hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الآثار التربوية للشعائر التعبدية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الآثار التربوية للشعائر التعبدية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 23 مايو 2011 - 20:47


    اولاً: الصلاة
    لا تجد آية في كتاب الله عز وجل ذكرت الصلاة بوصف أداء الصلاة، ولكنها إقامة- أقيموا- أقم- أقام.. بينما اللفظ نفسه ذكر في القرآن: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: من الآية 58)، فلو كان المطلوب تأدية الصلاة، لجاء اللفظ كما في الأمانات التي هي تسليم بلا تغيير بزيادة أو نقصان، فلا يضيف الإنسان للأمانة شيئًا على شكلها، ولكن الأمر مختلف تمامًا في حالة الصلاة؛ ولذلك لا بد من الرجوع إلى مادة أقام يقيم ومعانيها المتعددة؛ لتفهم مراد ربنا منا في الصلاة، ولإلقاء مزيد من الضوء على المطلوب في الصلاة، ثم إذا نظرنا إلى الحديث الذي هو من نفس المشكاة النورانية الربانية لمن علمه ربه ما لم يكن يعلم.
    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل عن الصلاة لمن أحسن ركوعها وسجودها وتلاوتها: "حفظك الله كما حفظتني"، ولمن أساء: "ضيعك الله كما ضيعتني"، فما هي الإضاعة وما هو الحفظ؟ ويضيف حديث آخر في شأن صلاة الجماعة: "يخرج المسلمون من الصلاة، هذا بنصف صلاته، وهذا بعشر صلاته، وهذا بصلاته كلها"، رغم أنهم خلف إمام واحد، بحركات واحدة، وقراءة مشتركة عن الإمام، فما الذي تغير؟ "ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها"، أليس له أصل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعود إلى الاشتقاق اللغوي.. أقام من إقامة البناء وتشييده، وأقام من الإقامة أي من السكن والاستقرار، وأقام العود المعوج وجعله مستقيمًا.
    مَن أقامها فقد أقام الدين ومقابله ومَن هدمها، فهي بناء يبنى فوق بعضه، وفيها تقيم وتسكن وتستقر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في الصلاة" (النسائي- بسند صحيح)، وأما الحديث فإن الحفظ يدل على أنها أمانة بين يديك، الله عز وجل سائلك عنها، والتضييع يدل على أنها شيء ثمين، أكرمك الله عز وجل به فضيعته ولم تحافظ عليه، لذا كان وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)﴾ (المؤمنون)، فلا بد أن هناك شيئًا آخر داخل الصلاة غير استيفاء شكلها وحركاتها وألفاظها، وهو لب الصلاة أي روح الصلاة، والشكل هو جسدها، وهي بالاثنين قد أقيمت، أما بغير روحها فهي ميتة تلف كالخرقة البالية، وتقذف في وجه صاحبها؛ لذلك لم يكن عجيبًا أن تبقى هي كآخر ما ينقص من عرى الإسلام؛ لأنها البذرة التي تبقى بعد جفاف الشجرة وذبول الثمرة، وبقاء البذرة يؤكد أنها من الممكن زراعتها ثانيًا في التربة البشرية، وسقيها بماء السماء وهو الوحي، فتنبت شجرة الإسلام كاملة كما سنرى؛ لأن فيها كل خصائص وصفات ووراثة الإسلام كالشجرة، ومع هذا الفهم الشامل العظيم لقيمة الصلاة تكون بالفعل حدًّا فاصلاً بين الكفر والإيمان، وتكون أيضًا ناهية عن الفحشاء والمنكر، وتكون بحق عماد الدين، وعمود الأمر، ولو كانت تقتصر على شكلها وأركانها فقط، فكيف تكون بهذا عماد الدين وعمود الأمر؟!.
    لذا كان التنبيه الخطير من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمرنا بالحكم بإسلام من صلى، ولكنه حذَّر من سلوكه ونفاقه، ومخالفته لأوامر الله، وارتكابه للكبائر أنه بعد ذلك يكون زاعمًا أنه مسلم، فقال عن المنافق، وعمن دعا بدعوى الجاهلية، فإسلامه زعم، وإيمانه ناقص، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.
    هيا نستعرض الصلاة جسدًا وروحًا، ولفظًا ومعنى، وحركة وسكنة، وركوعًا وسجودًا، وشرعًا، ونغوص في أعماقها بقدر ما يفتح الله لنا، فإن مثل الصلاة كعامل يعمل لحسابك، فإن كان صحيحًا سليمًا قويًّا، فهو يعمل ويأتي لك بأجر تنتفع من ورائه خيرًا على قدر نشاطه، وإن كان مريضًا معلولاً، فإنه لا يأتيك بأي عائد، بل يكلفك من وقتك ومالك وصحتك ما تحاول به علاجه، ويعود عليك بالخسارة لا بالربح.
    هيا أولاً إلى الأذان: نفرغ مما في أيدينا، ومما يشغل نفوسنا وقلوبنا؛ لنسمع نداءً علويًّا جميلاً جاء بإلهامٍ من الله في رؤيا رآها- في ليلة واحدة- اثنان من الصحابة عندما كان المسلمون مشغولين مهمومين بكيفية النداء للصلاة والإعلام بدخول وقتها، هل يضربون ناقوسًا كالنصارى، أم ينفخون بوقًا كاليهود، إذا بالرؤيا الصالحة الصادقة تأتي كفلق الصبح، جائزة لمن حمل همَّ دينه ودعوته، بل وإخوانه وأمته تكملة قبل الأذان نفسه: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.
    ولنتوقف هنا قليلاً؛ لأن الافتتاح مذهل يهز الأعماق، ويقطع كل حالات الإنسان، واهتمامات الإنسان، وأشغال الإنسان، بلفظ جامع لا يمكن أن يعظم معه شيء، أو يشغل عنه شيء، الله أكبر، إنها صيغة تفضيل، على ماذا؟ على كل من وما سيعظم في نفسك، وعلى كل من وما سيكبر في عينك، (فالله أكبر) مطلقة، تقطع كل علائق الدنيا، وهي الشعار الدائم في الأذان والصلاة والذبائح وشعائر العيد وشعائر الحج والإيذان بالصلاة وبداية الصوم ونهاية الصوم، لذلك تقول السيدة عائشة رضي الله عنها، تصف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحدثهم ويحدثونه، حتى إذا نودي للصلاة قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، أتدرون لماذا؟ لأن (الله أكبر) اعتراف منك أنت أيضًا، وإقرار بذلك، وبقى أن يدلك خلقك على ذلك، لأن (الله أكبر) فليس هناك شيء أكبر، فكله منه وهو الأكبر وغيره صغير ضئيل حقير زائل، والله أكبر لذلك كان الأمر: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)﴾ (الإسراء)، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾ (المدثر)، أي زد ربك عظمة في نفسك، وكبره في اهتمامك تكبيرًا يليق بعظمته وجلال وجهه وعظيم سلطانه، بل وعظم ما عظمه، وحقر ما حقره، والله أكبر تملأ القلوب، ثم الشهادتين مفتاح الإسلام ومفتاح الجنة، تشهد مكررًا خلف المؤذن ما تقر به وتشهد أمام الناس، فتقيم الحجة على نفسك، وتعترف بهذا حتى إذا خالفت ذلك أقمت من نفسك الدليل على نفسك، وليس فقط معنى أنك تشهد، هو إقرار بألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بل إن اللفظ يعني أنه قد ثبت لديك ثبوت من شاهد؛ ليشهد ما شاهده، أي أرى بعيني رأسي، وأرى ببصيرة قلبي، أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقر واعترف بلساني، وأقيم الحجة على نفسي، وعلى غيري حقًّا وصدقًا.
    بعد هذه الوقفة، بل الاستراحة سنطوف مع مشهد آخر من مشاهد الأذان.
    (حي على الصلاة.. حي على الصلاة..
    نداء معناه لمن يفهم العربية، هلموا هلموا إلى الصلاة، وهذا الذي يفهم من النداء، أن من ينادي هلموا، يعني أنه يريدك أن تأتي إليه، لهذا كان أذان المؤذن في المسجد، يعني أن تذهب إليه لتلبي نداءه، وإلا ما كان هناك داعٍ لأن يناديك لهذا اللفظ، فليس الهدف من الأذان الإخبار بدخول الوقت فقط، ولكن شفرة لإعلان إسلام أهل هذه البلد، للغريب المار على الطريق، وكذلك إعلام بوجود مكان للصلاة، وتحديد لهذا المكان؛ ليقصده الناس ويجتمعوا فيه، والأعجب من هذا الفهم الشامل، هو الرد الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلبي به، أو نتجاوب به مع المؤذن بعد حي على الصلاة.. إننا نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
    هل شغلت نفسك ولو مرة واحدة يا أخي المسلم المصلي والملبي لنداء الأذان ماذا تعني بالنسبة لك هذه الكلمات، أو حتى ماذا تقصد أنت بقولك لها عندما تقولها؟ إنه اعتراف وشهادة أيضًا بأنه لا حول أي قوة معنوية نفسية، ولا قوة أي قوة مادية عضلية حركية إلا بالله، أي إلا استمدادًا من واهب القوى والعزائم، الذي إن شاء وهب وإن شاء سلب، وكذلك لا حول أي لا تحول عن الحال التي أنا فيها، إلى حالة الصلاة، ولا قوة لي على ذلك التعبير، إلا بالله القوي القادرة المعطي المانع.. ويأتي بعد حي على الصلاة: حي على الفلاح، أي أنك إذا أقبلت على الصلاة، أقبلت على الفلاح، فما هو الفلاح؟ إنه نجاح المقاصد وتحقيق الغايات وحتى جني الثمار، فما الذي في الصلاة ليتحقق ذلك كله؟ إنها الصلة بالله- عز وجل- لذلك كانت قوام هذا الدين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾ (المعارج)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)﴾ (المعارج) فالأولى تعني الصلة بالله، والثانية تعني الصلاة، ثم تذكير أخير بخلاصة القضية، الله أكبر الله أكبر، النداء الأخير قبل الوداع والختام، وختام ألفاظ الأذان، بل ختام الحياة الصالحة وحسن الختام لكل مسلم مؤمن في آخر حياته كلها، لا إله إلا الله، أخف حروف ينطق بها اللسان بأقل مجهود، ولكنها أثقل ما يوضع في الميزان، زالت في كفته الأخرى كل سجلات الذنوب، كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يثقل مع اسم الله شيء.
    انتهى الإعلان والإعلام، وبدأت قضية وجودنا، ومحور حياتنا، وسبب نجاتنا من مهالك الدنيا، وأهوال القبر والقيامة، وآخر وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يغادر دنيانا ويودعنا الوداع الأخير قبل لحوقه بالرفيق الأعلى: "الصلاة الصلاة وما ملكت إيمانكم"، على أمل أن نلقاه على الحوض بإذن الله وفضله وكرمه لنشرب من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، لم نسعد بصحبته في الفردوس الأعلى بمن الحنان المنان، ذي الجلال والإكرام.
    لا شك أن صور وهيئات بعض الصلوات كصلاة الخوف، وصلاة العصر، وحالات الصلاة والجمع، وفي المرض وعلى الدابة، وفي السيارة، وفي الطائرة، وفي الباخرة، والقطار وأركان وفرائض، وسنن الصلاة، ونوافل الصلاة، وسهام الليل، والوتر، وصلوات المناسبات، والحاجات، والكسوف، والخوف والاستسقاء، والحاجة، والجنازة، كما شرعها الله وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلها تعني شيئًا واحدًا أنه لا يعفى مسلم بالغ عاقل من أداء الصلاة مهما كانت الظروف (إلا الحائض والنفساء)، وتدور حول معنى واحد أنك- في كل حالاتك- في حاجة إلى ربك- تلقاه لتكلمه في الصلاة، وتقرأ القرآن ليكلمك سبحانه وتعالى، وتشكو إليه بثك وحزنك وحاجتك، فكان لك في كل حالاتك صلاة، وفتح الباب لك فوق ذلك بأن تدخل على رحاب ربك بصلاة تستأذن بها عليه في أي وقت وكل حال.
    نعم إن الأصل في العبادات التعبد دون الالتفاف إلى الأسرار والحكم والمقاصد، لكن التدبر يعين على الفهم، والفهم يعين على العمل بإذن الله، لكن الشيء المحير.. هو هذه الأواني المستطرقة روحانيًّا فيما نفرد به الفرد على المجموع، ويؤثر به المجموع على الفرد، وعلى المستوى الفردي ما يعطيه المرء لصلاته من الاهتمام، وما تعود به عليه الصلاة من الكرم الإلهي والإنعام بشرط واحد: أن يتناول المصلي دواء الصلاة كما شرحه طبيبه صلى الله عليه وسلم في مواعيده، وبانتظام حتى يبرأ بإذن الله من كل العلل والأسقام والآثام.
    فبماذا بحول الله وقوته، لعل صلاة الفرد وحده تكون البداية ونتدرج منها إلى صلاة الجماعة؛ ليميز أثر الصلاة على الفرد هو وحده عن أثر الصلاة على الفرد أيضًا وهو في جماعة، وندرك قيمة السبع والعشرين درجة، ثم بعدها نتناول أثر صلاة الجماعة على المجتمع.
    أولاً: صلاة الفرد في بيته وحده أو حتى في المسجد وحده، أليست صحيحة ومقبولة بإذن الله؟ نعم ولكن مع الحرمان من أجر الجماعة، فيخسر ست وعشرين درجة من درجات العطاء الرباني، فما الذي يمنع أن يستمر على صلاته في بيته فلا يذوق طعم الجماعة، ولا ينتفع بدروسها، أتدرون ما الذي يمنعه من الاستمرار، وما ينبهه إلى فرضية العبادة الجماعية وضرورتها له، إنها صلاة الجمعة فالله- عز وجل- يرغب المسلم في الحضور إلى المسجد ولقاءه سبحانه في جماعة من إخوانه المسلمين ليفيض عليهم من رحماته وفيوضاته ستة أيام في الأسبوع، إذا هو لم يحضر برغبته وإقباله على الله؛ طمعًا في الأجر والثواب، فإذا باليوم السابع يكون الأمر فيه وجوبيًّا وإجباريًّا وليس اختياريًّا، إنها فريضة الجمعة التي إن تخلف عنها مسلم أربع جمع ختم على قلبه، فيحرم الخير كله والتوفيق كله.. إذن الأجر مداره في البداية على الترغيب، ولكن إذا لم يستجب للترغيب كان الأجر الجازم الإجباري بالحضور؛ لأنه أصبح لا يدرك مصلحته، فليفرض عليه ما فيه خيره حتى يفيق من غفلته، وأيضًا ليذوق حلاوة صلاة الجماعة؛ لعله لا يفرط فيها بعد أن ذاق وعرف.
    نعود لوقفة العبد بين يدي ربه بعد غسل كل أعضائه الظاهرة، وتساقطت ذنوبه مع ماء الوضوء؛ ليقدم على ربه بطهارة ظاهرة، تتجاوب معها طهارة باطنة، يجاهد نفسه عليها؛ لأن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
    توزيع الصلوات على اليوم والليلة بعدها، ففي المفروض والمسنون وسرها وجهرها توقيفي ولكنه يدور مع حاجات الإنسان في اليوم والليلة، وقد فرض قيام الليل قبل الصلوات الخمس المكتوبة، بأكثر من ست سنوات، وخفف فرض قيام الليل بعد حوالي سنة؛ لكي يصبح تطوعًا، وتم التنبيه على أن هذا التخفيف يترك أثرًا تربويًّا عميقًا عندما تأتي الصلاة المكتوبة، فأقيموها واهتموا بإتقانها بعد أن خفف الله عنكم كما خفف عددها من خمسين في اليوم والليلة إلى خمس؛ ليكون الاهتمام بالكيف بعد أن خفف الله الكم، وبعد أن رفع الصلاة خفف قيام الليل من فريضة ثلثي الليل إلى التنفل بما تيسر منه تطوعًا، فكلما حاول الشيطان أن يثقلها عليك أو يثقلك عنها قل له كيف بك يا عدو الله لو كانت فرضت على خمسين قبل أن يخفف عني ربي الرءوف الرحيم؟، وكيف بك يا عدو الله لو كان قيام الليل بقى فرضًا على ثلثي أو نصف أو ثلث كل ليلة؟.
    هيا لنكبر وندخل في الصلاة مهيئين، فإني تركت الدنيا خلف ظهري، وأقبلت عليك يا ربي، تحريت قبلة ووجهة بيتك، لأكون على خط من الخطوط الموصلة إليه، وليكن لي تحريًا دقيقًا لوجهة بيتك قبل كل عمل، وأتوجه لبيتك وأنا بعيد عنه فأكون في شوق دائم إليه، حتى تأذن لي بزيارته لأراه عن قرب وأسعد بالطواف حوله والصلاة إليه وقراءة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)﴾ (قريش)، فأذوق حلاوة القرآن حيث نزل القرآن
    الوضوء: لا شك أن له أثرًا مرئيًّا محسوسًا في تطهر الأعضاء المتحركة والفاعلة طيلة اليوم وغسلها ماديًّا ومعنويًّا.. عيون وآذان وفم ولسان ورأس ويدان وكفان ورجلان بعد طهارة القبل والدبر وطهارة البدن كله من حدث أكبر، وبالإضافة إلى غسل هذه الأعضاء يقترن معنويًّا في حديث الصادق المصدوق بالطهارة في الذنوب التي اقترفتها الجوارح طيلة اليوم والليلة: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: من الآية 60)، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الذنوب تتساقط مع غسيل الأعضاء وتنزل ذائبة في قطرات الماء"، ما أكرم ربنا وأرحمه وأرأفه بالعباد المذنبين، المقبلين عليه، وما أيسر مغفرته وتوبته على أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أعنت الأمم السابقة بالتوبة التي تحتاج إلى قتل النفس كي تقبل، ويبدلنا بها كلمات تقال باللسان يصدقه القلب التائب، يراجع خواطر آية الوضوء وآية التيمم في كتاب (خواطر حول آيات القرآن) فإن التطهر بالتراب آية من آيات الله البينات، وفضل من الله على الأمة الإسلامية، وتيسير على العباد، يحتاج إلى شكر وامتنان واعتراف بالفضل والجميل للحنان المنان.
    صلاة الجماعة:
    برنامج تدريبي جماعي إسلامي على أهم مميزات وخصائص المجتمع المسلم حسب النظام الرباني، مهما حاول الحكام إفساده وتغييره خارج المسجد، ولكن تبقى عروة الصلاة، وتبقى مساجد الله التي أذن سبحانه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولا يطبق فيها إلا نظامه القويم من خلال العبادة الدائمة الخماسية في اليوم والليلة، والتي لا تنقطع في أي مكان ولا زمان، ولا ينفك عنها إنسان إلى قيام الساعة.
    نحن- أول ما نبدأ في صلاة الجماعة- نختار الإمام وكذلك فعل الصحابة رضوان الله عليهم الذين تعلموا دروس صلاة الجماعة المسلمة الأولى، تركوا جثمان الرسول الطاهر صلى الله عليه وسلم مسجى في حجرة السيدة عائشة- رضي الله عنها- وذهبوا ليجمعوا أمرهم حول الخليفة حتى يؤمهم في الصلاة، ولا يتم حسم أي أمر إلا في وجوده، فهو أول كل الخطوات، ولو كانت أول فريضة سيصليها المسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فمن الإمام؟ وهو صلى الله عليه وسلم الذي وضع القواعد لاختيار الإمام: "ليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله" فمن أين لنا أن نعرف أقرأنا لا بد أن نقرأ سويًّا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أكثرنا قراءة من؟ وأفضلنا قراءة من؟ وبالتالي الاتفاق عليه؛ لتميزه وشهادة الجميع له، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إن على الإمام أن ينبه المجتمع المسلم الذي سيرأسه وسيؤمه في الصلاة، "ليليني أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".. بالله عليكم كيف سنعرف هذا أو ليس هذا لا ينتج إلا بعرض مشكلات أهل كل منطقة وحي، في مسجد جامع على أهل الحل والعقد فيه، ويدلي كل منهم بدلوه في حل المشكلة، ويتم تجريب هذه الحلول، ويظهر منها صاحب أرجح رأي وأقوى حجة ومن بعده ومن بعده ومن بعده، لإعداد صفوف المجتمع المسلم كله بالصف الأول والثاني والذي يليه والذي يليه.
    ولكن هل كما تعودنا أن يحجز الصف الأول للمسئولين سواء كانوا يستحقون هذا أم لا؟ ليس هذا في الإسلام، إنما التنافس على مرضاة الله، والمسارعة لتلبية نداء الله، فيكون خير صفوف الرجال أولها، ولا يحجز مكان لصاحبه، إنما مسارعته لتلبية نداء الله هي التي تفرض على الآخرين، لذا كان المتثاقلون عن تلبية نداء الله في آخر صفوف الرجال، وهي شر صفوف الرجال.. ويكون الإحساس بالموجود في الصف الأول دوافعه المسارعة، والمواجهة في أول الصفوف، وستر الإمام، والاستعداد لخلافته إذا حدث طارئ، وفدائه بالنفس، وكذا يبدأ الصف من خلف الإمام، ليكون الأفضل هو الذي خلف الإمام مباشرة، ثم ينتشر الصف يمينًا، ثم ينتشر شمالاً، ولا يبدأ صف حتى يستكمل الذي قبله، فلا توجد ثغرة واحدة ولو مكان لفرد واحد، ثم بعد هذه التنبيهات لا يتوقف دور الإمام والمسئول عند إصدار الأوامر، ولكن بعد ذلك متابعتها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بين الصفوف يسويها بنفسه، وينبه كل من يترك ثغرة، أو لا يسوي ما بينه وبين إخوانه، أو عنده بوادر نفور أو خروج تتمثل في تقدم أو تأخر عن موقعه وثغرته، بكلمات هي وصايا، بل هي أوامر تتجاوز الموقف في الصلاة إلى السلوك في الحياة من المسلمين وتحذيرات من أمور خطيرة تبدأ زوايا انحرافها من عند ضلعي زاوية الصلاة بينك وبين أخيك.
    استمعوا إلى هذه البيانات الهامة من القائد الذي سيؤم المصلين، والذي سيقود الجيش الذي سيقف صفًا كأنه بنيان مرصوص: "لينوا بأيدي إخوانكم، لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج تماسوا تراحموا سووا الصفوف وسدوا الخلل".
    ولكل جملة فيها حديث خاص نتناوله بشيء من التفصيل بعون الله.
    موضوع شكل الصلاة قبل الإسراء، وموضوع إلغاء كل أشكال الصلاة لغير القادر، وبقاء لب الصلاة، وموضوع عدة صور للصلاة حسب الحالة في الخوف والسفر.
    "لينوا بأيدي إخوانكم- تماسوا تراحموا" أوامر تدعو إلى بث روح المودة والرحمة، والتطاوع المتبادل، ونبذ الغلظة والقسوة، والتعصب للموقف وللوقفة، وتجربة أثر التلامس الذي لا يؤذي؛ يؤدي إلى سريان كهرباء الأخوة والمودة بين الصفوف.
    "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" تنبيه على الحرص على عدم الاختلاف في الشكل، فيحدث الاختلاف في الموضوع، والهدف هو الاهتمام بالصغيرة حتى لا تؤدي إلى الكبيرة، فما ضرر الاختلاف بين أصابع الأقدام، إنه أمر هين ولكنك ستجده يحدث فيمن لا يهتم بأمر إخوانه، ولا يعنيه أمر من يقف بجواره من المسلمين، ولا يحب أن يتواصل معهم، ولا أن يتساوى معهم بأطراف أصابعه وقدميه وكتفيه، ولذلك ستجد الأنانية تدفع كل فرد أن يقف كما يشاء، ولا ينصاع ولا يلين في يد أخيه الذي يقف بجواره، ولا يحرص على البنيان المرصوص، ليشد بعضه بعضًا كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن يأتيه التحذير، بل يأتي الكل من معه في الصف، لا تتركوه لهواه، فإن ذلك سوف يضركم جميعًا لأن الصف كله إذا أعوج فيه واحد فقط؛ فإن الله لا ينظر إلى الصف كله نظرة رحمة، من هنا يتم القضاء على الأنانية بل ويقضي على السلبية في نفوس الآخرين، فإنه صف واحد وسفينة واحدة، إن أخذوا على يد المعوج نجا ونجوا جميعًا، وإن تركوه هلك وهلكوا جميعًا، هذا هو الدرس اليومي.
    درس آخر إذا وجدت ثغرة في أي صف وجب على كل من يراها أن يسدها ولو بجسده، بل واجب عليه أن يتحرك في الصلاة التي يتطلب فيها السكينة وعدم الحركة، بل ويمشي ليسد الثغرة في الصف الذي أمامه وله أجر هذه الحركة.
    ودرس ثالث لا صلاة لمنفرد خلف الصف. لماذا؟ حتى تتربى في الفرد روح الجماعة، ويخاف من الانعزالية والانفرادية، حتى ولو خلف نفس الإمام، حتى لا يأكله الذئب الذي يأكل من الغنم القاصية، فالشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم كما قال صلى الله عليه وسلم.
    ولا نعلم كيف كانت الصلاة قبل صورتها النهائية في ليلة الإسراء إلا أنها كانت قراءة قرآن وسجدات، لكن اللب الأصلي هو مناجاة الله عز وجل وتلاوة القرآن بين يدي رب العزة، فالأصل موجود قبل اكتمال الشكل، ما يجب لفت الأنظار إليه عندما لا يقدر المسلم على أداء حركات الصلاة بسبب مرضه أو ما شابه ذلك، يبقى لبها وخلاصتها، وهي الصلة القلبية برب العزة وهي الأصل، ويجرى حركات الصلاة وكلماتها على قلبه أي أن أوراق الصلاة قد تسقط عن العبد المسلم غير المستطيع وتبقى شجرة الصلاة ولو بدون أوراق الشكل، فيظل الموضوع هو الأصل واللب الضروري الذي لا يعفي منه أحد.
    نعود إلى صلاة الجماعة، لنرى الإمام يطبق على نفسه ما سيأمر به أتباعه بعد أن يفعله هو أولاً، ويجب على الجنود والتابعين عدم الحركة إلا بعد أن يسمعوا الأمر من القائد، بل عند تمام الأمر سماعًا، وليس حتى اعتمادًا على الرؤية قبل صدور الأمر، لتضبط حركة المأمومين حركة واحدة متناسقة، بل لأن الإمام قد يرجع في قراره أن يعلن الأمر، حتى ولو تحرك هو، فلا يحدث ارتباك ويصبح الخطأ مردودًا بأقل المشاكل.
    وتضع صلاة الجماعة أمس العلاقة بين الإمام والمأمومين أو القادة والجنود.. إذا أخطأ الإمام، وجب على أي من المأمومين رده- ما دام يعرف الصواب، حتى ولو كان صبيًّا أو امرأة- وعلى الإمام أن ينزل إلى الصواب ويرجع عن الخطأ، فإذا أصر القائد على خطئه وكان الخطأ مسموحًا به أي فيما لا يؤثر في صحة الصلاة، وجب على المأمومين متابعة الإمام ولو مع الخطأ اليسير بعد التنبيه، أما لو حدث خطأ جسيم؛ كأن أراد مثلاً زيادة ركعة خطأ ولم ينزل على مقتضى التنبيه والنصيحة؛ وجب على المأمومين التوقف عن المتابعة، والبقاء جالسين، وعدم التسليم حتى ينتهي الإمام من الركعة الخطأ، ثم يسلمون معه بعد التحيات حرصًا على وحدة الجماعة وعدم الفرقة.
    لا يجوز في المسجد إقامة جماعة والجماعة الأولى قائمة، هذا مبدأ ينبه كل من أراد أن يفعل ذلك أن أجر الجماعة الأولى يفوق كل ما يمكن أن يحصل عليه، حتى من حرص على جماعة بركعات كاملة.
    فإن مجرد الدخول في الجماعة الأولى له أجر أكبر، حتى ولو قبل التسليم، وكذلك قد يكرمه الله بمن يأتي ويقدمه إمامًا فيستحق له كل الأجر (بأجر الجماعة الأولى، وأجر الوصل بين جماعتين، وأجر كل الركعات بعد ذلك جماعة).
    ولا يجوز لمن هو خارج الجماعة أن يصوب للإمام أي خطأ فإن أراد تصويب أي خطأ فلينضم إلى الجماعة، فيكون له الحق في التصويب، وعلى الإمام سماع رأيه طالما أنه صواب، بتصحيح آية أو حركة من حركات الصلاة، والإمام يعطي ظهره للمأمومين ليس إعراضًا عنهم ولكن لأنه يتوجه بهم إلى الله، وعندما ينتهي من لقائه بربه، فإنه يعطيهم ظهره إلا ليتوجه بهم على الله أو يدعو الله بعد صلاة الفجر والمغرب ثم يلتفت إليهم بعد ذلك، (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) 10 مرات ثم (اللهم إني أسألك الجنة، اللهم أجرني من النار) (سبع مرات) في المغرب والصبح.
    شكل الصلوات، وأنواع الصلوات، يتفاعل مع ظروف المسلم والجماعة المسلمة، ويتناسب معها كي يكون المسلم والمسلمون على يقين من أن دينهم دين عملي واقعي يراعى الظروف، فالهدف هو الصلة الوثيقة بين العبد وربه، ورحمة ربه ورأفته به وتخفيفه عنه، وأن الله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولو شاء الله لأعنتكم، وشدد عليكم، وشق عليكم، ولكن هناك صلاة القصر والجمع في السفر والمطر والخوف، وأشكال صلاة الخوف في الحرب مختلفة لتناسب كل حالة من حالات المعركة، ويتأقلم المسلم مع الظروف بمرونة منه، وتيسير وتخفيف من الله اللطيف الخبير؛ الذي يتوجه إليه المسلمون بكل عباداتهم وجهادهم، بلا شقاق بين دينهم وجهادهم وصلاتهم، ولا أمتعتهم وأسلحتهم.
    وملاحظة أخرى حول سرية صلاة الجماعة وجهريتها، تجد صلاة الظهر والعصر سرية، وبقية الصلوات جهرية، وتجد أن الصلاة الجامعة إذا تمت بالنهار ولغير الظهر والعصر مثل صلاة الاستسقاء، صلاة الخوف، صلاة العيدين، تتحول السرية إلى الجهرية مما يسترعي الانتباه، ويحتاج إلى التفكير في العبر والدروس المستفادة من هذا، وضرورة دمج دروس الصلاة في دروس الحياة
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تابع الاثار التربوية للشعائر التعبدية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 23 مايو 2011 - 20:51


    .
    الصوم
    آيات الصوم تحمل معاني كثيرة ندور حولها بتوفيق الله وعونه ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 183)، أي أن هذه فريضة تمت في كل الأمم السابقة، لأنها أمر لا تستغني عنه البشرية، لإصلاح نفسها، وتغذية روحها، والقرب من ربها، ولكن الصور التي كان عليها الصيام مختلفة، اكتملت في أفضل صورها التي جمعت كل محاسن صيام الأمم السابقة، في صيام هذه الأمة الخاتمة، ورحمة الله واضحة في فريضة الصيام، وتدرج التكليف، وتخفيف وقعها: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: من الآية 184)، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: من الآية 184)، ويلاحظ أولاً أن هدف الصيام وختام آيات الصوم: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 187).
    ويلاحظ أيضًا أن آية الدعاء دخلت بين آيات الصيام؛ للتنبيه على أهمية الدعاء، ودرجة دعاء الصائم العالية، وما دام هدف هذا الموضوع هو الآثار التربوية، والحديث عن التقوى هو الأصل المبتغى من وراء هذه العبادات، فماذا تتقي هو الأصل المبتغى من وراء هذه العبادات، فماذا نتقي؟ وكيف تحقق هذه التقوى؟ نتقي غضب الله ونار الله، ونتقي كل الضرر وكل الشر وكل الذنوب وكل الآثام كيف؟
    من البدهي أن نعرف أن الجسد من طين الأرض، والروح من النفخة العلوية أو اللطيفة الربانية، وأن غذاء الجسد هو الطعام والشراب أو الماديات، وغذاء الروح هو الوحي والذكر والروحانيات.
    والجسد الطيني إذا ثقل أخذ الروح معه فتتثاقل إلى الأرض، والروح إذا سمت ارتفعت بالجسد إلى درجات عالية، وحلقت به في الآفاق، وشهر رمضان يحقق هذا السمو من طريقين: الأول ضبط الشهوات وتحريم بعض الحلال منها في نهار رمضان، لتحقيق تمام العبودية لله، والتحرر من عبودية الشهوات، حتى ولو كانت حلالاً، والطريق الثاني جعل رمضان هو موسم القرآن غذاء الروح حيث فيه نزل وحيث تنهل الأمة كلها من القرآن وعلومه، بتنافس محمود في هذا الشهر الكريم.
    ويتميز شهر رمضان بعدة خصائص تتدرب فيه الأمة من خلالها على صفات حميدة، وتتربى على مائدة الصيام والقرآن في نفس الوقت لمدة شهر كامل، لتترسخ فيها العزيمة على الطاعات بالتحلية، والتخلص من العيوب وذلك بالتخلية، ويصبح شهر رمضان للفرد وللأمة جامعة تعليمية تثقيفية وتربوية، ومستشفى تطبيبية لعلاج كل أمراض النفس البشرية، وأمراض المجتمعات الإسلامية كلها، حتى أمراض الدول لها علاجها في مستشفى رمضان.
    الأهداف الرئيسية:
    الجامعة الرمضانية: يستمع المسلمون جميعًا في كل بقاع الدنيا لكلام الله تعالى هم يقفون صفوفًا خلف أئمتهم، وحفاظ كتاب الله فيهم؛ ليتعلموا ما يصلح الله به أمر معاشهم ومعادهم
    وأما علوم الغيبيات، فلا ينبئك مثل خبير، فمن ذا الذي يقدر أن يحدثنا عن الأنبياء والمرسلين والكتب المنزلة والأمم السابقة، من يقص علينا بعلم محقق كما قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)﴾ (الأعراف)، بل من يقدر أن يحدثنا الملائكة والجن والقبر والبرزخ والجنة والنار والحساب والعقاب بحديث يشبع النفس، ويأخذ بالألباب، سوى رب العزة بكل شيء، أما المستشفى فتعال أخي لنحصر أمراض الفرد والمجتمع والأسرة والأمة، ولعل أول الأمراض وأخطرها الرياء، وهو داء أخوف ما يخافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخلف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء" (رواه أحمد).
    وفي العلاجات النافعة للرياء: الصوم، فهو العبادة الوحيدة التي لا يمكن أن يرائي فيها أبدًا، مهما استشرى فيك هذا الداء، فالصيام يجتث هذا المرض من جذوره.
    ثاني أمراض الأفراد ضعف العزيمة والمقاومة للشيطان والشهوات والمعاصي والآثام، وذلك لغلبة الشهوة، ومكر وكيد الشيطان، صاحب الخبرة الطويلة والعميقة في إغواء الإنسان، ويأتي رمضان بحول الله وقوته ليغلق هذين البابين، باب الشهوات وباب الشيطان، حيث تصفد المردة ولا يبقى إلا صغار الشياطين، ليتدرب الإنسان على مقاومتها وهزيمتها، مع العلم بأن شهوتي البطن والفرج اللتين يتدرب الإنسان المسلم أكثر ما يتدرب في رمضان على قهرهما والسيطرة عليهما وتعبيدهما لله، هما أكثر ما يشغل أمتنا، ويضيع مقدرتها البشرية والمالية، بل هما أكثر ما يدخل الناس النار، لذا كان مقياسين دقيقين لمدى استفادة الفرد والأمة من دروس رمضان.
    ونلاحظ نتائج التدريب تظهر في يوم العيد، يخاف الإنسان أن يأكل أو يشرب في صباح هذا اليوم لشدة ما تعود عليه من امتناع عنهما صباح كل يوم من أيام رمضان، ويقف متسائلاً قبل الأكل والشرب آلله أذن لي بذلك؟
    ونستفيد من هذا الدرس أن نقف ولو للحظة قبل كل قول أو عمل سل نفسك في يوم العيد آلله أذن لي بهذا؟ وهذا يدعو إلى تحري الحلال والحرام في كل أمر فعل.
    وتلاحظ نتائج التدريب بمرور أيام شهر رمضان، فهما كان من حر أو برد في نهار رمضان فلا يجرؤ صغار الشياطين على أن يقنعوا المؤمن على أن يحتسي شربة ماء بمجرد أن يعزم الإنسان على الصيام، وبأقل مقاومة لإغراء الشيطان يستمر في الصيام على عكس المعارك مع الشيطان في غير أيام رمضان، بل على عكس معارك أخرى يكسبها الشيطان في نهار رمضان، عندما نجد المسلم يحرس مدخل فمه لمنع الطعام والشراب، ولا يحرس مخرج فمه عن الكلام المنهي عنهن فينم ويغتاب ويكذب، وكل ذلك في نهار رمضان الذي يخاف أن يدخل فمه فيه قطرة ماء.
    لذا كان التحذير الشديد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يخرس كل مداخل أو مخارج الشيطان:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"، "ورب قائم ليس له من قيامه إلا النصب والتعب".
    وعجيب أن ترى عشر رمضان الأول رحمة، والأوسط مغفرة والأخير عتق من النار، العجيب أيضًا شحذ الهمم في نهاية رمضان كي تبحث عن ليلة القدر بعد أن يكون الإنسان قد أجهد من الصيام، وتبدأ منحنيات الأعمال في الضعف، يأتي هذا الحافز ليرفع مستوى الأداء إلى الأفضل، على عكس كل أعمال البشر التي تبدأ بهمة وتنتهي بفتور وإجهاد، هناك دروس أخرى منها اجتماع شمل الأسرة، وتعاطف المسلمين وعطفهم على الفقراء والمساكين، واليتامى والأرامل، ووضع برنامج غذائي صحي، وبرنامج عبادي خاص بهذا الشهر يحقق مطالب الروح والجسد، وزكاة خاصة بهذا الشهر يدفعها الفقير أيضًا؛ ولو مرة في العام بأن يده يد عليا، تعطي غيره ولا يأخذ فقط، حتى أنه يعطي ولو مما أخذ، فتطهر نفسه من الشح مع فقره وحاجته.
    وفي ليلة القدر درس عميق لنبذ الخلافات، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبر الأمة بموعد ليلة القدر، فوجد رجلين يتلاحيان فلم يحقق من المخطئ ومن المحق، ولكن هذا الخلاف أنسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه موعد ليلة القدر؛ ليظل هذا درسًا يدوي في أسماع الأمة، إياكم والخلاف والتنازع والتلاحي فهو يحرمكم من خير كان سينزل على الأمة.. وحيث إن الله عز وجل- لا يحمل الناس ذنوب غيرهم فقد جعل في غياب موعد ليلة القدر من ليالي رمضان تنافسًا محمودًا ينال به المسلمون خيرًا أكبر في إحياء هذه الليالي المباركة كلها بالعبادة؛ أملاً في نيل ثواب ليلة القدر، فكان خيرًا لهم.
    ضرورة الحرص على استمرار خير رمضان بعد رمضان:
    حيث إن شهر رمضان كان تدريبًا على المعركة التي بعده وبعد النفقات التي أنفقت فيه، والمعسكر الرياضي، والتدريب الإيماني، الذي لا يعقل ألا تتم المباراة بعده، ولا تراعي أنها قد لا تبدأ؛ لأن العدو سيطلق سراحه بعد رمضان مباشرة، فإن لم تقابله أنت سيقابلك، وإن لم تناصبه العداء فقد ناصبك، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر) ولا بد لمن ذاق حلاوة طريقة التربية الرمضانية، ومن أحس بآثارها في نفسه ومجتمعه، أن يداوم على تناول هذا العلاج لفترات تنشيطية بعد التحصين الذي حصل في رمضان، فمثلاً القرآن موجود وباقٍ إلى قيام الساعة، بل بعد ذلك؛ لقول الله عز وجل ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ (الأعراف: من الآية 53)، ويخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أننا سنسمع تلاوة سيدنا داود بصوته الجميل في الجنة، ووسائل التربية ما زالت مفتوحة أبوابها بعد رمضان، فالقيام قائم، والاعتكاف مسنون: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)﴾ (البقرة).
    كذلك العمرة في رمضان:
    والتي يحرص عليها كثير من الناس، إن المكوث بعد صلاة الفجر في جماعة بذكر الله تلاوة القرآن حتى تطلع الشمس، ثم صلاة الضحى بعد ذلك كان حجة وعمرة تامتين تامتين.
    وكذلك الزكاة، وكذلك صوم النوافل، ومعرفة أهمية الدعاء ومكانته للصائم، كما يذكرنا ذكر آيات الدعاء بين آيات الصوم كلها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾ (البقرة)، أما الستة أيام من شوال بعد رمضان فهن رغم أن لهن الأجر الكبير عند الله بإضافة أجر شهرين إلى أجر عشرة أشهر مقابل رمضان (الحسنة بعشر أمثالها) فيصبح المجموع سنة كاملة (12 شهر)، فإن المسلم الذي يصوم ستًا من شوال بعد أن فرغ الناس من الصيام المفروض كأنه يقول لضعاف النفوس صمتم رغمًا عنكم أو كرهًا من نفوسكم، كما يقول الله- عز وجل- ﴿وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة: من الآية 54) أما أنت فكأنك تقول لهم: إني كنت صائمًا رمضان، نعم فرضًا علي وأمرًا مطاعًا، ولكن عن حب ورضا وطواعية؛ لذا فبعد انتهاء الصوم المفروض الذي لا فكاك منه، أشهد الناس جميعًا أني أحب ربي، وأحب أوامر ربي، وفرائض ربي، وأتقرب إلى ربي بالنوافل التي سنها لي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، من جنس ما فرض الله، الذي قال في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" (رواه البخاري)، فهل بعد هذا الكرم من كرم؟ وبعد هذا الفضل من فضل؟ وبعد هذا القرب من قرب؟ فمن أقرب إليك من الله – عز وجل- هاديًا وموفقًا ونصيرًا.
    تفاصيل في التخلية والتحلية: رمضان مشروع له زمن، وبه طاقات مساعدة، وفيه مناخ، ويمكن التركيز في كل مرة على التخلص ولو من صفة واحدة رزيلة، وإحلال صفة واحدة محمودة على مستوى كل فرد في الأمر، وبذلك يسهل متابعة تحقق هذه الصلة خلال أيام شهر رمضان، بل هذا يلمح من تقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان على ثلاثة أقسام، كل قسم يكون من عشرة أيام، مرحلة يتحقق فيها صفة، وتنال عليها الأجر، فالرحمة غير المغفرة، والمغفرة غير العتق من النار، وهي جوائز تصاعدية تدل على الرقي في الدرجات، عشرة أيام بعد عشرة أيام بعد عشرة أيام.
    الرياء والتفصيل فيه:
    كيف يوضع برنامج للتخلص من الرياء يعين عليه الله؟ فمع الصيام يوجد التهجد، حيث لا يراك أحد، والصدقة الخفية، حتى لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك، وحيث لا يمكن أن يبقى في نفس مسلم رياء بعد عمل يتعود عليه، يأخذ من وقته وماله وصحته، ولا يسمع كلمة بالثناء عليه من أحد، ولا يحصل على عائد سريع دنيوي من أحد، ولا يبتغي به إلا وجه الله، وهل الرياء إلا عكس ذلك كله؟
    عدم ارتباط الشعائر التعبدية بموسم مناخي واحد، فالصلاة طوال اليوم والليلة، لنعبد الله ليلاً ونهارًا، صباحًا ومساءً، ظهرًُا وعصرًا حضرًا والمضر، خوفًا وأمنًا، وعلى كل حالاتنا كذلك الصيام، بعض الأمم على اختيار مدة صيامها مرتبطة بالتقويم الشمسي، حيث يأتي دائمًا صيامهم في الربيع، حيث الجو غير الشاق في أداء العبادة، ولكن التكليف الرباني لنا، دون تدخل منا بتغيير أو تبديل، يجعل الصيام يمر على الفرد والأمة في كل فصول السنة، حرارة وبردًا، صيفًا، وشتاءً، نهارًا قصيرًا وليلاً طويلاً؛ أو ليلاً قصيرًا ونهارًا طويلاًن فتتدرب النفس على مشقة العبادة في كل الظروف، والامتثال لأوامر الله في كل حال، ويكون من كرم الله على العبد توفيقه له بصيام النوافل، التي تجعل تدربه طوال العام ينقله تدريجيًا من ظرف مناخي إلى ظرف آخر، حتى يحل عليه رمضان وقد استعد له بهذا التدريب، ويتكامل في رمضان تربية النفس والبدن والروح في وقت صومه، والتزامه بأوامر الله، وكذلك ضبط إيقاع الالتزام في سماع الأمر بأكمله أكبر من الإمساك عن طعامه وشرابه وشهوته، وانتظار الأمر من الله لكي يحل له ليلاً ما حرم عليه نهارًا، وليعلم الجميع سادة وعبيدًا وملوكًا وحكامًا ومحكومين، أنهم معًا عبيد لله- عز وجل- ينتظرون أمرًا واحدًا يصدر لهم دون تفرقة، وبهذا يتحررون جميعًا من عبودية بعضهم لبعض، بل واستعباد شهواتهم لأنفسهم، حتى سماه الرجل الصالح الشهيد حسن البنا، ولا نزكي على الله أحدًا، (شهر الحرية) على ما فيه من قيود للنفس البشرية، الحرمان من بعض الحلال، ولكنها القيود من الله التي هي قمة الحرية من عبودية ما سواه، وجميل أن يكون عيد الفطر فرحة بتمام فريضة الصيام، فلا يحق لمن عصى ربه بإفطار رمضان بغير عذر، أن يفرح في العيد كما يفرح الصائمون، فعلام يفرح: بل عليه أن يحزن؛ لأنه لو صام العمر كله في مقابل يوم واحد أفطره عمدًا في رمضان ما كفر عنه، وبمجرد انتهاء فريضة الصوم يبدأ الاستعداد لأداء فريضة الحج، شهر شوال هو أول شهور الحج، والفرحة في عيد الأضحى فرحة لإتمام فريضة أخرى وهي الحج؛ رغم أن من شعائر الحج ما يدل على افتراق العائلة المسلمة الواحدة على الله عز وجل- فالفرحة دائمًا مرتبطة بالطاعة، فلو أني وعائلتي مجتمعون على غير الطاعة، ما كان لنا فرحة، ولو أني وإياهم افترقنا على الله في طاعة جهاد أو حج أو أسر في سبيل الله، فالفرحة قائمة، لأننا اجتمعنا على الله وافترقنا عليه.
    تفضيل ليلة القدر وأجرها، وأنها ليس فيها صيام، وأنها تدريب على أعلى مستوى أداء الهمة العالية؛ خاصة عند قرب انتهاء العمل.
    الزكاة:
    عبادة قاتل عليها سيدنا أبو بكر الصديق مانعيها، رغم أن هدفها الرئيس هو تزكية النفس وتطهيرها، وتطهير المال الذي خرجت منه؛ ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والصدقة برهان" رواه الترمذي (أي دليل الإيمان).
    الزكاة قُرنت بالصلاة في كثير من آيات القرآن الكريم، فهذه عبادة النفس، وهذه عبادة المال، ولا يستقيم عهد عبد مع الله إلا من باع نفسه وماله لله: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111)، وقسط بيع النفس يبدأ من تسليم بعض من الوقت لله، وقسط بيع المال أيضًا تسليم بعض منه لله.
    والأرقام المذكورة في أجزاء العشرة لزكاة الزرع، وأجزاء المائة لزكاة المال، والحصص المختلفة، والنصاب المحدد في مجموعات الحيوانات؛ لإخراج زكاتها من كل نوع، يختلف عن نسب النوع الآخر، وكذلك فرق الأرض التي بذل فيها المسلم جهدًا في سقياها عن الأخرى، تم تعويض ذلك بفرق في زكاة زروعها رحمةً من ربك؛ ولذلك عندما نراجع الأهداف التربوية العامة للعبادات وهي الربوبية، والألوهية، والعبودية، وعلاج مشكلات الفرد وتزكيته وترقيته في مستواه البشري بين أمثاله من الأفراد؛ لتربيته على عين الله ومنهاج الله، وكذلك علاج مشكلات المجتمع المسلم، حتى المجتمع غير المسلم، فقد أثبتت البحوث الاقتصادية أن أفضل علاج لمشاكل القروض، أن تكون الفائدة البنكية صفر (أي لا ربا) بل مضاربة ومشاركة في الربح والخسارة.
    وكذلك وُجد أن أفضل دورة لرأس المال أن يفرض منه 2.5% ليرد في مصارف الاحتياجات؛ إذن ظهور وسطوع معنى الربوبية التي تعني أن الله مالك كل شيء، يترسخ عندما تشعر بأن المال مال الله، وأنك مستخلفٌ فيه، وكذلك تعميق الألوهية الآمرة الناهية، وشرط إطاعة هذه الأوامر أن يستمر الحكم لكل بالإسلام، وإلا فلتخرج من تحت سماء الله ولا تجلس على أرضه، ولتختر ربًا سواه، سبحان الله وتعالى.
    أما العبودية فهي الشعور بالفقر الحقيقي عندما نسمع قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ﴾ (محمد: من الآية 38)، فالتهديد قائمٌ من الملك القادر، يهز قلبك وبدنك أيها العبد الآبق، والصور التي أمامك كثيرة تهدد الممتنع عن الزكاة، فمن بخل من وكلاء الله على عيال الله، أذاقهم الله وبال أمرهم ولم يبالِ.
    عبودية يرغب فيها ويرهب منها قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)﴾ (التوبة).
    وقوله عن اليهود: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)﴾ (آل عمران).
    وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)﴾ (التوبة).
    لذا كان التهديد من القادر بشيءٍ في الآخرة، لتقليل شأن الدنيا كلها، ليس المال فقط، فقد يتركه الله مع البخلاء؛ ليتمتعوا به حتى مماتهم، ثم تكون الموعظة الكبرى عند دخولهم القبر بكفن لا جيوب فيه، ويبقى المال يشهد على صاحبه: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: من الآية 58)، فمن أين مالك ولم يكن معك عندما وُلدت؟ وكيف يكون مالك وأنت تتركه وتموت؟
    فالخلاصة أنك مستخلفٌ فيه منذ أن وهبك الله إياه وسيأجرك الله على صرفه في مصارفه التي سمح لك بها، ويعاقبك على غيرها، وعندما تموت يقسم المال بالطريقة التي حددها صاحبه سبحانه وتعالى؛ لذا يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مال إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟" (رواه مسلم)، بل هناك مَن لفت النظر في أسماء المال لنحذرها، فاسمه مال؛ لأن المال جعل صاحبه يميل عن الطريق القويم إلا من رحم الله، والذهب لذهابه، والفضة لانفضاضها، ولكنه في النهاية نعم المال الصالح للرجل الصالح.
    ومن دلائل علم الله المحيط أن الله فرض في الركاز، أي الكنوز المدفونة في الأرض، وفرض في صور المزروعات وفي التجارة نسب زكاة محددة، وكذلك الحيوانات وفي الغنائم والفيء وشتى المصادر المالية؛ نسب محددة تؤكد في جميع مجالات الحياة بأن الملك كله لله، وهو وحده المتصرف فيه، وأن طاعته لا تكون إلا بما شرع، فلا يملك كائن من كان أو كائن أن يغير في النسب التي حددها الله، ولا يكون لهواه أي دخل بتمييز ولا تبديل، وإن تطوع بالزيادة خيرًا فهو خير له، يقول الله عز وجل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: من الآية 11).
    فلا علاجَ للأنانية إلا الصدقة، ولا علاجَ للبخل أوقى من الزكاة، ولا علاج للرياء مثل الصوم وصدقة السر، ولا علاج لسخائم الصدور إلا الهدايا، ولا علاج للحق والحسد من الفقراء وأولي القربى إلا بإعطائهم حقهم المعلوم من مالك؛ فيحبون لك أن يزيدك الله؛ لأن خيره عائد عليهم، وهم منتفعون به، بل إن الصحابة كانوا يشكرون الفقراء والمتصدق عليهم؛ لأنهم قبلوا الصدقة؛ لكي يكونوا سببًا في نزول رضى الله على المتصدق.
    أما علاج أمراض المجتمع فلن تجد مجتمعًا أُقيمت فيه فريضة الزكاة وتبقى فيه مشكلة اجتماعية اقتصادية تُذكر، ونموذج الأمير الموفق الراشد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز سلالة جده- رضي الله عنه- في أقل من عامين وزَّع الزكاة على الفقراء، والمحتاجين، فلم يبق منه أحد، وزوَّج من الزكاة، وأعان مَن لا يستطيع مؤنة الحج لأداء الفريضة، وفاض المال فسدد به ديون الأفراد الغارمين في تجاراتهم بالشروط الشرعية، وفاض المال، فأي بركة هذه، وأي خيال، وأي ضلال أنتم فيه يا أصحاب برامج الإصلاح الاقتصادي ذا العقدين، بل ولو حتى العقود؛ لأن الله لا يصلح عمل المفسدين، فأين من الزكاة تجهيز الجيوش، وبناء المدارس المستشفيات، وإقامة مشاريع الإسكان وتشغيل الأيدي العاطلة، وتيسير الزواج والحج، وتسديد الديون، وهل بعد هذا من علاج الأدواء المستحقات الحالية يا أولي الألباب؟.
    دروس الحج التربوية:
    فريضة الحج مرة واحدة في العمر، يجب أن تلفت النظر إلى أن شحنة دروسه وعبره التربوية تكفل أن يشحن بها العبد المؤمن قلبه، فيدوم معه أثرها بقية عمره؛ مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يرجع كيوم ولدته أمه" (رواه البخاري)، وكأنه بعدها يفتح صفحة جديدة بعد غسيل كل الذنوب، ولكل من حضر عرفة؛ حتى يولول الشيطان ويصرخ من كثرة من يغفر له، وما يغفر بفضل الله ورحمته، ولنبدأ الحديث عن الحج بسورة الحج؛ حيث إن درسها هو الدرس الأول لمن أراد أن يتربى على مائدة القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾ (الحج).
    حديث يزلزل القلوب عن الساعة، وأهوالها، افتتاحه لسورة الحج واضح لكل ذي عينين وقلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن أوجه الشبه بين مشاهد الحج ومشاهد القيامة كثيرة: أولها إعداد الكفن، وثانيها ترك الدنيا وراء الظهر، وثالثها حشد بشري هائل لكل مسلمي الدنيا شرفهم الله بحج بيته الحرام في صعيد واحد، كأنه يوم الحشر، يخرجون بأكفانهم من الأحداث، فإذا ما عادوا بعد أداء هذه الشعيرة على ملة إبراهيم وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كانوا كمن منحهم الله وقتًا إضافيًّا في عمرهم، وصفحات بيضاء جديدة بعد إلغاء إجاباتهم الخاطئة في الامتحان السابق؛ فيسطرون فيها أعمالاً صالحةً، على نحو ما ذاقوا من حلاوة الإيمان وصفاء الطاعات ونورها.
    لا بد من التنبيه على أن اشتراط المال الحلال، والراحلة الحلال، والغذاء الحلال والملبس الحلال لقبول الحج، كما قال رسول صلى الله عليه وسلم: "يقال له لبيك وسعديك" على عكس تلبية من ماله حرام، وراحلته حرام، ومطعمه حرام، يقال له: "لا لبيك ولا سعديك" (رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، والسيوطي في الجامع الصغير)، كل هذا يخيف المسلم المسافر هذا السفر الطويل، وهو يعلم أنه سيكلفه مالاً كثيرًا، وجهدًا أكثر، فيتحرى حلال المال والمأكل والملبس؛ خشية ضياع كل جهده وماله بلا فائدة، حتى ولو كان عاصيًا بعيدًا عن الله عز وجل؛ فإنه عند استعداده لرحلة العمر هذه بتحري مبلغ يدخره من مصدر حلال للإنفاق على هذه الرحلة؛ عسى الله أن يتقبلها؛ فيغسل بها الذنوب؛ ويمحو بها الخطايا، يذكرني هذا بعهد كفار مكة، عندما اتفقوا عند إعادة بناء الكعبة ألا يدخل في بنائها مال حرام من مهر بغي، أو حلوان كاهن، أو مال مغصوب يقينًا، فإن الفطرة تعترف بحرمة هذه الأموال، وكذلك الفطرة تعترف بأن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبًا.
    ويزيد من خوف العبد، وهو مقدم على هذه الرحلة أنه سيترك زوجه وأولاده، وأمواله وديعة عند الله متمثلاً حج أبينا وجدنا إبراهيم الذي قالت له زوجه هاجر: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا، فلمن سيترك هؤلاء؟! إنه سيتركهم لله، ومن هو ذاهب؟ إنه زائر لبيت الله الحرام، وحق على المزور أن يكرم زائره، ومؤديًا لخامس أركان الإسلام، ثم زائرًا لمسجد حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم.
    إن تحريم دخول مكة والمدينة على مشرك أو كافر يؤكد معنى مهمًّا وخطيرًا: أنكم أيها المسلمون إذا فرطتم في كل أرضكم الإسلامية أو بعتموها لأعدائكم، أو لم تحموها من أعدائكم، فإن البلدين الحرامين حرامٌ على الكفار ممنوعان بحفظ الله من دخول المشركين أو الكفار، وهما وقف فقط للمسلمين بأمر الله، وسلطان الله، وقدرة لإقامة الحجة على المسلمين بتقصيرهم في حق بقية مقدساتهم، وعلى رأسها المسجد الأقصى الذي أوكل الله إلينا المحافظة عليه، أو سائر بلاد وأراضي المسلمين التي سلط الله علينا بذنوبنا عدوًّا من غيرنا، فاستنفد بعض ما في أيدينا، كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحديد أماكن للميقات، وتحديد زمان للحج، وتحديد مواقيت ومناسك للحج عند كل شعيرة منها، تكليف بأمر ما، وإحياء لمناسبة من ذكريات السيرة الإسلامية الأولى لأبينا إبراهيم وزوجه هاجر- رضي الله عنها- وابنها إسماعيل عليهم صلوات الله وسلامه.
    فمن درس افتراق الأسرة الإسلامية على الله مقابلاً لاجتماعها على الله، ولكلٍّ أجره وثوابه، ومن تسليم الزوجة الطائعة لربها وزوجها؛ درس يجب ألا تنساه الأمة المسلمة نساؤها على الأخص، فخروج أزواجهن للجهاد هو حفظ لهن ولأولادهن أفضل من بقاء أزواجهن معهن، فمن أين كان سيأتي لها أبونا إبراهيم بماء هو آية إلى قيام الساعة، طعام، وشراب، وشفاء، وأمان، وما تحقق لها ولابنها الرضيع لم يأت إلا بعد التسليم والرضا، وعون الزوج على طاعة الله: (اذهب لما أمرك الله) واليقين في حفظ الله وموعوده، مع تمام انقطاع الأسباب ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (إبراهيم: من الآية 37)، وحوله الوحوش والسباع، ولا يوجد مأوى، والطفل الرضيع، أو يدافع عنهما، ولكن مع كل هذا لا بد من بذل الجهد، أي الأخذ بالأسباب، فمهما تكالبت المصائب، وأظلمت الدنيا، وانقطعت الأسباب، لا يأس ولا قعود عن بذل الجهاد، وإلا لكانت أمنا هاجر تواكلت، ويئست، واستسلمت، فكيف يا أمة الإسلام، وحالنا الآن مهما بلغ أهون بكثير من حال أمنا هاجر وابنها الرضيع، وهي لم تقعد عن بذل جهدها الضعيف ولو لم تملك غيره، وهي تمشي وتهرول بين الصفا والمروة 3/4 كيلو مترات × 7 أي حوالي 5 كيلو مترات مشيًا، وهرولة، وأقصى أملها ترى قافلة معها ماء وطعام، ونحن نسير نفس الخطوات، ولكننا ننسى أن نعيش نفس الظروف والحالات التي مرت بها، أو حتى نتخيلها، لنخرج منها بالنتيجة المرجوة، فما الذي كانت تحلم له؟ وماذا كانت أقصى أمانيها؟ طعام أو شراب ليوم أو يومين، ثم ماذا بعد؟ لا.. إن العطاء عطاء الكريم الذي أمرنا أن نعبده، ونتوكل عليه، فيكون الدرس الأساسي في السعي الأخذ بالأسباب وترك النتائج على الله، فإذا بجبريل الأمين ينزل ليفجر البئر المباركة زمزم من تحت أقدام الطفل، وليس من تحت أقدام الأم؛ ليكون آية أخرى أن الله عزَّ وجلَّ يأتي بالخير من باب أضعف الأسباب إذا أراد تنبيه الغافلين إلى طلاقة القدرة التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
    وتخيل معي أخي المسلم أن ماء زمزم قد فاض لتشرب منه أمنا هاجر وابنها الرضيع، ولكن من أين يأتي الأمان، وهو أهم من الطعام والشراب، انظر إلى القدرة تسخر طيور السماء؛ لتكون جهاز الإعلام الذي ينقل الخير إلى كل القوافل التي تعرف مغزى هذه الرسالة الطائرة، فتلتف القوافل حول البئر، وتستأذن السيدة المصونة هاجر؛ ليكون عزًّا وشرفًا وسيادةً تأذن لمن تشاء، وتمنع من تشاء، والقوافل تحميها بالتبادل، وتحمل لها طعامًا وشرابًا، وتتناقل القوافل الخير؛ لتكون زمزم محط كل القوافل ذهابًا وإيابًا، فلا ينقطع الأمان، ولا ورديات الحراسة مع الرعاية والحماية بكل الوسائل من الغوائل، كل هذا، والأب في لقاء ربه لا يدري ما حدث لزوجه وولده، ولا شك أنه كان في قلق، وإشفاق بلا رسائل تصله أو تطمئنه، ولكن على يقين أنه قد استخلف الله عز وجل عليهم وهو نعم الخليفة في المال والأهل والولد مع التسليم بلا تفاصيل، كما قالتها زوجه الصابرة الثابتة (إذن لن يضيعنا) وهي لا تدري كيف وليس هناك كيف؟!
    أما الطواف فهو درس روحاني عجيب بسبع، هي من بركات التكاليف، بسبع نسعى، وسبع نطوف؛ ولكن العجيب والغريب أن كل الكائنات تطوف في هذا الاتجاه، اتجاه طواف الطيور والملائكة، بل وطواف الأفلاك حول نجومها، بل وطواف أجزاء الذرة حول مركزها والملائكة حول البيت المعمور
    إنها دورات شحن للقلب والروح في مجال مغناطيسي لا يدرك كنهه أحد.. لكن حلاوته تلامس شغاف القلب، وتبارك من هذا عطاؤه بغير حساب.
    أما مقام إبراهيم فهو دليل الحب للتكليف، فالمقام كان لبناء الكعبة بأعلى مما تستطيعه يداه فكان حقًّا ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: من الآية 97). أما منى، ومعركتك فيها مع الشيطان تجسيد لهذه المعركة التي هي محور حياتك كلها مع عدوك الأول والأوحد، والذي منه تتشعب عداوات كل أعدائك، تنبه يا مسلم أن الشيطان سيأتيك عند إصرارك على الطاعة، ولن ييأس عن تكرار الوسوسة فهو لم يتوان عن الوسوسة مرة بعد مرة، بعد مرة أملاً في أن يثنيه عن طاعة ربه، رغم قسوة الابتلاء بذبح الابن الوحيد، فهل سيتركك أنت، وهو لم يترك أبا الأنبياء، وهل ستضعف في مواجهته، رغم الفارق الشاسع بين الابتلاء الذي كان يمر به جدك، وما ستمر به أنت من ابتلاءات، مهما بلغت فلن تصل إلى الأمر بذبح ابنك الوحيد بيديك، فهل وعيت الدرس؟ والعجب أن الطاعة في الالتزام بالسلاح الذي أمرت به في هذه المعركة الفاصلة، ورغم أن عدوك مدجج بكل صور الأسلحة الفتاكة، والإغراءات العديدة، وخطط المكر والكيد الذي لا يقدر على مثله أو على مواجهته، فما سلاحك؟ تخيل.. حصى من حصى الأرض الطاهرة في حجم حبة الفول بعدد من مضاعفات السبعة (حكمة يعلمها الله) يتضاءل سلاحك المادي إلى هذه الدرجة التي يبرز معها السلاح الحقيقي طاعة للرحمن، ورجمًا للشيطان بهذا، وبهذا فقط يحترق الشيطان كما تفعل به سورة الناس، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلا يثقل مع اسم الله شيء، ولا تقف في وجه قرآن الله قوة، ولا يصمد شيطان في وجه الجمرات، وهي حصيات ولكنها سميت جمرات فيا ترى لماذا؟ إن الله يحول حصياتك إلى جمرة نار تحرق الشيطان المخلوق من نار ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17).
    ثم الشكر على نعمة الفداء بالهدي الذي سيظل نعمة لا ندركها إلا إذا تخيلنا أن الله لو أنفذ أمر ذبح أبينا إبراهيم لابنه الوحيد إسماعيل؛ لأصبح لزامًا علينا أن نذبح أولادنا قربانًا لله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 220).
    ولنبلور الأهداف الثلاثة الرئيسية:
    إظهار الربوبية من كل خلق الله لرب واحد:
    كل خلق الله يعترفون لله بأنه رب واحد لا شريك له (إن الحمد والنعمة لك، لا شريك لك)، ثم الألوهية بالطاعة، فلم تستجب هذه الأمة الإسلامية بقوة ما، ولا لأحد ما، مثل استجابتها لربها في هذا الإقبال منقطع النظير، إقبال القلوب والأرواح قبل الأبدان؛ استجابة لدعوة أبينا إبراهيم الذي كان كل همه أن يأتي أناس ليؤنسوا زوجه هاجر وابنه إسماعيل، كي يتمكنا من إقامة الصلاة فقط، فهي الغاية والنهاية: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَل0ْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)﴾ (إبراهيم)، وقد كان جميعنا شهودًا على ذلك، بل إن ماء زمزم حاولوا في كلية العلوم جامعة الملك عبد العزيز أن يربوا عليه فيروسات أو ميكروبات أو طفيليات أو فطريات وفشلوا تمامًا، بل اعترفوا أنه فوق ذلك، يزيد مدده رغم كل ما يستهلك منه، يزداد عامًا بعد عام، فتبارك الله خير الرازقين.
    بقى درس شفاء النفس البشرية من أمراضها:
    لغياب معنى العبودية واستكبارها على أوامر الله فعلاجها هذا التدريب العملي.
    البس بالأمر هذا اللباس، وامتنع عن أي لباس آخر.. من هنا.. لا تقرب زوجتك.. من هنا لا تقص أظافرك.. ابتداء من هنا مكانًا وزمانًا لا تقص شعرك، لا تقطع شجرة، ولا تصطد طيرًا أو حيوانًا، امش هنا، اجر هنا، هرول هنا، طف في هذا الاتجاه، اشرب من هذا الماء، تضلع منه ولو لم تكن عطشان، وهذا لخيرك وصالحك، فالله لن يناله من طاعتك هذه كلها شيء، إنما هو منك لله عائده عليك، بعد قبول الله له، قبل هذا الحجر، امسك بهذا الحجر، ارجم هذا الحجر، نم هنا، صل هنا قصرًا وجمعًا، وفرغ يوم عرفة من كل ألوان العبادات بعد جمع الظهر والعصر تقديمًا، وتحريم صيامه، وأخَّر المغرب مع العشاء؛ ليكون يوم عرفة يوم دعاء مفتوح، وذكر مطلق، وبلا أي مشقة خاصة، ولا عبادة مميزة؛ للفت النظر أن المهم هو تعلقك بالله بلا أشكال ولا طقوس، وهو لب ونخاع العبادة والذكر وحلاوتها.
    أما الأمة فليتها تدرك قيمة هذا المؤتمر الإسلامي الجامع؛ الذي يوحد القلوب والأرواح والأجساد والمشاعر والمظاهر والقادة والزعماء والرؤساء والأمراء والعبيد والأغنياء والفقراء والحمر والبيض والصفر والسود من أجناس الخلق جميعهم، الإسلام دينهم، ويلفهم الحب في الله، ويتوجهون بالأعمال جميعًا إلى رب واحد لا شريك له ولا طاعة لغيره، والكل عبيده، أليس هنا، وهنا فقط يمكن للأمة أن تتكامل اقتصاديًّا وعسكريًّا وتجاريًّا وإعلاميًّا وثقافيًّا وتعليميًّا، ويتبادلون المنافع، والأفكار بعيدًا عن عدوهم: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (الحج: من الآية 28)، بل إنك لو رأيت حال كل الألسنة، الأعجمية والعربية وهي تنطق بين الركن، والمقام والحجر الأسعد: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار برحمتك يا عزيز يا غفار؛ توحيد الكلمات والحروف في مكان واحد، وعلى حالة واحدة، إلى رب واحد، في وقت واحد، عوامل كلها توحد الأمة، وتعالج أخطر أمراضها وهو الفرقة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).
    أما زيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومعانيها الجميلة عند إلقائك السلام، وتصورك أن الله يرد روحه صلى الله عليه وسلم ليرد عليك السلام، وتذكرك للتشهد وما فيه من مشهد منقول لفظًا ومعنى من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى، وهو يستصحب تحية الله- عز وجل- وسلامه ورضوانه ورحماته وبركاته؛ عليه يستصحبها مستئذنًا ربه في أن يستظل بظلها كل تابعيه من عباد الله الصالحين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبيًّا عن أمته.. وهلم بنا لنعيش لحظات في رياض الجنة بين بيته ومنبره صلى الله عليه وسلم، وهي ليست قاصرة على هذا المكان فقط، ولكن طاعتك لله- عز وجل- وقيامك بتنفيذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادة أخيك المسلم المريض يجعلك تعيش في فرحة الجنة أي جناها من طيب ثمارها حتى يرجع، بل أكثر من هذا أن سعيك في حاجة أخيك المسلم ساعة من نهار قضاها الله أو لم يقضها، يعدك الصادق المصدوق بما وعد به ربه أن يكتب لك أجر اعتكاف شهر، وفي رواية شهرين في المسجد النبوي الشريف، صلى الله عليه وسلم الله وبارك على صاحبه وساكنه، وجمعنا به في الفردوس الأعلى الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.
    أليس دواء البخل والشح رصد مبلغ بالآلاف فرضًا على من نوى الحج؛ ليكون فوق زكاة ماله حق لله- عز وجل- ليعرف أن من رضي الله عليه أن ينخلع من بعض ماله، ليؤكد أن المال مال الله، وأنه ما دام مستطيعًا فعليه فرض آخر غير الزكاة، ولو مرة في العمر بنفقة حج حلال تجبره على تحري مصدر ماله، وإلا ضاع حجه وجهده وماله
    أليس من دواء الكبر والغرور أن يسير في ركب المسلمين لا يميز شيئًا من لباس ولا مظهر ولا حركات ولا شيئًا يفضله في حجه من زاد في تقواه عنه، ولو كان عبدًا حبشيًّا كأن رأسه زبيبة، رغم أدائه نفس الشعائر، وقضائه نفس الأعمال في نفس الأوقات.
    أليس من دواء الرياء الناجع أن تجد بجوارك أو قريبًا منك من كتب ترائيه أو يرائيه الناس فقيرًا محتاجًا، يطلب مثلك من ربه الذي يتوجه إليه الجميع بالطلب، وبالقصد والنية، فكيف يرائيه بعد ذلك وقد رأى بعينيه فقره وحاجته وذله بين يدي خالقه؟ ومَنْ مِنَ الناس يرائي الناس في هذا المقام، والكل يقول نفسي نفسي، ولا يدري أيقبل منه أم لا؟
    أليس من دواء المتعجل المتسرع أن يجبر على الرؤية والسكينة في طوافه طوال الأربعة أشواط الأولى، يؤمر بالهرولة ليس عندما يريد هو، ولكن عندما يحل مكان وموعد الهرولة الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عن سعيه بين الصفا والمروة لا يهرول إلا لسبب اقتدائه بأمه هاجر، فلا هرولة إلا بسبب وفي طاعة: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، يمشي في بقية الطريق؛ لأن الأصل سير الهويني ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: من الآية 63).
    وهنا لفتة لحرص الإسلام على حماية المرأة، فما كشف بعض ما خفي من زينتها؛ رغم أن أمنا هاجر هي التي هرولت، ولكن لم يكن معها أحد، أما هي الآن فهي بين رجال لا يليق بها أن تهرول، وقد بنى أمرها على الاستتار، فكيف بما هو أكثر من ذلك، فلا يلزمها الشرع بهذا الأمر.
    أليس من دواء أمراض النفس البشرية الخاملة الكسولة المتراخية في أداء التكاليف أن تؤمر بالهرولة للتدريب على شحذ الهمم التي يظهرها بجلاء اضطباع ملابس الإحرام الذي يبرز اليد، والذراع الأيمن في همة، ونشاط: (رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة).
    أليس من دواء أمراض النفس البشرية من شهواتها التي يتدرب على السيطرة عليها في رمضان، فيأتي الحج يجبر كل مسلم ومسلمة على الامتناع عن مباحات فترة أطول وهي حلال طيلة حالة الإحرام ومدة الإحرام، بل ويتدخل في أمور عظيمة تشعر بالالتزام في الطاعة ولو في أبسط الأمور، نتف شعرة أو قص ظفر.
    أليس من أمراض الفرد المسلم القعود عن الجهاد في سبيل الله تعالى إيثارًا للدعة وركونًا للدنيا، فيأتي الحج بجهد ومشقة يجاهد فيها نفسه وماله، بل هو للمرأة يعدل الجهاد عند الرجل.
    أليس من أمراض المسلم ترفهه وتنعمه، فتأتي مناسك الحج لتفرض عليه خشونة العيش والتقشف والتخفيف من المتعة والزينة والرفاهية.
    أليس من أمراض المسلم إهماله لتاريخ دينه ودعوته ورسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتجبره مناسك الحج على أن يتعرف على جده إبراهيم، وجدته هاجر، وأبيه إسماعيل، وسيرة حبيبه صلى الله عليه وسلم وشهداء أحد وشهداء بدر وغار ثور، وغار حراء، وحصون اليهود، وجلائهم في كل موقعة، وهذا نخل سلمان الفارسي الذي غرسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه لمكانه من سيده، وهكذا عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا مات ودفن، وهذا أبو بكر، وهذا عمر- رضي الله عنهما- وهنا البقيع، وهنا المصلى؛ حيث صحابة رسول الله لقوا ربهم بعد جهادهم الطويل، واسترواح عبير الدعوة الإسلامية في طرقات مكة، وجنبات المدينة كلها، وحتى أبواب الحرم بأسمائها الإسلامية الأصلية وليس المستحدثة، تذكر المسلمين بتاريخ قبائل مكة المسلمة، وشخصيات الصحابة الأجلاء.
    باب جبريل وباب العمرة وباب السلام وباب الصفا وباب المروة، فيجبر المسلم إجبارًا أن يتعلم ويتعرف على تاريخه الإسلامي الذي يحب أن يعتز به ويفخر، ولا يخضع لمؤامرات أعداء دينه بتجهيله، وطمس تاريخ أمته وتحريفه أو تزييفه، ولكن تظل هذه البقاع الطاهرة تاريخًا حيًّا لا يقدر على طمسه عدو ولا حاقد، فنور الله قد أضاء على هذه البقاع، فأضفى عليها كرمًا وتكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا ومهابةً، فأصبحت مكة المكرمة، بل نال كل من حج، أو اعتمر تشريفًا وتعظيمًا ومهابةً وبرًّا بدعاء كل الحجاج والعمار له

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 14:43