hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الانتخابات.. رؤية شرعية

    شاطر
    avatar
    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الانتخابات.. رؤية شرعية

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 1 يونيو 2011 - 14:47

    د. عبد الرحمن البر
    بقلم: أ. د/ عبد الرحمن البر

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
    ونصلي ونسلم على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، المبعوث رحمةً للعالمين، المبلغ للرسالة، المؤدي للأمانة، والمبيِّن للناس طريق الحق من طريق الغواية، وبعد..
    تمثل الانتخابات بشكلها المعاصر إحدى القضايا التي تُفرز أسئلة وإشكاليات فقهية عديدة، بدءًا من شرعية هذه العملية، والاختلاف الفقهي حولها؛ إذ يرى بعض المعاصرين أنها ليست مشروعة باعتبارها صنيعةً من صنائع غير المسلمين، ليس لها مثيل في العصور الأولى في الإسلام؛ ومن ثم ينظرون إليها على أنها بدعة منكرة، بينما يرى السواد الأعظم من العلماء غير ذلك.
    كذلك علاقة الانتخابات بالشهادة، وحكم الإدلاء بالصوت، ولمن يكون، وحكم المقاطعة لهذه الانتخابات إن كان البعض يرون أنها لعبة سياسية لا جدوى منها، وكذلك مسألة تغليب العصبية للقريب أو ابن البلد أو غيره على المصلحة العامة، وكذلك مسألة شراء الأصوات لضمان النجاح، وما الذي يفعله المرشح النزيه إن وجد خصمًا يلجأ إلى تلك الحيلة، وهل يحل له أو يحق له عندئذ أن يفعل ما يفعل خصومه حتى يدرأ المفسدة عن الأمة والشعب، وما علاقة ذلك كله بفقه الرشوة المحرم، وكذلك مسألة المرأة وعملية الانتخاب، هل لها أن تدلي بصوتها؟ أو أن تتقدم بالترشح نيابةً عن الأمة، باعتبارها فردًا من أفراد الشعب، أو ذلك مما يضرُّ بها، ويجعل الأمر غير جائز من الناحية الشرعية؟!
    وأيضًا في مجال الدعاية الانتخابية، تبرز أسئلة متعددة في آداب هذه الدعاية، وحكم استغلال الدين كأحد العوامل التي تسهم في كسب الرأي العام؛ باعتبار أن الدين له مكانة عظيمة في نفوس الناس في دولنا العربية والإسلامية، وكذلك الذين يتخذون هذا الدين ونصوص الشريعة تكأة يضمنون بها أصوات الناخبين، ويكثرون من الاستشهاد بالقرآن، مع أنه لا علاقة لهم بالمصحف ولا بالقرآن، وكذلك أموال هذه الدعاية، وكون ذلك من باب التبرعات، أو تتبنَّى بعض الهيئات الحكومية أو الأهلية تأييد مرشح معين، وغير ذلك من الإشكاليات الفقهية الكثيرة، التي تعترض العملية الانتخابية، والتي يسأل الناس فيها كثيرًا؛ ما يقتضي أن تُقدَّم لها معالجة فقهية صحيحة إن شاء الله.

    مشروعية الانتخابات
    إن المسلم بطبيعته يجب أن يعرف الحكم الشرعي لكل عمل يُقدم عليه، ولما كانت الانتخابات من الأمور المعاصرة التي تواجه الإنسان المسلم، فإن رجوعه واستفتاءه في مسألة الانتخابات يجب أن يكون إلى المرجعية الشرعية التي يثق بدينها، ويلتزم بفتواها، وله أن يسأل عن الدليل على الحكم الذي يقوله له هذا العالم أو ذاك، وله أن ينظر في الدليل الشرعي، إن كان من أهل النظر في الأدلة، وله أن يراجع العلماء، ويستفتي حتى يطمئن إلى الأمر الذي يقدم عليه.
    على أي حال، فإن المسلم مطالبٌ بأن يُعمل تفكيره، ويعود إلى نفسه، ويراجع أهل العلم والبصيرة؛ ليصل إلى ما يراه الأقرب للصواب، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾ (النحل).
    ولما كانت الانتخابات من الأمور التي جدَّت في حياة المسلمين؛ اقتضى الأمر بيان الحكم الشرعي فيها، وبيان وجه الحقِّ فيها.
    المعلوم أن المسلم دائمًا تنبثق رؤياه من كونه يعيش في مجتمع، ويلتزم بعقيدة، ويلتزم بدين، والمسلم بطبيعة الحال من واجباته الأساسية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، يقول الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران)، ويقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران).
    فمن واجب المسلم الذي يعيش في أي مجتمع أن يسهم إيجابيًّا في حلِّ قضايا هذا المجتمع، بحسب وجهة نظره الإسلامية، وبالتالي فإذا أتيح له أن يشارك في انتخاب النواب الذين ينوبون عن الأمة في المسائل التشريعية أو في اختيار الحكومة، وفي إعطاء الثقة لها، أو نزعها منها، وفي درء المفاسد عن الأمة، وغير هذا من المصالح المترتبة على دخول النواب في مجلس الشعب؛ فإذا أتيح للمسلم أن يشارك في انتخاب هؤلاء النواب؛ فإن وجهة النظر الشرعية أنها فرصة لا يجوز للمسلم أن يضيِّعها، إذ لا بد أن يكون لها دور في إزالة بعض المنكرات، أو إشاعة بعض أنواع المعروف، أو رفع الظلم عمومًا عن الناس، ومنهم المسلمون، أو في إبعاد الفساد عن الدولة، ذلك الفساد بجميع أشكاله الذي يضر الناس جميعًا، ومنهم بالطبع المسلمون.
    وإذا تخلف المسلم عن المشاركة في مثل هذا الأمر؛ فقد قصر في القيام بواجبه الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ".
    وإن من أهم وسائل إنكار المنكر أن ينكره النائب عن الأمة، الذي يتلقى الناس عادة، وتتلقى الحكومات ويتلقى ذوو الرأي كلامه بالقبول، وتنشره وسائل الإعلام على كل صعيد، ومن ثَمَّ كانت المشاركة في الانتخابات ترشيحًا وإدلاءً بالصوت نوعًا من الجهاد الأكبر؛ لأن فيها جهدًا كبيرًا يبذل لخدمة الإسلام والوطن والمسلمين، وسائر الناس أجمعين، وفيها كذلك رفع لبعض الضرر عن الأمة، وكذلك إزالة لبعض المنكرات من حياتها ضمن الحدود التي يستطيعها النائب الذي يتقدم إلى ذلك المجلس التشريعي.
    نعم هي جهاد أكبر؛ لأنها فريضة الوقت، فقضية الإسلام اليوم هي انحراف كثير من الحكومات عن دين الله تبارك وتعالى وعن شريعة الحق، وشيوع الفساد في كثير من الجوانب ومناحي الحياة على أيدي رجالات الدولة، والجهاد الأكبر هو في إصلاحهم أو استبدالهم.
    ولا شك أن المشاركة في الانتخابات هي الوسيلة المعاصرة الآمنة لذلك، وهي التي تدخل في حدود الاستطاعة.
    أما الذي لا يشارك في عمليات الانتخابات، فإنه يفوته القيام بهذا الواجب، وإن كان يقوم بواجبات أخرى، لكنها ليست بديلاً فيما نرى عن المشاركة في الانتخابات وأي أنشطة أخرى لا تزيل عن المتخلف إثم التخلف عن هذه المشاركة.
    فالقائم بهذا الأمر له أجره، والمتخلف عن هذا الواجب عليه إثمه، والله تعالى يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء).

    وبناءً على ذلك نقول:

    أولاً: العمل النيابي عن الأمة هو أسلوب من أساليب الحسبة، والمجالس التشريعية (مجلس الشعب وغيره) هي منبر من منابر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبخاصة إذا كان الاعتماد في الحسبة هو التغيير باللسان وليس بالقوة التي لا تؤمن عواقبها، ولا شك أن الحسبة واجب شرعي عيني يمكن أن يكون باليد بشروط، كما يمكن أن يكون باللسان بشروط، كما يمكن أن يكون بالقلب وهو الحد الذي لا يعذر المسلم بتركه.

    ثانيًا: أُطمئن الذين يترددون عن المشاركة بزعم أن المشارك في مجالس لا تلتزم بأحكام الإسلام يُضطر إلى أن يقبل بأحكام تخالف شريعة الله؛ أقول أبدًا، إن المشاركة في المجالس النيابية لا تُلزم بقبول أي موقف تشريعي أو سياسي يُخالف الشريعة، بل للنائب أن يُعارض، وله أن يقدم البديل، وله أن ينتقد، وله أن يقاطع، وله أن ينسحب، وله أن يقدم المشروعات التي تتوافق وروح الشريعة السمحاء، فإذا كانت المشاركة للنائب لا تُلزمه بقبول موقف غير شرعي، فهذا دليلٌ على إباحتها وجوازها، وعدم الجواز إنما يتعلق بالذين يمارسون النيابة عن الأمة بصورة غير شرعية، والذين يسكتون عن القوانين الباطلة، ولا يعارضونها، ولا يعملون على إصلاح النظام بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.
    بل أقول: إن عدم الدخول في المجالس النيابية وعدم المشاركة فيها، وعدم القيام بهذا الأمر مع القدرة والاستطاعة؛ أشبه بالهروب من المسئولية والتولي يوم الزحف؛ لأن ترك هذه المواقع لمن يسخرونها لمحاربة الإسلام، ومخالفة الشريعة واستلاب حقوق الضعفاء والمحرومين من أي ملة كانوا؛ ينافي مقاصد الشرع الحنيف الذي جاء للعمل على تحقيق العدالة والمساواة، ورفع الظلم والقهر والتسلط عن عباد الله في حدود المستطاع.

    ثالثا: المشاركة في المجلس النيابي أو التشريعي هي باب من أبواب الدعوة إلى الإسلام، وعرض أفكار الإسلام ومبادئه، من خلال المناقشة والحوار والاحتكاك بالآخرين، بل المجلس النيابي منبر من أخطر المنابر الدعوية وأعمها وأشملها وأفعلها، في إيصال الصوت الإسلامي إلى كلِّ الناس، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومواقعهم السياسية والنقابية والعلمية والاقتصادية.
    حقيقة: إن المشاركة فرصة لعرض المشروع الإسلامي من جميع جوانبه، وبجميع مفرداته؛ حتى لا يبقى للناس على الله حجة.
    وأخيرًا.. إن المشاركة في المجالس النيابية والتشريعية من شأنها أن توفر الكثير من الفرص لتحقيق مصالح الناس، ودرء المفاسد عنهم، وتقديم المشروعات التي تساعد على تحقيق الإنماء المتوازن والإعمار المتوازن، والدعوة إلى تكافؤ الفرص أمام جميع أبناء الأمة.
    وعلى هذا فإن مشاركة الإسلاميين في المجالس التشريعية في كلِّ الأحوال، باتت ضرورةً ملحَّة، تفرضها اعتبارات كثيرة:
    منها: الانتقال بالطرح الإسلامي من المستوى النظري التجريدي الوعظي الخطابي إلى المستوى العملي التجريبي.
    ومنها: تعريف الغير بالمشروع الإسلامي وأصالته ونقائه وخصائصه المختلفة، وخصوصًا بعد أن أصابه تشويه مفتعل متعمد من أولئك الذين تكلموا باسمه أو مارسوا تحت عنوانه ممارسات شاذة غير صائبة وغير حكيمة.
    ومنها: أننا حين نترك مشروعنا الإسلامي ليتحدث عنه الغالون، أو يتحدث عنه الجافون فإننا نظلم مشروعنا الإسلامي، وإن من واجبنا أن نُعَرِّف الغير بحقيقة هذا المشروع بأصالته وجزالته ونقائه ومرونته.
    ومنها: الانتقال بالحركة الإسلامية من إطار الشريحة التنظيمية إلى إطار الحالة الجماهيرية، وبالتالي تطوير الطرح والخطاب والممارسة تطويرًا نوعيًّا كميًّا من شأنه أن ينتقل بالحركة من قيادة النخبة إلى قيادة الأمة.
    ومنها: أن من واجبنا تعبئة الفراغ الذي خلفه سقوط التيارات العلمانية والقومية المختلفة، التي كانت وإلى فترة غير بعيدة مصادرة للقرار السياسي باسم المسلمين، هذه التيارات التي سقطت، وبان عوارها، وانكشفت سوءاتها، يحتاج الأمر إلى ملء الفراغ الذي خلفه سقوطها، ولا يملأ هذا الفراغ إلا حملة دعوة الإسلام، ورسالة الإسلام الذين يجب أن يفقهوا هذا الأمر، وأن يشاركوا في هذه العملية.
    ومنها: تحقيق حالة الانسجام مع المدِّ الإسلامي الدعوي والمقاوم المتنامي في كلِّ أرجاء الدنيا، والذي يتهيَّأ لأخذ دوره على كلِّ صعيد؛ لنقوم بطرح الإسلام كبديل حضاري وتشريعي وحيد، ليس للمسلمين فقط، بل للبشرية برمتها.
    إنه لم يعد مقبولاً أن تبقى الساحة الإسلامية بعيدة عما يجري، وغير عابئة ولا مشاركة ولا صانعة لما يجب أن يجري، أو لما يمكن أن يجري.
    إن على كل فصائل الحركة الإسلامية أن تتقدم للمشاركة في هذه العملية الانتخابية تحت سقف مشروع إسلامي وطني واحد؛ لمواجهة العربدة والمشاريع الأمريكية الصهيونية التي تريد أن تجتاح الأمة على كل صعي

    في مقاطعة الانتخابات تعطيل للقواعد الشرعية:
    إن مقاطعة الانتخابات ترشيحًا أو اقتراعًا، في هذه الظروف التي نعيشها، ما لم تكن له أسباب مصلحية معتبرة، من شأنه أن يُعطِّل جميع القواعد الفقهية التي تتعلق برفع الحرج عن الأمة.

    إن القواعد الشرعية تقول: المشقة تجلب التيسير.
    وتقول: إذا ضاق الأمر اتسع.
    وتقول: الضرر يُزال.
    وتقول: الضرر لا يُزال بالضرر.
    وتقول: إذا تعارضت مفسدتان رُوعِي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.
    وتقول: درء المفاسد مقدَّم على جلب المنافع.
    وتقول: يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام.
    وتقول: يجب الأخذ بأخف الضررين وأهون الشرَّين، إلى آخر هذه القواعد التي تتعلق برفع الحرج عن الأمة، وإن المقاطعة تُعطِّل هذه القواعد، بل المقاطعة هي سكوتٌ عن الحق، وهي قبولٌ بالمنكر، وهي قعودٌ عن الإقدام على تغييره، ولا شك أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والساكت على المنكر، هو ذلك المعنى بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُوُنَّهُ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمْ".
    وإن أشد المنكرات خطورةً لهي المنكرات السياسية، التي تُؤصِّل للاستبداد، وتمنع الناس حقوقهم، فتترتب عليها المظالم الاجتماعية والمفاسد الاقتصادية، وسائر أنواع الفساد في كل نواحي الحياة.

    المشاركة تدرئ المفاسد عن الأمة:
    إن المشاركة الانتخابية ترشيحًا واقتراعًا، من شأنها أن تدرئ الكثير من المفاسد عن الأمة، فعلى سبيل المثال: يمكن أن يحقِّق الأداء النيابي الأهداف التالية:

    أولاً: تقويم بعض السياسات التربوية، التي من شأنها حين يتم تقويمها أن تنعكس إيجابًا على تكوين أجيال مسلحة بالعلم والأخلاق، تبني مجدها، وترفع لواء أمتها.

    ثانيًا: تقويم بعض السياسات الإعلامية، التي من شأنها أن تنتقل بوسائل الإعلام من حالة التخريب الأخلاقي إلى حالة البناء.

    ثالثًا: تقويم بعض السياسات الاقتصادية، التي من شأنها أن تحقق للأمة الكفاية والرفاهية والعيش الكريم، في التعليم والغذاء والعلاج والإسكان، وغير ذلك، إضافةً إلى ما يمكن استحداثه من مؤسسات مصرفية غير ربوية؛ تدفع الحرج الشرعي عن المسلمين، وتيسِّر للمتورعين عن التعاطي الربوي فرصة استثمار أموالهم استثمارًا شرعيًّا حلالاً.

    رابعًا: تقويم بعض السلوكيات من خلال تقديم مشاريع بقوانين من شأنها الحد من التداعيات الأخلاقية، وكبح جماح ظواهر العُهر والفجور والفساد الأخلاقي والتحلل الأخلاقي، وتعاطي المخدرات، وغيرها من أسباب الإدمان الكحولية وغير الكحولية، ومن خلال تحصين الأجيال المسلمة، ودفعها إلى التمسك بالقيم الدينية والمكارم الأخلاقية.

    خامسًا: تقويم بعض السياسات البيئية، والتي من شأنها حين يتم تقويمها التخفيف من الأخطار الناجمة عن تخلف أساليب التخلُّص من النفايات ودخان المصانع والسيارات، إضافةً إلى المخاطر الناجمة عن شركات ومستودعات الغاز والنفط المتجاوزة أبسط قواعد المحافظة على الاعتبارات البيئية والصحية والأمنية.

    مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني من خلال المجالس النيابية:
    إن العمل من خلال المجالس النيابية والتشريعية، يُمَكِّن من تحقيق المواجهة الصحيحة للمشروع الأمريكي الصهيوني، ويمكن من خلال ذلك وقف زحف العولمة الفكرية والتربوية والإعلامية والأمنية والعسكرية، على غرار ما تقوم به المقاومة الباسلة في فلسطين والعراق وغيرها، والتي تواجه هذا المشروع في الميدان العسكري، ومن شأن دخول الصوت الإسلامي البر الطيب النافع أن يوفر دعمًا قويًّا، وأن يُعلِّي من الحس الوطني الجهادي الذي يساعد على مواجهة هذه المشاريع، التي تهدف إلى تغريب الأمة وبسط هيمنة الأجانب عليها، والتي يسعى النظام الدولي وقوى الاستخبار في العالم إلى فرضها على منطقتنا.

    الانتخابات مشروع شرعي أصيل:
    ثم إني أقول لأولئك الذين يتصورون أن الانتخابات ليس لها أصل شرعي.
    أقول: بل الانتخابات مفهوم شرعي أصيل.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايعه الأنصار في بيعة العقبة الثانية قال: "أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى كفلاء قَوْمِهِمْ وأكون كفيلاً على قومي".
    إذًا النبي يطلب من جموع الأنصار التي جاءت تبايعه أن تخرج له اثني عشر نقيبًا، ومعنى هذا أن تنتخب هذه المجموعة اثني عشر يمثلون هذه المجموعة كلها، وينوبون عنهم في عقد المبايعة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
    صحيح لم يحدث انتخابات بالصورة التي تحدث في يومنا هذا، لكن هذه كلها أشكال لعملية الانتخاب، لكن المضمون واحد، وهو عملية الانتخاب.
    بل أرسل الله إلى بني إسرائيل وبعث منهم اثني عشر نقيبًا.
    والمقصود بالنقابة أن النقيب كفيل عن قومه.
    فقضية انتخاب فئة تمثل الأمة قضية إسلامية ومفهوم إسلامي أصيل، وأشكال هذا الدور يتغيِّر من وقتٍ إلى آخر، ولا بأسَ من ذلك ما دام المضمون قائمًا وصحيحًا.

    التزوير للانتخابات لا يدفعنا إلى اليأس:
    وأقول للذين يتقاعسون، ويقولون: نحن نقاطع الانتخابات لأنها ستُزور مثل كل مرة، ولن ينجح أحد ممن سنختارهم، والأولى بنا أن نقاطعها؛ لأنها لا فائدةَ من الإدلاء بالصوت فيها؛ لأن النتيجة محسومة سلفًا.
    أقول لهؤلاء: أيها الأحبة، لقد قرر الإسلام الشورى باعتبارها قاعدة من قواعد الحياة الإسلامية، وأوجب على الحاكم أن يستشير، وأوجب عن الأمة أن تتناصح، واعتبر النصيحة هي الدين كله، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" فقال الصحابة: لِمَنْ؟ قَالَ: "للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".
    ومعنى النصيحة لأئمة المسلمين، أي: لأمرائهم وحكامهم، فقد جعل الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةً لازمةً، وجعل أفضل الجهاد كلمة حق تُقال عند سلطان جائر، وجعل مقاومة الطغيان والاستبداد والفساد أرجح عند الله من مقاومة الغزو الخارجي، واعتبر المجاهد بكلمة الحق عند الجوَرة والظَلمة، أعلى درجةً من المجاهد في الميدان؛ لأن الغزو الخارجي غالبًا ما يأتي عند حصول الفساد الداخلي، وإذا نظرنا إلى نظام الانتخاب أو التصويت، فإنه باب من أبواب النصيحة الشرعية التي لا يصح التخلُّف عنها لأي سببٍ من الأسباب.
    ومن واجبنا أن نعمل على إنقاذ السفينة، شاء الناس أم أبوا، قبل المفسدون أم رفضوا، إنما نحن الذين يجب أن نقوم بدورنا، وأن نمنع بخروجنا وبمواقفنا التزوير، ونمنع تزوير إرادة الأمة بخروجنا.
    ثم إن الانتخاب يعدُّ شهادةً للمرشح بالصلاحية، ومن ثَمَّ يجب أن يتوفر في الإنسان الذي يترشح والذي يُعطى هذا الصوت، يجب أن تتوفر فيه العدالة، ويجب أن تتوفر فيه الأسباب التي تجعله صالحًا للقبول، وعندئذٍ تكون الشهادة له شهادة حق، أما الشهادة لغير الصالح وغير الكفء وتقديمه؛ فهو لون من ألوان الزور الذي أمرنا الله باجتنابه فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: من الآية 30).
    نعم إنه لا يحل لنا أن نشهد بالصلاحية لمرشحٍ لمجرد أنه قريب أو ابن بلد أو لمنفعة شخصية قدَّمها، أو ترتجى من ورائه، بل يجب أن تُقام الشهادة لله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلهِ﴾ (الطلاق: من الآية 2).
    والذي يتخلف عن أداء هذا الواجب، وعن أداء هذه الشهادة ويؤدي تخلفه إلى رسوب الكفء الأمين، وإلى فوز غيره، ممن لم تتوفر فيه أوصاف القوي الأمين، فالذي يفعل هذا يكون قد خالف أمر الله في الشهادة، فقد دُعي للشهادةِ فأبى، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (البقرة: 282).
    وكَتَم الشهادة حين احتاجتها الأمة، فالله تعالى يقول: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 283).

    ليس الترشيح تزكية للنفس المنهي عنها:
    سائل يسأل: أليس الترشح بابًا من أبواب تزكية النفس؟ وهو أمر غير مقبول شرعًا، فالذي يرشح نفسه للدخول في الانتخابات، ألا يدخل ذلك من باب التزكية؟، والله تعالى يقول: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: من الآية 32).
    نقول: ليس الترشح للانتخابات- إذا صحت نية المتقدِّم والمرشح- من باب تزكية النفس، إنما يدخل في بابٍ من يظن في نفسه القدرة على تمثيل الناس، والمطالبة بحقوقهم، ورفع الظلم عنهم، وأداء المصلحة لهم، وهذا أشبه بقول سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: من الآية 55)، فهو عليه السلام وعلى أنبيائنا أجمعين، قدَّم نفسه إلى الولاية على الشئون المالية للناس؛ لما يعلم في نفسه من الأمانة والحفظ، أما طلب الإمارة، فهذا الذي جاء في الشريعة التحذير منه، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّا وَاللَّهِ لاَ نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ"، وهذا بالنسبة للولاية العامة على شئون الأمة، أما التمثيل النيابي في البرلمان، فهو وكالة عن الأمة للمطالبة بحقوقها، ورفع الظلم عنها، ودرء المفاسد عنها، ومحاسبة الحكومات، ومتابعة عملها، وليس له علاقة بالولاية التمثيلية التي يقوم بها رئيس الجمهورية أو الملك أو الأمير أو رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو غيرها من الولايات العامة على الأمة.
    ومع ذلك فإننا نرى أن تقوم الحركات الإسلامية يترشيح مَن تتوسم فيه الخير من أعضائها أو من غيرها من الإسلاميين، الذين يحملون المشروع الإسلامي، وتقدمهم إلى الأمة، وتدعو الناس إلى انتخابهم، وبهذا تُبعِد أية شبهة في طلب الولاية، أو في تزكية النفس، وهذا ما تفعله الحركة الإسلامية حين تختار بعض رموزها أو بعض أفرادها، أو بعض من تتوسم فيهم الخير؛ لتقدمهم إلى الترشح، ليمثلوا الأمة في المجالس التشريعية.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 16 ديسمبر 2017 - 19:59