hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    وليمة العرس وآدابها

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وليمة العرس وآدابها

    مُساهمة  Admin في الإثنين 6 يونيو 2011 - 20:29

    تأليف
    د/ آمال يس عبد المعطي البنداري
    أستاذ الفقه المقارن المساعد
    كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة
    جامعة القاهرة

    الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأصلي وأسلم على خير خلق الله سيد الأنام، سيدنا محمد وعلى آله، وصحابته رضوان الله عليهم، وعلى التابعين من بعدهم إلى يوم الدين.
    وبعد:
    النكاح مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية لعمارة الكون وحفظ العرض وشرف النسب، ولهذا أولته الشريعة اهتمامًا بالغًا، وأمرت بإشهاره وإعلانه بشتى الوسائل تمييزًا له عن السفاح( ).
    فأمرت بالإشهاد عليه، وإشهاره بجمع الناس لوليمته، وإعلانه بالضرب بالدف ليشيع أمره وينتشر.
    ولم تجعل في مال الرجل للمرأة قبل الدخول عليها سوى أمرين:
    المهر ووليمة العرس.
    وهذا إن دلَّ، فإنه يدل على أن النكاح من أعظم العقود، التي يبني عليها استقرار المجتمع، واستقراره يكون بنشره وإعلانه بين الناس لنزول كل شبهة أو لبس، وحتى لا يكون هناك مجال للطعن في الأنساب أو التجاحد والإنكار.
    والوليمة وإن كانت وسيلة من وسائل إعلان النكاح، ففيها أيضًا تكريم للمرأة وقومها، بعمل طعام يجمع الأهل والإخوان والأصدقاء والجيران، فيضفي ذلك شعورًا بالود والسرور في بداية الحياة الزوجية، كما أن فيها شكرًا لنعمة الله على النكاح الذي به تتحقق مصالح الدنيا والدين.
    منهاج البحث:
    1- حاولت خلال عرض البحث الخروج بالموضوع من الدائرة التقليدية من تقسيم البحث إلى أبواب وفصول، ثم تقسيم الفصول إلى مباحث، والمباحث إلى مطالب، واقتصرت أثناء العرض على فصول، وجعلت كل فصل مستقل بذاته تندرج تحته مجموعة من الموضوعات التي تشمله دون إخلال بكل فصل.
    2- عرضت في كل مسألة ذكرتها في البحث أقوال الفقهاء، وأدلتهم، ومناقشتها مع بيان الراجح منها، معتمدة في ذلك على أمهات الكتب الفقهية الأصيلة.
    3- لما كان موضوع الوليمة ثابتًا بسنة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية، فقد اعتمدت على أمهات الكتب في الحديث الشريف تخريجًا ودلالةً وتوضيحًا لبعض معانيه مشيرة إلى المصادر الأصلية، فإن عزَّ عليَّ الحصول على وجه الدلالة من مظان وجوده، أتصرف فيه بنفسي دون إشارة إلى مصدره.
    4- ترجمت لبعض الأعلام الذين وردت أسماؤهم في البحث، والذين رأيت لترجمتهم فائدة في سير البحث أو استشهدت بأقوالهم في ثنايا الحديث.
    5- بينت الألفاظ الغامضة التي وردت بالبحث مستعينة في ذلك بأمهات المصادر اللغوية.
    6- تناولت بعض القضايا المعاصرة التي لها مساس بحياتنا اليومية كالموسيقى والغناء والرقص، والتصوير الفوتوغرافي مبينة المباح منها والمحرم.
    أسباب اختيار الموضوع:
    كان لاختيار موضوع البحث أسباب كثيرة منها:
    1- معرفة الأحكام الشريعة المتعلقة بموضوع الوليمة جملةً وتفصيلاً.
    2- كثير من الأسر تشترط أن تكون الوليمة في قاعة فاخرة تتكلف الألوف من الجنيهات بقصد المباهاة، مما يثقل كاهل الزوج في بداية حياته الزوجية، وتحول حياته لجحيم يطارده شبح الدَّين، فيظل فترة من حياته يسدد ما أنفقه في ليلة واحدة، فأحببت بيان موقف الشرع من قدر الوليمة والمدة المثلى لها.
    3- ما رأيته من إسراف بعض الناس في الولائم من حيث تنوع الأطعمة، وكثرتها، ثم إلقاء الباقي في القمامة دون الإفادة منه، أو إعطائه للفقراء والمساكين.
    4- اشتمال بعض الولائم على منكرات من جلب راقصات عاريات، أو غناء فاحش، أو شرب الخمر والمخدرات، فأحببت بيان ما حرمه الشرع وما أباحه ابتهاجًا بليلة العرس، وأوضحت أن الدين لا يمنع من اللهو البريء الذي لا يتنافى مع قيمه.
    5- بيان موقف الشرع من حكم من يقصر دعوته على الأغنياء دون الفقراء بحجة أن هؤلاء دون المستوى أو لا يليق مجالستهم.
    6- بعض المدعوين يحضر في صحبته من لم يدعه صاحب الوليمة أو يقوم بحمل الطعام إلى داره دون إذن من رب الوليمة، فأحببت بيان موقف الشرع فيما يصدر من بعض المدعوين ويتنافى مع الآداب الإسلامية.
    لهذه الأسباب وغيرها كان اختياري لموضوع وليمة العرس.
    خطة البحث:
    اشتمل البحث على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة:
    في المقدمة: بينت مقصد الشرع من النكاح والحرص على إشهاره بإقامة وليمة يتم من خلالها إشهار العرس جريًا على العرف وتكريمًا للزوجة وأهلها.
    الفصل الأول: في حقيقة وليمة العرس وما يتعلق بها.
    وفيه:
    - تعريف وليمة العرس لغةً واصطلاحًا.
    - أنواع الولائم.
    - حكم وليمة العرس
    - مشروعية الوليمة
    - مقدار الوليمة
    - مدتها
    - وقتها
    - حكمة مشروعية الوليمة
    - حكم غيرها من الولائم
    الفصل الثاني: الدعوة لوليمة العرس
    وفيه:
    - شروط الدعوة وآدابها
    - حكم إجابة الدعوة
    الفصل الثالث: الآكل من الوليمة
    وفيه:
    - حكم من كان مفطرًا
    - حكم من كان صائمًا
    - حكم من أكل بغير دعوة
    - النثار وحكم التقاطه
    الفصل الرابع: موجبات إجابة الدعوة ومسقطاتها
    وفيه:
    - شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة (متى تجب)
    - مسقطات الإجابة (الأعذار التي تبيح التخلف عن الحضور)
    الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث
    وبعد:
    فهذا جهد المقل، وقد حاولت خلال عرض البحث استقصاء الموضوع من جميع أطرافه مستعينة في بعض مسائله بقضايا فقهية معاصرة رأيت أننا في حاجة إليها لنكون على بينة من أمرنا فيما نأتي وما نذر، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، ولكن عذري أني لم أقصر، فيما قصدت به وجه الله الكريم، ولكنها الطبيعة البشرية التي لا ترتقي للكمال، فالكمال لله وحده، والله من وراء القصد.

    الفصل الأول
    حقيقة وليمة العرس
    وما يتعلق بها
    وفيه:
    • تعريف وليمة العرس لغةً واصطلاحًا
    • أنواع الولائم
    • حكم وليمة العرس
    • مشروعية الوليمة
    • مقدار الوليمة
    • مدتها
    • وقتها
    • حكمة مشروعية الوليمة
    • حكم غيرها من الولائم

    الفصل الأول
    حقيقة وليمة العرس وما يتعلق بها
    تعريف وليمة العرس لغةً:
    وليمة العرس مركبة من كلمتين أضيفت الأولى إلى الثانية وهما: (الأولى) وليمة (الثانية) العرس.
    ولكل من الكلمتين في اللغة معنى.
    أما الوليمة: فهي في اللغة( ) مشتقة من الوَلْم، وهو: القيد والجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان.
    وأولم فلان: إذا اجتمع خلقه وعقله، وأولم فلان أيضًا: عمل وليمة.
    والوليمة: طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها.
    وعرفها( ) ابن منظور وغيره بأنها: كل طعام صنع لعرس وغيره.
    وقيل( ) الوليمة: طعام العرس والإملاك( ).
    وقيل( ) يسمى الطعام الذي يصنع عند العرس: وليمة، والذي يصنع عند الإملاك: نقيعة( ).
    أما العرس( ) في اللغة فهو: الزفاف والتزويج، يقال: أعرس بالمرأة: إذا دخل بها.
    وهذا يعني أن وليمة العرس هي الطعام الذي يعد عند الزفاف والدخول بالمرأة.
    أما تعريفها في الاصطلاح:
    الوليمة في اصطلاح الفقهاء لها تعريفات متعددة.
    فعند الحنفية( )، الوليمة: طعام العرس، وقيل الوليمة: اسم لكل طعام.
    وعند المالكية( )، الوليمة: طعام العرس خاصة.
    وعند الشافعية( ): (الوليمة تقع على كل طعام يتخذ عند حادث سرور) إلا أن استعمالها في العرس أشهر.
    وعرفها( ) الشربيني( ) بأنها تقع على كل طعام يتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما.
    وعند الحنابلة( ): هي اسم لدعوة العرس خاصة.
    وقيل الوليمة: تقع على كل طعام لسرور حادث.
    والأشهر( ) في الوليمة أنها إذا أطلقت انصرفت إلى وليمة العرس، أما في غير طعام العرس فلا تطلق إلا بقرينة فيقال وليمة الختان... إلخ.
    العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
    العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي وطيدة الصلة، إذ إننا لا نكاد نفرق بينهما، فقد اتفقا على أن الوليمة بمعناها العام هي كل طعام أعد لحادث سرور وبمعناها الخاص هي طعام العرس خاصة.
    الراجح من التعريفات الاصطلاحية:
    والذي يظهر لي أن الوليمة عند إطلاقها اسم لكل طعام سواء أكان لسرور أو غيره، فتشمل وليمة العرس وتشمل غيرها حتى وإن كانت لحزن.
    وعلى هذا فقول الحنفية: إن الوليمة اسم لكل طعام هو الراجح لا سيما وأن التعريفات الأخرى قد قصرت التعريف على الطعام المعد لحادث سرور فأخرجت الوضيمة - طعام المآتم الذي يصنعه الغير لأهل الميت - من جملة الولائم نظرًا لاعتبار السرور.
    ولكن الظاهر( ) أنها منها، واعتبار السرور إنما هو في الغالب، لهذا كان قولهم أولى بالاعتبار. والله أعلم
    ولما كان الأمر كذلك قيدت الحديث عن الوليمة بالعرس لتتميز عن غيرها من الولائم.

    أنواع الولائم
    الوليمة بصفة عامة هي إصلاح الطعام، واستدعاء الناس لأجله وهي أنواع( ):
    1- وليمة العرس: وهي الوليمة على اجتماع الزوجين، وبعبارة أوضح: هي التي تصنع عند الزفاف والدخول بالزوجة.
    2- وليمة الخُرْس: (طعام النفاس) وهي الوليمة على ولادة الولد. أما الطعام المعد للنفساء نفسها يسمى: خرسة.
    3- وليمة الإعذار: وهي الوليمة على الختان.
    4- وليمة الوكيرة ( ): وهي الوليمة على بناء الدار.
    5- وليمة النقيعة( ): وهي وليمة القادم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم من السفر، والتي تصنع له تسمى: التحفة.
    6- العقيقة: الذبح لأجل الولد، وبعبارة أوضح: هي الطعام الذي يصنع في سابع يوم الولادة فرحًا بالمولود.
    7- حِذاقة( ): وهو الطعام الذي يصنع عند ختم الصبي للقرآن، أو ختم قدر مقصود منه. ويحتمل أن تكون في حذقة لكل صنعة، أو تعلم العلوم.
    8- الشُنْدَخ( ) أو الشُنْدُخ: وهو طعام الإملاك (التزويج)؛ لأنه يتقدم الدخول. وقيل: وليمة الإملاك يقال لها: نقيعة( ).
    وبهذا يتبين لنا أن للنكاح وليمتين، وليمة عند العقد ويقال لها: شندخ أو نقيعة أو إملاك، ووليمة عند الدخول بالمرأة وتسمى وليمة العرس.
    9- مأدُبة، مأدَبة: وهي الوليمة لغير سبب، وبعبارة أخرى: هي الطعام الذي يعمله الجيران والأصحاب لأجل المودة، فإن كانت لقوم مخصوصين فهي النَّقَرَى( )، وإن كانت عامة فهي الجَفَلَى( ) قال طرفة( ) بن العبد:
    نَحنُ في المَشتاةِ نَدعو الجَفَلى
    لا تَرى الآدِبَ فينا يَنتَقِر

    10- وضيمة أو وضيحة( ): وهي طعام المآتم أو ما يتخذ عند المصيبة.

    حكم وليمة العرس
    اختلف الفقهاء في حكمها على ثلاثة أقوال:
    (الأول): أنها مستحبة وليست بواجبة، وبهذا قال جمهور الفقهاء من الحنفية( ) والمالكية( ) في قول هو المذهب( )، والشافعية( ) في قول هو الأصح والأظهر، والحنابلة( ) في رواية هي المذهب، وإليه ذهب الشيعة الزيدية( ) والإمامية( ).
    (الثاني): إنها واجبة وبهذا قال المالكية( ) في قول آخر، والشافعية( ) في قول آخر هو المنصوص( ) والحنابلة( ) في رواية ثانية، وهو قول الظاهرية( ).
    (الثالث): الوليمة من فروض الكفايات، إذا أظهرت الواحد في عشيرته أو قبيلته ظهورًا منتشرًا سقط فرضها عمن سواه، وإلا أثموا بتركها أجمعين، وبهذا قال الشافعية( ) في قول ثالث.
    وسأقتصر في عرض الأدلة على القولين الأوليين؛ لأن القول الثالث لم تظهر حجته، ولأنه لا تقوم وليمة مقام أخرى في الوجوب أو الاستحباب إذ القصد من الوليمة إشهار النكاح وإعلانه فلا يقوم الإشهار والإعلان في نكاح مقامه في الآخر إلا في حالات الزفاف الجماعي التي يقصد منها التغلب على مشاكل الغلاء والاقتصاد في التكاليف.

    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بالاستحباب:
    استدل جمهور الفقهاء القائلون بأن الوليمة سنة مؤكدة أو مندوبة بأدلة من السنة والمعقول.
    أ-من السنة:
    1- عن أبي حمزة، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته، تعني النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليس في المال حق سوى الزكاة»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث بعمومه على أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بطريق الأصالة؛ فخرج ما عداه والوليمة منها.
    2- قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أولم ولو بشاة»( ).
    فقوله( ) -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن عوف (أولم) أمر، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
    أ‌- من المعقول ( ):
    1- إن وليمة العرس طعام لحادث سرور فلم تجب كسائر الولائم.
    2- إن سبب هذه الوليمة عقد النكاح، هو غير واجب، ففرعه أولى بعدم الوجوب.
    3- إن الوليمة لو وجبت لتقدرت كالزكاة والكفارات، ولكان لها بدل عند الإعسار، كما يعدل المكفر في إعساره من عتق الرقبة إلى الصيام، فدل عدم تقديرها وعدم بدلها على سقوط وجوبها.
    4- إن الوليمة لو وجبت لكان مأخوذًا بفعلها حيًّا، ومأخوذة من تركته ميتًا كسائر الحقوق.
    5- إن الوليمة طعام لا يختص بالمحتاجين، فأشبهت الأضحية في كونها مستحبة.
    ثانيًا: أدلة القائلين بالوجوب:
    استدل المالكية في القول الثاني ومن تبعهم من القائلين بالوجوب بأدلة من السنة والمعقول:
    أ- من السنة:
    1- «عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة( )، فقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة على وزن نواة( ) من ذهب، قال: فبارك الله لك أولم ولو بشاة»( ).
    فقد( ) أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة؛ فلو رخص في تركها، لما وقع الأمر باستدراكها بعد انقضاء الدخول.
    2- قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أولم ولو بشاة»( ). فقد( ) أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة، والأمر للوجوب.
    3- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله»( ).
    فقد دلَّ الحديث على وجوب إجابة الدعوة، ووجوب الإجابة دليل على وجوب الوليمة.
    ب: من المعقول( ).
    1- إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما نكح قط إلا أولم في ضيق أو سعة.
    2- إن في الوليمة إعلانًا للنكاح تفرقة بينه وبين السفاح.
    3- لما كانت إجابة الداعي إليها واجبة، دلَّ على أن فعل الوليمة واجب؛ لأن وجوب المسبب دليل على وجوب السبب.
    المناقشة
    بعد العرض السابق لأدلة الفريقين؛ نوقشت أدلة القائلين بالوجوب من قبل القائلين بالاستحباب فقالوا لهم:
    1- استدلالكم بحديث عبد الرحمن بن عوف «أولم ولو بشاة».
    لا حجة ( ) لكم فيه؛ لأن الأمر محمول على الاستحباب، ولكونه -صلى الله عليه وسلم- أمره بشاة وهي غير واجبة اتفاقًا.
    أجيب عليهم: لم يرد ما يصرف الأمر من الوجوب للندب، ثم إن القصد من الوليمة فعلها لا بيان قدرها، فلا تلازم بين الوليمة وقدرها.
    2- استدلالكم بحديث: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» لا حجة( ) لكم فيه أيضًا على وجوب الوليمة؛ لأن العصيان في ترك الإجابة لا في ترك الوليمة، ولا غرابة في وجوب الإجابة دون الوليمة، ألا ترون أن السلام لا يجب الابتداء به، ورده واجب.
    أجيب عليهم( ): إن العصيان مخالفة الأمر، والمندوب مأمور به؛ لأن تركه عصيان، يترتب عليه ذم.
    الرأي الراجح
    والذي يظهر لي من خلال العرض السابق لأقوال الفقهاء؛ أن ما ذهب إليه القائلون بوجوب الوليمة أولى بالاعتبار وذلك للأسباب الآتية:
    1- إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بها عبد الرحمن بن عوف وقال له: «أولم» والأمر للوجوب ما لم يوجد صارف يصرف إلى الندب، ولم أجد صارفًا يصرفه عن الوجوب.
    2- إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أولم على زوجاته في السفر والحضر وفي السعة والضيق، فلو كانت محمولة على الاستحباب لتركها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في السفر أو الضيق تعليمًا لأمته، ولكنه لم يفعل فدل ذلك على وجوبها.
    3- قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس في المال حق سوى الزكاة» حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، ومع هذا فقد ورد بنفس السند ما يعارضه وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن في أموالكم حقًّا سوى الزكاة»( ). وإذا كان في المال حق سوى الزكاة، كانت الوليمة منها.
    4- إن السنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وقد أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة عند الدخول بالمرأة فلا يسعنا تركها؛ لأنها تتحقق بما قل وكثر.
    5- إن الوليمة لو كانت مستحبة لسكت عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أزواجه، وما أمر بها عبد الرحمن بن عوف وقد دخل بزوجته، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل فدلَّ ذلك على الوجوب.
    6- ولا يقول قائل: إن السنة ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها؛ لأن القائلين حتى بالاستحباب منهم من قال: إن الوليمة سنة( ) مؤكدة، والمؤكدة يثاب فاعلها ويعاتب تاركها، فتركها عند الحنفية قريب( ) من الحرام وليس بحرام. ويكفي في هذه المسألة مواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليها في جميع أنكحته، ولنا فيه عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة لقوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ )( ). وقال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )( )، وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة قولاً وفعلاً فوجب الاقتداء به.
    7- كما روي أن عليًّا رضي الله عنه لما خطب فاطمة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لابد للعروس من وليمة»( )، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الوليمة حق»( )، فقد دلَّ الحديثان على أن الوليمة واجبة؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لابد»( ) فيه دلالة على الإلزام، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «حق» تأكيد للمعنى السابق؛ لأنها إذا كانت حقًّا وجب فعلها.
    ولا يقول قائل: إن (حق) معناها( ) ليست بباطل؛ لأننا جميعًا نتفق على أن ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس بباطل، فلا داعي للعدول باللفظ عن ظاهره.
    يقول( ) ابن عبد البر( ) في هذا المقام: ما أعلم خلافًا بين السلف من الصحابة والتابعين في القول بالوليمة، وإجابة من دعي إليه. كما قال( ) الإمام الشافعي بعد أن تحدث عن الولائم: ومن تركها لم يبن لي أنه عاصٍ كما يبين لي في وليمة العرس؛ لأني لا أعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك الوليمة على العرس، ولا أعلمه أولم على غيره.
    لهذه الأسباب كان القول بوجوب صنع الوليمة أولى بالاعتبار. والله أعلم.
    مشروعية وليمة العرس
    لا خلاف( ) بين أهل العلم أن وليمة العرس مشروعة، وثابتة بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله.
    فقد قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «أولم ولو بشاة»( )، وثبت ( ) عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أولم على نسائه.
    فتكون الوليمة ثابتة بالسنة القولية والفعلية.
    مقدار الوليمة
    قال( ) القاضي عياض( ): أجمعوا على أنه لا حد لأكثرها ولا لأقلها، فما تيسر أجزأ.
    والمستحب أنها على قدر حال الزوج، أقلها للمتمكن شاة، ولغيره ما قدر عليه، استدلالاً بما يأتي:
    1- عن أنس رضي الله عنه قال: «ما أولم النبي -صلى الله عليه وسلم- على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة»( ) كما أنه -صلى الله عليه وسلم- أولم ( ) على ميمونة بنت الحارث لما تزوجها بمكة عام القضية، وطلب من أهل مكة أن يحضروا فامتنعوا بأكثر من وليمته على زينب.
    2- كما قال -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «أولم ولو بشاة»( ).
    وبأي شيء من الأطعمة أولم به جاز:
    1- لما روي عن صفية( ) بنت شيبة قالت: (أولم النبي -صلى الله عليه وسلم- على بعض نسائه بمدين( ) من شعير)( ). فقد دلَّ( ) الحديث على أن الوليمة تحصل بأي شيء من الأطعمة ولو مدين من شعير.
    2- كما أولم النبي -صلى الله عليه وسلم- على بعض نسائه بتمر وسمن كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: «أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- بين خيبر والمدينة ثلاثًا يبني عليه بصفية بنت حيي، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع( ) فألقى فيها من التمر والأقط والسمن فكانت وليمته»( ).
    فقد دلت الأحاديث بمجموعها على أن الوليمة تحصل بأي شيء من الأطعمة، حسب حال الزواج من اليسر أو العسر.
    وقال بعض أهل( ) العلم: إن الوليمة من النفقة الراجعة إلى العرف، فتسن بما يقتضيه العرف للموسر قدره وللمقتر قدره، لكن بشرط أن لا تصل إلى حد الإسراف أو المباهاة، فإن وصلت إلى حد الإسراف أو المباهاة، صارت محرمة أو مكروهة، وأقلها شاة للغني، ولو كان غناه كبيرًا يجعل شاتين أو ثلاثًا حسب حاله والعرف، بشرط ألا يخرج إلى حد الإسراف، وألا يراد بها المباهاة فإن وصلت إلى حد الإسراف، فالإسراف محرم، أو إلى حد المباهاة فإنها مكروهة.
    والظاهر مما تقدم: أن الوليمة يقدر قدرها حسب حال الزوج والعرف، ولا يشترط فيها لحم.
    وقد رأينا تنوع ولائم النبي -صلى الله عليه وسلم- بين لحم، وشعير، وتمر، وهذا الاختلاف ليس مرجعه تفضيل بعض نسائه على بعض، وإنما سببه اختلاف حالتي العسر واليسر.
    مدتها
    اختلف السلف في تكرار الوليمة على قولين:
    الأول: تجوز في يومين وتكره في اليوم الثالث، وبهذا قال الجمهور الفقهاء من الحنفية( ) والمالكية( ) في المختار عندهم والشافعية( ) والحنابلة( ) والزيدية( ) والإمامية( ).
    الثاني: يجوز الزيادة على يومين، وبهذا قال المالكية( ) في رواية أخرى، وإليه مال الإمام البخاري( ). فيستحب لمن كان من أهل السعة أن يولم أسبوعًا.
    وذهب البعض إلى جوازها ثمانية أيام حكاه الزرقاني( ) عن ابن سيرين.

    الأدلة
    أولاً:أدلة القائلين بالكراهة فيما زاد على يومين:
    استدل جمهور الفقهاء بأدلة من السنة والأثر.
    أ- من السنة:
    1- عن زهير بن عثمان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، واليوم الثالث رياء وسمعة»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على مشروعية الوليمة في اليوم الأول وعدم كراهتها في اليوم الثاني؛ لأنها معروف، والمعروف ليس بمنكر ولا مكروه، وكراهتها في اليوم الثالث؛ لأن الشيء إذا كان للسمعة والرياء لم يكن حلالاً.
    2- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة، ومَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ به»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على أن مَن أراد بعلمه الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك ثوابه، وفي هذا دليل على أنه لا ثواب لمن قصد السمعة والمباهاة.
    3- عن ابن عباس رفعه: «طعام يوم في العرس سنة، وطعام يومين فضل( )، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة»( ). فقد دلَّ( ) الحديث على أن الرجل إذا أولم ثلاثًا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة لما فيها من الرياء والسمعة.
    ب: من الأثر:
    عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم فأجاب، ودعي اليوم الثاني فأجاب، ودعي اليوم الثالث فحصَّب( ) الرسول ولم يجبه وقال: (أهل سمعة ورياء)( ). فقد دلَّ( ) الأثر على أن الإجابة في اليوم الثالث مكروهة، إذا كان هناك رياء وسمعة ومباهاة، فيكون الرابع وما بعده كذلك.
    ثانيًا: أدلة القائلين بجواز الزيادة على يومين:
    استدل المالكية في رواية والبخاري على جوازها أسبوعًا لأهل السعة، بأدلة من السنة والأثر.
    أ- من السنة:
    1- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها»( ).
    2- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب»( ) في رواية أخرى قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة العرس فليجب»( ).
    فقد دلت ( ) الروايات بإطلاقها على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل للوليمة وقتًا معينًا، ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها.
    3- عن أنس رضي الله عنه قال: «تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- صفية وجعل عقتها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام»( ). فقد دلَّ الحديث على عدم كراهة الزيادة على يومين في الوليمة.
    ب: من الأثر:
    عن ابن سيرين عن أبيه «أنه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام، فدعا في ذلك أبي بن كعب فأجابه»( ) وفي رواية أخرى: «أن سيرين عرس بالمدينة فأولم، فدعا الناس سبعًا، وكان فيمن دعا أبي بن كعب فجاء وهو صائم فدعا لهم بالخير وانصرف»( ). وفي رواية ثالثة جاء فيها أن الوليمة ثمانية أيام، فعن ابن سيرين قال: «تزوج أبي فدعا الناس ثمانية أيام، فدعا أبي بن كعب فيمن دعا، فجاء يومئذ وهو صائم، وصلى، يقول: دعا بالبركة ثم خرج»( ).
    فقد دلَّ الأثر بجميع رواياته وإن كانت رواية السبعة أصح - على جواز الزيادة على يومين.
    المناقشة
    بعد العرض السابق لأدلة الفريقين، نوقشت أدلة القائلين بكراهة الزيادة على يومين، فقيل لهم:
    أحاديث التقيد باليومين مردودة ( ) بما يلي:
    1- حديث: «الوليمة أول يوم حق....» حديث ضعيف من جميع طرقه، ففيه عبد الله بن عثمان الثقفي مجهول، وقال البخاري: زهير بن عثمان لا يصح إسناده، ولا نعرف له صحبة.
    وأخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة وفيه أبو مالك النخعي وهو ممن اتفقوا على ضعفه.
    2- حديث ابن مسعود: «طعام أول يوم حق....» فيه زياد بن عبد الله وهو كثير الغرائب والمناكير.
    3- حديث ابن عباس: «طعام يوم في العرس سنة...... » رواه الطبراني بسند ضعيف وفيه محمد بن عبد الله العزرمي ضعيف. وبالجملة فالحديث لا ينهض ليكون حجة.
    أجيب( ): إن هذه الأحاديث وإن كانت لا تخلو من مقال إلا أن كثرة طرقها وتعدد روايتها تجعلها صالحة للاحتجاج بها.
    قالوا: على فرض التسليم بصحة الحديث فهو حديث مقيد، وحديث: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب» مطلق، والمطلق مقدم على المقيد، لا سيما وأن الإطلاق ثبت بأحاديث صحاح.
    4- إن إطلاق كونه رياء وسمعة يشعر بأن ذلك صنع للمباهاة ونحن نتفق في ذلك معكم.
    ولكن إذا كثر الناس فدعا في كل يوم فرقة لم يكن في ذلك مباهاة غالبًا. فالكراهة في الحديث إنما تكون إذا كان المدعو في الثالث هو المدعو في الأول.
    الراجح
    بعد العرض السابق لأدلة الفريقين ومناقشة ما احتاج منها إلى مناقشة يظهر لي أنه إذا أمكن الجمع بين الأدلة فهو أولى لأن أعمال الأدلة كلها خير من إبطالها أو إبطال بعضها، فأقول:
    إن الدعوة وإجابتها تختص باليوم الأول؛ لأنه حق، والثاني سنة أو فضيلة لا سيما إذا كان المدعو في اليوم الأول غير المدعو في اليوم الثاني اعتبارًا بما يعرض للناس من ظروف فلا يتمكن البعض من الإجابة في اليوم الأول، أو يكون المكان ضيقًا لا يستوعب كل المدعوين، فإذا زادت على يوم فلا بأس ولكن إذا قصد بها الرياء والسمعة والمباهاة فتكون مكروهة( )، فإذا خلت من ذلك وكان الزوج من أهل الغنى واليسار، وقصد بالوليمة إشهار النكاح والتوسعة على الناس لا المباهاة فله أن يولم أكثر من يومين، بل ثبت عنه بسند حسن أنه أولم على صفية - رضي الله عنها- ثلاثة أيام، كما ثبت عن بعض السلف الزيادة على اليومين عند الأمن من المباهاة.
    وعلى هذا فالوليمة تكون يومًا أو يومين كما قال الجمهور؛ لأن حديث اليوم واليومين وإن كان فيه مقال، فإنه برواياته يدل على أن له أصلاً، وما زاد على ذلك فيجوز بضوابط:
    أولها: أن يكون الزوج من أهل السعة والغنى واليسار.
    ثانيها: ألا يقصد بزيادتها عن يومين السمعة والمباهاة.
    ثالثها: أن يكون المدعو أولاً غير المدعو ثانيًا.
    فإذا اختل شرط من هذه الشروط كرهت. والله أعلم.
    وقتها
    ذكرت أن للنكاح وليمتين (إحداهما) عند العقد وتسمى: شندخ أو إملاك أو نقيعة، وقد أشرت إليها في أنواع الولائم وسيأتي بيان حكمها مع جملة من الولائم.
    (والثانية) عند الزفاف والدخول بالمرأة وتسمى وليمة العرس.
    وقد اختلف العلماء في وقتها على ثلاثة أقوال:
    الأول: إنها مستحبة بعد الدخول وبهذا قال المالكية( ) في المشهور من المذهب وهو قول الإمام مالك فقد قال: أرى أن يولم بعد البناء، فإن فعلت قبل أجزأت؛ لأن غاية ما فيها أنها فعلت في غير وقتها المستحب.
    القول الثاني: إنها تستحب بالدخول وبهذا قال المالكية( ) في قول آخر والماوردي( ) من الشافعية( ) وابن تَيْمِيَّةَ( ) من الحنابلة( ) والشيعة الإمامية( ).
    القول الثالث: إن وقت استحبابها موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس وبهذا قال البغوي( ) من فقهاء الشافعية( ) والمرداوي( ) من فقهاء الحنابلة( ).
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين باستحبابها بعد الدخول:
    استدل المالكية في المشهور عنهم على استحباب الوليمة بعد الدخول بأدلة من السنة منها:
    1- عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك - رضي الله عنه- أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، فكن أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول من أنزل في مبتني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزينب بنت جحش، أصبح النبي -صلى الله عليه وسلم- بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام...( ) الحديث.
    فقد دلَّ( ) الحديث على أن الوليمة كانت بعد الدخول لقول أنس: (أصبح عروسًا بزينب).
    3- ما رواه أنس - رضي الله عنه- في قصة زواج النبي - -صلى الله عليه وسلم-- بصفية بنت حيي - رضي الله عنها- وفيها: حتى إذا كان بالطريق جهزتها( ) له أم سليم فأهدتها( ) له من الليل، فأصبح النبي - -صلى الله عليه وسلم-- عروسًا، فقال: من كان عنده شيء فليجئ به، قال: وبسط نطعًا، قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن فحاسوا حيسًا ( ) فكانت وليمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على أن وليمة العرس كانت بعد الدخول.
    ثانيًا: أدلة القائلين باستحبابها بالدخول:
    استدل المالكية في القول الآخر ومن تبعهم على ما ذهبوا إليه بدليل من القياس( ) فقالوا: إن الوليمة لإشهار النكاح، وإشهاره قبل البناء أفضل كالإشهاد.
    وأجابوا عن قول الإمام مالك إنها تكون بعد الدخول، فقالوا( ):
    يحتمل أمرين:
    الأول: أن يكون قاله لمن فاتته الوليمة قبل البناء.
    الثاني: لعله اختاره؛ لأن فيه معنى الرضا بما اطلع عليه الزوج من حال الزوجة.
    ثانيًا: أدلة القائلين بأن وقت استحبابها موسع:
    استدل البغوي والمرداوي بأن وقت الوليمة موسع من وقت العقد إلى انتهاء أيام العرس بدليل من المعقول فقالا( ): إن كمال السرور يكون بعد الدخول، وقد صحت الأخبار في هذا، لكن قد جرت العادة فعل ذلك قبل الدخول بيسير، فقلنا: إن الوقت موسع جمعًا بين الدليل النقلي والعمل بالعرف.
    الراجح
    والذي يظهر لي أن القول الثالث القائل باتساع وقتها هو الراجح جمعًا بين القولين السابقين؛ لأن إعمال الأدلة كلها خير من إبطالها أو إبطال بعضها.
    وعلى هذا فمن فعلها قبل الدخول فلا بأس؛ لأن القصد من الوليمة إشهاد النكاح، وإشهاره بإطعام الطعام عند الدخول أوقع، وهو ما عليه عمل الناس اليوم، وإن فعلها بعد الدخول فلا بأس لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولأن وقتها قد يخضع للظروف والعادات كمن تتزوج بتوكيل وتسافر لزوجها فيدخل بها ثم يصبح، ويعد لها وليمة يدعو لها الأصدقاء والجيران، ولكن الأفضل أن تكون قبل الدخول اعتبارًا بالعرف ولأنها أوقع في النفس. والله أعلم.
    حكمة مشروعية وليمة العرس
    شرعت وليمة العرس لحكم( ) جليلة منها:
    1- شكر الله تعالى على نعمة النكاح، وعلى ما أولاه للإنسان من انتظام تدبير المنزل، وعلى ما يصرفه إلى عبادة وينفعهم به.
    2- التلطف بإشاعة النكاح، وأنه على شرف الدخول بالزوجة، إذ لابد من الإشاعة لئلا يبقى النكاح محلاً لوهم الواهم في النسب، وليتميز النكاح عن السفاح بادئ الرأي، ويتحقق اختصاص الرجل بالزوجة على أعين الناس.
    يقول( ) الباجي( ) في هذا الصدد: أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوليمة لما فيها من إشهار النكاح مع ما يقترن بها من مكارم الأخلاق.
    وقال( ) مالك: استحب الإطعام في الوليمة وكثرة الشهود ليشتهر النكاح وتثبت معرفته.
    3- البر بالمرأة وقومها، فإن صرف المال لها، وجمع الناس في أمرها يدل على كرامتها عليه، وكونها ذات بال عنده.
    ومثل هذه الأمور لابد منها في إقامة التآلف والتواصل فيما بين أهل المنزل لا سيما في أول اجتماعهم.
    4- إن تجدد النعم يورث الفرح والنشاط والسرور، ويحفز على صرف المال حيث إن الإنسان ملك ما لم يكن مالكًا له، وفي إتباع تلك الداعية تمرن على السخاء والبعد عن الشح والبخل إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح.
    ولما كان في وليمة العرس جملة صالحة من فوائد السياسة المدنية والمنزلية، وتهذيب النفس والإحسان، أبقاها النبي - صلى الله عليه وسلم- ورغب فيها، وحث عليها، وعمل هو بها، ولم يضبطها النبي -صلى الله عليه وسلم- بحد مثل المهر الذي يختلف باليسر والعسر ليتمكن كل إنسان من الإنفاق حسب قدره، للموسر قدره وللمقتر قدره.

    حكم غيرها من الولائم
    ذكرت فيما سبق أن للنكاح وليمتين تحدثت آنفًا عن وليمة العرس وما يتعلق بها وبقي عندي بيان حكم غيرها من الولائم والتي منها وليمة الإملاك أو الشندخ إتمامًا للفائدة.
    وحكم هذه الولائم:
    مستحب( ).
    1- لما فيه من إطعام الطعام وجبر القلوب.
    2- كما أن في فعلها إظهار نعم الله والشكر عليها، وإظهار لإحسانه.
    3- اكتساب الأجر والمحبة.
    وهي ليست بواجبة( )، ولأن الإيجاب بالشرع ولم يرد الشرع بإيجابه. وقيل: تجب( ) وهو قول مخرج عند الشافعية لقول( ) الشافعي بعد ذكرها: (ولا أرخص في تركها).
    أما حكم إجابة الدعوة لهذه الولائم:
    اختلف الفقهاء في حكم إجابة الدعوة لهذه الولائم عدا وليمة العرس على ثلاثة أقوال:
    الأول: ليست بواجبة إلا أن أصحاب هذا القول منهم من حملها على السنية والاستحباب كالحنفية( ) والشافعية( ) وهو المذهب وبه قال الحنابلة( ) في رواية للأكثرية وهو قول العترة( ).
    وحملها ابن رشد من المالكية( ) على الإباحة عدا العقيقة والمأدبة فإن الحكم فيها الندب وهو ما نص ( ) عليه الإمام أحمد واستثنى أيضًا العقيقة فإنها تسن.
    الثاني: إجابة الدعوة واجبة وبهذا قال الشيخ أبو حامد( ) والمحاملي( ) من الشافعية( ) والحنابلة( ) في رواية أخرى والظاهرية( ).
    الثالث: إجابة الدعوة وحضورها مكروه إلا العقيقة فمندوب وبهذا قال المالكية( ). وبالكراهة قال بعض( ) الحنابلة، وهو قول( ) للإمام أحمد في دعوة الختان.
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بعدم الوجوب:
    استدل أصحاب هذا القول بما روي ( ) عن الحسن قال: (دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختان فلم يجب، وقال: لم يكن يدعى له على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
    فقد دلَّ الأثر على عدم وجوب إجابة الدعوة في الختان فكذا في غيرها.
    إلا أن الأذرعي( ) من فقهاء الشافعية( ) قال: الظاهر أن استحباب وليمة الختان محله في ختان الذكور دون الإناث، فإنه يخفي ويستحي من إظهاره ويحتمل استحبابه للنساء فيما بينهن خاصة.
    ثانيًا: أدلة القائلين بالوجوب:
    استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والأثر:
    أ- من السنة:
    1- ما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه»( ).
    2- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب»( ).
    فقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإجابة الدعوة مطلقًا عرسًا كان أو غيره.
    ب: من الأثر:
    عن نافع قال: (كان عبد الله بن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم)( ).
    فقد دلَّ الأثر على وجوب الإجابة مطلقًا.
    ثالثًا: أدلة القائلين بالكراهة:
    استدل المالكية ومن تبعهم من القائلين بكراهة وإجابة الدعوة إلى الولائم عدا العقيقة بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه كان يقول: «بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله»( ).
    فإذا ( ) كانت كما وصفها أبو هريرة رضي الله عنه وهو لا يقوله إلا عن سماع من النبي -صلى الله عليه وسلم-: يمنعها المحتاج ويحضرها الغني كانت مكروهة.
    أما حجة الإمام أحمد في كراهة إجابة دعوة الختان، فلعله الدليل الذي استدل به القائلون بعدم وجوب إجابة الدعوة إلى الولائم.
    الراجح
    والذي يظهر لي أن إجابة الدعوة واجبة في غير وليمة العرس بشروط سيأتي ذكرها في وليمة العرس، لعموم الأدلة الآمرة بالإجابة، والتي لم تفرق بين عرس وغيره، منها:
    1- قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله»( ).
    2- قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ائتوا الدعوة إذا دعيتم»( ).
    3- قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا»( ).
    فهذه كلها أدلة واضحة الدلالة على إجابة الدعوة على قليل الطعام وكثيره من غير تفرقة بين عرس وغيره، وإلا اعتبر المخالف عاصيًا لله ورسله، ومن خص هذه الأدلة بوليمة العرس فعليه الدليل، لا سيما وأن الأدلة صرحت بوجوب الإجابة لعرس أو غيره، والزيادة يجب المصير إليها. والله أعلم.

    الفصل الثاني
    الدعوة لوليمة العرس

    وفيه:
    شروط الدعوة وآدابها.
    حكم إجابة الدعوة.

    الفصل الثاني
    الدعوة لوليمة العرس
    شروط الدعوة وآدابها
    الدعوة لا بد لها من داعٍ ومدعو، ولكل منهما شروط وآداب ينبغي مراعاتها.
    أولاً: ما يشترط في الداعي:
    يشترط في الداعي للوليمة الشروط الآتية( ):
    الأول: أن يكون بالغًا، يصح منه الإذن والتصرف في ماله. فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته، ولم يجز لبطلان إذنه ورد تصرفه.
    الثاني: أن يكون عاقلاً لأن المجنون لفقده التمييز أسوأ حالاً من الصغير في فساد إذنه ورد تصرفه.
    الثالث: أن يكون رشيدًا يجوز تصرفه في ماله، فإن كان محجورًا عليه لم تلزم إجابته، حتى وإن أذن له وليمة؛ لأن وليه مندوب لحفظ ماله لا إتلافه.
    الرابع: أن يكون حرًّا؛ لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته لفساد إذنه. فلو أذن له سيده صار كالحر في لزوم إجابته.
    الخامس: أن يكون مسلمًا تلزم موالاته في الدين.
    فإذا كان الدعي ذميًّا، ففي لزوم إجابته ثلاثة أقوال:
    الأول: يجب إجابته، وبهذا قال الشافعية( ) في أحد الوجهين، والحنابلة( ) في رواية.
    الثاني: لا تلزم إجابته، وبهذا قال المالكية( ) والشافعية( ) في وجه آخر، والحنابلة( ) في رواية ثانية، إلا أن الحنابلة في هذه الرواية قالوا: الذمي وإن لم تلزم إجابته بيد أنها تجوز.
    الثالث: تكره إجابته، وبهذا قال الإمام أحمد( ) في رواية ثالثة.

    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بالوجوب:
    استدل القائلون بالوجوب بعموم الأدلة منها:
    1- ما روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها»( ).
    2- وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب»( ).
    فقد دلَّ الحديثان( ) بعمومها على وجوب إجابة الداعي من غير تفرقة بين مسلم وذمي.
    ثانيًا: أدلة القائلين بعدم وجوب إجابة دعوة الذمي:
    استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والمعقول:
    أ- من السنة:
    ما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على أن الوليمة تراد للإكرام والموالاة وتأكيد المودة والإخاء، وذلك منتف في حق الذمي، فلم تجب على المسلم للذمي.
    ب- من المعقول( ):
    1- أن المقصود من الطعام التواصل به، واختلاف الدين يمنع منه.
    2- أن طعام الذمي ربما كان مستخبثًا محرمًا؛ لأنه لا يؤمن من اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة، ونفس المسلم تعاف أكل طعامهم.
    أما القائلون بعدم الوجوب ولكن يجوز فقد استدلوا:
    بما روي عن أنس رضي الله عنه: أن يهوديًّا دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خبز شعير وإهالة( ) سنخة( ) فأجابه( ).
    فلم يمنع اختلاف الدين من الإجابة للدعوة.
    ثالثًا: أدلة القائلين بالكراهة:
    استدل الإمام أحمد بن حنبل على كراهة إجابة دعوة الذمي بدليل من المعقول( ) وهو:
    أن المطلوب هو إذلال أهل الكفر واحتقارهم، وذلك ينافي إجابته، ولهذا كانت إجابة دعوتهم مكروهة.
    الرأي الراجح
    والذي يظهر لي أن إجابة دعوة الذمي ليست بواجبة ولا مكروهة، ولكنها جائزة وذلك للأسباب الآتية:
    1- أن الإسلام لم ينهنا عن الأكل من طعام الذين أوتوا الكتاب ولم ينهنا عن البر بهم، فقال تعالى: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ )( ).
    فقد دلت الآية الكريمة على حل طعامهم ما لم يكن مشتملاً على محرم.
    وقال تعالى أيضًا: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ )( ).
    أي: أن الله تعالى لم ينهنا عن البر بأهل الكتاب، ومن البر بهم مشاركتهم أتراحهم وأفراحهم الدنيوية لا الدينية( ) لا سيما إذا كان في ذلك تأليف لهم ومصلحة.
    2- ثبت عن النبي( ) -صلى الله عليه وسلم- أنه أجاب دعوة اليهودي، وسئل الإمام أحمد: هل أجيب دعوة الذمي؟ قال: نعم.
    3- في جواز إجابة دعوة الذمي دليل على يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها ومظهر من مظاهر مراعاة الإسلام للمشاعر الإنسانية. والله أعلم.
    السادس: التصريح بالدعاء:
    يشترط في الداعي أن يصرح بالدعاء صراحةً أو ضمنًا.
    صراحةًSad ) كقول صاحب الوليمة للمدعو: احضر وليمتنا، أو أحب أن تحضر، أو أسألك الحضور، أو تأتي عندنا وقت كذا، أو إن رأيت أن تجملني بالحضور.
    وكما يحصل الدعاء بصريح القول يحصل أيضًا بالمكاتبة المراسلة بالجوابات أو البطاقات لأشخاص معينة لحضور الوليمة؛ لأن العرف بجميع ذلك جار.
    يقول الشيخ( ) ابن العثيمين( ) في هذا المقام: إذا وجد مع البطاقة قرينة تؤيد التعيين، وأن الداعي يريد حضور شخص بعينه فلها حكم التعيين، وتلزم بالحضور، وإلا فمجرد البطاقة لا يدل على التعيين.
    وأما ضمنًا( ): كقول رب الوليمة لرسول ثقة: ادع فلانًا، أو أهل العلم لحضورها وهم محصورون بموضع معروف، فإن هذا يعتبر دعاء لهم؛ لأن كل واحد معين ضمنًا.
    الآداب التي ينبغي على الداعي مراعاتها:
    1- ألا يظهر( ) قصد التودد لشخص لرغبة فيه، أو لرهبة منه، أو ليعاونه على باطل.
    2- أن يعم بدعوته جميع عشيرته أو جيرانه أو أهل حرفته أغنيائهم وفقرائهم، فلا يخص( ) الأغنياء دون الفقراء؛ لأن اختصاص الأغنياء بالدعوة إلى الوليمة دون الفقراء مكروه( ) لما يأتي:
    أ- ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله»( ). فالشر ( ) الكائن في الطعام إنما جاء من جهة صاحب الوليمة وكونه دعا إليها الأغنياء دون الفقراء.
    ب- كما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله»( ).
    أي ( ) أن الوليمة تكون شر الطعام إذا دعي لها الأغنياء وترك الفقراء؛ لأن ذلك من عادات الجاهلية.
    قال( ) ابن بطال( ): إذا ميز الداعي بين الأغنياء والفقراء، فأطعم كلا على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر، حيث دعا في وليمة الأغنياء والفقراء، فجاءت قريش ومعها المساكين، فقال لهم: (ها هنا فأجلسوا لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون)( ).
    3- ألا يقصد( ) الداعي بالوليمة والدعوة إليها المباهاة والافتخار، لما روي عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل»( ).
    والمتباريان: هما المتعارضان بفعليهما ليُرى أيهما يغلب صاحبه. وإنما كره ذلك لما فيه من المباهاة والرياء.
    وقد دعي بعض العلماء فلم يجب، فقيل له: إن السلف كانوا يدعون فيجيبون، فقال: كانوا يدعون للمؤاخاة والمواساة، وأنتم اليوم تدعون للمباهاة.
    مما روي أن عمر وعثمان -رضي الله عنهما- دعيا إلى طعام فأجابا، فلما خرجا، قال عمر لعثمان: لقد شهدت طعامًا وددت أني لم أشهده، قال: وما ذاك؟ قال: (خشيت أن يكون جعل مباهاة)( ).
    ثانيًا: شروط المدعو:
    يشترط فيمن دعي إلى وليمة أن تتوافر فيه الشروط( ) الآتية:
    الأول، والثاني: البلوغ والعقل، ليكون بالبلوغ والعقل ممن يتوجه عليه حكم الالتزام، ويتفرع على ما تقدم، حكم ذهاب النساء والصبيان إلى الوليمة هل يجوز أم لا؟
    نعم يجوز ( ) ذهاب النساء والصبيان إلى الوليمة، وإنه مشروع بغير كراهة، لما روي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أبصر النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءً وصبيانًا مقبلين من عرس، فقام ممتنًا( )، فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ»( ).
    الثالث: الحرية؛ لأن العبد ممنوع من التصرف لحق سيده، فإن أذن له سيده لزمته الإجابة حينئذ، وإن كان مكاتبًا نظر إن كان في حضوره ضرر بكسبه لم تلزمه الإجابة، وإن لم يكن حضوره مضرًّا بكسبه لزمته الإجابة.
    الرابع: أن يكون مسلمًا، فإن كان ذميًّا، لم تلزمه الإجابة وجهًا واحدًا؛ لأنه لا يلتزم أحكام شرعنا إلا عن تراضٍ.
    الخامس: أن لا يكون له عذر( ) مانع من الحضور.

    الآداب التي ينبغي على المدعو مراعاتها:
    إذا حضر المدعو إلى مكان الوليمة فينبغي عليه مراعاة ما يأتي( ):
    1- ألا يقصد بالإجابة نفس الأكل، بل ينوي الاقتداء بالسنة، وإكرام أخيه المؤمن، ولئلا يظن به التكبر.
    2- أن ينوي بأكله التقوى على الطاعة لتنقلب العادة عبادة.
    3- يندب لمن حضر الطعام إذا أكل أن يستعمل آداب الأكل المسنونة منها:
    أ- غسل يديه قبل الأكل وبعده، لما روى أبو هاشم( ) عن زاذان( ) عن سلمان الفارسي قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده»( ).
    والمراد ( ) بالوضوء هنا غسل اليدين، فإن غسلهما قبل الطعام أهنأ وأمرأ، ولأن اليدين لا تخلوان عن التلوث في تعاطي الأعمال، فغسلهما أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل يقصد به الاستعانة على العبادة فهو جدير بأن يجري مجري الطهارة من ال
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وليمة العرس وآدابها تابع

    مُساهمة  Admin في الإثنين 6 يونيو 2011 - 20:32

    الفصل
    الأكل من الوليمة
    قلنا: إن إجابة الدعوة واجبة، فهل يصعد المدعو الأكل أم لا؟
    المدعو عند إجابته الدعوة وحضوره لمحلها لا يخلو من حالتين:
    الأولى: أن يكون مفطرًا.
    الثاني: أن يكون صائمًا.
    والمقام يقتضي البيان للحالتين:
    أولاً: إذا كان المدعو مفطرًا
    المفطر إذا حضر ففي وجوب الأكل عليه ثلاثة أقوال:
    الأول: يجب أن يأكل من الوليمة وبهذا قال ابن مودود( ) الموصلي من فقهاء الحنفية، والشافعية( ) في وجه، وهو قول الظاهرية( ).
    الثاني: لا يجب عليه أن يأكل وهو مخير فيه، ولكن يستحب. وبهذا قال الحنفية( )، والمالكية( )، والشافعية( )، في وجه آخر، والحنابلة( ) في المنصوص، وهو قول الشيعة الإمامية( ).
    الثالث: إن الأكل من الوليمة من فروض الكفايات، فإن أكل غيره سقط عنه فرض الأكل وبهذا قال الشافعية( ) في وجه ثالث.
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بوجوب الأكل:
    استدل القائلون بوجوب الأكل لمن حضر الوليمة، بأدلة من السنة والمعقول.
    أ- من السنة:
    1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفرطًا فليطعم»( ).
    فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليطعم» أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
    2- عن عبد الله بن شداد عن عبد الله بن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإذا كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليدع بالبركة»( ).
    فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليأكل» أمر، والأمر يقتضي وجوب الأكل على المفطر.
    ب- من المعقول( ):
    إن المفطر يجب عليه الأكل لأنه مقصود الحضور.
    ثانيًا: أدلة القائلين بعدم وجوب الأكل ولكن يستحب:
    استدل جمهور الفقهاء على أن المدعو مخير بين الأكل وعدمه ولكن يستحب بدليل من السنة والقياس.
    أ- من السنة:
    ما روي عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»( ).
    فقوله -صلى الله عليه وسلم- (إن شاء)، يدل على التخيير بين الأكل وعدمه، فلم يكن الأكل لازمًا.
    ب-من القياس قالوا:
    إن في الأكل تملكًا فلا يلزم قياسًا( ) على الهبة، ولكن يستحب( ) لما فيه من إكرام الداعي وتطيب خاطر رب الوليمة.
    ثالثًا: أدلة القائلين بأن الأكل من الوليمة فرض كفاية:
    استدل الشافعية في الوجه الثالث على ما ذهبوا إليه بدليل من المعقول فقالوا( ): إن الأكل من الوليمة من فروض الكفايات، فإن أكل غيره سقط عنه فرض الأكل وإلا أثم جميع الحاضرين، لما في امتناع جميعهم من عدم المقصود وهو الأكل، وانكسار نفس أخيهم، وفساد طعامه.
    المناقشة
    نوقشت أدلة القائلين بالوجوب فقيل( ) لهم:
    1- إن الأكل لو كان واجبًا على المدعو، لوجب على المتطوع بالصوم، فلما لم يلزمه الأكل لم يلزمه إذا كان مفطرًا.
    2- قولكم: إن المقصود من الوليمة الأكل. لا يسلم لكم؛ لأن المقصود الإجابة ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل.
    ثانيًا: إذا كان المدعو صائمًا
    الصوم لا يسقط( ) إجابة الدعوة، فتجب إجابة الدعوة لمن عين لها وإن كان صائمًا، ولا يعتبر صومه عذرًا في عدم الحضور، استدلالاً:
    1- بما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان صائمًا فليصل»( ) وفي رواية أخرى: «إذا دعي أحدكم وهو صائم فليقل إني صائم»( ).
    2- عن نافع عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليدع بالبركة»( ). فلم يجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الصوم مانعًا من إجابة الدعوة.
    3- ما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- دعي، فجلس، ووضع الطعام، فمد عبد الله بن عمر يده وقال: خذوا بسم الله وقبض عبد الله يده، وقال: إني صائم»( ).
    4- إن المقصود بالحضور التجمل أو التكثر أو التواصل، فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به، وقد ينتفعون بدعائه أو مشورته، أو يمتنعون عما لا يمتنعون عنه في غيبته، والصوم لا يمنع من ذلك.
    إذا حضر الصائم لم يخل صومه من أمرين:
    إما أن يكون فرضًا كقضاء رمضان أو نذر، وإما أن يكون تطوعًا كصوم يومي الاثنين أو الخميس أو غير ذلك.
    أولاً- إذا كان صومه فرضًا: لم يفطر ( ) ودعا للقوم بالبركة، وقال: إني صائم، وكان بالخيار بين المقام والانصراف استدلال بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول.
    أ-من الكتاب:
    قوله تعالى: ( ولَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ )( ).
    فقد دلت الآية بعمومها على النهي عن إبطال الأعمال بعد الشروع فيها.
    ب- من السنة:
    1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم»( ). فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصائم بالإفطار وإنما قال: فليصل - أي ( ) فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك.
    2- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها فإن كان مفطرًا فليطعم وإن كان صائمًا فليدع»( ).
    فقد دلَّ ( ) الحديث على أمرين:
    الأول: أن الصائم لا يفطر لقوله -صلى الله عليه وسلم- «فليدع» أي: يترك الطعام ولا يأكل.
    الثاني: أن الصائم يدعو لأهل الطعام بالبركة لقوله -صلى الله عليه وسلم- «فليدع» أي: يدع لهم.
    جـ- من المعقول( ).
    إن الصائم واجب فيحرم قطعًا، والأكل غير واجب.
    ثانيًا: إذا كان صومه تطوعًا( ): إذا كان المدعو مخيرا بين الفطر وعدمه ولا يجب عليه، وينظر: إن كان يشق على صاحب الطعام صومه، فالأفضل له الفطر استحبابًا؛ لأن له الخروج من الصوم، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان من دعوة ومعه جماعة، فاعتزل رجل من القوم ناحية، فقال: إني صائم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «دعاك أخوك وتكلم لك، أفطر وصم مكانه إن شئت»( ).
    قد دلَّ ( ) الحديث على استحباب الفطر إن كان الصوم تطوعًا، وكان في الفطر تطبيب لنفس أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه. وإن كان لا يشق على صاحب الطعام فإتمام الصوم أفضل لأنه عبادة فلم يلزمه مفارقتها.
    ولكن ينبغي لمن دعي وهو صائم أن يخبر رب الوليمة بصومه ليعملوا عذره، فتزول عنه التهمة في ترك الأكل، لما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه أجاب دعوة وهو صائم، فقال: «إني صائم، ولكن أحببت أن أجيب الداعي، فأدعو له بالبركة»( ).
    الراجح
    بعض العرض السابق لمسألة الأكل من الوليمة يظهر لي أن الراجح هو ما ذهب إليه القائلون بأن الأكل من الوليمة ليس بواجب مطلقا للمفطر ولكن يستحب لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم, وإن شاء ترك»( ).
    فقد أفاد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن شاء» التخير بين الأكل وعدمه، وأفاد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفرطا فليطعم»( ). الوجوب.
    فعملا بدليلي التخيير والوجوب الواردان في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن شاء» «فليطعم» قلت بأن المستحب الأكل من الوليمة لمن كان مفطرًا لا سيما وأن الدليلين صحيحان لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولأن الأكل من الوليمة فيه تطييب لنفس الداعي وجبر لخاطره.
    أما الصائم فإن كان متطوعًا بالصوم فيستحب له أيضًا الفطر لا سيما بعد ورود الأدلة التي تجيز للمتطوع الفطر دون قضاء منها:
    1- ما روي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: «آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة( ) فقال: لها ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال له: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على جواز الفطر من صوم التطوع وهو قول الجمهور ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب خروجًا من الخلاف.
    2- ولما روي عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قال: «إن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتيني فيقول: أعندك غداء؟ فأقول: لا، فيقول: إني صائم، قالت: فأتاني يومًا فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس( )، قال: أما إني أصبحت صائمًا، قالت: ثم أكل»( ).
    فقد دلَّ ( ) الحديث على جواز الفطر للمتنفل، وبه قال الأكثرون.
    وبهذا يتبين لنا أنه يجوز لمن صام تطوعا لا فرضا أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين. والله أعلم.
    حكم الأكل من غير دعوة
    ذكرت فيما سبق حكم الأكل من الوليمة، سواء كان المدعو مفطرًا أو صائمًا وبينت الراجح في المسألة، إلا أن استباحة الأكل موقوفة على أمرين( ).
    الأول: الإذن الصريح.
    الثاني: القرينة كدعائه إليه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فذلك إذن لك»( ) وفي رواية أخرى: «رسول الرجل إلى الرجل إذنه»( ) وفي رواية ثالثة: «إذا دعيت فقد إذن لك»( ).
    فقد دلت هذه الأحاديث على أن الدعاء إذن في الدخول والأكل.
    ولكن ما حكم من حضر بغير دعوة فأكل من الوليمة؟
    الحضور للوليمة من غير دعوة، وكذا الأكل منها بلا إذن رب الطعام حرام( )، إلا إذا أذن ربها في الأكل لمن حضر بغير دعوة، وهو المسمى بالطفيل فيجوز، فإن لم يأذن فلا يجوز استدلالاً بأدلة من السنة والقياس:
    أ- من السنة:
    1- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة، دخل سارقًا وخرج مغيرًا»( ).
    فقد شبه ( ) الرسول -صلى الله عليه وسلم- من دخل على الطعام من غير دعوه إليه بدخول السارق الذي يدخل بغير إرادة المالك؛ لأنه اختفى بين الداخلين، وشبه خروجه بخروج من نهب قومًا، وخرج ظاهرًا بعد ما أكل، بخلاف الدخول، فإنه دخل مختفيًا خوفًا من أن يمنع، وبعد الخروج قد قضى حاجته فلم يبق له حاجة إلى التستر.
    2- عن عروة بن الزبير عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من دخل على قوم لطعام لم يدع إليه فأكل، دخل فاسقًا وأكل ما لا يحل له»( ). فقد دلَّ الحديث على عدم جواز الأكل إلا بإذن.
    والحديثان وإن كان في إسنادهما مقال إلا أنهما لهما ما يؤيدهما وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: لمن دعاه: «إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا، فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته، قال: بل أذنت له»( ) وفي رواية: «إن هذا تبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع، قال: بل آذن له يا رسول الله»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث بروايته على منع استتباع المدعو غيره، إلا إذا علم من الداعي الرضا بذلك، وأن الطفيلي يأكل حرامًا.
    ب- من القياس( ):
    إن الأكل بغير إذن يعتبر من باب أكل مال الغير إذن فيحرم كلبس ثوبه وركوب دابته.
    مما تقدم يتبين لنا عدم جواز المجيء إلى الوليمة؛ لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه.

    النثار وحكم التقاطه
    النثار في اللغة ( ):
    مأخوذ من نثرت الشيء نثرًا ونثارًا إذا رميت به متفرقًا. وهو: ما نثر في حفلات السرور من حلوى أو نقود.
    وفي الاصطلاح:
    النثار( ): شيء يطرح في أيام التزويج من دراهم أو غيرها.
    حكم النثار والتقاطه:
    اختلف الفقهاء في حكم النثار والتقاطه على قولين:
    الأول: يباح ولا يكره وبهذا قال الحنفية( )، والشافعية( ) في إحدى الروايتين، والحنابلة( ) في رواية، والإمامية( )، والقاسم( ) من الشيعة الزيدية، وهو قول الحسن وقتادة.
    الثاني: يكره وبهذا قال المالكية( )، والشافعية( ) في رواية أخرى هي المذهب، والحنابلة( ) في رواية أخرى هي المذهب أيضًا.
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بالإباحة:
    استدل الحنفية ومن تبعهم من القائلين بإباحة النثار والتقاطه بأدلة من السنة والمعقول.
    ا-من السنة:
    1- ما روي عن عبد الله بن قرط عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر( )، ويوم القر( ) «وهو اليوم الثاني»، وقال: وقُرب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن( ) إليهن بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها( )، قال: فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع»( ).
    وهذا جار ( ) مجرى النثار، ويدل على إباحته في الجملة.
    2- عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حضر في إملاك فأتى بأطباق فيها جوز ولوز فنثرت فقبضنا أيدينا فقال: «ما لكم لا تأخذون؟ فقالوا: إنك نهيت عن النهبى( )، فقال: إنما نيهيتكم عن نهبي العساكر( )، خذوا على اسم الله فتجاذبناه»( ).
    3- عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إملاك رجل من أصحابه فقال: «على الإلفة، والطير الميمون، والسعة في الرزق، بارك الله لكم، دففوا على رأسه». قال فجيء بالدف وجيء بأطباق عليها فاكهة وسكر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «انتهبوا» فقال: يا رسول الله، أو لم تنهنا عن النهبة؟، قال: «إنما نهيتكم عن نهبة العساكر أما العرسات فلا» قال: فجاذبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وجاذبوه»( ).
    فقد دلَّ الحديثان على إباحة النثار وانتهابه.
    ب-من المعقول( ).
    إن النثار نوع إباحة أشبه إباحة الطعام للضيوف.
    ثانيًا: أدلة القائلين بالكراهة:
    استدل المالكية ومن تبعهم على كراهة النثار والتقاطه بأدلة من السنة والمعقول.
    أ-من السنة:
    عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: (نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النهبى والمثلة( ))( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث بعمومه على تحريم الانتهاب، ومن جملة ذلك انتهاب النثار.
    ب-من المعقول( ):
    1- إن النثار قد يوقع بين الناس تناهبًا وتنافرًا، وما أدى إلى ذلك فهو مكروه.
    2- إن النثار قد لا يتساوي الناس في التقاطه، وربما حاز بعضهم أكثره ولم يصل إلى آخرين شيء منه، فيؤدي إلى المنافسة والمزاحمة، فكان مكروهًا لذلك.
    3- قد يلجأ فيه الناس إلى إسقاط المروءات إن أخذوا، وقد يتسلط عليهم السفهاء إن أمسكوا، وقد كان الصحابة ومن عاصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحفظ للمروءات وأبعد عن التنازع والتنافس، فلذلك كره النثار بعدهم، وإن لم يكره في زمانهم.
    4- إن النثار( ) قد يأخذه من غيره أحب إلى صاحبه، وربما دلَّ على دناءة نفس المنتهب.
    المناقشة
    بعد العرض السابق لأدلة الفريقين، نوقشت أدلة القائلين بإباحة النثر وانتهابه من قبل القائلين بالكراهة فقالوا( ):
    1- استدلالكم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من شاء فليقتطع» على إباحة النثار. مردود عليه؛ لأنه يفارق النثار في المعنى إذ إنه بمنزلة تقديم الطعام وإباحته فلم يحدث الانتهاب.
    2- استدلالكم بحديث جابر ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- «إنما نيهتكم عن نهبى العساكر..» لا يصلحان لتخصيص الأحاديث الصحيحة التي وردت في النهي عن النهبى؛ لأن في إسنادهما مقال فلا يصلحان للاحتجاج.
    الراجح
    والذي يظهر لي أن الراجح هو ما ذهب إليه القائلون بكراهة النثار والتقاطه:
    1- لما فيه من المزاحمة والمقاتلة، والذهاب بالوقار والمروءة.
    2- إن الأحاديث التي وردت في الرخصة في النثار وانتهابه كلها أحاديث ضعيفة( ).
    3- ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج بعض نسائه فنثر عليه التمر( ) فيه الحسن بن عمرو، يروي الغرائب. وما روي عنها أيضًا أنها قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا زوج أو تزوج نثر تمرًا»( )، فيه عاصم بن سليمان بصري، رماه عمرو بن علي بالكذب ونسبه إلى وضع الحديث.
    4- إن كثيرًا من السلف كرهوا النثار وانتهابه، منهم إبراهيم النخعي( ) وعكرمة( ) وعطاء( ) وغيرهم. ولعل الحكمة من ذلك ترجع إلى ما هو مشاهد بالعيان فيما يحدثه النثار وانتهابه من الفوضى والاضطراب والتجاذب مما يدل على النهمة وسوء الأدب.
    5- إن النثار في ذاته ليس بمكروه. يقول( ) الماوردي: (أما نثر السكر واللوز في العرس أو غير ذلك من طيب أو دراهم فمباح إجماعًا اعتبارًا بالعرف الجاري) وإنما اقترنت به الكراهة من حيث ما يترتب عليه من الانتهاب والمزاحمة والمقاتلة مما يتنافى مع الآداب الإسلامية.
    ولكن يمكن التوفيق بين قولي القائلين بالإباحة والكراهة إذا قلنا: إن النثار إذا قسم على الحاضرين فلا بأس، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا بين أصحابه تمرًا، فأعطى كل إنسان سبع تمرات، فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة( )، فلم يكن فيهن تمرة أعجب إليَّ منها؟ شدت في مضاغي( ))( ).
    ولما روي( ) عن الإمام أحمد أنه حذق بعض أولاده، فقسم على الصبيان الجوز لكل واحد خمسة.
    ولأنه بذلك تنتفي المفسدة، مع ما فيه من إطعام الطعام، وجبر القلوب وانبساطها وهو مصلحة محضة.
    يقول( ) الماوردي في هذا المقام: وعادة أهل المروءات في وقتنا، أن يقتسموا ذلك بين من أرادوا، أو يحملوا إلى منازلهم، فيخرج عن حكم النثر إلى حكم الهدايا.
    وعلى هذا إذا قسم ما يراد نثره بين الحاضرين كان أفضل؛ لأنه لا يقدح في المروءة، وأدعى لانبساط النفوس وإلا بقي الأمر على الكراهة، والله أعلم.

    الفصل الرابع
    موجبات إجابة الدعوة ومسقطاتها
    وفيه:
    • شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة
    • مسقطات الإجابة (الأعذار التي تبيح التخلف عن الحضور)


    الفصل الرابع
    موجبات إجابة الدعوة ومسقطاتها
    شروط وجوب إجابة الدعوة
    يجب على المدعو إجابة الدعوة إذا توافرت الشروط الآتية:
    الشرط الأول:
    إذا تعين ( ) المدعو، كأنه يخصه صاحب الوليمة بالدعوة إما بنفسه أو بمن ينوب عنه، أو بما يدل على تخصيصه بالدعوة، ففي هذه الحالة يلزم الإجابة.
    الحكم إذا كانت الدعوة عامة:
    فإن كانت الدعوة عامة غير معينة لشخص أو جماعة، كأن يقول الداعي: أيها الناس، أجيبوا إلى الوليمة دون تعيين، أو يفتح باب داره ويقول: ليحضر من شاء، أو يبعث شخصًا ليحضر من شاء، أو يقول لشخص: احضر وأحضر معك من شئت، فقد اختلف الفقهاء على قولين:
    الأول: لا تجب الإجابة ولا تستحب، وبهذا قال المالكية( )، والشافعية( )، والحنابلة( ) في رواية هي المذهب.
    الثاني: تجوز الإجابة وتباح، وبهذا قال الحنابلة( ) في رواية ثانية، وقالوا في رواية ثالثة: لا تجب الإجابة وتكره( ) لأن( ) في الإجابة دناءة.
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بعدم وجوب الإجابة:
    استدل المالكية ومن تبعهم على عدم وجوب إجابة من لم يعين المدعو بالدعوة بأدلة من المعقول( ) فقالوا:
    1- إن المدعو لم يعين فلم تتعين عليه الإجابة.
    2- المدعو غير منصوص عليه ولا يحصل بتخلفه كسر قلب الداعي بترك الإجابة.
    3- لا يلزم من دعاه الرسول أن يجيب؛ لأنه قد يرى أن يدعو من غيره أحب إلى صاحب الطعام.
    4- ولأن الدعوة عامة فلم تجب على كل واحد، فهي تشبه فرص الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
    ثانيًا: أدلة القائلين بالجواز:
    استدل الحنابلة في الرواية الثانية على جواز الإجابة لمن لم يعين بالدعوة وإباحة ذلك له بدليل من السنة:
    فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخل بأهله، فصنعت أمي أم سليم حيسًا( ) فجعلته في تور( )، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقل: بعثت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: إن أمي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، فقال: ضعه ثم اذهب، فادع لي فلانًا وفلانًا ومن لقيت، وسمى رجالاً، قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على أنه يجوز في الدعوة أن يأذن المرسل في ناس معينين وفي مبهمين.
    الراجح
    والذي يظهر لي أن من لم يعين بالدعوة لا تلزمه الإجابة ولا يكون آثمًا إذا تخلف؛ لأن عموم الأدلة التي وردت في وجوب الإجابة ظاهرها تعيين المدعو منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو دعيت إلى كراع( ) لأجبت»( ).
    وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها»( ) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب»( ).
    فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا» دليل واضح على أنه لا إجابة إلا بدعوة، ومن لم يعين لا تلزمه الإجابة، ولكن تجوز لحديث أنس عملاً بالدليلين، ولا يكون حضور المدعو في هذه الحالة مكروهًا أو يعتبر طفيليًّا( ) لدخوله في عموم الدعاء اعتبارًا بسابق الإذن العام في الحضور الوليمة؛ ولأن الدعوة العامة كانت مما يفتخر( ) به العرب؛ لأنها دليل على الكرم، هذا والله أعلم.
    الشرط الثاني: ألا يكون الداعي مسبوقًا( ):
    فمن دعاه اثنان، فإن قدر على الحضور إليهما لزمته الإجابة إن اتسع الوقت، فإذا لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما؛ لأن إجابته وجبت بدعوته، فلا تسقط بدعاء من بعده، ولا تجب إجابة الثاني لأنها غير ممكنة من إجابة الأول.
    فإن استويا أجاب أقربهما بابًا؛ لأن أقربهما بابًا، أقربهما جوارًا، فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما رحمًا لما في تقديمه من الصلة، فإن استويا في القرابة، أجاب أدينهما( ) لأنه الأكرم عند الله، وأجاب في قرع منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ ولأن القرعة تميز المستحق عند استواء الحقوق.
    والدليل على تقديم الأسبق ما روي عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابًا، فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على اعتبار السبق وأن حق الجوار مرجح؛ لأنه أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات ولاسيما في أوقات الغفلة، فهو بالرعاية أقدم.
    والحديث وإن كان فيه مقال فله شاهد يعضده من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلي أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا»( ).
    فهذا يشعر ( ) باعتبار القرب في الباب.
    وقال ( ) ابن حجر وغيره: إن جاءا معًا قدم الأقرب رحمًا على الأقرب جوارًا على الأصح.
    الراجح
    والذي ظهر لي، أن من سبق يتعين إجابة دعوته، فإن اجتمع الداعيان قدم الأدين، ثم الأقرب رحمًا لأنه الأولى بالمعروف، ولأن السيدة عائشة -رضي الله عنها- عندما سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- سألته عن الإهداء للجيران بصفة خاصة، لا لإجابة الدعوة فلا يقاس أحدهما على الآخر. والله أعلم.
    الشرط الثالث: أن تختص الدعوة باليوم الأول( ).
    فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام أو أكثر، فدعي في اليوم الأول، وجب عليه الإجابة، وإن دعاه في اليوم الثاني لم تجب عليه الإجابة، ولكن يستحب، وإن دعي في اليوم الثالث لم يستحب له أن يجيب بل يكره، وقد بينت وجه الصواب فيما زاد على يومين وضوابطه فيما سبق( ).
    الشرط الرابع:
    ألا ( ) يكون في الوليمة معصية وألا تشتمل على منكر كخمر أو استماع ما يحرم سماعه من مغنيات أو مشاهدة راقصات أو غير ذلك.
    فإذا كان في الوليمة معصية فهل تلزم الإجابة؟
    للفقهاء في هذه المسألة تفصيل على النحو التالي:
    ذهب المالكية( ): إلى أن الإجابة تترك مع وجوب المنكر كفرش حرير يجلس هو أو غيره عليه أو استعمال آنية فضة أو ذهب، أو سماع ما يحرم استماعه من مغنيات وآلة، ولو بمكان آخر غير مكان الجلوس إن سمع أو رأى ولا يكون آثمًا بالترك، بل الواجب عليه ترك الحضور مراعاة لأوامر الشرع، فإن لم يسمع ولم ير فلا تسقط الإجابة.
    أما الحنفية( ) والشافعية( ) والحنابلة( ) فقد تناولوا المسألة بشيء من التفصيل: فالمدعو عندهم إما أن يكون عالمًا بالمنكر قبل حضوره أو غير عالم به.
    أولاً: إن كان عالمًا بالمنكر قبل الحضور: فله حالتان:
    الأولى: إما أن يقدر على إنكاره وإزالته ففي هذه الحالة يجب عليه أن يحضر لأمرين:
    أحدهما: إجابة أخيه المسلم.
    الثاني: لإزالة المنكر.
    الثانية: أن لا يقدر على الإنكار، ففي هذه الحالة لا يلزمه الحضور ويسقط عنه فرض الإجابة، لأن عليه ضررًا في الحضور، ويحرم عليه مشاهدة ذلك من غير حاجة إليه فمنع منه، لما روي عن سالم عن أبيه - ابن عمر - قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن مطعمين( ): عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر أو يأكل وهو منبطح ( )» ( ).
    كما روي عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر»( ).
    وإن علم بالمنكر، ولم يره ولم يسمعه فله( ) الأكل والجلوس ولا ينصرف؛ لأن المحرم رؤية المنكر وسماعه ولم يوجد واحد منهما، وله الامتناع من الحضور لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر.
    أما لو سمع ( ) المنكر ولم يشاهده فلا يتعمد السماع وله الجلوس ولا ينصرف؛ لأن الإنسان لو سمع في منزله معاص من دار غيره لم يلزمه الانتقال عن منزله، كذا هذا.
    ثانيًا: إذا لم يعلم بما في الوليمة من معصية:
    إذا لم يعلم المدعو بما في الوليمة من معصية، وحضر فوجد لهوًا فإن كان يقدر على منعهم فعل؛ لأنه نهي عن منكر، فإن لم ينتهوا فعند الحنفية( )، إن كان اللهو على المائدة لا يقعد؛ لأن استماع اللهو حرام، والإجابة سنة والامتناع عن الحرام أولى من الإتيان بالسنة.
    وإن لم يكن على مائدة، فلا بأس بالقعود والأكل ويصبر إن لم يكن مقتديًّا به، فإن كان مقتديًّا به يخرج ولا يقعد؛ لأن فيه إساءة للدين وفتح باب المعصية على المسلمين.
    أما عن الشافعية ( ) والحنابلة ( ): فإن كان يقدر على منعهم فعل لقوله تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )( ).
    فإذا لم ينتهوا فإن المدعو ينصرف، فإن قعد حرم عليه القعود للأدلة السابقة في تحريم الجلوس على مائة يشرب عليها الخمر، ويقاس على ذلك سائر المعاصي الأخرى.
    مما تقدم يتبين لي أن المدعو إن كان قادرًا على إزالة المنكر يجب عليه الحضور لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»( ) فإن لم يقدر سواء علم قبل حضوره أو لم يعلم فلا تلزمه الإجابة؛ لأن الغالب في الولائم في وقتنا الحاضر اشتمالها على المعاصي، أما الولائم الإسلامية التي تجعل النساء في جانب عن الرجال، فالواجب إجابة الدعوة إليها وتعميمها.
    ما يباح في وليمة العرس:
    أ- الضرب بالدف:
    اهتمت الشريعة الإسلامية بأمر النكاح، فأمرت بإعلانه بشتى الوسائل تفرقة بينه وبين السفاح، ومن جملة ذلك الضرب بالدف.
    فذهب جمهور الفقهاء أبو يوسف( )، والحسن بن زياد( ) من فقهاء الحنفية، والمالكية( )، والشافعية( )، والحنابلة( ) إلى إباحة الضرب به في العرس ليعلن به النكاح.
    وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة( ) فقال: استماع الملاهي حرام.
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بالإباحة:
    استدل الجمهور على إباحة الضرب بالدف في العرس بأدلة من السنة:
    1- عن محمد بن حاطب الجُمحي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت في النكاح»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على جواز الضرب بالدف والغناء المباح الذي يتفق مع الكرامة والشيم العربية الإسلامية.
    2- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف»( ).
    فقد أمر( ) النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعلان النكاح وإشهاره بالضرب عليه بالدف .
    ثانيًا: أدلة القائلين بالحرمة:
    استدل الإمام أبو حنيفة على التحريم بأدلة من السنة منها:
    قوله -صلى الله عليه وسلم-: «استماع الملاهي( ) معصية، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها من الكفر»( ).
    فقد خرجت ( ) الملاهي في الحديث مخرج التشديد وتغليظ الذنب، فدل ذلك على حرمتها.
    الراجح
    والذي يظهر لي من القولين السابقين أن ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من إباحة الضرب بالدف في العرس أولى بالاعتبار لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإشهار النكاح وإعلانه بالضرب بالدف، ولعل مراد الإمام أبي حنيفة من تحريم الملاهي ومن جملتها الدف، الدف الذي وضعت فيه جلاجل أو يضرب على هيئة الطرب أو كان في غير عرس. والله أعلم.
    ب: الغناء:
    اهتمت الشريعة الإسلامية بتهذيب الأخلاق وتطهير النفوس من أدران الشهوات الفاسدة وأوزارها، فأي عمل يترتب عليه اقتراف منكر فهو حرام، والغناء قد اختلف الفقهاء في حكمه:
    فذهب الحنفية( ) إلى التحريم وقالوا التغني المحرم ما كان في اللفظ ما لا يحل:
    1- كوصف الذكور.
    2- وصف المرأة المعينة الحية.
    3- وصف الخمر المهيج إليها والحانات.
    4- هجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه، لا إذا أراد إنشاءه للاستشهاد به أو ليعم فصاحته وبلاغته.
    وعند المالكية( ):
    لا تسقط الإجابة مع غناء خفيف ولو كان المدعو في ذي هيئة على الأصح وقاض وأمير.
    أما الغناء المحرم فله ثلاثة شروط:
    1- أن يثير الشهوة.
    2- أن يكون بكلام قبيح.
    3- أن يكون بآلة من ذوات الأوتار.
    فإذا وجد واحد من هذه الأمور حرم سماع الغناء وإلا كان مكروهًا فقط.
    ونخلص: مما تقدم أن الغناء مباح في العرس إذا كان يتفق مع الذوق السليم وكان بألفاظ مباحة، لما روي عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال: النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا عائشة، ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو»( ).
    وجاء في رواية( ) أخرى: «فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: تقول ماذا؟ قال تقول:
    أتيناكم أتيناكم
    فحيانا وحياكم

    ولولا الذهب الأحمر
    ما حلت بواديكم

    ولولا الحنطة السمراء
    ما سمنت عذرايكم

    ولما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: «رخص في اللهو عند العرس»( ) وعندما قيل له: أترخص في هذا؟ قال: «نعم، إنه نكاح لا سفاح أشيدوا النكاح»( ).
    وعلى هذا فيباح الغناء إذا خلا من المحظورات شرعية التي سبق بيانها، فإذا اختلت حرم الغناء. والله أعلم.
    ج: التصوير الفوتوغرافي أو الشمسي:
    اختلف الفقهاء في حكم التصوير بين الحظر والإباحة.
    فقد أفتت اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز بالمملكة العربية السعودية بتحريم التصوير الفوتوغرافي والشمسي، وقالوا: القول الصحيح الذي دلت عليه الأدلة الشرعية وعليه جماهير العلماء أن أدلة تحريم تصوير ذوات الأرواح تضم التصوير الفوتوغرافي واليدوي مجسمًا أو غير مجسم، فيحرم تصوير الأحياء إلا ما دعت إليه الضرورة، كالتصوير من أجل إثبات الهوية وجواز السفر، وتصوير المجرمين لضبطهم ومعرفتهم ليقبض عليهم إذا أحدثوا جريمة وفروا هاربين( ).
    في حين جاءت الفتوى الصادرة من دار الإفتاء المصرية تناقض الفتوى السابقة فجاء فيها: والذي تدل عليه الأحاديث النبوية الشريفة التي رواها البخاري وترددت في كتب الفقه أن التصوير الضوئي للإنسان والحيوان المعروف الآن والرسم كذلك لا بأس به إذا خلت الصور والرسوم من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم والعبادة، وخلت كذلك من دوافع تحريم الغريزة الجنسية وإشاعة الفاحشة والتحريض على ارتكاب الفسق والفجور والمحرمات( ).
    ومع اختلاف الفتيين عرضت المسألة على أقوال الفقهاء، فوجدت: أن الفقهاء قد اختلفوا على قولين:
    الأول: تحريم الصور المجسدة ولها ظل، أما ما لا ظل لها وليست مجسدة فلا تحرم، وبهذا قال المالكية( ) وابن الصباغ وأبو سعيد الإصطخري من فقهاء الشافعية( ).
    الثاني: وإليه ذهب عامة الشافعية( ) ووافقهم الحنابلة( ) في القول بالتفرقة بين ما يبتذل ويهان من الصور وبين ما يعظم ويحترم، فإن كانت الصورة في موضع يوطأ أو يتكأ عليها كالتي على البسط والوسائد والمخاد جاز، وإن كانت على الستور والحيطان وما لا يوطأ فتحرم إلا إذا قطع رأسها فلا بأس.
    ويفهم من الكلام السابق أن الصورة تحرم سواء كانت مجسدة أو غير مجسدة إذا كانت مما يعظم وكانت من ذوات الروح من آدمي أو بهيمة.
    الأدلة
    أولاً: أدلة القائلين بإباحة الصور التي لا ظل لها:
    استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والقياس والمعقول:
    أ: من السنة:
    ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من سفر وقد سترت بقرام( ) لي على سهوة( ) لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله هتكه( )، وقال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون( ) بخلق الله، قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على جواز اتخاذ الصور التي لا ظل لها وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال.
    ب: من القياس( ):
    إن التصوير الشمسي أو الفوتوغرافي، حكمه حكم تصوير لعب البنات، والأشجار الطبيعية وغيرها مما رخص الشرع فيها.
    ج- من المعقول( ) قالوا:
    1- إن التحريم على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لقرب عهدهم بالأصنام، وشهرتهم ومشاهدتهم بعباداتها، فحرمت الصور ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها، وزوال تعظيمها.
    وهذا المعنى قد زال في وقتنا، لما قد استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها، فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها.
    2- إن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون كل ما استحسن من حجر أو شجر، فلو كان حكم الحظر باقيًا لكان استعمال كل ما استحسن حرامًا.
    ثانيًا: أدلة القائلين بالتحريم إذا كانت الصورة معظمة:
    استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة منها:
    1- ما روي ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «سمعت محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يقول: من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ»( ).
    وفي رواية قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: احيوا ما خلقتم»( ).
    فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من صور صورة»، «من صنع صورة» يدل( ) على التعميم فيتناول صورة ما لا روح فيه، وما فيه روح، وما له ظل، وما لا ظل له.
    2- عن عمر بن محمد بن سالم عن أبيه قال: «وعد جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- فراث( ) عليه، حتى اشتد على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فلقيه، فشكا إليه ما وجد، فقال له: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب»( ).
    فقد دلَّ( ) الحديث على أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة؛ لأن متخذها قد تشبه بالكفار؛ لأنهم يتخذون الصور في بيوتهم ويعظمونها فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته -صلى الله عليه وسلم- هجرا له لذلك.
    3- حدثنا أبو زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة -رضي الله عنه- دارًا بالمدينة، فرأى في أعلاها مصورًا يصور، قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة»( ).
    فقد دلَّ ( ) الظاهر من عموم اللفظ على أمرين:
    الأول: إن التحريم يتناول ما له ظل وما ليس له ظل.
    الثاني: دلَّ الحديث على تحريم التشبيه في فعل الصورة وحدها.

    المناقشة
    نوقشت أدلة القائلين بتحريم التصوير من قبل المخالفين لهم، فقيل:
    1- استدلالكم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من صور صورة في الدنيا..».
    مردود عليه من وجهين( ):
    الأول: أن المراد بالصورة هنا التماثيل التي لها روح، والدليل على ذلك أن ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو راوي الحديث قد سأله نجار من أهل العراق فقال: (إني أصنع هذه التصاوير فما تأمرين) وجاء في رواية أخرى أنه قال لابن عباس: (إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي)، فأجابه بما سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صور صورة...
    الثاني: أن الصورة التي لا ظل لها ليست إيجادًا، وإنما هي صورة لما خلق الله تعالى عليها الأشياء.
    2- استدلالكم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صور، مردود( ) عليه أيضًا؛ لأن الصور كان تعبد من دون الله، والنظر إليها يفتن والنفوس إليها تميل، فيكون التحريم مختصًّا بذلك الزمان، أما الزمان الذي لا يعتقد فيه شيء من ذلك فلا يجري مجراه.
    3- استدلالكم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي».
    مردود عليه من وجهين( ).
    الأول: أن الحديث مقصور على ما له ظل بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كخلقي» فإن خلقه تعالى الذي اخترعه ليس صورة في حائط بل هو خلق تام.
    الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليخلقوا حبة...» المراد إيجادها على الحقيقة لا تصويرها.
    الراجح
    بعد العرض السابق لأقوال الفقهاء وأدلتهم والموازنة بين الفتيين الصادرتين من اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية ودار الإفتاء المصرية، يظهر لي أن التصوير في وليمة العرس لا بأس به ويباح؛ لأن القصد من تحريم التصوير في وليمة العرس لا بأس به ويباح؛ لأن القصد من تحريم التصوير كان لعلة الوثنية التي كانت متغلغلة في النفوس فلما زالت حكم التحريم.
    والقول بالإباحة( ) قد أفتى به مفتي عصره الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر الأسبق.
    فقد جاء في فتواه: «أما التصوير بالكاميرا وهي آلة التصوير، فإن التصوير في الحقيقة ليس عملية كما جاء في الحديث، وإنما هو حبس للظل أو عكس للظل، وهي ليس كما يفعل النحات أو الرسام، ولذا فهو لا يدخل في الحرمة وإنما هو مباح».
    وقد وافق على هذه الفتوى كثير من العلماء، وبها أخذ الدكتور يوسف القرضاوي، فقد قال: لو صور أبناءه أو أصدقاءه أو مشاهد طبيعية أو حفلا بريئا في مناسبة أو غير ذلك فهذا لا شيء فيه، ولكن وفقًا للضوابط الآتية:
    1- أن تكون الصورة نفسها الآتي يلتقطها أو يعكسها حلالاً، فلا يصور امرأة عارية أو شبه عارية.
    2- ألا يصور مناظر لا تجوز شرعًا.
    3- أن تكون خالية( ) من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم والعبادة. وبهذا يتبين لنا أن التصوير في الأفراح مباح بشرط ألا يكون مشتملاً على محظور شرعي. والله أعلم.
    مسقطات إجابة الدعوة
    ذكر الفقهاء جملة من الأعذار يسقط بها إجابة الدعوة. أذكرها على النحو التالي:
    1- إذا كان هناك عذر يبيح التخلف( ) عن صلاة الجمعة: من كثرة مطر( )، أو شدة وحل، أو خوف على مال، أو إقامة على حفظه، أو مرض أو تمريض قريب أو الخوف على نفس من عدو أو نحو ذلك.
    2- إذا كان المكان بعيدًا جدًّا بحيث يشق على المدعو الذهاب إليه .
    3- إذا كان هناك من يتأذى( ) المدعو بحضوره معه تأذيًّا شرعيَّا، بأن كان من السفلة الذين لا يؤمن معهم على الدين، أو لا يليق( ) به مجالستهم كالأراذل( )، أو كان هناك من يؤذيه، أو من شأنه الخوض في أعراض الناس.
    أما من يتأذى بمخاطبته أو رؤية لحظ نفسه فلا يعتبر عذرًا يبيح التخلف.
    4- إذا كان الداعي امرأة( ) أجنبية، وليس في موضع الدعوة محرم لها ولا للمدعو حتى وإن لم يخل بها، أو كان في الطريق نساء واقفات يتعرضن للداخل.
    5- إذا كان المدعو( ) أمردًا ويخاف من حضوره ريبة أو تهمة أو قالة( )، وكذلك المرأة إن خافت من حضروها ريبة أو تهمة أو قالة لا يجب عليها الإجابة.
    وكذا لو كان الداعي جميلاً أو عنده جميل، ويعلم المدعو أنه إذا حضر يحصل له منه لذة، أو كان المدعو جميلاً يعلم أنه إذا ذهب يخشى منه الافتتان به.
    6- إذا كان في الطعام شبهة( ) كطعام المكاس( )، فلا تجب الإجابة، ويعتبر ذلك عذرًا عند المالكية، وقال الشافعية: إذا كان في المال شبهة فتباح الإجابة، ولا تجب إذا غلب على الظن وجود الشبهة.
    7- إذا دعاه من أكثر ماله حرام، فمن كان كذلك كرهت( ) إجابته، وبهذا قال الشافعية، وخالفهم في ذلك الحنابلة فقالوا: يحرم( ) الأكل إقامة للأكثر مقام الكل.
    وهناك أعذار انفردت بها بعض المذاهب:
    فمن الأعذار التي تجيز التخلف عن الحضور للوليمة عند المالكية( ):
    1- إذا كان هناك كثرة زحام، فإن كانت فقد رخص مالك -رضي الله عنه- في التخلف لأجلها.
    2- إذا أغلق باب بيت الوليمة عند وصوله لما فيه من الحطة( )، حتى ولو كان للمشاورة، فإن أغلق لا لحضوره بل لمنع الطفيلية ونحوهم لم يكن عذرًا.
    ومنه يؤخذ إباحة التخلف لمن يلحقه حطة بارتفاع آخر عليه من غير موجب.
    3- إذا اشتملت الوليمة على منكر محرم شرعًا كفرش( ) حرير وآنية ذهب لأكل أو شرب أو تبخير ونحو ذلك، ولو كان المستعمل غيره بحضرته.
    4- وجود صور مجسدة لحيوان كامل الأعضاء التي لا يعيش بدونها، ولها ظل وتدوم كالمصنوعة من خشب وطين، لا المنقوشة بحائط وفرش لأنها لا ظل لها، أما تصوير غير الحيوان كالسفن والأشجار فلا حرمة فيه.
    5- سماع غانية (مغنية) أو رقص نساء وآلة لهو غير دف وزمارة وبوق، فالغناء يحرم بشروط سبق ذكرها عند المالكية.
    ومن الأعذار( ) عند الشافعية والحنابلة:
    أن يعتذر المدعو إلى الداعي ويرضي بتخلفه.
    أو كان الداعي ظالمًا أو فاسقًا أو شريرًا أو متكلفًا طالبًا للمباهاة. ومن الأعذار( ) أيضًا أن يكون المدعو أجيرًا خاصًّا ولم يأذن له المستأجر فلا تجب عليه الإجابة؛ لأن منافعه مملوكة لغيره، أشبه العبد المأذون.
    إذا كان فيها من يضحك بفحش أو كذب؛ لأن في ذلك إقرار على معصية.
    ومن الأعذار التي تبيح التخلف عند الظاهرة( ):
    إذا كان هناك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوبًا، أو كان هناك خمر ظاهر.
    هذه بعض الأعذار التي تسقط إجابة الدعوة، ويضاف إليها أمور أخرى ذكرتها في ثنايا البحث كاشتمال الوليمة على معصية ولا يملك المدعو تغييرها، أو خص بالدعوة الأغنياء أو غير ذلك.

    الخاتمة
    في
    أهم نتائج البحث

    الخاتمة
    أهم نتائج البحث
    1- يستحب للمرء إذا أحدث الله له نعمة، أن يحدث الله -عزّ وجلّ- شكرًا على ما وهبه الله من النعم، كالقدوم من الغيبة والعقيقة وغير ذلك.
    2- الوليمة اسم لكل طعام، ولها أنواع متعددة.
    3- الوليمة التي عقد البحث بشأنها هي وليمة العرس، والعرس يطلق على العقد وعلى الدخول بالمرأة، والفقهاء يريدون منه الدخول بالمرأة.
    4- المقصود بوليمة العرس: الدعوة إلى الطعام الذي يصنع عند الدخول بالمرأة والبناء بها.
    5- القصد من الوليمة إشهار النكاح وإعلانه بجمع الناس على الطعام، وإلى جانب هذا فيه شكر لنعمة الله تعالى على نعمة النكاح الذي به تتحصن الفروج وتغض الأبصار.
    6- الوليمة ثبتت مشروعيتها بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية.
    7- الوليمة حق على الزوج لا يشاركه فيها أولياء المرأة.
    8- الوليمة واجبة ولا يضر القول بوجوبها، لتحققها بأي شيء من الأطعمة، ويستوي في ذلك القليل والكثير، فقد أولم النبي -صلى الله عليه وسلم- على زوجه زينب بنت جحش بشاة، وأمر بذلك عبد الرحمن بن عوف، كما أولم النبي -صلى الله عليه وسلم- على زوجه صفية بنت حيي بسويق وتمر، فبأي شيء أولم الزوج فقد أصاب السنة.
    9- المرجع في الوليمة مراعاة ظروف الزوج من حيث اليسار والإعسار، فللموسر قدره، وللمقتر قدره؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
    10- من المتعارف عليه أن الوليمة غالبًا تكون يومًا واحدًا، ولكنها قد تزيد على ذلك، إذا كان المدعو أولاً غير المدعو في اليوم الثاني، أو كان المكان ضيقًا لا يستوعب جميع المدعوين في اليوم الأول، أو تعذر حضور بعض المدعوين لظروف منعتهم من الحضور أول يوم، أو كان الزوج موسرًا ويرغب إطعام الطعام لا قصد المباهاة أو السمعة.
    11- الوليمة إذا قصد بها المباهاة والسمعة كانت مكروهة وإذا كان القصد منها الإسراف والتبذير كانت محرمة.
    12- من مظاهر( ) الإسراف والتبذير:
    أ- المباهاة في انتقاء مكان إقامة الفرح في صالات الأفراح مما يثقل كاهل الزوج بما يتكلفه من استئجار الصالة أو القاعة أو الفندق من مبالغ باهظة، مع أنه لو كان في المنزل واقتصر على الأقارب، لكان أرضى لله وأسلم عاقبة.
    ب- توزيع بطاقات الدعوة والتفنن فيها بما يوضع عليها من صور للعروسين حتى إن بعضهم يكتب في البطاقة: يحيي الحفل الفنان كذا، والفنانة كذا، وهذا مع ما فيه من الإسراف فإنه يفتح بابًا للشر على الفقراء والمساكين حيث تكسر قلوبهم وتورثهم الحسرة.
    ت- جلب المغنيين والمغنيات حيث يؤتى بهؤلاء مقابل مبالغ طائلة فيجتمع إلى الإسراف ارتكاب ما حرم الله من الغناء الماجن الذي يغري بالرذيلة ويزري بالفضيلة.
    ث- الإسراف في الوليمة وتكثير الطعام بدون حاجة بما يزيد عن حاجة المدعوين، ويكون سببًا في إلقاء الزائد في النفايات، مع أن هناك من الناس من لا يجد ما يسد جوعته ويكون أحوج للقليل منه، أو يكون أحوج للقليل من ماله وتكاليفه ليستعين به على الحياة.
    13- الوليمة وقتها موسع من وقت العقد إلى انتهاء أيام العرس؛ لأنها لإشهار النكاح، وإشهاره قبل البناء أفضل، وقد تكون بعد الدخول فقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- القوم بعد الدخول بزينب. وهذا يجعلنا نقول: إن وقت الوليمة أمر يتوسع فيه حسب العرف والعادة.
    14- الدعوة لوليمة العرس لها شروط وآداب ينبغي مراعاتها في الداعي والمدعو.
    15- يجوز للنساء والصبيان حضور دعوة العرس بدون كراهة.
    16- المرأة إذا دعت النساء فحكمها حكم الرجل، فإن دعت رجلاً أو رجالاً وجب إجابتها ما لم يكن هناك خلوة محرمة.
    17- يجوز إجابة دعوة الذمي في الأمور الدنيوية لا الدينية إذا لم يكن ثمة منكر أو كان الطعام مشتملاً على محرم، ولا يلزم الذمي إجابة دعوة المسلم؛ لأنه لا يلتزم أحكامنا إلا عن تراض.
    18- تتحقق الدعوة بتعيين المدعو، كما تتحقق بالمراسلة والمكاتبة، وتقوم بطاقات الدعوة في وقتنا الحالي مقام الدعوة باللفظ إذا دلت القرينة على التعيين.
    19- ينبغي على المرء أن يحرص على دعوة أهل الخير والصلاح من الأهل والأقارب والأصدقاء دون تمييز بين غني وفقير لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي»( ).
    فقد حذر( ) النبي -صلى الله عليه وسلم- من صحبة من ليس بتقي، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته؛ لأن المطاعم توقع الألفة والمودة في القلوب.
    20- تكره دعوة الأغنياء دون الفقراء إذ إن ذلك من عادات الجاهلية، ولا بأس أن يميز الداعي بين الأغنياء والفقراء، فيطعم كلٍّ على حدة كما فعل ابن عمر -ر

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 28 مارس 2017 - 22:46