hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    أبو الانفتاح السياسي في الجزائر رحل.

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أبو الانفتاح السياسي في الجزائر رحل.

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء 9 أكتوبر 2012 - 17:06



    انتقل الشاذلي بن جديد إلى رحمة الله في صمت وسكون، حكم البلد في فترة عصيبة عرفت فيها الجزائر تحولات كبيرة لا يزال البلد يعيش آثارها. ترك له بومدين إرثا مليئا بالفخاخ أخذت حقائقه السلبية تظهر وتتفاقم يوما بعد يوم وسنة بعد سنة. صراعات داخلية بين رفاق الأمس تتعاظم، أحادية سياسية إقصائية مانعة للإبداع، معارضة يسارية وجهوية وعرقية وإسلامية تنتشر أكثر فأكثر، لوبيات ومجموعات ضغط من بقايا الاستعمار وتوابعه تتشابك، صراعات على الهوية لم تحسم، بنية صناعية ثقيلة بلا تحكم في التكنولوجية ولا قدرة على المنافسة، فشل ذريع للثورة الزراعية وانهيار كبير في الإنتاج الفلاحي، مؤسسات اقتصادية غير منتجة، توظيف عشوائي لا تقابله ثروة ولا تحيطه شفافية، إدارة بيروقراطية متكلسة، فساد كبير وفروق اجتماعية تتزايد

    لم يكن الشاذلي بن جديد غافلا عن هذه التحديات، فهو ذلك الرجل الذي يسميه بعض السّاسة الكبار الذين يعرفونه بالرجل الحكيم، عكس ما يقوله عنه مناوئوه وما تنشره النكت الكثيرة التي كانت تصاغ ضده في ذلك الوقت. فَهم منذ البداية بأن الحلَّ سياسيٌّ وأن الهيمنة والأحادية ستجعل الأوضاع تتفاقم أكثر، فبدأ بإطلاق السجناء السياسيين من كل الاتجاهات وسمح للزعماء التاريخيين الكبار في خارج الوطن بالعودة لبلدانهم. لم يُخف الشاذلي ميْله المُعارض للاتجاهات الاشتراكية في السياسة والاقتصاد على السواء، فوجد معارضة شرسة من التيارات اليسارية من داخل السلطة وخارجها.

    اختار أن يحل مشكلة اليسار الغاضب بتحقيق التوازن الأيديولوجي في البلد فاتجه لفك القبضة عن الإسلاميين بعد تجربة الصراع معهم في بداية عهده التي وصلت ذروتها في تجمع الجامعة المركزية سنة 1982 وما تبعه من سجن لمنظميه من مختلف قيادات التيار الإسلامي دام سنتين. لا يستطيع الملاحظ السياسي المنصف أن يحصر تساهل الشاذلي بن جديد مع الإسلاميين في دائرة الحسابات السياسية فحسب. فالرجل لم يُعرف عنه اتجاه أيديولوجي محدد في مساره يبرر عداءه أو موافقته للاتجاه الإسلامي، ولا صاحب مزاج حاد يجنح به للخصومة السياسية، ولا صاحب مصالح مترابطة أو متناقضة مع الوجود الإسلامي في الساحة السياسية وهو فوق ذلك جزائري عادي محافظ يحمل آثار الجهاد النوفمبري ويتأثر بمحيط محلي وعربي ودولي انتشرت فيه الصحوة الإسلامية في تلك المرحلة حتى دخلت جل البيوت، فظهر ذلك في حجاب زوجته وفي استقباله للعلماء والدعاة من مختلف الدول والاحتفاء بهم، واحتضانه للقضية الفلسطينية.

    غير أن الأزمة الاقتصادية التي عجّلت بها انهيارات أسعار النفط سنة 1985 – 1986 في ظل اقتصاد هش لم تنفع معه سياساتُ إعادة الهيكلة التي انتهجتها حكومات الشاذلي جعلت الاحتقانات الاجتماعية تتضخم والصراعات في داخل السلطة والمجتمع تستحكم، حتى اندلعت أحداث الخامس من أكتوبر 1988 فتغير كل شيء. سمح الشاذلي بالديمقراطية عبر دستور فبراير 1989 بالتعددية السياسية فتأسست أحزاب كثيرة تجاوزت الستين وتخلفت الجماعات الإسلامية المُنظّمة عن التحول إلى أحزاب سياسية فسبقتها جهات إسلامية غير منظمة على رأسها علي بلحاج وعباسي مدني فتأسست الجبهة الإسلامية للإنقاذ واحتلت الساحة وبدأت تفرض شروطها على الشاذلي بن جديد بقوة الشارع بخصوص القوانين الانتخابية، وبدأت طموحات عباسي مدني في اتجاه الرئاسة تتضح فأطلق إسم "مسمار جحا" على الشاذلي وأن هذا المسمار لا بد أن يُقلع، وتحولت معادلة الصراع إلى معادلة صفرية لا يمكن أن يبقى فيها إلا طرف واحد، إما نظام الحكم برئاسة الشاذلي وإما الجبهة الإسلامية للإنقاذ برئاسة عباسي مدني.

    لم تفلح محاولات الحوار للخروج من القطبية الثنائية التي علم العقلاء بأنها قاتلة للديمقراطية الناشئة، ومنشئة لفتنة لا تنتهي، وممكِّنة لطبقات جديدة من الحكام الأيديوليجيين المتصلبين. ضاقت الدائرة على الشاذلي بن جديد ووجد نفسه في كماشة خطرة بين قوة إسلامية متشددة تحكم الشارع وتريد الوصول للحكم كله في أقرب وقت، وقوة علمانية متعنتة تسكن الحكم وتريد البقاء في السلطة بأي ثمن. كانت الانتخابات التشريعية المرتقبة في ديسمبر 1991 هي المؤشر الحقيقي على نهاية القصة بالنسبة للطرفين، ولما ظهر بأن الناخبين فضلوا الجبهة الإسلامية ديمقراطيا ارتسمت نهاية الشاذلي في قصر المرادية.

    كان بإمكانه أن يبقى لو ساير العسكريين ومن حالفهم من المدنيين في خطة الانقلاب على الديمقراطية. فضل أن يستقيل - بل دُفع للاستقالة - فحفظ ذمَّته من الدماء التي سالت بعده، وسُمعتَه من خيانة الأمانة، وتاريخَه من التآمر على إرادة الشعب الجزائري. ولما غادر الحكم بقي صامتا لم يشارك في أي فتنة حتى توفاه الله في صمت وسكون رحمه الله تعالى. ولئن يَصعب علينا أن نسميه أبا الديمقراطية في الجزائر لأن الديمقراطية أُجهضت فهو بحق أبو الانفتاح السياسي بلا منازع، وصاحب الفضل في ما بقي من هوامش الحريات التي نعيش بها اليوم. ويحق لنا اليوم أن نسأل بمناسبة وفاته التي صادفت بشكل غريب مناسبة الخامس من أكتوبر 1988: ألم يكن الأليق أن يُكمل إنجازَه في دمقرطة الجزائر رغم المخاطر التي يتحدث عنها الانقلابيون؟ ألم يندم أصحاب عبارة مسمار جحا حيث سقط السقف على الجميع بعد نزع المسمار من خصومهم لا بأيديهم؟ ألم يكن أليق بهؤلاء أن يبدعوا حلا توافقيا يتناسب مع ظروف تلك المرحلة لا يهدد الرئاسة ويضمن حكم الأغلبية في ظل تحالفات تطمئن الجميع.

    بعد عشرين سنة من رحيل الشاذلي عن الحكم لا تزال الجزائر تراكم الإخفاقات الاقتصادية والسياسية، تعيش تحت رحمة البترول والغاز بلا حاضر يروق ولا مستقبل واضح، كم من خسائر في الأرواح والممتلكات تكبدتها الجزائر بعد رحيل الشاذلي عن الحكم بلا طائل؟ كم من فرص للنهوض أهدِرت؟ ألا يحق لنا أن نتأسف عن رحيل الشاذلي عن السلطة قبل أسفنا عن رحيله عن الدنيا؟ رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.



    وداعا أيها الرئيس : عشت طيّبا ومتّ محترما


    كان الإمام أحمد (رضي الله عنه) يقول لبعض خصومه : "بيننا وبينكم الجنائز" وكان يعني أن قيمة الرجل تُعرف يوم يفقده الناس، لأن الموت يسقط عن الفقيد كل الشارات والألقاب والعلامات والدرجات والرتب..فلا يقال : "مات الفخامة" ولا يمدح بما كان يملك من رياش ولا ما كان يشغل من مناصب..وإنما ينعى بما تركه من "فراغ" في قلوب محبيه وما خلفه من ذكريات في عواطف باكية، وما سجله من مواقف ومآثر في مسار حياته.

    عاش الرئيس الشاذلي بن جديد (رحمه الله) 83 عاما، قضى منها أزيد من 70 سنة في خدمة الجزائر، وترك "بصمة" بارزة في مساره النضالي والسياسي لا يمكن محوها من قلوب الشعب ولا من سجلات التاريخ، فقبل سن العشرين (20) بدأ يثور على واقع إستعماري كرست فيه فرنسا سياسة التمييز العنصري على أبناء الجزائر:

    - 49-54 قضاها باحثا عن الحرية وعن حقيقة الوطن المحتل، وفلسفة الثورة وبطولات الشعب الجزائري من خلال معايشاته ليوميات كفاح الشعب الفيتنامي والوقوف على أسرار الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

    - 54-62 قضاها ثائرا على المستعمر الفرنسي، قائدا "لحرب العصابات" ثم حاميا للحدود الشرقية ثم طامحا إلى الإستقلال أو الشهادة إلى أن تحقق النصر.

    - 63-79 عاشها عسكريا محترفا وقائدا مجددا (كأقدم عقيد بعد الرئيس هواري بومدين) إلى أن انتهى إلى أرقى الرتب والمراتب العسكرية : وزيرا للدفاع.

    - 97-92 قضاها رئيسا للدولة الجزائرية – بعد وفاة الرئيس هواري بومدين- ومنتخبا لرئاسة الجمهورية (07 فبراير 79) بشبه إجماع بدأ فيها عهدته بشعار "مراجعة لا تراجع" وقاد ركْب إصلاحات شاملة وعميقة بشعار : إصلاح في إطار الإستمرارية..لينقض عرى الإشتراكية عروة عروة بالتركيز على ما يريده الشعب من زراعة وخدمات ورفاه إجتماعي توفيرا للسلع ذات الإستهلاك الواسع سعيا لإشباع حاجات كبتتها العقلية الإشتراكية التي "أفقرت" السوق وساوت بين المواطنين – إلاّ من كان محظوظا- في الفقر والفاقة..فجاء ببرنامج طموح يستهدف بالأساس توفير السلع والقضاء على الندرة والدفاع عن الهوية وترسيخ الثوابت والمبادئ والقيم ومكافحة الآفات الإجتماعية وفسح المجال للعلماء وإقامة الصروح الإسلامية (جامعة الأمير عبد القادر للعلوم السياسية نموذجا) وتطهير الجهاز الحزبي والإداري والأمني..من غلاة اليسار وأعداء الإسلام والعروبة والوطنية..وسلك مسلكا مغايرا للدبلوماسية الجزائرية، ففتح المنافذ الخارجية التي كانت مغلقة، وقرر أن يستمع لصوت ضميره ويكرس مبدإ احترام إرادة الشعب.

    لقد كان لكنه كان رئيسًا طيبا..لكن لم تخدمه الظروف ولم تمهله حركة التاريخ ليستكمل مشواره الإصلاحي بعد "موجة" المد والجزر التي أصابت الجزائر بين 88-1992. أمام العواصف التي هزت لأروبا الشرقية والمعسكر الإشتراكي بقدوم ميخائيل غورباتشوف.

    فبمجرد أن جلس بن جديد على كرسي الرئاسة، يوم 10 فبراير1979، حتى بدأت أبواق العلمانية تحذره من خطرين ماحقين :

    - خطر سياسي عسكري : مثله محيطه القريب من صناع البومدينية الذين يعرفهم معرفة تفصيلية كونه شغل ضابط ارتباط بين مجلس الثورة والمؤسسة العسكرية.

    - وخطر سياسي إجتماعي : يمثله الجناح المحافظ من الحزب الواحد بالتواطؤ مع دعاة التعريب من جهة، وقادة الصحوة الإسلامية من جهة أخرى ممى كانوا متهمين – من طرف أبواق العلمانية- بتهمتين متناقضتين وهما : الولاء للبعث العربي والإسلاماوية الشيعية (البعثية بقيادة صدام حسين والخمينية بزعامة الخميني) لاسيما بعد إندلاع الحرب الخاسرة بين إيران والعراق، وما نُفخ في هذه المزاعم من وغِر للصدور.

    لكن الرئيس بن جديد (رحمه الله) بحكمته وطيبته ورباطة جأشه وبرودة أعصابه وعقليته العسكرية عالج الموضوع بطريقته الخاصة (تجاوز ما تقوله التقارير والنزول لإلى الميدان)، و"صفى" محيطه بصمت وأناة، واستمر في تنفيذ خطته، بعدم الرد على منتقديه، معتمدا على قوتين كانتا تصبان في رصيده الشعبي العام :

    - شجاعته وإخلاصه لوطنه ودينه وثقته هو في شعبه، وثقة شعبه فيه، بسبب تواضعه وعفويته وتلقائيته..

    - إحترامه للكفاءات وتقديره للرجال وحبه للعلم وتوقيره للعلماء وصراحته عندما يتحدث وتسامحه عندما يعفو.

    لكن الرياح لا تجري دائما بما تشتهيه السفن..

    لقد كان المرحوم بن جديد رجلاً يؤمن بسيادة المؤسسات ويستشير كل من حوله، ويحترم القرارات، ويقدر قيمة العلم إلاّ أن بعض رجال محيطه المقرب لم يكونوا في مستوى النصح، لذلك قدم السياسي على الإقتصادي دون مواءمة بينهما..وكان إعتماده على النفط كليا، فاشترى الرفاه بالنفط، واستورد مظاهر الغنى بأموال المحروقات، وانفتح على الأسواق العالمية بتكديس السلع مما كان يحتاجه الشعب من ضروريات ومما لا يحتاجه من كماليات وتحسينيات وما لا تتحمله خزينة عمومية غير مستقرة..خزينة يملأها صعود أسعار النفط ويفرغها تدهور الأسعار في سوق متقلبة..وهكذا وقع بن جديد – وهو الحريص على رفاه شعبه- في فخ تدهور أسعار المحروقات مع بداية 85 وكانت الطامة الكبرى عندما سقطت أسعار النفط سقوطا مروعا في الأسواق الدولية سنة 86، لينهار "الرفاه المستورد" وتنهار معه أطماع كثير من المحيطين به، ولاسيما ممن كانوا يحلمون بـ"مشروع مجتمع" بديل..لتبدأ الخلافات من داخل سرايا النظام بين مشكك في الخيارات وطاعن في كفاءة الرئيس ومدافع عن التوجهات السياسة وغامر لمحيط "الزعيم"..في ظروف إقليمية ودولية كانت تمهد لنهاية مرحلة "الحرب الباردة" وميلاد "البيروسترويكا"، في وقت كانت الجزائر حلقة من حلقات هذا المعسكر العجوز بعد سبعين (70) عاما من سيطرة الدب الأبيض على البروليتاريا العالمية (1917-1987)، فبرز في الجزائر تياران يتجاذبان النفوذ من داخل سرايا الحكم :

    - تيار المجددين للداعي إلى الإستمرار في الإصلاحات مهما كلف ذلك من ثمن.

    - وتيار المحافظين من دعاة سياسة الهروب إلى الأمام وإطلاق الحبل على الغارب.

    مع بداية سنة 1986، بدأت تباشير الثورة تلوح في سماء بعض الولايات تحت عنوان مكافحة الآفات الإجتماعية (أحداث قسنطينة 86) ثم بدأ نفخ النار تحت الرماد إلى أن إندلعت الإحتجاجات الشعبية في أماكن كثيرة بلغت أوجها على يدي عمال مركب السيارات الصناعية برويبة – بقيادة حزب الباكس- وهي الإحتجاجات التي فجرت الشارع العاصمي يوم 05 أكتوبر واستمرت إلى يوم 10 أكتوبر 1988 بدخول الإسلاميين على الخط يوم الجمعة بعد الصلاة لتأخذ الإحتجاجات طابعا دراماتيكيا؟؟

    ومع ذلك صمم الرئيس بن جديد على الإستمرار في نهجه الإصلاحي، وخطب في الأمة يوم 10 أكتوبر معلنا أنه يتحمل المسؤولية كاملة وأنه سوف يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد "الترقيع" على جميع المستويات..وبالفعل كان دستور 23 فبراير 1989 زلزالا سياسيا رهيبا دمر أحلام جميع المراهنين على كسب رهان "مشروع مجتمع" بديل عما سطره بيان أول نوفمبر 54 بالضغط على محيط الرئيس وترك الرئيس مجرد دريئة تتلقى وحدها سهام النقد التي وصلت إلى حدّ غمز محيطه العائلي بما لا يليق ومست "خصوصياته" ولكنه تلقاها بالصمت والإحتساب وركز على الذهاب بالإصلاحات بعيدا بشجاعة محترما إرادة الشعب ومقدرا تضحياته ومنحازا إلى الأغلبية المطالبة بالإصلاحات..ومصمما على إجراء إنتخابات نظيفة ونزيهة، في أقرب الآجال، وأقسم أنه سوف يحترم النتائج مهما كانت..ومضى نحو الأمام بشجاعة وبإرادة قوية وعزم تجاوز كل المحذرين والمخوفين..

    وأبرّ الرجل بوعده..وترك الشعب يختار، لكن نتائج الإقتراعين (المحليات يوم 12.06.1990 والبرلمانيات يوم 26.12.1991) فتحت عليه بابين متعاكسين هبت منهما رياح مهددة بإحداث إختلالات في توازنات الواقع..وكان لابد أن يغلق أحدهما على حساب الآخر.

    - باب العلمانيين الذين كانوا يضغطون عليه ليلغي النتائج ويوقف المسار الإنتخابي.

    - وباب الإسلاميين الذين كانوا يرونه مجرد "مسمار" دقه جحا في جدار انتصاراتهم..ولابد من قلعه بالقوة.

    أمام هذا الضغط المتعاكس سلك الرئيس بن جديد طريقا ثالثا، فوّت به الفرصة على الطرفين، فلم يوقف المسار الإنتخابي، ولم "يقلع" مسمار جحا..وإنما ذهب إلى خيار ثالث بشجاعة تمثلت في "رمي المنشفة" في وجه الجميع والخروج من الباب الواسع مدركا أن جولة واحدة من الإنتخابات ليست كفيلة بتغيير ذهنيات المصممين على البقاء في السلطة ولو باستخدام القوة، كما أنها غير كافية لتغيير قناعات الذين يريدون الوصول إليها ولو "بقلع" مسمار كان موصولا بفتيل صاعق فجر هؤلاء وهؤلاء..وقد كان يمكن الإحتفاظ به إلى غاية إجراء إنتخابات رئاسية كانت مقررة سنة 1994 وفق الدستور التعددي الجديد.

    وكان..ما كان..؟

    اليوم – وبعد مرور عشرين عاما على رميه المنشفة ليلة 11 جانفي 1992- يودع، الرئيس الأنيق الشاذلي بن جديد، هذا العالَم الأرضي إلى مثواه الأخير تاركا وراءه الملايين ممن عرفوه بتواضعه المهيب، وبساطته الأنيقة، ووطنيته الشجاعة التي فرضت عليه أن ينحاز لإرادة الشعب ويقرر – كما قرر بن مهيدي ذات يوم – من أنه في الجزائر : "لا يوجد إلاّ بطل واحد هو الشعب".

    شهادة : إلتقت بالرئيس بن جديد (رحمه الله) عدة مرات، وقد كان قليل الكلام، ولكنه شديد التواضع كثير التفاؤل يحسن الإستماع إلى متحدثه، وقد سألته مرة : متى يقرأ جيل الإستقلال مذكراتك يا فخامة الرئيس؟ فأجابني بشي من الأسف : "إذا كتبت ما تعرفونه وما تدرسونه وتقرأونه فما الفائدة من تكرار التاريخ..أما إذا قلت الحقيقة فإن كثيرا مما تعرفونه سيؤلمكم ويوجعكم" قلت له : التاريخ..قد يكون مؤلما للبعض ولكن من حق الأجيال أن تعرف، فسكت طويلا حتى ظننت أنه لم يسمع تعليقي ثم قال : "سأقول..ولكن كثيرا مما سأقوله قد يؤلم البعض..وسأبذل جهدا لأدون ما أعتقد أنه صار من حق الأجيال..".

    وشهادة للتاريخ أسجل : لقد حاول الرئيس بن جديد، في ذلكم اللقاء، أن يبدو متفائلا بالمستقبل، ولكني أحسست أن الرجل يحمل في داخله زلزالا لا يقل خطرا عما فاجأه به البعض، أو فاجأ هو به هو البعض، قبل ربع قرن من رحيله عن هذه الدنيا في خطابه الغاضب يوم 19 سبتمبر 1988.

    رحمك الله يا من علمتنا أن التواضع هو قمة العطاء.. لقد كنت تقدر شعبك وتتحسس نبضه وتدرك أنه شعب مسلم ذات ويلات الإحتلال والتهميش والحقرة، لذلك يحب بعنف ويكره بعنف..ولكنه أيضا يغضب بسرعة ويرضى بسرعة..ويسامح – مثلك تماما- بسرعة، إذا وجد من يحترمه ويقدره..ولا يحمل الحقد على أحد، لقد افتقدت فيك الجزائر مرجعا مهما من خزانة تاريخها الوطني الحديث.

    إنا لله وإنا إليه راجعون.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 5 ديسمبر 2016 - 23:37