hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    بوجمعة عياد يفجّر حقيبة الإسلاميين!

    شاطر

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بوجمعة عياد يفجّر حقيبة الإسلاميين!

    مُساهمة  alhdhd45 في السبت 5 يناير 2013 - 11:46



    هو واحد من مؤسسي الحركة الإسلامية وإخوان الجزائر، وأحد رفاق المرحوم نحناح، في الحركة الاحتجاجية التي استهدفت قطع أعمدة الهاتف، يروي للشروق في حوار شامل عاصف ومسلسل حقائق وأسرار تنشر لأول مرة حول الحركة الإسلامية، انطلاقا من النواة الأولى للإخوان المسلمين إلى تفاصيل "خلايا قطع أعمدة الهاتف"، إلى سنوات السجن والتعذيب، متوقفا عند فتوى الشيخ عبد اللطيف سلطاني، التي هزّت كيانه وعصمته وعصمت رفاقه من الانجراف نحو العنف والتطرف.

    الشيخ بوجمعة عياد، تكلم بإسهاب عن التيارات الإسلامية (جماعة البناء الحضاري، جماعة الشرق والإخوان)، وكـشف حقائق جديدة عن جماعة الشرق وقصة "أبو ثائر" الذي كان له الفضل في تشكيل هذه الجماعة، وعن حركة بويعلي، وكشف مبادرات أجهضت لضم جماعة الإخوان مع الفيس، بوجمعة عياد روى أيضا قصته مع ليلى عسلاوي، التي حاكمت جماعة الإخوان وحكمت عليهم، ويتحدث عياد عن الأسباب الحقيقية للانسحاب الجماعي من حركة حماس واتهام نحناح بالانحراف، وعن اللقاء الأخير الذي جمعه مع المرحوم وهو على فراش المرض..


    من‮ ‬هو‮ ‬بوجمعة‮ ‬عياد؟‬

    بوجمعة عياد من مواليد 1946 ببني سليمان بالمدية، من عائلة ثورية، متزوج، دون أبناء، ويعتبر أبناء المدنية وبناتها أبناء له. التحق بالمدرسة في سنة 1951، وتوقف بعد اندلاع الثورة. حافظ لـ 40 حزبا من القرآن الكريم، تكوينه عصامي، ودرس بالسجن، واحتك بالشيخ عبد اللطيف سلطاني وتأثر به، والشيخ المكي وكذا المشارقة. انتقلت عائلته إلى العاصمة سنة 1963. التحق بالعمل الدعوي سنة 1969، عارض النظام سنة 1976، سجن سنوات 1976، 1981 و1984، اعتقل مرة أخرى بسبب هجوم بويعلي سنة 1985، شارك في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية. أسس دار النشر‮ ‬بعد‮ ‬أحداث‮ ‬88،‮ ‬مؤسس‮ "‬حماس‮"‬،‮ ‬وعارض‮ ‬توجهاتها‮ ‬سنة‮ ‬1992،‮ ‬وأعلن‮ ‬خروجه‮ ‬منها‮ ‬سنة‮ ‬1994‮.‬


    عدل سابقا من قبل alhdhd45 في السبت 5 يناير 2013 - 11:57 عدل 1 مرات

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    كنت‮ ‬سأغتال‮ ‬بومدين‮ ‬لكن‮ ‬الشيخ‮ ‬سلطاني‮ ‬أنقذني‮ ‬من‮ ‬الجحيم

    مُساهمة  alhdhd45 في السبت 5 يناير 2013 - 11:55

    يفجر الشيخ بوجمعة عياد في هذا الحوار الساخن والمسلسل قنابل موقوتة بكشفه مراجعات خطيرة هي الأولى في تاريخ الحركة الإسلامية، حيث يقر بأنه رفقة مجموعة معه كانوا بصدد تنفيذ عمليات مسلحة تستهدف رموز نظام بومدين ومنهم الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة منتصف السببعينات، لولا فتوى الشيخ عبد اللطيف سلطاني التي حرم فيها القيام بأية أعمال فيها سفك للدماء .. الشيخ بوجمعة عياد يفتح دفاتر الإخوان المسلمين في الجزائر ويتحدث بالتفصيل عن البدايات الأولى للحركة الاسلامية، أين أصابت وأين أخطأت وأين يمكن أن تصل في القادم من الازمان‮ ..‬

    كيف‮ ‬كانت‮ ‬بدايتك‮ ‬الدعوية‮ ‬ومتى؟

    من حظي أن حضرت أول جمعة الاستقلال بجامع كتشاوة في خطبة للشيخ البشير الإبراهيمي، وأحسست أن الجزائر استرجعت قيمها، في نفس الفترة كان اتحاد الشبيبة التابع للآفلان يعرض علينا في الساحات العامة أفلاما روسية تتعلق بالبولشيفية، ومن رحمة الله أنها كانت باللغة الروسية‮ ‬فكنا‮ ‬لا‮ ‬نفهمها‮.‬

    كنت ممن ساءهم الانقلاب على الشرعية سنة 65 لأن الرئيس بن بلة كان منتخبا من الشعب، وكنت ممن تابعوا باهتمام الحروب العربية الاسرائيلية وسنوات النكسة وعشت محاولة انقلاب الزبيري، وانا حينها كنت ذلك الفتى القادم من الريف الرافض للأوضاع غير المستقيمة، تعلق عقلي وقلبي‮ ‬بحرب‮ ‬ستة‮ ‬أيام،‮ ‬كنت‮ ‬حينها‮ ‬مستعدا‮ ‬للتجنيد‮ ‬حتى‮ ‬مع‮ ‬الشيوعيين‮..‬

    ‬وكيف‮ ‬كان‮ ‬طريقك‮ ‬إلى‮ ‬العمل‮ ‬المسجدي‮ ‬والدعوي؟

    وجدت ضالتي في المسجد العتيق بالمدنية منذ 1969، مع بعض ممن ينتمون لجماعة الدعوة والتبليغ التزمت حلقاتهم وشربت منها الكثير، وهنا أوقفت التدخين، حتى صرت مؤهلا بحي المدنية، وهو حي لا يقبل الألوان الدعوية الكثيرة، وكنا نأتي بالناس من الشارع الى المسجد لسماع البيان الأسبوعي والدعوة الى التوحيد وحث الناس على الصلاة، تزامنا مع نشاط مسجدي تتبناه وزارة الشؤون الدينية، كما كنا نهتم بتزويج الشباب وإزاحة الحواجز مابين المجتمع الجزائري والاهتمام بمشاكله من خلال التويزة التي اعتمدناها رسميا، وحثهم على ترك المنكرات والتدخين‮ ‬والخمر،‮ ‬وكنت‮ ‬شخصيا‮ ‬من‮ ‬المدخنين‮ ‬الذين‮ ‬التزموا‮ ‬بترك‮ ‬هده‮ ‬الآفة،‮ ‬مما‮ ‬ساهم‮ ‬في‮ ‬تشكيل‮ ‬العقلية‮ ‬المتدينة‮ ‬والالتزام‮ ‬والسلوك‮ ‬ورعاية‮ ‬الوالدين‮.‬

    ‬كيف‮ ‬كان‮ ‬طلاقك‮ ‬مع‮ ‬جماعة‮ ‬الدعوة‮ ‬والتبليغ؟

    ‬السلطة كانت تترصد عمل نواة الدعوة والتبليع في المدنية، كان لدينا تجمع بمسجد عبد الحميد بن باديس لتعيين أمير، فتم الاتفاق على جزائري مقيم بفرنسا، وعارضت ذلك، وقلت كيف لمقيم بفرنسا أن يدير عملا بالجزائر، ولما وجدت إصرارا من الباقي انسحبت أنا ومعي جماعة معتبرة،‮ ‬كان‮ ‬ذلك‮ ‬سنة‮ ‬1973،‮ ‬وكنت‮ ‬أرى‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬عمل‮ ‬يأتي‮ ‬من‮ ‬الخارج‮ ‬فهو‮ ‬مكملا‮ ‬وليس‮ ‬أساس‮ ‬للداخل‮.‬

    ‬تقصد‮ ‬أن‮ ‬السلطة‮ ‬كانت‮ ‬تعرف‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬عن‮ ‬تحركاتكم؟

    نعم تأكدت من ذلك عندما تم التحقيق معي سنة 1986 وعرفت أن الأمن لا تخفى عليه خافية من شؤون العمل الإسلامي، خاصة عندما قيل لي لماذا اعترضت ذلك الوقت على الشخص المقيم بفرنسا ليكون أميرا عليكم في القطر الجزائري، قلت لهم "استغربت كيف لشخص مقيم بفرنسا أن يدير عملا بالجزائر"، وهو خير دليل على ترصد السلطة لتحركاتنا، ومن المدهش الذي علق بذهني أنني سئلت أيضا "هل تصلي أم لا؟ متى تصلي؟ هل والداك يصليان؟ ما هي الكتب التي تطالعها؟ ومن الشيوخ الذين تأثرت بهم؟ وما هي الإذاعة التي تتابعها باستمرار؟ ...

    ‬أين‮ ‬تمركز‮ ‬العمل‮ ‬التأسيسي؟

    توسع العمل ليشمل الأبيار، بئر مراد رايس، السحاولة، حسين داي، بروسات، المقرية، لاغلاسيار، حتى الصومعة، وخارج العاصمة بسيدي عيسى وقسنطينة، وتنوع التشكيل دون اإغفال التنسيق مع الجامعة المركزية، والبوليتكنيك الحراش، ومعهد بن عكنون، وبدأ الأخ المرحوم محمد قراط في تسجيل الكثير من الأحداث وتوزيعها بحكم أنه هاو وله فضل كبير في توسيع النشاط الدعوي إعلاميا، والمستجدات أصبحت تنشر بسرعة، كما كان مختار سمالة خفيف الظل وسريعا ومقبولا يكتشف الجديد بسرعة وهما من اكتشفا الشيخ المرحوم محفوظ نحناح الذي كان يلقي دروسا بواد البساكرة‮ ‬المتواجد‮ ‬بالجزائر‮ ‬الوسطى‮ (‬مسجد‮ ‬البلاطو‮)‬،‮ ‬فيما‮ ‬كانت‮ ‬أخبار‮ ‬شحيحة‮ ‬تصلنا‮ ‬عن‮ ‬الشيخ‮ ‬مصباح‮ ‬الذي‮ ‬تم‮ ‬نفيه‮ ‬للصحراء‮ ‬بحكم‮ ‬أنه‮ ‬كان‮ ‬رجلا‮ ‬معارضا‮ ‬بشدّة‮ ‬للنظام‮. ‬

    ‬ماذا‮ ‬عن‮ ‬النواة‮ ‬الاولى‮ ‬للإخوان‮ ‬المسلمين؟

    ‬عرفت مرحلة التأسيس مرحلتين؛ الأولى قبل سنة 1972 والثانية بعد ذات السنة، أما الأولى فشملت مجموعة من المؤسسين، وهم: عمي السعيد، عبد القادر عابد، مبروك البسكري، عبد الحميد فكايري، فريد حمو، الطيب إبراهيمي، محمد النذير، مختار السمالة، بوجمعة عياد (المتحدث)، وأبو‮ ‬بكر‮ ‬بلعجوزي،‮ ‬محمد‮ ‬ڤندوزي‮.‬

    فيما شملت أسماء المجموعة الثانية، بعد سنة 1972، الطاهر زيشي، محمد قراط، علي نجماوي، علي بومعيزة، محمد الملقب بالڤرد، الحاج اعمر، رابح أزراوي، عبد الرحمن قراط ( شقيق محمد قرط)، وثلاثة عناصر أساسية بديار الشمس بالمدنية وهم سيد علي خرف الله، نور الدين بلعباس وعبد‮ ‬القادر‮ ‬بلعيد،‮ ‬وبالمرادية‮ ‬كان‮ ‬مقران‮ ‬احدادن‮ ‬وغيرهم‮.. ‬

    وهناك مجموعة من الطلبة ومنهم: الطاهر عاشور، عمر الطيب، علاوة رمضاني، بولرباح وغيرهم، وكانت هناك مجموعة حسين داي بالعاصمة تمثلت في: شريف صالحي، محمد الملياني، عيسى خلّيج وغيرهم، فيما شملت مجموعة بئر خادم، عبد القادر سلامي إيدير وغيرهم. وأعتذر لمن لم أذكر أسماءهم، نظرا لطابع السرية في عدم معرفة تفاصيل الأشخاص، لدرجة أن الشيخ محفوظ لم يكن يعرف اسمي الكامل (سوى بوجمعة) ولا عنواني ولا مكان عملي، وهذا ينطبق على الجميع لمصلحة التنظيم تحسبا لأي طارئ اعتقال من قبل الأجهزة.

    ‮هل‮ ‬كانت‮ ‬زوجاتكم‮ ‬أيضا‮ ‬تؤسس‮ ‬للعمل‮ ‬النسوي؟

    ‬نعم لقد كان هناك ما يسمى بنواة العمل النسوي والإعلام، وكان التحاق ذات النواة مباشرة بعد التحاق محمد قراط، ومن بين المجموعة: أم المنذر (زوجة الشيخ السعيد)، أم إلياس (زوجة الأخ محمد قراط)، أم أحمد (زوجة محمد قندوزي)، أم سيد أحمد (زوجة رشيد كسور)، بالإضافة إلى‮ ‬زوجة‮ ‬بوجمعة‮ ‬عياد،‮ ‬ومجموعة‮ ‬من‮ ‬الطالبات،‮ ‬حيث‮ ‬انطلق‮ ‬العمل‮ ‬ببيت‮ ‬محمد‮ ‬قراط‮ ‬ثم‮ ‬توسع‮ ‬لبقية‮ ‬البيوت‮. ‬

    ‬كيف‮ ‬تعرفت‮ ‬على‮ ‬الشيخ‮ ‬محفوظ‮ ‬نحناح؟

    ‬الاخ محمد قراط كان مهتما بالتسجيل لأي مُحاضر أو مدرس بالجامعة، فيما كان الأخ الطاهر زيشي يشتغل بالقرب من مسجد الرحمة (البساكرة) مع الأخ مختار، واكتشفوا الشيخ محفوظ سنة 1973، وقاموا بالتنسيق بيننا، وكانت الأشرطة تسجل من قبل ونسمعها، ثم شرعنا في التنقل للبلاطو لنحضر دروس الشيخ محفوظ من حين إلى آخر، وكنا أسسنا مدرسة السلام، بتدعيم من السكان عموما وبالخصوص مبارك بن عراب، عبد الرحمان ونان، سعدي، ڤندوزي مدعو لقواس، وبدأ الشيوخ يحضرون إليها من حينا لآخر، وفي هذا الإطار وجهنا دعوة للشيخ محفوظ لزيارة المدنية في ديسمبر‮ ‬1973،‮ ‬وقبل‮ ‬مجيئه‮ ‬سبقه‮ ‬إلينا‮ ‬الشيخ‮ ‬محمد‮ ‬بوسليماني‮ ‬مع‮ ‬عبد‮ ‬القادر‮ ‬البليدي‮ ‬لمدة‮ ‬قاربت‮ ‬شهرين‮.

    وكان‮ ‬أول‮ ‬لقاء‮ ‬على‮ ‬شكل‮ ‬مأدبة‮ ‬عشاء‮ ‬بمنزل‮ ‬الطاهر‮ ‬زيشي،‮ ‬وكانت‮ ‬فاتحة‮ ‬خير‮ ‬وتوسع‮ ‬للعمل‮ ‬وتوالت‮ ‬الزيارات‮.‬

    كان‮ ‬الشيخ‮ ‬محفوظ‮ ‬مفوها‮ ‬لغة‮ ‬وجريئا‮ ‬في‮ ‬الطرح،‮ ‬كان‮ ‬يلج‮ ‬إلى‮ ‬القلوب‮ ‬بسرعة‮ ‬عجيبة،‮ ‬كان‮ ‬كثير‮ ‬الترحال،‮ ‬يبدي‮ ‬اهتمامه‮ ‬لمن‮ ‬يتحدث‮ ‬إليه،‮ ‬مع‮ ‬البسمة‮ ‬وبشاشة‮ ‬الوجه‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬تفارقه‮.‬

    لم أعط تفاصيل العمل للمرحوم نحناح، لكنه فهم أننا نشتغل كأننا خلية نحل، تعمل وبها تنوع من الطفل إلى الكهل، كنت في مقدمة المستقبلين، وفهم أنني المسؤول وبدأت العلاقة تتطور، وتبادلنا الزيارات وكنا نتابع أنشطته، وعمله بمسجد بن سعدون ومسجد المجاهد بالبليدة وأحيانا‮ ‬نلتقي‮ ‬على‮ ‬انفراد‮.‬

    ‬كنتم‮ ‬من‮ ‬بين‮ ‬المعارضين‮ ‬لنظام‮ ‬بومدين‮ ‬لماذا؟

    ‬السبب واضح .. تأميم الأراضي والممتلكات والشروع في تطبيق الثورة الزراعية وخرجات اتحاد الطلبة "أو أنجيا"، وتهجمات منهم على القيم وكل ما له صلة بالإسلام، ومظاهر الاختلاط وغيرها.. من التضييق على بعض العلماء والترويج للكتاب اليساريين وحصر الكتاب الإسلامي، كلها عوامل‮ ‬دفعت‮ ‬وسرّعت‮ ‬في‮ ‬تنظيم‮ ‬العمل،‮ ‬بالإضافة‮ ‬إلى‮ ‬العمل‮ ‬الملحوظ‮ ‬بالمدنية‮ ‬وبدأت‮ ‬شخصيات‮ ‬مهمة‮ ‬تفكر‮ ‬بنفس‮ ‬طريقتنا‮ ‬في‮ ‬التعامل‮ ‬مع‮ ‬الواقع‮. ‬

    ‬كيف‮ ‬كان‮ ‬اتجاهكم‮ ‬الى‮ ‬العمل‮ ‬الاحتجاجي‮ ‬ضد‮ ‬السلطة؟

    ‬احتفاء الجزائر العسكري بعرض الأسلحة يوم الجمعة خلال إحياء ذكرى الفاتح نوفمبر، وكان الحضور جلهم من الرؤساء، أعطى انطباعا بأن الجزائر علمانية يسارية، وكنا نشاهد تذمر الملك فيصل رحمة الله عليه، فقد كانت تلك المرحلة قد بدا فيها مهاجمة الإسلام صراحة، مع الاستيلاء‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬مفاصل‮ ‬الدولة‮ ‬الجزائرية‮ ‬والمنظمات‮ ‬والاتحادات،‮ ‬بالإضافة‮ ‬إلى‮ ‬العوامل‮ ‬سابقة‮ ‬الذكر،‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬العوامل‮ ‬دفعت‮ ‬بنا‮ ‬للتفكير‮ ‬في‮ ‬الوضع‮ ‬المفروض‮ ‬علينا‮ ‬ومحاولة‮ ‬تغييره‮ ‬والاحتجاج‮ ‬عليه‮.‬

    ‬كيف‮ ‬التحمت‮ ‬جماعة‮ ‬المدنية‮ ‬مع‮ ‬جماعة‮ ‬البليدة‮ ‬التي‮ ‬يقودها‮ ‬نحناح؟

    ‬كان الشيخ محفوظ من حين إلى آخر يسألني، حول نوعية الأنشطة الموجودة بالمدنية وخارجها - طبعا عملنا علني - وكنت أجيبه، وكان يبدي اهتماما ظاهرا مما أطلعه عليه من حين لآخر، خاصة وأن عدد الطلبة ازداد حيث وصل عدد المنتظمين مع دفع الاشتراك 75 شخصا وكان في التكوين عدد‮ ‬كبير‮ ‬من‮ ‬الإخوة‮.‬

    ‬أين‮ ‬كنتم‮ ‬تلتقون؟

    ‮المكان‮ ‬عبارة‮ ‬عن‮ ‬قبو‮ ‬صلحناه‮ ‬وتتسع‮ ‬مساحته‮ ‬لحوالي‮ ‬60‭ ‬مترا‮ ‬مربعا،‮ ‬وزارنا‮ ‬في‮ ‬تلك‮ ‬الفترة‮ ‬علي‮ ‬بن‮ ‬حاج‮ ‬وبعض‮ ‬الطلبة،‮ ‬والنشاط‮ ‬كان‮ ‬أيضا‮ ‬في‮ ‬البيوت‮ ‬والمساجد‮.‬

    ‬قلت‮ ‬علي‮ ‬بن‮ ‬حاج؟

    ‮نعم‮ ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1975‮ ‬زارنا،‮ ‬وكان‮ ‬شابا‮ ‬صغيرا‮ ‬بالتنسيق‮ ‬مع‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬الطلبة،‮ ‬ظهروا‮ ‬بأنهم‮ ‬ينتمون‮ ‬إلى‮ ‬مسجد‮ ‬الجامعة‮ ‬المركزية‮ "‬جزأرة‮" ‬فيما‮ ‬بعد،‮ ‬بينهم‮ ‬المدعو‮ ‬أبو‮ ‬بكر‮.‬

    ‮‬مع‮ ‬ميثاق‮ ‬76‮ ‬حدث‮ ‬صدام‮ ‬جماعة‮ ‬المدنية‮ ‬وجماعة‮ ‬البليدة‮ ‬مع‮ ‬بومدين‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬قضية‮ ‬قطع‮ ‬أعمدة‮ ‬الهاتف؟

    ‬النظام الجزائري مر بمرحلتين قبلها، فقد كانت الأولى بإسقاط الشرعية الشعبية من خلال الانقلاب على الرئيس بن بلة سنة 1965، والثانية بالدخول في المرحلة الثورية (مجلس الثورة)، وحينها أصبح كل شيء معطلا، وأراد النظام أن يدخل في مرحلة ثالثة بالتخلص من نظام دكتاتوري وبالتخلص من الحزب الواحد أراد أن يضفي مصداقية جديدة تحت اسم الشرعية الشعبية بإعادة الحكم إلى الشعب، وكان المدخل بمناقشة مسودة الميثاق في مارس 1976، وللأمانة المجتمع وقف وقفته، لكن فلول اليساريين كانوا يوجهون الإعلام، فبعضهم يقول: تصور ما الفائدة من هذه المساجد الموجودة، فيجب أن تتحول الى مراكز ثقافية ودور للرياضة وغيرها، فظهر الشيخ أحمد حماني رحمة الله عليه، يوما، في مشهد رهيب ومتلفز بحضور مسؤولين كبار، فقال "ما أخشاه على الجزائر أن تستورد من يغسل ويصلي على أمواتها"، دون أن ننسى ذكر محاولة توزيع جعة تسمى "مالطا‮" ‬في‮ ‬متناول‮ ‬الناس،‮ ‬على‮ ‬أساس‮ ‬أنها‮ ‬مشروب‮ ‬خال‮ ‬من‮ ‬الكحول،‮ ‬لكنها‮ ‬جعة‮ ‬وتصدى‮ ‬لها‮ ‬المجتمع‮ ‬بمن‮ ‬فيهم‮ ‬علماء‮ ‬وزارة‮ ‬الشؤون‮ ‬الدينية‮. ‬

    كل‮ ‬هذه‮ ‬العوامل‮ ‬جعلتنا‮ ‬نفكر‮ ‬في‮ ‬القيام‮ ‬بعملية‮ ‬احتجاجية‮ ‬نوعية‮ ‬ونقاشي‮ ‬مع‮ ‬الشيخ‮ ‬محفوظ‮ ‬كان‮ ‬يدور‮ ‬حول‮ ‬ما‮ ‬الفائدة‮ ‬أن‮ ‬نصوب‮ ‬رصاصة‮ ‬إلى‮ ‬فيل؟‮ ‬وحددنا‮ ‬خمسة‮ ‬ضوابط‮ ‬لأي‮ ‬عمل‮ ‬إحتجاجي‮ ‬ضد‮ ‬السلطة‮:‬

    الأول: العمل الذي نقدم عليه أن لا يكون مخالفا للإسلام، ثانيا: أن لا تزهق فيه أرواح، ثالثا: أن لا يكون له بعدا تخريبيا، رابعا: أن لا تعطل بسببه مصالح الناس، وخامسا وأخيرا: أن لا يخرج عن الإطار الرمزي.

    وهذه‮ ‬الضوابط‮ ‬والنقاش‮ ‬لم‮ ‬تخرج‮ ‬من‮ ‬اثنين‮ ‬الشيخ‮ ‬نحناح‮ ‬والعبد‮ ‬الضعيف‮ ‬المتحدث،‮ ‬ومن‮ ‬يتكلم‮ ‬عن‮ ‬قضية‮ ‬قطع‮ ‬أعمدة‮ ‬الهاتف‮ ‬غيرنا‮ ‬نحن‮ ‬الاثنين‮ ‬يكون‮ ‬إما‮ ‬مفتريا‮ ‬أو‮ ‬ضحية‮.‬

    وقد‮ ‬شرعنا‮ ‬في‮ ‬المدنية‮ ‬بالعاصمة‮ ‬بالبحث‮ ‬عن‮ ‬الأماكن‮ ‬التي‮ ‬تتناسب‮ ‬مع‮ ‬رمزية‮ ‬الاحتجاج‮ ‬والحدث‮ ‬الذي‮ ‬تتوفر‮ ‬فيه‮ ‬الشروط‮ ‬الخمسة‮.‬

    ‬يعني‮ ‬كنتم‮ ‬بصدد‮ ‬عمل‮ ‬مسلح‮ ‬واضح‮ ‬ضد‮ ‬نظام‮ ‬بومدين؟

    بصراحة نعم، حددت بدقة الأماكن والشخصيات مع الإخوة من المدنية، من خلال ترصد خطوات كبار مسؤولي الدولة الذين كنا نعتقد أن ذهابهم سوف يريح المجتمع والأمة من مظاهر الجاهلية والتخلف، هذا قبل أن يهدينا الله إلى تلك الضوابط الربانية التي عصمتنا من الانحراف، وفقا لاستفتاء الشيخ عبد اللطيف سلطاني حيث لما استعرضت مع الشيخ محفوظ نحناح تلك الأعمال وربطنا بفتوى الشيخ سلطاني ووجدناها لا تنسجم مع المقاييس والضوابط اتفقنا على التوجه للأعمدة الهاتفية لما لها من رمزية قوية لدى النظام، وبقي العمل سري بني وبين الشيخ محفوظ، وبيت‮ ‬الأماكن‮ ‬مجهولة‮ ‬لدى‮ ‬الجميع‮ ‬إلى‮ ‬غاية‮ ‬لحظة‮ ‬التنفيذ‮.‬

    هل‮ ‬تقصد‮ ‬أنكم‮ ‬أردتم‮ ‬اغتيال‮ ‬مسؤولين‮ ‬في‮ ‬الدولة؟

    ‬الذي لا يعرفه الناس أن لطف الله بنا كان أكثر مما تصورنا، فقد كنا نترصد طريق الرئيس الراحل هواري بومدين ذهابا وإيابا، وأيضا خطوات وزير خارجيته الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، وكان هذا المخطط فقط بيني وبين الشيخ نحناح رحمه الله بدوافع عاطفية لما رأيناه من‮ ‬ردة‮ ‬عن‮ ‬الإسلام‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬العهد،‮ ‬لكن‮ ‬نحمد‮ ‬الله‮ ‬صباحا‮ ‬ومساء‮ ‬أننا‮ ‬عصمنا‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬الانحراف‮ ‬وجنبنا‮ ‬أنفسنا‮ ‬وجيلنا‮ ‬وشعبنا‮ ‬أهوالا‮ ‬من‮ ‬الفتنة‮..‬

    ‬كيف‮ ‬تجنبتم‮ ‬ذلك؟

    ‬بعد التفكير في الطريقة وفي الأماكن وتحديدها بدقة، كان يجب ان نستفتي من هو أعلم منا وأكثر تجربة وحكمة، ذهبت شخصيا إلى الشيخ عبد اللطيف سلطاني لاستفتائه، وأذكره جيدا حتى هيئته وهو يستقبلني في باحة بيته، قلت له بصريح العبارة "إذا أرحتكم من بومدين هل أدخل الجنة" فاهتز كيان الشيخ سلطاني لما سمعه وعندما استجمع قواه قال لي بصوت جهوري "إذا قمت بذلك فسوف تخلد في جهنم" كانت هذه الكلمة وحدها كافية لتهز كياني وتشكل من جديد شخصيتي وفق الفهم الصحيح والسليم للإسلام، ومن تلك اللحظة أزحت من مخيلتي كل ما يؤدي إلى سفك دماء أو‮ ‬تخريب‮ ‬بما‮ ‬فيها‮ ‬تلك‮ ‬المواقع‮.

    ‬هل‮ ‬كنتم‮ ‬تستطيعون‮ ‬اغتيال‮ ‬بومدين‮ ‬فعلا؟

    ‬كنا نترصده هو وبوتفليقة لأكثر من شهر وكانت لدي خطط بديلة للقضاء عليه لولا لطف الله تعالى بنا جميعا، كنت اخترت أحد المنحدرات (رفض ذكر المكان) إما لدفع سيارة ملغمة فوق الموكب من جرف يعلو الطريق أو الهجوم على الموكب بحزام ناسف ولذلك كان سؤالي للشيخ سلطاني "هل‮ ‬أدخل‮ ‬الجنة‮ ‬إذا‮ ‬أرحتكم‮ ‬من‮ ‬بومدين؟‮" ‬لكن‮ ‬الشيخ‮ ‬‭-‬‮ ‬رحمه‮ ‬الله‮ ‬‭-‬‮ ‬نجاني‮ ‬شخصيا‮ ‬وجماعتنا‮ ‬من‮ ‬الانحراف‮ ‬إلى‮ ‬العنف‮ ‬والتطرف‮ ‬الذي‮ ‬عاشته‮ ‬بلادنا‮ ‬سنوات‮ ‬التسعينات‮..

    هل‮ ‬تعترف‮ ‬اليوم‮ ‬بعد‮ ‬عقود‮ ‬من‮ ‬الزمن‮ ‬أنك‮ ‬أخطأت‮ ‬أو‮ ‬كدت؟

    أنا مرتاح الضمير حين أقدم للأجيال الجديد مراجعات من شأنها أن تنير طريقه، نعم أخطانا ولطف الله بنا حينما قررنا استشارة العلماء فيما نحن مقدمون عليه، ولو أن المتطرفين من الجانبين، السلطة وبعض الاسلاميين، استفتوا العلماء من أهل الاختصال وعملوا بفتاويهم لما دفعنا تلك الفاتورة الباهظة في الأرواح والممتلكات ولما وصلت الجزائر لما وصلت إليه، فأنا وغيري مدينون للشيخ عبد اللطيف سلطاني، الذي انتشلنا من مستنقع سفك الدماء وعلمنا ان تغيير المنكر لا يكون بسفك الدم، ولذلك قمنا بترشيد تلك الحركة الاحتجاجية وفق مخطط رمزي استهدفنا‮ ‬من‮ ‬خلاله‮ ‬أعمدة‮ ‬الهاتف‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬تربط‮ ‬مواقع‮ ‬حساسة‮.‬

    ما يؤسفني فعلا أنه هؤلاء العلماء مثل الشيخ عبد اللطيف سلطاني عاملهم النظام بحقارة، بل حاربهم وحرمهم من حقوقهم وواجبهم في توعية المجتمع، ولو يعلمون فضل الشيخ سلطاني عليهم وعلى المجتمع لما تجرأ أحد عليه حيا وميتا.


    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    شخص‮ ‬خان‮ ‬تعليمات‮ ‬نحناح‮ ‬فكشفوا‮ ‬أمرنا

    مُساهمة  alhdhd45 في السبت 5 يناير 2013 - 11:58

    يكشف بوجمعة عياد أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر في الحلقة الثانية من حواره مع "الشروق" عن أسباب اعتقالهم بسبب خيانة شخص من البليدة لتعليمات الشيخ المرحوم محفوظ نحناح بعد عملية قطع أعمدة الهاتف، كما يؤكد أن جماعة المدنية برفقة جماعة البليدة لم تكن لوحدها‮ ‬من‮ ‬عارض‮ ‬نظام‮ ‬حكم‮ ‬بومدين،‮ ‬بل‮ ‬عارضه‮ ‬كذلك‮ ‬فرحات‮ ‬عباس‮ ‬ويوسف‮ ‬بن‮ ‬خدّة‮ ‬وكذا‮ ‬الشيخ‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف‮ ‬سلطاني‮.‬

    ماذا‮ ‬عن‮ ‬أساليب‮ ‬التضييق‮ ‬التي‮ ‬مارسها‮ ‬النظام‮ ‬ضدكم؟

    ‬النظام قام بحل جمعية العلماء المسلمين التي كانت المؤطر والمنظم والموجه والمربي، بعد الاستقلال مباشرة، وكان ذلك كارثة على الأمة والدولة الجزائرية الفتية، مما ترتب عن ذلك فراغ كبير، ولا نستغرب مما ظهر على الشباب الجزائري، لاحقا، مع العلم أن بعض ما تبقى من علماء الجمعية كالشيخ مصباح حويدق، والشيخ البشير الإبراهيمي، وغيرهم.. حاولوا استنهاض الأمة من جديد بتأسيسهم لجمعية " القيم" ومؤسسها الهاشمي تيجاني مع نخبة من العلماء منهم خير الدين (أمين المال)، للأسف نالها ما نال جمعية العلماء، حيث حلت، في سنة1967، من هذا التاريخ‮ ‬إلى‮ ‬غاية‮ ‬سنة‮ ‬1968‭ ‬حيث‮ ‬قام‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬الطلبة‮ ‬والأساتذة‮ ‬بمعية‮ ‬المفكر‮ ‬مالك‮ ‬بن‮ ‬نبي‮ ‬رحمة‮ ‬الله‮ ‬عليه،‮ ‬بتأسيس‮ ‬أول‮ ‬مسجد‮ ‬طلابي‮ ‬بالجامعة‮ ‬المركزية‮. ‬

    ومنذ ذلك اليوم، ونحن نعيش التطرف بداية بتطرف السلطة، ثم تطرف اليساريين، ثم بعض الإسلاميين ثم الأغنياء، ومن تصرفات السلطة غير المقبولة لا شرعا ولا قانونا ولا منطقيا، النفي الذي نال الشيخ مصباح، والإقامة الجبرية التي مست البشير الإبراهيمي كما يشاع، ولكني سمعت من ابنه أحمد طالب الإبراهيمي أن والده لم يكن تحت الإقامة الجبرية، فيما مست الإقامة الجبرية، لاحقا، الشيخ عبد اللطيف سلطاني، والشيخ أحمد سحنون بشكل غير معلن، كما حارب النظام الوسطية والاعتدال وضيق عليهما، والمستفيد من ضرب مرجعية الأمة هو التيار اليساري.

    ‬من‮ ‬هم‮ ‬أصحاب‮ ‬الفضل‮ ‬عليك‮ ‬في‮ ‬تلك‮ ‬المرحلة‮ ‬من‮ ‬الشيوخ؟

    ‬كان هناك الشيخ عبد اللطيف سلطاني في المقدمة، والشيخ مزهودي والشيخ الطاهر والشيخ إبراهيم والشيخ علي مهنة، وكذا الشيخ علي شنتير، والشيخ كتو والشيخ أحمد حماني، والشيخ مصباح عما ينقل عنه (بحكم أنه كان في المنفى)، الشيخ المكي، الشيخ أحمد سحنون، الشيخ العرباوي، الشيخ لخضر البشير الإبراهيمي، ومن غير الجزائريين الشيخ العشماوي، والشيخ محمد متولي الشعراوي (مصر)، وأبو بكر جابر الجزائري (المقيم بالسعودية)، والأستاذ الفلسطيني حمدي المعروف محمود الذي صفي بليبيا حسبما بلغنا، وأساتذة سوريون غابت عني أسماؤهم.

    وأهم المراجع من الكتب: منبر الإسلام، السيرة النبوية لابن كثير، رياض الصالحين للنووي، مبادئ الإسلام للمودودي، السيرة النبوية لاتيان ديني، الأصالة والمعاصرة لوزارة الشؤون الدينية، تاريخ الجزائر لعبد الرحمان الجيلالي، قصص الأنبياء للدكتور نجار، عقيدتنا وكذا فقه السنة للسيد سابق، عقيدة المسلم ومنهاج المسلم لأبي بكر الجزائري، الأربعون النووية، بلوغ المرام للمنذري، الموطأ للإمام مالك، رسائل الشرك لمبارك الميلي، في ظلال القرآن للسيد قطب، العروة الوثقى لمحمد عبده، بعض الكتب للإمام أبي زهرة، الرسالة لأبي زيد القرواني،‮ ‬جريدة‮ ‬البصائر،‮ ‬آثار‮ ‬عبد‮ ‬الحميد‮ ‬بن‮ ‬باديس‮ ‬وآثار‮ ‬العربي‮ ‬التبسي‮.‬

    وفي أواخر سنة 1971، كنا نمارس الرياضة بشكل عشوائي، ولما التحق عبد الرحمن قراط وهو تقني رياضي ورابح أزراوي وأحمد بلهوشات أصبحنا نمارسها بطرق علمية، ويعود الفضل في الحصول على مدرسة السلام، لكل من مبارك بن عراب وعبد الرحمن ونان والسعدي القواسي، بالإضافة إلى الشيخ‮ ‬علي‮ ‬مهنة‮ ‬الذي‮ ‬وضع‮ ‬بين‮ ‬أيدينا‮ ‬مصلى‮ ‬المتحابين،‮ ‬وقبله‮ ‬وضع‮ ‬الحاج‮ ‬ذياب‮ ‬مصلى‮ ‬الحمام‮ ‬القديم‮.‬

    ‬ألم‮ ‬تكن‮ ‬تتوقع‮ ‬تسرب‮ ‬المعلومة‮ ‬بشأن‮ ‬محاولة‮ ‬تصفية‮ ‬بومدين؟

    طبعا أنهينا من أجندتنا تلك الأعمال المخالفة للضوابط التي وضعناها، وكان الشيخ سلطاني يعرف كل كبيرة وصغيرة، ولا نخفي عليه شيئا، كان بمثابة الأب المربي والحاضن والموجه، والحامي بعد الله سبحانه وتعالى، قال لي دون تمهيد مباشرة الرفض المطلق "يا بني إذا أقدمت على هذا العمل ستخّلد في جهنم"، وبعدها التقينا في إحدى المناسبات، فقال لي: "يا بني تعال أشرح لك كيف تغير المنكر، إذا أردت أن تغير منكرا وقد يترتب عنه ما هو أكبر منه، فهذا هو المنكر بعينه". هذه الروح والفلسفة طبقناها على الجماعة مباشرة.

    ‬هل‮ ‬أخبرت‮ ‬الشيخ‮ ‬نحناح‮ ‬بما‮ ‬قاله‮ ‬لك‮ ‬الشيخ‮ ‬سلطاني؟

    ‬طبعا‮ ‬أخبرته‮ ‬مباشرة‮ ‬واتفقنا‮ ‬على‮ ‬طبيعة‮ ‬العمل‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يتعارض‮ ‬مع‮ ‬فتوى‮ ‬الشيخ‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف‮ ‬سلطاني،‮ ‬ومر‮ ‬عملنا‮ ‬بعدها‮ ‬على‮ ‬ثلاث‮ ‬مراحل،‮ ‬من‮ ‬مارس‮ ‬إلى‮ ‬ديسمبر‮ ‬1976‮ ‬‭.‬

    الأولى تزامنت مع مناقشة الميثاق الوطني سنة 1976 - والذي كان متلفزا وعاما - حيث بادرنا بالكتابة على الجدران عبارات تخالف مضمون مسودة الميثاق "لا للاشتراكية، لا للدكتاتورية البلوريتارية، لا للصراع الطبقي والإلحادي، لا للميثاق الذي كتبته أياد معروفة بخيانتها وولائها‮ ‬للشيوعية،‮ ‬نعم‮ ‬للإسلام‮ ‬عقيدة‮ ‬وشريعة،‮ ‬نعم‮ ‬للإسلام‮ ‬دستورا‮ ‬ونظاما‮ ‬واقتصادا،‮ ‬نعم‮ ‬للشورى،‮ ‬نعم‮ ‬للإسلام‮ ‬إخوةً‮". ‬وقد‮ ‬تبين‮ ‬لنا‮ ‬أن‮ ‬الشعب‮ ‬لم‮ ‬يجارِ‮ ‬النظام‮ ‬في‮ ‬توجهه‮ ‬وظهر‮ ‬بأنه‮ ‬مسلم‮ ‬متمسك‮ ‬بعقيدته‮.‬

    أين‮ ‬كانت‮ ‬مواقع‮ ‬الكتابة‮ ‬على‮ ‬الجدران؟

    ملاحظة‮.. ‬لقد‮ ‬تم‮ ‬الاتفاق‮ ‬بيني‮ ‬وبين‮ ‬الشيخ‮ ‬محفوظ‮ ‬على‮ ‬أن‮ ‬تظهر‮ ‬الكتابة‮ ‬في‮ ‬أماكن‮ ‬متعددة،‮ ‬لكني‮ ‬فهمت‮ ‬فيما‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬الكتابة‮ ‬لم‮ ‬تظهر‮ ‬إلا‮ ‬في‮ ‬العاصمة‮.‬

    ‬لماذا؟

    ‬لا‮ ‬أملك‮ ‬الجواب‮.. ‬تنظيميا‮ ‬كنا‮ ‬قسمين،‮ ‬الشيخ‮ ‬تولى‮ ‬الجهة‮ ‬الغربية‮ ‬وأنا‮ ‬الجهة‮ ‬الشرقية‮.‬

    ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬تظهر‮ ‬الكتابات‮ ‬حتى‮ ‬في‮ ‬البليدة‮ ‬معقل‮ ‬نحناح؟

    ‬حتى‮ ‬في‮ ‬البليدة‮.. ‬ربما‮ ‬العمل‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬جماعيا،‮ ‬وعلى‮ ‬المهتم‮ ‬أن‮ ‬يحقق‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬وليس‮ ‬أنا؟

    وللأمانة التاريخية، فتزامنا مع مناقشة الميثاق، فقد سبقنا بحوالي أسبوع إلى عشرة أيام مجموعة فرحات عباس، يوسف بن خدّة، لحسن بلحول وخير الدين، حيث أصدروا بيانا ينددون فيه بما آل إليه وضع البلد، ويحذرون من الاستمرار على نفس المنوال، مع مطالب حرية التعبير وحرية‮ ‬الرأي،‮ ‬وقد‮ ‬وزعت‮ ‬لهم‮ ‬أعدادا‮ ‬محدودة‮ ‬من‮ ‬النداء‮ ‬الموجه‮ ‬للشعب،‮ ‬حيث‮ ‬كان‮ ‬هناك‮ ‬نوع‮ ‬من‮ ‬التنسيق‮ ‬بيننا‮.‬

    ومن‮ ‬جهته،‮ ‬أصدر‮ ‬الشيخ‮ ‬عبد‮ ‬اللطيف‮ ‬سلطاني‮ "‬عارضة‮" ‬يعارض‮ ‬فيها‮ ‬النظام،‮ ‬واعتقل‮ ‬على‮ ‬إثرها‮ ‬مباشرة،‮ ‬ثم‮ ‬أطلق‮ ‬سراحه،‮ ‬وبحكم‮ ‬علاقتي‮ ‬به‮ ‬أعطاني‮ ‬أعدادا‮ ‬وزعتها‮ ‬له‮. ‬

    ‬هل‮ ‬اكتفيتم‮ ‬بالكتابة‮ ‬على‮ ‬الجدران‮ ‬فقط؟

    شرعنا‮ ‬في‮ ‬المرحلة‮ ‬الثانية،‮ ‬التي‮ ‬تزامنت‮ ‬مع‮ ‬الاستفتاء‮ ‬على‮ ‬الدستور،‮ ‬حيث‮ ‬قمنا‮ ‬بإصدار‮ ‬منشور‮: ‬إلى‮ ‬أين‮ ‬يا‮ ‬بومدين؟‮ ‬بإمضاء‮ ‬الموحدين،‮ ‬وتضمن‮ ‬15‮ ‬بندا‮:‬

    بسبع "لاءات" "لا للاشتراكية، لا للشيوعية المتسترة من وراء القمصان الخضراء، لا للدكتاتورية البلوريتارية، لا للصراع الطبقي والإلحادي، لا للعنصرية السياسية والتشريعية والقضائية والتنفيذية، لا لميثاق كتبته أيادي معروفة بخيانتها وولائها للشيوعية، لا لميثاق جيئ به لتثبيت نظام غير شرعي"، وثمانية عبارات بـ"نعم" "نعم للإسلام عقيدة وشريعة، نعم للإسلام منهاجا للحياة، نعم للإسلام دستورا ونظاما واقتصادا، نعم للإسلام حقوقا وواجبات ومحاسبة، نعم للإسلام عدالة، نعم للإسلام وحدة، نعم للإسلام إخوة".. انتهى المنشور بإمضاء الموحدين‮. ‬

    وقد وزع المنشور بالعاصمة وجل ولايات الشرق الجزائري وحتى الغرب وحتى الأماكن القريبة من قصر المرادية، وشارك في توزيعه حتى غير المنتظمين، أما الإعداد والإشراف فتم سرا ولا يعرفه إلا اثنان الشيخ نحناح والمتحدث، أما ما يتعلق بالتنفيذ فهو مقتصر على المنفذين فقط، وعرفت‮ ‬من‮ ‬الشيخ‮ ‬بوسليماني‮ ‬في‮ ‬السجن‮ ‬العسكري‮ ‬بالبليدة،‮ ‬أن‮ ‬المنشور‮ ‬قد‮ ‬وزع‮ ‬منه‮ ‬بعض‮ ‬الأجزاء‮ ‬ببعض‮ ‬الأحياء‮ ‬بالبليدة‮ ‬وليس‮ ‬بكثير‮ ‬من‮ ‬الأماكن‮.‬

    هل‮ ‬كان‮ ‬التوقيف‮ ‬بناء‮ ‬على‮ ‬الكتابات‮ ‬على‮ ‬الجدران‮ ‬أو‮ ‬المنشور؟

    ‬لا بالطبع، العملية في مرحلتها الأولى والثانية تمت وطبعتها السرية، غير أن الصدام مع السلطة حصل بعد تنفيذ المرحلة الثالثة، والتي تميزت بالتفكير في عمل احتجاجي، لكن بطابع رمزي يوصل الرسالة إلى السلطة، فلجأنا إلى تقطيع بعض الأعمدة الهاتفية دون إلحاق الضرر بالكوابل، والصور محفوظة بأرشيف العدالة، وللتذكير فإن العملية سرية ولا أحد يعرف تفاصيلها ولا مكانها، سوى المنفذين والمشرفين عليها، ولا حتى الشيخ محفوظ ولا أنا، معناه أننا اتفقنا على التفاصيل لكن أبقينا مواقع التنفيذ دون تحديد.

    وانقسمنا الى مجموعتين؛ الأولى أشرف عليها الشيخ محفوظ، والثانية كانت تحت إشرافي مع السرية التامة، لا معرفة بالأماكن المحددة ولا عدد الأعمدة التي ستقطع، وحتى الأسماء التي تشارك، وأتحفظ على ذكر الأسماء التي شاركت لعدم إحراجهم، وإذا كانت لديهم رغبة أذكرهم لاحقا‮.‬

    تبين‮ ‬بعد‮ ‬ذلك‮ ‬أن‮ ‬الشيخ‮ ‬محفوظ‮ ‬أنشأ‮ ‬ثلاث‮ ‬مجموعات‮ ‬وأشرف‮ ‬شخصيا‮ ‬على‮ ‬واحدة‮ ‬منها‮ (‬شارك‮ ‬في‮ ‬التقطيع‮)‬،‮ ‬غير‮ ‬أن‮ ‬التنفيذ‮ ‬اقتصر‮ ‬على‮ ‬مجموعتين‮ ‬اثنين‮ ‬ولم‮ ‬تنفذ‮ ‬الثالثة‮ ‬لأسباب‮ ‬أجهلها‮.‬

    ‬كيف‮ ‬تمت‮ ‬العملية‮ ‬وماهي‮ ‬الأدوات‮ ‬المستعملة؟‮ ‬

    ‬بالنسبة لي حضرت الأدوات في سرية، أولا حددت المكان دون أن يعرف أحد غيري من المجموعة، واقتنيت الأدوات (مناشير لقطع الخشب قفازات لعدم ترك البصمات)، والذي كلفته باقتناء الحاجيات بقي مجهولا، لحد الساعة، وعرف أهداف استعمالها مؤخرا فقط، وذهبنا إلى المكان (سيدي موسى‮) ‬ونفذنا‮ ‬حسب‮ ‬التعليمات،‮ ‬ومن‮ ‬بين‮ ‬التوصيات‮: ‬عدم‮ ‬إلحاق‮ ‬الأضرار‮ ‬بالكوابل،‮ ‬عدم‮ ‬ترك‮ ‬آثار‮ ‬تسهل‮ ‬اكتشافنا‮ ‬والألبسة‮ ‬تغيّر‮ ‬تحسبا‮ ‬لحالة‮ ‬مفاجئتنا‮ ‬بالكلاب،‮ ‬وانقسمنا‮ ‬إلى‮ ‬مجموعات‮ ‬وبالكامل‮ ‬كنا‮ ‬سبعة‮ ‬أشخاص‮. ‬

    وتمت العملية بنجاح بالنسبة لنا، وفي الصباح سمعت أحد العمال يتحدث عن حصول عملية كبيرة لتقطيع أعمدة الهاتف، ولكن وللأسف اكتشف أمرنا بسبب عودة واحد من المجموعات التي أنشأها الشيخ، حيث عاد ذلك الشخص في صباح الغد لتفقد مكان العملية التي نفذت بالبليدة، وقام بخطإ‮ ‬فادح‮ ‬حيث‮ ‬عاد‮ ‬بسيارته‮ ‬ووجد‮ ‬الدرك‮ ‬الوطني‮ ‬هناك‮ ‬وكان‮ ‬داخل‮ ‬سيارته‮ ‬أدوات‮ ‬العملية‮.‬

    وتفاصيل‮ ‬القضية‮ ‬مسجلة‮ ‬لدى‮ ‬العدالة،‮ ‬متنازلا‮ ‬لعبد‮ ‬الرحمن‮ ‬سعيدي‮ ‬لذكر‮ ‬الشخص‮ ‬الذي‮ ‬رجع‮ ‬إلى‮ ‬مكان‮ ‬العملية‮ ‬في‮ ‬صباح‮ ‬الغد‮!‬

    ‬سعيدي‮ ‬ذكر‮ ‬انكم‮ ‬منفذ‮ ‬عملية‮ ‬قطع‮ ‬أعمدة‮ ‬الهاتف؛‮ ‬هل‮ ‬هذا‮ ‬صحيح؟

    ‬أولا: سي عبد الرحمن سعيدي لم يذكر كيف تم اعتقالي، وتوضيحا للرأي العام كنت آخر المعتقلين قبل السيد محمد بن أحمد (المدنية)، وثانيا: لم يشر إلى كيفية اعتقالنا بالترتيب الأول فالثاني فالثالث، ثالثا: العملية تمت في أماكن متباعدة ولا يعقل أن أقوم وحدي بالعملية في‮ ‬نفس‮ ‬الليلة‮.‬

    هو‮ ‬قال‮ ‬الكوابل‮ ‬وأنت‮ ‬تقول‮ ‬الأعمدة؟

    ‬يبدو‮ ‬أنه‮ ‬لا‮ ‬يفرق‮ ‬بين‮ ‬الكوابل‮ ‬والأعمدة‮ ‬الهاتفية،‮ ‬وكان‮ ‬اهتمامه‮ ‬منصبا‮ ‬على‮ ‬الخطوط‮ ‬الحمراء‮ ‬لأنها‮ ‬تعني‮ ‬الرئاسة‮ ‬لا‮ ‬أكثر،‮ ‬والبقية‮ ‬تهم‮ ‬الشعب‮! ‬

    هل‮ ‬حقيقة‮ ‬تلك‮ ‬الخطوط‮ ‬تربط‮ ‬الناحية‮ ‬العسكرية‮ ‬الأولى‮ ‬برئاسة‮ ‬الجمهورية؟‮ ‬وهل‮ ‬فعلا‮ ‬كانت‮ ‬بحوزتكم‮ ‬خريطة؟

    ‬( يبتسم.. وكأنه يستغرب ثم يرد) الجواب لدى عبد الرحمن سعيدي، وقلت إن العملية سرية ولا يعرفها حتى الشيخ محفوظ ونحن قمنا بمهمتنا على مستوى سيدي موسى، ولا أعرف هل تربط الرئاسة، ولم يخطر ببالي هذا الأمر ولم نتطرق إليه لا أنا ولا الشيخ ولا بوسليماني، كما أن بوسليماني‮ ‬لا‮ ‬علم‮ ‬له‮ ‬نهائيا‮ ‬ولم‮ ‬يحاكم‮ ‬على‮ ‬ذلك،‮ ‬وقراط‮ ‬رحمة‮ ‬الله‮ ‬عليه‮ ‬كان‮ ‬معي‮ ‬بالعاصمة‮. ‬وما‮ ‬سمعت‮ ‬بهذه‮ ‬الخريطة‮ ‬أو‮ ‬هذا‮ ‬الكلام‮ ‬إلا‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬ما‮ ‬نشرته‮ "‬الشروق‮" ‬المنسوب‮ ‬إلى‮ ‬سعيدي‮. ‬

    سعيدي كان صغيرا في ذلك الوقت، وهذا لا يقلل من شأنه، إلا أنه يجهل تفاصيل العملية جهلا تاما، إما أن تكون افتراءات؟ وهذا لا يتناسب مع المنصب الذي تسلّق إليه، أو قيلت له من مصادر مغرضة، وكل الأمور مسجلة لدى المحكمة العسكرية بالبليدة، لأنه أمر لم يتم بليل وسلام،‮ ‬لكن‮ ‬هناك‮ ‬سجنا‮ ‬وأحكاما‮ ‬ومحامين،‮ ‬يبدو‮ ‬لي‮ ‬أنها‮ ‬تشبه‮ ‬فرية‮ ‬الخط‮ ‬الأحمر،‮ ‬كما‮ ‬أنه‮ ‬أراد‮ ‬أن‮ ‬يتملق‮ ‬إلى‮ ‬فاروق‮ ‬قسنطيني‮ ‬بأنه‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬دافع‮ ‬عنا‮ ‬وذلك‮ ‬أبدا‮ ‬لم‮ ‬يحصل‮!‬

    ‬أعود‮ ‬لأسألك‮ ‬من‮ ‬الذي‮ ‬عاد‮ ‬إلى‮ ‬مكان‮ ‬الواقعة؟‮ ‬ولماذا؟

    الجواب‮ ‬يعرفه‮ ‬سي‮ ‬عبد‮ ‬الرحمن‮ ‬سعيدي‮ ‬ومن‮ ‬دفعه‮ ‬أو‮ ‬ساعده‮ ‬على‮ ‬الكذب،‮ ‬وأتحداه‮ ‬وأتحدى‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬وراءه‮ ‬أن‮ ‬يذكر‮ ‬هذا‮ ‬الاسم‮ ‬وأتحدى‮ ‬من‮ ‬يختفي‮ ‬وراءه‮..‬

    ‬هل‮ ‬وقعت‮ ‬خيانة؟

    ‬والله‮ ‬لا‮ ‬أمتلك‮ ‬الجواب،‮ ‬وما‮ ‬أعرفه‮ ‬أن‮ ‬العملية‮ ‬تمت‮ ‬والاعتقال‮ ‬تم‮ ‬والمحاكمة‮ ‬تمت‮ ‬والسجن‮ ‬تم‮.‬

    هل‮ ‬سجن‮ ‬الشخص‮ ‬الذي‮ ‬كشف‮ ‬العملية؟

    ‬طبعا‮ ‬سجن‮.. ‬قلت‮ ‬إن‮ ‬سعيدي‮ ‬لم‮ ‬يقل‮ ‬حقائق‮ ‬الواقعة‮ ‬كما‮ ‬تمت‮ ‬وأن‮ ‬هناك‮ ‬من‮ ‬ساعده‮ (‬سعيدي‮) ‬على‮ ‬الكذب،‮ ‬سواء‮ ‬بقصد‮ ‬أو‮ ‬عن‮ ‬غير‮ ‬قصد‮.‬

    ‬فكيف‮ ‬ذلك؟

    أولا: إدعاؤه بأن الشيخ بوسليماني شارك في التخطيط والحقيقة أنه لم يشارك، قال بأن محمد قراط كان من المخططين ولم يكن كذلك، بل هو من المنفذين، قال بأن الشيخ حكم عليه بـ16 سنة سجنا، والحقيقة أن نحناح حكم عليه بـ15 سنة سجنا، وقال بأن الشيخ محفوظ مكث بالشلف 4 سنوات، والحقيقة أن الشيخ قضا فترة عقوبة السجن ما بين البليدة، تازولت (لامباز) والبرواڤية والشلف ومستغانم، وقال إن الشيخ جاب الله كان من الإخوان والحقيقة أنه لم يكن من الإخوان.. سعى كما سعيت وسعى غيرنا، إلا أن التنظيم الدولي للإخوان لم يساعدنا على ذلك، وهم تنظيم مصري بالأساس، لا يهمه من قضايا المسلمين عالميا إلا ما كان ينسجم مع رؤاهم، والشواهد على ذلك كثيرة، كما أن التنظيم الإخوان المسلمين كان، بالأمس، تنظيما دوليا أما الآن أضحى تنظيما بلا مضمون وهو في الغالب تنظيم مضطربا في قراراته، وما الانحياز غير المبرر وغير‮ ‬المفهوم،‮ ‬لخير‮ ‬شاهد‮ ‬على‮ ‬ذلك‮ ‬ومثله‮ ‬من‮ ‬الشواهد‮ ‬في‮ ‬العالم‮ ‬كثيرة‮.‬

    يتبع‮..‬

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بوجمعة عياد: نحناح‮ ‬تعرض‮ ‬إلى‮ ‬تعذيب‮ ‬شديد‮ ‬لكنه‮ ‬لم‮ ‬يكشف‮ ‬عني

    مُساهمة  alhdhd45 في السبت 5 يناير 2013 - 12:01

    يروي بوجمعة عياد من مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر مع مطلع السبعينيات، أطوار التعذيب الذي تعرضوا إليه عقب الاعتقال إثر تنفيذهم لعملية قطع أعمدة الهاتف، ويؤكد في حواره لـ"الشروق" في حلقته الثالثة بأنه للأمانة التاريخية، فإن الشيخ محفوظ نحناح لم يذكر اسمه رغم طائلة التعذيب، كما ينفي تأسيس التنظيم في الشرق على يد رئيس حركة "حمس" حاليا، أبو جرة سلطاني، ويعتبر عياد أنه مدان لمحمد قراط حيا وميتا، بعدما تحمل عنه الجزء الأكبر من العذاب على أساس أنه النائب للشيخ محفوظ.

    ‬متى‮ ‬كانت‮ ‬بداية‮ ‬أبو‮ ‬جرة‮ ‬سلطاني‮ ‬وهل‮ ‬فعلا‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬نظم‮ ‬الشرق؟‮ ‬

    ‬قوله (سعيدي) إن أبوجرة والدكتور شرفي هما من نظما الشرق الجزائري، فمرة أخرى هو يتعدى على لا يعرف بدايته ولا نهايته، وللتذكير فإن الشيخ أبوجرة التحق سنة 1987 تنظيميا، لكن نشاطا ودعويا كان قبل ذلك، أما الشيخ شرفي الرفاعي فقد التحق في سنة 1989، ولا أمتلك معلومات‮ ‬أكثر‮ ‬ومن‮ ‬أراد‮ ‬أن‮ ‬يعرف‮ ‬أكثر،‮ ‬عليه‮ ‬أن‮ ‬يعود‮ ‬إلى‮ ‬المؤسسين‮ ‬للعمل‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬الوقت‮ ‬وهم‮ ‬أحياء‮ ‬يرزقون‮.‬

    ‬من‮ ‬هم؟

    من بينهم عبد السلام قطوش.. وحتى استدرك ادعاءات سي عبد الرحمن، فقوله إن الشيخ محفوظ رحمة الله عليه، هو أول من أطلق كلمة الجزأرة على جماعة الطلبة (البناء الحضاري)، فللأمانة لم يكن الشيخ هو من أطلق هذه الكلمة، بل كان يزجر ممن يتلفظ بها، ويتألم لذكرها والله يشهد‮ ‬على‮ ‬ذلك‮. ‬

    ‬تقول‮ ‬إن‮ ‬قطع‮ ‬الأعمدة‮ ‬كان‮ ‬رمزيا‮ ‬ورسالة‮ ‬للنظام،‮ ‬وما‮ ‬يشاع‮ ‬إنها‮ ‬عملية‮ ‬ذات‮ ‬بعد‮ ‬تخريبي،‮ ‬ما‮ ‬تعلقيكم؟

    ‬أحيل القارئ على المقارنة بين قطع أعمدة هاتفية دون إلحاق الضرر بالكوابل، وبين تسلسل الأحداث الذي تعرضت إليه الجزائر مباشرة بعد الاستقلال، من حرب أهلية كادت أن تأتي على الأخضر واليابس، ما سمي بحرب الولايات، صدام بين الجزائريين نجم عنه سقوط قتلى، ثم الاستيلاء على الحكم والانقلاب على الشرعية والتي نعاني منها الى حد الساعة (إسقاط بن بلة من الحكم)، ثم محاولة الانقلاب العسكري سنة 1967، وضحاياه من قتلى واعتقالات ونفي لبعض العلماء ذنبهم قول الحقيقة. بالإضافة لقضية "تفينا"، حيث بناء على ما روج النظام، فإن مجموعة تفينا‮ ‬وجه‮ ‬لهم‮ ‬اتهام‮ ‬أنهم‮ ‬وضعوا‮ ‬قنابل‮ ‬في‮ ‬مقر‮ ‬المجاهد‮ ‬ومجلس‮ ‬القضاء‮ - ‬حسبما‮ ‬روج‮ ‬له‮ ‬الإعلام‮ ‬سنة‮ ‬1975‮ ‬‭-.‬‮ ‬

    ‬الشيخ‮ ‬نحناح‮ ‬أتم‮ ‬دراسته‮ ‬الجامعية‮ ‬سنة‮ ‬1970،‮ ‬بحصوله‮ ‬على‮ ‬شهادة‮ ‬ليسانس‮ ‬أدب،‮ ‬ويقال‮ ‬إن‮ ‬صراعا‮ ‬حصل‮ ‬بسبب‮ ‬التحول‮ ‬إلى‮ ‬العربية‮ (‬التعريب‮)‬،‮ ‬ما‮ ‬قولكم؟

    ‬كنت قد سمعت فيما بعد بعض التفاصيل حول ما كان يجري آنذاك، تبقى تفاصيلها بدقة لدى الشيخ السعيد مرسي وغيره ممن عاشوا تلك المرحلة، للعلم فإننا شاركنا كمساندين للتيار المتعرب في معهد بن عكنون في ذلك الوقت.

    ‬سنة‮ ‬1973‮ ‬توجه‮ ‬الشيخ‮ ‬نحناح‮ ‬إلى‮ ‬مصر،‮ ‬ما‮ ‬هي‮ ‬الدوافع؟‮ ‬ومع‮ ‬من‮ ‬ذهب؟

    ‬ذهب مع الشيخ بوسليماني رحمة الله عليه، وحسبما سمعته من الشيخ بوسليماني فقد كان هناك مدرس متعاون مصري وهو من الصعيد يزاول التعليم بالبليدة، هو من وجه دعوة للشيخ محفوظ بحكم العلاقة التي تربط المدرس بكل من الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني، وفعلا وصلتني أخبار أنهم‮ ‬زاروا‮ ‬مدرسا‮ ‬مصريا‮ ‬ببيته‮ ‬بالصعيد‮ - ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬يؤكد‮ ‬لي‮ ‬بوسليماني‮ ‬أن‮ ‬المدرس‮ ‬هو‮ ‬صاحب‮ ‬الدعوة‮ - ‬وأثناء‮ ‬الزيارة‮ ‬كانوا‮ ‬قد‮ ‬التقوا‮ ‬بمجموعة‮ ‬من‮ ‬قيادات‮ ‬الإخوان‮ ‬أطلق‮ ‬سراحهم‮ ‬النظام‮ ‬المصري‮ ‬سنة‮ ‬1973‮.‬

    ‬هل‮ ‬هذه‮ ‬هي‮ ‬بداية‮ ‬العلاقة‮ ‬مع‮ ‬الإخوان؟

    لا، لم تكن كذلك وإنما علاقة الإخوان بالجزائر بدأت قبل ذلك بكثير، بجمعية العلماء المسلمين ممثلة في الشيخ الفضيل الورتلاني والشيخ البشير الإبراهيمي والأستاذ الوناس المحامي، أما النشاط والعمل فكان من ورائه أساتذة كثيرون وأخص بالذكر السوريين الأكثر تركيزا ودعوة. والجزائر فتحت الباب للمتعاونين في التدريس ومنهم أيضا المصريون، وكان الفضل لهؤلاء في توجيه الطلبة الى قراءة كتب الإخوان وحثهم على معرفة قيادات هذه الحركة أكثر فأكثر، وكانت علاقة تعاون لا علاقة تنظيم، والإبراهيمي كتاباته في البصائر موجودة.

    ‬يشاع‮ ‬أن‮ ‬بومدين‮ ‬توجهه‮ ‬إخواني‮ ‬في‮ ‬بداياته؟

    ‬طبعا دون أن ننسى الثورة الجزائرية، فقد سمعت من مهدي عاكف المرشد السابق عن علاقة الإخوان ببعض من قادة الثورة، حيث كانت علاقة رعاية ونصرة، وأحيانا حتى التدريب، حيث أن الرئيس الراحل هواري بومدين نفسه كانت له لقاءات وزيارات للإخوان، خلال تواجده بمصر، فبعد زيارة قادتني رفقة الشيخ السعيد مرسي الى مصر، وفي 26 جانفي2011، سمعت الأستاذين الفاضلين المرشد السابق للإخوان مهدي عاكف والأستاذ فريد عبد الخالق أطال الله في عمرهما، ومن بين ما دار بينهما من حديث، - يقول عبد الخالق - إنه هو من أشرف على تدريب الراحل هواري بومدين‮ ‬قبل‮ ‬سنة‮ ‬1956،‮ ‬علما‮ ‬أن‮ ‬التدريب‮ ‬على‮ ‬السلاح‮ ‬كان‮ ‬مسموحا‮ ‬به‮ ‬للإخوان‮ ‬في‮ ‬تلك‮ ‬الفترة‮.‬

    وما‮ ‬علاقة‮ ‬الشيخ‮ ‬عبد‮ ‬الله‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬بالإخوان؟

    ‬أثناء تأديتي فريضة الحج سنة 1986، كنت زرت الأستاذ أبو ثائر السوري - وهو من قيادات الإخوان في سوريا - مع الشيخ محفوظ وعبد الحميد بن داود والحاج سليمان، وذكر أبو ثائر علاقته بالطلبة الجزائريين وما كان يدور بينهم في الجزائر، خصوصا بالشرق الجزائري، وقد ذكر أنشطة كثيرة بحكم أنه كان أستاذا بالجزائر، وأشار إلى موضوع الأخ جاب الله وقال: "ألا يرضيكم أن يكون الشيخ جاب الله نائبا للشيخ محفوظ في الجماعة"، وقد يسوى الإشكال نهائيا بيننا وبين الشيخ جاب الله.

    ‬ما‮ ‬هو‮ ‬سر‮ ‬الخلاف‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬بينكم‮ ‬وبين‮ ‬جاب‮ ‬الله؟

    ‬الجواب‮ ‬سيأتي‮ ‬لاحقا‮ ‬في‮ ‬المرحلة‮ ‬التي‮ ‬تلي‮ ‬خروجنا‮ ‬من‮ ‬السجن،‮ ‬وتعريجي‮ ‬على‮ ‬الشيخ‮ ‬جاب‮ ‬الله‮ ‬جاء‮ ‬في‮ ‬سياق‮ ‬ذكر‮ ‬نشاط‮ ‬الإخوان‮ ‬بالجزائر‮ ‬ودور‮ ‬السوريين‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬المصريين‮.‬

    ‬نعود‮ ‬لتبعات‮ ‬قطع‮ ‬الأعمدة‮ ‬الهاتفية،‮ ‬فكيف‮ ‬تم‮ ‬الاعتقال؟

    ‬العملية أخذت طابع السرية المحضة، وأكرر لا المكان المحدد للعملية لدى من اختيروا للتنفيذ ولا الأدوات التي استعملت سلمت للإخوة، وكان كل التأكيد على أخذ الاحتياطات بعدم ترك الآثار التي قد ينكشف أمرنا من خلالها، وكنت قد حددت مكان العملية وهو عبارة عن موقع مخفي بالقصب حتى لا ننكشف من قبل المارة ونبهت المكلفين بالحراسة بعدم التكشف على جنب الطريق لتفادي أضواء السيارات، وتمت العملية في منتصف الليل (الساعة صفر) واتفقت مع الشيخ محفوظ على أن لا تدوم العملية أكثر من 20 دقيقة، وكنا مع مجموعتي بالعاصمة المتوجهة للمكان بسيدي موسى قد أخذنا سيارتين توجهنا بهما للتنفيذ، ووضعت الأدوات في الصندوق الخلفي لإحدى السيارتين، ولما وصلنا الى عين المكان، حددت لهم الأعمدة وطريقة التقطيع للأعمدة، مع الحرص على إبقاء الكوابل سليمة، وهذا ما تم بالضبط، وانسحبنا من المكان بسرعة وتخلصت من الأدوات‮ ‬بواد‮ ‬الحراش‮.. ‬العملية‮ ‬انتهت‮.. ‬وفي‮ ‬الصباح‮ ‬سمعت‮ ‬من‮ ‬بعض‮ ‬العمال‮ ‬أن‮ ‬ثمة‮ ‬عملية‮ ‬كبيرة‮ ‬تمت‮ ‬على‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬أعمدة‮ ‬الهاتف‮ ( ‬ديسمبر‮ ‬1976‮) ‬‭..‬كان‮ ‬تزامنا‮ ‬مع‮ ‬عيد‮ ‬الأضحى‮.‬

    اتفقت مع الشيخ محفوظ على أساس أن نلتقي بعد يومين مباشرة من تنفيذ العملية، وانتظرت يومين لكن الشيخ لم يأت في اليوم والمكان المحدد بالعاصمة، اتصلت ببيته هاتفيا فسمعت هرجا كبيرا، فازداد لدي الاستغراب، وذهبت مباشرة مع الأخ رشيد إلى بيت الشيخ بالبليدة فوجدت حراسة شديدّة، ومن قدر الله سبحانه وتعالى لمحني يوسف (أخو الشيخ) من بعيد، فأدرك مبتغاي، فتوجه إلي قبل الوصول إلى البيت ودون أن ينتبه إليه الحراس، وأبلغني أن الشيخ قد تم اعتقاله والتفتيش طال كل محتويات المنزل، وكان ذلك يوم 5 ديسمبر (ليلة عيد الأضحى)، وهو ثالث يوم‮ ‬بعد‮ ‬العملية‮.‬

    فيما بعد اخبرني الشيخ بوسليماني أنه هو الآخر، بعدما عاد من البقاع المقدسة وتأديته لمناسك الحج، اعتقل بالمطار مباشرة، وذلك بحوالي 5 أو 6 أيام، من اعتقال الشيخ محفوظ، وبعدها الأخ محمد قراط وبدأ التسلسل إلى أن وصل الأمر إلي، في حدود 8 أيام بعد اعتقال الشيخ.

    كنت أعلم أن دوري قد حان لأن المعلومات كانت تصلني، وشرعت في التخلص (برفقة زوجتي) من كل ما له علاقة بنواة الحركة من أوراق وغيرها، وأمي لم تكن تعرف تفاصيل العمل بل تشاهد وتلاحظ، وتوجهت إلي وقالت لي: "يا بني أخوك ضحى من أجل الجزائر، وأنت تعرف النتيجة وأنت سلكت نفس الطريق"، فقلت لها: "يا أمي أخي نال الشهادة، وهو شهيد وأنا على نفس الطريق"، فقالت: إذا لم تترك لنا شيئا.. (هنا يستذكر بوجمعة الموقف لم يتمالك نفسه.. ويتوقف التسجيل للحظات)، ثم يعقب.. للعلم زوجتي ابنة شهيد وأرى في هذا تشريفا لي ولأسرتي من الله سبحانه وتعالى،‮ ‬وأجبت‮ ‬أمي‮: ‬بل‮ ‬تركت‮ ‬رجالا‮ (‬أبناء‮ ‬الحركة‮) ‬من‮ ‬ورائي‮ ‬طبعا‮ ‬بعد‮ ‬الله‮ ‬سبحانه‮ ‬وتعالى‮.‬

    هل‮ ‬تعرضت‮ ‬للتعنيف‮ ‬ساعة‮ ‬الاعتقال؟

    في تلك الأمسية، وعلى الساعة الحادية عشرة ليلا، سمعت طرقا بالباب، توجهت لأرى من الطارق، فوجدت دركيا بالباب، ودون سابق كلام جذبني إليه بقوة، ولم يتركني حتى أرتدي لباسي، طبعا كبلني وتوجه بي إلى السيارة من نوع "لوند روفار" كان الليل دامسا، وأسدل الستار على السيارة‮ ‬نصف‮ ‬مقطورة،‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬أوصلوني‮ ‬إلى‮ ‬مركز‮ ‬الدرك‮ (‬المجمع‮) ‬بالبليدة،‮ ‬فكان‮ ‬جلّ‮ ‬الإخوة‮ ‬قد‮ ‬تم‮ ‬اعتقالهم‮ ‬ما‮ ‬عدا‮ ‬محمد‮ ‬بن‮ ‬أحمد‮.‬

    ‬هل‮ ‬ذكر‮ ‬نحناح‮ ‬اسمك‮ ‬أثناء‮ ‬التعذيب؟

    ‮ ‬هنا أذكر للتاريخ أن الشيخ محفوظ لم يذكر اسمي في البداية رغم خضوعه إلى التعذيب، إما خوفا على التنظيم، أو لقلة المعلومات المتعلقة بي، وعوض أن يذكرني بأنني نائبه بالنسبة للتنظيم ذكر الأخ محمد قراط، وهذا الأخير لا يعرف شيئا عن التفاصيل ولا يعرف الخرائط ولا الإعداد،‮ ‬بل‮ ‬كان‮ ‬يجهل‮ ‬هذه‮ ‬الأمور‮ ‬كلها‮ ‬جهلا‮ ‬تاما‮ ‬لخصوصية‮ ‬التنظيم‮.‬

    ‬ماذا‮ ‬تقصد‮ ‬بالخرائط؟

    ‬التنظيم‮ ‬الخرائطي‮ ‬البشري،‮ ‬والمال،‮ ‬والأماكن‮. ‬

    ‬كيف‮ ‬تعاملت‮ ‬مع‮ ‬الموقف،‮ ‬وهل‮ ‬كنتم‮ ‬متفقين‮ ‬مسبقا‮ ‬على‮ ‬صيغ‮ ‬الجواب‮ ‬في‮ ‬حال‮ ‬الاعتقال؟

    ‬طبعا تعرض قراط للتعذيب، فتعامل معه الدرك على أساس أنه هو النائب للشيخ، فلما أوصلوني لمجمع الدرك الوطني وأدخلوني وجدت المجموعة بالكامل (6 أشخاص وأنا السابع، والأخ قراط لم يُحضر بعد)، وكانت عشرات الأسئلة تخامرني من أين أبدأ وبماذا؟ وعلى من أركز؟

    ونحن في السابق كنا متفقين على النفي في حال الاعتقال، وكنت أنا المعني الأول بالاعتقال بعد الشيخ محفوظ، وبقيت قبل الأخير ولذلك وجدت نفسي في حيرة من ذلك، كيف أتجنب التأثير على التنظيم والأكيد أن هناك أسئلة تجيب عنها، وإذا بالضابط يقول لي "راه جايك الشاف تاعك" أي سيدخل عليك مسؤولك المباشر، فقلت له: ليس لدي شاف (مسؤول)، فقال "سنريك الشاف"، وفي هذه اللحظة، جاء بالأخ محمد قراط حبوا من شدّة التعذيب، فقلت لهم: نعم حتى لا ألحق البقية، لكن الأمر لم يتوقف وتواصلت أنواع التعذيب كالمنع من النوم والأكل وقضاء الحاجة والشرب،‮ ‬وبفضل‮ ‬الله‮ ‬كانت‮ ‬معدتنا‮ ‬فارغة،‮ ‬وفي‮ ‬هذا‮ ‬الجو‮ ‬العصيب‮ ‬قيض‮ ‬الله‮ ‬لنا‮ ‬من‮ ‬ساعدنا‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬اللحظة‮.‬

    ‬تقصد‮ ‬من‮ ‬رجال‮ ‬الدرك؟

    ‬نعم‮.. ( ‬ويصمت‮)‬

    ‬كيف؟

    ‬أثناء حرماننا من النوم حصل شبه اتفاق مع حارس وهو دركي بسيط، وتكرم علينا بالتظاهر بالغفلة وتأخير الدورية، ليسمح لنا باستراق بعض الثواني أو الدقائق نغمض فيها أعيننا بعض الشيء وتساعدنا على الصبر، وكنا نحول على الاستنطاق، ودامت العملية حوالي أربعة أيام، علما أننا لم نكن نفرق بين الليل والنهار، وكان الجو باردا وبعدها حدث انفراج نسبي، فحولونا من هذه الأماكن القذرة والباردة جدا في الطابق السفلي الى مكان مفروش وواسع في الطابق الأرضي، وتبين أنه مكان دافئ ولقد جمعونا بهذا المكان ما عدا الشيخ محفوظ والأخ محمد قراط، والأخبار‮ ‬عنهم‮ ‬كانت‮ ‬معدومة‮ ‬تماما‮. ‬

    ‬معناه‮ ‬أنه‮ ‬سمح‮ ‬لكم‮ ‬بالتحدث‮ ‬فيما‮ ‬بينكم؟

    ‬بالعكس فكلامنا كان فيه قليل من الإشارات وتلميح دون أن يراك الحارس، وكنا ممنوعين من الصلاة والحديث مع بعضنا البعض حتى أثناء الأوقات المسموح بها للنوم فإننا لا نواجه بعضنا البعض، ففي إحدى الليالي، لمحني أحدهم أصلي فجاءني وقال لي: ماذا تفعل؟، قلت: أصلي، فقال: لمن تصلي؟ قلت: لله تعالى (طبعا من غير وضوء أو قبلة ودون ركوع أو سجود ودون تحريك الشفتين، وكانت الصلاة همسا)، وربما رأى ذلك همسا أو أحرك شفتي.. فضربني ضربات قاهرة على خاصرتي حتى بلت على نفسي - أعزكم الله - وأنا في تلك اللحظات.. (يصمت .. لم يتمالك نفسه لتذكره‮ ‬شدّة‮ ‬الموقف‮.. ‬ويتوقف‮ ‬التسجيل‮).‬

    يتبع‭..‬

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تمنّيت الموت لشدة التعذيب الذي تعرضت له

    مُساهمة  alhdhd45 في السبت 5 يناير 2013 - 12:03

    Enlarge font

    يكشف بوجمعة عياد، أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر، في الحلقة الرابعة من حواره مع "الشروق" عن أشكال التعذيب الذي طالهم أيام الاعتقال، حيث أصيب بالربو في سجن القلعة ببوفاريك، وكيف كان تعيين العقيد أحمد بن شريف، قائدا للدرك سببا في كف أساليب التعذيب عليهم، وما رافقه من إفراج عن الطلبة الذين اعتقلوا بمجرد وجود أسمائهم وهواتفهم في بيت الشيخ نحناح.

    كيف تفسر حادثة دركي سمح لكم بالنوم ودركي آخر منعكم من الصلاة؟

    هذه حقيقة تفيد أن المجتمع الجزائري يمتاز بأناس خيرين مهما كانت مواقعهم، وأناس عمت بصيرتهم عما هو حولهم، فقد ساعدتنا غفلة الدركي الأول عنّا على الصبر والاستراحة من عناء التعذيب النفسي والجسدي، فيما كانت وقفة الدركي الثاني متعبة لنا، فكان يساومنا كالخرفان من حين لآخر، ويمسك لحم أيدينا ليراه إن كان قد لان أو ارتخى بسبب عدم النوم، ليحين وقت التعذيب ونكون منهكي القوى للاعتراف بسرعة، غير أن غفلة الدركي الأول المتعمّدة كانت تعيد زميله إلى الصفر، حينما يجد لحم أيدينا لازال متماسكا، غير أن الدركي الثاني حينما اكتشف أنني أصلي بتحريك شفتاي، قام بضربي ثلاث ركلات الأولى للوجه، والثانية للبطن والثالثة إلى النقاط الحساسة (الخاصرة) جعلتني أتبول- أعزّكم الله-، ثم مر على البقية كلهم وضربهم ضربا شديدا، وأكملت صلاتي وأنا على تلك الحالة وإني لن أسامحه أبدا، وسأحاججه يوم القيامة أمام الله سبحانه وتعالى، لا على الاعتقال ولا على التعذيب ولا على الاستنطاق، وإنما أحاسبه على أنه "ضربني وأنا أصلي"..

    وقد دعوت عليه في تلك اللحظة وقد استجاب الله لي، فقد أصيب في الرجل التي ضربتني، فعند صباح الغد.. جاء يمشي على رجل واحدة، وقد أصيبت بورم ثم غاب عن الأنظار كليا، للعلم فإن ذلك الدركي كان قد سلبني مبلغا من المال، وبالضبط (94 دينارا)، لأنه أول من فتّشني بعد اعتقالي. وأثناء تحويلنا إلى قاضي التحقيق، أخبرت مسؤول الوحدة الذي عرض عليّ أن يعوضني - من ماله الخاص- المبلغ المسلوب مني فرفضت، وقد حُولنا إلى مكان أخر، أين سمح لنا بالحصول على بعض الأكل جيئ لنا به من البليدة، وبعدها بأيام بدأت الاعتقالات وسط الطلبة بأعداد كبيرة، من بينهم "سليم كلالشة"، رحمة الله عليه (توفي منتصف الثمانينيات).

    ما هي دوافع اعتقال الطلبة؟

    لقد وجدوا أرقام هواتفهم وأسماءهم حينما قام رجال الدرك بتفتيش شامل ودقيق لمنزل الشيخ محفوظ نحناح، فكان كل من وقعوا على اسمه أو رقم هاتفه في ورقة من الأوراق التي كانت في بيت الشيخ، إلا وشمله الاعتقال، حيث وجدوا أسماءا كثيرة، غير أن مكوثهم في نفس مكان اعتقالنا لم يطل كثيرا، فبعد مجيئ العقيد أحمد بن شريف، قائد الدرك الوطني، أطلق سراحهم وأنهوا موضوعهم نهائيا، وشمل الإفراج الطلبة والأساتذة فقط.

    هل استمروا في تعذيبكم؟

    لا، فقد حرّرت لنا محاضر الضبطية القضائية يوم 17 ديسمبر 1976، وحولنا مباشرة إلى العدالة، ولم نكن نعرف ماذا لحق بالشيخ محفوظ، وفيما إذ كان حيا أو ميتا، ولم نكن نعرف أخباره على الإطلاق، وبعد مجيئ بن شريف، وإطلاق سراح الطلبة وعلى رأسهم سليم كلالشة، أخبرنا أحدهم - ممن أُخلي سبيلهم - وهو على أهبة الخروج بعدما سلّم علينا، أن الشيخ موجود بمجمع الدرك، وكان في قدوم بن شريف ساعة الفرج علينا من أهوال التعذيب التي لحقت بنا، حيث خفّ علينا الضغط والاستنطاق والتضييق المتمثل في منعنا من تأدية الصلاة والذهاب لقضاء الحاجة، فقد كان الحراس يعمدون التشديّد علينا لقضاء حاجتنا في ملابسنا، وأحيانا يسمح لنا بعد إلحاح شديد، وكان التضييق في الحصول على الأكل كذلك وكذا الألبسة، فقد كان جلنا يرتدي ألبسة لا تتناسب مع شدّة البرد في تلك الأيام الشتوية.

    قبل ذلك لم يكن أحد من أهلنا يعلم بوجودنا، وإن كنا أحياءا أم أمواتا، فمنذ اعتقالنا لا أكل وصلنا ولا لباسا، والذي كنا بأمس الحاجة إليه، كما كانت الأخبار منعدمة إلا ما نتداوله بالإشارات خلسة. ونال التعذيب الأخوين الشيخ محفوظ والأخ محمد قراط، أكثر مما نال غيرهما.

    ما هي أنواع التعذيب؟

    الصابون وهو نوع معروف، الضرب، المنع من النوم، المنع من قضاء الحاجة، كما أن قراط مزقوا جزءا من خاصرته، وأنواع أخرى كالضجيج والشتم وسب الدين ونُهرنا بأشد النعوت التي لا تليق بالآدمي ناهيك عن المسلم، وسلب بعض الأموال من قبل دركي واحد فقط وليس كل الدركيين، ولن أنس اسم ذلك الدركي ما حييت.

    هل كنت تعرف اسمه؟

    أعرفه جيدا لكن امتنعت عن ذكره حتى لا يتأذى أهله من ذكر اسمه.

    هل مازال حيا؟

    لا أعلم، وقلت سابقا لن أسامحه أبدا، رغم أنني سامحت كل من سجنني أو عذّبني أو اعتقلني.

    ماذا حصل أثناء تحويلكم إلى التحقيق؟

    يوم تحويلنا كان يوم السبت 17 ديسمبر 1976، هذا اليوم تزامن مع تأدية الراحل هواري بومدين، اليمين الدستورية، ومن القدر أنني كنت "مسلسلا" مع الشيخ بوسليماني، وكان الراحل يؤدي اليمين ونحن في بهو المحكمة ننتظر إحالتنا على النائب العام، في هذه اللحظات الشيخ بوسليماني، قال كلمات لا علاقة لها بتأدية اليمين لا شتما ولا مدحا، حيث قال "في لحظات تأدية اليمين الدستورية نحن مكبّلون وعلى وشك الإحالة على المدعي العام"، فسمعه الدركي الذي بجنبنا وهو نفس الشخص الذي اعتقلنا وأشرف على تعذيبنا واستنطاقنا، وهو من أمّن إيصالنا إلى محكمة البليدة العسكرية، وهو نفسه، من أوّل كلام بوسليماني، وحاول أن يتهمه بأنه شتم الرئيس بومدين، ولولا لطف الله تعالى لتحولت القضية إلى تهمة ثانية، وجزاؤها معروف مسبقا.

    بعد إحالتنا على النائب العام، تم حجزنا رسميا على ذمّة التحقيق ليلة السبت، ووجهت مجموعة إلى سجن بوفاريك العسكري، ومجموعة ثانية إلى سجن البليدة العسكري المعروف بحوش حدّة، وبعدما أوصلونا إلى سجن البليدة تم توزيعنا على عدة قاعات، وانقطع الاتصال مع المجموعة نفسها ومع المجموعة الثانية، ويشاء القدر مرة أخرى، أن أجد نفسي مع الشيخ بوسليماني في نفس القاعة وشخص آخر معروف، حيث دفعنا الحراس إلى القاعة دفعا، بعد أن جردونا من لباسنا المدني مستبدلين إياه بألبسة عسكرية بالية، وغطاء واحد لا يشبه الأغطية، وجدنا أنفسنا بين مجموعة من الشباب ينظرون إلينا نظرة ريب وشك وخوف، بعد ذلك، عرفنا أنهم كانوا قد ألّبوهم علينا محذّرين إياهم من التحدث إلينا، على أساس أننا خطرون وأعداء للوطن، وقدّم أحدهم إلينا شيئا من البسكويت (نوع شوكو) لأن المأكولات كانت ممنوعة.

    بقينا إلى غاية الاثنين21 ديسمبر صباحا في القاعة، وكان صباحا باردا مع ضباب كثيف، حيث أخرجونا جميعا إلى ساحة السجن، وكانت لنا فرصة تداول التحية مع كل المجموعة بإشارة متبوعة بابتسامات توحي بالتواصي بالصبر، في هذه اللحظات وإذا بالعقيد بلهوشات (رئيس الناحية العسكرية الأولى) نراه قادما إلينا، ثم بدأنا بالحديث "نحن جاهدنا من أجل الإسلام ونحن بصدد بناء أكبر مسجد (الكوثر حاليا).. فقاطعه أحد الإخوة (محمد خديجي المدعو طوبال رحمه الله)، فقال له: "مون كولنال، أنا لا أعرفك إلا من خلال التلفزيون"، فهذه الكلمة أثارت لديه غضبا شديدا، قائلا: "أبعدوهم عن وجهي"، وانسحب وتركنا، بعدها وزعونا توزيعا آخرا على القاعات، وفي التوزيع الثالث وجدت نفسي مرة أخرى مع الشيخ بوسليماني.

    كيف كانت يومياتك مع الشيخ بوسليماني؟

    بالنسبة لي كانت فرصة سانحة أنني تعرّفت على الشيخ بوسليماني، عن قرب ولأول مرة أتعرّف عليه بهذه الكيفية، استعرضنا الوضع الخارجي والعمل الذي قمنا به وما قد يترتب عنه، وما ينبغي أن نكون عليه، وقد بدا أن الشيخ بوسليماني، كان يجهل تماما العمل الذي أُشرف عليه وبدوري كنت أجهل تماما ما يجري في الجهة الغربية، وبعد استعراض العمل الخارجي، إطمأن على استمراره، فعلا استمر العمل ولم يتوقف وهنا أشكر إخوان المدنية على ما قاموا به من جهد لمواصلة العمل والرعاية لأهلنا، من دون أن ننسى التآزر - الذي عرفته فيما بعد- من الطلبة والأساتذة وبعض الميسورين من العاصمة.

    أما العمل الداخلي، فبعدما استعرضنا العمل الذي مر بمراحل ثلاث، أخذنا قرارا بعدم فتحه داخل السجن حتى لا يؤثّر على الإخوة، وثانيا كنا نحرص على التكوين ورعاية بعضنا البعض، مع حث العائلات على التآزر فيما بينها، والقيام بدعوة المسجونين لتعلّم الصلاة وحثّهم على الأخلاق والرفق ببعضهم البعض، والتأكيد على الإبقاء على ما صرحنا به لدى الدرك، والكلام لم يكن سهلا وأي تفوه غير مدروس قد يصل إلى قاضي التحقيق.

    كيف كان الوضع العام في قاعة السجن؟

    القاعة كانت مكتظة بالنزلاء حوالي 96 شخصا، إنارة خافتة، رائحة كريهة جدا، بها مرحاض واحد فقط وحنفية واحدة، أنواع القمل من دون حساب شيء لا يوصف، شفرة حلاقة تمر على الجميع قرابة 100 شخص، المكوث 24 على 24 ساعة في القاعة ما عدا الخروج للأكل، كل وجبة لا تدوم أكثر من 10 دقائق، أما النوم فإن من ينامون على البلاط يخالفون الرأس مع الرجلين، حيث أن القاعة لم تكن تتسع للجميع .. إنه وضع مأساوي، يضاف إليه التعذيب الشديد الذي جعلني شخصيا يتمنى الموت.

    كنا لا نذهب إلى دورة المياه إلا بعد 5 أو 6 أيام لانعدام الأكل، وهذه ربما كانت واحدة من النعم بالنسبة لنا، دام وجودنا لمدة شهر في القاعة، أخذوا الشيخ بوسليماني للتحقيق وهناك التقى والدته بقاعة المحكمة - علما أن الشيخ محفوظ ومحمد قراط كانا بسجن بوفاريك ويخضعان لتحقيق مكثف حسبما علمنا- ولهذا التحقيق معنا تأخر إلى غاية تحويلنا إلى سجن بوفاريك، وجاءنا الشيخ بوسليماني بمعلومات جديدة، حيث استنتج من التحقيق بأن كثيرا من القضايا ألحقت بشخص من مصر قد توفي قبلها، وفهم بوسليماني أن الشيخ محفوظ، ألحق عدة قضايا بالشخص المصري الذي توفي، وهو ما معناه أن القضية حدّد إطارها العام ولم تعد تتوسع، أثناء وجودنا بدأ كثير من الشباب يصلي ويستمع للدروس الوعظية.

    لاحظت الإدارة بأن الانتشار بدأ، ومن حذّروهم منا سابقا بدأوا يلتفوا حولنا لاحقا، وتقريبا الجميع بات يصلي ومنهم من نال العقاب بسبب ذلك، وأخذوا قرارا بتحويلنا من السجن إلى قلعة بوفاريك، ويقال أن الرئيس الراحل أحمد بن بلة، كان مسجونا لفترة ما هناك في تلك القلعة القديمة جدا، وهو سجن لديه أثار خطير جدا جدا، السلاسل به معلقة وفيه رطوبة كبيرة، وهنا أصبت بالربو، حيث كنت أمر بأزمات صحية ونوبات ضيق تنفس، وكان مكان قضاء الحاجة مكشوفا كليا والماء لا يصلنا إلا مرات قليلة ولا يسمح إلا بأدوات بلاستيكية، وسمح بزيارة أهالينا مرة كل 15 يوما، كما زارنا المحامي الأستاذ بالميلود، مرتين في هذه الفترة، وكانوا يأخذوننا إلى قاضي التحقيق فرادى.

    وفي إحدى المرات التي كنا نخضع فيها للتحقيق - كانت آخرها - وجدت الشيخ محفوظ، بالقاعة تزامنا مع إجراء مقابلة كرة قدم بين مولودية الجزائر وحافية كوناكري (غينيا)، وكان أحد المسجونين لديه جهاز راديو يتابع هو وغيره أطوار المقابلة، ولما رأيت الشيخ دار في مخيِّلتي أن الشيخ خضع للتحقيق مرة أخرى، واعترف بأنني كنت المسؤول عن الجهة الشرقية، فأدرك في تلك اللحظات ما كان يدور بمخيلتي، فتوجه إلى الحارس مباشرة الذي كان يحول بيننا، فقال له في لفتة لإلهائه: "لولا بطروني لكانت الجزائر في خطر"- علما أن الشيخ كان في زنزانة منفردة ويسترق السمع من قاعات بجنبه- فنسي الحارس مهمته وشرع في سرد المقابلة بكاملها، وهنا اغتنم الشيخ الفرصة وطمأنني بأن أواصل النكران. وطول مكوثي في السجن لم أكن أر سوى جزءا عاليا لشجرة طويلة "بلاتان"، حيث كان بصري جل الوقت مركزا عليها أو أثناء تحويلي إلى التحقيق.

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    هذا ما قاله الشيخ نحناح للقاضي حول التوجه الاشتراكي

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 13:46

    يسرد الشيخ بوجمعة عياد أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر قصة "محاولة الهرب" من السجن، التي رفعها في تقريره سجين "مندس" على أساس أن ما قاله سجين من المدية كان يتعلم على يد الشيخ بوسليماني، "دو جومنفو عليه" معناه كلمة سر بترك السجين رقم2، كما يكشف عياد في حواره لـ"الشروق" في الحلقة الخامسة، عن أطوار المحاكمة وهجوم الشيخ نحناح على النظام، بخصوص قضية قطع أعمدة الهاتف.

    .

    ما هي الأسئلة التي وجهت لك أثناء التحقيق؟

    أثناء تحويلي للتحقيق، في المرة الأولى وجدت أمي بالقاعة وأخذت الإذن بالزيارة من قاضي التحقيق، والمؤسف منعوني من التسليم عليها دفعوني بقوة نحو قاضي التحقيق، وهي تصرخ علما أنها أم شهيد بدأت تبكي.. (لم يتمالك نفسه.. يعيش المشهد.. ويتوقف التسجيل..)، دفعني الحارس بالبندقية فكيف يعاقب الأهل حتى لو كنت أجرمت في حق البلد، والأم المجاهدة وأم الشهيد لم تنس الموقف وتستذكره لحد الساعة، وللأسف جل السجون ما هي إلا أداة لصناعة الإجرام وليس القضاء عليه، ولولا التدين الصحيح وحب الوطن يخرج المسجون أكثر إجراما وعداء للوطن، نتيجة العقاب المسلط والموجود داخل هذه السجون، أما أهم الأسئلة فكانت: هل تعرف الشيخ محفوظ؟، الإجابة: لا أعرفه إلا من خلال بعض الأشرطة، ثم: علاقتك بمحمد قراط؟ (وأنا مدين له حيا وميتا رحمة الله عليه)، الإجابة: نسكن في حي واحد ونصلي معا، ثم: من هم الشيوخ الذين تواظب على حضور دروسهم؟ تقريبا هذه ومجموعة أخرى من الأسئلة.

    للعلم فإنه عندما يكرمك قاضي التحقيق بقهوة أو شاي وتلاحظ أن كلامه تغير من الإحراج إلى الليونة، تدرك بأن التحقيق أوشك على نهايته.

    .

    هل حصل أن تعامل معكم قاضي التحقيق بليونة؟

    نعم.. في نهاية التحقيق فقط، ولقد أخبرني الشيخ بوسليماني بأن قاضي التحقيق أخذه في جولة إلى أماكن خارج السجن، فقال له انظر هل هذه أماكن تحتاج للتضحية، ولم يذكر لي تلك الأماكن وربما كانت حانات أو غيرها..

    طبعا، بعدما فارقت الشيخ محفوظ، ووجهت للتحقيق دخل علينا النائب العام وجلس قبالتي، وسألني: "مثلا في تلك اللحظة التي قطعتم الكوابل وحصل أن جاء المخاض إحدى النساء وطلبت سيارة الإسعاف، وإذا بالهاتف مقطوع.. تصور حجم الحادثة"، (وكانت الصور أمام قاضي التحقيق)، فقلت له: "لم نقطع الكوابل بل الأعمدة، فتناول الصور وأخذ يحدق فيها، واكتشف أن الكوابل بقيت سليمة وسرقت معه النظرة للتحقق شخصيا من ذلك، فلم يبادرني بعدها بالسؤال.. ومباشرة أعادوني الى السجن.

    وقبل المحاكمة بـ15 يوما، عرضوني على طبيب نفساني وكان معه طالبا، فدار بيني وبينه حديث فسألني عن سني، مستواي، وعملي، ولم تكن أسئلة بوليسية ولكنها عادية جدا، وانتهى اللقاء بيني وبينه.

    بعدها زارني المحامي وأخبرني بقرب المحاكمة، وكان الإخوة هم من تكفلوا بتوكيل المحامي.

    .

    كيف كان تعاملك مع المحامي؟

    للأمانة الحديث معه كان فيه نوع من التحفظ والتخوف، تجنبا لتزويده بمعلومات قد تصل إلى قاضي التحقيق وتثقل القضية، وقد بادرني المحامي بحديث فيه ملاحظة، وقال: إنك لم تتعاون معي رغم أنني أعمل في صالحك.

    .

    نعود إلى يومياتك في السجن، وأهم الوقائع التي عايشتموها؟

    بعدها بأيام وقع حادث، حيث لم نتوقف على دعوة كل من نلتقي به إلى تأدية الصلاة وتعليمه ما يسمى بالضروري من الدين، وأثناء هذه اللحظة، كان الشيخ داود يعلم مسجونا من ضواحي المدية، وكان يصعب عليه أن ينطق رقم 2 بالفرنسية، فأجابه المسجون مازحا "الدو جومنفو عليه" - أي دعني من رقم 2، وكان أحد "الخاوة" يدخن فأطفأ سيجارته على جريدة المجاهد، وكان موضع إطفاء السيجارة - دون قصد - وقع على صورة الراحل هواري بومدين، وفي تلك اللحظات كان هناك مسجون - مهمته نقل التقارير التي يدونها إلى قاضي التحقيق - قد رصد تلك الواقعة، وأوّل "دو جمنفو عليه" معناه: الاستعداد للهرب ترك المسجون رقم 2، لأنه غير مهيأ، وفسر حرق صورة الرئيس بأنهم يكنون حقدا للنظام، وبعدها بقليل، داهمتنا الإدارة بتفتيش الى درجة كادوا يجردوننا من ألبستنا، ووجدوا أن شابا من ضواحي حي البحر والشمس "ماري صولاي" بحسين داي بالعاصمة مولوعا بالرياضة قد صنع من بطانية حبلا للقفز وممارسة الرياضة، فاعتبرت الإدارة أن عناصر الهروب اكتملت وأن تلك البطانية كانت موجهة خصيصا لتسلق الجدار والهروب من السجن، مع أنه من المستحيلات السبعة الهروب من هذا السجن، لأن الجدران كانت مرتفعة جدا ولم نفكر في ذلك إطلاقا، فشرعت إدارة السجن مباشرة في جملة من الإجراءات، حيث وضعت شباكا حديديا على السقف العالي، وكثفت الحراسة التي كانت دون السلاح لتصبح مع حمل السلاح، وقلصت من إخراجنا إلى فناء السجن، وتغير الأكل والتعامل كذلك، والألفاظ أضحت شائنة، والزيارات منعت.

    حاولنا تنظيم إضراب وأعددنا بعض الحاجيات مثل السكر في حال تنفيذه، وصاحبه جدال بعد الشروع فيه، والإشكال الذي حصل بيننا، هل يجوز شرعا أم لا؟ لكن ظهر أن الأيام لم تطل، وأوقفنا الإضراب.

    ومن بين الوقائع التي لازالت راسخة في ذهني، أن بولنوار ستاسيت - الذي كنا نلتقي عنده رفقة الشيخ محفوظ في المقهى بالبليدة، وهو خريج المعهد الأصلي باتنة - كان يجيد قراءة القرآن وترتيله، فسمعه أحد الحراس، فهرول إلينا ودق على الباب سائلا عن القارئ، فأجاب بولنوار: أنا، فأخذه خارج القاعة وأسقط عليه عقوبة الضرب بالسياط على الرجلين حتى انتفختا، وبقي يتألم من ذلك أياما. وهناك حوادث كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.

    .

    كم دامت فترة التحقيق والبحث؟

    طبعا، مكثنا 10 أيام لدى الدرك وشهرا بسجن البليدة العسكري، ثم دام التحقيق لمدة 5 أشهر، وهي فترة بقائنا بسجن بوفاريك العسكري، وجاءت مرحلة المواجهة بعدما قسمونا إلى ثلاث مجموعات، الشيخ محفوظ ونوابه، المجموعة التي نفذت تقطيع الأعمدة، والمجموعة التي حررت المنشور، وكانت تلاوة محضر الإحالة علينا على حدى، أي كل مجموعة لوحدها، وبعد تلاوة المحاضر من قبل قاضي التحقيق، لم يكن هناك تضارب فيما بيننا، وثمانية أيام بعد المواجهة، وصلتنا المحاضر إلى السجن ووقعنا عليها.

    وكانت المحاكمة، يوم 4 ماي 1977، بمحكمة البليدة العسكرية، وتشكلت هيئة الدفاع من المحامين الثلاثة الأستاذ بالميلود، الأستاذة اسكندر، والثالث نسيت اسمه، دخلنا المحكمة قبل دخول رئيس الجلسة والنائب العام (ملاحظة: كانت الحراسة مشدّدة ساعة نزولنا من شاحنات الدرك)، بعدها ظهر الرئيس ومن معه بعد الجلوس، نادى على الأسماء واحدا تلو الآخر، ثم تلاى علينا محاضر التهم، وكانت جل الأسئلة موجهة للشيخ محفوظ.

    .

    وهل استطاع الشيخ نحناح الدفاع عن نفسه؟

    ثلثا أطوار الجلسة بالمحكمة خصصت للشيخ محفوظ، وكان يجيب من غير تردد، متهما النظام بتخليه عن قيم نوفمبر، ووقوعه في أحضان الاشتراكيين وذكر من بينهم فيدال كاسترو وغيرهم، وتهميش النظام للجزائريين، أحيانا لدرجة أنه يحرج الرئيس، وختم دفاعه طالبا من الرئيس: "أتحمل مسؤولية العمل لوحدي، فهؤلاء بُرءاء"، كما أن جزءا من الأسئلة وجهت إلى الأخ محمد قراط، وحاول الرئيس أن يدفعه للاعتراف كي يتراجع عن موقفه، إلا أن الأخ قراط بقي صامدا رغم أن الأسئلة كانت محرجة جدا، دامت الجلسة على هذا المنوال يوما كاملا من الصباح باكرا إلى المساء.

    وبعد مرافعة النائب العام الذي طالب بتسليط أقصى العقوبة على الشيخ محفوظ وبقية المجموعة، جاء دور المحامي وجعل الأستاذ بالميلود مرافعته محاكمة للنظام ومكملا لما كان يهدف إليه الشيخ محفوظ، وبعد المداولة تمت تلاوة الأحكام، للإشارة، فقد طلبنا من رئيس المحكمة قبل أن ينصرف للمداولة بأن يسمح لنا بالصلاة، ووافق على ذلك دون تردد.

    .

    كيف تمت مساءلتك؟

    كانت روتينية، تعترف أنك قطعت الأعمدة، وكنت مع المجموعة، وكنت اعترف، لأن الأمور كانت موثقة بالأدلة، وجل أفراد المجموعة وجهت لهم نفس الأسئلة، مع تفاصيل لا يهم كثيرا ذكرها.

    .

    ماهي الأحكام الصادرة في حقكم؟

    تراوحت من سنة إلى 15 سنة، وأقصاها شملت الشيخ محفوظ بـ15 سنة ومحمد قراط بـ10 سنوات، والبقية وزعت بين 9 سنوات، 8سنوات، 7 سنوات، 6 سنوات، 3 سنوات (الشيخ بوسليماني) وسنة.

    وقد حولت بعد المحاكمة بعشرة أيام، إلى سجن تازولت بباتنة (14 ماي)، بمجرد المحاكمة حيث حكم علي بـ6 سنوات سجنا، ثم حولت مع مجموعة أخرى إلى سجن البرواڤية، لمدة 5 أشهر ثم في سبتمبر حولت إلى سجن البرواڤية (5 أشهر)، ثم سجن الشلف (3 أشهر)، ثم سجن البرواڤية شهر جوان (4 أشهر)، ثم تازولت (10 أشهر) ومرة أخرى إلى سجن البرواقية (3 أشهر)، إذن المجموع 36 شهرا و6 أيام.

    .

    كيف كان رد فعلكم؟

    لم نلمس ولم نلاحظ على واحد من المجموعة تذمرا مما لحق به من عقوبة، بل جلهم يتبسمون، ويتعانقون حيث لما رجعنا إلى القاعة استغرب المسجونون من ردة فعلنا التي لم تكن تتميز بالسخط أو الانزعاج أو التأثر. وجلسنا بعدما اطمأننا على بعضنا البعض، ناقشنا في أول قرار قضية زوجاتنا، بتخييرهن بين البقاء وقبول الوضع أو الطلاق.

    .

    وماذا عن تفاعل الزوجات مع القرار؟

    أول مرة تأتيني زوجتي للسجن فجاءت متحجبة رفقة خالي وأمي، ولما فاتحتها في القرار الذي اتخذناه سويا قالت لي: وهذا وقت هذا الكلام؟.. فطمأنتني أمي لأنها جربت المحن من قبل، وقالت لي كن مطمئنا: "أنا أمك وأنا بمثابة أبيك وأخيك وصديقك، كن مطمئنا وكن مرتاحا إلا إذا أدركني الموت فلك الله تعالى، وقالت لي: "تهلا في نفسك وكن رجلا، والسجن ما جعل إلا للرجال، والحمد لله لم تسرق ولم تتعد على الناس، فكن صابرا وكن رجلا"، وكنت متأثرا جدا وحاولت أن أخفي خوفي على أسرتي والحمد لله حفظت أسرتي وحفظني الله معهم.

    وكان جواب جميع الزوجات لأزواجهن نفسه بالبقاء على رابطة الزوجية، وهذا ليس غريبا على المرأة المسلمة، رغم ما فيه من حرمان وبُعدٍ عن الزوج، إلا أن هذا هو حالهن بعدما أصبحنا وراء القضبان.

    .

    ذكرت "متحجبة"، هل كانت زوجتك أول من تحجبت؟

    كانت زوجتي ترتدي "الحايك"، بعدما صدر الحكم استبدلته بالحجاب كلباس ساتر، أما أول متحجبة على مستوى الأحياء، سنة 1975، فكانت زوجة أخ من حي المدنية، ومولودة بفرنسا، واليوم، ما نشاهده من حجاب دخيل على الجزائر ومتأثر بالمودة لأن ليست لديه أسس في الجزائر، ولو أخذنا مثالا عن لباس جزائري بغض النظر للجهة سواء قبائلي أو قسنطيني أو تلمساني أو وهراني أو عاصمي أو نايلي أو شاوي .. وأدخلنا عليه بعض التحسينات لاستمر مع مر السنوات، ووقف في وجه المودة الدخيلة، ويتحمل أبناء الحركة وكذا مسؤولو الدولة والمثقفون والمصممون والفنانون مسؤولية الترويج للباس التقليدي الجزائري.


    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أول صلاة جمعة في تاريخ الجزائر المستقلة أقيمت داخل "لامباز"

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 13:50

    يروي بوجمعة عياد أحد مؤسسي الحركة الاسلامية في الجزائر، في الحلقة السادسة من حاوره لـ"الشروق" تفاصيل مثيرة عن أيام السجن في "لامباز"، والهبة الجماعية للمساجين نحو الصلاة وتوطيد العلاقة مع أسرهم ووالديهم، وكيف أراد مدير السجن اهانة الشيخ نحناح بمنحه لباس ضيق.

    .

    هل توقف نشاط المجموعة (المدنية والبليدة) بمجرد سجن رموزها؟

    بعدما كانت هناك مجموعتان، بدأت تتشكل مجموعة واحدة، كذلك كلمة إخوان فرضتها علينا الإدارة، حتى المساجين يصفوننا بالإخوان المسلمين تصريحا وأحيانا همسا، أول أمر قمنا به التأكد من استمرار العمل والاطمئنان عليه، من خلال ما جمعناه من كل الزيارات، بطرق غير مثيرة لانتباه الحراس، وهي رسائل شفهية تأتينا ممن واصلوا العمل، وتمثل هذا التأكد عمليا من خلال أربع نقاط رئيسية؛ الأولى: استمرار العمل التربوي، الثانية: المحافظة على التنظيم الذي كنا بدأناه والعمل على تعميقه، الثالثة: المحافظة على العلاقات التي بدأت تتشكل هنا وهناك عبر الأحياء، الرابعة: الاعتناء بأبناء المسجونين تربويا وكذلك أسرهم.

    وجاء التأكيد الواقعي الميداني، من خلال فتح مدرسة السلام بعدما أغلقها الأمن، المشاركة في الاحتجاجات ردا على ما كتبه كاتب ياسين "محمد برون تا فاليز" أي "محمد خذ حقيبتك"، تحديد مبلغ مالي لكل أسرة يتناسب وحاجياتها، برمجة الزيارات، وهنا أذكر أخوين فاضلين وما قاما به من جهد الأخ مختار سمالة والأخ عبد الرحمان قراط، والحاج الضاوي الذي تكفل بالجزء الأكبر من المبالغ المالية التي كانت تخصص للأسر شهريا، وكذلك الأخ حسين نايت، دون أن ننسى الأخ صالحي شريف وبقية الإخوة من حسين داي وكذلك الحاج علي مهني، وكذلك الحاجة مسعودة كالأم والجيران.

    .

    هل كان الشيخان نحناح وبوسليماني برفقتكما داخل السجن؟

    نادانا الحارس وتعانقنا في مشهد رهيب بعد الفراق، حيث أبقوا على من كانت أحكامهم خمس سنوات وما دون ذلك، في سجن بوفاريك، وأخبرنا لاحقا أن الشيخ بوسليماني حول إلى سجن البرواڤية، وحولت رفقة الشيخ محفوظ نحو سجن تازولت (باتنة).

    .

    كيف كانت يومياتك في سجن تازولت "لامباز"؟

    الانطلاق صباحا والوصول قبيل المغرب، وأثناء الطريق كاد أن يحصل حادث، وكنت أعتقد أن سجن "لامباز" يقع خارج الوطن، فإذا بي أجد نفسي متوجها اليه مسجونا، لما أوصلونا كان المدير في انتظارنا، فقال لنا: "أنا لا يهمني على ماذا أنتم هنا (أي التهم) بل يهمني امتثالكم لأوامر الإدارة والحراس، ثم قال لنا حارس "ديرو بالكم ربي في السماء ونحن في الأرض"، وأول كلمة قالها لنا كاتب الضبط "من أُخبِره عندما تموت؟"، ثم "ضع ما لديك من ممتلكات"، تم التسجيل وقال لنا: "هذا رقمك (3795) فانس اسمك نهائيا"، وأخذني حارس آخر، فقال لي "انزع ثيابك"، فنزعت وأبقيت على الملابس الداخلية، فحاول أن ينزعها فرفضت رفقة بقية الإخوة، ثم أعطونا ملابس لا هي تستر الجسم ولا تقي من البرد، ولا تقي من الحر، بل هي ثياب رثة وبالية، للملاحظة، فإن الشيخ محفوظ رحمه الله، أعطوه لباسا لا تتناسب وجسمه، بل أعطوه سروالا أبقى عورته مكشوفة، فقال له الأخ محمد خديجي المدعو طوبال: "خذ هذا السروال بدلي وأعطني سروالك، فأنت إذا ظهرت عورتك فأنت شيخنا ولا ينبغي أن تظهر بهذا المظهر"، وأعطونا غطاء لا يغطي نصف الجسم وبعض الحاجيات الضرورية، وكانت أول ليلة نقضيها بسجن تازولت.

    .

    كيف تعامل معكم بقية المساجين؟

    بدأنا نسمع المسجونين يقولون: "لقد جاءوا بالإخوان"، وفي يوم الأحد وزعت علينا شبه قهوة، وغداء من العدس ممزوج بماء كان مملوء بالحشرات "كوز" يطفو على سطحه، وفي العشاء حساء من الكرنب، لا يؤكل إلا أذا سددت أنفك بأصبعيك، وفي الليل استمعت إلى أهازيج متنوعة هذا يغني وذاك يغرد وغيرها.

    ويوم الإثنين 17 ماي 1976، أخذت الشرطة القضائية لنا صورا مع بصماتنا، ونحن في الطابور ننتظر دورنا واحدا تلو الآخر، فقال لنا الحارس: أأنتم " فرار موزولمون" متبسما، فرددت عليه: وهل أنتم "فرار جويف"، وكانت تلك العبارة التي تفوهت بها كفيلة بإنزال علينا عقوبة شديدّة، خاصة وأننا نزلاء جدد وينبغي أن نأخذ عبرة، غير أنه فيما بعد تبين بأن ذلك الحارس، كان متعاطفا معنا، وأعادونا إلى نفس الزنزانات، لمدة 14 يوما، في آخر ليلة أعادوا إلينا كتبنا وما كان ليدنا وقالوا لنا: "بإمكانكم أن تكتبوا إلى أهلكم"، وشرعت في كتابة أول رسالة إلى أمي وزوجتي، فاعتراني الضعف في تلك اللحظات، أحسست أنني أبعدت عن أهلي نهائيا، وغرقت في البكاء حتى أنني بللت الورقة التي كنت أكتب عليها، ثم أخذت بالرسالة فمزقتها، وقلت مع نفسي أن أهلي لهم الله، والمطلوب مني أن أحافظ على نفسي وشخصيتي، أثناء هذه المدة كنا قد جندنا أشخاصا من المساجين، مقابل شيء من الموجود حبة فاكهة أو حلوى لربط الاتصال فيما بيننا وتداول الأخبار، وكانت زيارة للشيخ محفوظ بمثابة انفراج، بمعرفة أول خبر عن الوضع بالخارج.

    بعد هذه المدة قسمنا إلى مجموعتين، ست سنوات في القاعات، ومن 7 إلى 15 سنة في زنزانات انفرادية، وتبين لي فيما بعد أن القاعة مقسمة على ثلاث:

    الطبقة الأرستقراطية بعيدين عن الروائح الكريهة والزحمة، ينالون الزيارات ولديهم أموال في أرصدتهم تمكنهم من شراء لوازم من الدكان " كانتينة"، أما من دونهم في الطبقة الوسطى هم أقل حظوة وأقل زيارات، أما الطبقة الثالثة فيسمون "كارتي شنوة" وهم المعدومون مالا والمنسيون من الزيارات وهم الطابور الخدماتي وينامون في مواقع الروائح الكريهة وبالقرب من المرحاض وتكتظ مواقعهم.

    هذه القاعات بنتها السلطات الاستعمارية وهي مبنية بالحديد ومتينة السمك مع صلابة الإسمنت، فهي تسخن بالصيف وفي الشتاء تبرد، بنيت خصيصا لسجن المجاهدين وتعذيبهم، لها مدخل واحد ونوافذها عالية جدا ولا يمكن الوصول إليها حتى بالسلاليم، أثناء الذروة تصل أحيانا 125 نزيل والأدنى 95 نزيلا، بها مرحاضان واحد معطل نهائيا واثنان يشتغلان، وبها حنفيتان.

    بعدما وضعت أغراضي أشار إلي مسؤول القاعة - وهو مسجون - وقال لي: اخرج إلى الفناء فتوجهت، وإذا بأحد يتوجه إليّ مباشرة، وقال: "اسمي رمضان من مجموعة تفينا "بارباريزم"، فقلت له اسمي: بوجمعة، ممن أتوا من بوفاريك ممن يطلق عليهم "فرار موزيلمون"، فقال لي مباشرة: كنت أنتظر شيخا كبيرا معمما وإذا بي أجد شابا عاري الرأس، فقلت له: الإسلام موجه لكل فئات المجتمع، ونحن لم ننته من بداية حوارنا وإذا بالحارس ينادينا لدخول القاعة.

    فجاء وقت الظهر، فتوضأت وشرعت في الصلاة، وإذا بأحد المسجونين ينفجر في وجهي ويقول: لماذا تصلي في وجهي هل أنا ميت؟، فلم أعره باهتمام، وبمجرد أن أتممت صلاتي، نهض 5 مساجين للصلاة فرادى، وواصلت الحديث مع رمضان "جراح أسنان"، وكان يقطن بحي السعادة بالمدنية، وأول ما اتفقنا عليه أن لا نثير خلافاتنا داخل السجن، ونركز على ما يجمعنا من قواسم، وفعلا دامت مصاحبتنا، وأثناء النقاش، اكتشفنا بعضنا البعض وأن ما يثار حول الإسلام أو العربية أو الأمازيغية، هو حشو لا سند له، وأخبرني عن أنواع التعذيب الذي يتعرضون إليه، كان عذابا شديدا استعمل فيه وسائل كثيرة جدا، ويصل لدرجة تهديدهم بالتعدي على أعراض البعض منهم، وكان كل نوع من التعذيب مباح، عندما يصل الأمر للشرف، ويشار إلى أن الصداقة استمرت لما بعد السجن، وفيهم المثقف وغير المثقف، "منهم من يحمل القضية ويدافع عنها بصدق ومنهم من يسترزق بها".

    في اليوم الثاني، وجدت الحارس الذي خاطبنا بكلمة "فرار موزيلمون"، متوجها إلي في الطابور، وأخذ بيدي وقربني من القدر الذي كانت بداخله القهوة، فقلت له: يا شاف اسمح لي لو كان لي غرض في قهوة ساخنة لأخذته بطريقة أخرى، وقد أدرك الحارس ما كنت أتطلع إليه، فاستغرب السجناء من تصرفي كيف أرفض خدمة الحارس، فمن رضي عليه الحارس صار محميا، لكن الذي ترتب عن التصرف، أنني كبرت في أعين الكثيرين، وكان تذليلا للحوار والدعوة، وفي ذلك اليوم، أدينا الصلاة جماعة بالأذان - لأول مرة - وعندما انتهيت من الصلاة بهم وجهت إليهم كلمة مختصرة، تدور حول إذا كان القضاء وضعنا في السجن وأغلق الأبواب، فباب الله سبحانه وتعالى مفتوح لن يغلقه أي كان.

    .

    هل هذا يعني أنه لم تحدث صدامات مع بعض المساجين؟

    بالعكس.. وأعود الى الحارس، فقد طلب مني إعارته بعض الكتب فقلت له لا مانع من ذلك، ثم نصحني بكيفية التعامل مع المسجونين، وفعلا اكتشفت أن جلهم لا يبقى لديه من مصطلحات التخاطب إلا ما يتعلق بالسجن، يتكلم عن الأكل والسوبا والعفو وعن العملة (السجائر) والدومينو، والمصطلحات المنحطة تماما، تصور أنك تجد نفسك بين السواد ممن ينزلون بالسجن عبارة عن صناديق مقفلة، لكن لله سبحانه تعالى شأنا آخر، فجائتني أمي في زيارة كانت الأولى من نوعها إلى سجن تازولت، والذي ساعدها على الزيارة هو صالحي شريف، فمن بين الأغراض التي أتتني بها كمية من الإجاص، وكانت لا تكفي الجميع فقسمت الحبة بين اثنين، وفرشتها على أشرطة بلاستيكية بالأرض، وأشرت إلى كل مسجون لينهض بنظام ويأخذ نصف حبة وكنت آخر من أخذ النصف المتبقي، وإذا بهذه القلوب المقفلة صار مفتاحها نصف حبة من الإجاص، وبدأت التعاليق، كل يعلق على شاكلته، وهنا اكتشفت طبيعة الإنسان الحقيقية، فيبدو لك أنه صلب وجاف ومتعجرف، لكنك إذا أحسنت مخاطبته، فيتحول من عبد صلب إلى عبد لين وسمح وبسيط جدا، فلم يمض علينا أسبوع، حتى صار عدد المصلين يزيد عن نصف المقيمين، ومع مرور الأيام، لم يبق أكثر من تسعة لم يلتحقوا بالصلاة، وصارت لدينا حلقات بالقاعة وبالفناء، وبرنامج تربوي يتعلق بتعليم الصلاة من طهارة وفقه، وتبيان فضل المداومة على بالصلاة، ثم تلاوة القرآن والتحفيز على محاولة حفظ جزء منه، وكذا صلة الأقارب، وخاصة الوالدين، والندم على ما ارتكبوه بحكم أن الكثيرين منهم كانوا عصاة لآبائهم وأمهاتهم، ونجح ذلك من خلال عودة الزيارات والمراسلات بينهم.

    .

    كيف سمح لكم الحراس بالدعوة داخل السجن؟

    الإدارة بعدما تعرفت علينا خف تشديدها، وسمحت لنا في شهر رمضان بالتجمع وتأدية الصلوات وحتى التراويح، بمن فيهم الشيخ محفوظ وكانت بالنسبة لنا فتحا، حيث أدينا أول جمعة بعد الاستقلال داخل السجن، وكم تمنيت أن تأدية صلاة الجمعة يؤديها الشيخ محفوظ ورجوته، إلا أنه كلفني بالصلاة بالنزلاء والقائمين على السجن، وتساوى فيها السجان مع المسجون بمن فيها الإداري، وهنا أدركنا جميعا أن هذه هي الجزائر، عندما نعود إلى الإسلام الصفي النقي نتساوى أمامه وتسير الخلافات من الماضي لا شأن لها، إلا أن أحد الخاوة، بعد أيام، تعجل الإفطار وظن أن الوقت قد دخل، بدقائق محدودة، وتبعه الكثير وكان هذا الخطأ سببا في إعادتنا إلى ما كنا عليه.

    .

    وما علاقة الإدارة بذلك. علما أن همها هو الأمن؟

    أولا، ينبغي أن نعرف أننا جميعا مسلمون، لا فرق بين المسجون والحارس والإداري، ثم أن الإدارة تعمل على منع الاضطرابات، وهي مستأمنة على صحة المسجون وأمنه الحسي والمعنوي، وهو وديعة بين يديها، وخاصة في شهر رمضان، حيث يتغير الأكل ويتحسن بعض الشيء، وقد قلت سابقا بأنها سمحت لنا بالاجتماع وتجميعا في قاعات متواصلة، أبوابها لا تغلق ومفتوحة للتحرك ذهابا وإيابا، مع تأدية الصلاة جماعة، ولو كان الأمر لا يهمها لما سمحت لنا بذلك، وهم مشكورون وجزاهم الله خيرا على ذلك.

    .

    ما هي الإجراءات التي اتخذتها الإدارة بسبب إفطاركم قبل الأذان؟

    أولا، إعادتنا إلا ما كنا عليه، وانتهت التجمعات، والصلاة أصبحت مجموعات وليس جماعة واحدة، مع التشديد على الزيارات وتقليص مدة المقابلة، والتشديد في التفتيش على الأكل الذي يأتي من الخارج، وتفتيش المسجون أثناء خروجه ودخوله، وصعبت الاتصالات بيننا ودام الوضع شهرا بكامله.

    .

    هل بإمكانكم وصف السجن من الداخل؟

    هو عبارة عن "جزيرة" مفصولة عن العالم، تضاريسه أدغال يصعب التنقل بينها، القوي فيها مسموع سيد يقاس بعدد الزيارات وما تأتي به قفة زائره، أما الضعيف فلا سؤال عليه ويطاله الضرب واستغلاله في الخدمات وغيرها، والسجن مناطق مفصولة عن بعضها وموصولة بممرات عليها حراسة شديدة، تفتح وتغلق حسب الحاجة، والويل كل الويل لمن يقترب منها دون إذن، بواباتها حديدية، لا يمكن اختراقها محاطة بصورين، الخارجي: لا يمكن تسلقه بشتى الوسائل والطرق، حتى يخيل إلى القارئ أن الرافعة الكبيرة الحجم لا يمكنها أن تنتشله من الفناء لإخراجه إلى ما وراء السور، إذا أمعنت النظر فيه هاجمك الدوران لشدّة علوه وسماكته، أما الثاني فهو أقل من ذلك بقليل.

    والسجن يتكون ثلاث أقسام: قسم قديم تتكون منه الإدارة والزنازن المخصصة للعقاب، وبعض القاعات المحدودة، نظرا للآثار الباقية على جدرانه من كتابة وحلق وسلاسل توجد بالزنزانات توحي بأنها بقايا من عهد الرومان، كانت عبارة عن ثكنة جزء للإدارة وجزء للعسكر وجزء للخيول وجزء للمساجين.

    أما القسم الثاني: فردي وجماعي يبدو أنه أضيف أثناء الحرب التحريرية من قبل المستدمر الفرنسي، وكنت بإحدى هذه القاعات التي بنيت خصيصا لإذلال وقهر المجاهدين، فكنت أتخيل عظمة هؤلاء الرجال من خلال هذه الخرسنة والأسيجة والممرات الضيقة، فقد كانت تهدف إلى إرغام الجزائري المجاهد على تخليه عن قضيته - فرحمة الله على شهدائنا وجزى الله من بقي على قيد الحياة وكل من ساندهم على ذلك - وهنا أتوجه للشباب فأقول له: قد يحاسبنا المجاهد على بعض التصرفات وأنا أقول لهم هذه التصرفات إن وجدت إذا وضعناها مع تضحيات هؤلاء الأبطال، تصير لا تساوي شيئا أمام ما قدموه للجزائر.

    أعود الى القسم الفردي في القسم الثاني، فالأول منه عادي ينزل به أي كان، أما الثاني فخصص لمعاقبة المخالفين داخل السجن في نظر الإدارة منها الإساءة للحراس أو التعدي على المسجونين، ذكر اسمها فقط يبث الرعب ناهيك عن الولوج فيها، تسكنها الرطوبة طوال السنة، الرائحة الكريهة لا تغادرها بتاتا، عندما يحل بها المسجون يجرد من ثيابه، ويبلل بالماء ثم يربط من رجليه ويديه بسلاسل المثبتة بالأرض والجدران طوال الليل قريبا من الثقب الموجود بأسفل الأرض لقضاء الحاجة، الزمان تحدده الطيور بزقزقتها معلنة بداية النهار ويوم جديد، وموعد غروب الشمس وحلول الليل، وضوء خافت يخترق ظلمة الزنزنة من وسط السقف، والمشرف على جناح مجموعة الزنزانات الذي يحدد كمية الأكسجين التي تدخل المجمع، من فتح الباب الرئيسية، إذا لتجديد الهواء وإزالة الرائحة الكريهة، ومن تطول مدة بقاءه بهذه الزنازن يصاب بأمراض خطيرة، قد لا يشفى منها طوال حياته.

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    عندما اتهمنا بتهريب جماعة الزبيري من سجن البرواقية

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 13:51

    يكشف بوجمعة عياد، أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر، في الحلقة السابعة، قضيتهم مع جماعة الطاهر الزبيري التي كان يقودها الرائد علي ملاح، وعن أحداث المدنية والحكم عليه بالسجن لسنتين مرة ثانية، ويتحدث لـ"الشروق" عن بدايات التوجه نحو العمل المسلح لمصطفى بويعلي.

    .هل تستذكرون عينة عن القصص التي عايشتموها داخل "لامباز"؟

    اقتصر على قصتين؛ الأولى من داخل السجن والثانية من زائر، فالأولى تتعلق بمسجون من الداموس ( تيبازة) يلقب بـ "جمانفو" وهو أمازيغي وكان يتجادل مع مجموعة تفينا تارة مزحا وتارة قدحا، محكوم عليه بـ 20 سنة، لما كنت بجانبه أصلي وهو لا يصلي، فقال لي: يا شيخ لو تقنعني بأن ربي موجود، لشرعت الآن في الصلاة، تبسمت ولم أقل له شيئا، فبقي أسبوعا واحدا وشرع في الصلاة، وكلما تذكر تلك الكلمة إلا وبكى بكاء شديدا، وأدرك أنه مخطئا.

    .

    لماذا تبسمت، وما سر شروعه في الصلاة؟

    تبسمت لما قال ربي، تيقنت بأنه مؤمن مسلم، وأن الغفلة هي التي حالت بينه وبين تأدية بعض الشعائر، وتذكرت مباشرة قصة من قصص بني إسرائيل مع سيدنا موسى عليه السلام، قول الله تعالى: "وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادعو لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض.."، وقد ورد هذا اللفظ "ربك وليس ربي"، وصاحبنا قال ربي ولم يقل ربك، أما الصلاة، وتابع صاحبنا كيف تحولت القاعة من خلال تأدية الصلاة، من مجموعة صغيرة إلى مجموعات كبيرة وحلقات للذكر والصلاة تؤدى بالأذان، وهذا التحول الحاصل أمامه كان كافيا لإجابته فعلا وليس قولا، وأصبح يتقرب مني، تارة متوددا وتارة مستفزا، وأصبح يصلي ويقرأ القرآن.

    .

    نعود لقصة الزائر؟

    كان يوما باردا، حينما زارني الأخ "عبد القادر كالام" - نسيت ذكره سابقا وهو من الأوائل ضمن الفوج المؤسس للعمل في نواة جماعة المدنية بالعاصمة - وكان يرتدي معطفا، ولما أحس عبد القادر بشدّة البرد نزع ذلك المعطف وطلب من الحارس أن يسلمه لي، طبعا الحارس لم يسلمه لي مباشرة إلا بعد اتخاذ الإجراءات المعمول بها، (كل ما هو لباس خارجي من معاطف وجاكيت وسراويل كذلك، تقطع رقعة منها ويوضع على المكان المقطع، قطعة بيضاء من القماش مكتوب عليها "سجن لامباز"، معناه الهرب مستحيل)، فذّكرني هذا الأخ بقول الله سبحانه وتعالى: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"، وهذا المعطف كنت أرتديه بالنهار وأتدثر به ليلا، وكان يذكرني بالأخوة التي ذكرها سيدنا عمر رضي الله عنه، "الأخوة الصادقة زينة في الرخاء، وعدّة في البلاء..". ومن أكثر القصص عجبا أن أحد المساجين يقضي طوال المدة بالفناء مركزا على النمل ذهابا وإيابا، يوم يعد فيه الخارج من المستعمرة واليوم الموالي يعد التي تعود وماذا تحمل معها، وعندما يعود للقاعة يشرع في سرد ما لاحظه، وفي إحدى الملاحظات العجيبة ذكر أن نملتين التقتا وتداولتا شيئا غير مفهوم ثم عادت النملة التي خرجت من المستعمرة أدراجها بعد تناول الإشارة.

    .

    ماهي أهم الشرائح التي كانت داخل السجن؟

    كان هناك صنف داخل "لامباز" محكوم عليه بالسجن "رولاغ"، يشبه الحكم الذي صدر في حق سيدنا يوسف، أي "يسجن إلى حين"، وكانت لنا فرصة بالتعرف على كل الشرائح، المثقف والأمّي، الأستاذ وغيره، وهنا يصدق علينا جميعا قول الله سبحانه وتعالى "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.."، فبعدما كنا أفرادا نعد على رؤوس الأصابع، صرنا أعدادا كبيرة، وكان عملنا متمركزا بالوسط غالبا، فصار منتشرا عبر الولايات، وازدادت علاقتنا بالخارج فصار الزوار الذين يزورون غيرنا، يسمعون بالدعوة إلى الله من داخل السجن، وصار الزوار يلاحظون تحسن سلوك أبنائهم وذويهم من خلال مطالبتهم بالمصحف وسجادات الصلاة وغيرها...

    فازداد انتشارنا أفقيا وعموديا، وهنا اطلعت على جل كتب الإخوان خاصة كتب سيد قطب وأخيه محمد قطب والشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي، واطلعت على قصص كثيرة، دون أن ننسى كتاب موروس بوكاي الطبيب الشهير وهو كتاب عبارة عن مقارنة بين العلم والإنجيل والقرآن، وكان سلاحا فتاكا واجهنا به المتغربين حضاريا الذين وصلت بهم الدرجة إلى تجّنيهم على الإسلام.

    .

    يبدو أن الإدارة تغافلت عنكم أو لم تعد تمارس التضييق؟

    مع بداية الموسم الدراسي (سبتمبر 1977)، لأول مرة تفتح إدارة السجن الدراسة للابتدائي والمتوسط والثانوي، فسجلت سنة أولى ثانوي، وكان أول درس أخذته في الجغرافيا، ومن بين الكتب التي استعنت بها "تاريخ الجزائر" للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، من سوء حظي أنه في تلك الأمسية رحلوني من تازولت إلى البرواڤية، وقد تألمت لضياع مني فرصة إتمام الدراسة، وتوقف العمل مع المسجونين، وحصل أن باغتني الحارس برقمي، وقال لي: "خذ أغراضك بسرعة واتبعني"، لم يتركني حتى لتوديع من تكونت معهم رابطة أخوة وصداقة، أوصلني إلى الجناح المتكون من الزنزانات الخاصة وازدادت حيرتي أين هو متوجه بي، كما استغربت لسماع شخصين مسجونين يخططان لسرقة لوحة زيتية بإسبانيا.. فازداد تعجبي..

    قبل خروجي من الزنزانة جاءني رئيس المكتب فأخبرني بأن وجهتي نحو سجن البرواڤية، فوضع الحارس طرفا من الأغلال في يدي والطرف الثاني في يده، ثم أوصلونا إلى حافلة "سانتي في" كانت متوجهة من باتنة إلى العاصمة، للأمانة قبل صعودنا إلى الحافلة نزع الحارس الأغلال من يدي، ولما نزلنا في سور الغزلان شربنا قهوة، واشترى لي "سندويتش" ثم أخذنا حافلة أخرى من سور الغزلان إلى المدية، إلى أن وصلنا البرواڤية ثم توجهنا مشيا على الأقدام إلى السجن.

    .

    ما سبب تعامل الحارس معك بهذه الصورة؟ وهل فكرت في الهروب؟

    أولا، يعود ذلك لتعرف الإدارة علينا داخل السجن، وتأكدها من سلوكاتنا وتوجهاتنا، ثانيا: لا يمكن أن أعامل إنسانا عاملني بالحسنى بالإساءة، قد تؤدي به إلى السجن والطرد من العمل فقد أحسن إلى بعدم إحراجي، حتى لا ينظر إلي عامة الناس على أنني مجرم، ثم أنفق علي جزءا من ماله الخاص، وفي الحقيقة هذه السلوكات لا ينبغي الإساءة إليها ولا المتاجرة بها.

    .

    لقد كان تواجدكم بسجن البرواڤية تزامنا مع سجن جماعة الزبيري؟

    في ذلك قصة كادت أن تبقينا في السجن لفترة أطول، فبعد تازولت حُولنا إلى البرواڤية وهناك التقينا في قاعة واحدة، بالشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني ما عدا الأخوين محمد قراط ومحمد ڤندوزي (تازولت)، ودامت المدة 5 أشهر، وحددت المحاور الكبرى للعمل الدعوي والسياسي والاجتماعي، وحسبما بلغنا فإن النظام حاول التعرف علينا ولذلك السبب قام بتجميعنا، بعدما دس في وسطنا سجينا لمدة أسبوع، تزامنت تلك المرحلة مع زيارة السادات لإسرائيل، وتتبعنا الخطاب عن طريق المذياع وتألمنا لذلك.

    في عودتي إلى البرواقية للمرة الثانية، تزامنت وهروب ما يسمى بجماعة الرائد ملاح "الكومندو ملاح" والذي سجن على أساس المشاركة في محاولة الانقلاب الذي قاده الطاهر الزبيري سنة 1967، وحصل احتكاك عن قرب، ومن بينهم المعروف بـ"ملاغسو" وكان ينتمي لقوات التدخل السريع للأمن، والذي حاول اغتيال الرئيس الراحل بومدين، في قصر الشعب وقيل أن الرصاصة أصابت "موستاش" شارب الراحل، وللأسف الشدّيد مما سمعته من الرجل، فإن العقاب الذي ناله امتد حتى إلى أسرته، وهذا حال الأنظمة الشمولية. فتم هروبهم من السجن بمساعدة مسجون، وحاول الجناح المكلف بقضيتنا أن ينسب هروبهم إلى مساعدة مني ومن الشيخ بوسليماني، وقد استدعينا للتحقيق بإشراف نفس الشخص الذي أشرف على اعتقالنا سنة 1976، وللتاريخ عندما استدعيت إلى مكان استنطاقنا وجدت عصا وقارورة زجاج وحبل، فهمت الإشارة، بأنه إن لم تعترف ستحال على أشنع تعذيب في تلك اللحظات، وفي مساء ذلك اليوم، ألقي القبض على الرائد ملاح، واعترف بأن الهروب تم بتخطيطهم مع مساعدة سجين وأنه لا علاقة لنا بذلك، وبعدها بأيام سمعنا بالمساجين ينادوننا "يا ليفرار.. مبروك عليكم راكم خارجين.. الرئيس بومدين مات"، وقد عفى الرئيس الشاذلي بن جديد، رحمه الله، بمجرد اعتلائه سدة الحكم على الرئيس أحمد بن بلة، رحمه الله ثم على جماعة الرائد ملاح، وكنا نحن فيما بعد.

    في هذه الفترة - قبل أن أنال العفو- أحالوني على سجن تازولت مرة أخرى، ودامت المدة 10 أشهر ثم البرواڤية لمدة 3 أشهر، وهنا كلفت بمراقبة البريد الصادر والوارد للمساجين - كانت عملية مهمة وصعبة- صرت أطّلع على كيفية تفكير السجين ومعاملته لأقاربه، فأتألم أحيانا وأحيانا أضحك وأحيانا أسخر مما أقرأه وأحيانا أبكي، للأسف الملاحظة العامة أن جل ما يجري بين الأهل والمسجون بعيد عن القيم، يتركز على الدخان واللباس، وأحيانا على أمور ممنوعة، ونقطع الرسائل التي فيها إساءة بتفويض من الإدارة.

    .

    كيف منحتكم الإدارة ثقتها، وهل أبلغتم عن تجاوز مسجون بسبب كتاباته؟

    الثقة بنيت كنتيجة للتعامل معهم والتي ظهرت آثارها على المساجين، ولم يحصل أن أحلنا مسجونا على العقوبة فالرسائل التي كانت لا تتناسب مع ما يسمح به، وبتوصية من كاتب الضبط كنا نمزقها، والإدارة كانت في أمّس الحاجة لتخفيف الوضع.

    كنا نتهيأ للخروج - وجدت الأخ بوسليماني والبقية خرجوا(5 جويلية) قبل عودتي إلى البرواقية- وأول زيارة للشيخ بوسليماني رفقة الوالدة مع الزوجة (أوت 1979)، وفي هذه المرة استأذنت من أمي وزوجتي بالتفرغ كليا للشيخ بوسليماني، فكان الشيخ قام بمجهود نسأل الله أن يكتبه له في ميزان حسناته، لقد قام بمسح شامل في فترة صغيرة، وهذا يدل على أن عوامل العمل كانت قائمة وتحتاج لعملية تركيب، وهنا أزاح عنا الشيخ بوسليماني، كاهل التعامل مع الواقع بعد خروجنا، وقال "اطمئن الدعوة في الجزائر بخير، بعدما كانت أفرادا أصبحت منتشرة عبر القطر بكامله، وتشكلت خلايا كثيرة من الطلبة والمربين، والعمل المسجدي يقوم بالتوجيه والرعاية وباحتضان الشباب بدءا من الأطفال الصغار من سن الخامسة".

    .

    كيف وجدتم تنظيم الحركة الإسلامية بعد خروجكم من السجن؟

    بدأت بعض التوجهات الإسلامية تتشكل، وزودني بوسليماني بكتب ومجلات تتناسب مع مرحلة الدعوة المقبلة، وتوالت زيارات للحاج سليمان دهيري، وهو صهري رفقة العائلة، وتوطد العمل وتعمق مع جماعة قصر البخاري.

    نوفمبر 1979، كان خروجي من السجن، وتأخر إطلاق سراحي بسبب تأخر التلكس المتزامن مع أول نوفمبر، بستة أيام -كانت بمثابة سنوات على الوالدة التي ربطت التأخر بحادثة حصلت لها مع مدير سجن تازولت في ماي 1976 "قولي لابنك (بونواظر) يكف عن المشاكل"- وتزامن وصولي للمدنية مع صلاة العصر، وتوجهت إلى مسجد العتيق وأتعبت من شدّة الترحاب والعناق لشباب المدنية، وبشّر الأخ سليمان والأخ أحمد بوجمعة الوالدة بوصولي، وكانت فرحة الوالدة لا توصف بقولها "يا فرحي بوليدي".. حتى أغمي عليها، لم تتوقف زيارات الجيران للبيت لمدة أسبوعين ونفس الشيء من التهاني في المسجد والمدرسة.

    وحصل لقاءان مع الشيخ بوسليماني واستعرضنا العمل الجماعي أفقيا وعموديا، وكانت الجزائر تعج بالتوجهات جماعة عبد الله (جماعة الشرق)، جماعة الطلبة للجامعة المركزية، جماعة الدعوة والتبليغ، ونواة صغيرة لها توجه نحو حمل السلاح (الحركة الجهادية).

    أول لقاء كان مع مجموعة في العاصمة، وتعرفت فيما بعد على مجموعة مصطفى بويعلي، من خلال لقاءين أو ثلاثة كانت تعارفية تهدف إلى التنسيق لما شرعنا فيه، حيث اكتشفنا مجموعة مصطفى في آخر لقاء ببئر خادم، بأن لديهم ميل نوعا ما إلى العنف، فكان آخر لقاء على أن نبقى إخوة ونتعاون فيما يمكن، وبقيت لقاءات مجاملة لا أكثر.

    .

    هل كان مصطفى حاضرا؟

    نعم ببئر خادم في أخر لقاء، وحضر لقاءين اثنين على الأقل، لما أدركنا اختلاف التوجه، بقينا في إطار المجاملة. أعود إلى المدنية حيث شرعنا في لقاءات ماراطونية، تحول الكثير منها إلى أمور عملية بعد ذلك، كانت من بين المجموعات ما عرفت بمجموعة الحياد.

    .

    من قاد مجموعة الحياد؟

    الشيخ العربي النوي من باتنة، توفي رحمة الله عليه وعبد الحميد خزار، ومصطفى لونيسي وغيرهم، ومع جماعة الطلبة (البناء الحضاري)، بالإضافة إلى شخصيات وطنية وإسلامية غير منحازة أو مهيكلة.

    إلى أن جاءت أحداث المدنية1981، قبيل الحدث، كان بعض المتهورين من المدنية تابعين لنا من عوام الناس متعاطفين معنا سموا أنفسهم (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، كانوا يجوبون شارع المدنية وهناك - للأسف الشديد- يدّعون تأديب بعض من يعتدون على شهر رمضان في ذلك الوقت، حتى أن أحدهم حاول أن يضربني والكثير من أبناء المدنية يعرفونه ويعرفون الحادثة.

    .

    يقال أنكم كنتم تجلدون بعض المخالفين؟

    أبدا لم أكن كذلك، ولو حصل لما أخذت البراءة في جانفي 1987، وذلك كانت تقوم به تلك المجموعة المتهورة المتعاطفة التي تسببت لنا في مشاكل كبيرة مع الناس، وكادوا بتصرفاتهم هذه أن ينسفوا العمل الدعوي نهائيا، ففي إحدى الليالي جاءني أحد الجيران وناداني: "الشيخ بوجمعة أسرع ستقع كوارث بين الشرطة والشباب"، توجهت إلى عين المكان وسط المدنية بالساحة الرئيسية، والحادثة أن عائلة "نقاش" كان لديهم عرس أظن تم وضع شريط غنائي للمغني الذي يقال له "بلمو"، فتوجه الشباب إلى هذا المنزل لمطالبة أصحاب العرس بإيقاف الشريط، وأصحاب العرس استنجدوا بالشرطة، وكان هناك عدد كبير من الشباب ولما وصلت - كنت مدرسا في يوم الجمعة- ولما أمرتهم بالانسحاب ونهيتهم بصوت عال "هيا انصرفوا"، وكانت سيارات الشرطة متوافدة من كل جهة، وبمجرد أن نهيت الشباب انصرفوا غير أن الأمن لم يعجبه هذا التصرف، فلفقوا لي تهما ولغيري من الشباب وحكم علي بسنتين، واتهمت بأنني المحرك للأحداث، وإن كان هناك فضل في تفريق الشباب ومنع احتكاكهم بالأمن، فيعود للشيخ عبد اللطيف سلطاني مع ثلة من العلماء، ثم العصامية التي قد يعاب بها علي، والتي منعتني من مواصلة العمل مع مصطفى بويعلي، ومنعتني مرة أخرى من الاتصال بمصطفى، كما جعلتني واحدا ممن ساهموا في منع وقوع مكروه بين الجيش الوطني والشباب، في أحداث أكتوبر 1988، ورشحتني للعمل مع مجموعة السلم والمصالحة ودفعتني لكشف تجربتي للجيل الحالي والأجيال القادمة.

    والحمد لله أن المجلس الأعلى للقضاء، أبطل الحكم السنتين اللتين قضيتهما بسجني الحراش والشلف، وبهذا الأخير، تعرفت على مجموعة من الضباط ومسؤولين كبار لا يزالون في دواليب الحكم، سخرهم الله لي، وخففوا المتاعب على عائلتي، وكذا الأخ عبد الله والحاج حمو، وقد نلت البراءة في ذات القضية سنة 1987، حيث كان ذلك الحكم مضاعفا لمعاناتي ولأمي ولزوجتي.

    ..يتبع (أحداث الصومعة "بويعلي"، تنظيم الاخوان، أحداث 88)


    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    لو حصل الأمن على الدليل التنظيمي لكانت كارثة على الإخوان في الجزائر

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 13:52

    يكشف بوجمعة عياد أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر، في الحلقة الثامنة من حواره لـ"الشروق"، عن حجم المخاطر التي كانت ستنسف بتنظيم الإخوان في الجزائر، ويصف أطوار التعذيب الشديد الذي جعله يتمنى الموت بسبب مصطفى بويعلي على خلفية هجوم الصومعة، كما يتطرق إلى قضية الشيعة بالجزائر والكشافة الاسلامية.

    كيف كانت انعكاسات الثورة الإيرانية على الوضع في الجزائر مطلع الثمانينيات؟

    في البداية، كان الأثر الايجابي للثورة الإيرانية، مطلع الثمانينيات، على العالم الإسلامي عموما وعلى الجزائر بالخصوص، وتفاعل معها الشباب تفاعلا إيجابيا، إلا أن من كانوا، في ذلك الوقت، يمثلون الثورة الإيرانية في الجزائر، ظاهريا يبدو أنهم يدعون للإسلام وفي المضمون يدعون إلى مذهبهم.

    .

    هل حصل لك اتصال مع هؤلاء؟

    كان لهم أول اتصال مع جماعة المدنية، وكان بيننا وبينهم تنسيق حول أعمال دعوية، ممثلة في معرض قمنا به لأول مرة في الحي، يشمل الكتب الدينية والمجلات والصور، فجرى بيني وبين أحد المسؤولين، في ذلك الوقت حديث، فدعاني بذكاء إلى التشيع فأدركت مباشرة مبتغاه، فقلت له: "إني غير مستعد نهائيا إلى اعتناق أحد المذاهب السنية، فما بالك بالمذهب الشيعي، أعتقد أنه لا جدوى من ذلك"، ثم زارنا وفدا إيراني شارك في دورة لدول عدم الانحياز، انعقدت بالجزائر، سنة 1981، وتزامنت هذه الزيارة مع أحداث حماة (سوريا)، وكانت الدولة الإيرانية قد أعلنت تأييدها للثورة الايرلندية، فسألتهم: كيف تفسرون موقف الدولة الإيرانية والايرلندية، وسكوتهم عن مأساة سوريا بحماة وحلب، فقال لي رئيس الوفد بأن "للدولة الإيرانية مصالحَ"، وفي الوقت نفسه أعابت إيران على الجزائر موقفها المؤيد لدولة الاتحاد السوفياتي في احتلال أفغانستان. فقلت لهم: إذاً ترغبون في التعاون على نشر الدعوة الإسلامية، فأهلا وسهلا، أما إن كنتم ترغبون في نشر مذهبكم، فنحن مالكيون ولن نحيد عن ذلك أبدا.

    .

    هل كانوا إيرانيين أم جزائريين من كانوا يمثلون المذهب الشيعي؟

    طبعا كانوا جزائريين يعملون لدى السفارة الإيرانية، وتوقف تنسيقنا معهم، ولم نعرف نشاطهم فيما بعد، إن استمر أم لا.

    .

    هل هناك ثمة أنشطة في طور التأسيس في تلك الفترة؟

    من أهم الأنشطة التي شرعنا فيها في حي المدنية، هو افتكاك الكشافة من اتحاد الشبيبة الجزائرية "اينجيا" بحي الياسمين بالمدنية.

    .

    هل كنت مشاركا في التأسيس؟

    كنت مشرفا عليها والقيادات الأولى تعرف ذلك جيدا، منهم من هو موجود في القيادة حاليا ومنهم من استبعد.

    .

    قلت من استبعد..! فهل أنتم راضون عن أداء الكشافة حاليا؟

    عملها الآن تراجع كثيرا، وتحولت في الغالب إلى أداة للاسترزاق، والنشء ضحية ذلك.

    وهناك أيضا من غير الكشافة خلايا بدأت تتشكل ضمن أفواج طلابية بإشراف الشيخ السعيد مرسي، وكانت بمثابة الأرضية والنواة لتأسيس الاتحاد الطلابي الحر فيما بعد.

    .

    بحديثكم عن الطلبة، ماذا تستذكرون من أحداث الجامعة المركزية؟

    تزامنت أحداث الجامعة المركزية ونزولي بسجن الشلف، حيث اعتقل على أساسها الشيخ عباسي مدني وغيره من العلماء، فيما وضع الشيخ عبد اللطيف سلطاني تحت الإقامة الجبرية وكذلك الشيخ أحمد سحنون لكن إقامة جبرية دون إعلان، فجاء الأمر إلى إدارة السجن بتهيئة الزنزانات الخاصة للمحكوم عليهم بالإعدام، وجاءتني أمي في إحدى الزيارات، وقالت لي: "إن شاء الله، لا يطلقون سراحك، في هذه الأيام"، فقلت لها: لماذا؟ أجابتني "هناك أحداث كبيرة لو كنت في الخارج لحصل لك مكروه، فتذكرت قول الله تعالى: "عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، والتقيت آنذاك، سنة 1983، في السجن بالأستاذ علي يحيى عبد النور، ولما انتهت فترة السجن (سنتان)، نهاية 1983، مباشرة حاول مصطفى بويعلي الاتصال بي، عن طريق سليمان دهيري (صهري) فرفضت ذلك.

    .

    جاءت أحداث الصومعة، المعروفة بهجوم بويعلي على ثكنة الشرطة، فكيف كانت علاقة الإسلاميين بمصطفى؟ وعلاقتكم به خاصة؟

    في هذه الفترة وقع بداية تمرد لمصطفى بويعلي وكان معه أحمد مراح رحمة الله عليهما، وكان هذا الرجل (مراح) يميل إلى العنف، وكنت بناء على تجربتي وما أخذته من الشيوخ وفهمته من ديني أن العنف لا يؤدي إلا لما هو أعنف منه وفقا لما قاله لي الشيخ عبد اللطيف سلطاني في قضية محاولتي اغتيال الرئيس الراحل هواري بومدين، بالإضافة إلى توجيهات بقية العلماء من غير سلطاني، ولما حاول مصطفى الاتصال بي فرفضت، حتى سمعنا بأحداث الهجوم على ثكنة الشرطة بالصومعة - فاعتقلت آنذاك مع غيري من الإخوة - والإعلام حينها لم يتناول الأمر جيدا وتناول القضية بشكل محتشم، وقيل أن ثمة اغتيالا للحارس والاستيلاء على مجموعة من الأسلحة من المدرسة، ولم يحدث بتاتا أن التقيت بمصطفى، لأن الأمر في حد ذاته يسوده غموض كبير، ويرجع للسرية التي فرضت على الجميع ليس خيارا، وإنما أجبرت على ذلك ودفعت إلى ذلك دفعا والأنظمة في الغالب هي المتسببة، وقضية الصومعة وما اصطلح عليها بقضية بويعلي فإن التفاصيل الكاملة المتعلقة بها تبقى مجهولة، ربما هي بحوزة الأمن.

    .

    وماذا تعرف عن استعدادات بويعلي؟

    أعرف أنه في البداية مر على مرحلتين، أولا الشروع في تجميع بعض الأدوات ربما تدخل في صناعة القنابل التقليدية، وبقيت التحركات متمركزة في الوسط وأطراف العاصمة وربما وصل إلى منطقة الأربعاء وجزء من الأطلس البليدي، ثم جاء الهجوم على مدرسة الشرطة بالصومعة حسبما تم تداوله، فسلبوا بعض الأسلحة وعددها الله أعلم به، وقيل إن العملية أفضت إلى قتل شرطي، وبقي الأمن مدة يطارد فيهم إلى أن تخلص منهم واحدا واحدا، وبقي من شملهم العفو الرئاسي بعد أحداث 88، حينما شمل السياسيين.

    .

    ما هي دوافع بويعلي؟

    الدوافع نفسها التي دفعتنا، لكن نختلف فقط في الوسائل، ونفس المبررات التي دفعتنا إلا إننا نختلف في الأدوات.

    .

    هل قدمتم النصيحة لمصطفى؟

    لما خرجنا من السجن وجدناه ينشط، وحصل تنسيق بسيط واختلفنا، وبقيت العلاقة أخوية، حتى قبيل اشتداد الأمر، وذهبت إليه مع الشيخ عبد الهادي سايح، ليلا، ونصحناه بتجنب العنف بعدما التحق به بعض "الخاوة"، ممن كان تهورهم ظاهرا وبدأ يبرز للعيان، وقلنا له إن الاندفاع لا يؤدي إلى نتيجة، وكان يعطي دروسا بمسجد العاشور مع غيره ممن كانوا ينشطون في ذلك الوقت، وكان هناك نوع من الحدّة في الخطاب، ومعروف أن من ينتقد السلطة بحدّة يلتف حوله الناس، لكن يبقى الرجل فاضلا وصاحب كلمة ومتخلقا، ملتزما بالإسلام، إلا أن الملابسات التي أثيرت حول هذا الموضوع، وما ترتب عليها من ضغط ربما دفع مصطفى - رحمة الله عليه - إلى الاتجاه الذي كانت نتيجته معروفة للأسف الشدّيد.

    .

    أخو بويعلي يقول إنه (مصطفى) أطلق رصاصة واحدة فقط منذ صعوده الجبل؟

    هذا الكلام سمعته من مصادر متعددة، وحتى قطعة السلاح التي كانت بحوزته آثار الصدإ كانت بادية عليها منذ مدة، وربما من عهد الثورة الجزائرية.

    .

    هل كان يحمل سلاحا ظاهرا للعيان؟

    نعم.. وللأسف هذه المأساة استمرت، في غياب العنصر الثالث الداعي إلى الصلح وهو غائب في الجزائر، والمنحاز لا يمكن أن يقوم بوساطة أو صلح بين متخاصمين، وحتى السلطة لم تسمح بتأسيس هذا العنصر المهم والحيوي في حياة الأمم، وجعلت من المجتمع الجزائري "من ليس هو معي فهو عدوي". في حين أن القرآن الكريم يفصل في الأمر بقول اله تعالى: »وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله..«

    .

    كيف تم اعتقالك؟

    باغتني الأمن في منزلي واعتقلني بعد تفتيش المنزل، وأخذوني إلى محافظة الشرطة "كافينياك" قبالة البريد المركزي، فجاءني ضابط بلباس مدني، وقال لي "اُكتب"، قلت "ماذا أكتب"، رد علي "ما بدا لك"، عاد إلي مرة ثانية، فقال: "اكتب"، أجبته: "اسأل أجيبك"، ثم عاد للمرة الثالثة، فلم يجد شيئا مكتوبا على الورقة، فأمر بإنزالي إلى مكان التعذيب في الطابق تحت الأرضي، فقيدوني بهرواة تحت ركبتي وربطوا يدي برجلي جالسا، ووضعوا شريط قماش على عيني، وبدؤوا بغرغرة الماء، وكلما تحركت إلا وازداد تدفق الماء إلى بطني، وهو يدخل من الفم والأنف وليته كان ماء.. كان ماء ملوثا جدا لدرجة أنهم وضعوا منشفة على فمي كي لا تمر الأشياء الصلبة.. تارة ماء وتارة ضربا على رجلي حتى انتفختا وصرت لا أحس بالضرب، فتمنيت الموت، وقلت: "يا ربّ.. الموت، ليس أشد ألما من العذاب، وإنما حتى لا يتوسع العذاب إلى بقية الإخوة"، وبقيت على هذا الحال مدة لا أدري كم تقدر، إلا أنني لا أدري كيف رأيت بياضا تحرك أمامي، وأبعد المجموعة التي كانت تشرف على تعذيبي، ولم أتأكد إن كان هذا الرجل هو من نزع الشريط على عيني والمنشفة من فمي والسلاسل من يدي.. (.. لم يتمالك بوجمعة نفسه لشدّة تأثره بالمشهد بعدما عايشه مرة ثانية وسرده لنا بكل تفاصيله.. يتوقف التسجيل لدقائق.. يستغفر الله ثم يعود)، ويقول: حينما أتذكر المشهد تنقطع أنفاسي ولا أقوى على تخيل شدّة العذاب الذي سلط عليّ، ثم يضيف (ليس سهلا يا بلقاسم).

    أحسست أنني تسببت في متاعب كثيرة لأمي وزوجتي، حتى تمنيت لو أنني لم تزوجت، لقد أتعبت زوجتي كثيرا في حياتي.. (.. يتوقف التسجيل مرة ثانية..).

    وجدت لباسي مبللا وقدمي لا تقويان على حملي، في تلك اللحظة وجدت شرطيا يتناول وجبة خفيفة، وكان حارسا عليّ، فاستأذنته للصلاة مع تحديد وجهة القبلة، فقال لي: "أتصلي وأنت في هذه الحالة"، أجبته "نعم"، فعرض عليّ شيئا مما يأكله، فقلت له: "يا بني أسناني التحمت فيما بينها ولا أستطيع الأكل"، آنذاك أخذوني إلى محافظة الشرطة بالرويسو (حسين داي) ورموني في إحدى الزنزانات، وبمجرد أن وضعت جسمي على البلاط نمت حتى الصباح، حتى سمعت المفاتيح تصدر صوتا مؤلما، وكانت المفاتيح نفسها أداة من أدوات التعذيب، وأعادوني إلى كافينياك ومرة أخرى، يبدأ التحقيق معي من جديد، ولما انتهوا من التحقيق الأولي أدخلوني إحدى الزنزانات، فيها أنبوب للماء يصب مباشرة في فوهة المرحاض، فنأخذ الماء للشرب والوضوء من بين تلك الروائح الكريهة، وبقيت أربعة أيام بلياليها لا أتناول الأكل، فكانت هناك قطعة خبز موجودة مع الحشرات، وبعد صراع مع نفسي قررت أكلها.

    وقبيل اعتقالي كنا قد شرعنا (المكتب التنفيذي) في تبييض بعض البنود تحت عنوان الدليل التنظيمي بقيادة الشيخ محفوظ نحناح، فبيضنا نسختين؛ واحدة لدى الشيخ بوسليماني والأخرى بحوزتي، ففي اليوم الذي اعتقلوني فيه، كنت صباحا قد سلمت تلك الوثيقة (الدليل) إلى ابنة أخي، أمرتها بإيصالها إلى شخص هو أخو زوجتي، وأثناء التعذيب لأول مرة أسمع صوت امرأة تتعذب ولم أكن أعلم أهو حقيقة أم شريط مسجل، وكان أحد المعذبين يصرخ وخيّل إلي أنه صهري وسيكشف الأمر، وكان ذلك الشخص ثابتا إلى درجة التحدي، غير أنني قررت أن أنادي الحارس وأقول له اتركوه وأعطيكم كل ما تريدون، نتيجة التعذيب الذي نال ذلك الشخص، وأنا على هذا الحال، مشيت إلى الباب وكأن بشخص أتاني وقال لي: "الرجل ثابت وصابر، فلماذا تريد الاعتراف.. فانتبهت وتراجعت عن ذلك، وأدركت أن الله تعالى لطف بنا، فلو وقع الدليل التنظيمي بين يدي الأمن لكانت كارثة على الإخوان في الجزائر لا يعلم حجمها إلا الله تعالى.

    .

    لماذا؟ هل ذكرت فيه الأسماء؟

    لقد كانت فيه الخرائط التنظيمية والمصطلحات والأفراد المشرفون على العمل، وكانوا غير معروفين لدى الأمن، وهي بداية التنظيم الرسمي وطلائعه في تلك الفترة.

    بقي الحال على ذلك 10 أيام، وكان الاستنطاق يومين، قال لي المحافظ: "إما وإما.. كرهناك وكرهتنا، إما تعترف وإما نشرع مجددا من الصفر".

    .

    ما سبب إنكارك؟ كان يمكنك القول: "لقد حاول بويعلي الاتصال بي فقط"

    لو اعترفت في البداية فلن يصدقوني اعتقادا أن ثمة معلومات أخرى يجب الوصول إليها، ويشتد العذاب أكثر، فكلما قلت الأجوبة وكانت غير مولدة للأسئلة، كان الوقت لصالح المعذب، للعلم فإن الذي ينساق مع الأسئلة ظنا أنه سوف يحصل على التخفيف فهو العكس.

    والحقيقة صمّمت على الإنكار، فأعطى الضابط الإشارة لجلب الحاج سليمان، فجاؤوا به معذبا، فآلمني وضعه، فاعترفت وقلت له: "فعلا حاول الاتصال"، فقال لي بتعجب: "لماذا اخترت الطريق المؤلم طوال هذه المدة دون الاعتراف، فقلت له: "الاعتراف قد يعرضني إلى الخطر الذي قد يصدر من مصطفى، وأعد في نظره خائنا"، فقال لي: "والدولة ألم تحسب لها حسابا"، فأجبته: "الدولة في نهاية المطاف تدرك أنني شخص بسيط وتقدر ضعفي وموقفي"، وهنا سكت الضابط وأمر بقفل المحضر نهائيا.

    بعدها قرروا إحالتنا على العدالة وتوجهوا بنا إلى المحافظة الرئيسية بالعاصمة، وفي إحدى أروقتها التقيت بالمحافظ الذي اعتقلني سنة1981، وأحالني حينها على العدالة، فقال لي: "كنت مدركا ذلك الوقت أنك مظلوم، لكن ما باليد حيلة وأشار إلي إشارة بيده، مصحوبة بقوله "هذه بتلك"، وأمر من رافقونا من أعوان الشرطة: "أعيدوهم إلى كفينياك"، وأطلق سراحنا.

    وقد استدعاني رئيس أمن العاصمة للشرطة، الحاج صدوق، على الساعة الواحدة ليلا، وتوجهت إلى مقر المحافظة، وقال لي: "إن أردت أن تتابع من عذبوك قضائيا فلك ذلك"، وفهمت من ذلك أنه اعتذار، ومن تلك اللحظة، وقبل أن يتم توقيف مصطفى، صارت المراقبة لا تفارقني ليلا ونهارا.

    .

    يشاع أن الشيخ نحناح تواطأ مع الأمن في اغتيال مصطفى بويعلي؟

    أنت قلت يشاع، ونحن نقول البينة على من ادعى، فمن يملك حقائق حول هذا الإشكال الخطير، ما عليه إلا بالإفصاح وينتهي الأمر.

    .

    ويقال إنه كان متوجها إلى الشيخ نحناح؟

    هذه تضاف إلى الأولى، ومن لديه تفاصيل ما عليه إلا نشرها، مع أن الاغتيال تم مدخل مدينة الأربعاء الطريق رقم 1 الوطني، وقد يفهم بأنني أدافع عن الشيخ محفوظ، فأنا لا أدافع عنه، وإنما أريد الحقيقة، إن كان هناك ما يثبت ما يروج له، فليعلن عنه وانتهى الأمر.

    .

    تنبيه

    تلبية للاتصالات الواردة من القراء والمتابعين للحلقات وعبر مختلف الردود والمكالمات الهاتفية، والذين طالبوني بأن أصفح عمن أساء إليّ، انسجاما والتزاما مع مدرسة الاعتدال والوسطية التي أنتمي أليها واحتراما وتبجيلا للشيوخ الذين تركوا في الأثر الطيب، أعلن عن مسامحتي للدركي الذي ضربني أثناء الصلاة، فإني قد عفوت عنه في حقي، حيا أو ميتا.

    وكذلك الأخ عبد الرحمن سعيدي، رئيس مجلس الشورى لحركة مجتمع السلم، فقد أغلظت في الرد عليه لما ورد منه، وأطلب منه أن يسامحني، أما أنا، فقد سامحته، والله شهيد على ذلك.

    بوجمعة عياد

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    عياد: اللاءات الثلاثة لعباسي لقطع الطريق على نحناح

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 13:55


    يكشف بوجمعة عياد أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر ورفيق درب الراحل الشيخ محفوظ نحناح، في الحلقة التاسعة، عن خبايا الصراع بين الشيخ جاب الله والشيخ نحناح، بسبب "زعامة" الإخوان في الجزائر، وقيام عباسي مدني بقطع الطريق أمام الإخوان حفاظا على زعامته على "الفيس"، كما يتأسف عياد في حواره لـ"الشروق" عن حصول اختراق لحركة "حماس" بواسطة الطابور الخامس.

    .

    في فترة بقاء الشيخ نحناح في السجن، هل تولى بوسليماني قيادة النشاط؟

    بدأ الشيخ بوسليماني ينسق العمل الذي كان موجودا، مع من كانوا في ذلك الوقت، ثلاثة أشهر قبل خروجي من السجن وسنة واحدة قبل خروج الشيخ محفوظ، تحضيرا لعملية التركيب التي جاءت فيما بعد.

    .

    هل كنتم تُطلعون نحناح عن قضايا الشيعة والعمل الدعوي والتنيظيمي؟

    كل الأعمال التي تمت كانت بالتنسيق مع الشيخ محفوظ، حسبما تسمح به الظروف والرقابة المفروضة علينا كزائرين لمسجون، ومن أهم ما كنا نطلعه عليه، العمل الدعوي بصفة عامة حينما كان الشيخ محفوظ لا يزال في سجن الشلف، وحصل أنه في أحد اللقاءات ببيت الشيخ بوسليماني كان هناك محمد كرار، مصطفى بوعلام، عبد الكريم رايس، الشيخ السعيد مرسي، الشيخ جاب الله والمتحدث، وجدنا هناك عملا تنسيقيا بين جاب الله وبوسليماني، وحسبما أخبرني، هذا الأخير، فإن العمل بالشرق كان موجودا بقيادة الشيخ جاب الله، ومن المآخذ التي سجلها جاب الله على الشيخ محفوظ أنه التحق بالإخوان بمفرده دون مشاركة الآخرين، ونفى بوسليماني نفيا قاطعا ذلك، وقال: "الأمر لم يوجد بتاتا والأحياء موجودون للشهادة"، وأضاف: "في الزيارة المقبلة للشيخ محفوظ سأسأله إن كان قد التحق فعلا بالإخوان، وإن كان ذلك قد حصل فإنني سأنفصل"، وهذه شهادة للتاريخ، لا أريد بها إلا وجه الله.

    وقد توجه الشيخ بوسليماني بعد اللقاء، بيوم أو يومين، إلى السجن لزيارة الشيخ محفوظ، وأطلعه عما جرى من حديث بيننا وبين الشيخ عبد الله جاب الله.

    .

    أفهم من كلامكم أن الخيوط الأولى لتنظيم الإخوان بدأت تنسج؟

    بدايتها كانت قبل خروجنا من السجن بكثير، وازدادت بعد خروجنا، وأخذت البعد التنظيمي بطابعه الرسمي جغرافيا وبشريا، سنة 1984، فأصبح للجماعة مكتب سري يشرف على العمل الإخواني في الجزائر بقيادة الشيخ محفوظ.

    .

    أستوقفك هنا، فهذا يؤكد كلام الشيخ جاب الله بوجود مبادرة فردية؟

    المشكل في الجزائر مشكل زعامات، ولو وجد مفهوم التداول على القيادة، ولو ثمة تداول فعلي وعملي لاختفت الخلافات، وللتنظيم الدولي للإخوان القسط الأوفر في تثبيت هذا الصراع.

    أعود للحديث عن تفاصيل العمل السري، فقد كانت لقاءاته أسبوعية دائمة واستثنائية حسب الحاجة، دفعنا إلى ذلك الانتشار الكبير عبر القطر مع المشاكل التي بدأت تظهر هنا وهناك، فاضططرنا إلى تنظيم أمورنا، دون أن ننسى العمل والتنسيق مع الجماعات التي كانت تنشط آنذاك.

    .

    هل كانت لقاءاتكم في المكتب التنفيذي تتم دون اختلافات؟ وبأمر شورى؟

    بالعكس، كنا نختلف إلى درجة الحدّة ورفع الصوت، لكن عندما ننتهي من النقاش تنتهي تلك الاختلافات مع الانتهاء من الموضوع، وجل القرارات كانت تأخذ وفق مبدإ الشورى أما القرارات الفردية في غالبها كانت تجلب لنا مشاكل.

    .

    وهل كانت هناك قرارات فردية؟

    نعم كانت هناك قرارات فردية، والبشر هم بشر يصيبون أحيانا ويخطئون تارة أخرى.

    .

    ذكرت التنسيق مع الجماعات، فمن هي؟

    تم الاتفاق بيننا وبين الأخ عبد الله جاب الله (ما بين سنتي 1985 و1986) على تشكيل لجنتين من الطرفين تخوض فيما يقرب الجماعتين من بعضهم البعض، وكانت لقاءات لا أتذكر عددها، وفي تقديري لا تقل عن ثلاث لقاءات، ولم يكتب لها النجاح لتصلب الطرفين، وكانت محاولة أخرى ثالثة، سنة 1987، هذه المرة توسعت حيث شملت الحياد وكذلك الشيخ عباسي مدني، والشيخ جاب الله، والشيخ محفوظ، وكان الاتفاق على أن يكون اللقاء مع تنظيم الإخوان بمكة المكرمة، خلال تأدية مناسك الحج، وباء اللقاء بالفشل مجددا، ثم قامت محاولة أخرى، وتم الاتفاق على أن يتم اللقاء في بيتي، سنة 1989، غير أن الشيخ محفوظ تأخر عن اللقاء، وكان هذا سببا في تعكير الجو وباءت العملية بالفشل.

    مرة أخرى، وسنة 1990، عملت على تلطيف الأجواء بين الإخوان في الجزائر والشيخ جاب الله وجماعته، واتفقنا على أن يتم التلاحم بقيادة المرشد العام للإخوان المسلمين الأسبق، الشيخ مصطفى مشهور، وكان الاعتراض من جماعة الشرق التابعة للإخوان، وباءت العملية بالفشل مرة أخرى.

    .

    لماذا هذا الفشل؟ وهذه الصلابة في المواقف؟

    سبب الفشل يعود إلى الزعامات، بالدرجة الأولى، فلم يكن حوارا من أجل تجميع صفوف الإسلاميين، وإنما كان تحت ضغط المطلب القاعدي، وهذا ظاهره، أما باطنه فكان يسعى إلى تذويب الآخر في الأنا.

    والسبب الثاني، الصراع على من يقود التيار الإسلامي وكان للتنظيم الدولي القسط الأكبر في إذكاء الصراع في غياب الوضوح بشأن الصلاحيات والمهام والحقوق والواجبات صعودا ونزولا، ومن يحق له التمثيل في الجزائر.

    حاولت رابطة الدعوة الإسلامية تذليل العقبات التي حالت دون تجميع القوى الإسلامية، إلا أن تصلب الزعامات كان أعتى من رغبة الرابطة بقيادة الشيخ أحمد سحنون رحمه الله، أضافت أحداث أكتوبر 1988، للصراع الحاصل، صراعات جديدة.

    .

    ما هي مسببات أحداث أكتوبر برأيكم؟

    بعض مؤشرات الانفجار المؤدي لأحداث أكتوبر 1988، تكمن في أن الصراع داخل الأفلان كان موجودا، لكن هذه المرة طفا إلى السطح، والمؤشر الثاني سببه تراجع سعر البترول وما ترتب عليه من سلبيات على الحياة اليومية للمواطن، وكذا انتشار المد الإسلامي عموما والإخواني على وجه الخصوص، والأهم من الأحداث هو إجهاض العمل الإسلامي وهو ما تم فيما بعد، دون أن ننسى الصراع الجهوي، هي بعض المؤشرات التي عجلت بالانفجار الاجتماعي ظاهريا ولكن عمقه سياسيٌ، للعلم فإن الاسلاميين لم يكونوا وراءه.

    .

    أين كان تموقع الإسلاميين قبيل وساعة الأحداث؟

    الإسلاميون موجودون على مستوى الأحياء والجامعات والثانويات، لكن الأحداث أربكت الجميع، الكثير منهم من تحول إلى رجال مطافئ كالرابطة الإسلامية ومنهم من حاول ركوب الموجة، كعباسي مدني ومن معه.

    .

    الإسلاميون لم يكونوا وراء الأحداث، فكيف ركب عباسي مدني الموجة؟

    في الحقيقة، الأحداث بدأت باحتجاجات في العاصمة ثم امتدت للقطر الجزائري، وطالت الاحتجاجات الممتلكات العامة وبعض المؤسسات الخاصة، للأسف الشديد، والعجيب أن الأمن اختفى كليا من الساحة، والشعوب في تمردها كالمارد، البداية تعرف والنهاية يصعب التحكم فيها.. الشيخ عباسي اغتنم فرصة هذا الجو المتلاطم، بعدما فرض عليه الحصار من كل جانب مع أن الخطاب الإسلامي كان هو البارز والمسموع والمتابع بسهولة، ودعا إلى مواجهة الجيش الوطني، وحرض الشباب على مواجهة الدبابات بصدور عارية، وكان لرابطة الدعوة الإسلامية موقف حاسم تجاه هذا التصرف، وقد أذعن عباسي لموقف الرابطة بعدم تأجيج وتصعيد المواجهة مع الجيش، مع أن احتكاكات حصلت بباب الوادي بالعاصمة ما بين الجيش والمتظاهرين، وسقط فيها قتلى وكان بداية لمؤشر ينذر بالخطر.

    ثم قام عباسي مدني وأتباعه، بأعداد كبيرة من الشباب، بالدخول في مواجهة مع الجيش ببلكور، وكان لرابطة الدعوة الإسلامية بإشراف الشيخ أحمد سحنون رحمه الله، موقف مانع لاحتكاك الشباب بأفراد الجيش، وإني أحمد الله على ذلك، ورحمة الله على من لحق بالرفيق الأعلى وجزى الله من بقي حيا، ممن وقفوا هذا الموقف.

    .

    متى وجدت الرابطة؟ وما هي الدوافع لذلك؟

    كان من الأهداف والدوافع لتأسيس رابطة الدعوة الإسلامية اختفاء المرجعية من حياة الجزائريين والفراغ الذي نتج عن ذلك، الاحتكاكات التي ظهرت وهناك بين الإسلاميين، والتي كانت تنذر بالخطر، ظهور أشباه العلماء، ضرورة توحيد الإسلاميين لمواجهة التحديات التي كانت موجودة آنذاك، الخوف على ضياع الرصيد بضياع من تبقى من جمعية العلماء المسلمين.

    والرابطة تأسست قبل أن يعلن عنها بكثير، حيث شرعت في عملها سنة 1986، ومن أهدافها تجميع صف الإسلاميين والحد من الاحتكاك بينهم، الاعتناء بالشباب وتوجيهه التوجيه الصحيح، وكانت تسعى إلى إيجاد منابر لتوجيه الأمة، وكذلك التقليل من حدّة الاحتكاك ما بين السلطة والشباب، من خلال منع مظاهر التدين على غرار الالتحاء.. وغيرها.

    ومن أهدافها أيضا، تحديد رؤية الأهلة خاصة في شهر رمضان رأبا للتصدع الذي نتج عن ذلك، حيث تجد في الأسرة الواحد الصائم والمفطر. وقد حققت الرابطة جزءا كبيرا من هذه الأهداف، وفشلت في البعض الآخر نتيجة تصلب الكثير من الزعامات التي كانت تقود العمل الإسلامي.

    .

    وماذا عن القناعات الراسخة لدى بعض قيادات الحزب المحل بأن الرابطة كانت نواة لـ "الفيس"؟

    الرابطة كانت موجودة قبل الأحزاب جميعا، بل هي كانت تعمل لصالح الجميع وكانت تتشكل من شخصيات تشرف على أحزاب ولا يمكن للرابطة أن تتحول إلى نواة لأي كان، وقد تصلح هذه الكلمة للمغالطة فقط، لا أكثر.

    .

    ما سر الخلاف بينكم وبين عباسي، رغم أن المؤشرات انذاك كانت توحي بوشك التحاقكم بالجبهة الإسلامية للإنقاذ؟

    سعيا إلى التقليل من خطورة الاحتكاك الذي نتج عن الزخم الشعبي الذي كان آنذاك، اتفقنا على تشكيل لجنة من الطرفين، أي ما بين الجبهة الإسلامية (الشيخ بن عزوز زبدة، والداعية أحمد كرار (والإخوان) الشيخ محمد بوسليماني والشيخ السعيد مرسي وبوجمعة عياد)، وعملنا سويا في أكثر من لقاء، وكان آخر لقاء ببيت الشيخ بوسليماني، وكنا مفوضين في اتخاذ القرارات وقد توصلنا إلى توحيد المجهودات سياسيا، حتى لا تعود الاحتكاكات مرة أخرى، فاعتذر الوفد الممثل لجبهة الإنقاذ بحجة أن بعض من القيادات الإسلامية للجبهة كانت موجودة بالحج، آنذاك، وقد اتفقنا لكي يكون الإعلان المتفق عليه، في اللقاء القادم عندما نلتقي برابطة الدعوة الإسلامية وبحضور كل الأعضاء للرابطة، وإذا بالشيخ عباسي مدني يفاجئنا بلهجة حادة، وبصوت مرتفع قائلا: "الالتحاق لا يسمح به إلا إذا كان فرديا"، مضيفا "ولا يسمح لكم بالتكتل داخل الجبهة، ولا يسمح لكم بالتربية إلا على غرار برامج الجبهة".

    .

    معناه أن عباسي أراد قطع الطريق أمام الإخوان؟

    فهمنا مغزى التوجه، وقد تزامن ذلك مع التحاق جماعة البناء الحضاري (الجزأرة)، ربما كان هذا سببا أساسيا ودافعا من الدوافع التي جعلت عباسي يواجهنا بهذه الحدّة، وهو استنتاج شخصي من وجهة رأي.

    حاولنا مرة أخرى بيننا وبين عدد كبير من أعضاء مجلس الشورى للجبهة الإسلامية، يفوق عددهم الأربعين شخصا وعددا من الإخوان، بإشراف الشيخ بوسليماني، وكان آخر لقاء ببيتي، في شهر رمضان، قبيل اعتصام الجبهة، فتوقف اللقاء على إثر ذلك مباشرة، والعناصر التي شاركت في اللقاء من الإخوان وأعضاء من الجبهة لازالوا أحياء.

    .

    كيف تفاعل الإخوان مع أحداث أكتوبر88؟

    بالعودة إلى الإخوان، فإن أحداث أكتوبر 88، دفعت بتنظيم الإخوان في الجزائر بالخروج من السرية إلى العلنية تدريجيا، مع أخذ الحيطة والحذر من التحولات المفاجئة، وكذلك من بطش السلطة مما جعل هذا الخروج بالتدريج يقتصر بالدرجة الأولى على الرمزية، ومعناه خروج الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني وعبد الحميد مداود والشيخ السعيد مرسي، بوجمعة عياد، عبد الهادي سايح والبقية من بعض المتعاطفين، من خلال تأسيس جمعية الإرشاد والإصلاح، ولم يظهر البقية حفاظا على سرية التنظيم وهياكل الجماعة.

    وكانت من بين الإجراءات الأولية إعادة ترتيب مؤسسات الجماعة بدءا بالمؤتمر التمهيدي الذي كان على شكل دورة تقيمية داخلية، والخروج بقرارات، أولها: الإسراع في إتمام مؤسسات الجماعة، أي إعداد اللوائح التنظيمية المتمثلة في: تحديد الصلاحيات والمهام، بكل وضوح ودقة، ما بين المؤسسات والجماعة صعودا ونزولا، ما بين الفروع والأجنحة فيما بينها وبين الجماعة، كالعمل النسوي والطلبة والكشافة.

    الشروع في هيكلة العمل على مستوى القطر، والشروع في تأسيس حزب سياسي رسميا، علما أن السياسة كنا نمارسها من قبل بكثير، تدعيم المكتب التنفيذي السري بعناصر من الجهات: العاصمة، شرق العاصمة، غرب العاصمة، الشرق الجزائري، الجنوب، الغرب الجزائري.

    وبعد التحاق هذه المجموعات بالمكتب التنفيذي بدأ يتشكل توجه جديد داخل الجماعة، مثلا حصلت بعض التصرفات الغريبة، يطالبوننا بما صرفوه أثناء توجههم إلى العاصمة، بعدما كان العمل تطوعيا، وعلى حساب أبناء الجماعة، وللأسف بعض العناصر من هذا الصنف، صار منهم بعد ذلك، الوزير والنائب بالبرلمان، والسيناتور.

    .

    معناه أن هؤلاء دخلاء على الحركة؟

    في هذه المرحلة تم اختراق الجماعة اختراقا خطيرا من أصحاب المال، ومن بعض من كانوا في مفاصل السلطة، كان لهم الأثر البارز في ترويض من كان لديه استعداد لذلك، بل امتد تأثيرهم إلى قرارات الجماعة، كالتضييق ومحاصرة من لم يصعب عليهم ترويضه تارة بالتشويه وتارة بـ"حفر الخنادق" بين رموز الجماعة، ووجدوا من ساعدهم على ذلك من بعض من التحقوا بالمكتب التنفيذي، وشكلوا طابورا خطيرا أصبح ينشر سمومه، إلى حد "الحفر" بين الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني، وكل من يتوسم فيهم بأنهم يشكلون خطرا على وجودهم داخل المكتب التنفيذي.

    .

    إلى أي حد أضر هذا الطابور بالحزب؟

    صار لهذا الطابور المتشكل من الانتهازيين والوصوليين الأثر البالغ في توجيه الحزب وإصدار قراراته المؤيدة للسلطة بعيدا عن مؤسسات الجماعة، كبيع حاسي مسعود أو رهنه، تعميق الضغائن بين أبناء الجماعة إلى درجة تهديدهم وتهديد أسرهم، بل طال تهديدهم حتى أمي، وقالوا لها "وليدك راه تجاوز الخطوط الحمراء"، تشويه بعض من أسسوا العمل بتضحيات لا يعلم حجمها إلا الله، تارة بالافتراء إلى حد البهتان، وتارة بالقذف، هذا الطابور هو الذي شوه الشيخ محفوظ، طبعا بمقابل، وكل الناس يعرفون المقابل الذي أخذه هؤلاء.

    .

    ما هو ذلك المقابل؟

    بمقابل معروف، ولا يزالون يستزقون به ويتخفون من وراءه، والمجتمع يعرف جيدا هؤلاء الناس كيف كانوا وكيف أصبحوا، كما كان لهذا الطابور البصمات الواضحة أثناء الدعوة إلى الاستفتاء على الدستور، سنة 1988، بالمطالبة بتأييده مستندين زورا وبهتانا إلى دعم الشيخين سحنون والمكي مع تزوير إمضائهما، مما أحدث شرخا بيننا وبين الشيخين، وآثاره السيئة ستبقى إلى يوم الدين، ونحن بُرءاء منه، حيث أن الشيخ سحنون والشيخ المكي لم يستشارا في الأمر لا من قريب ولا من بعيد، ولم يمنحا موافقتهما على ذلك ولا علم لهما به على الإطلاق، وهو بهتان.. وهي حادثة تشبه ذلك الذي عاد إلى واقعة قطع أعمدة الهاتف مخالفا لتعليمات الشيخ محفوظ، سنة 1976. وهو الطابور الذي أصدر بيانا يدعو فيه أمريكا إلى "احتلال" الجزائر، أي استبدال فرنسا بأمريكا، وكأن هموم فرنسا لم تكفنا والتي لازلنا نعاني منها ومن بقاياها إلى اليوم، لتضاف لها أمريكا وما تحمله من قيم متمثلة في إبادة الشعوب.

    .

    هل يصح أن نصف هذا الطابور بالطابور الخامس؟

    نعم.. (يتحسر بوجمعة.. عما آل إليه الوضع بعد التضحيات التي عاشها المؤسسون سنوات السبعينيات وعمرهم الذي أفنوه في السجون).

    .

    المكتب التنفيذي السري لحركة المجتمع الإسلامي "حماس":

    1 - محفوظ نحناح

    2 - محمد بوسليماني

    3 - عبد الحميد مداود

    4 - مصطفى بلمهدي

    5 - سعيد مرسي

    6 - عبد الهادي سايح

    7 - سليمان دهيري

    8 - بوجمعة عياد

    9 - عبد القادر (من بئر خادم) حضر لقاءين أو ثلاثة وغاب عن بقية اللقاءات ولم يواصل.

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    السلطة دفعت الفيس إلى مربع التوريط لإيجاد مبررات حله

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 13:59

    يفصل بوجمعة عياد أحد مؤسسي الحركة الإسلامية في الجزائر وقائع أحداث وقف المسار الانتخابي مبرراته وظروفه، كما يكشف رفيق درب الشيخ محفوظ في الحلقة العاشرة من حواره مع "الشروق" عن تفاصيل آخر لقاء مع نحناح على فراش الموت، وموانع المصالحة التي فرضها "الطابور".

    .

    ما هي أسباب الاعتصام والإضراب السياسي الذي تبناه الفيس؟

    الاعتصام جاء نتيجة ضغوط داخلية وأخرى خارجية على قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وسلطت تلك الضغوط في إطار مخطط لجر الجبهة إلى مربع التوريط.

    .

    ماذا تقصد بالضغوط؟

    داخليا، هناك مراجعات تبناها من تأسست بهم الجبهة الإسلامية والذين التحقوا بهم أثناء المسيرة، بدؤوا يتذمرون من توجه الجبهة بتكتلهم داخل الحزب والمطالبة بإعادة النظر في خط الجبهة قيادة وتوجها. كما حصلت بداية التنسيق مع التيارات الأخرى وأذكر واقعتين؛ الأولى: تشكلت لجنة بيننا وبينهم، أعضاؤها عن الجبهة الشيخ زبدة عزوز ومحمد كرار ومن الإخوان الشيخ بوسليماني وسعيد مرسي وبوجمعة عياد، وقد توصلنا إلى اتفاق وتحدد تاريخ الإعلان عن التوافق بيننا وبينهم أثناء لقاء الرابطة القادم، بحضور كل أعضائها ففاجأنا الشيخ عباسي بلهجة حادة وصوت مرتفع بأن "الالتحاق لن يكون إلا فرديا ولا يسمح لكم بالتكتل داخل الجبهة ولا يسمح لكم ببرامج إلا ببرامج الجبهة"، اكتشفنا من بعد أن قيادة البناء الحضاري قررت الالتحاق بالجبهة الإسلامية، ويبدو لي أن هذا سبب ودافع من الدوافع لمواجهتنا بتلك الحدة، بالإضافة إلى لقاء ثاني باء بالفشل.

    ومن العوامل الخارجية أن السلطة دفعت بالجبهة نحو التصعيد، ليصبح لديها المبرر القوي لمحاصرتها في وقت لاحق، تمهيدا إلى حلها أو اعتقال قياداتها.

    .

    ومن هذا نستتنج أن قيادة "الإنقاذ" لجأت للاعتصام هروبا بالجبهة؟

    في نظري أن الجبهة لجأت إلى التصعيد لتفويت الفرصة عمن يطالبون بمراجعة الخط والتوجه، وإرباكا في نفس الوقت للسلطة.

    .

    ماهي أسباب المطالبة بمراجعة خط الجبهة؟

    لما شعر تيار داخل الحزب بالخطر بدأ يطالب بالمراجعة.

    .

    أي خطر؟

    تفاصيله عند قيادات الجبهة..

    .

    هل بإمكانكم تصوير المشهد الذي رافق الإضراب السياسي؟

    كان مشهدا مأساويا، اعتصامات عطلت حركة النقل، الهدف منها مواجهة السلطة وليس اعتصاما مطلبيا عماليا، وبدأت الأسر تخاف على أبنائها، فمشاداة فيها ضحايا، واعتقالات بالآلاف ظلما.. ذنبهم أنهم كانوا أعضاء قانونيا في الحزب المحل وتم الزج بهم في المحتشدات، مداهمات للبيوت بالليل والنهار، تشميع المكتب، حل جبهة الإنقاذ، اعتقال القيادات مباشرة، ثم توقيف المسار الانتخابي.

    .

    كيف تأسس المكتب السري لحماس قبل توقيف المسار الانتخابي؟

    المكتب تشكل على مرحلتين، الأولى سنة 1980، والمرحلة الثانية كانت أكثر توسعا وتحديدا للمهام والصلاحيات، سنة 1984، وكانت اللقاءات تدور ببيوتنا جميعا مع رعاية الأهل كلهم، بدءا بأسرة الشيخ محفوظ، الشيخ بوسليماني وكل الأسر، فجزاهم الله على ذلك كل الجزاء، ثم التحق به أعضاء جدد بناء على مقررات المؤتمر التمهيدي سنة 1990، والذي كان مدخلا لبداية تشكل الطابور الخامس ببعض من العناصر الملتحقة، والذي قضى على الأخضر واليابس بعد ذلك.

    .

    يبدو أنك أعطيت للطابور الخامس أكثر من حجمه؟

    فعلا قضى على مشروع برمته، وسأفصل في بعض الأمور من ذلك لاحقا.

    .

    في ظل التدافع الحاصل عشية توقيف المسار الانتخابي، كيف كان نشاطكم العلني؟

    بالنسبة للنشاط السياسي العلني لم نجد صعوبة في ذلك، لأننا كنا قد شرعنا في العمل السياسي، منذ مدة طويلة، تحت طابع السرية نتيجة الوضع وبعض الضغوطات المفروضة، وهذا بفضل فهمنا لديننا، لأن السياسة جزء من الإسلام، وديننا لا يقبل التجزئة، ومن لم يكن يؤمن بذلك فليراجع إسلامه، والنصوص القطعية في ذلك من القرآن والسنة كثيرة لا تقبل التأويل، لهذا السبب لم نجد صعوبة في الخروج إلى العلن، لما لدينا من تجارب وهياكل تنظيمية وأعداد بشرية، وشهادة المهتمين من صحافيين وغيرهم خير دليل على ذلك، ولمن يريد الاطلاع أكثر فليعد إلى تلك المرحلة.

    إلا أن توقيف المسار الانتخابي كان مفاجئا لنا، بعدما رأينا التوافق الذي جرى بين الجبهات الثلاث: جبهة التحرير الوطني، جبهة القوى الاشتراكية والجبهة الإسلامية للإنقاذ، بغض النظر عن النتيجة، رغم أننا كنا نحن الخاسر الأكبر من ذلك.

    للعلم فإن ذلك التوافق تميز ببشائر ومعانٍ تطمئن على تأمين المرحلة التي كانت تحتاج إلى توافق ما بين الجزائريين، ترجمه الانسجام بين الجبهات الثلاث، علما أننا لم نبخل بكل ما نملك لإنجاح هذه المرحلة، معتبرين أن الخاسر اليوم قد يكون الرابح غدا، وهذا هو شأن التعددية السياسية.

    .

    ما موقفكم من توقيف المسار الانتخابي؟

    جزء هام من المجموعة أيدت توقيف المسار وبعض القيادات الجهوية لحماس أيدّت الجبهة الإسلامية خارج إطار الحركة، من خلال بيان رسمي موقع من قبل تلك القيادات، وقد وقع نقاش كبير بيننا وبينهم على المستوى المركزي دام مدة 48 ساعة، حيث أننا كقيادة كنا نهدف إلى تحذير الطرفين من أي انزلاق أو انعكاسات قد تترتب نتيجة أي تصعيد، وأصدر المكتب التنفيذي بعد نقاش تواصل يومين، بيانا تضمن تحذير كل الأطراف من أي تصعيد.

    .

    كيف كان التجاوب مع البيان؟

    أرسل للصحافة للتنبيه من التطرّف الممكن حصوله.. إلا أن التصعيد كان أقوى من الجميع، وكان مفاجئا لنا ولغيرنا، وقد أعطى المبرر القوي للدخول في مرحلة خطيرة كلفت الجزائر عشرات الآلاف من الضحايا وربما مئات الآلاف من الضحايا، والخسائر المادية التي تقدر بمئات الملايير حسب الخبراء، وكانت كافية لتشكيل تطرف أعمى. والنتيجة أن العنف مهما كان مصدره وشكله فهو مدعاة للتطرف، وتجربتي تبين أنه لو لم يكن لدي فهم صحيح لدين الإسلام وحب الوطن لكنت من أعتى المتطرفين.

    .

    ثم ضاع الموضوع من بين أيديكم؟

    حاولنا الإبقاء على خط الحركة متميزا دون الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، لكن وجدنا صعوبة في ذلك، بعدما تدهور الوضع في الشارع.

    .

    كيف؟

    وجدنا الجناح المؤيد لتوقيف المسار كان أقوى تأثيرا على صناعة القرار، وهو نفسه الطابور الذي قبض، وكان ظاهريا مؤيدا لتوقيف المسار الانتخابي، وفي الحقيقة هو يبحث عن مصالحه، وكانت النتيجة تدمير الحركة وضمورها، حتى وصلت إلى لما وصلت إليه، مقابل تلك الامتيازات التي حصل عليها هؤلاء الانتهازيون.

    .

    لماذا اخترتم الحياد؟

    نحن وغيرنا من الداعين إلى الحياد، كنا نعتقد أن الإبقاء على خط الحركة متميزا لما تملكه من تأثير في كل الاتجاهات أنفع للوطن، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن..

    .

    كيف تم القضاء على هذا المسلك؟

    بالتشويه والتشويش وتارة القذف فحاولوا أن ينشروا إشاعة مفادها أننا..

    .

    ما هي أسباب خروجكم من حماس؟

    اختطاف الشيخ بوسليماني رحمة الله عليه، القرار صار يصنع خارج مؤسسات الحركة، حل وتجميد جل الجمعيات فمثلا في الوسط (العاصمة) فقط، كانت هناك 35 جمعية حلت.

    وقد تمكن الطابور من تحويل الكشافة الإسلامية والاتحاد الطلابي الحر إلى مساندة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الذي بدأت نواة تشكيله مع قدوم الرئيس الراحل محمد بوضياف، وهو ما ساهم في تفريغ الحركة وإضعاف موقفها في ذلك الوقت.

    وهي بعض مبررات الخروج من حركة المجتمع الإسلامي "حماس"، وكان ذلك بتوجيه رسالة أخوية لتذكير المؤتمرين، سنة 1994.

    كنت أول المنسحبين ثم توالت الانسحابات على مستوى القطر الوطني، في ثنايا تلك الانسحابات حصلت محاولات للصلح، إلا أنها باءت كلها بالفشل، الرغبة موجودة لدينا ولدى الشيخ محفوظ، إلا أن أطرافا من المكتب التنفيذي كانوا لها دائما بالمرصاد، إلى غاية سنة 1998، قبيل ذات السنة، توجهت إلى الشيخ محفوظ مباشرة، وفي هذه المرحلة كان شيء من التذمر يسود حمس، وكان الشيخ محفوظ قد دعا إلى ندوة الإطارات قبيل المؤتمر، فذهبت إليه وقلت له: "ماذا تريد بهذا النداء، هل هو تدارك لوضع الحركة أم للتسويق الإعلامي فقط"، فاتفقت وإياه على أن نسوي الوضع قبيل انعقاد الندوة، ورد علي: "نحن بصدد تحضير مسودة تقدم فيما بعد إلى ندوة الإطارات، عندما انتهي منها سأحيلها عليك، وأنتم أحرار فيما ترونه من إضافات أو انتقادات، ثم نتفق سويا قبل تبيضها ونمضي بها إلى الندوة سويا"، وكان التعهد بيني وبينه، على أن يتكفل هو (نحناح) بالحركة بحكم أنه رئيسها وأنا أتكفل بالمجموعة التي معي من المنسحبين الذين كانوا بالمئات.

    اتفقنا على الوقت الذي تسلم لي فيه المسودة، اتفقنا أن يكن ذلك بعد 10 أيام، إلا أن الوقت تجاوز ذلك بكثير بحوالي ثلاثة أسابيع، ولم استلم المسودة، رغم أن كل المحاولات شرعنا فيها في شهر جانفي 1998، والمؤتمر كان محددا في شهر مارس من نفس السنة، أي بعد حوالي ثلاثة أشهر.

    فعدت مرة ثانية إلى الشيخ محفوظ مستفسرا عن الموانع التي حالت دون إيصال المسودة إلي، فلما سألته: "ما الذي حدث يا شيخ"، فبدا عليه نوع من الحسرة، استنتجت من ذلك أن الضغط الذي فرض عليه تجاوز الخط الأحمر.

    وعادة الشيخ لا يُدخل عليه في مكتبه إلا بعد الاستئذان، إلا أن هذه المرة اكتشفت أن ذات السلوك قد اختفى، ففي تلك اللحظة، دخل عليه أحد أعضاء المكتب التنفيذي دون استئذان، فقال لي الشيخ: "هاو هو فلان (لا أريد ذكر اسمه) فاذهب معه لتدارك الوضع، فخرجت مع ذلك الشخص فتوجه بي إلى المكتب المقابل لمكتب الشيخ المتواجد في الطابق الرابع، ووجدت مجموعة من أعضاء المكتب وقوفا، وهم أربعة، فاستخرج، هذا الأخير، ورقة من درج المكتب وشرع في استنطاقي، وكان هذا الاستنطاق قد فاق استنطاق الشرطة لي أثناء المسيرة، فكان الرد مني بصوت مرتفع وكدت أن أدخل معه في شجار، وأقلب على الجميع الطاولة، فوصل الصوت إلى الشيخ محفوظ، فخرج من مكتبه مهرولا، فأدرك مباشرة الواقعة دون استفسار، فتوجه إلى الأعضاء الموجودين، وشكل لجنة وقال: "هؤلاء سيتكفلون بالموضوع مرة أخرى".

    وللأسف، هذه اللجنة ماطلت إلى أن آن الأوان، فانعقد المؤتمر الذي سمي بـ"مؤتمر التكييف" ولم نصل إلى نتيجة، فاضطررنا إلى تحرير رسالة أخوية بتاريخ 5 مارس 1998، وزعناها على بعض المؤتمرين بفناء نادي الصنوبر.

    .

    ما هو مضمون الرسالة؟

    شعورنا بالمسؤولية أمام الله والوطن والإخوة، جعلنا نشير للتجاوزات التي كانت سببا فيما آلت إليه الحركة من تمزق وتشتت، والصراع المتصاعد بعد أن كانت مضربا للمثل في تفاني رجالها وإخلاصهم من أجل إنجاحها فكان مثلهم الأعلى نكران الذات، ونختصر التجاوزات الكثيرة في النقاط التالية:

    التنازل التدريجي إلى درجة التخلي النهائي عن قرارات وتوصيات مؤتمر1991، تغييب الشورى في قضايا جوهرية ومواقف أساسية تخدم الشعب والوطن والحركة، السيطرة الذهنية الأحادية مما أفقد الحركة الكثير من قدراتها وكفاءتها، فكان الشرخ الذي تسربت منه الوصولية والانتهازية، الخط السياسي المكرس وازدواجية الخطاب فيه زعزعة ثقة الرأي العام الوطني وحتى الكثير منكم أيها الإخوة في الحركة نفسها.

    ولم يكن موقفنا من أجل المكاسب أو الجري وراء مقاعد لأن هذا له طرق معروفة، وقلنا "يؤسفنا ويدمي قلوبنا أن نرى حركتنا فيما هي عليه الآن من تمزق وتشتت وإقصاء وتهميش.."، وأضفنا "نضعكم أمام مسؤولياتكم التاريخية.."، بتوقيع الأستاذ الجيلالي بوزينة، بوجمعة عياد، سعيد مرسي.

    .

    كيف تفاعل المؤتمرون مع الرسالة؟

    المؤسف مرة أخرى لا مجيب، وما يؤسف أكثر هو أن الرسالة لم تقرأ على الإطلاق، رغم أن هناك بعض من حاول أن يوصلها إلى المشرفين على المؤتمر، لكن للأسف الطابور مرة أخرى، يتصدى لمحاولات ترميم البيت.

    .

    هل انتهت محاولاتكم؟ وهل انعزل المنسحبون؟

    حاولنا في مرات عديدة لتجميع الإخوة المنسحبين، وقد كلفنا هذا الجهد الكثير، في اتجاه، والسعي لاختراق الطابور المتصلب، والذي ازدادت قوته مع مرور الأيام، وكانت المكاسب في هذه الفترة كبيرة جدا، مما زاد من التجنيد والالتفاف، إلى غاية 13 أفريل 1999، أصدرنا بيانا تحت عنوان "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.." بإمضاء نفس من وقعوا الرسالة الأولى.

    .

    ما هي أهم النقاط الواردة فيه؟

    ".. مما تعاني اليوم الجزائر من ويلات سياسية استئصالية قادت البلاد إلى طريق مسدود بالفشل وإراقة الدماء.. وهذه المرحلة التي تميزت بالفشل الذريع، وقد كانت حماس شريكا أساسيا في مسيرة هذه المرحلة ولا زالت "حمس" الآن، وسبق وأن نبهنا وقاومنا سياسة المغامرة، غير المسؤولة التي رسمتها بعض القيادات والتي كان لديها الاستعداد التام والقابلية للسير في خط الانحراف والابتعاد عن الخط الأصيل لمشروع الأمة".

    ومرة أخرى ينجح الطابور في تكريس مواقف مهزوزة واجترار سياسة الفشل الذريع، وتزامن ذلك مع الاستحقاق الرئاسي، سنة 1999، وكان مؤشر أمل بإجماع المرشحين جميعا بشعار السلم والمصالحة الوطنية.

    .

    ما هي المكاسب؟

    المهم الوصول إلى البرلمان، الاستوزار، مناصب كبيرة جدا.

    .

    هل تمكن الطابور من عزل الشيخ محفوظ عن بقية المخلصين؟

    لم يبق من المعارضين لهذا الطابور إلا الشيخ محفوظ، فعزلوه تماما وبدأ التطاول عليه علنا وأمام الجميع.

    بعدما كان التطاول غمزا وهمسا مع الحفر، أصبح علنا وأثناء اللقاءات الرسمية بالتدريج، وداخل المكتب التنفيذي وحتى في دورات مجلس الشورى، وأذكر عينة عن ذلك.. حدثني أحد الإخوة المشهود لهم بالصدق وأنا أشهد له بذلك ولا أزكي على الله أحدا، قال لي أنه أثناء وجوده بمصر زاره عنصر من المكتب التنفيذي ممن حظي بالاستوزار، فقال له: "هيا انضم إلى المكتب التنفيذي، فنحن على وشك التخلص من محفوظ، كما تخلصنا من أصحابه قبل ذلك"، فرد عليه : "لقد تعاملت بهذا ممن كان فضله عليك كبير لن تتأخر في معاملتي بنفس السلوك"، كما قال (الوزير) له (أي للشيخ) أمام الجميع عندما أراد الشيخ محفوظ أن يستبدله بشخص آخر في تشكيلة الحكومة: "أنت يهودي"، في دورة انعقدت بنزل السفير، أيام ظهور المرض على الشيخ.

    وقال له آخر: "لقد ولى العهد الذي كنت تحتكر المعلومة، لقد كبرنا ووصلنا إلى منابع المعلومة، بل تعدينا ذلك".

    وكان هذا السلوك لا حضاريا ولا إنسانيا ولا أخلاقيا، مما زاد في مأساوية وضع الشيخ رحمة الله عليه، بعدما جيء به خصيصا من فرنسا _ حيث كان يخضع للعلاج - لهذه الندوة، وبلغنا أن الشيخ بدأ يتماثل للشفاء قبيل هذا اللقاء.

    وكانت إحدى المحاولات الأخيرة بمحاولة من أخت، وكانت قد قطعت أشواطا كبيرة في التقريب بيننا وبين الشيخ، ولما اقتربت من البت وتسوية الإشكال وإزالة الخلاف بين الإخوة داخل الحركة، استبدلت الأخت بعضو من المكتب التنفيذي، فدفنت محاولة الصلح نهائيا.

    .

    هل حاولتم لقاء الشيخ محفوظ وعيادته؟

    نعم، قبيل تسفيره إلى فرنسا مرة ثانية بيومين، كنا قد شكلنا وفدا من الوسط والشرق والغرب لزيارته، وكنت أول من سلم عليه ثم بقية الإخوان.

    .

    أطلعنا على تفاصيل اللقاء مع نحناح في فراش الموت؟

    كان متكأ على سريره بمنزله بنادي الصنوبر، وكنت جالسا بجانبه على اليسار والشيخ سعيد مرسي على يمينه، وفرح بالزيارة لدرجة أنه قاوم نفسه للوقوف، حينما قال لنا الكلمة التي كانت آخر حديث بيننا وبينه، "ما أجمل هذه اللحظة، وما أدخلته على نفسي من السرور" كان منهك القوى ثم جلس بعد ذلك، وكان قد أخبرني الشيخ سعيد حينما زاره من قبل، دون أن يطلعني عن موعد تلك الزيارة، عما دار من حديث بينهما وكان مضمون الحديث حول المصالحة وإنقاذ الجماعة، وإخراجها من الوضع الذي آلت إليه، فقال له سعيد: "يا شيخ ما جمعنا بالأمس، قد يجمعنا اليوم إن عدنا إليه (العمل والمواثيق)"، فكان اللقاء الذي جمعنا مع الشيخ محفوظ رفقة بقية الإخوة، آخر لقاء وبقينا نتتبع أخباره إلى أن بلغنا خبر وفاته رحمة الله عليه رحمة واسعة.

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    إخواني "حقروني" ولم أجد في عوني سوى علي يحي عبد النور

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 6 يناير 2013 - 14:03

    يرى بوجمعة عياد، أحد مؤسسي حركة المجتمع الإسلامي "حماس"، رفقة الشيخ محفوظ نحناح، في الحلقة الحادية عشرة من حواره لـ"الشروق"، أن حركة "حمس" بحاجة إلى لم الشمل، ونبذ الصراعات. وعن البدائل الموجودة حاليا للمؤتمر المقبل في مارس بين أبوجرة ومقري وسعيدي، يعتبر أن ذلك لا يعدو أن يكون استبدالا لوجوه أشرفت على مرحلة الانقسامات.

    .

    هل هناك من استشرتموه بعد اعتراضكم على خط الحركة؟

    نعم، أول من أخبرناه بذلك هو الشيخ أحمد سحنون - رحمة الله عليه-. وكان قد أوصانا بعدم التصعيد أو التعرض للشيخ محفوظ بأي إساءة، وكذلك الشيخ عبد الله جاب الله، وكانت منه نفس الوصية.

    .

    أتعتبرون مشاركة الشيخ محفوظ في رئاسيات 1995، إنقاذا للسلطة آنذاك من السقوط؟

    أقول ما سمعته ممن يحسبون على السلطة، فإن الشيخ محفوظ قدم خدمة كبيرة للسلطة وللبلاد في ذلك الوقت. وإني لا أؤاخذه على ذلك، في ترشحه، فلو بقيت الحركة محايدة، لكانت خدمته للبلاد ستكون أكبر، وأرجو الله أن يكون اجتهادا من الشيخ فيؤجر عليه. أما الانتخابات الرئاسية لسنة 1999، فما كان على السلطة أن تعامله بالكيفية التي عاملته بها، والتي لا تنسجم مع ما قدمه للجزائر.

    .

    هل كان بوسليماني سيزكي المشاركة لو بقي حيا؟

    الله أعلم! وانطلاقا من معرفتي للشيخ بوسليماني، فإنه لا يزكي إلا من كان وفيا للمشروع والحفاظ على أبناء الحركة حيثما كانوا.

    اختلافنا لم يكن اختلافا من أجل الاختلاف، إنما كان يدور حول العمل ومتطلباته. وهذا لا يعد خلافا، حصل أن كنا نتوقف عند موضوع واحد لساعات، وترتفع أصواتنا.. كل يدافع عن وجهة نظره انطلاقا من زوايا معينة، لكن، لما يتبين الخطأ من الصواب تنتهي تلك الخلافات وننتقل إلى الموضوع الثاني، وهكذا.. وأحيانا، عندما يشتد الخلاف، ويصعب التغلب عليه، نلجأ إلى طرق أخرى، كالزيارات الخاصة، ونختلي ببعضنا البعض، وأحيانا نتنقل لمسافات طويلة حتى نذيب ما علق بالموضوع من جليد، بغية العودة إلى الموضوع مجددا، دون خلفية، أو تأثر مما كان قبل ذلك. وكنا لا نسجل على بعضنا البعض الهفوات والعثرات.

    .

    كيف كان غضب بوسليماني؟

    كان الشيخ بوسيلماني يظهر عليه الغضب، لكن غضبه كان دوما تصاحبه ابتسامات ونكت، إلا في إحدى المرات، لم أره غضب مثل ذلك من قبل، عندما أقحم أحد الإخوة دون حق ضمن إحدى الجلسات المتعلقة بمجلس الشورى للحركة، فاعترض بوسليماني على ذلك بكلمة، ما كان تفوه بها على الإطلاق، حيث قال: "أنتم لستم رجالا، وطوى أوراقه بقوله الحمد لله رب العالمين.."، ومن ذلك اللقاء بدأ يتغيب عن الحضور، حتى أبعد عن المكتب تماما، وبعدها اختطف وذبح، رحمة الله عليه.

    .

    ما الذي تعرفونه من تفاصيل عن مقتل بوسلماني؟

    المؤكد لدي، والذي لا يقبل الشك، أن الشيخ بوسليماني ذبح، وكذا الكثير من أبناء الجزائر.. فالويل، وكل الويل لمن تلطخت يداه بدماء الجزائريين، ومن سؤال الله تعالى له يوم القيامة على فعله.. مع ذلك، فإنني أحسد بوسليماني على تلك النهاية التي غادر بها الحياة، فلقد مات شهيدا، وسيقف أمام الله تعالى ودماؤه تنزف في مشهد يحاجج به من غدروه.

    .

    ما هي دواعي ترشح أبوجرة سلطاني في جبهة الإنقاذ، سنة 1990؟

    أبوجرة قد حاول الترشح ضمن قائمة الجبهة الإسلامية، دون مشاورة القيادة، وقد طلب منه الانسحاب مع الاعتراف بالخطإ، وقد تم ذلك. وكان لا يملك كذلك العضوية التي تسمح له بالاشتراك في المؤتمر الأول لحركة المجتمع الإسلامي "حماس" وكنت مديرا لهذا المؤتمر (سنة 1991). وأثناء متابعتي لأعمال المؤتمر، وجدت أبو جرة خارج القبة البيضاوية، ومنعه الحراس من الدخول، لعدم امتلاكه الدعوة أو الشارة، فأدخلته تقديرا لمكانته في العمل الدعوي. لكن الغريب أنه ترشح لمنافسة الشيخ محفوظ على قيادة الحركة، والسؤال المطروح: من الذي رشحه؟ مع أنه لا يملك أصلا حق المشاركة بناء على لوائح الحركة في ذلك الوقت! وقد يقول القارئ: أنت الذي أدخلته! وذلك صحيح، لكنني أدخلته مع الضيوف لأن المؤتمرات تفتتح بحضور المدعوين، وبعد الشروع في الأشغال يغادر الضيوف. وللقدر، عندما منعت من دخول المؤتمر الأخير، المنعقد بالقاعة البيضاوية، قلت له: "يا سي بوجرة! بالأمس القريب، أنا أدخلتك، فينبغي اليوم، أن تعاملني بنفس الأسلوب". وشاركت كملاحظ بإيعاز من المرشد العام للإخوان مهدي عاكف.

    .

    ما تعليقكم على الوضع الذي آلت إليه حمس؟

    الجواب.. جديد قديم، لقد نبهت قيادة الحركة وحذرت في أكثر من مرة أن الطريق الذي سلكته الحركة مآله إلى الاختفاء والاضمحلال. وفي آخر ما نبهت إليه في 26 جوان 2002، في نداء إلى المجلس الشورى لحركة مجتمع السلم المنعقد في ذلك التاريخ: "لقد أثبتت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، بما لا يدع مجالا للشك، أن الحركة بعيدة عن الواقع الشعبي، وبالتالي مقطوعة الصلة جماهيريا، وهو مآل طبيعي بالنظر إلى سلوك ومواقف الحركة المنحرفة عن مبادئها ومنطلقاتها، فضلا عن منطلقات ومبادئ الحركة الإسلامية فكرا ومنهاجا وسلوكا. لقد تحولت المشاركة، التي وجدت لها أنصارا من صنف الانتهازيين والوصوليين والمتربصين، في قاموس حركة حمس إلى اقتسام الريع، مهما كان الثمن، ولو على حساب مبادئ الحركة ومصداقيتها وتضحية أبنائها المخلصين، بالإضافة إلى محاولة تلويث بعض أبناء الحركة من حملة المشروع، مع ضرورة الاعتراف بالفشل والشروع فورا في إعادة الاعتبار للحركة ودورها في المجتمع. كما أن التغيير لا يعني تبديل واجهة بأخرى أو التغاضي عن أسباب هذه الأزمة وأطرافها ومحاسبة المتورطين الذين نسجوا تحالفات مشبوهة لجر الحركة إلى متاهات السلطة".

    .

    ما هي أسباب تشرذم الحركة؟

    ظاهره الصراع على القيادة، وباطنه الاستحواذ على المصالح بغطاء خارجي.

    .

    ما معنى الغطاء الخارجي؟

    لما توفي الشيخ محفوظ- رحمة الله عليه-، غيابه ترك فراغا كبيرا يصعب ملؤه، فما بالك إذا كان التطلع إلى ملء هذا الفراغ بالتصارع من أجل مآرب جلها معروف لدى العام والخاص؟ صعب عليهم أن يجدوا شخصا يعوض الشيخ محفوظ، فكان بالإمكان أن يلجأ المشرفون على سير العمل بالتعاون فيما بينهم حتى تبرز شيئا فشيئا قيادات تتناسب وحجم الحركة. لكن للأسف لجأوا إلى طرق ملتوية، وكنا نحن- المعارضين- قدرنا صعوبة المرحلة بعد رحيل الشيخ، ومددنا أيدينا لمساعدتهم. للأسف، لم نجد ولا مجيبا واحدا منهم!

    .

    هل الطابور كان دوما وراء تأزم الوضع؟

    كنا قد اتصلنا برئيس مجلس الشورى للحركة، وأطلعناه على استعداداتنا مع إخوة آخرين، لكن هؤلاء الإخوة اختفوا نهائيا، ولم نراهم إلا بعد المؤتمر الثاني، عقب وفاة الشيخ، حتى إنهم لم يسلموا علي خلال تواجدي كملاحظ، ودائما، الخوف على مصالحهم. وتبقى ظلال الطابور موجودة دفاعا عن مصالح ضيقة تخدم السلطة على حساب مشروع أمة كان يعول عليه. وقد تناولنا في الحلقة التاسعة، ما قبل الأخيرة، واستعملت كلمة "خيانة" سهوا! ونعتذر للقارئ على استخدام هذا المصطلح، وتبقى الخيانة بالنسبة إلينا كجزائريين، خيانة الدين، والوطن.. وكذا الالتباس الحاصل للقارئ بشأن استخدام عبارة المذاهب السنية، أي أنني قصدت عدم الانتقال من المذهب المالكي إلى أحد المذاهب الثلاثة، فما بالك بالانتقال إلى المذهب الشيعي.

    وقد واصلنا محاولات رأب الصدع ما بين أبناء الحركة وتفويت الفرصة على الطابور، وكان لنا لقاءات مع الكثير من الإخوة، ومن بينهم الأخ مناصرة. وندرك في نهاية المطاف، دوما، أن عدم التعاون معنا هو الخوف من الانقلاب عليهم.

    .

    ما هو تعليقكم على خرجة مناصرة؟

    كان من المفروض أن يستفيد من تجربتنا، رغم ما نملكه من تراكمات، وما استطعنا أن نحدثه من توازن يمنع الحركة من الانزلاق، ويوقف هذا التشرذم، لأننا كونا الفرد على احترام رأي الجماعة المؤسساتي. وهذا كان كافيا كتجربة للوقوف عندها، علما أن عملنا دام من 1992 إلى 2012، وهو عمل صعب، والخلل ليس في الفرد وإنما في المؤسسة التي لم تكن في المستوى.

    .

    وخرجة عمار غول؟

    سي عمار غول، تصور نجاحه في إنجاز الطريق السريع قد ينفعه في الانشقاق عن "حمس". والتعامل مع الجماد يختلف تماما عن التعامل مع البشر. وذلك مثل من لا يزال، إلى يومنا، يستغل الماضي دون التفات إلى الواقع. وهذا يشمل جميع الإسلاميين وغيرهم. لقد قالوا له بأنك عبقري ما دمت شققت الطريق في تضاريس الجبال الصعبة ومد الجسور العملاقة، نسيانا بأن هذا الأمر تم بشركات أجنبية وبأموال طائلة.. ومع ذلك نقول له: بارك الله فيك! لكن التعامل مع حركة، كحركة الإخوان في الجزائر، من الصعب جدا، بهذه السطحية، وبهذه السرعة، دون وضع الاعتبار لماضيها، وما ينبغي أن تقوم به تجاه المجتمع، وخاصة في هذه الظروف. وقد يصدق هنا مثل القول الجزائري: "جاء يكحلها عماها".

    .

    ما رأيكم في عهدة أبوجرة على رأس الحركة؟

    المسألة ليس مسالة فرد، وإنما منظومة بكاملها، وتحديد الأهداف بكل وضوح، والعمل على تحقيقها، انسجاما مع مبادئ الحركة التي تأسست عليها، في بداية الأمر، مع فهم متطلبات المرحلة تجاه الوطن، وتجاه أبناء الحركة، وتجاه المجتمع. للأسف، التشرذمات التي عرفتها الحركة حصلت في عهدته، والصراع ازداد حدة، فأدى بذلك إلى الانقسامات، وهو مرشح لما هو أخطر.

    .

    ما معنى ذلك؟

    التشرذم داخل الإرشاد والإصلاح، انسلاخ العمل الطلابي، التجميد الذي طال الجميع من قبل التنظيم الدولي للإخوان، ثم استثنى البعض، التراجع الخطير الذي وصلت إليه الحركة على جميع المستويات، بداية بتمثيل الحركة في غرفتي البرلمان، بعد الاستحقاقات التشريعية.

    يقال إن الإخفاقات المتوالية والتي وراءها الطابور، تصب لصالح عبد الرزاق مقري في منافسة أبوجرة على رئاسة الحركة في المؤتمر المقبل، ما تعليقكم؟

    التزعم نتيجة ضعف هو الضعف بعينه، ومن يعتقد أن ذلك الطريق يحوله إلى زعيم فهو مخطئ. والعيب ليس في المنافسة، إنما العيب في صناعة الضعف، والسعي إلى استغلاله، وهذه "سياسة المحاور"، أي التكتلات المتضاربة، فمآلها الفشل وإرباك الصفوف، وستزيد الفشل فشلا، ومن يراهن على ذلك فرهانه خاسر.

    .

    مؤتمر حمس مارس المقبل، فمن تراه مناسبا لقيادة الحركة؟ وما رأيكم في أبوجرة، مقري وسعيدي؟

    المؤتمرات التي تمت سابقا تبقى عناوين دون مضمون، يبقى المؤتمر المقبل، هل سيكون في نفس السياق، أم سيأتي بمفاجأة! وحسبما يروج، أن المنافسة ستكون بين عناصر معروفة، هذه العناصر التي ستتنافس على الرئاسة، فهي نفسها التي كانت تشرف على المرحلة، ويبدو لي موسى الحاج هو الحاج موسى، إلى أن يثبت العكس. وفي حال استمرار الوضع على حاله، فلن يعدو إلا أن يكون هروبا إلى الأمام، الهدف من ورائه مغالطة القاعدة مرة أخرى، والانقسامات لن تتوقف والحل في نظر من لا يساعده الوضع هو الانقسام.. وهذه هي الطامة الكبرى التي أصابت الحركة، والله تعالى يقول: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم".

    .

    خضتم تجربة التواصل مع حركة النهضة، فكيف حصل ذلك؟

    أولا، الغرض من ذلك هو تقريب المسافة ومد الجسور بين أبناء المدرسة الواحدة، وهذا كان مشروطا مع قيادة حركة النهضة، وكذلك مع التنظيم الدولي، إلا أنني وجدت نفسي لا أفيد شيئا في هذا الأمر، بعد أن تخلى التنظيم الدولي عن الاعتناء بالجميع، بانحيازه غير المفهوم. دون أن ننسى الترحاب والتكريم الذي وجدته من قيادة النهضة وكل أعضائها، بقيادة فاتح ربيعي، وإني أشكرهم على هذا الفعل وأكبر فيهم هذا السلوك.

    .

    هل اتصل بكم قيادات حمس بعد انعزالكم عقب وفاة الشيخ محفوظ؟

    إن كنت تريد الحقيقة، فقد كان أكثرهم اتصالا أعضاء من المكتب السري لحماس، الحاج سليمان، عبد الحميد مداود أحيانا، وعبد الهادي سايح. وليس هناك متصل من القيادة الفعلية، رغم الخلفية والقواسم المشتركة والمعاناة والتجربة.. إلا أنني نُسيت هكذا! وكنت أود أن لا يطرح علي هذا السؤال. وبما أنكم تطرقتم إلى الموضوع، فأنا مضطر للتعريج على بعض الظروف الصعبة جدا جدا، فما وجدت إلا الذين ذكرتهم في إحدى المحطات الصعبة، وسأذكر لهم هذا الجميل إلى يوم الدين، وفي محطات أخرى، في صراعي مع بعض اليساريين ما وجدت واحدا من الإسلاميين، ليقف إلى جانبي ولو بمكالمة هاتفية.

    والأمر يتعلق بتناول وزيرة العدل في سنوات الأزمة الأمنية، في كتاب لها اسمه "السنوات الحمراء"، عالجت فيه جذور الإرهاب في الجزائر من منظورها، واتهمت جماعة المدنية بالعاصمة في كتابها، رغم أنني كنت قد حصلت على البراءة سنة 1987، عن أحداث وقعت سنة 1981، بعدما قضيت سنتين سجنا كاملتين، دون تعويض.. فأردت أن أقاضيها، وكانت، ذلك الوقت، تملك حصانة برلمانية كسيناتور في مجلس الأمة، عن الثلث الرئاسي، فما وجدت إلى جانبي إلا اثنين من عامّة الناس، وأستاذين فاضلين، وهما علي يحي عبد النور ومصطفى بوشاشي. أما من الإسلاميين فلا واحد.

    وللعلم، أنني ورغم العفو الرئاسي الصادر سنة 1988، من الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، إلا أن التهم لا زالت قائمة في مستخرج شهادة السوابق العدلية، بعدما كان سنة 2002 سلبيا، مرة أخرى، في سنة 2007، وجدت التهم التي حوكمت على أساسها سنة 1976 في مستخرج السوابق العدلية. والسؤال المطروح: من الذي استطاع الوصول إلى سجل السوابق العدلية لتغييره؟.. و"الشروق" تملك النسختين المتناقضتين.

    يتبع..

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 11 ديسمبر 2016 - 7:03