hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    تأملات في القرن الأمريكي التالي؟

    شاطر
    avatar
    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تأملات في القرن الأمريكي التالي؟

    مُساهمة  alhdhd45 في الخميس 2 يونيو 2011 - 16:17

    القرن الأمريكي

    من المؤكد أن هاتين الكلمتين تشكلان أحد أشهر التعابير في التاريخ الدولي الحديث. وكان أول من صاغ العبارة الناشر الأمريكي الناجح جداً، هنري لوس، عندما عنون بها إحدى المقالات التي كتبها في عدد شباط 1941 من مجلته (لايف). وإذ جاءت قبل أشهر من هجوم هتلر على الاتحاد السوفياتي وقصف اليابان لبيرل هاربر فقد كانت، بالنسبة للحقبة القادمة، فرضاً جازماً بما لا يخلو من الدهشة. يهلل لوس في مقالته ويقول: "الخبرة الأمريكية هي مفتاح المستقبل.. يجب أن تكون أمريكا في الأخوية البشرية الأخ الأكبر للأمم". ومع علمنا برغبة الكونغرس في تفادي الحرب، وضآلة حجم الجيش الأمريكي إذ ذاك، والطموحات الواسعة للقوى العظمى الأخرى المدججة بالسلاح فقد كان طرح هذا التصور ينطوي على مجازفة.


    كم كانت الفكرة ستبدو بالنسبة للمراقبين الأجانب بعيدة الاحتمال لو لقيت التعاضد قبل 40 سنة، في مستهل القرن الذي زعم لوس بأنه القرن "الأمريكي"؟ صحيح أنه حوالي عام 1900 بدا أن العديد من القوى الأكثر تقليدية (فرنسا، إسبانيا، امبراطورية الهابسبورغ) قد أخذ يتلاشى، وأخذت تطرح الفكرة القائلة إن القرن العشرين ستهيمن عليه أربع إمبراطوريات عظمى -البريطانية، الروسية، الأمريكية، الألمانية -والتي ستتنافس فيما بينها. ومما لاريب فيه أن هذه الرؤية الداروينية للصراع في المستقبل بين "الأربعة الكبار" قد تركت أثرها على الأدميرال فون تيربيتز عندما كان يسعى لإنشاء اسطول أعالي البحار، وأثارت حماس الامبرياليين البريطاني من أمثال جوزيف تشامبرلين ليدفعوا باتجاه الإصلاحات في امبراطوريتهم، وحركت النزعات التوسعية الروسية من مختلف الأشكال. وصحيح أن الأمريكيين تحدثوا أيضاً، مع نهاية القرن، عن "المصير الواضح" لبلدهم، لكن المسألة هي أن السباق للهيمنة على المشهد العالمي خلال الـ 100 سنة التالية كان مفتوحاً على مصراعيه في نظر أغلب الخبراء الاستراتيجيين. كما أن القليل من الشخصيات ذوات القدرة على التنبؤ خارج الولايات المتحدة -من أمثال رئيس الوزراء البريطاني ويليام غلادستون، وربما ويلهلم الثاني( ) نفسه الذي دعا عام 1896 أمم أوروبا للاتحاد ضد هيمنة أمريكية اقتصادية وسياسية مقبلة -قد أحسوا بأن واشنطن قد تصبح يوماً مركز الشؤون العالمية.


    بلاد مدهشة:
    ما الذي رأوه هم والعدد الأكبر من الوطنيين الأمريكيين أنفسهم في هذه البلاد المدهشة وحدا بهم لافتراض تأثير أمريكي عالمي متصاعد دوماً؟ لاريب أن العامل الأول كان القوة الاقتصادية الصرف. ليس شرطاً أن يكون المرء ماركسياً كي يدرك أن الإمكانيات المادية لأمريكا -الأرض الشاسعة، والموارد المعدنية الهائلة، والإنتاج الصناعي الواسع القفزات، والشبكات الضخمة من الخطوط الحديدية والبرية، والموانئ التي تعج بالنشاط، والوفرة من أصحاب الملايين - قد ترجمت إلى أهمية سياسية واستراتيجية أيضاً. وعند مشارف الحرب العالمية الأولى كان الناتج القومي للولايات المتحدة يضاهي مثيله لدى كل القوى العظمى الأخرى مجتمعة. هذه الإحصائية كانت ستذهل (وتقلق) بسمارك أو بالمرستون( ).


    لكن كان هناك علائم أخرى أقل قابلية للقياس أوحت بأن البلاد على عتبة النهوض. كان هناك همة لدى الناس، سواء أكانوا بارونات الاستلاب المتحدين أو المزارعين على الأطراف، مما شكل نقيضاً تاماً لعادات العالم القديم الثابتة دون تغيير. وكان هناك إحساس بانتفاء الحدود أمام إمكانية النمو في المستقبل، وهذه الثقة أشاعها في النفوس شساعة البلاد ذاتها بالمقارنة مع الدول الصغيرة المكتظة كانكلترة، وإيطاليا، وهولاندة. هذه الصورة العريضة للحركة الصاعدة قد جذبت بدورها الملايين من المهاجرين الجدد الساعين وراء الثروة إلى الولايات المتحدة كل عام مما رفع من شأن الثروة الوطنية ككل.


    وبالطبع كان هناك العديد من الجوانب السلبية لهذا المجتمع الأمريكي الصعب المراس الذي يمور بالحركة والنشاط والذي أخاف المراقبين الأجانب الأكثر تقليدية. فقد بدت شؤونه السياسية، ولاسيما وقت الانتخابات، فاسدة للغاية حتى بالمقاييس الأوروبية. وقد شاع الاعتقاد بأن كل صوت في الكونغرس يمكن شراؤه. كما أن ثقافته الشعبية نبذت محبي الجمال والمفكرين الأوروبيين كما لازالت تفعل إلى اليوم. كذلك أوحت طاقاته الاجتماعية الخام بعوز في السيطرة، والإفراط، وعدم الاستقرار. ولعل الأمر المريح بالنسبة لهؤلاء المراقبين أن الولايات المتحدة قد ظهرت أيضاً أنها ذات شأن ضئيل في الشؤون العالمية بعد حربها القصيرة الأمد مع إسبانيا عام 1898. فقد ابتهجت لعزلتها عن أوروبا، وكان الكادر التنفيذي فيها ضعيفاً، وبالرغم من أنها امتلكت سلاحاً بحرياً ذا شأن إلا أن جيشها كان صغيراً. كانت أمريكا غريبة الشكل (بكلا المعنيين) لكن دون أذى. وقد كان هذا سوء إدراك شائع لتلك الحقبة.


    وكما تبين فقد كانوا على صواب أولئك الذين شعروا بالغريزة أن طاقات أمريكا الكبيرة سيكون لها عاجلاً أو آجلاً أثرها على الموازين العالمية -يستذكر المرء هنا أيضاً السير إدوارد غراي أو ونستون تشرتشل الشاب. فقد وصف كلاهما الولايات المتحدة بأنها "آلة صناعية هائلة". وعندما دخلت القوى الأوربية الحرب في آب 1914 تطلع معظم الخبراء صوب نتيجة سريعة وحاسمة، لكن نظراً لأن كل جانب كان يتشكل من تحالف واسع من الدول بموارد إنتاجية وبشرية ضخمة، فقد عنى ذلك أن الحرب لن تنتهي بسرعة. ومع التزايد السريع في نفقات الحرب فقد بحث كلا الطرفين عن أعضاء جدد وخطباودّ تركيا، وإيطاليا، وبلغاريا، ورومانيا، واليونان، واليابان.
    على أن البلد الوحيد كما نوّه عالم التاريخ البريطاني أ.ج.ب. تايلور منذ سنوات مضت الذي امتلك القدرة على تغيير الموازين الدولية كان تلك الأمة التي تبعث على الدهشة فيما وراء الأطلنطي، الولايات المتحدة. فبحدود سنة 1915 كان تأثيرها المالي قد أخذ يلفت الانتباه، وفي سنة 1918، سنة الأوج، كانت قواتها العسكرية قد أخذت تضع حداً للأزمة المستحكمة على الجبهة الغربية. زد على أنه ترتب على القادة والجماهير في أنحاء العالم أن تتصارع مع التأثير الإيديولوجي الواسع للوجود الأمريكي؛ مناداة وودرو ويلسون بحق تقرير المصير الوطني، والسلام دون نصر، وحرية الملاحة في البحار، كما تردد صدى النظام العالمي الجديد في كل مكان من دانتزيغ إلى دهلي مغيّراً لهجة الخطاب السياسي للأبد.


    طريق متطوّح للصدارة
    لكن إذا كان مقدراً للولايات المتحدة أن تكون الدولة المسيطرة التالية في العالم فإن طريقها للصدارة كان متطوحاً وفاتراً في آن. بعد عام 1919 كانت أمريكا قوة عظمى عيوفة للغاية. فبحسب كل أنواع المقاييس صوّت الكونغرس إلى جانب سياسة الانعزال والحياد. كما تم التخلي عن عصبة الأمم، ابتكار ويلسون الأكثر مدعاة للفخر. والجيش الذي ازداد على نحو واسع في 1917-1918 قد خفّض على نحو واسع أيضاً. وكان هناك من الاقتراحات مايدعو إلى إلغاء الفيلق البحري، وذهب الأمر ببعضهم إلى التساؤل حول جدوى الاحتفاظ بوزارة الخارجية. كما تم إغلاق المكتب السري المسؤول عن فك الشيفرات الأجنبية. وعلى الجانب الاقتصادي اتخذت الأمة سياسات تكاد تصل إلى التمركز التام على الذات كما انخفضت إلى حد لم يسبق من قبل حصة ناتجها القومي من التجارة الخارجية. ومع ذلك، وعلى النقيض من ذلك، فقد ازداد تأثير السياسة الأمريكية التجارية والمالية في الخارج أكثر من أي وقت مضى كما تمثل في تتابع الكوارث العالمية التي أعقبت انهيار وول ستريت عام 1919 والإلغاء الحقيقي للتجارة الدولية المفتوحة الذي أثاره مرسوم هاولي- سموت للتعرفة عام 1930. وقد كان العالم بحاجة ماسة إلى "دائن السبيل الأخير المتبقي" ولم يكن هناك سوى أمريكا من يملك الموارد للعب ذلك الدور، لكنها لم تسلك هذا السبيل. وعليه ففي الثلاثينيات لم تعد تحتل موقعها الطبيعي في مركز المسرح العالمي بل وقفت، شأنها شأن نظيرها السوفييتي الذي لايقل غرابة عنها، في الأطراف بينما واجهت الديمقراطيات الغربية المستضعفة صعود الديكتاتوريات الفاشستية.


    من الصعب معرفة كم من الوقت كان يمكن لهذه الحالة الغريبة أن تستمر -ذلك لأنه ما كان الرئيس روزفلت ومستشاروه لوحدهم بقادرين على إخراج أمريكا من عزلتها- لو لم تحدث الاعتداءات المتكررة والمتنامية لأدولف هتلر والقيادة العسكرية اليابانية. وعلى الرغم من حدة مقاومة اللوبي الانعزالي فقد أرغمت الولايات المتحدة تدريجياً على مواجهة التهديدات في أوروبا والباسيفيك، وعلى صياغة استراتيجية للتعامل مع تلك التهديدات. ومع تدمير فرنسا والدول الأوربية الأصغر، وغزو الاتحاد السوفياتي، وحصار بريطانيا فقد أرغمت أمريكا مرة أخرى على احتلال موقع المركز في المسرح العالمي. وقد كان هذا هو المغزى الكامن وراء دعوة هنري لوس عام 1941 مواطنيه لأن يلجوا القرن الأمريكي.


    والحق أن زمن أمريكا قد أزف. ولم يكن سوى لدى الولايات المتحدة القدرات الصناعية الاحتياطية على التفوق على الدول الفاشية في القدرة على البناء وتمويل قواتها وقوات حلفائها المفلسين من خلال منظومة الإعارة والتأجير( )الفريدة. وكلما تعمقت الحرب ازدادت هذه الإمكانية تحققاً. فمقابل كل سفينة تجارية تغرقها الغواصات الألمانية (U-boats) كانت أمريكا تبني ثلاثاً أخرى. ومقابل كل طائرة حليفة تسقط فوق أوروبا أو جنوب الباسيفيك كانت أمريكيا تصنع خمساً غيرها. وفي سنة 1944وحدها قامت بتجميع الرقم الإجمالي المذهل 96.000 طائرة وأطلقت حاملة طائرات كل بضعة أسابيع. وعندما توقفت عمليات القوى الجوية الألمانية واليابانية بسبب نقص الوقود كان لدى الولايات المتحدة قدرة إضافية مكّنتها من نقل رزم هدايا عيد الميلاد إلى جنودها في كل مكان من العالم. لم يكن هناك ماهو مستحيل. فلو كان تصنيع القنبلة الذرية الجديدة غير المجرّبة سيتطلب بلايين الدولارات فإن تلك المبالغ ستكون في المتناول.


    الأخ الأكبر
    وعليه، فبحدود 1945 كانت مرامي لوس قد تحققت في أنحاء شتى من العالم. وسواء أحببنا ذلك أو لم نحب فقد كانت أمريكا "الأخ الأكبر" في كل الأنحاء من البرازيل إلى أوستراليا إلى البحر المتوسط. وفي خضم الإفلاس القومي والإنهاك الذي أصاب معظم البلدان الأخرى بقيت وحدها تنعم بالصحة والقوة، وحدها استطاعت أن تصب المال لإعادة البناء بعد الحرب. لقد حلت الآن وإلى حد كبير محل الامبراطورية البريطانية كأكبر أمة بحرية، وتجارية، ومالية، وغدت القوة المسيطرة الجديدة. كانت المخطط الرئيس للهندسة الدولية الجديدة، ولذلك لم يكن مستغرباً أن مؤسسات بريتون وودز( ) (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي) استقرت في واشنطن وليس في لندن، وأن منظمة الأمم المتحدة أنشئت في نيويورك وليس في جنيف مما يعكس هذا الواقع الجديد. كانت قواتها المسلحة هائلة العدد، وكانت تحتكر صناعة القنبلة الذرية.


    من الصعب البت في كم كان الكونغرس والشعب سيقلّص من باع أمريكا الدولي لو استقرت الشؤون الخارجية بعد 1945. كان هناك عديد الانسحابات من القواعد الجوية والعسكرية فيما وراء البحار، وتخفيض جذري في عدد أفراد القوات المسلحة. وكان هناك الكثير من الأمريكيين الذين رغبوا في العودة إلى أيام ماقبل الحرب. لكن كل هذه الحسابات اختلت بسبب التدهور المفاجئ في العلاقات مع الاتحاد السوفياتي وبدء الحرب الباردة. وإذ التمسوا "الدروس المستقاة" من سنوات التهدئة والانعزال فقد عمد القادة الأمريكيون وبسرعة إلى عكس المسار ووعدوا، كما ورد في مبدأ ترومان، بتقديم الدعم لكل الديمقراطيات التي طالبت به. أعطيت الضمانات العسكرية بسخاء كان سيصيب بالذهول الآباء المؤسسين -إلى اليونان وتركيا، وإلى الحلفاء الآخرين في حلف الناتو، وإلى اليابان، وأوستراليا، وبقية دول الأمريكيتين. عادت القاذفات الأمريكية إلى قواعدها الجوية السابقة في بريطانيا، وعادت القوات الأمريكية إلى ثكناتها في الراين وبافاريا. ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت العبارة "Pax Americana" (السلم الأمريكي) شائعة. والحق أن القوة الأمريكية في مقابل دول العالم الأخرى كانت، ربما، أكثر وضوحاً للعيان من أي وقت، منذ بروز قوة الامبراطورية الرومانية بالقياس إلى جيرانها.
    ومع أن الحرب الباردة قد حفزت على الانشغال الأمريكي بالعالم فإنها، وياللغرابة، أخفت وضعها الفريد. لقد تضافرت العوامل التالية: وجود الاتحاد السوفياتي بما يملك من قوات تقليدية كبيرة العدد و(بعد فترة قصيرة) ترسانة نووية، ومن معه من الدول الحليفة في أوروبا الشرقية والعالم النامي، وما يشهره من إيديولوجية منافسة خاصة به، تضافرت لتوحي بأن هذا كان نظاماً ثنائي القطب، عالماً مؤلفاً من قوتين عظميين. وفي أواخر الستينيات كان خروتشيف يعد باللحاق بالولايات المتحدة ودفن الرأسمالية في غمار هذه العملية. ثم نشأت سلبيات أخرى. فقد عافت كثير من البلدان النامية الكتلتين معاً. وكانت هناك نزعة معادية لأمريكا في أوروبا وفي الأمم المتحدة. ولم تسبب الحرب الفيتنامية الاضطرابات داخل البلاد فحسب بل الانتقاد المرير لأمريكا في الخارج. وقد أومأت نهاية نظام بريتون وودز في عام 1971 إلى وجود نقاط ضعف اقتصادية متنامية. كما أن فضيحة ووتر غيت أضعفت الرئاسة الأمريكية. وكان الإخفاق الأمريكي في إيران بمثابة مذلة وإهانة. قاد صعود اليابان وشرق آسيا عموماً إلى انتقادات للتقنيات الصناعية الأمريكية وخشية اللحاق بأمريكا. وقد أوحى كل هذا ليس بقرن أمريكي بل بأمريك على طريق التراجع النسبي.


    متنبؤو القدر المحتوم
    كان هناك الكثير من الحقيقة في هذه السلبيات لكن فات متنبئي القدر المحتوم عدد من النقاط الهامة. الأولى هي أن المنافس الرئيس لأمريكا- الاتحاد السوفياتي- كان يبدي نقاط ضعف اقتصادية أكبر، رغم أن الكثير من مؤيدي الحرب الباردة قد رفضوا، ولعدة سنين، التسليم بهذا الأمر. كانت روسيا، حسب تعبير المؤلف بول ديب Pall Dibb، "القوة العظمى غير المكتملة"- وليس غير مكتملة فقط بل تخسر المواقع باطراد وتتكشّف أمورها. ومع اعتراء الاتحاد السوفياتي الضعف فقد فقد سيطرته على أوروبا الشرقية ثم على أقطاره غير الروسية داخل الاتحاد. وقد سدد هذا ضربة قاضية حقيقية للجاذبية الدولية للشيوعية ومن ثمّ إلى شعبية التخطيط والسياسات الاشتراكية.
    العامل الثاني كان القدرة اللازمة للصناعة الأمريكية على "إعادة التزويد بالمواد" من مطالع الثمانينات ومابعد وبالتالي استعادة الكثير من مركزها القيادي الأول في التصنيع والإنتاج. وقد واكب هذا التجديد في الروح الصناعية عادة إجراءات قاسية: تقليص حجم اليد العاملة، القضاء على اتحادات العمال أو إضعافها على الأقل، خلق ملايين الوظائف غير المؤمنة، خارج أوقات الدوام، إعادة موضعة الإنتاج في مواقع اليد العاملة الرخيصة في بلدان العالم النامي. هذا، ولم يشعر أي بلد أوروبي، باستثناء بريطانيا في عهد مارغريت تاتشر، أن بوسعه فعل الشيء ذاته، ذلك لأن البلدان الأخرى كانت تقيدها "العقود الاجتماعية" لفترة مابعد الحرب. وحتى في يومنا هذا يوجد مقاومة شديدة للأسلوب الأمريكي الرأسمالي. إنما لايسع هؤلاء النقاد أن ينكروا أن النتيجة النهائية للتجديد الصناعي الأمريكي تمثلت في أن الماكنة الاقتصادية الأمريكية قد أصبحت أكثر تنافسية بكثير ومحط حسد الكثيرين من رجال الأعمال الأجانب.


    زد على أن التكنولوجيات الأمريكية الجريئة والجديدة في السبعينيات والثمانينيات قد أفادت مواطن القوة الأمريكية. فأجهزة الكومبيوتر، وأنظمة الاتصالات، وتطبيقات البرمجة الجديدة ومقدم الانترنت قد شكلت معاً "ثورة معرفية" ماكان لها أن تنبثق إلا عن اقتصاد لامركزي ومجتمع لامركزي، وكذلك فقد أفادت مثل هذا المجتمع أكثر بكثير من إفادتها لاتحاد سوفييتي متصلب أو أوروبا أو يابان تقيدها البيروقراطية. لقد وفرت الثورة المعرفية دورة تغذية راجعة أفاد منها أولئك الناس (من أمثال بيل جيتس( )) الذين أوجدوها في المقام الأول. ولم ينطو هذا على فائدة تجارية فحسب. فالقوات الأمريكية المسلحة كذلك غنمت كثيراً من الأخذ بهذه الأنواع الجديدة من التكنولوجيا لزيادة فعاليتها القتالية مما جعل القدرة العسكرية الأمريكية لاتضاهى في العديد من النواحي العملياتية والاستراتيجية الحربية.

    ثقافة لم تعرف حدوداً
    في حين أن المفكرين الأوروبيين قد يزدرون فظاظة وجشع أمريكا رونالد ريغان وطبيعتها اللامبالية كان عشرات الملايين من مجتمعات أخرى -في أوروبا الشرقية، والكاريبي، وشرق آسيا- يلهثون جميعاً للوصول إلى الولايات المتحدة حيث كانوا يأملون في إيجاد حياة أفضل لعائلاتهم. ومع قبول الملايين من المهاجرين الإضافيين كل عقد تعزز الإحساس بوجود ثقافة أمريكية لم تعرف حدوداً.


    إضافة إلى ذلك دفع السياسيون الأمريكيون، من ريغان حتى كلينتون، عمداً باتجاه المزيد من التحولات الاقتصادية في سعيهم لتخفيض النفقات الحكومية (والتوقعات الشعبية فيما يمكن أن تقدمه الحكومة لمواطنيها)، وتخفيض الضرائب، وإلغاء كل أشكال القيود على تبادل العملات ورؤوس الأموال. وقد عنت ليبرالية رأس المال هذه - والتي اتبعها البريطانيون أيضاً بشغف، لكن البلدان الأخرى ببطء وفتور -أن مبالغ ضخمة من رأس المال المغامر كانت تدور الآن في أرجاء المعمورة بحثاً عن فرص الاستثمار، لتكافئ البلدان والأصقاع التي تقفّت الممارسات الأمريكية في دعه يعمل Laissez- Faire، وتعاقب تلك التي حاولت أن تقاوم سواء كانت فرنسا متيران أو أندونيسيا سوهارتو.
    ونظراً لأن ثورة الاتصالات في العقدين الماضيين قد تمركزت بصورة رئيسة في الولايات المتحدة فقد قاد هذا إلى تصدير الثقافة الأمريكية، سواء عن قصد أو غير قصد. ولم يعن هذا ببسالة انتشار قوانين السوق الحرة في التجارة، أو الأساليب الأمريكية في اللباس، أو الفنادق الأمريكية (حتى أن الهيلتون في سنغافورة لايختلف في شيء عن الهيلتون في دالاس). إذ شملت أيضاً الانتشار الأهم ربما لثقافة الشباب الأمريكي - MTV، الألبسة المبتذلة، الجينز الأزرق، مقاهي الهادر روك، سينما هوليوود وغيره. لم توفر أية واحدة من هذه، المتعة الفكرية، فقد كانت شديدة وصاخبة تقدم اللذة المباشرة - لكن بالنسبة للشباب في العالم كانت في غاية الجاذبية بسبب رسائلها المحرِّرة من القيود. كذلك كانت خفية تراوغ محاولات آيات الله المسلمين، والقوميسارين السوفييت، ووزراء التربية الفرنسيين لمنع تسلل هذه العادات الأمريكية "الخطرة".

    ورغم أن أفلام هوليوود وثقافة الشباب الأمريكي قد تكون هابطة فكرياً فقد كانت هناك خيوط أخرى للانبعاث الأمريكي في العقدين الأخيرين أشارت إلى التمركز المتزايد للمهارات العالمية الثقافية، والعلمية، والتكنولوجيا داخل حدود هذا البلد الواحد. فهو موطن للمخابر العلمية الكبرى التي طورتها مخابر بل Bell Labs وآي بي أم IBM أو الصناعات البيوتكنولوجية والدوائية الناهضة. وأصبح يهيمن على صناعة البرمجيات العالمية. وهو يملك المصادر الفكرية العصية على التصديق في جامعات بحوثه الكبرى التي لايمكن ببساطة لأنظمة التعليم العالي في البلدان الأخرى أن تنافسها راهناً. هذا، ويوفر السجل السنوي للفائزين بجائزة نوبل للعلوم شاهداً منتظماً على هذه الهيمنة. ويتقاطر الدارسون الشباب من سكوتلاندة وكمبوديا، الهند والبرازيل للدراسة في أمريكا. ونقلت شركات الأدوية الألمانية مخابر أبحاثها إلى الطرف الآخر للأطلنطي، بينما تسيّر مجالس إداراتها أعمال الشركات باللغة الانكليزية.


    وعليه، ففي كل أبعاد القوة تقريباً سواء كانت "القوة اللينة" لثقافة الشباب أو "القوة القاسية" للمواد العسكرية، في كل المجالات من المال إلى المعرفة تبدو الولايات المتحدة حالياً في موقع أفضل نسبياً في العالم من أي وقت مضى منذ الأربعينيات. ويعود هذا جزئياً لاستثمار واستعادة مصادر قوتها الذاتية لكن هذا ناجم بالتأكيد أيضاً عن مواطن الضعف الخطيرة لدى منافسيها. فقد تفكك الاتحاد السوفياتي، وروسيا تكاد لاتقوى على إطعام وحكم نفسها. والنظام المصرفي الياباني يقترب بشكل خطير من الذوبان. والصين تصارع المشاكل التي تأثرت بها كل آسيا. أما أوروبا، فبالرغم من أنها تسير تدريجياً نحو الوحدة المالية فإنها لاتزال بعيدة عن التماسك والفعالية السياسية الواحدة. ومع تشرذم القوى الرئيسة الأخرى ربما كانت الولايات المتحدة في نهاية هذا العقد أقرب من أي وقت مضى من حلم هنري لوس عن قدوم القرن الأمريكي.


    آفاق أمريكا المستقبلية
    ما الذي يمكن قوله، إذن، عن آفاق أمريكا للقرن القادم؟ هل سيزداد موقعها النسبي تحسناً؟ هناك من الدلائل مايشير إلى مثل هذه الإمكانية: فعولمة المعايير التجارية الأمريكية تستمر دون هوادة، والثقافة الأمريكية لاتفتأ تصل إلى أمداء أبعد، والتحول إلى الديمقراطية يتواصل انتشاراً في أصقاع جديدة من المعمورة. وبينما يتطلع الوطنيون المحليون صوب "أمركة" كل شيء يصاب الوطنيون الأجانب من كندا إلى ماليزيا بالهلع. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من الناس، كما هو واضح، يتوقعون فعلاً تنامي موقع أمريكا في العالم.


    على أن هناك من التوجهات الأخرى مايشير إلى اتجاه معاكس. فكلما حصل مزيد من الأمركة والعولمة ازداد احتمال رد الفعل المعادي كما نشهد حالياً في روسيا وأندونيسيا، وفي أماكن كثيرة أخرى حيث يشعر السكان أنهم تركوا عرضة للرياح الهوجاء للرأسمالية العالمية.
    ثانياً، ورغم أنه من الصعوبة التنبؤ بحالة، لنقل، أوروبا أو الصين في الـ 25 سنة القادمة فإن كلتيهما تملكان إمكانية تحقيق المساواة مع الولايات المتحدة أو التفوق عليها، على الأقل من ناحية القوة الاقتصادية. زد على أنه بالرغم من الحكومة الأمريكية وجدت سهولة نسبية في توحيد شعبها، وحلفائها، ضد العدو المشترك إبان الحرب الباردة فإنها ستجد صعوبة أكبر بكثير في توحيدهم الآن حين تبدو التهديدات للمصالح الأمريكية أكثر انتشاراً وأكثر تعقيداً. وأخيراً فإن المشهد الأمريكي الداخلي المضطرب، وتعمق حروب أمريكا الثقافية الخاصة يوحي بأنها قد تواجه صعوبة أكبر في إيجاد قادة يمكنهم التركيز على القضايا الدولية مما واجهته أثناء الحرب الباردة. إن أياً من هذه الأسباب المذكورة أعلاه أو جميعها يمكن أن يقلل من دور أمريكا القيادي في العالم.


    وينهض السؤال عما إذا كان من الحكمة قياس "القوة" و "التأثير" في المستقبل بكل بساطة من منظور الدول - الأمم كأمريكا وروسيا، أو الدول - المؤتلفة كالاتحاد الأوروبي. إن لامركزية المعرفة تعمل لصالح الأفراد والشركات، وليس لصالح الأمم ذاتها. إن المال في العالم "محلول الرباط" ويقوم بحرية ومن الصعوبة تصور إمكانية السيطرة عليه. يعتقد كثير من المراقبين أن الشركات الكبرى المتعددة القوميات بما لها من مقدرة على نقل الموارد من صقع إلى صقع على كوكبنا تمثل حقاً اللاعبين أصحاب السلطة على المسرح العالمي. كذلك يشكل تجار المخدرات في العالم والإرهابيون الدوليون تهديدات جديدة وكأداء للقوى التقليدية للدول. وعليه، مامدى "التأثير" الذي يمكن تحديده فعلاً على أنه أمريكي أو غير أمريكي؟


    والأكثر من هذا، من العسير ألا نسمع، والقرن يقترب من نهايته، صرير أجزاء عديدة من بنيان الشؤون الدولية وصريفها تحت وطأة الضغوطات المستجدة باتجاه التغيير. يعتقد كثير من المراقبين أننا نقترب من العتبات الحقيقية - في الأضرار البيئية التي ألحقناها بكوكبنا، وفي الزيادات الهائلة المتواصلة في عدد السكان، وفي سرعة التحول العصية على السيطرة التي تسم نظامنا المالي - وأن مجتمعات عظمى ستنهار بكل بساطة أمام هذه الضغوطات.


    هل ستتمكن الولايات المتحدة، مع حلفائها أو بدونهم، من معالجة هذه التحديات المستجدة ولاسيما في عصر الحكومة المنقسمة في واشنطن؟ ليس واضحاً أنها ستتمكن، وهذا يعني أنه يترتب علينا أن نرى إلى القرن الواحدة والعشرين بصورة مغايرة عما درجنا عليه بإزاء القرن الحالي.


    لاريب أنه كان للولايات المتحدة على مدى الـ 100 سنة الماضية من التأثير مالم يكن لأية بلاد أخرى، ولهذا السبب يمكن أن نسمي هذا القرن اختزالاً: "أمريكياً" أكثر مما بدا القرن السادس عشر اسبانياً، والقرن الثامن عشر فرنسياً، والتاسع عشر بريطانياً. كذلك ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة ستدخل القرن الحادي والعشرين كقوة عالمية من الدرجة الأولى. لكن ما إذا كانت ستستمر على هذا النحو في القرن التالي وعلى مداه فهذا يبقى موضع تساؤل. ذلك لأن وتيرة التغيرات التكنولوجية، والمالية، والديمغرافية، والبيئية التي تؤثر على كوكبنا في العصر الحالي هي من العمق بحيث يبدو أمراً يعدم التبصر أن نزعم أن القرن التالي لابد أن يكون أمريكياً أيضاً. وعن طريق اختيار سياسات ذكية من الممكن أن تبقى الولايات المتحدة في القمة لسنين قادمة. ومع ذلك فمن الحكمة أن نتذكر سؤال فولتير: "إذا سقطت روما وقرطاجة فأية قوة هي الخالدة؟" وقد كان جوابه "ولا واحدة".
    بول كينديى خبير مختص في تاريخ العلاقات الدولية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 15 ديسمبر 2017 - 16:51