا وعلميا وفنيا وفكريا وإداريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.[6]


    خاتمة

    وخلاصة القول: إن مايمكن إثباته في حق يوباالثانيأنه ملك أمازيغي مثقف خدم شعبه على جميع المستويات والأصعدة، وحقق لموريطانيا القيصرية والطنجية عهدا من الازدهار والرخاء لمدة نصف قرن من الحكم تحت المراقبة الرومانية بشكل مباشر أو غير مباشر.
    وإذا كانت المقاومة الأمازيغية في شمال أفريقيا ذات ملامح عسكرية واجتماعية ودينية ، فإن يوباالثانياستطاع أن ينهج أسلوب المقاومة الثقافية التي أظهرت الأمازيغيين في مستوى لائق ومحترم، وجعلتهم شعبا متحضرا متمدنا يضاهي الشعوب المتجاورة كالشعبين: اليوناني والروماني في مجال الآداب والفنون والعلوم والمعارف الفكرية، بل قد يتفوق عليهما في الشهامة والأنفة وخوض الحروب حبا في الحرية والتضحية من أجل الاستقلال والتخلص من المستعمر الدخيل وعدم الاعتداء على الآخرين.
    وعلى الرغم من بعض السلبيات التي كانت تشوه صورة يوباالثانيوبالخصوص تحالفه الأعمى مع الرومان ضد إخوانه الأمازيغيين، إلا أنه الملك الأمازيغي المثقف الوحيد الذي كانت له شخصية متميزة وغريبة تتسم بالموسوعية والانفتاح والتسامح وكثرة الإنتاج والتراكم الثقافي ، وبالتالي، فقد خدم يوباالثانيالثقافة الأمازيغية حتى أصبح نموذجا يحتذى به في البحث الجغرافي ومجال الاستكشاف الطبيعي والتنقيب الميداني، وصار علما أمازيغيا بارزا يضرب يه المثل في المدن الرومانية واليونانية وخاصة في أثينا عاصمة الفلسفة والفنون والآداب والعلوم.
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    اسس بناء الدولة الاسلامية في المدينة (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:29

    اسس بناء الدولة الاسلامية في المدينة

    بحث حول اسس بناء الدولة الاسلامية في المدينة
    سنة ثانية تاريخ lmd

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اسس بناء الدوله والمجتمع في المدينه المنوره

    مقدمه:

    ليست الأمة الإسلامية جماعة من الناس همها انتعيش بأي اسلوب او تخط طريقها في الحياة الى اي وجهة وما دامت تجد القوت واللذة فقداراحت واستراحت . كلا فالمسلمون اصحاب عقيدة تحدد صلتهم بالله وتوضح نظرتهم الىالحياة وتنظم شؤونهم في الداخل وتبين صلاتهم في الخارج . وفرق بين من يقول لك : همي في الدنيا ان أحيا فحسب وآخر يقول لك : اذا لماصن الحقوق وارض الله واغضب من اجله فلا طرفت لي عين والمهاجرون حينما تركوا ارضهمووطنهم وهاجروا الى المدينة لم يكن ذلك ابتغاء ثراء واستعلاء ...والانصار الذيناستقبلوهم وناصبوا قومهم العداء ووضعوا ارواحهم على اكفهم لم يفعلوا ذلك ليعيشواكيفما اتفقوا . لقد اراد الجميع ان يستضيئوا بالوحي وان يحصلوا على رضوان الله وانيحققوا الحكمة العليا التي من اجلها خلق الانسان وقامت الحياة وهنا نستفهم هذاالاستفهام لنقرر هذه الحقيقة هل الانسان اذا جحد ربه واتبع هواه إلاحيوان ذميم اوشيطان رجيم . وعلى هذا الاساس اساس العقيدة التي جاء بها الوحي من الله تعالى انطلقالنبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً من مكة الى المدينة لإنشاء اول دار للاسلام يبنىعلى هذه الاسس فكان ذلك ايذاناً بظهور الدولة الاسلامية بإشراف قائدها محمد صلىالله عليه وسلم وقد اشتغل الرسول صلى الله عليه وسلم اول مستقره بالمدينة بوضعالدعائم والاسس التي لا بد منها لقيام دولته واتمام رسالته وكانت هذه الدعائم اوالاسس ممثلة بأعمال ثلاثة وهي :
    اولاً : بناء المسجد
    ثانياً : المؤاخاة بينالمسلمين عامة وبين المهاجرين والانصار خاصة
    ثالثاً : كتابة وثيقة

    تحدد نظامالحياة للمسلمين فيما بينهم وتوضح علاقتهم مع غيرهم .
    وسنمر باختصار على هذهالاسس لنخرج بعد ذلك منها بالدروس والعبر التي لابد لنا من ان نعيها اليوم على ارضبلدنا العراق لنخرج من المحنة التي نحن فيها .
    اولاً بناء المسجد : في اول الامربادر الرسول صلى الله عليه وسلم الى بناء المسجد لتظهر فيه شعائر الاسلام التيطالما حوربت ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين وتنقي القلب منادرانه وتنقذه من دسائس الشيطان.
    والمروي في السيرة ان النبي صلى الله عليه وسلمبنى المسجد حيث بركت ناقته في مربد لغلامين يكفلهما (اسعد بن زرارة ) وكان الغلامانيريدان النزول عنه لله فأبى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ابتياعه بثمنه وكانالمربد قبل ان يتخذ مصلى ينبت فيه شجر الغرقد والنخيل ويختفي في ترابه بعض قبورالمشركين . فامر الرسول صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطعت وبالقبور فنبشت وبالخربفسويت وصفوا النخيل قبلة للمسجد _والقبلة يومئذ بيت المقدس وحفر الاساس ثلاثة اذرعثم بني باللبن واشترك الرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه في حمل اللبنات والاحجارعلى كواهلهم وقد ضاعف حماس الصحابة في العمل رؤيتهم النبي صلى الله عليه وسلم وهويجهد كأحدهم ويكره ان يتميز عليهم . وتم المسجد في حدود البساطة فراشه الرمالالحصباء وسقفه الجريد واعمدته الجذوع . يقول الغزالي في فقه السيرة عن بناء المسجد ( ان المسجد الذي وجه الرسول صلى الله عليه وسلم همته الى بنائه قبل اي عمل آخربالمدينة ليس ارضاً تحتكر العبادة فوقها فالارض كلها مسجد ، انما هو رمز لمايكترثون له الاسلام اعظم اكتراث ويتشبث به اشد تشبث وهو وصل العباد بربهم وصلاًيتجدد مع الزمن ويتكرر مع آناء الليل والنهار فلا قيمة لحضارة تذهل عن الاله الواحدوتجهل اليوم الآخر وتخلط المعروف بالمنكر . والحضارة التي جاء بها الاسلامتذكرابداً بالله وبلقائه وتمسك بالمعروف وتبغض في المنكر وتقف على حدود الله ).
    ويقول البوطي في فقه السيرة :
    ( ولا عجب ان تكون اقامة المسجد اول واهمركيزة في بناء المجتمع الاسلامي ذلك ان المجتمع المسلم انما يكتسب صفة الرسوخوالتماسك بالتزام نظام الاسلام وعقيدته وآدابه وانما ينبع ذلك كله من روح المسجدووحيه ، ففيه تشيع آصرة الاخوة والمحبة بين المسلمين وفيه تشيع روح المساواةوالعدل حيث يقف المسلمون فيه كل يوم صفاً واحداً بين يدي الله عز وجل قد وقفوا علىصعيد واحد من العبودية وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد جل جلاله ، كما وان في المسجدينصهر اشتات الناس في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمهوشرعه . ولكن مالم تقم في انحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون فان وحدتهمستؤول الى شتات وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والاهواء ) ان المسجد الذي بناهالنبي صلى الله عليه وسلم بكل تواضعه هو الذي ربى ملائكة البشر ومؤدبي الجبابرةوملوك الدار الآخرة وهذا ما نحتاج اليه اليوم على ارض العراق رجال ينطلقون منالمساجد يحملون خلق المساجد وآداب المساجد لاولئك الذين ينطلقون في الحاناتوالمقاهي . نعم ان المسجد هو خطوتنا الاولى في الخلاص والنجاة وفي الوصول الى النصروالتمكين في الدنيا وان نكون في ظل الرحمن في الآخرة يوم لا ظل إلا ظله وبعدهاسيكون في المآل في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
    ثانياً الاخوة :
    وهذا هوالاساس الثاني الذي اعتمده النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل بناء المجتمع الاسلاميوالدولة الاسلامية . وقد اقامه على الاخاء الكامل . الاخاء الذي تمحى فيه كلمة (أنا) ويتحرك الفرد بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها فلا يرى لنفسه كياناً دونها ولاامتداداً إلاّ فيها يقول الغزالي واصفاً هذا الاخاء في فقه السيرة ( ومعنى هذاالاخاء ان تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية الاّ للاسلام وان تسقط فوارق النسبواللون والوطن فلا يتقدم احد او يتأخر الا بتقواه ومروءته . وقد جعل الرسول صلىالله عليه وسلم هذه الاخوة عقداً نافذاً لا لفظاً وعملاً يرتبط بالدماء والامواللا تحية تثرثر بها الالسنة ولا يقوم لها اثر ). لقد ضرب الصحابة في هذا الاساس اروعالامثلة وبلغ الدروس لكل الامم والشعوب في معنى الاخوة فكما حرص الانصار علىالحفاوة باخوانهم المهاجرين فما نزل مهاجري على انصاري الا بقرعة ...! كذلك قدّرالمهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلوه ولا نالوا منه الاّ بقدر ما يتوجهون الىالعمل الحر الشريف . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الاخ الاكبر لهذه الجماعةالمؤمنة لم يتميز عنهم بشيء فهو فيهم ومنهم حتى ان الرجل الذي لايعرف النبي صلىالله عليه وسلم ويأتي ليسأل عنه وهو جالس بين اصحابه ويقول لهم : ايكم ابن عبدالمطلب ...؟ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صورة لأعلى قمة من الكمال يمكن البشران يبلغها .
    نعم انها الاخوة في الله التي هي اوثق عرى الايمان ومن وجدها ذاقحلاوة الايمان ونال رضا الرحمن ولها من الاهمية ما تعجز عن وصفها الاقلام وتتواضعامامها المفردات. على ان الاخاء الحق لاينبت في البيئات الخسيسة فحيث يشيع الجهلوالجبن والجشع لايمكن ان يصح إخاء او تترعرع محبة ولولا ان اصحاب رسول الله صلىالله علي وسلم جبلوا على شمائل نقية واجتمعوا على مبادئ رضية ما سجلت لهم الدنياهذا التآخي الوثيق في ذات الله وقد بين البوطي في فقه السيرة اهمية هذه لهذهالاخوة: وهي :
    1- ان اي دولة لايمكن ان تنهض او تقوم الاّ على اساس من وحدةالامة وتساندها ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند ان يتما بغير عامل التآخي والمحبةالمتبادلة فكل جماعة لاتؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية لايمكن ان تتحد حولمبدأ ما ، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الامة او الجماعة فلا يمكن ان تتألفمنها دولة . على ان التآخي ايضاً لابد ان يكون مسبوقاً بعقيدة يتم اللقاء عليهاوالايمان بها ، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة وعقيدة مخالفة للاخرى خرافةووهم ومن اجل ذلك فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم اساس الاخوة التي جمع عليهاافئدة اصحابه (رضي الله عنهم) العقيدة الاسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى .
    2- ان التآخي والتوادد هي الضمانة الطبيعية والفطرية الاولى لاقامة المجتمعالسليم القائم على اساس من العدالة والمساواة فإذا كان التآخي والتناصر والتعاونقائماً في مجتمع ما فان ذلك المجتمع هو المجتمع السليم واذا فقد ذلك كان ذلكالمجتمع قائماً على الحيف والظلم وذلك هو المجتمع الظالم والمنحرف . ان الحب كالنبعالصافي الدافق يسيل لوحده ولايتكلف استخراجه بالآلات والاثقال والاخوة لاتفرضبقوانين ومراسيم انما هي أثر تخلص الناس من نوازع الاثرة والانانية والشح وقد فهمالرعيل الاول من الصحابة ( رضي الله عنهم ) هذه المعاني واستشعروها ليس لانهمتلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم فحسب وانما لانهم ارتقوا بالاسلام في نواحي حياتهمكلها فكانوا عباد الله اخواناً . ولو كانوا عبيد انفسهم ما أبقى بعضهم على بعض . يقول الدكتور الصلابي في السيرة النبوية (ان من الاصول العظيمة التي تحقق وحدة الصفوقوة التلاحم ومتانة التماسك بين افراد المسلمين تحقيق الاخوة في اوساطهم . انالاخوة منحة من الله عز وجل يعطيها الله للمخلصين من عباده والاصفياء والاتقياء مناوليائه وجنده وهي قوة ايمانية تورث شعوراً عميقاً بعاطفة صادقة ومحبة وود واحتراموثقة متبادلة مع كل من تربطنا بهم عقيدة التوحيد ومنهج الاسلام الخالد يتبعهاويستلزمها تعاون وايثار ورحمة وعفو وتسامح وتكامل وتآزر . ان الاخوة في الله من اهمالاسباب التي تعمل على الصمود في وجه اعتى المحن التي تنزل بالمسلمين والفهمالكامل لهذه الاخوة هو من اسباب تماسك حقوق المسلمين وقوتهم ومن اسباب شموخهموالتمكين لهم) .
    واننا اليوم في العراق في اشد الحاجة الى مثل هذه المؤاخاة التيحدثت بين المهاجرين والانصار لنرتقي الى المستوى الايماني الذي وصلوا اليه ، امامالمظاهر الزائفة من الاخوة (باللسان) فلا تجدي نفعاً . ان الفرد المسلم منا حينيشعر ان له اخوة يحبهم ويحبونه وينصرهم وينصرونه خاصة اذا تفاقمت الازمات وضاقتعليه الارض بما رحبت فان هذا مما يرفع روحه المعنوية بل ويرفع الذاتية ويجعله اقوىعزيمة وان فقدان مثل هذه المؤاخاة مما يضعف الصف الاسلامي ويجعل الفرد المسلم يشعراحياناًَ انه وحيد امام اعداد يكنّون له كل حقد ويحيطون به من كل جانب فكيف يستطيعتحمل كل هذه الضغوط النفسية والمادية . انها الاخوة في الله الدواء لهذا الداء .


    ثالثاً :الوثيقة:
    وهذا الاساس هو ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم لغرضتنظيم المجتمع المسلم فيما بينه وبين نفسه من جهة وبينه وبين الآخرين من جهة اخرى . ان هذه الوثيقة كانت دستوراً -كما في الاصطلاح الحديث- لدولة الاسلام تسير عليهعالجت فيه النظام الداخلي والخارجي للامة فكانت الاساس الاخير الذي وضع لبنيان دولةالاسلام . ومن تطبيق هذه الوثيقة والاهتداء بما فيها والتمسك باحكامها قامت دولةالاسلام على امتن ركن واقوى اساس ، ثم انتشرت قوية راسخة في شرق العالم وغربه تقدمللناس اروع ما عرفته الانسانية من مظاهر الحضارة والمدنية الصحيحة .
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    بحث حول الطرق الصوفية في الجزائر خلال العهد العثماني( تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:38

    بحث حول الطرق الصوفية في الجزائر خلال العهد العثماني

    ملخص بحث عن الصوفية خلال العهد العثماني في الجزائر

    مفهوم التصوف :
    لغة ً :
    كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف عند المسلمين على عدة تعاريف ، أشهرها
     أنه من الصوفة، لأن الصوفي مع الله تعالى كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى
    أو أنه من الصوف، لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والاخشيشان..
     أنه من الصِّفة، إذ أن التصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات، وترك المذموم منها
    أما اصطلاحا :
    كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا على آراء متقاربة
     قول زكريا الأنصاري: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية[8].
     قول الشيخ أحمد زروق: التصوف علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقهلإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام. والأصول "علم التوحيد" لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان.[9].وقال أيضا: وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين مرجع، كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه[10].
     قول الجنيد: التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني
    الجذور التاريخية للطرق الصوفية


    ظهر التصوف في العالم الإسلامي كمنحى فكري نظري بداية من القرن الثالث الهجري وذلك في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، على أيدي رجال شهد لهم الأعداء قبل الأصدقاء بالعلم والفضل والصلاح، وأرسوا قواعد هذا التيار الحديث النشأة، ورسموا له الأسس المنهجية التي بني عليها ولا تزال إلى الآن المصادر الأساسية لهذا العلم.
    وفي نهاية القرن الثالث الهجري، بدأ الصوفية ينظمون أنفسهم طوائف وطرقا يخضعون فيها لنظم خاصة بكل طريقة، وكان قوام هذه الطرق طائفة من المريدين يلتفون حول شيخ مرشد يسلكهم ويبصرهم على الوجه الذي يحقق لهم كمال العلم وكمال العمل، كما نجد ذلك في بغداد في العصر العباسي الأول عند فرقة " السقطية " نسبة إلى السري السقطي و" الطيفورية " نسبة إلى أبي زيد طيفور، والخرازية نسبة إلى أبي سعيد الخراز والمحاسبية نسبة إلى الحارث المحاسبي...
    فانتقل بذلك التصوف وتطور من ظاهرة أو مسألة فردية بين الإنسان وربه إلى ظاهرة اجتماعية طرقية كثر رجالها وأتباعهم كثرة ظاهرة، ومع تطور التصوف العملي وانتشار الظاهرة الصوفية لدى الأوساط الشعبية، حيث كثر عدد الأتباع والمريدين، والتف المريدون حول الشيخ ونسجوا حوله هالة من التقديس والتبجيل، بدأت تظهر الطرق الصوفية بشكلها المتعارف عليه الآن.
    أما بالنسبة للجزائر أو ما يعرف قديما بالمغرب الأوسط، فقد بدأ التصوف فيه تصوفا نظريا، ثم تحول ابتداء من القرن العاشر الهجري، واتجه إلى الناحية العملية الصرف، وأصبح يطلق عليه "تصوف الزوايا والطرق الصوفية"، وقد ظل هذا التصوف العملي سائدا في جميع أنحاء المغرب الإسلامي حتى بعد سقوط الدويلات الثلاث ودخول الأتراك العثمانيين
    أشهر الطرق الصوفية في الجزائر
    أشهر طريقة من حيث الذيوع والانتشار، كانت الطريقة القادرية - الشاذلية التي تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفى سنة 561هـ و قد انتقلت إلى الجزائر بخاصة والمغرب بعامة عن طريق الشيخ أبي مدين التلمساني سنة 594 هجرية بتلمسان
    أما في الشرق الجزائري فقد اشتهرت في كل من الجزائر، وقسنطينة –الطريقة الرحمانية، التي أسسها عبد الرحمن الأزهري) (مجاورة) وتأسست بها عدة زوايا من أهمها زاوية باش تارزي بقسنطينة
    وكانت الطريقة التجانية التي أسسها أحمد التجاني المتوفى سنة 1230 هجرية من أهم الطرق التي شدّت انتباه الناس إليها، لأنها كانت من بين الزوايا أو الطرق التي ثارت في وجه الوجود العثماني.

    مقدمة :
    اتسم العهد العثماني في الجزائر بانتشار ظاهرة التصوف، وسيطرتها على توجيه مسار الحياة السياسية والاجتماعية والروحية بوجه لم يسبق لهذه البلاد أن عرفت مثيلاً له، رغم أنه كان منتشراً قبل وبعد هذه الفترة
    من خلال هذا البحث نحاول أن نتعرف على مفهوم التصوف والجذور التاريخية للحركة الصوفية وأهم طرقها في الجزائر كما نشير إلى الدور الجهادي والتعليمي والسياسي للحركة في الجزائر وعلاقتها بالدولة العثمانية

    دور الصوفية
    ساهمت الحركة الصوفية في الجزائر خلال العهد العثماني في تنمية "الحس الروحي" الذي كان يجمع شتات القبائل تحت مظلته، وبه كانوا يشعرون أن مصيرهم واحد إزاء الغزو الصليبي لهم، فرغم تفرقهم وتناحرهم أحياناً، من أجل توسيع نفوذهم واكتسابهم لمزيد من الإقطاعات، إلا أنهم سرعان ما توحدهم كلمة "الجهاد" في سبيل الذود عن حرمة الإسلام وحماه، وأن الصوفية في الغالب هم الذين كانوا يغذون تلك الوطنية الدينية" أو ما يمكن أن نطلق عليه "سلطة الصوفية".

    ولقد أعطى التجاوب بين الصوفية والسلطة العثمانية، نتاجاً ثقافياً غزيراً، مشوباً في أغلبه بالتصوف، والتفكير الباطني، المعتمد على المجاهدة وتصفية النفس بالترك والزهد والتخلي للتحلي، وقلَّما نجد نتاجاً ثقافياً يعود إلى هذه الفترة قد نجا من "حمّى" التصوف
    وكانت "الزاوية" إلى جانب قيامها بالتعليم، تقوم بوظائف أخرى مكملة لغرس بذرة "الفكر الباطني" في الطالب أو المريد، والذي يغرس هو عادة "شيخ الزاوية" أو "مقدمها"، ففيها يتم أخذ "العهد" أو الطريقة، وتعتبر الزاوية، والشيخ، والمريد، والطريقة، من أهم الأسس التي تعدُّ الفرد في المجتمع الجزائري إبّان العهد العثماني إعداداً "باطنياً" وتجعله قابلاً لتلقي "المعرفة الوهبية" وفي الوقت نفسه يتقلص تلقائياً بناء العقل فيه، ويصبح دوره مقتصراً على الحفظ والتخزين والاعتقاد بلا انتقاد
    وفضلاً عما كانت تقوم به الزاوية من وظائف متعددة فإنها كانت كذلك مخازن للكتب
    وقد اختلفت آراء الباحثين في الدور الذي لعبته الحركة الصوفية؛ فمنهم من وجد فيها عنصرا إيجابيا في توجيه الحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية وخاصة في الدعوة إلى الجهاد وبث الحماسة في الجماهير التي انقادت لهم ، في حين رأى آخرون فيه كثيراً من ألوان السلبية التي جنتها الطرقية الضحلة على الحياة الاجتماعية والعقلية".
    موقف رجال الطرق الصوفية من الوجود العثماني
    الالتفاف حول العثمانين والسبب الرئيسي هو الغزو الاسباني للجزائر واعتبار ان العتمانين اتوا لتحرير الجزائر وان الرابط المشترك بينهم هو الاسلام ويجب التوحد تحت رايتهم للوقوف في وجه الاستعمار المسيحي

    مشاركة العثمانيين
    شجع العثمانيون رجال التصوف، وأهل الطرق الصوفية، وذلك بانحيازهم المعنوي في بادئ الأمر وفيما بعد شاركوا مشاركة فعلية في بناء القبب والأضرحة والمزارات، وهناك عدد كبير من الوثائق التي تدل على تلك المشاركة السخية
    كما ساعدوا "الصالحين" ببناء الزوايا والرباطات، وأنفقوا في سبيل ذلك أموالاً سخية، فرتبوا لبعضها أوقافاً خاصة
    ويجد القارئ أيضاً عبارات أو نصوصاً كثيرة تدل على مشاركتهم في تشييد القبب مثل: "أمر بتشديد هذه القبة المباركة مع التابوت أمير المسلمين السيد مصطفى باي أيده (كذا) الله
    الخاتمة
    وخلاصة القول في هذا البحث، هو أن الجزائر العثمانية قد تأثرت كغيرها من البلدان الإسلامية بالحركات الصوفية ومس هذا التأثير جوانب عديدة من حياة الفرد الجزائري , كما استغل الوجود العثماني هذه الحركات وتحالف معها من أجل المصالح المشتركة التي كانت تجمعهما مما وفر الأرضية الخصبة لنماء هذه الحركات واضفاء صبغة خاصة للتصوف في الجزائر ويمكننا أن نلتمس هذا التأثير في واقعنا من خلال القبب والمزارات التي لاتزال قائمة إلى اليوم .


    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    بحث حول الورتلاني (تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:56

    بحث حول الورتلاني

    بحث حول : الحسين بن محمد الورتلاني

    ملخص بحث حول الورتلاني :
    خطة البحث :
    مقدمة #مولده #نشأته #رحلته#وفاته #آثاره#خاتمة #مراجع البحث

    مقدمة :
    يعتبرالورتلاني من أحد أكبر العلماء والمشايخ الذين عرفتهم الجزائر،ذلك أنه أسهم بعمل كبير جدًا بالتاريخ والمعروف بالرحلة الورتيلانية . لذا يستحق منا وقفة للتعرف عليه وعلى رحلته التي هي أحد أهم مصادر التاريخ عن الجزائر و عن العالم الإسلامي . فمن هو الورتلاني ؟ وكيف كانت رحلته؟و ما هـــي أهم آثاره؟.
    1/ مولده:
    هو الحسين بن محمد السعيد بن الحسين بن محمد بن عبد القادر بن أحمد الشريف.ولد في 1125هـ/ 1713م. نسبهُ إلى بني ورتيلان قبيلة بالمغرب الأوسط قرب بجاية .
    2/ نشأته :
    نشأ الورتلاني نشأةً فقيرة أساسها التقشف الصوفي حفظ القرآن الكريم على يد والده .ثم درس الفقه والنحو والعروض والتاريخ .
    ـ وبعد ذلك شد الرحال خارج قريته للتعلم فزار عديد المدن :بجاية ، العاصمة ، بسكرة ، عنابة قسنطينة ، المسيلة ،البليدة ، تبسة .
    ـ ثم ذهب لتونس وتعرف على عديد العلماء.
    وهكذا أصبح الورتلاني كجده و والده من
    علماء المنطقة
    3/ رحلته :
    رحلته كانت بقيامه بالحج 3 مرات : 1940 , 1952 , 1965 م و قد وصف الطريق التي مر بها بالتفصيل حيث قصد سيدي خالد و من ثم سيدي عقبة فأولاد جلال ثم إلى قابس ثم قصد الساحل الليبي متوقفا ببرقة وطرابلس وقد وصف الورتلاني هذه الأماكن بالتفصيل كما وصف مصر و أهلها و علمائها وعاداتها من مصر توجهإلى الجزيرة العربية و قد تحدث عن ساحل البحر الأحمر وعن المدن والقرى التي تحاذيه وصولا إلى مكة التي وصفها أيام الحجو عن المدينة و حياتها .
    و هكذا يتضح أن رحلة الورتلاني تعتبرموسوعةعن جزء كبير من أخبار العالم الإسلامي في القرن 12هـ/18م.
    و كل هذه الرحلة دونها في كتابه «نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ و الأخبار»المعروف بالرحلة الورتيلانية .
    وقد قام العالم الجزائري “ محمد بن أبي شنب “ بتحقيق هذه الرحلة ونشرها لأول مرة عام: 1908م
    / وفاته :
    أما وفاته ـ رحمه الله ـ فكانت عام( 1779م أو1780م ) بمسقط رأسه في قرية <أنو>و دفـن في مقبرتها وما يزال قبره قائما إلي اليوم .
    5/آثاره :
    لقد ألف الورتلاني عديد المؤلفات لكن ضاع أغلبها للأسف،أشهرها "الرحلة الورتيلانية"
    "نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار"
    ـ شرح المنظومة القدسية للشيخ عبد الرحمان الأخضري في التصوف .


    ـ كتاب المرادين
    ـ شرح كتاب الصلاة .
    ـقصيدة في مدح النبيصلى الله عليه وسلم .
    ـ شرح محصل المقاصد لأحمد بن زكريا التلمساني .
    ـ حاشية على حاشية الكتاني على شرح
    السنوسي .
    الخاتمة :
    لقد كانت هذه تقريبا أبرز المحطات في حياة الشيخ الورتلاني ،الذي ترك لنا إرثا مفيدا جدا .ولا شك أنه أحد العلماء الذين يفتخر بهم جيلنااليوم والذي من خلاله يتذكرون ماضيهذه البلاد المشرق.
    مراجع البحث :
    1/ تاريخ الجزائر الثقافي من 1500ـ1830 .ج2 : أبو القاسم سعد الله .
    2/اعلام الفكر و الثقافة في الجزائر المحروسة , ج1 .يحي بوعزيز .
    3/ تعريف الخلف برجال السلف :ابي القاسم محمد الحفناوي .

    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    الغزو الاسباني لسواحل الجزائر( تاريخ)

    مُساهمة  nawal في الإثنين 7 مايو 2012 - 14:57


    الغزو الاسباني لسواحل الجزائر

    لاشك أنك درست سابقا بأن 1492 م تمثل انهيار العالم الإسلامي ممثلا في سقوط آخر مملكة إسلامية في
    الأندلس( مملكة غرناطة).
    إذن فهي عامل سلبي لعالم بلغ القمة في العصر الوسيط.
    وتمثل عامل ايجابي للعالم الغربي بظهور أهم نتيجة من نتائج النهضة الأوروبية في العصر الحديث
    والمتمثلة في الكشوف الجغرافية، والتي تأكد بموجبها كروية الأرض على أرض الواقع، ببداية التطبيق
    الفعلي للنظريات العلمية (ولو بالصدفة).
    إذن فهي عامل إيجابي للعالم الأوروبي الذي بلغ الانحطاط في العصر الوسيط.
    وما هي نتائج الكشوف الجغرافية؟ أهم نتيجة للكشوف هي : بداية حركة الاستعمار. ومن تزعم هذه
    الحركة؟
    إسبانيا والبرتغال اللذين ركزا جهودهما لاحتلال السواحل الإفريقية.
    إذن ما هي دوافع الاستعمار الإسباني للسواحل الجزائرية ولبقية دول المغرب؟
    لقد شكلت الجزائر أكبر هدف لمعظم الحملات العسكرية التي قادها أباطرة وملوك وأمراء وقراصنة
    أمثال شارلكان الاسباني، والكاردينال كزيمنس الطليطلي، وأندري دوريا الجنوي،


    تزعم هذه الحركة البرتغال و إسبانيا، ورفع شعار ضرب المسلمين في شمال غرب افريقيا، منعا
    للقرصنة التي كان يقوم بها المسلمون حسب ادعاءاتهم على الشواطئ الأطلسية والمتوسط. ويظهر من خلال
    هذا الشعار قوة الدافع الديني إلى جانب الدافع الاقتصادي، ويمكن أن نستدل بالشواهد الآتية :
    1 - سيطرة الروح الصليبية على حاكم أرغون(فرديناند) وحاكمة قشتالة (إيزابيلا) حيث بديا أكثر تعصبا
    و تأججا من صليبية القرن ال 11 م.
    -2 تقديم البابوات وعودا للبحارة الذين يشاركون في هذه الحملات بالفوز بالجنة.
    3 - مرافقة رجال الدين للرحالة إلى الأماكن المكتشفة لنشر الكاثوليكية فيها.
    -4 إصدار بعض البابوات مراسيم عديدة يخولون بها ملوك إسبانيا والبرتغال الحق في احتلال الأقاليم التي
    تم اكتشافها أو التي ستكتشف فيما بعد.
    - من بين هذه المراسيم : البابا نيقولا ال 5 ، كالسين ال 3 ، اسكندر ال 6 في السنوات 1455 م،
    1456 م، 1493 م.
    3
    1455 م 1447 م) مرسوما بعث به إلى هنري يشجعه على المضي قدما ) 5 - إصدار البابا نيقولا ال 5
    في عمله ويمنحه الحق في السيطرة على جميع البلاد التي تخضع للمسلمين.
    (إن سرورنا لعظيم أن نعلم أن ولدنا العزيز هنري أمير البرتغال قد سار في خطى أبيه الملك جون بوصفه
    جنديا قديرا من جنود المسيح ليقضي على أعداء الله وأعداء المسيح من المسلمين و الكفرة.).
    6 - أسر هنري 7 من المغاربة و إهدائهم إلى البابا.
    الدوافع الاقتصادية :
    - احتلال مواقع استراتيجية بصفة دائمة واتخاذها قاعدة للتوسع الاستعماري داخل البلاد.
    - استغلال الثروات الاقتصادية التي يزخر بها المغرب.
    - استغلال الموقع الجغرافي للمغرب باعتباره بوابة للتوغل داخل القارة.
    كيف أصبح المغرب في بداية القرن ال 16 م.
    لقد تعرض المغرب للعديد من الحملات العسكرية نذكر منها.
    1 - حملات بيدرونا فاروا على المرسى الكبير [ 1505 م] ومسرغين [ 1507 م] و وهران [ 1509 م] وبجاية
    1510 م] وعنابة [ 1510 م]. ]
    2 - حملة ديبقود و فيرا على مدينة الجزائر عام 1516 م.
    3 - حملة دون هوغور ومونكار على مدينة الجزائر عام 1519 م.
    4 - حملة أندري دوريا على مدينة شرشال عام 1531 م.
    5 - حملة شرلكان الكبرى الفاشلة على مدينة الجزائر عام 1541 م، التي باركها وأيدها البابا بول الثالث
    واشترك فيها قراصنة ايطاليا وصقلية وفرسان مالطة.
    6 - حملة البابا بيوس الرابع الصليبية ضد الجزائر عام 1555 م و 1560 م التي اشترك فيها فرسان مالطة و
    نائب ملك نابلي، وقادها نائب ملك صقلية الدوق دومدنيا.
    7 - غارة خوان قسكون الاسباني ضد مدينة الجزائر عام 1567 م بمساعدة وتأييد ملك اسبانيا.
    8 - الحملة الصليبية الضخمة ضد الجزائر العاصمة عام 1601 م التي اشتركت فيها قوات البابا، وجنوده،
    ونابلي والطوسكانة.


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 23 يوليو 2017 - 9:44