hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الحوار الذي أجرته مجلة جامعة صوفيا للدراسات الآسيوية مع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الحوار الذي أجرته مجلة جامعة صوفيا للدراسات الآسيوية مع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 17 أكتوبر 2012 - 17:14

    حوار: ماساتوشي كيسايتشي و شوكو وتانابي

    تحدث الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، في هذا الحوار الذي أجرته معه مجلة جامعة صوفيا للدراسات الآسيوية، عن طفولته وتعليمه وبداياته الأولى في النضال، مؤكدا أن والده الذي كان عضوا نشيطا في حزب فرحات عباس، هو الذي أطلق عليه اسم الشاذلي تيمنا بالطريقة الشاذلية.

    وتحدث الراحل بن جديد، مطولا عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقال إنها لعبت دورا إيجابيا في التحرر غير أن نظرتها كانت تقليدية للمرأة، كما تناول الحوار مرحلة الستينيات والسبعينيات التي شهدت تطبيق النظام الاشتراكي القريب من الشيوعية، وهو ما أدى حسبه إلى بلبلة في المجتمع الجزائري وفتح الباب واسعا أمام التطرف الديني.

    وبخصوص أحداث أكتوبر 88، قال “أنها جاءت نتيجة للإصلاحات التي قمت بها، وما يقال بأن الأحداث هي التي جاءت بالإصلاح والانفتاح خاطئ تماما”. وقال إن الشعب الجزائري فيما بعد صوت لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ، انتقاما من المسؤولين في جبهة التحرير الذين كانوا ينهبون المال العام. وقال إن الشيخ الغزالي، كان عالما جليلا ولم يكن مسؤولا عن التطرف الديني في الجزائر.

    وخلص الرئيس الراحل في الأخير، إلى القول بأنه رفض إلغاء نتائج الانتخابات، وفضل الاستقالة لأنه كان يفترض تسليم مقاليد الحكم للفيس لأن الشعب انتخب الإسلاميين.

    * في البداية، أود أن أطرح عليك بعض الأسئلة حول سيرة حياتك الذاتية. هل صحيح أنك ولدت في قرية بوثلجة؟

    لا، لم أولد في قرية بوثلجة، بل في مكان بعيد عنها يقع بين بوثلجة وعنابة تسمى القرية “بين المدينتين أو بين القريتين” بين عنابة (بونة سابقا) وبوثلجة.

    * وما الاسم الذي كان يطلق على تلك القرية في ذلك الوقت؟

    كانت تسمى “السبعة” ويعود اسم هذه القرية إلى السكان الأوائل الذين عاشوا فيها وكان عددهم سبعة إخوة، وتقع هذه القرية بين بوثلجة وعنابة، وما زالت تسمى بالسبعة إلى هذا اليوم.

    * أهي قرية صغيرة؟

    نعم، هي صغيرة ومازالت موجودة حتى الآن، ومازالت منازلها القديمة، منذ عهد الاستعمار، موجودة كما هي إلى يومنا هذا، نحن حافظنا عليها، لكن الفرنسيين دمروها عندما اندلعت ثورة التحرير. وقمنا ببنائها مرة أخرى في نفس المكان بعد الاستقلال.

    * وماذا عن عائلتك؟ هل صحيح أن والدك من عائلة كبيرة؟

    نعم، هو من عائلة كبيرة جدا وقديمة، ويرجع تاريخ عائلتي إلى عهد ما قبل الرومان يصل عدد الأسر التي تحمل اسم عائلة بن جديد إلى الآلاف.

    * وماذا كانت مهنة والدك؟

    كان والدي فلاحا. وكان يملك الكثير من الأراضي، ووالدي وعائلة بن جديد من الأغنياء منذ زمن بعيد.

    * ومن أين كانت عائلة والدتك؟

    من نفس العائلة، بن جديد، ومن نفس القرية أيضا، وأمي بنت عم أبي، ذلك لأن العادات العربية والقبلية في ذلك الوقت كانت تحتم على أفراد القبيلة الزواج من بعضهم البعض، وبسبب تلك العادات والتقاليد هناك الكثير من الأمراض الناتجة عن الزواج بين الأقارب.

    * هل اسمك مرتبط أو له أية علاقة بالطريقة الشاذلية؟

    لا، لكن والدي سماني الشاذلي احتراما لشيخ الطريقة الشاذلية، أبي الحسن الشاذلي.

    * هل يعني ذلك أن اسمك لا علاقة له بعائلة شيخ الطريقة الشاذلية، الشاذلي؟

    نعم، هذا صحيح، اسمي ليس له أية علاقة بالشيخ الشاذلي. والدي سماني الشاذلي احتراما لشيخ الطريقة الشاذلية. هو مجرد اسم، لا أكثر ولا أقل.

    * هل كان والد زوجتك فلاحا؟

    زوجتي من غرب الجزائر، من مدينة وهران وأنا من شرق الجزائر. تعرفت عليها عندما كنت أخدم في الجيش كقائد ناحية عسكرية كبيرة في مدينة وهران

    * هل تلقيت تعليمك في قرية “السبعة”؟

    بما أن والدي كان يمارس السياسة ومناضلا ضد الاستعمار الفرنسي منذ زمن طويل، لم يكن مستقرا في مكان واحد، ودراستي باللغة الفرنسية كانت تقريبا في أربع مناطق مختلفة، انتقلت من مدينة إلى أخرى بسبب عمل والدي الذي كان ينتقل من مكان إلى آخر. وبسبب سياسته ضد الاستعمار، نفاه الفرنسيون إلى عدة مناطق داخل الجزائر ومنعوه من السكن في مسقط رأسه.

    ولهذا السبب كنت مضطرا للدراسة في عدة أماكن ومدارس مختلفة بدلا من الدراسة في مدرسة واحدة. درست في عنابة، ومن عنابة انتقلت للدراسة في شيحاني، كانت تسمى بارال بالفرنسية، وبعدها درست في مدينة يسمونها بالفرنسية موندوڤي، وتسمى حاليا الدرعان. درست في ثلاث مدن باللغة الفرنسية، أما دراستي باللغة العربية، فكانت على يد شيخ قبيلتي في مدرسة قرآنية، درست في هذه المدرسة اللغة العربية وعلوم القرآن وغيرها من العلوم باللغة العربية.

    * ما هي الحركة السياسية التي كان ينتمي إليها والدك؟

    كان ينتمي إلى الحركة الوطنية الجزائرية. كان ينتمي إلى حزب سياسي يترأسه فرحات عباس. لقد كان والدي من أنصار حزب فرحات عباس. وكانت الطبقة الوسطى، الغنية نوعا ما، تنتمي إلى هذا الحزب في عهد الاستعمار الفرنسي. وكانت تسمى هذه الطبقة بالفرنسية بـ La petite Bourgeoisie وكان أبي من هذه الطبقة.

    * في أي سنة انضم والدك إلى حزب فرحات عباس؟

    قبل اندلاع الثورة ونشاطه الحزبي امتد لسنوات طويلة قبل الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد انتهائها بدأ نشاط الأحزاب السياسية تقريبا في بداية القرن العشرين واستمر إلى ما بعد اندلاع ثورة التحرير عام 1954 واندمجت جميع الأحزاب السياسية في جبهة التحرير بعد اندلاع ثورة التحرير.

    * هل كانت المدرسة القرآنية التي درست فيها اللغة العربية تابعة لجمعية العلماء؟ وما اسم تلك المدرسة؟

    نعم، كانت تابعة، بشكل ما، لجمعية العلماء كان يدرس في هذه المدرسة شخص ملم جدا باللغة العربية وكان يسمى الشيخ صالح. كنت أحترمه كثيرا وهو شيخ وطني قبل اندلاع الثورة، استشرته لمعرفة رأيه في اندلاع ثورة التحرير وقال لي إن الثورة هي الاتجاه الصحيح وشجعني على الالتحاق بالجبل ضد الاستعمار الفرنسي.

    * وهل كانت هذه المدرسة في سبعة؟

    نعم، كانت في سبعة.

    * وهل تلقيت دراسة المرحلة الابتدائية في نفس المدرسة؟

    نعم.

    *هل تلقيت تعليمك في مدرستين باللغة الفرنسية والعربية في نفس الوقت؟

    نعم، كنت أدرس اللغة العربية في أيام العطلة وفي الأيام الأخرى كنت أذهب إلى المدرسة الفرنسية.

    * أين كنت في الأول من نوفمبر 1954 عند بداية اندلاع ثورة التحرير؟

    طبعا كنت مناضلا ضد الاستعمار الفرنسي، قبل نوفمبر، كنت في الحركة الوطنية والتي منها انطلقت الثورة الجزائرية. كنت في ذلك الوقت في قرية سبعة. مع الحركة الوطنية قبل نوفمبر 1954.

    *أين كنت قبل دخولك جبهة التحرير؟

    كانت هناك أحزاب سياسية في عهد الاستعمار قبل أن تتشكل جبهة التحرير. وأبي كان يناضل في حزب فرحات عباس وبعد أن ازداد عدد الأحزاب انضممت إلى الحزب الوطني الذي كان ينادي بحرب مسلحة ضد الاستعمار على خلاف بعض الأحزاب الأخرى التي كانت تؤمن بالنضال السياسي فقط.

    * أين كنت موجودا عندما اندلعت الثورة في الأول من نوفمبر؟

    ذهبت إلى الجبل عند اندلاع الثورة.

    * هل كنت عضوا في جبهة التحرير الوطني في ولاية قسنطينة في عام 1955؟

    لا، لم أكن في قسنطينة هناك بعض الناس الذين يبسطون الأمور في كتاباتهم عن تاريخ الثورة الأمور ليست بهذه البساطة! عندما اندلعت الثورة، التحق كل مواطن بجبهة منظمة من دون وجود تنسيق بين هذه المنظمات.

    تم التنسيق بين جبهة التحرير والولايات بعد مؤتمر الصومام وحينها قسمت الجزائر إلى ولايات من الناحية العسكرية والسياسية. لكن في البداية، عندما أعلن عن اندلاع الثورة، اتجهت إلى الجبل جماعات كثيرة. اتجه الجميع إلى الجبل لكن في الحقيقة لم يكن هناك تنظيم واحد ممركز في مكان واحد.

    * هل صحيح أنك عند الثورة في عام 1955، كنت رئيس ولاية قسنطينة، الولاية الثانية؟

    لا، أنا كنت موجودا في منطقة تسمى »سوق أهراس« وهي لم تكن أبدا الولاية الثانية. تكونت جميع الولايات، كقسنطينة وباتنة والجزائر، بعد مؤتمر الصومام، وكان عدد أبرز الشخصيات القيادية في المؤتمر ستة، وهم الذين كونوا الحكومة المؤقتة وأشرفوا على التطورات فيما بعد البداية كانت في حمل السلاح والخروج على النظام الإداري الفرنسي وإعلان حرب شعبية كاملة ضبد الإستعمار الفرنسي. وبعد ذلك، بدأنا في تنظيم الجبهة شيئا فشيئا حتى تنظمت القيادة. أصبحت قيادة الثورة الجزائرية منظمة ومعروفة في مؤتمر الصومام في أوت عام 1956. أما البداية فكانت انطلاقة فردية من دون وجود اتصال مع الآخرين، لأن الإتصالات كانت صعبة.

    في الحقيقة، هناك بعض الدراسات التي تحاول أن تبسط الأحداث التي وقعت عند اندلاع الثورة. لكن عندما نتابع كيف توالت الأحداث بالتدريج منذ بداية الثورة والالتحاق بالجبال وكيفية العمل على إتمام التنسيق بين جميع الأطراف حتى تكوين القيادة والحكومة الموقتة، تبدو الأمور معقدة أكثر من المكتوب في بعض الدراسات المبسطة عن اندلاع الثورة. المهم في الأمر هو عملية الالتحاق بالجبل والتي كان الهدف منها الثورة على الإستعمار. وكل شخص غيور على وطنه إلتحق بالجبل وقاوم بالسلاح حتى الوصول شيئا فشيئا إلى تنظيم القيادة المسلحة.

    لقد استطعت الحصول على أسلحة قبل انطلاع الثورة حدثت ذلك في الحرب العالمية الثانية عندما كانت المعارك على أشدها بين الطائرات الألمانية (الهتلرية) وطائرات الحلفاء.

    حدثت هذه المعارك في قلب مدينة عنابة. ويوما من الأيام، لاحظنا أن طائرة ألمانية قد تم إسقاطها في المنطقة التي كنا نعيش فيها، بالقرب من البحر، نجا الطياران من الحادث والتحقا بالباخرة الألمانية »ومارا« وقد تركا الطائرة بما حلمت من أسلحة وغادرا. استحوذنا على تلك الأسلحة وكان من بينها بندقية من نوع » Mauser موزار ألمان« ولكني لا أتذكر اسمها بالضبط، ثم خزنا الأسلحة التي حصلنا عليها، لأنه اعتقدنا أننا سوف نحتاج إليها يوما ما في المستقبل كان عمري تقريبا، في ذلك الوقت 15 عاما، وعند اندلاع الثورة، أخرجنا الأسلحة التي احتفظنا بها وعندما التحقت بالثورة، كنت أحمل بندقية ورشاش ألمانيين.

    * ما رأيك في جمعية العلماء؟ أنت درست في مدرسة قرآنية تابعة لجمعية العلماء؟

    لا، المدرسة لم تكن تابعة بشكل مباشر لجمعية العلماء.

    * هل كان شيخ المدرسة عضوا في جمعية العلماء؟

    لا، لم يكن عضوا في جمعية العلماء لكنه كان يدرسنا بعض التقاليد القديمة. أسست جمعية العلماء في قسنطينة وكان لها فروع كثيرة في مناطق أخرى من الجزائر. ولم ينتم جميع العلماء والمشايخ في ذلك الوقت إلى جمعية العلماء، ولكنهم كانوا على اتصال ببعضهم البعض، لم يجمع هؤلاء العلماء والمشايخ نظاما واحدا يربطهم ببعضهم البعض. ومعظم المدارس في ذلك الوقت كانت تشيد مبادرة فردية لا أكثر، يبدو أن هؤلاء المشايخ الذين كانوا من أتباع طرق دينية معينة قد أسسوا مدارس في المناطق التي كانوا يسكنون فيها.

    * وهل كان التعليم في المدرسة على الطريقة الصوفية؟

    لا، ليس على الطريقة الصوفية بل على ما يسمى بالطريقة الهبرية. هناك العديد والكثير من الطرق الدينية في الجزائر كالطريقة الهبرية والقادرية بالإضافة إلى طرق ومذاهب أخرى لكل مذهب طريقته، وأتباعه يدرسون التلاميذ المذهب والأفكار التي يؤمنون بها.

    * هل كان والدك من أتباع الطريقة الهبرية؟

    لا، كان عضوا في هذه المجموعة التي كانت تدرس في المدرسة على يد الشيخ، وكان حول هذا الشيخ مجموعة من الناس الكبار الذين يشكلون شبه جمعية لها دور اجتماعي وثقافي. فمثلا كانوا يرسلون الأساتذة لتدريس التلاميذ في أماكن مختلفة من الجزائر.

    * هل صحيح ما يقال عن الطرق الصوفية بأنها كانت تساعد الاستعمار، وأن جمعية العلماء هي التي غرست في الشعب الجزائري حب الوطن ودعمت الشخصية الجزائرية؟

    أنا شخصيا لا أستطيع أن أتهم هذه المذاهب بالتعاون مع الاستعمار أو مع الإدارة الفرنسية. القليل منهم من أتباع الزوايا الصوفية كانوا يعملون مع الإدارة الفرنسية لكن الآخرين من أتباع الطرق الصوفية كانوا وطنيين.

    * ولكن الكثير من الباحثين ذكروا في دراساتهم أن أتباع الطرق الصوفية والزوايا كانوا يؤيدون الاستعمار الفرنسي، بينما جمعية العلماء وجبهة التحرير كانا ضد الإستعمار الفرنسي.

    في الحقيقة الطرق الصوفية أو القادرية وطرق ثانية أخرى لعبت دورا إيجابيا في تنمية الروح الوطنية وتشجيع الناس على مقاومة الإستعمار الفرنسي. والقليل القليل منهم كانوا يخدمون مصالح الإستعمار. لذلك أنا لا أستطيع اتهامهم جميعا بالتعامل مع الإستعمار.

    * وما رأيك في دور جمعية العلماء المسلمين في ذلك الوقت؟

    قاموا بدور أساسي وإيجابي بالتشجيع وإبراز الروح الوطنية.

    * لكن في ذلك الوقت كانت هناك بعض المشاكل بين جمعية العلماء وجبهة التحرير..!؟

    هذا صحيح، كان هناك خلاف حول توجه الثورة والتوجه المستقبلي للجزائر بعد الاستقلال كان توجه جمعية العلماء دينيا، بينما كانت أفكار وتوجهات جبهة التحرير وزعماء الثورة تقدمية ومتفتحة وبعيدة عن الاتجاه الروحي أو الديني.

    كانت جمعية العلماء المسلمين تريد لمستقبل الجزائر المستقلة أن يأخذ منحى إسلاميا، لأن أعضاء الجمعية كانوا منغلقين ومتطرفين نوعا ما. وكانت قيادة جبهة التحرير ضد هذا التيار والاعتقاد والذين قاموا بثورة التحرير كانوا متفتحين ويؤمنون بالعدالة الاجتماعية لجمع الجزائريين دون استثناء.

    وكان هناك خلاف فيما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في المجتمع والسياسة، فبالنسبة إلى جمعية العلماء، كان دور المرأة محدودا وكانت تظرتهم لها تقليدية حيث يجب أن تبقى في المنزل. في النهاية، كانت هذه الخلافات الدينية والروحية، بين جمعية العلماء وجبهة التحرير بسيطة، لكنهما كانا متفقين وعلى طريق واحد فيما يتعلق باستقلال الجزائر. علاوة على ذلك، في نهاية الأمر انضمت جمعية العلماء المسلمين إلى جبهة التحرير من أجل استقلال الجزائر.

    * وماذا عن الدور الذي لعبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الثورة؟

    لقد كان للشيخ الإبراهيمي دور كبير في الثورة الجزائرية، في البداية كانت الأحزاب السياسية والدينية مترددة في الانضمام إلى جبهة التحرير، لكن عند اندلاع الثورة، في الأول نوفمبر، انضمت معظم الأحزاب السياسية، بما فيها جمعية العلماء المسلمين، إلى الخط الثوري (جبهة التحرير)، ولكن بعد انتهاء الثورة وتحقيق الاستقلال، بدأ قادة الأحزاب السياسية والدينية، الذين انضموا إلى الثورة، بالعودة إلى تقاليدهم القديمة وانتماءاتهم الحزبية، الأمر الذي خلق مشاكل ومتاعب وتناقضات في الجزائر بعد الإستقلال وتحديدا منذ عام 1962.

    * هل ظهرت هذه الخلافات بعد انتهاء الثورة فقط؟

    نعم، ظهرت هذه المشاكل بعد الاستقلال فقط. وذلك لأن الذين انضموا إلى جبهة التحرير التي قادت الثورة، عند الإعلان عن تصريح الأول نوفمبر، تخلوا عن انتماءاتهم الحزبية والمبادئ التي كانوا ينادون بها. ولكن بعد الاستقلال بدأ قادة الأحزاب السياسية والذين كانوا ينتمون إلى جبهة التحرير بالعودة إلى انتماءاتهم الحزبية قبل اندلاع الثورة. وهذا الوضع خلق تناقضات ومشاكل بعد الاستقلال مند عام 1962.

    * تولى الرئيس الشاذلي منصب الرئاسة في نفس العام الذي شهد قيام الثورة الإسلامية في إيران في 1979 في ذلك الوقت، أعطت الثورة الإيرانية الإسلامية كدين وثقافة زخما قويا بين صفوف الشعب الجزائري. ما هو الدور الذي لعبته الثورة الإيرانية في تعزيز الإسلام في الجزائر؟

    في الحقيقة كانت الجزائر في بداية الثورة منسجمة مع تقاليدها ومبادئها وأصلها. أعني في هذا، الانتماء الحضاري للجزائر إلى الأمة العربية والإسلامية بكل ما تمثله من حضارة وتاريخ بالإضافة إلى الإنتماء الروحي أيضا، وانطلقت الثورة على هذا الأساس من المبادئ بما فيها الانتماء الديني للإسلام. ولم تقم الثورة الإيرانية بأي دور يذكر في تطور الأحداث في الجزائر، بل بالعكس نحن ساعدنا الإيرانيين في مشاكلهم مع الأمريكان والشاه، وكما هو معروف ينتمي الإيرانيون إلى المذهب الشيعي ونحن في الجزائر وفي محيط المغرب العربي ننتمي إلى ما يسمى بالمذهب المالكي. وهناك فرق كبير بين المذهبين الشيعي والمالكي.

    * وماذا عن ازدياد عدد المساجد في السبعينات وأصدرت السلطات الجزائرية قانونا يمنع بيع الكحول للمسلمين في عام 1976؟ ألا توافقني الرأي بأن المجتمع الجزائري في ذلك الوقت قد انتقل من مجتمع علماني إلى مجتمع أكثر تدينا؟

    نعم هذا صحيح، ولكن هذا التحول كان تدريجيا. عندما استقلت الجزائر، اتخذنا الاتجاه الإشتراكي في عهد الرئيس أحمد بن بلة. ولكننا رفضنا هذا الاتجاه لأنه كان أقرب إلى الاتجاه الشيوعي. والشيوعية ليس لها أية علاقة أو ارتباط بالتقاليد والأعراف الجزائرية، بل هي عبارة عن شيء مستورد ليس له أية صلة بالجزائر وحياة الجزائريين.

    وأثار وجود الشيوعيين في الجزائر ودورهم المؤثر داخل نظام الحكم الذي حاول تطبيق الإتجاه الإشتراكي، الأقرب منه إلى الشيوعية، بلبلة وفتح الباب للتطرف الديني. وأدى ذلك في نهاية الأمر إلى تنحية بن بلة من السلطة، لأن نظام حكمه فرض على الشعب الجزائري نمطا من التنمية والتوجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي أكثر ارتباطا بالأنظمة الشيوعية. وبسبب فشل النظام في تحقيق سياساته التنموية سمح للتيار الديني بالنشاط للتغلب على التيار الشيوعي في الجزائر.

    ولهذا السبب برز التيار الديني وازداد نشاطه في السبعينات من خلال بناء المساجد في ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى حزب واحد علني هو جبهة التحرير، وفي داخلها كان هناك أيضا العديد من الاتجاهات السياسية والدينية كالشيوعيين والإسلاميين وغيرهم، مثلت جبهة التحرير المظلة التي جمعت تحتها خليطا كبيرا من الاتجاهات المختلفة، واستمر هذا الخليط في النمو إلى الثمانينات.

    * ألم يكن هناك صراع بين الاتجاه الاشتراكي والإسلامي أثناء حرب التحرير؟

    لا، لم تكن هذه التوجهات موجودة أثناء حرب التحرير، لأن شرط الالتحاق بجبهة التحرير كان التخلي عن الانتماءات الحزبية، لذلك سُمح فقط لهؤلاء الذين تخلوا عن انتماءاتهم السابقة بالانضمام لبرنامج جبهة التحرير وتصريح الأول من نوفمبر، ولم تسمح الجبهة لهؤلاء الذين رفضوا التخلي عن انتماءاتهم السابقة بالانضمام إلى صفوفها. إذا استطعنا التغلب على كل التيارات المتناقضة وأصبح التفكير واحدا أثناء ثورة التحرير، لكن بعد الاستقلال بدأ البعض، من داخل جبهة التحرير، بالعودة إلى انتماءاته السابقة كالإسلاميين والشيوعيين والاشتراكيين واللائكيين والتقدّميين وغيرهم.

    * هذا يعني أن جميع الاتجاهات السياسية والفكرية كان يجمعها قاسم مشترك واحد داخل جبهة التحرير وهو تحرير الجزائر؟

    نعم، هذا صحيح.

    * في شهر أكتوبر من سنة 1980 ضرب زلزال قوي مدينة الأصنام وكان للجمعيات الإسلامية دور كبير في مساعدة المنكوبين، ما تقييمك لدور هذه الجمعيات في ذلك الوقت؟

    بدأت هذه الجمعيات الإسلامية بالانتشار بين الناس بعد الدور الذي لعبته في مساعدة المنكوبين، لكن الدولة هي التي تكفلت بكل شيء وفي بناء المنازل المدمّرة، ودور هذه الجمعيات كان محدودا مقارنة بالدور الذي لعبته الدولة.

    * لكن الكثير من الباحثين قد أكدوا على أن الدور الذي لعبته الجمعيات الإسلامية في مساعدة الناس فاق بكثير دور الحكومة؟

    هذا ليس صحيحا. الحكومة هي التي تكفلت بكل شيء. لكن باب المساعدة أيضا كان مفتوحا لأي كان بما فيهم الشبكات الإسلامية والتي كان دورها محدودا، لأن إمكانياتها أقل من إمكانيات الدولة، لقد وفرت الحكومة مساعدات ضخمة جدا لمساعدة السكان بعد الزلزال.

    * هل الرئيس الشاذلي هو الذي قام بإحداث التغير في الجزائر من السياسة الاشتراكية إلى السياسة الرأسمالية؟

    نعم، هذا صحيح، أنا الذي غيرت النظام من الاشتراكية إلى الرأسمالية، لأني أدركت أن النظام الاشتراكي قد فشل. لا يوجد إنسان آخر مثلي عاش الثورة من بدايتها إلى بداية التسعينات، لقد كنت مسؤولا في القيادة حتى حققنا الاستقلال، ومارست السلطة من دون انقطاع في السلطة السياسية والعسكرية إلى عام 1992، هذا يعني أنني عشت كل مراحل تطور الثورة حتى الاستقلال، بينما كنت مسؤولا كبيرا في الجيش، نحن الذين أحضرنا بن بلة ووضعناه في الحكم، أنا شخصيا لم يسبق لي الالتحاق بالمدارس العسكرية أثناء الاحتلال الفرنسي ولا حتى بعد الاستقلال.

    لقد كنت مناضلا ومن خلال نضالي تدربت على الحياة الثورية وتحملت المسؤولية بلباس عسكري لا أكثر ولا أقل، لذلك فقد عشت مراحل الثورة من بدايتها حتى الاستقلال، ثم في عهد بن بلة، وبومدين من بعده، أنا كنت عضوا في مجلس الثورة الذي كان يمثل السلطة الأساسية حول رئيس الجمهورية في عهد بومدين. ومن خلال التجارب الطويلة التي خضتها من النظام الشيوعي في عهد بلة إلى النظام الاشتراكي في عهد بومدين، واللذان فشلا تماما، تكونت عندي فكرة كاملة وواضحة عن الأوضاع في الجزائر.

    * ما هي المشكلة الرئيسية للنظام الاشتراكي في الجزائر؟

    لم نستطع تحقيق ما كنا نطمح إليه في ظل النظام الاشتراكي، النظام الاشتراكي كفلسفة ومبادئ جميل جدا، ولكنه أثبت فشله عند التطبيق في الجزائر. فهمنا للاشتراكية وإيماننا بها كان من خلال مبدأ واحد فقط، وهو مبدأ العدالة الاجتماعية، ومازلنا حتى هذا اليوم نؤمن بالعدالة الاجتماعية في الجزائر.

    الفلسفة شيء والتطبيق شيء آخر، ونحن فشلنا في التطبيق، لذلك، كان الخيار الوحيد هو فتح الباب للشعب الجزائري ليختار ممثليه. هذا هو اتجاه المستقبل، لأن العالم أصبح صغيرا ونحن جزء من هذا العالم، وتطورنا مرتبط بهذا العالم. والجمود والتشبث بفلسفة معينة محكوم عليها بالفشل وأكبر مثال على كلامي هذا فشل الاتحاد السوفيتي ورجوعه إلى الواقع.

    أنا غيّرت النظام من خلال قناعتي الشخصية، لأني عشت جميع المراحل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للنظام الجزائري كمسؤول، وعلى هذا الأساس فقد تحملت المسؤولية بشكل كامل، وعندما أدركت أن النظام الاشتراكي في ذلك الوقت غير قادر على المضي قدما في تحقيق الإصلاحات المطلوبة، قررت تغييره.

    * من أين استوحيت فكرة تغيير النظام؟

    من خلال تجربتي في السلطة. أنا شخصيا الذي قررت تغيير النظام من خلال تغيير الدستور وحذف الميثاق، لأن النظام والدستور كانا مرتبطين ببعضهما البعض، لأنه من الناحية السياسية، يصعب على الهيأة التنفيذية التطبيق من دون المساس بصلاحيات الدستور، وذلك لأنه كان على الحكومة تطبيق ما ذكر في ميثاق جبهة التحرير، وهذا مستحيل, لأنه مع تغير الأوضاع في الجزائر كان على الهيأة التنفيذية / الحكومة / أن تتماشى مع تطور الأمور في البلاد. وهذا الجمود هو الذي دفعني لاتخاذ قراري في تغيير النظام.

    وقد أدركت أهمية تسليم الحكم للشعب الجزائري في إطار منظم وفي إطار الديمقراطية الحقيقية. وقد اختار الشعب الجزائري ممثليه في البرلمان بكل حرية. وأعطيت البرلمان صلاحيات واسعة، وهكذا فتح المجال أمام الهيأة التنفيذية لمراقبة الحكومة. وهذه الإصلاحات التي قمت بها مست بشكل مباشر مكاسب ومصالح بعض المسؤولين الذين استفادوا من مركزية القرار، ومن حكم الحزب والفرد الواحد، حتى إن جبهة التحرير كانت ضد الإصلاحات عندما طرحت الدستور الجديد الذي سمح للشعب الجزائري باختيار ممثليه من رئيس الجمهورية إلى رئيس البلدية بكل حرية عن طريق الانتخابات الحرة، أصبح الشعب الجزائري مسؤولا عن اختياره لمسؤوليه، وقل توجيه اللوم والنقد لشخص رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة بمعني آخر: آنا أردت أن أعطي حرية حقيقية للشعب الجزائري في اختيار ممثليه. وللأسف، هذه الإصلاحات التي قمت بها أدت إلى حوادث الخامس من أكتوبر، يدعي البعض أن حوادث الخامس من أكتوبر هي التي جاءت بالديمقراطية، لكن الحقيقة هي العكس تماما.

    عندما شعر المتضررون من الديمقراطية بأن الديمقراطية الحقيقية تسير بمسارها الصحيح وأصبح للشعب الجزائري صلاحيات كبيرة، أدركوا أنهم سيفقدون نفوذهم وتضيع مصالحهم. لقد خافوا على أنفسهم، لأنه عندما يصبح الشعب الجزائري حرا في اختيار ممثليه، سوف يختار الناس النزهاء فقط والذين يثق فيهم. عندما تكون الهيأة التنفيذية هي التي ترشح الناس فإن هذا يتناقض مع أبسط مبادئ الديمقراطية. لقد كنت على قناعة تامة، من خلال دراستي للحكم في الجزائر منذ الاستقلال أن التنظيم الاشتراكي والأسلوب المركزي في اتخاذ القرار وحكم الحزب الواحد لم يعد يجدي نفعا.

    والتاريخ يحكم عليّ في فشل أو نجاح الأمور، لأنني المسؤول الأول والأخير عن الإصلاحات. وحوادث الخامس من أكتوبر كانت نتيجة عدم قبول المسؤولين في السلطة والحزب للإصلاحات والتغييرات التي قمت بها، فحاولوا إجباري على التخلي عن الإصلاحات من خلال إخراج المظاهرات، لكني قلت لهم أنهم على خطأ، لأن مصلحة الشعب الجزائري تقتضي منا فتح باب الديمقراطية، وذلك من خلال فسح المجال له في اختيار ممثليه وتحمّل مسؤولية اختياره ومصيره.

    لذلك أنا أؤكد أن الإصلاحات بدأت قبل أحداث الخامس من أكتوبر، وأن هذه الأحداث كانت عبارة عن ضغط مورس علي لإجباري على التراجع عنها، ولكنني تمسكت بالإصلاحات، وطرحت الدستور الجديد للاستفتاء في عام 1989، وأخبرتني مصالح الأمن أن جبهة التحرير قد حرّضت الناس على التصويت ضد الدستور الجديد، لأنه كان سيفتح الباب للديمقراطية. ولكنني لم أكترث لما قاموا به على الرغم من أنني كنت مسؤولا في جبهة التحرير. كان هناك العديد من أفراد جبهة التحرير خائفين على مصالحهم لارتباطها بشكل كبير باستمرار حكم الحزب الواحد، لذلك قررت أن أطلب من الشعب الجزائري الحكم بيني وبين المعارضين على الإصلاحات من خلال وضع الدستور للاستفتاء الشعبي.

    ولضمان نزاهة الاستفتاء، أمرت مصالح الأمن بعدم تزوير نتائج الاستفتاء أو التدخل في عملية الاستفتاء. وقد قررت أن أمضي في الإصلاحات في حال صادق الشعب على الدستور أو الاستقالة من منصبي في حال رفضه. ولقد وضعت هذين الخيارين كشرط مسبق وجميع الشعب الجزائري على علم بهذا الأمر.

    وصوّت الشعب في الاستفتاء على الدستور بنسبة 85٪ (والصحيح هو 73.4)، وجهت نتيجة الاستفتاء هذه صفعة قوية للأحزاب وجبهة التحرير، لقد أدركت، من خلال نتيجة الاستفتاء والتأييد الشعبي له، أنني على الطريق الصحيح، كانت مصلحة الشعب، بالنسبة لي، أهم من مصلحة المسؤولين من حولي.

    ولو اتبعت أهواء هؤلاء المسؤولين، لوصلت الأمور في الجزائر إلى الهاوية. لقد أدركت من نتيجة الاستفتاء أن الشعب الجزائري يريد فتح الباب للديمقراطية الحقيقية لتحمّل المسؤولية ولاختيار ممثليه بكل حرية وديمقراطية من رئيس الجمهورية إلى رئيس البلدية، وهكذا يكون البرلمان مستقلا وله الحرية الكاملة في مراقبة الهيأة التنفيذية قبل الحكومة كما هو الحال في الدول الديمقراطية الحقيقية. البرلمان هو الممثل الرسمي للشعب ومن خلاله تتم مراقبة الهيأة التنفيذية ومحاسبتها.

    موقف جبهة التحرير المعارض لهذه التطورات والإصلاحات الديمقراطية دفعت الشعب الجزائري للتعاطف مع الاتجاه الإسلامي، وهذا بدوره أعطى الفرصة للتطرف الإسلامي في النمو انتقاما من المسؤولين القائمين على جبهة التحرير، وليس بجبهة التحرير كرمز، ولهذا السبب فقد صوّت الشعب الجزائري للجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) في الانتخابات، وكانت النتيجة فوز الإسلاميين بها والتي كانت بمثابة نقمة على المسؤولين في جبهة التحرير لارتكابهم أخطاء منها نهب أموال الدولة، لأنهم كانوا خائفين على أنفسهم من المحاسبة والمساءلة الشعبية وطلبوا مني أن أعيد الاستفتاء، لكنني رفضت.

    * دعنا نعود، من فضلك، إلى الموضوع الأساسي، ذهبت أنا وطالبتي (شوكو وتانابي) إلى قسنطينة السنة الماضية وقمنا بزيارة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ما هدف الحكومة الجزائرية من تأسيس هذه الجامعة في عام 1984؟

    في الحقيقة، لقد كانت هذه الجامعة عبارة عن مسجد قبل أن تصبح جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية. وبعد ذلك بدأت فكرة توسيع المسجد فتحوّل إلى معهد ومن ثم إلى جامعة. وقررنا تعليم الدين الإسلامي في هذه الجامعة وأحضرنا أساتذة على مستوى رفيع لتسيير أمورها. وكانت الجامعة الوحيدة في الجزائر التي تولت تعليم الدين الإسلامي، ونظرا لأهمية هذه الجامعة، أحضرت الأستاذ المصري الشيخ الغزالي من مصر ليدرّس في الجامعة، وعلى الرغم من أن الناس كانوا يتهمونه بالمسؤولية عن انتشار التطرف الإسلامي في الجزائر، إلا أنه كان رجلا معتدلا. لقد كان الأستاذ الغزالي إنسانا عالما ومحترما وله سمعة طيبة بين المصريين والعرب جميعا، وقد تكفل بإدارة الجامعة.

    لم يبرز التطرف من هذه الجامعة، بل كان مصدره أطراف وتنظيمات أخرى خارجية. كان أساتذة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية من المعتدلين وقد ساهموا أيضا في تخريج أساتذة معتدلين. حتى أنه عندما أعلن العصيان المدني في الجزائر، شارك فيه عدد قليل جدا من طلاب هذه الجامعة. برز التطرف الإسلامي في الجزائر من عناصر ومذاهب وأفكار لا تتماشى مع الإسلام الحقيقي. جميعها جاءت من خارج الجزائر وعانت من هذه المشكلة، ليس فقط الجزائر، بل جميع البلاد العربية حتى يومنا هذا، والإسلام بريء تماما من هذه التنظيمات المتطرفة.

    * ما هي الأسباب وراء أحداث الخامس من أكتوبر 1988؟

    كانت أسباب أحداث أكتوبر الإصلاحات التي قمت بها. كان هناك العديد من المسؤولين في جبهة جبهة التحرير وآخرين أيضا ضد الديمقراطية التي حاولت تطبيقها وذلك لأن الديمقراطية وحرية الصحافة وفسح المجال للشعب في اختيار ممثليه بحرية ستكشف عيوب المسؤولين وستحرمهم من المكاسب التي كانوا يحصلون عليها من خلال الحكم بالقواعد القديمة، زمن حكم الحزب والفرد الواحد. باختصار، شكلت عملية الإصلاح تهديدا لنفوذ الكثيرين من أعضاء جهاز جبهة التحرير وغيرهم. ولهذا السبب، فقد قاموا بالتحريض على تلك المظاهرات وأحداث العنف لإجباري على العدول عن مشروع الإصلاح والتخلي عن التوجه الديمقراطي.

    أما القول بأن الديمقراطية هي التي جاءت بأحداث الخامس من أكتوبر فهذا غير صحيح. والحقيقة أن العكس هو الصحيح: الإصلاحات الاقتصادية والسياسية هي التي جاءت بهذه الأحداث من قبل المتضررين منها لإجباري على التراجع عن مشروع الإصلاح الديمقراطي.

    * هل كان وراء هذه الأحداث منظمة معينة؟

    لا، كانت من عناصر من جبهة التحرير، وهم الذين شجعوا على هذه الأحداث.

    * هل تعني أن هذه الأحداث والمظاهرات لم تكن منظمة؟

    لا، لم تكن هناك منظمة واحدة مسؤولة عن تنظيم الأحداث، وقد اغتنم الإسلاميون هذه الأحداث للبروز على الساحة السياسية وكسب التأييد الشعبي بعد أن أعطاهم الشعب الجزائري ثقته انتقاما من تصرفات جبهة التحرير.

    * لماذا استطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) تحقيق نتائج كبيرة في انتخابات 1990؟

    أعطت الديمقراطية للشعب الجزائري اختيار الإسلاميين بكل حرية، تماما كما حدث في فلسطين عندما انتخب الشعب الفلسطيني الإسلاميين من حركة حماس. كان اختيار الفلسطينيين للإسلاميين عقابا وردا على التصرفات والأخطاء التي ارتكبتها حركة فتح بحق الفلسطينيين ونهب أعضائها للمال العام. وهذا بالضبط ما حدث في الجزائر عندما انتقم الشعب من تصرفات المسؤولين في جبهة التحرير الذين ارتكبوا أخطاء كبيرة في حق الشعب الجزائر ونهبوا أمواله، هذه هي الحقيقة.

    * كما هو معروف، لم تقبل الحكومة الجزائرية بنتائج الانتخابات 1991 وحظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)، وكانت النتيجة مأساوية، وراح ضحيتها أكثر من مائة ألف قتيل في ذلك الوقت. هل تعتقد أنه لو قبلت الحكومة نتائج الانتخابات وتنظيم FIS في الحكم، لجنّبت البلاد كل تلك الأحداث التي تبعتها؟

    طبعا، كان يتوجب أن تعالج المشاكل التي تفجرت بعد الانتخابات في إطار البرلمان. وبصراحة أنا لا أتهم كل جبهة التحرير، ذلك، لأن البعض في جبهة التحرير قبلوا نتائج الانتخابات وفضلوا أن تقوم FIS في تعيين حكومتها، ومن ثم نقوم بنقل الصراع سياسيا إلى داخل البرلمان من خلال طرح وجهات النظر المختلفة.

    كان المفروض أن لا تصل الأمور إلى تلك الأزمة الخطيرة والتي مازلنا نعاني منها حتى الآن، أنا كنت مع الإطار الديمقراطي، وبما أن الشعب اختار الطرف الآخر (الإسلاميين)، كان يتوجب علينا تسليمهم الحكومة والسماح لهم بالإمساك بزمام الأمور في الجزائر، لكن أعضاء جبهة التحرير خافوا على أنفسهم وطلبوا مني حذف نتيجة الانتخابات وإعادتها من جديد، لكني رفضت طلبهم احتراما مني للدستور وتنفيذا للوعد الذي قطعته على نفسي عندما حلفت على القرآن باحترام إرادة الشعب الجزائري.

    لذلك لم أطلب من الشعب الجزائري أن يعيد النظر في اختياره للإسلاميين. وماذا كان سيقول الرأي العام الجزائري والدولي عني لو أنني قمت بحذف الانتخابات؟ لكانوا قد ظنوا أن الإصلاحات التي قام بها الشاذلي كانت عبارة عن مناورة للبقاء في السلطة. ولهذا السبب قررت ترك الحكم وقدمت استقالتي احتراما لخيار الشعب الجزائري. ومخطئ من يدعي أنه كان انقلابا، لأني قمت بالاستقالة بمحض إرادتي دون أي ضغوط من قبل أية جهة كانت.

    * كان على الحكومة الجزائرية القبول بحكومة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، أليس ذلك صحيحا؟

    نعم، هذا صحيح. لو أن الحكومة قبلت بنتائج الانتخابات، لما كنا قد وصلنا إلى ذلك الوضع الخطير. لقد أردت من الشعب الجزائري أن يتحمل مسؤولية اختياره لممثليه بكل حرية ومن خلالهم تشكيل الحكومة. كان يجب علينا احترام خيار الشعب الجزائري ومنح الفرصة للجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) في تشكيل الحكومة. كان ينبغي الحكم على FIS من خلال القوانين والإجراءات الدستورية التي تحكم الحكومة، والخروج عن إرادة الشعب وخياره في الانتخابات كان خطأ كبير جدا.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الشاذلي بن جديد في شهادة مثيرة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 17 أكتوبر 2012 - 17:16

    قرارات مؤتمر الصومام فرضت علينا بالعنف والسلاح / مؤامرة العقداء لم تكن تنازعا على السلطة أو صراع عُصب


    ليس من عادتي الرد على ما يكتب حولي وحول فترة حكمي في الصحافة الوطنية. فقد آليت على نفسي التزام الصمت، ليس هروبا من قول الحقيقة، وإنما شرفي كمجاهد وحسّي بالمسؤولية كرجل دولة يمنعاني من الخوض في قضايا حساسة تتخذ، للأسف الشديد، عندنا في غالب الأحيان طابع النقاش العقيم والمهاترات السخيفة وتصفية الحسابات والتجريح.
    ما نشرته بعض الصحف الوطنية من مقالات وتقارير حول تدخلي في الطارف أمام رفقائي في السلاح من القاعدة الشرقية وطلبة المركز الجامعي خير دليل على ذلك. وأنا، بالطبع، لا ألوم المراسلين المحليين على ما وقعوا فيه من أخطاء في نقل فقرات من تدخلي ونزعها عن السياق الذي قيلت فيه، فربما يعود السبب إلى عدم اطلاعهم على حقائق تاريخ ثورة التحرير. لكني اندهشت كثيرا لعنف الهجومات التي تضمنتها بعض المقالات على شخصي وفترة حكمي مما يعطي الانطباع بأن الخيوط تحركها جهات أخرى ليس من مصلحتها أن يتكلم الشاذلي بن جديد.
    ولوضع حد للجدل القائم الذي حاول البعض أن يوهم الرأي العام من خلاله أن الشاذلي بن جديد أراد خلط الأوراق، أو أنه حاول أن يؤثـر على الحراك السياسي الجاري الآن، أو أنه يطرح نفسه كبديل محتمل للخروج مما يسميه البعض ''أزمة''، أرى من واجبي توضيح أهم النقاط التي تناولتها في مداخلتي الطويلة بالطارف، وتصحيح بعض الأخطاء ووضع القضايا التي أثيرت في سياقها الحقيقي.
    القاعدة الشرقية
    لم يتم الاتفاق بين قادة منطقة سوق أهراس رغم الجهود الحثيثة التي بذلها عمارة بوفلاز من أجل تجسيدها في الواقع على المستوى السياسي والتنظيمي. وكانت أسباب الفشل عديدة: منها تضارب الرؤى حول الأهداف وخلافات حول مسائل الانضباط ومعايير تولي المسؤولية واحتدام الصراع حول الزعامة الذي كانت تغذيه اعتبارات عصبية وإقليمية. وتزامن ذلك مع التحضيرات التي كانت جارية في النصف الأول من عام 1956 لعقد أول مؤتمر للثورة من أجل تقييم مسارها وتصحيح الأخطاء، والأهم من ذلك إسنادها ببرنامج سياسي وهيكل تنظيمي يجنبها مخاطر الانحراف. وكانت فكرة عقد لقاء بين قادة الثورة مطروحة آنذاك. وقد فكر فيها مصطفى بن بولعيد، لكن استشهاده حال دون ذلك. وبعد هجمات أوت 1955 تم الاتفاق على عقد اللقاء في المنطقة الثانية. وقد أكد لي ذلك علي كافي مؤخرا. واختيرت آنذاك المشروحة بجبال بني صالح، مقر قيادة عمارة بوفلاز، لاحتضان المؤتمر لكونها منطقة آمنة بسبب وعورة جبالها وغاباتها الكثيفة مما يمنع الجيش الفرنسي من الوصول إليها وكذلك قربها من الحدود التونسية، وهو ما يسمح للمسؤولين الموجودين بالخارج الحضور دون أن يعرضوا أنفسهم للخطر. لكن انقطاع الاتصال بالمنطقة الثانية حال دون ذلك. وفضل مسؤولو الثورة عقد المؤتمر في قرية إفري بالصومام.
    مؤتمر الصومام اتخذ قرارات حاسمة لم تكن محل إجماع
    تعذر على عمارة بوفلاز الانتقال للقاء المسؤولين عن الثورة بسبب الأوضاع الخطيرة السائدة في المنطقة، فأوفد في جوان 1956 حفناوي رماضنية وعمار بن زودة لشرح وجهة نظر مجاهدي القالة وسوق أهراس. وبعث معهما تقريرا مفصلا عن الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة. وطلب من المؤتمر عدم اتخاذ أي قرار بشأن منطقة سوق أهراس، وإيفاد لجنة لدراسة الأوضاع التي ازدادت سوءا، بعد الحصار الذي ضرب عليها منذ مطلع 1955 وتكثيف الجيش الفرنسي لعمليات التمشيط وسوء التفاهم بين مجاهدي النمامشة بعد انسحابهم بأسلحتهم نحو جبال تبسة.
    وبعث بوفلاز وفدا آخر للاتصال بالبعثة الخارجية، وكلفه بنفس المهمة. وخلال مرور رماضنية وبن زودة بالشمال القسنطيني التقيا بالطاهر بودربالة ومسؤول آخر، ربما هو علي كافي. وحين علما بمهمتهما قالا لهما: إن المؤتمر عقد. وطلبا منهما الوثائق التي بحوزتهما قصد تسليمها لقيادة الثورة. وعاد رماضنية وبن زودة إلى منطقة سوق أهراس في نهاية شهر جوان. لكننا فوجئنا بانعقاد المؤتمر في شهر أوت بالصومام دون أن تشارك في أشغاله الولاية الأولى بعد استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد وغياب الوفد الخارجي وإقصاء منطقة سوق أهراس. وفوجئنا، أيضا، بصدور قرارات هامة بالنسبة لمستقبل الثورة ومصير منطقة سوق أهراس. ولم يطلع المؤتمرون على تقريرنا، الذي ربما أخفي أو مزّق. وأبقى المؤتمر على منطقة سوق أهراس تابعة للمنطقة الثانية، التي أصبحت تدعى الولاية الثانية. كما اتخذ نفس المؤتمر قرارات حاسمة لم تكن محل إجماع مثل أولوية الداخل على الخارج وأولوية السياسي على العسكري.
    بعد رفضنا لقرارات مؤتمر الصومام، اتهمنا بأننا مشوشون. وظل هذا النعت لاصقا بنا فترة طويلة. ورفضت لجنة التنسيق والتنفيذ مدنا بأية مساعدة مادية بعد الطلب التي تقدم به عمارة بوفلاز. وضرب علينا حصار اقتصادي حقيقي واضطر سكان المناطق الحدودية إلى النزوح إلى تونس واضطررنا إلى الاعتماد على أنفسنا في تموين الجيش بالغذاء. وعشنا مدة ستة أشهر أو أكثـر على أكل (السويكة): وهي خليط من القمح المطحون والخرّوب يتم مزجه بالماء يقدم كغذاء للجنود. وللخروج من هذه الأزمة قررت القيادة استغلال الموارد الطبيعية وبخاصة الفلين. ونجحت القيادة في توفير الأدوات، اللازمة لقطع الفلين، والعمال المؤهلين، وكانوا من المجاهدين الذين اشتغلوا من قبل في نفس المهنة. وأعد مخطط لإنجاح هذه العملية ووسائل النقل ومراكز تخزين الفلّين بالأراضي التونسية. وكان العمال يقطعون الفلّين تحت حراسة الجنود. وكان الفلّين ينقل إلى تونس ليباع هناك في الأسواق.
    ونجح عمارة بوفلاز في بيع حمولة باخرتين من الفلّين إلى إيطاليا، كما اتصل بوزير المالية التونسي لإعفائنا من الضرائب لكنه رفض. وساعدتنا تلك العوائد على تحسين الأوضاع الاقتصادية.
    فشل اللقاء مع أوعمران
    بعد مؤتمر الصومام أوفد زيغود يوسف عمار بن عودة للإشراف على الحدود، وإبراهيم مزهودي لوضع حد للاستياء السائد في تبسة. لكن المبعوثين لم يستعملا الحوار والإقناع ولجآ إلى العنف والسلاح لفرض قرارات مؤتمر الصومام. لكنهما فشلا ودخلا إلى تونس. شعرنا بعد مؤتمر الصومام بالإقصاء والتهميش وكانت خيبة الأمل كبيرة في صفوف المجاهدين. وشرع عمارة بوفلاز في تنظيم عملية تحسيس واسعة. وأعاد الاتصال بمسؤولي جيش التحرير الوطني، في سوق أهراس وسدراتة وخنشلة والأوراس، الذين عقدوا اجتماعا في ديسمبر 1956 وحاولوا من جديد إنشاء ولاية مستقلة عن الولايتين الأولى والثانية هي ولاية عين البيضاء. ورفضوا قرارات مؤتمر الصومام بسبب عدم تمثيله لجميع المناطق وتناقضه مع الاتجاه الأول للثورة واعترافه بأولوية السياسي على العسكري وعدم نصه على أن الجزائر دولة عربية إسلامية. كما طالبوا بإبعاد العناصر التي بقيت تعمل في تونس، وتكوين لجنة ممثلة لجميع المناطق للاتصال والتنسيق، وإبعاد مزهودي وبن عودة من تونس. وتعهدوا، من جهتهم، بنقل السلاح إلى المناطق الداخلية، وجددوا الثقة في علي محساس المكلف بتمثيل الجيش سياسيا وعسكريا في الخارج.
    في تلك الفترة اتصلنا بأحمد بن بلة، الذي لم يوافق على قرارات مؤتمر الصومام، فأوفد علي محساس للاتصال بنا. وكانت هي المرة الأولى التي تعرفت فيها عليه. وأطلعناه على الجهود التي نبذلها في ميدان التنظيم والتجنيد والتدريب قبل تأسيس القاعدة الشرقية.
    بعد فشل بن عودة ومزهودي في مهمتهما، أرسلت لجنة التنسيق والتنفيذ، في نهاية سنة 1956 عمر أوعمران، الذي عين آنذاك مسؤولا عن التنظيم العسكري للوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، إلى تونس في محاولة لإصلاح الأوضاع المتردية في تونس وإبعاد علي محساس وأنصاره، الذين كانوا لا يزالون رافضين لقرارات مؤتمر الصومام. ووقعت مواجهات بين الطرفين، وتدخل الحبيب بورقيبة لفض الخلافات، وانتهت الأمور بمغادرة محساس تونس. في تلك الفترة التقى أوعمران بعمارة بوفلاز ونوابه، وشرحوا له موقف مجاهدي المنطقة، واقترح عليه بوفلاز أن ينظم له اجتماعا مع مسؤولي الأفواج بالمنطقة.
    وهكذا سافرنا في مطلع 1957 إلى سوق الأربعاء بضواحي باجة، والتقينا بأوعمران في مزرعة أحد أحفاد الشيخ المقراني.
    قدم لنا عمارة بوفلاز أوعمران على أساس أنه موفد من قبل لجنة التنسيق والتنفيذ لدراسة الوضع في منطقة سوق أهراس في الميدان، وخرج بوفلاز ولم يحضر الاجتماع. عرض علينا أوعمران قرارات مؤتمر الصومام، مؤكدا على طابعها الوطني، وتحدث عن الرهانات الكبرى التي تواجه الثورة وعلى ضرورة توحيد الصفوف. وقال في الأخير إن إنشاء ولاية جديدة يتنافى مع قرارات الصومام. وبعد المعارضة التي لقيها من جانبنا حاول أن يقنعنا بأن نختاره مسؤولا عنا. لكننا رفضنا وتمسكنا بمسؤولينا. وانتهى الاجتماع ليلا، وافترقنا كل إلى جهته.. وبعد ذلك قدم أعمران عرض حال عن مهمته إلى أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ، مقترحا إنشاء نظام خاص بالمنطقة.
    ويؤكد بوفلاز في شهادته أنه ''يملك الوثائق الدالة على ذلك ومن بينها الوثيقة التي تقر فيها لجنة التنسيق والتنفيذ بجعل منطقة سوق أهراس قاعدة تموين تكون بمثابة ولاية. وهي بإمضاء بن خدة وكريم بلقاسم وسعد دحلب''. لم يوقع بن طوبال على الوثيقة لسبب واضح وهو رفضه فصل منطقة سوق أهراس عن الولاية الثانية، وخلافاته العميقة مع عمارة بوفلاز. ولم يستسغ قادة الولاية الثانية إنشاء القاعدة الشرقية. وظل بعضهم يعتبرها حتى سنة 1962 جزءا من الولاية الثانية. هكذا ظهرت رسميا القاعدة الشرقية، لكن قرار لجنة التنسيق والتنفيذ جاء ليكرس واقعا موجودا في الميدان قبل ذلك بسنة.
    كنا في القاعدة الشرقية نرفض فكرة مؤامرة العقداء
    قيل وكتب الكثير عن حادثة الكاف، أو كما يسميها البعض، خطأ، مؤامرة العقداء، أحيانا، وأحيانا أخرى مؤامرة العموري. وأدلى برأيه، في أسبابها وملابساتها، حتى الذين لا علاقة لهم بها، لا من قريب ولا من بعيد. ويجدر بي أن أوضح من البداية أننا، في القاعدة الشرقية، لم نكن نستسيغ كلمة مؤامرة. ذلك أن هذه الكلمة، بإيحاءاتها السلبية وتوظيفاتها السياسية، يمكن أن تقدم فكرة خاطئة عن فصل مأساوي من فصول كفاحنا المسلح، أو أن ترسم صورة مشوهة عن ثورتنا، عن طريق تقديمها وكأنها سلسلة من الدسائس والمؤامرات والمقالب والانقلابات، وهذا غير صحيح تماما. ولأني عشت بعض فصول حادثة الكاف، والتقيت بعض أعضاء الحكومة المؤقتة للتفاوض معهم حول مصير العموري وزملائه قبل إعدامهم، أرى من واجبي الإدلاء بشهادتي في الموضوع.
    لم تكن القضية، في الحقيقة، تنازعا على سلطة أو صراع عصبة ضد عصبة أخرى، وإنما كان الأمر متعلقا بخلافات عميقة حول أساليب قيادة الكفاح المسلح وطرق تسيير الثورة سياسيا واختيار القادة، أي مصير الثورة بصفة عامة. وكان العموري وعواشرية ونواورة، وأغلب ضباط الولاية الأولى والقاعدة الشرقية، مقتنعين بأن الثورة قد انحرفت عن مسارها الأصلي، وأنه يجب التحرك لإصلاح الأوضاع قبل انفلاتها. هكذا تبلورت فكرة استعمال العنف ضد ''الباءات'' الثلاثة لحملهم على مراجعة القرارات التي اتخذوها في حق عمارة بوفلاز والعموري بعد حل لجنة العمليات العسكرية.
    وينبغي لنا أن نرجع قليلا إلى الوراء لوضع حادثة الكاف في سياقها التاريخي الحقيقي بالحديث عن مصير القاعدة الشرقية وما كان يخطط لها في الخفاء.
    لم تعمّر القاعدة الشرقية، التي ولدت في الآلام والدموع، طويلا. فبعد عامين من نشأتها العسيرة وئدت بطريقة عسيرة أيضا مع نهاية سنة .1958

    وأسدل الستار على مآثـر وتضحيات قادتها وجنودها. وكان مصير بعض قادتها مأساويا ترك آثارا لا تمحى في نفوس مجاهدي المنطقة وفي مسيرة الثورة. كانت القاعدة الشرقية هي الرئة التي تتنفس منها الثورة، وكانت قلبها النابض. لكن الرهانات، التي أحاطت بها منذ تأسيسها، حوّلتها إلى مصدر لأطماع السياسيين وبعض المغامرين ودسائس الطامحين إلى الزعامة.
    صدقنا في البداية خبراستشهاد عبان ثم فوجئنا بالحقيقة المفجعة
    كانت السنة التي تفككت فيها القاعدة الشرقية مضطربة وخطيرة عل أكثـر من صعيد، فعلى مستوى قيادة لجنة التنسيق والتنفيذ تفاقمت الخلافات بين أعضائها، وانعكست ميدانيا على القدرات القتالية للجيش، وطفت تلك الصراعات إلى السطح. ولم تعد سرا يخفى بعد مقتل عبان رمضان في نهاية .1957 في البداية صدقنا ما أعلنته جريدة المجاهد حول استشهاده في ميدان الشرف، لكننا فوجئنا، بعد فترة قصيرة، بالحقيقة المفجعة: وهي أن رفقاءه في السلاح استدرجوه إلى المغرب ليقتلوه. كانت الصدمة عنيفة في صفوف المجاهدين. وندد بوفلاز، رغم خلافه مع عبان، في رسالة شديدة اللهجة إلى لجنة التنسيق والتنفيذ، بهذا الاغتيال الجبان لأحد رموز الثورة، ونظم يوم حداد واحتجاج في القاعدة الشرقية.
    في تلك الفترة كانت قيادة الجيش الفرنسي ماضية في تنفيذ مخططاتها الرامية إلى عزل جيش التحرير وقطع الدعم عنه من الخارج. وشرعت في تطبيق مخططي وزير الدفاع أندري موريس والجنرال سالان. أما على الصعيد السياسي فقد اتسمت سياسة الجمهورية الخامسة، التي وصلت إلى الحكم بفضل المتطرفين وقسم هام من ضباط الجيش الفرنسي، بالمزاوجة بين العمليات العسكرية والتنازلات الجزئية لصالح الجزائريين.
    وكان اعتلاء ديغول سدة الحكم أخطر مرحلة مرت بها الثورة الجزائرية، وانخدع بها بعض القادة السياسيين، الذين صدقوا مبادرات ديغول وخاصة بعد زيارته إلى الجزائر في جوان 1958 ثم إعلانه لمشروع قسنطينة. كان مشروع قسنطينة يمثل الجزرة أما مخطط شال، الهادف إلى القضاء على جيش التحرير من خلال تكثيف عمليات مراقبة وتمشيط المناطق الحدودية، فقد كان بمثابة العصا. وتوج ديغول سياسته باقتراحه الشهير ''سلم الشجعان''، الذي كان يمثل بالنسبة إلينا رفع راية الاستسلام البيضاء واستبعاد الحوار حول المستقبل السياسي للجزائر.
    في مثل هذه الأوضاع الصعبة بدأ التخطيط لتفكيك القاعدة الشرقية. وتمت الخطوة الأولى في النصف الأول من عام 1958 حين اتخذ كريم بلقاسم قرارا متسرعا يقضي بإنشاء لجنة العمليات العسكرية في الحدود الشرقية والغربية (الكوم). كان الهدف المعلن هو تكليف هذه الهيئة بقيادة العمل المسلح في الداخل، لكنها كانت، في الحقيقة، بداية لتفكيك القاعدة الشرقية وتصفية مسؤوليها.
    الحرس التونسي حاصر ضباط الولاية الأولى والقاعدة الشرقية واعتقلهم
    برزت الخلافات بين الباءات الثلاثة (بلقاسم كريم، بن طوبال لخضر، وبوصوف عبد الحفيظ) حتى في تشكيل الكوم. واضطر بوصوف وكريم وبن طوبال إلى الوصول إلى تسوية فيما بينهم من خلال مراعاة مبدأ التمثيل الجهوي ومبدأ تمثيل كل الولايات. وأصبح واضحا أن مبدأ القيادة الجماعية، الذي استندت إليه الثورة منذ اندلاعها، أصبح يتلون بحقائق الميدان ولعبة التوازنات.
    في الحدود الغربية (كوم الغرب) أنشئت لجنة العمليات العسكرية بقيادة هواري بومدين، الذي فرضه بوصوف، وعين العقيد الصادق نائبا له، وكانا يشرفان على الكفاح المسلح في الولايات الرابعة والخامسة والسادسة. أما كوم الشرق فقد كان بؤرة حقيقية للخلافات والتناقضات المنذرة بانفجار في أقرب الآجال. فلم يكن شيء يوحي بضمان أبسط شروط التنسيق والعمل الجماعي بين رئيسه محمدي السعيد (الولاية الثالثة) ومحمد العموري (الولاية الأولى) وعمار بن عودة (الولاية الثانية) وعمارة بوفلاز (القاعدة الشرقية). وكان الخلاف بين بوفلاز وبن عودة على أشده. وكان هذا الأخير ينسق مع بن طوبال لتحييد بوفلاز.
    وبالإضافة إلى ذلك فإن الجيوش التي قدمت لنقل السلاح، والتي أنيط بالكوم مهمة إدخالها إلى أرض الوطن في أقرب الآجال، لم تكن متعودة على قيادة مركزية، وكانت تدين بالولاء إلى مسؤوليها المباشرين. بعد ذهاب بوفلاز إلى الكوم أعيد النظر في قيادة القاعدة الشرقية، وعين الرائد محمد الطاهر عواشرية مسؤولا عنها والرائد شويشي العيساني نائبا له. وتولى مسؤولية المنطقة الأولى صهر بوفلاز، رصاع معزوز، يساعده ثلاثة نواب برتبة ملازم أول هم الشاذلي بن جديد ويوسف بوبير وبلقاسم عمورة المعروف بلضويوي. وأجريت تغييرات مماثلة في المنطقتين الثانية والثالثة اللتين بقيتا تحت مسؤولية عبد الرحمن بن سالم والطاهر كلبيري.
    في نهاية سبتمبر من السنة نفسها اتخذت لجنة التنسيق والتنفيذ، في اجتماع بالقاهرة، آخر قرار لها قبل تعويضها بالحكومة المؤقتة، والقاضي بإلغاء الكوم واتهام أعضائه بالتقصير والعجز في تطبيق قرارات القيادة واللاكفاءة. واتخذت أيضا قرارات تعسفية مجحفة في حقهم. وشعرنا، نحن الضباط في القاعدة الشرقية، بأن الأمر يتعلق بمكيدة تهدف إلى تصفية مسؤولينا والانتقام منهم، خاصة وأننا لاحظنا نوعا من التمييز في طبيعة العقوبات ودرجاتها. فقد سلطت أقسى العقوبات على قادة الولاية الأولى والقاعدة الشرقية، واكتفت اللجنة بعقوبات بسيطة ضد الأعضاء الآخرين. وهكذا نزّلت رتبة بوفلاز ومنع من ممارسة أي نشاط وأبعد إلى بغداد، وليس إلى السودان كما جاء في بعض الكتب. كما نزّلت رتبة العموري وأبعد، هو الآخر، إلى جدة لكنه لم يلتحق بها وبقي لاجئا في ليبيا. بينما اكتفت اللجنة بإبعاد بن عودة لمدة ثلاثة أشهر إلى بيروت. أما المسؤول الأول عن الكوم، محمدي السعيد، المتهم الأول بضعف التسيير، فقد ألحق بالحكومة المؤقتة بالقاهرة ليكلف، بعد شهر، بقيادة التنظيم الجديد: هيئة أركان الشرق.
    كان عمارة بوفلاز هو من دفع العموري إلى رفض قرارات الحكومة المؤقتة، أو بالأحرى قرارات الثلاثي (الباءات الثلاثة). لكنه كان يسعى إلى حل هذه المشكلة بالطرق السلمية وفي الأطر النظامية. لكن العموري فضل اتباع أسلوب آخر هو استعمال القوة. وشرع العموري في تنسيق جهوده للإطاحة بالعسكريين في الحكومة المؤقتة مع أحمد نواورة، الذي خلفه على رأس الولاية الأولى، ومحمد الطاهر عواشرية قائد القاعدة الشرقية بعد بوفلاز. وكانت نقطة الخلاف الأساسية هي الإسراع بدخول الجيش إلى التراب الوطني في تلك الظروف الصعبة. لكن نواورة وعواشرية رفضا هذا الأمر واشترطا الإشراف على قواعد الحدود. وأثناء ذلك كان العموري يخطط بالتنسيق مع مصطفى لكحل (المدعو باليسترو) للعودة إلى تونس. وكان الخطأ الذي ارتكبه العموري هو عقد الاجتماع في تونس بدل عقده داخل القاعدة الشرقية. فقد كان في إمكاننا أن نوفّر له الحماية، خاصة وأن قادة وجنود المناطق الثلاث كانوا يساندون أطروحاته.
    وشرع عواشرية في عقد سلسلة من الاجتماعات معنا في المنطقة الأولى والثانية والثالثة. وكانت الاتهامات التي وجهها في تدخلاته، تتلخص في أن الحكومة المؤقتة تعيش في تونس حياة بذخ، في الوقت الذي يعاني فيه المجاهدون من نقص في السلاح والذخيرة، وطالب بتقديم توضيحات حول اغتيال عبان رمضان.
    علم كريم بلقاسم ومحمود الشريف بوصول العموري إلى الكاف بواسطة قرام، الذي تكفل بنقله من طرابلس والذي كان سائقا خاصا لكريم. وفي اليوم الموالي جرى الاجتماع بحضور ضباط الولاية الأولى والقاعدة الشرقية: منهم الرائد شويشي العيساني، والعقيد أحمد نواورة، ومصطفي باليسترو، والرائد أحمد دراية، ومحمد الشريف مساعدية، وصالح الصوفي، والرائد بلهوشات. فداهم الحرس الوطني التونسي العمارة التي عقد بها الاجتماع، واعتقل المجتمعين..كانت الضربة قاسية بالنسبة إلينا. فبعد أيام شرع الحرس الوطني التونسي في نقل الجنود الجزائريين على الحدود لمحاصرتنا وقطع التموين عنا. ووجدنا أنفسنا بين مطرقة جيش الحدود بقيادة علي منجلي وسندان الجيش الفرنسي: إما أن ندخل في حرب الإخوة الأشقاء، وإما أن نسلم أنفسنا للعدو.. وكلا الخياران مر. وفضلنا الحل السلمي في الأطر النظامية.
    بعد فترة طلبت منا الحكومة المؤقتة القدوم إلى تونس للاستماع إلى المتآمرين كما سمّتهم. فذهبنا، أنا وعبد الرحمن بن سالم والزين نوبلي رفقة محمدي السعيد إلى معسكر ''الدان دان'' حيث كانت الجماعة مسجونة. وقابلنا هناك كريم بلقاسم وبن طوبال، وكان بوصوف غائبا. حاولنا أن نقنع أعضاء الحكومة المؤقتة بأن الاجتماع كان مجرد اجتماع استشاري لإصلاح الأوضاع. لكن كريم وبن طوبال أصرا على أن العموري وجماعته كانوا يخططون لانقلاب ضد قيادة الثورة خدمة لمصالح أجنبية. طلبنا منهم الإبقاء عليهم في السجن وعدم إعدامهم فوافقوا شرط أن نسلّمهم الرائد أحمد دراية الذي نجح في الإفلات من قبضة الحرس التونسي ودخل التراب الوطني.
    لا أعتبر الإنتماء إلى الجيش الفرنسي إهانة أو مساسا بالشرف
    وأريد هنا أن أوضح قضية الضباط الفارين من الجيش الفرنسي بما لا يدع مجالا لأي تأويل. أنا لا أعتبر الانتماء إلى الجيش الفرنسي إهانة أو مساسا بالشرف. وكنت دائما أميّز بين من اضطر، لسبب أو آخر، لأداء الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، وبين من عرفوا بالفارّين من الجيش الفرنسي، الذين التحقوا بالكفاح المسلح في وقت متأخر، وكانوا سببا في خلافات كثيرة أثناء الثورة. فقد كان لدي الكثير من الأصدقاء ممن خدموا في هذا الجيش، ثم بعد ذلك وجهوا السلاح ضده حين أدركوا بأن لحظة الاختيار قد دقت. وأبلوا بلاء حسنا في المعارك التي خاضوها ضد من كانوا قادتهم في الثكنات الفرنسية.
    لقد كنا، منذ بداية الثورة، نشجع هؤلاء الجنود وضباط الصف على الالتحاق بنا. ووقعت، بالفعل، عمليات فرار شهيرة: مثل فرار سالم جوليانو وقارة عبد القادر، وعملية ثكنة البطيحة، مقر الكتيبة الثالثة للرماة الجزائريين، التي نفذها في مارس 1956 عبد الرحمن بن سالم ومحمد الطاهر عواشرية وعلي بوخذير ويوسف الأطرش. هؤلاء استولوا على كميات كبيرة من السلاح كانت الثورة في حاجة ماسة إليها. وساعدوا بما اكتسبوه من تجربة الأفواج الأولى من المجاهدين في التدريب والتكوين. وتحوّلوا، فيما بعد، إلى قادة كبار في القاعدة الشرقية، ومنهم من سقط في ساحة الشرف.
    لقد حاول الجنرال ديغول اختراق الثورة بكل الوسائل، وطبق سياسة العصا والجزرة. وكانت دفعة ''لاكوست'' هي التتويج لسياسة اختراق جيش التحرير الوطنى. فبعد فرار مجموعة من الضباط الجزائريين ألحقهم كريم بلقاسم بوزارته، وكلفوا بتطبيق مخطط الرائد إيدير، الذي لم يأخذ حقائق الميدان بعين الاعتبار، ونصب هؤلاء الضباط على رأس فيالق، لكن المجاهدين رفضوهم وطردوا بعضهم. وأدى إصرار القيادة الثلاثية على سياسة فرض هؤلاء الضباط إلى وقوع عدة محاولات تمرّد مثل عصيان جبل الشعامبي، وتمرّد حمى لولو، واستسلام أحمد حمبلي. أما فيما يتعلق بخالد نزار فقد أرسله محمدي السعيد إلى المنطقة الأولى، التي كنت مسؤولا عنها، كمستشار عسكري. لكن نوابي في المنطقة رفضوه في البداية، فأقنعتهم بضرورة الامتثال إلى قرار القيادة. وظل معنا رغم أننا كنا نعرف أنه يعمل لصالح الحكومة المؤقتة.
    أنا من أجهض تمرد شعباني والأمر بإعدامه صدر قبل جلسة المحاكمة
    أنا الذي أجهضت تمرد شعباني حين كنت قائدا للناحية العسكرية الخامسة، ثم شكلت محكمة ثورية خاصة لمحاكمته. واتصل بي بومدين ليقول لي: ''إن الرئيس أحمد بن بلة عيّنني عضوا في هذه المحكمة إلى جانب سعيد عبيد وعبد الرحمن بن سالم''. وأضاف بومدين: ''إن الرئيس يطلب منكم الحكم عليه بالإعدام. وإذا لم تصدقني اتصل بالرئيس حين تأتي إلى العاصمة وسيقول لك نفس الكلام''. صدقت بومدين.. فلم يكن من عادته الكذب عليّ. وأريد هنا أن أصحح معلومات خاطئة نشرت في شكل شهادات في الصحافة الوطنية، تقول إن أحمد بن الشريف وأحمد دراية وأحمد عبد الغني كانوا أعضاء بالمحكمة. وهذا غير صحيح.
    تشكلت المحكمة، بعضوية الضباط المذكورين أعلاه، وترأسها قاض مدني من الجزائر العاصمة، اسمه زرطال. ذهبنا إلى وهران حيث كان شعباني مسجونا مع جماعة أخرى من المساجين السياسيين في سجن سيدي الهواري، منهم محمد خبزي ومحمد جغابة وحسين الساسي والطاهر لعجل وسعيد عبادو وأحمد طالب الإبراهيمي ومعارضون آخرون لبن بلة.
    لم تستغرق المحاكمة وقتا طويلا. وبعد المداولة حكم على شعباني بالإعدام بتهمة محاولة التمرّد على الحكم وزرع الفتنة في صفوف الجيش. وبعد النطق بالحكم تلاقت نظراتنا، وانتابني في تلك اللحظة شعور بأن لا أحد منا مقتنع بهذا الحكم القاسي. لذلك طلبنا من شعباني أن يلتمس العفو من الرئيس بن بلة. فقال لنا، وكان منهارا: ''اطلبوه أنتم باسمي''.
    كلّفنا سعيد عبيد، بصفته قائدا للناحية العسكرية الأولى، أن يقوم بذلك ويتصل ببن بلة. ولكن بن بلة رفض رفضا قاطعا التماسنا، بل أصر على تنفيذ الحكم كما صدر عن المحكمة معتبرا إياه حكما غير قابل للاستئناف. ولما أخبرنا سعيد عبيد بذلك قلت له: ''اطلب العفو باسمنا نحن الضباط، وقل للرئيس إن شعباني مجاهد ورفيق سلاح، أمرتنا بأن نحكم عليه بالإعدام فحكمنا بذلك، ونحن نعتقد بأنه لا يستحق ذلك، وهو الآن يطلب منكم تحويل حكم الإعدام إلى عقوبة سجن''. ولمّا كلّمه سعيد عبيد ثانية أجابه بن بلة بنرفزة وتشنّج: ''قلت لكم أعدموه هذه الليلة''. وشتم سعيد عبيد، وشتم حتى أمه، وقال له: ''أمنعك من الاتصال بي مرة أخرى''. وأغلق في وجهه التليفون.
    في الثالث من سبتمبر أعدم شعباني مع طلوع الفجر في غابة بالقرب من كاناستل، بحضور أعضاء المحكمة، وبحضور أفراد من الدرك الوطني. وقد لاحظت العدد الكبير لأفراد الدرك، وفهمت أنهم كانوا يخشون أن نقوم بتهريبه قبل الإعدام. وبعد الإعدام وضعوا جثته في نعش، ودفن في مكان مجهول. وقيل لي فيما بعد إن بن بلة كان يستعد، في اليوم الموالي، للسفر إلى القاهرة. وحين قرأ في الجرائد خبر إعدام شعباني صاح قائلا: ''خسارة كيف يعدمون ضابطا شابا مثل شعباني''.
    زوجة سعيد عبيد أكدت لي حقيقة انتحاره
    بعد فشل انقلاب الطاهر كلبيري وُجد السعيد عبيد ميتا في مكتبه. وراجت آنذاك شائعات يقول بعضها إن كومندوسا قتله، وبعضها الآخر يتهم سليمان هوفمان بقتله وغيرها من الشائعات التي تروج عادة في مثل هذه الحالات.
    صدّق قادة الفيالق التابعة للناحية العسكرية الأولى، شائعة مقتل السعيد عبيد. فاعتصموا بالثكنات والمعسكرات وأغلقت الأبواب، ومنعوا دخول أي شخص، معلنين بذلك عدم اعترافهم بالنظام. كان بومدين حكيما ولم يفقد رباطة جأشه، ولم يلجأ إلى استعمال القوة، لأنه كان يدرك خطورة الوضع، ويسعى إلى تخفيف التوتر.. فاتصل بي وطلب مني أن أقنعهم بالعدول عما قاموا به. ونجحت في إقناع قادة الفيالق بوضع حد للعصيان، والتزمت معهم بالتحقيق في موت سعيد عبيد.
    ذهبت إلى بيت سعيد عبيد. وروت لي زوجته تفاصيل آخر مكالمة هاتفية لها معه، وأكدت لي أنه انتحر فعلا بعد الضغوط التي مورست عليه

    *رئيس الجمهورية الأسبق

    الشاذلي بن جديد

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 5 ديسمبر 2016 - 5:23