hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الكتلة الجمالية محفوط نحناح رحمه الله

    شاطر

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الكتلة الجمالية محفوط نحناح رحمه الله

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:02

    الظـاهـرة القـياديـة
    اعترف بداية أنني وقفت برهة زمنية متأملا ومتهيبا أمام شخصية الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، لا أدري كيف أدخل إلى عالمه الفكري والقيادي والسياسي

    الرحب لأحيط بكل ما استجمعته هذه الجوانب من عناصر الثراء والتميز والتألق، إذ كل جانب من هاته الجوانب مع دنوك منها تغمرك بفيض ظلالها وتشدك إليها سعة وعمقا ورؤية فما بالك بكل هاته الجوانب التي تشكل في مجموعها ظاهرة قيادية أو قل ظاهرة تجديدية كما وصفه بها عارفوه.

    الشيخ محفوظ نحناح ظاهرة قيادية أنبتها الإسلام وعركتها التجارب وشغلها أحوال الأمة، منذ بواكير عمره استوقفه المنحنى الحضاري للأمة وهاله أمره وأمرها وهي تعيش التخلف والتشتت والاستبداد فانبرى بكل عزيمة وقوة إرادة ونفاذ بصيرة لعلاج المشكلات ومداواة الجراح وإصلاح الإختلالات في الفهم والممارسات على الصعيد الفكري والسياسي والاجتماعي ضمن دائرة الوطن والأمة والإنسانية جمعاء متسلحا بمنهجه الحصيف وتكوينه الفكري المتأصل وشخصيته الفذة الجامعة فصنع بذلك مدرسة فكرية تربوية وسياسية أسست لتجربة متميزة بات منهجها حديث الخاص والعام ومثار اهتمام القريب والبعيد بل وموئلا للآخرين بعد تنكر وجحود برؤية متبصرة واضحة مشرئبة نحو المستقبل وبإرادة أكيدة لم تثنها عقبات الطريق وألغامه وعورة المسلك وأشواكه وكيد الخصوم والمناوئين كل ذلك لم يثنه عن مواصلة السير نحو الهدف وتثبيت المنهج للسائرين لم يأبه في ذلك بادعاءات المشككين وتلفيقات المبطلين حسبه في ذلك عظم الأمانة وضخامة المسؤولية وشرف الرسالة ومقتضيات الشهادة على الناس.
    أدرك المهمة فحدد الهدف فراح يستجمع لها الوسائل والآليات، استنهض عزائمه واستفرغ وسعه منافحا عن الإسلام الصحيح وعن ثوابت المجتمع ومصلحة الشعب والوطن، أصل بمنهجه للإسلام الصحيح وللوطنية الصادقة ووضع نصب أعينه أولويات ومقاصد واستشرف لمساره أبعاد وطموحات القليل من أدركها في حينها، عرف كيف يتعامل مع الأوضاع المعقدة وكيف تواجه الأزمات والفتن فكانت طروحاته بمثابة منظومة علاج، وجه العناية والاهتمام ببناء الدولة على أسس من الاستقرار والتنمية ووفق الجهد الوطني المشترك وكان دائما يوجه الاهتمام بالمستقبل حتى لا تأسرنا اللحظة الراهنة فطروحاته عن مرحلة ما بعد الإرهاب ومرحلة ما بعد الأزمة شاهدة على ذلك، وحذر من ممارسات التأزيم والتلغيم ومن الاستنزاف للموارد والامكانات والاستفزاز للمشاعر والقيم، كان حاذق الفهم نافذ البصيرة مدرك لمعادلة التوازن والموازنة، عرف كيف يستمد من التراث وكيف يستوحي من مختلف المدارس والحركات الإصلاحية وكيف يتعامل مع الفكر الحداثي في توليفة منهجية صنعها بفكره المبدع الذي أنتج به الأفكار والمواقف وابدع به المواقف والرؤى بشهادة الكثير من النخب السياسية، فان الشيخ نحناح ابدع في الجمع بين الوطنية والإسلام وفي التفريق بين السلطة والدولة وفي عملية التكيف والانفتاح وبناء العلاقات ومد الجسور وفي تصحيح وتوصيف العلاقات بين الحكام والشعوب وبين الأنظمة والحركات الإسلامية وبين العالم الإسلامي والغرب.
    سلامة منهج وثقافة واسعة ووعي بالأحداث وفصاحة بيان وحسن عرض عرف كيف يؤثر في الرأي العام المحلي والدولي بمختلف فئاته ونخبه السياسية والفكرية والثقافية وكيف يصنع المبادرة والتأثير في الأحداث وليس الانتظار لرد الفعل على الأحداث.
    وعلى هدا المستوى من العمل والتحرك ومع كثرة انشغالاته بقضايا الأمة وعلى رأسها القضية المركزية قضية فلسطين التي أبدى فها مواقف ومساعي متميزة وشاهدة ولم تغب عن باله حتى في مرض وفاته، فمع كل ذلك فقد كان دائم التنقل إلى المناطق العطشى للفهم الصحيح للإسلام وكان له تأثير كبير على الكثيرين فضلا عن حضوره في القضايا الاجتماعية يترقب الناس رأيه ويتشوقون لنصائحه فلم يكن غريبا على رجل بمثل هذا الرصيد وهذه التجربة أن يكون محل تقدير وإشادة من قبل الكثير من العلماء والمفكرين والسياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين حتى أنك لا تجد أحدا من هؤلاء صادف وان التقى بالشيخ محفوظ نحناح ولو كان اللقاء معدود اللحظات إلا وسجل في حقه شهادة وخصه بوسام تقدير نظرا للخصائص التي وجدها فيها وعاينها بذرته وأخذها بالمشاهدة والإدراك لا بالنقول والروايات فكثيرا ما كان يقول الشيخ محفوظ نحناح نريد من يسمع منا لا من يسمع عنا.
    وإذ كانت هذه بعض أوصاف الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فإنه وزيادة على ذلك فقد انشغل بتكوين الرجال وتأسيس الحركة بالتأسيس لمنهجها التربوي والفكري والتنظيمي والسياسي وأسس البنيان على قواعد متينة ورسم الأهداف بدقة ووضوح ومضى واثقا بعد أن ضرب أروع الأمثلة للقيادة الناجحة وحسبه في ذلك أن ترك خلفه منهجا فكريا واضحا وبرنامجا سياسيا ناضجا ورصيدا نضاليا معتبرا ورجالا يترسمون على إثره الخطى مستشعرين الأمانة الثقيلة التي في أعناقهم، ومنذ أن رحل عنا وهو الغائب الحاضر في كل أعمالنا وجلساتنا وأنشطتنا، وترك فراغا لا يملأه إلا هذا المنهج والمنهج على منواله.


    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مناقب محفوظ وكتلته الجمالية

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:03

    بقلم/ الشيخ محمد أحمد الراشد
    حجم الخط:
    هذا هو موجز وصف شخصية أخي في الله ، الفقيد الغالي ، الهُمام الثابت على الدرب المستقيم ، الأستاذ محفوظ النحناح رحمه الله .
    بسم الله الرحمن الرحيم

    مضى واثقاً ، بعد أن ضرب مثلاً للقيادة الناجحة التي تستوعب جيداً موازين الفقه الدعوي التي تحكم المواقف المشتبهة.
    هذا هو موجز وصف شخصية أخي في الله ، الفقيد الغالي ، الهُمام الثابت على الدرب المستقيم ، الأستاذ محفوظ النحناح رحمه الله .
    رسخ .... يوم هبّت العواصف .
    وفصُح .... حين تلعثم المترددون .
    وجَسَر وأقدم .... لما هاب الواجفون .
    وصرخ بالحق .... حين تخافَتَ بها الهامسون .
    وفاصَلَ على بينة من الأمر يوم جنح الغَبشُ بأهله نحول الحلول الضبابية .
    وقد راقبت صدورَ الدعوة على مدى نصف قرن، وصعدت عواطفي ونزلت مع سِيَر أجيال من القادة والزعماء ورجال الفكر الإسلامي ، فأقنعتني مراقبتي الدقيقة أن وتيرة من الفقه الشرعي الموزون الممتزج بدروس تجريبية مقتـَـبسة:

    كانت تـُحرك النحناح، حتى استوى في النهاية منتصباً شامخاً ضِمن الرموز الكبرى التي نُباهي بها ونفخر ونجعلها عناوين للدعوة الإسلامية الحديثة والمعاصرة ، التي بها نقتدي ، وإلى أفعالها نحتكم ، وبحبها نرجو أن نلقى الله .

    إنه مؤسس دعوة ، وسابق ، وصاحب إبداع ، وليقل فيه القائل ما يشاء من عمق التجرد ، وكثرة البذل ، مع التواضع ، و السكينة ، إلاّ أن جميع ذلك يجعله مجرد شريك في هذه المناقب ، وفي غيره من أهل الجزائر بركة ، وقد نالوا من هذه الخيرات مثل ما نال ، ولكن ميزة محفوظ الكبرى تكمن في إيمانه الشديد الذي أبداه بوجوب الحفاظ على الشروط الدعوية المتكاملة وعلى الطبيعة التدريجية التربوية للعمل الإسلامي حين أهدرها عن عمدٍ أو نسيان مَن استحوذ على إعجابهم الصعود المفاجئ للصوت الإسلامي في الشارع الجزائري خلال مرسم واحد ، لمّا حدث الفراغ السياسي فملأته الخدمات الإسلامية.

    كان المفترض في الدعاة أن يلوذوا بحقائق فقه الدعوة ، وأن يميزوا أن كل توسع يتجاوز إتمام عملية تربية وتطوير الجيل الدعوي التأسيسي الأول : سيكون توسعاً خطراً يحمل في ثناياه احتمالات الاستعجال ، بل والانحراف والإرهاق وإعنات الناس لو أرادوا الريث ، وإحراج الحكومة إذا نوتَ توبة ، وقد كان هذا المعنى واضحاً لدى محفوظ ، فاستمسك به ، وأفتى إخوانه باللبث مع مفاد الوعي وأنْ لا تستفزهم المكاسب الأولية السريعة ، فإنها ربما تأتي سهلة ، ولكن يكون من بعدها دفع ضريبة كبيرة ، ولات حين استئناف تربية واستدراك على قفص المراحل ، وقد أبديتُ له تأييداً في ذلك ، وصوّبت منحاه ، وثنّيتُ على اختياره ، وعضدتُه ، في قلائل آخرين ، ولكن الكثير من الدعاة غرّتهم الصورة الظاهرة ، فذهلوا عن " الشروط المتكاملة " الضامنة لاعتدال السياسة الدعوية ، فطفقوا مع الحلم الوردي باختصار الزمن ، ولم يدركوا المجازفة الكامنة في دخول مرحلة العمل المتقدمة من دون تربية كافية وبناء تنظيم مكافئ لها ، وحاولوا تحريك قدم محفوظ عن موضعها الثابت ، فكان كالطود الثقيل ، وأبدى عناداً واعيا ، واستمسك بالذي انتهت إليه الموازنات العقلية والمذاهب التجريبية ، غير آبه بهتاف العواطف ، ثم انتظر حتى صدّقته الأيام والحوادث ، وأخذت قصته مكانها المميز في التاريخ الإسلامي ، وشهد له الفقه ، وأذعن له الناشز ، ويوم زرته في المستشفى بالعاصمة الفرنسية قبل موته بأسبوعين ، بعد غيبة عنه طالت سنوات : قال لمن حوله مِن أعوانه وأركان جماعته : هذا الأخ الراشد أول من فهم موقفنا وأيدنا وشد أزرنا ولمح الخفي الذي غاب عن غيره .

    وما كانت غير سنة واحدة بعد ذلك الموقف واللبث مع الثوابت الدعوية : حتى أظهرت الأقدار الميزة الكبرى الثانية لمحفوظ ، يوم حصل الاختلاط ، وصيحت صيحات الثأر والهدم والدم ، وأصاب الناسَ الرعبُ ، فأبى محفوظ التورط ، ولاذ بالعفاف والبراءة من الدم ، والتمس أسباب السكينة والطمأنينة ليشيعها بين جماعته وعموم الناس ، وآمن بالحوار ، و السلام ، وثبت عند الرؤية الحضارية ، ونَبَذَ العنف ، وأدرك أن تراكم مفردات العمل الحضاري المنطلق من المعايير الإيمانية هو الكفيل بإنقاذ الجزائر من وهدتها ، في خطة طويلة الأمد ، لكنها مأمونة العواقب ، وجازفت عناصر الغوغاء بذبح بو سليماني رحمه الله ، مستفزة له محاصرة له في الزاوية الضيقة ، لينفجر ويكون شريكاً في الخطأ ، فكان رحيماً بالدعوة وبالجزائر وبمنافسيه الذين أبقوا الخنجر محمولاً في كفوفهم يقطر منه الدم ، وأنزل الله تعالى السكينة على قلبه ، وتحالم ، وكبت ، ولعن الشيطان ، واعتصم بالرحمن ، وعارض بكفه العاصفة ، فتكسرت ريحها العاتية ، وبقيتَ تتناقص حدتها ، وحافظ على جماعته أن يبددها جهل وردود فعل انتقامية ، وكَتَب التاريخ الإسلامي قصة ثانية من قصص محفوظ يلقى به ربه واثقاً معتدا .


    ثم يأتي متبطر ظالم لنفسه وللناس ليقول : أخطأ محفوظ في خطبته يوم كذا ، وصرح بما لا نرضاه في الصحيفة الفلانية ، وصدق المعترض ، وأنا على ذلك من الشاهدين ، ورصدتُ لمحفوظ زلات لسان وتعابير مفضولة وكلمات مرجوحة ، ولكن أين هذه الصغائر من تلك " الكبائر الخيرية الإيمانية الواعية " التي وُفق لها وألهمها الله إياها إلهاما ؟ .

    لقد كان محفوظاً بحفظ الرحمن ، وبشريته التي وقف عندها الناقدون تجاوزتها ملائكيته التي حلّق بها في الأسماء .

    هذا ، مع روح بدوية أصيلة فطرية يلتذ بها المتعامل معه حين يقترب منه فينفتح ، وكرم وعزة نفس وشمم ، وفهم عربي أصيل رصين لمعاني الشرع المبين ، مكّنه منه تخصصه في اللغة العربية ، أضاف جمالا إلى مناقبه الحسنى ، رحمه الله رحمة واسعة ، والأمل أن يلحظ أعوانه وخلفاؤه تلك الكتلة الجمالية لرجلٍ من المؤمنين سُمي في الناس بمحفوظ النحناح ، فيراعوها ولا يخدشوها ، بأن يلتزموا وحدة الكلمة من بعده ، وتقديم حق الجماعة على حقوقهم الفردية ، فإن الجمال قد ندر.



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    إلى القادة والمربين

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:14

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين..
    أيها الإخـوان:
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..
    فإننا نرحب بكم أيما ترحيب ونشكركم على ما تجشمتم من متاعب وما تحملتم من مشاق في هذا الظرف العسير الذي تمر به دعوتنا وحركتنا وجزائرنا وأمتنا إذ الكل مستهدف من مكر الماكرين وما أكثرهم.

    أيها الإخوة:

    لقد قدمتم من أماكن متعددة يحدوكم الشوق والود في لقاء إخوانكم عموما وأمانة التربية خصوصا وأملكم في أن تفعّلوا حركتكم من خلال الاتصال المباشر ببعضكم والناس للناس وإن لم يشعروا خدم.

    وأنتم تعلمون مثل جميع إخوانكم أن عملية التغيير التي نعيشها جميعا ونكتوي بنارها صباح مساء وتلفحنا المعاناة يوميا من أجل إيجاد الإنسان الصالح عبر تغيير النفس قاعدة التغيير الأبدية السرمدية و(إن الله لا يغير ما قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) هذه النفس الإنسانية المسلمة التي جمعتموها في محاضن تربوية تبذلون لها التربية والتعليم والتوجيه ورفع الهمم وشحذ العزائم والاهتمام بالفرد والجماعة والأمة وتحسيس الأفراد بضرورة استئناف الحياة الإسلامية من جديد على هدي من رب العالمين ووفق سنن التغيير من غير شطـط ولا لجاج ولا تعنت ولا مراء ولا خذلان ولا تجاوز لضوابط الشرع الحنيف الذي نعتبركم أيها المربون الأدوات الحقيقية لإحيائه في النفوس التي تتعاورها معاول الهدم بالمؤثرات الخارجية والداخلية ويدفع بها شيطان الإنس والجن لترك دورها في ريادة الشعوب وصناعة الحياة وإحلال الفضيلة مكان الرذيلة ودك عروش الطغيان المادي والسياسي والاقتصادي.

    أيها المربون الأفاضل:

    إذا ما كانت السنوات أفرزتكم بسب أو بآخر فإن هذا سيحفزكم على المضي باستمرار نحو الآفاق الرحبة بعيدا عن الكسل أو الفتور أو الترهل أو التسيب أو الإهمال إذ الشهادة على الناس لا تكون أبدا بهذه الصفات الذميمة وهذا الأمر نعتبره من البديهيات لا يحتاج إلى نقاش.

    وإننا لعلى يقين أن بعضكم أو معظمكم ليشعر بالمغص والتقزز وشيء من الإحباط وخيبة الأمل في ما يراه من تراخ وسوء معاملة وفظاظة سلوك وقلة نصير وتجهم ناس وازورار بعض المحبين وكثافة تنديد وشدة تنكيل وتوالي قصف وتسريب إرجاف وتشكيك في الحركة ومناهجها وتقحم مراء وتعكر أجواء وشدة معاناة وفقر ذات اليد وزيادة احتياج وكثرة الطلبات وتقلب ناس ودهر، وإغراء دنيا واتباع هوى وعدد جبهات وقوة تحديات في الداخل والخارج.

    كما أننا على يقين أن الحركة تدفع في داخل البلاد وخارجها شيئا من سمعتها التي توالت عليها الأحقاد الأصيلة والمفتعلة وليس للحركة من يدفع عنها كثرة العدى سوى الله تعالى ثم المجموعة المباركة مثلكم التي استأمنت على صناعة الحياة في بلادنا واستأمنت على شباب طري تلاعب به المتلاعبون فقمتم بدور طوق النجاة له تسلكون به الدروب الوعرة والشاقة وتوضحون له الطريق الأسلم الموصل إلى رضوان الله سبحانه إذ هو غايتنا في كل الأحوال.

    أيها المربون الكرام:

    أنتم مبتعثو الحركة والجماعة وعليكم بعد الله تعالى المعتمد ومنكم النصرة وفيكم الثقة وبكم تتم الأخوة والبذل والإيثار والنصح وبكم تتحقق الأركان فألزموا ما التزمتموه من غير إكراه ولا قسر ولا قهر. (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).

    أيها المربون الأفاضل:

    بين أيديكم أمانة الإنسان والإسلام والدعوة والجماعة والأمة ولكل حق بل وحقوق والالتزام يفرض رعايتها والعناية بها والحرص عليها آناء الليل وأطراف النهار ومن دلوك الشمس إلى غسق الليل.

    أيها الأفاضل:

    إرفعوا عنكم وعن أنفسكم أنكم كل شيء واعلموا أن الإنسان الذي بين أيديكم له عقل وذهن ونفس وبدن ومحيط مادي وبيئة بشرية، ومطلوب منكم أن تشبعوا نهم إخوانكم بإشاعة الخير والفضيلة والقيم النبيلة بينهم، وأن تهيئوا نفوسكم لقبول الصلاح والإصـلاح والاستعداد لكل الاحتمالات التي تفرضها الشهادة على الناس، ولا تتركوا الخلل يتسع بين الأخ وأخيه ولتكن القدم إلى القدم والكتف إلى الكتف منعا لأي شيطان ودرءا لأية مفسدة وجلبا لكل مصلحة. ولا تربطوا الأخ بالأشخاص خشية تسرب داء الشخصانية ولا تضعوا أمامه الأمثلة والنماذج النادرة حتى لا يحتقر الأخ نفسه أو يحصل لديه إحباط بعدم التمكن من هذه الصفات ولا تجعلوا من الأخ سماعا من غير تبين أو نقادا من غير عمل أو عابدا من غير إخلاص أو مخلصا مطيعا من غير ذكاء، وإياكم أيها المربون أن تشكلوا عقلية الدراويش، أو المهووسين والموسوسين واحذروا من غباء المتعلم وغرور المعلم وغفلة الحركة لا سمح الله.

    لتكن عين المربي على من يليه من الإخوان دراسة فردية وشخصية من غير تجسس وإنما من باب التحسس والرعاية الخاصة، وليجتنب أحدكم الغض من الآخرين أو بطرهم أو التقليل من شأنهم وليعط الأخ المربي من سبقه بالفضل حقه ولا يبخسه بحال (ولا تنسوا الفضل بينكم).

    وليحدد المربي جملة من الصفات الواجب على الأخ التحلي بها وليرعها باستمرار كالإنفاق، الشجاعة، الحوار، الابتسام، الحياء، الذكر، حب الناس وليتجنب المربي أن يجعل محضنه مرتعا للقيل والقال والموصوفين بالتميع أو الجمود أو ضعاف النفوس أو جامدي العقول أو مثيري الفتن والأزمات.

    أيها المربون المستأمنون على الإخوان:

    حفظا للكليات الخمس فيهم،

    تقوية لمشاعر الأخوة لديهم،

    دعما لدواعي الخير والفضيلة عندهم،

    حفزا لهممهم في طلب المعالي،

    دفعا لهم نحو كل مشروع ايجابي يبني ولا يهدم يقوي ولا يضعف يوحد ولا يفرق،

    ربطا لهم بربهم وقائدهم رسول الله صلى عليه وسلم وحركتهم وجماعتهم وأمتهم ومؤسساتهم،

    تفجيرا لطاقة الحركة السياسية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية،

    دعوة لهم إلى ضرورة الانفتاح على مجتمعهم،

    درءا لمفسدة الانكماش والتكهف المؤدية إلى قتل الإرادات الفاعلة ومنع القدرات الجادة من التفاعل مع التحولات،

    استقواءا بكل القدرات الموجودة لدى الإخوان في الرجال والنساء والطلاب والطبقات الاجتماعية كلها،

    أيها المربـون:

    بقدر ما تعنون بتربية من يليكم تربية شاملة متوازنة ومعتدلة من خلال أننا دعاة ولسنا قضاة بقدر ما تعنون بالمحيط البشري الآخر الذي أثبتت الحركة أنها المؤهلة لتأطيره وتجنيده بشكل إيجابي دفع الشبهات عن الإسلام ودعوته ويثبت أن الإسلام يحمل مقومات بقائه ونقائه بعدوله ورجاله المرابطين القائمين بالقسط بين الناس.

    أيها المربون الأفاضل:

    لعلكم دفعتم ثمن السرية المفرطة والآن تدفعون ثمن العلنية غير المفرطة ولكل الثمنين أجر لكن أجر الثاني فيه إقامة للشهادة الحقة والدين القيم والدعوة بالحسنى والموعظة والطريق ما زال طويلا رغم بعض البوارق وسوف تقف أمامنا تحديات وعقبات من داخل الصف وخارجه.

    وإذا كان لكل زمان رجاله فإننا نقول أيضا أن لكل مرحلة رجالها وطرق معالجة قضاياها وأنتم أهل لهذه التحولات بالتعاون والتناصح والعمل الإيجابي وبالإيمان العميق والفهم الدقيق الذي طالما نادى به العلماء والدعاة والمجددون.

    أيها الإخـوة:

    وما دام لكل مرحلة رجالها، فلا ضير على الحركة أن تكون حاسمة مع بعض المحبين والعاملين الذين وإن حسنت نواياهم لكنهم عجزوا عن المواكبة فكان معهم الحسم، لأن الحركة فوق الجميع، هذا الحسم الذي قد يسببه الانحراف عن المنهج أو القيادة أو الجماعة مع التزام العفة والدعاء بالهداية..

    أيها الإخوة المربون:

    هذه معاني أحببت أن تكون بين أيديكم شعورا مني بالمسؤولية التربوية والسياسية والإقليمية التي تثقل كاهلي وكاهل إخوانكم من أعواني، وعسى أن أجد عندكم من يعذرني على غيابي الخارج عن إرادتي وقلبي ووجداني معكم وكنت آمل في أن أجلس إليكم واحتك بكم عسى أن ينفع بعضنا بعضا ولكن هذه إرادة الله فكونوا إخوانا مربين ولا يصرفن أحدكم صارف غير الدعوة الشاملة وكونوا عباد الله إخوانا.

    أخوكم المحب لكم الوفي

    محفوظ نحناح بن محمد

    الجزائر في: أواخـر شهر يوليو (جويلية) 1995م

    رسالة من الشيخ محفوظ نحناح

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    نحناح الشيخ الرئيس

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:30

    بقلم: شعبان عبد الرحمن

    لم تزل تعبيراته الأنيقة ترنُّ في أذني.. ولم تزل مواقفه الوطنية الكبرى تزيدني كغيري احترامًا له وإعجابًا به.. ولم تزل ابتسامته العريضة وهشاشته وبشاشته مرسومة في مخيِّلتي، صانعةً جوًا من الأخوَّة الصافية دون تكلُّف.

    التقيته للمرة الأولى في صيف عام 1990م في طرابلس، وبعد أقل من عشر دقائق من الجلوس معه شعرت أني أعرف الرجل منذ سنوات، وتعلقت به قلبًا وقالبًا؛ لأنني وجدت نفسي أمام عملاق اسمه الشيخ “محفوظ نحناح”- زعيم ومؤسس حركة مجتمع السلم الجزائرية (حمس)، رحمه الله.

    وفي يوم التاسع عشر من يونيو الجاري مرَّ عام على وفاة الشيخ الرئيس كما يحب تلامذته وإخوانه في الجزائر أن يسموه، وما زال الرجل.. الموقف.. الخلق.. الإبداع.. ما زال حيًّا في القلوب، وهكذا مضى الشيخ “نحناح” في ركب الصالحين بإذن الله، ونسأل الله أن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء.

    كان الرجل صاحب منهج متميز في العمل الإسلامي، وصاحب موقف متميز- بل ومتفرد- في التعامل مع العاصفة الدموية التي هبَّت على الجزائر عام 1989م، وما زالت بقايا ريحها السموم تهب على البلاد، وهو إن كان صاحب تعبيرات مشهورة في الخطاب الجماهيري والإعلامي فهو صاحب مواقف سياسية متفردة- كما قلت- في التعامل مع الأزمة الجزائرية.. وهنا أتوقف قليلاً، فمنذ أن تفجَّرت موجات العنف العاتية على البلاد- عقب انقلاب المؤسسة العسكرية على نتنائج الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإسلاميون- انجرفت معظم الساحة يومها نحو تيار العنف، واستقرَّت المعركة بين النظام (المؤسسة العسكرية) المتشبث بالسلطة والسلطان، وقطاع كبير من الإسلاميين، وظلت المعركة حامية الوطيس، وما زالت شظاياها تتطاير ملحقةً الأذى بالمجتمع الجزائري.

    يومها قرَّر الشيخ “محفوظ نحناح” عدم الاقتراب بحركته من ساحة الاقتتال، ونأى بإخوانه عن الولوغ في الدماء تحت أي مبرر أو شعار، وتمكَّن من النجاة بحركته من الحريق الكبير الذي لا منتصرَ فيه ولا مهزوم، بل وقف بكل قوة وحزم معارضًا ومفندًا لفتاوى إباحة دماء أبناء الجزائر، وجهر بآرائه المعارضة والمخطِّئة للاقتتال، وجرَّم مسلسل المذابح المتواصل، ولم يتزحزح الرجل قيد أنملة عن موقفه رغم فتاوى بتكفيره صدرت من خصومه، ومحاولات لقتله وقتل مساعديه تكررت أكثر من مرة، أسفرت إحداها عن مقتل نائبه الشيخ أبو سليماني، بل والتمثيل به.

    كما ظل الرجل على موقفه ثابتًا كالجبل، رغم اتهام الكثيرين له بأنه تحالَف مع الحكومة أو مع النظام أو بالأحرى مع الجيش، وكنت واحدًا من الذين وجَّهوا له اتهامات بهذا الخصوص في حوارات صحفية عاصفة، لكنَّ صبرَ الرجل وقوةَ حجته وفهمَه الجيد لما يسلك من مواقف، ثم اتساع صدره ورحابته في تقبُّل النقد.. كانت كلها أدوات ناجحة في إقناع الآخرين.

    لخَّص الرجل موقفه في كلمات قليلة: “إنني أتحالف مع الدولة الجزائرية؛ لأنني أسعى للحفاظ عليها، والدولة غير الحكومة، فالحكومات تجيء وتروح.. تزول وتقوم، لكن الدولة إن زالت فلا عودة، وإن تمزقت فمن الصعب جمعها مرةً أخرى.

    وظل الشيخ الرئيس ثابتًا على مبدئه، يمد يده للتعاون والتحالف مع كل من يعمل للحفاظ على الدولة، حتى ولو كانت الحكومة أو الرئيس، ورفع شعار “المشاركة لا المغالبة”، وبالفعل قبل المشاركة مع النظام والحكومة، وأدار معها حوارًا أسفر عن تبني النظام الجزائري لمبدأ الوئام، ثم تمكَّن من تطوير مدرسة “الوئام المدني” إلى “المصالحة الشاملة”، ونجح في جعل ذلك بندًا رئيسيًّا في برنامج الرئيس.

    وهكذا ظل الشيخ يمد يده بالحوار والمشاركة والتفاهم مع مؤسسة الحكم الجزائري، لا لدنيا أرادها، ولا لكرسي سعى إليه، وإنما من أجل الجزائر.. الدولة والوطن، ورغم ما لحق به من مؤسسة الحكم.. من إيذاء.. ومحاولات الإقصاء من الساحة؛ بتزوير الانتخابات ضده وضد حركته، إلا أنه ظل باسطًا يده بالحوار والدعوة للمشاركة، وقد فارق الرجل الدنيا بعد أن نجح في ضبط بوصلة مؤسسة الحكم نحو المصالحة والوئام ولملمة الشتات الجزائري، وهكذا تسير سفينة الحياة السياسية اليوم، وستصل بإذن الله إلى برِّ الوئام والأمان.

    أسأل نفسي: تُرى لو أن الشيخ “محفوظ نحناح” انجرف بحركته نحو محرقة العنف الدموي كما انجرف آخرون..!! كيف سيكون حال الجزائر ساعتها؟! وهل ستكون هناك جزائر أصلاً؟!
    وأسأل الذين خاضوا غمار العنف على امتداد أربعة عشر عامًا: ما الذي حققوه بالضبط غير إهلاك الحرث والنسل؟! أنا لا أجد أمامي سوى نتيجة واحدة هي سقوط أكثر من مليوني جزائري بين قتيل، وجريح، ومصدوم نفسيًّا، ومنتحرٍ مهاجرٍ، وواقع تحت نير البطالة ومطررقة الفقر.. هذا إلى جانب عشرين مليار دولار من الخسائر الاقتصادية وِفق الإحصاءات الرسمية.. رحم الله الشيخ الحبيب.



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الشيخ نحناح: مسيرة الدعوة والسياسة

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:31

    التاريخ: الأربعاء 07 يونيو 2006
    الموضوع: دراسات


    مصطفى محمد الطحان
    كان الشيخ محفوظ نحناح يصارع المرض بالنشاط والحركة.. وفي بعض الأحيان تتغلب عليه آلامه.. فتهدأ حركته ولا يشكو.. وكيف يشكوا من أصبح مسؤولاً عن حركة؟!
    كنت معه في أنقرة.. وكان معنا ثلة من رجالات الفكر والسياسة، كان يخرج من الندوة.. ويغيب أحياناً ثم يعود.. كنت أستغرب الأمر.. وبعد أكثر من سنة أخبرني بأن الآلام كانت تضطره إلى مثل هذا الخروج.. حتى لا يلاحظ ذلك أحد.

    وأجدني –وأنا أقف أمام هذا الحدث الجلل مرور ثلاث سنوات على رحيله- أقلب أوراق الذكريات الغالية مع الأخ محفوظ النحناح.

    • التقيته أول مرة عام 1972 في إطار لقاء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض.. شاباً في الثلاثين.. كل ما فيه ينطق: لسانه ورأسه ويداه.. ومنذ كنت وحتى اليوم عندما أحضر لقاءً مثل هذا، أتفرس في وجوه القوم، وأختار واحداً أو أكثر ممن تظهر عليهم علامات الوعي والحركية والتفاؤل.. فأصل أسبابي بأسبابه..

    • في عام 1973 كنت في زيارة إلى الشمال الأفريقي بدأتها بالمغرب.. ثم الجزائر.. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت. وجدت الأخ محفوظ يستقبلني فاتحاً ذراعيه.. لا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته..

    • ذهبنا في سيارته الصغيرة الفولكس فاجن إلى بلدته (البليدة) وهي على مسافة 50 كيلو متراً إلى الجنوب من العاصمة الجزائر، وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير.. كل من يصادفك في هذا البيت يؤكد في ذهنك التدين والتواضع والخلق الحسن.
    في طريقنا إلى أحد مساجد العاصمة الكبيرة، لنستمع إلى أحد الدروس التي يلقيها الأستاذ محفوظ في العديد من مساجد العاصمة ومساجد البليدة.. هناك جلست أمام النهر المتدفق.. كلمات واعية.. وإيماءات واضحة.. وتوجيه سليم.. وأخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه.. وعما بعد الدرس..
    واستغربت أن يكون مثل هذا الطرح الجريء.. والأيام أيام (أبو مدين).. والتوجه اشتراكي علماني.. ويظهر أن شيخنا قرر أن يقول كلمة الحق واضحة، ويعتصم بالصبر مهما تكن النتائج.

    • وذهبنا معاً إلى مسجد الطلبة في الجامعة المركزية.. وكانت بداية التحول في البلد كله.. فهي النواة التي تفرعت عنها جميع الاتحادات الطلابية.. وانتقلت من العاصمة إلى المدن الأخرى.. ومن سكن الطلاب إلى التجمعات المهنية، فأصبح الطلاب أطباء ومهندسين ومحامين.. شغلوا معظم فراغ المجتمع المدني..
    ا
    لأخ محفوظ (رحمه الله) هو من ساهم في فتح مسجد الجامعة، وهو أول من أدى صلاة الجمعة فيه..
    في المسجد التقيت بالأخ الدكتور مصطفى براهمية.. ربطتني الرسائل معه منذ سنوات.. حتى كان لقائي به في مسجد الجامعة.. زرنا سكن الجامعة.. وتحدث الأخ محفوظ وتحدثت بعده.. اللغة نفسها والروح والتوجه كذلك..
    في زيارتنا للجامعة.. كانت الأوضاع والمظاهر بعيدة كل البعد عن الشكل الإسلامي.. لباس الطالبات.. حركاتهن مع زملائهن، وهن رائحات غاديات أو جالسات على المقاعد أو مستلقيات في الحدائق..
    سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا.. أجابني: ولتعلمن نبأه بعد حين.

    • اصطحبني الأخ محفوظ إلى لقاء حميم.. جميع قادة العمل الإسلامي من مختلف الاتجاهات: الإخوانية والسلفية والإنقاذية والجزأرة والصوفية وغيرها كانوا في هذا اللقاء..
    لقاء هؤلاء أمرٌ طبيعي.. وخلافاتهم مفتعلة.. كلفت الدعوة والدعاة كثيراً من العناء والإرهاق والخسائر التي لا تقدر بثمن.

    لو اقتصر أعداء الإسلام على إيغار صدور الإسلاميين بعضهم على بعض لكفاهم.. فهو الأمر الذي ينهك العمل الإسلامي ويدمر الدعوة والدعاة..
    لا أنسى أبداً الزفرات الحرى التي كان يطلقها أخونا محفوظ حزناً على رفيق دربه رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشيخ محمد بوسليماني، عندما سقط برصاصات على يد بعض الإسلاميين عام 1994. واستغربت الأمر.. فلم يكن يدور في فكري أن الأخ يمكن أن يقتل أخاه.. وسألت الأخ محفوظ: وهل أنت متأكد أنهم هم الذين قتلوه؟

    وقال والألم يعتصره: نعم نعرفهم بأسمائهم.. وليس الأمر أمر شهيد واحد بل عشرات.. ونحن نصبر ونحتسب فلا نريد أن نشمت بنا الأعداء.

    • في هذه السنوات كنت أزور الجزائر مرة في السنة على الأقل وأستمتع بصحبة وأفكار وأنشطة أخينا محفوظ.. وفي مرة زرنا معاً القاهرة وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب السجون التي قضوا فيها ما يزيد على عشرين سنة على يد طاغية آخر من طغاة بلادنا.. كانت سعادة الجميع بادية على وجوههم..
    الشيوخ سعداء بأن الدعوة التي رعوها ودفعوا أثماناً باهظة من حياة إخوانهم.. ومن سنوات نفيهم إلى الصحارى في معتقلات الأنظمة.. قد أثمرت وأينعت في العديد من البلدان.. والشباب كانوا سعداء فما أعظم أن يلتقي شاب مثلنا مع قيادات شامخة كنا ندرس فكرهم ونتتلمذ على كتبهم.. ونتأسى بصبرهم وثباتهم..

    ما أجمل أن تتضام السواقي مع النهر المتدفق لتشكل جميعاً تياراً عريضاً.. يزداد اتساعاً وعمقاً مع الأيام.

    • عام 1975 وبعد مناقشة الميثاق الوطني.. تم اعتقال الشيخ محفوظ النحناح والحكم عليه 15 سنة بعد نشره بياناً بعنوان: إلى أين يا بو مدين؟

    ليس محفوظ النحناح وحده الذي حوكم وحكم ظلماً وعدواناً.. بل الأمة كلها باستثناء الطغاة (أو السوبر باشوات) كما سماهم الكاتب حسين مؤنس.. دخلوا السجن الصغير.. أو السجن الكبير.. وليس أضر بالشعوب من إخافة الناس، وتهديد أمنهم وإهانتهم، وإهدار كرامتهم، وخاصة إذا جاء ذلك كله على يد أولياء الأمر، لأن الشعب يتربى بالقدوة، ويتعلم بالمثل الصالح، فإذا كانت القدوة سيئة.. كانت البلية بلا حدود.

    كان لابد من زيارة الحبيب في سجنه.. وسافرت إلى الجزائر.. ولظروف خاصة لم أستطع الوصول إلى أخينا.. المهم أني قمت بما أستطيع.. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
    ما أظلم هذه الأنظمة عندما تمنع الغرباء أن يتبادلوا التحية والمحبة!

    • ومات بومدين.. وقام استفتاء شعبي على الدستور الجديد في شباط (فبراير) 1989.. وبإقرار الدستور ألغيت حقبة كاملة من تاريخ الجزائر بكل مكوناتها الاشتراكية والعلمانية والديكتاتورية.. وكان هذا التاريخ يمثل ميلاد الجمهورية الثانية ونهاية احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للسلطة لمدة 27 سنة.

    في هذه الأجواء.. استعاد المسجد دوره.. وظهرت الحركات الإسلامية قوية تهيمن على الشارع.. وأفرج عن الشيخ محفوظ بعد قضائه 5 سنوات في السجن..

    • في مارس 1989 أنشأ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح بقيادة الشيخ محمد بو سليماني، وحركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الأستاذ محفوظ النحناح.. وهي الفرع الجزائري للإخوان المسلمين.
    واختلطت الأمور.. جبهة الإنقاذ تفوز في الانتخابات البلدية.. وفي المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.. وكثرت التصريحات التي تعتبر الديمقراطية كفراً.. والتي تهاجم رئيس الدولة الذي فتح صفحة الحريات.. فاغتنمها الجيش فرصة فبطش بالجبهة وزعمائها..

    قالوا أن المحنة تكون في الضراء وهي أسهل.. وتكون في السراء وهي أصعب، وكذلك كانت محنة الإسلاميين في الجزائر..
    واستطاع الأستاذ محفوظ النحناح أن يتخذ له طريقاً وسطاً.. كان كمن يمشي على سلك مشدود.. الجيش يخشاه والإنقاذيون يتهمونه.. ومع ذلك فقد سار في الطريق الصعب.. لينقذ إخوانه وينقذ الحركة التي كانت الرقم الأهم في كل الظروف.

    • لقيته في طرابلس الغرب عام 1990م.. وكان الاجتماع الذي حضرته وفود من أنحاء العالم العربي لمناقشة قضية الاحتلال العراقي لدولة الكويت.. كانت معظم الأصوات تؤيد العراق.. وقليل منها كان مع حق الكويت وحرية أبنائه. ورأيته يزأر كالأسد ويقول: كلكم مهتم بحفظ ماء وجه صدام.. ولا أرى أحداً يهتم بدماء أهل الكويت!

    هكذا كانت مواقفه عفة نظيفة شريفة.. مثل أخلاقه العالية الرفيعة.
    • وترشح الأخ محفوظ النحناح للانتخابات الرئاسية التي أجريت بالجزائر في نوفمبر 1995م، وفاز بالمركز الثاني بعد حصوله على 3 ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة.
    كتبت للأخ محفوظ يوم حصل على المركز الثاني.. وقلت له: أن هذا الذي حصل يدل على أن الإسلاميين على اختلافهم بدأوا يتجمعون.. وكان هذا بفضل سياسة النفس الطويل والصبر الجميل الذي قمتم به.. وهذه الـ25% من الأصوات التي حصلت عليها تساوي النصر، فـ25% من الأصوات المعارضة أقوى وأهم من 90% مما يحصل عليه قادة بلادنا زوراً وبهتاناً.

    وتمكنت الحركة التي يرأسها الأخ محفوظ النحناح من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، حيث شاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة الجزائرية.

    وكان للأخ محفوظ النحناح دور كبير في نبذ العنف والإرهاب وإدانته وكرّس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاث عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وقيم الوسطية والاعتدال.
    • كان اللقاء الأخير في استانبول في تموز (يوليو) 2002م، كان قد جاء إلى استانبول مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مبرحة ومعالجات طالت.. لم أعرف يومها ذلك.. فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه.. خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه..
    • وإني يا شيخنا محفوظ محزون لفراقك.. ولا نقول إلا ما يرضي الله..

    وأنتم يا إخوان محفوظ في الجزائر وخارجها.. أذكروا أخاكم بدعوة صالحة وليس عندي ما أضيف الآن غير قولة المتنبي:
    طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
    والحمد لله رب العالمين



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    محفوظ بن محمد النحناح

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:33

    حمد علي شاهين

    الأربعاء 31 كانون الأول 2008
    رفض أن تكون الجزائر العربيّة المسلمة امتداداً حضاريّاً لفرنسا والغرب

    (1361/1942 – 1424/2003)

    مفكّر إسلامي جزائري، مؤسّس (حزب حركة المجتمع الإسلامي) أو (حماس الجزائر) و(جمعيّة الإصلاح والإرشاد) وأوّل زعيم لحركة إسلاميّة يرشح نفسه لانتخابات رئاسيّة في الجزائر.




    محفوظ النحناحولد في مدينة البليدة، الواقعة في جبال الأطلس، من أسرة وطنيّة متديّنة رفضت إرسال أبنائها إلى المدارس الفرنسيّة، تثقف بالثقافة العربيّة الإسلاميّة على أساتذة فضلاء وعلماء أجلاّء في مدرسة الإرشاد بالبليدة التي أسّستها (حركة انتصار الحريّات الديمقراطيّة) وتشبّع بأفكار الشيخ نعيم النعيمي الإخوانيّة، نال شهادة جامعيّة في الأدب العربي سنة 1371/1970

    شارك في النضال الوطني لتحرير بلاده، ثم اتجه نحو التربية وإعداد الشباب بعد الاستقلال سنة 1363/1962 فأنشأ الزوايا لتعليم أبناء المسلمين اللغة العربيّة والقرآن الكريم، للتخلّص من الثقافة الفرنسيّة ولغة المحتل، ورفض أن تكون بلاده امتداداً حضاريّاً لفرنسا والغرب.

    شرع في تكوين خلايا التنظيم الإخواني بين عامي (1964 ـ 1975) بشكل سرّي، وشكّل تنظيماً علنياً باسم (الموحدون) سنة 1396/ 1976، وترأّس (جمعيّة الإرشاد والإصلاح) سنة 1409/1989، التي انبثقت عن (رابطة الدعوة) وهي جمعيّة تربويّة دينيّة أخلاقيّة خيريّة، على اعتبار أنّ النشاط الحزبي لا يتلاءم مع الحقبة التاريخيّة التي تعيشها الجمعيّة، وخاصّة أنّ البلاد خرجت توّاً من مرحلة الحزب الواحد، وقال لمراسل (لواء الإسلام): نحن نفضّل التطوّر ببطء نحو عودة للإسلام.

    وكان يفضّل أن يساند الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ بنصائحه.

    وكان قد أصدر بياناً رفض فيه الميثاق الوطني، والدستور الصادرين سنة 1396/1976 فاعتقل، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدّة خمسة عشر عاماً، وخلال وجوده في زنزانة إنفراديّة بسجن مدينة الأصنام في عام 1981 حدث زلزال مدمّر دفن المدينة والناس تحت الأنقاض فنجّاه الله، ثم أفرج عنه بعفو رئاسي.

    شجّعته نتائج الانتخابات التي حقّقتها الجبهة على الصعيد الشعبي للانخراط في العمل السياسي، فأعلن في 6/12/1990 ميلاد حزب جزائري سياسي باسم (حركة المجتمع الإسلامي) واختصارها (حماس) تيمّناً بحركة المقاومة الإسلاميّة حماس فلسطين، وأعلن اندماج الحركة الجديدة (بجمعيّة الاصلاح والارشاد).

    وقد حاول الاعلام الفرنسي تصوير حركته بالاعتدال، والجمع بين الديمقراطيّة والإسلام، ووضعها في مواجهة (جبهة الانقاذ) بهدف منافستها وإضعافها، إلاّ أنّه أبى إلاّ أن تلتقي الحركة والجبهة في المقاصد والغايات.

    وعني بالعمال وألحق بتنظيمه الحزبي (الاتحاد الإسلامي للنقابات).

    وجد أنّ الأزمة التي تعيشها بلاده أزمة عميقة الجذور ومتعدّدة الأبعاد، وأنّها ناتجة عن تراكمات لأكثر من ثلاثين سنة بفعل القمع والأحاديّة والاقتصاد والسياسات العرجاء والخرقاء، وإخفاق النماذج التنمويّة المستوردة.

    ورؤيته للأزمة أنّها أزمة شرعيّة، وأنّ الانتخابات هي جزء من الحل وليست كل الحل، إذ بعد تحقيق الشرعيّة، فإنّ بإمكان الرئيس المنتخب اتخاذ إجراءات شجاعة تساهم في عودة السلم الوطني والاستقرار والوفاق والثقة.

    وأنّ مقاطعة الانتخابات يوفّر غطاءً غير شرعي لحالات غير شرعيّة حكمت البلاد بالقمع والنهب، وتصبّ في نهاية المصاف في إقصاء الحركة الإسلاميّة عن الدوائر الشعبيّة، ومراكز صناعة القرار، وبالتالي إلقاء التهمة بشكل واضح على الحركة الإسلاميّة، واتهامها بأنّها حركة سلبيّة لا قدرة لها إلاّ على التجريح والهدم وسفك الدماء.

    وتقدّم نحو الأمّة ببرنامج إصلاحي شامل، عندما رشّح نفسه لرئاسة الدولة الجزائريّة سنة 1416/1995 بقرار من مجلس شورى (حركة المجتمع الإسلامي) وشدّد على حقوق المواطن الجزائري، واحترام حريّة الرأي، وطالب بالعناية بالمرأة المسلمة وإعطائها حقوقها، وإلى فتح الباب أمامها لتساهم في المشروع الحضاري الإسلامي، وتخفيف معاناة الطبقات الشعبيّة والكادحين، وتشجيع المبادرات الاقتصاديّة، واحترام الملكيّة الشرعيّة.

    فاز بالدرجة الثانية بعد الأمين زروال، رغم انحياز السلطة لخصمه.

    ورفض أعمال العنف التي انزلقت إليها البلاد، بعد إلغاء نتائج الانتخابات التي اختار الشعب الجزائري فيها بشكل ساحق (الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ) حيث كان يعمل مستقلاً عنها، سواءً كان مصدر الإرهاب العنف السياسي أو إرهاب الدولة، ودعا إلى إقامة تحالف بين القوى الإسلاميّة الجزائريّة، وتوحيد صفوف العاملين، وإنجاز البديل الإسلامي، والدفاع عن ثوابت الأمّة وقيمها، وتدعيم العلاقة التاريخيّة بين جيل الشباب الجزائري والشيوخ، وأقرّ مبدأ الحوار بين القوى الإسلاميّة وبين النظام السياسي القائم.

    ورأى أنّه لا بد من فهم خريطة السياسة الدوليّة والمحليّة، وفهم نفسيّات الأفراد العاملين في الحقل السياسي والإسلامي، والتعامل بلطف وتودّد معهم، والتعاون دوماً على ما يتّفق عليه، والإعذار فيما يختلف فيه، وحفز الهمم على الإخلاص لله تعالى، والقدرة على الحركة ببصيرة.

    وأنّ التعايش الأخوي والسلمي مع المخلصين شرط أساسي، وأن الإعراض عن الجاهلين من الخصوم والإحسان إلى مسيئهم شرط أساسي أيضاً، وأنّ المعركة مع الغرب معركة وجود أو لا وجود، وأنّ المعركة لصنع الحضارة الإسلاميّة تتطلّب فنوناً وألواناً من الصيغ المشتركة، إلاّ أنّ الروح الانهزاميّة هي المانع من العمل الأصيل، وأنّ الروح الاستعلائيّة بالإيمان، والاعتزاز بالشخصيّة الإسلاميّة هي المحرّك لصناعة الوجود الإسلامي المنشود.

    ورفض النظام قبول ترشيحه سنة 1419/1999 في الانتخابات المبكّرة، فأيّد مرشّح الحكومة والجيش عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يتولّى منصب وزير الخارجيّة الجزائريّة في عهد الرئيس هواري بو مدين، بينما كان صوت العقل والضمير يخفت وسط التفجيرات والمذابح وأعمال العنف في بلد الشهداء، وأصوات الاحتجاج على تزييف الانتخابات، مع انسحاب ستّة مرشّحين لمنصب الرئاسة.

    ودعا إلى حقن الدماء بين الجزائريّين والخروج من دائرة زرع الأحقاد إلى دائرة التراحم والتآخي والتضامن، وإعطاء الكلمة إلى الشعب الجزائري ليقول كلمته في الرجال، ويقول كلمته في البرامج، إذا كانت نظرتنا إلى الشعب على أنّه بلغ الرشد.

    ووصف الاستئصالي بأنّه الذي يبغيها عوجا في المجتمع الجزائري، ويرفض الحوار والمصالحة بين الجزائريّين.

    وقال: نحن نعمل على أن يحكم الجزائر المعتدلون من جميع التيّارات ومن جميع الاتّجاهات، ونرفض الوصاية الأجنبيّة على السلطة الجزائريّة.

    ونصح المؤسّسة العسكريّة أن تبقى على الحياد التام عندما يتفق السياسيّون على مشروع سياسي معيّن، وتعود إلى ثكناتها لتستمر في حماية الوطن، وعليها أن تبقى متماسكة موحّدة متضامنة، بعيدة عن ممارسة العمل السياسي.

    ونفى أن تكون القطيعة قائمة بينه وبين الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ، ووصفها بأنّها اختلاف وجهات النظر لعمليّة بناء مستقبل الجزائر، بطريقة سلميّة دعويّة، أو بطريقة دمويّة.

    توفي بالجزائر، بعد صراع مع المرض في 20 يونيو 2003.



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وفاة الابتسامة الجزائرية! (كلمات في وداع محفوظ النحناح)

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:34

    بقلم: نـاصر يحيى




    محفوظ نحناح - رحمه الله

    في عام 1980م خرب زلزال مدمر مدينة الأصنام الجزائرية -هكذا اسمها- ودفن المدينة والناس تحت الأنقاض.. وفي سجن المدينة كان هناك سجين في زنزانة انفرادية يدعى (محفوظ نحناح) محكوم عليه بالسجن 15 عاماً منذ 1976 لأنه شارك في إصدار بيان ضد بعض سياسات نظام الرئيس الجزائري السابق (هواري بومدين)!

    وفيما بعد تذكر (نحناح) تلك اللحظات - وهو في زنزانته الانفرداية- وكيف كانت الأرض تهتز تحت أقدام السجناء، والجدران تتهاوى، والأرض تتمايل تحتهم.. بينما كان هناك رجل راح يستقبل القبلة ويصلي.. والأصوات تتعالى في المكان بالتكبير والتهليل!

    خمس سنوات قضاها (محفوظ النحناح) في السجن 1976- 1981م بعد محاكمة شكلية لكنه في أول حوار صحفي معه مع مجلة (المجتمع) الكويتية في يناير 1982م لم يتردد أن يعلن رؤية متسامحة تجاه الذين اعتقلوه، وفي رؤية استشرافية للمخاطر التي قد تتعرض لها الحركة الإسلامية في الجزائر، أكد الرجل الخارج من ظلمات السجون اهتمامه وحرصه على ألا تتورط الدعوة الإسلامية في الجزائر في أخطاء تنعكس عليها بالضرر! مؤكداً على ضرورة مراعاة سنن التغيير واستيعاب صيغة المرحلة الجديدة التي شهدتها الجزائر مع بداية الثمانينات في مستهل عهد الرئيس (الشاذلي بن جديد).

    لقد تعمدت أن أبدأ كلمات الرثاء هذه في حق الأستاذ/ محفوظ النحناح بهذا الشكل لكي نعرف أن الخط الدعوي له الذي ظل ملتزما به حتى وفاته لم يكن طارئا ولا مكايدة ولا مجرد انتهاز فرصة لوراثة الآخرين، بل هو خط أصيل وفهم شرعي لدور الحركة الإسلامية الراشدة في إصلاح المجتمع وتقويم مافيه من اختلالات بالحسنى، ومراعاة الأولويات، وتقديم الأهم على المهم، والتفاعل مع سنة التغيير لا معارضتها.

    قرأت عن (النحناح) منذ حادثة الزلزال، وسمعت عنه من الأستاذ/ محمد ناصر بابريك الذي زاره في الجزائر في ذروة زمن الصحوة الإسلامية قبيل مرحلة الفتنة التي بدأت بأحداث 6 أكتوبر 1988م وما زالت فصولها الأخيرة -ربما- مستمرة حتى الآن! آنذاك كان (نحناح) هو أحد أبرز رجال الحركة الإسلامية، يحاضر فيتجمع لسماعه عشرات الآلاف.. ويزور المدن فيستقبله أحبابه وأنصاره خارج المدن كما يستقبل رؤساء الدول. وشاء الله تعالى أن ألتقي به في أكتوبر 1996م في العاصمة التركية (أنقرة)، وقرأت له عدداً من الحوارات الفكرية والسياسية ثم كانت خاتمة المطاف مشاهدة الحوار الهام الذي أجرته معه قناة (المنار) اللبنانية في نهاية العام الماضي. وأعادت بثه الثلاثاء الفائت بمناسبة وفاته. ولست أبالغ إن قلت إن شخصية (محفوظ النحناح) نادرة بكل معاني الكلمة، فرغم دوره الدعوي الهام في الجزائر لم تفارقه أبداً صفة التواضع فالذي يراه لا يصدق أن هذا الرجل؛ الذي يحرص على الجلوس في الصفوف الخلفية أو يجلس إلى مائدة منزوية بعيداً عن المنصة أو حتى الموائد الأمامية، لا يصدق أن هذا الرجل كان منافساً حقيقياً في انتخابات الرئاسة الجزائرية.. وأنه لولا التزوير لكان الفائز -ربما- بمنصب الرئاسة. اقتربت منه في مناسبات رسمية وفي حالات إنسانية اعتيادية فلم أشعر إلا أنه هو هو! ينصت باهتمام للمتحدثين وكأنه تلميذ يستمع لمعلم، ويتحدث لمن هم في سن تلاميذه بجدية واهتمام ويبسط أمامهم آراءه ومواقفه في أخطر القضايا الجزائرية وكأنه يتحدث في مجمع الخالدين أو أمام نخبة من عظماء السياسة والعلم. بعد حوار صحفي أجريته معه سألني بتواضع عن رأيي في قيامه بزيارة لليمن وما مدى مناسبة ذلك! وأعترف أنني جبنت لحظتها وخشيت أن يواجه مواقف لم تكن قادرة على تفهم حقيقة الرجل ومواقفه ولاسيما أن تلك الفترة كانت تشهد أحداثاً مأساوية في الجزائر في مسلسل الفتنة الدموية! وفي مقابل مخاوفي كان الرجل مليئاً بالثقة بسلامة اجتهاده في التعامل مع الأزمة التي خربت بلاده وتقبل ترددي بابتسامة.

    عندما التقاه أ. إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية واستمع إليه كتب يقول إن (محفوظ نحناح) هو أكثر شخص يعرف حقيقة ما جرى ويجري في الجزائر ورغم هذه الشهادة فإن الرجل ظلم كثيراً خارج وطنه، ولم يسلم من العنت في الداخل، فالفتنة التي ضربت الجزائر كانت بحاجة إلى روح شفافة وعقل راجح وقلب جسور لمعرفة علامات مقدمها وقديما قالوا (الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل)! و(نحناح) كان من القلة التي رأت الفتنة ودمارها قبل حلولها، ولم يتردد أن يصرح بطريقته المحببة اللطيفة في التعبير المركّز - أن مشكلة الجزائر سببها: التعجل والترهل، أي (تعجل) جبهة الانقاذ في قطف الثمرة و(ترهل) جبهة التحرير الحاكمة التي ترفض أن ترحل بهدوء!

    وثمة مفارقات تتصل بنهج الفقيد، فالجزائريون مشهور عنهم أنهم شعب عنيف وطالما سمعت قصصا عنهم، ويبدو أن (سنوات الجمر) أيام الاستعمار الفرنسي الغشوم ثم تلتها مراحل كانت ثمرة مرة لسنوات الجمر قد طبعت النفسية الجزائرية بالحدة والقسوة! وأذكر أنني اشتبكت في جدال عنيف مع السفير الجزائري السابق في صنعاء -رحمه الله- ونحن نتناقش في يوم ما داخل السفارة الجزائرية حول الأزمة الجزائرية! وكان الرجل ، رغم سنه الكبير وطبيعة عمله الدبلوماسي، حاداً وعنيفاً في نقاشه وهجومه على الإسلاميين كلهم دون تمييز فالرجل كان من أنصار عهد (بومدين)، وحتى (نحناح) لم يكن يعرفه! فعندما أردت تخفيف غلوائه ضد الإسلاميين حكيت له عن (نحناح) الزعيم الإسلامي الذي سأله صحفي فرنسي عن (الجنرال زروال) فعاجله الإجابة أن صفته (الرئيس زروال) ولم أحس أنه يعرفه أو حتى يبدي اهتماماً جاداً للسؤال عن هذا الإسلامي الذي ظل حتى الموت يردد أن بقاء (الدولة) في الجزائر مهمة مقدسة وأن المسلم لا يجوز له أن يرى بلاده تتمزق ودولته تنهار وهو لا يصنع شيئاً تجاه ذلك! والمفارقة هنا أن (نحناح) كان لطيفا، لينا، يتحدث في أخطر القضايا والابتسامة تعلو وجهه، لا يستفزه سؤال ولا يخرجه عن طوره اتهام مغرض، وابتسامته ليست صناعة سياسية بل انعكاس لروحه المرحة التي كانت تجعله قادراً على التعبير عن أفكاره بكلمات قليلة أو بمصطلحات (نحناحية) ظريفة إن صح القول، فمشكلة الجزائر عنده ليست في (النصوص) ولكن في (اللصوص)، والفرانكفونيون يريدون للجزائريين أن يكونوا (باريسيين) نسبة إلى (باريس)، والإسلاميون والوطنيون والقوميون يريدونهم أن يكونوا (باديسيين) نسبة إلى ابن باديس باعث النهضة الجزائرية! وعندما خاض الانتخابات الرئاسية جعل من ضمن دعايته الانتخابية صورة له وهو يحمل وردة جميلة يقدمها للناخب رمزاً للسلام والوداعة التي يحتاجها الجزائريون!

    وليس سراً أن الرجل تحمل الكثير من عنت الاتهامات والتجريحات ضد شخصه ومواقفه من الأزمة الجزائرية، فلم يكن صاحب أوهام، وامتلك شجاعة اتخاذ مواقف صعبة ربما لم تكن مقبولة شعبياً بمقياس الآمال ولكنها كانت صحيحة بحقائق الواقع الجزائري الذي كان خبيراً به. وأثبتت الأيام صحة اجتهادات (نحناح) فكل فرقاء السياسة الجزائرية الذين شطت بهم المواقف والآراء عادوا في الأخير - على الأقل معظمهم- إلى المربع نفسه الذي وقف عليه (نحناح) منذ البداية سواء في التعامل مع السلطة الجديدة ورموزها بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أو في المشاركة في العملية السياسية كالانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية أو المشاركة في الحكومة كوسائل لتخفيف الاحتقان في المجتمع الجزائري، والمحافظة على كيان الدولة من الانهيار.. وهو في كل مرحلة لم يتردد في انتقاد الأخطاء بأسلوبه المهذب سواء أكانت من السلطة أو المعارضة المسلحة أو المعارضة التي تمثلها الأحزاب السياسية الأخرى!

    بحسب (نحناح) أنه كان رجل بناء حركة دعوية ونهج فكري وتوجه سياسي سلمي، فهو من نوعية الرجال الذين يؤسسون فيعمقون، ويبنون فيرفعون عالياً، ويعيشون بين الناس فيحيون أرواحهم وقلوبهم، ويواريهم الثرى فتظل ذكراهم مشاعل نور تهدي في الظلمات ونسائم عطر وأنداء تستروحها النفوس كلما اشتد القيظ وجفت الأرواح وأجدبت القلوب.

    بحسب (محفوظ النحناح) أن له من اسمه نصيبا فقد حفظ لله به وبإخوانه في (حماس ثم حمس) ثمار الصحوة الإسلامية التي كادت تفنيها الفتنة العمياء في الجزائر، ومهما يكن إيقاع الصحوة قد تراجع أو خفت صوته قليلا إلا أن القائم الآن يستند إلى أساس قويم راشد يبقى بإذن لأنه ينفع الناس في دنياهم وأخراهم.

    رحمه الله، وأجزل مثوبته، وتقبله في الصالحين وعوض الجزائر والأمة عنه خيراً

    ــــــــــ
    المصدر: موقع الوحدة الإسلامية [بتصرف]

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الجراح المربية " نظرات في الفقه السياسي لمحفوظ النحناح

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 17:37

    الثلاثاء, 25 يوليو, 2006

    أحمد الراشد
    الجـِراح الـمُــربّـــيــة

    ** في تحليل الظاهرة التربوية في الحياة الإنسانية : أن المنظر يُربّي أكثر من القول ، ويترك آثاراً نفسية عميقة في المشاهدين أو في الذين يُعانون ، وهم رجال المشهد والمنظر وميدان العمليات ، لأن التفاعل مباشر ، فيكون ضارباً في الدواخل.


    وهذا المعنى أدركه الشاعر الجزائري الداعية الأستاذ محمد برّاح فقال :

    لا شيء أفصح من بلاغة جُرحنا (1)

    فمنطق المنظر المأساوي بخاصة : نافذ أشد النفوذ ، وهو أبين من تأويل عائم ، ويمنع أن نثق بوعد مُخادع يؤذينا ويُسرع إلى كلام مجاني يزعم فيه الإخاء ولزوم التعايش ، بل جُرحنا الغائر ، وأجسادنا المثقوبة ، ورؤوسنا المقطوعة : أتت بشروح يعجز عن مثلها الجاحظ والزمخشري لو أرادا الوصف الدقيق ، وجرح العراق أكثر نزيفاً من جُرح الجزائر ، فتماثلا في الفصاحة الصامتة التي تترك أثراً تربوياً من خلال شخوصها ظاهرة بين الناس.

    * ومن ظواهر الحياة : ازدحام مكوناتها ودقائقها ، وتراكم الأجزاء ، وحشد يتدافع بالمناكب في تنافس شديد ، ولذلك يحتاج أحداً يُرتبه ويُعيد له النظام ، وهي مهمة الـمُصلحين والقادة ، وذلك هو الذي لفت نظر محمد برّاح في الجزائر من سيرة النحناح فقال في رثائه :

    هذا الذي هذّب الدنيا ورَتـّبها !! (2).

    ولا يكون من شرط عمل القائد في ذلك الاستيفاء ، لكنه يضرب المثال ويضع الهندسة والتصاميم ، ليقتفي المستوعب الذي يؤذن له أن يفهم القصة.

    * ويزداد تأثير هذا القيادي الذي يُعيد ترتيب البيت إذا كان رجل تربية يجيد صنعة الرفق ، فإن الرجل التربوي له حنان ، ويُعلم الناس التفاؤل ، ويَصدق عليه ما وصف به محمد برّاح شيخه النحناح من أنه قد حوّل الآهات ألحاناً ، لأنه رَصَد في يومياته كيف أن رهطاً من شباب الجزائر جريحاً حزيناً أصابته الدهشة :

    فضمّه الشيخ والأناتُ صاعدة حتى استحال بلمس الشيخِ فرحانا(3)

    فطفق الرهط يعمل بجد ، ويستدرك ، وانتقل إلى سمت الإيجاب بعد إذ طرقته وساوس السلبية ، وكادت تتلفه نزوة الثأر وردّ العنف بالعنف.

    * والقيادي المقتدر ، والصاعد الجسور ، والتربوي المبدع : من شأنهم تأسيس الثقة ، وبثّ التفاؤل ، ليكون الإقدام والاقتحام ، وهو الذي أدركه محمد برّاح من صنعة محفوظ عندما سادت الأحزان ، فقال في رثائه مفتقداً المؤجِّجَ السائق نحو الطموح :

    من سوفَ يَقْدر ملء الفجر بعدكمُ بالأُمنيات إذا ما احتلّنا الضجرُ ؟ (4)

    وذلك هو وَجَل الصدمة الأولى ، فإنه ذهل عن عمق المنهجية التربوية التطويرية الدعوية التي التزمها ، فأتاحت مضاعفة الشعور بالمسؤولية لدى الوارث ، فأشاع البسمات ، رغم الصدمات ، وذلك هو الشأن المنهجي عند كل محنة ، يريدها المنافس أن تكبتنا ، فتتحول عندنا إلى منحة.

    * وكل جديد لم يتدرب على تداول مثله الدعاة : يوشك أن يقترن بخطأ ومحاولات فاشلة ، وتلك ظاهرة عامة في حياة أجيال المسلمين المعاصرة حين مارست السياسة ، أنها أتلفها الرهق والتجريب والسير غير المنهجي ، وأجمل الشاعر محمد برّاح وصف أحوالها فقال :

    إن الجماهير في إبحارها تعبَت تحتاج في لُجج الأمواجِ ربَّانا(5)

    فالمتاهة ولّدت المتاعب ، ولن تكون راحة إلا من خلال تصوّر واحد : أن يتولى القيادة السياسية إسلاميون فقهاء زُهّاد وعاة يُريدون وجه الله.

    وهذا هو الذي جعل الوعي الدعوي يُشير بوضوح إلى أن الحل الرئيس لمشكلة العالم الإسلامي بصورة عامة إنما يكمن في نزول قيادات ماهرة إلى الميدان ، تُربي مَن حولها وتدرّب جيلاً من القيادات الوسيطة الثانوية التي تساعدها وتحمل معها الأثقال وتتوزع المهام والواجبات ، وتعمل تحت ظلال فكر قيادي متناسق ، وفكر سياسي متجانس ، فتنشأ كتلة قيادية جماعية توفر الأمل بحصول استقرار وإنجاح خطة تنموية شاملة للبلد ، بل وبدء جولة جديدة للحضارة الإسلامية الإيمانية بعد إذ أنهكت الحضارات المادية الحياة الإنسانية.

    * ويتقوى الأمل بإمكان حصول هذا الطموح في أرض الواقع : أن هناك من أبناء الجيل الدعوي الصاعد الجديد من انفعل بالقضية الإسلامية ، وألهمته الجروح والأزمات أنواعاً من الإلهام ، حتى أصبح الآن جاهزاً لتوفير الإسناد القيادي التخصصي للخطط القيادية إذا مسحت على رأسه يد التدريب الإداري والإبداعي.

    وهو جيل رأى محمد برّاح جمهرته تملأ الساحة فأجاد وصفه :

    ¡ أشبالنا كَبُروا .. ويكبر شوكنا ..

    مَن كان يحبو .. صار لا يهوى الرقود ..

    إنا عرفنا كيف نُبدع ..

    كيف نصنعُ من جماجمنا الصعود ..

    برجالنا .. بنسائنا ...

    : يمضي الشهيد مع الشهيد ...

    عفنا المنابر والوفود ..

    فاحذروا ..

    أن تـُغضبوا فينا الجراح .. ! (6)

    فالجراح علّمته وجوب ولوج طريق الإبداع والصعود ، ولا يُريد أن يُغضبه جهول ، وإنما يُريد أن يحوز التربية التخصصية ليكون إيجابياً ويشرع في البناء ..

    * وهكذا فإن هذه المعاناة ، التي تتعامل مع دماء وأجساد معذبة ، وقتل ذريع يومي : كما أنها وصف محشور بالسوء ورديء المعاني والحقائق : فإنها أيضاً هي الخلفية التي تسند التطور الشخصي للداعية ، والتطور الجماعي ، لأن الألم يعصر القلب فيحركه نحو طلب الأمن والهدوء ، ويحفز العقل للتفتيش عن مخرج وحل ، ويؤدي ذلك إلى حوار مسترسل بين الأصحاب ، وتفتيش عن منطقٍ ودقة وصفٍ وأسباب تعليل ، وكل ذلك نضوج ، لكنه يحتاج ثمناً من الحُرقة واللذعات والصبر المر ، بيد أنه في النهاية يتحول إلى وعي وقناعات وتراكمات من الأجزاء التخطيطية التي قد يستوعبها عنصر آخر فيما بعد هو أذكى وأكثر دربة ، فيرتبها في منظومة وأنساقٍ نظريةٍ تـُشكّل منهجية عمل وتحرك لجيل كامل ذي امتداد عريض ، ويكون شاهداً ومثالاً واضحاً لكيفية ولادة المعاني ورسوخ جذورها ونموها وتحولها إلى فكر قيادي ، وهذا الذي يحدث اليوم في العراق من خلال محنة التنافس بعد الغزو الأميركي ، مع وصف إيجابي آخر زائد على هذا المقدار ، يتجلى في أن التنافس الذي تمارسه العناصر الدعوية يحصل بموازاة أحاسيس جهادية عالية وشعور إباء وعزة ومكارم تمنحها الانتصارات على أقوى جيوش العالم ، ومناظر سقوط جنود المارينز قتلى في الطرقات ، أو احتراقهم في سيارات الهامفي ، وهذا الإثخان يرفع وتيرة المعنويات لمتداولي الفكر القيادي ، فيتضاعف التأثر ، ويتسارع النضوج ، وتطوى الأرض ويطوى الزمن للصاعدين الذين تدفعهم محركات التنافس.

    * الصاعد يُربي نفسَه إذا أومأنا له .. !


    * لكن هذه المنحة القدرية الإيجابية التي تولد من رحم المعاناة والألم ليست هي إلا البداية والأرضية اللازمة للبذر والإنماء ، ولا يمكن أن يزعم أحد أن فيها الكفاية ، ولابد من ممارسة تطوير متعمد للعناصر وفق منهجية متكاملة تعتني برواية كل التجريب الناجح ليُقتدى به ، والتجريب الفاشل لقطع استرساله ، واستخدام العلوم الإدارية ووسائل صناعة الرؤى الاستراتيجية ، ثم انتظار الزمن لإنضاج المتدربين ، ولا يكون ذلك من خلال تربية تلقينية فقط ، بل من خلالها وعبر حلقات متواصلة من الحوار الحر الذي يُثير كوامن العقول وعلى سُنة الصراحة والنقد الإيجابي البنّاء الذي لا يتحرج من تسمية الخطأ بأنه خطأ ولا يجد ضرورة لاستعمال لغة دبلوماسية في ذلك ، ولكن مع الأدب والاحترام ، وبلا تجريح واتهام ، ولعل عشر جلسات من الحوار الأُصولي تستغرق الواحدة ثلاث ساعات : أبعد أثراً في التربية والإنضاج من خمسين محاضرة تلقينية يبقى فيها المتدرب صامتاً كأنه خزان يتم ملؤه.

    * ومن الأهمية بمكان للقادة وأئمة التدريب أن يُدركوا أن عملية التوعية والإعداد للجمهرة الذكية المختارة لا ننتظرها فقط من محاضرة وحوار ورواية أسرار ، وإنما ذلك شطر منها ، والشطر الآخر المكافئ إنما ننتظره من المتدرب نفسه ومحاولاته الذاتية ، ونقطة البداية في تحفيز استعداداته هو التكليف ، بأن يُقال له بأنه مُرشح لأن يكون إعلامياً أو تربوياً أو سياسياً أو إدارياً أو مُخططاً ، وبذلك نكون قد أطلقنا زناد تفجير الطاقة الكامنة فيه ، مع مراعاة رغبته وميوله الخاصة ، فيبدأ يُفكر ، وتصير له قضية ، ويُصبح مُرتبطاً بمحور تدور حوله رغـباتـه وأحـلامه وتطـلعاتـه ، وتـتـبدل نفسه ويُصبح توّاقاً راغباً في التطور ، مُهتماً بالإنتاج ، وتتحقق في داخله نقلة ملموسة أساسها نفسي معنوي ودربها عقلي فكري ، فيمر بمرحلة اصطياد الخواطر ، كأنه حفيد لابن الجوزي ، ويحرص على استلال كل خبر يقرؤه في جريدة أو مجلة يتعلق باختصاصه ، حتى يتجمع له أرشيف مُصغر ، ويطفق يهتم بالبرامج الجادة في الفضائيات ، ويرصد مالاً لشراء الكتب التخصصية ، ويستعير المراجع ، وأهم من ذلك في الحياة المتطورة المعاصرة أنه يشرع في رصد مواقع الانترنيت ، ويتقاسم مع أقرانه المماثلين له في تخصصه واجب الإطلاع عليها ، وقد أخبرني الثقة بأنه وجد أكثر من عشرة آلاف موقع باللغة الإنكليزية لعلم الإدارة والتخطيط الاستراتيجي والمرحلي ، وهذا رقم يشير إلى مثله في السياسة والاقتصاد وفروع التخصص الأخرى ، فلو أن مركز التدريب استحسن أفضل مائة موقع منها ووزع على كل متدرب واجب المتابعة لواحد منها أو اثنين ، مع ترتيب وسيلة لتبادل الجديد المعثور عليه من كل متابع لأصحابه : فإن المحصول العلمي في الباب المرصود يكون ضخماً جداً ومتجدداً بحيث يرتفع مستوى الجميع ، ولو أن المركز التدريبي ألزم كل متدرب بموضوع جزئي داخل التخصص العام يكتب فيه تقريراً أساسياً ويظل يطوره ويضيف إليه كل شهر من خلال حصيلة المتابعة : فإن مجموعة كبيرة من التقارير ستنضج في آن واحد ، بعد سنة أو سنتين ، واجتماعها تتكون به موسوعة كاملة في كل تخصص تكون هي أساس التفقيه للجيل الثاني اللاحق ، وبعد عدة سنوات يتم إنجاز عدة موسوعات متكاملة ، مع خوارط وجداول وإحصاء ولوحات عرض تعليمية تفهيمية يمكن استخدامها من قبل عدد من المحاضرين لإشاعة حقائق تخصص معيّن بين جميع الدعاة والداعيات ، فينتج من ذلك وعي مُكثـّف وتنتقل قضية التخصص من كونها قضية رهط صغير نذر نفسه للمتابعة والاجتهاد والاستنباط إلى قضية جمهور إسلامي واسع العدد يستوعب الدروس ، فتكون نقلة استراتيجية ترجيحية في ميدان تطوير التنافسية الشاملة ، وكل ذلك من بركات النصف الذاتي الشخصي من برامج التطوير ، ويكون التراكم الإنتاجي بالغ الأثر عند حصول التقادم.

    * الـمُحفّزات البيئية أُستاذ ثانٍ .. !


    * لكن الحفاظ على البيئة هو ركن ضمان هذا التأثير ، وأهم معاني البيئة هنا : انطلاق العملية التطويرية من مؤسسة تكون مثابة دائمة تتيح التعامل مع منهج لا مع أستاذ وشيخ فقط ، وهذه المؤسسية ضرورية لبذر معنى وجود حصة لكل منتسب في الملك ، وسهم وشراكة ، وعبر هذا الشعور يتضاعف الحرص بدافع التوافق مع الفطرة ، ثم وجود الأقران المتماثلين هو المدلول الثاني للبيئة ، وبه يكون تنافس في الخير ، وشبه رياء هو إلى الحلال أقرب وإلى الإباحة أنسب ، أشار إلى مثله الغزالي في إحياء علوم الدين وجعله من أسباب عمران العلوم ، وبين الأقران يرتفع التكلّف ، وتشتغل السجية وتؤدي دوراً إيجابياً في تبادل الرأي وتحديات الجدل المنطقي أثناء المساجلات التي ينتصر خلالها كل مشارك لرأيه ويحاول إثبات صوابه عبر أسباب وذكر تجارب وتذكير بتاريخ فيه شواهد ، ولعل توفر المكتبة والمراجع والأرشيف وبنك المعلومات وأجهزة الكمبيوتر والعَرض والتسهيلات المختبرية والهندسية تُشكل جانباً مهماً في تكميل معنى البيئة الملائمة المعينة على التــطور ، وليـس آخـــر مــعانيها : توفر جانب الجمال والخضرة والمقاييس المعمارية ووسائل الراحة من تبريد وتدفئة وجلوس مُريح ، ولما وفد الشاعر البدوي علي بن الجهم على الخليفة المأمون وشرع يمدحه : بدأ قصيدته بقوله خليفة كالكلب في الوفاء ، فثار عليه الحاجب والوزير والخدم يسكتونه ، وذهلوا عن أنه بدوي ، هذا مدى تشبيهاته التي توجهها انطباعاته البيئية ، فسارع المأمون إلى زجرهم ، وقال : بل اسكنوه جانب القصر الخلافي على دجلة شهراً ثم اجلبوه وليعرض بضاعته ، فرجع إليه بعد شهر يتغزل ويقول في ديباجة قصيدته :

    عيون المها بين الرُصافة والجسرِ سَلَبْنَ الهوى من حيث ندري ولا ندري

    فأذعن الجميع لإبداعه ، وأيقنوا أن البيئة لها أثر ومقال وحق وقيادة للعاطفة والعقل معاً ، وهي مصفاة لغوية للشاعر والناثر ، بل هي مختبر جمالي يمنح أعذب الأساليب وأرق الألفاظ ، وكذلك البيئة تكون في عالم التدريب والتطوير ، تضرب عمقاً فتحول الفوضوي إلى منهجي ، واليابس إلى طري ، والجافي إلى ذوقي ، واللجوج إلى دبلوماسي ، وتفتل أُذن القاسي حتى تعيده إلى الرفق ولين الجانب ، وكل ذلك من فن التربية ومنحة المحيط القياسي الموافق للمواصفات ، حتى أني تكلمت يوماً فذكرت أن الدراسات المعمارية والطبية توصي بأن يكون ارتفاع المنضدة ستاً وسبعين سنتيمتراً ، ليلائم معدل حجم الإنسان العادي وطوله : تعجّب الحاضرون ، إذ تلك حقيقة هندسية عالمية ، ولكن الشعوب في البلدان المتخلفة تجهل مثل ذلك ، بسبب نقص المنهجية ، وهو السبب الذي جعل الأستاذ التلمساني-رحمه الله-حريصاً على أن يُقلد دحية الكلبي الذي تمثـّل جبريل-عليه السلام-في صورته ، فكان الأستاذ يخرج علينا في أجمل الثياب ، ويُعلّق على صدره وردة حمراء.

    * المنظومات التدريبية توجّه الأداء الذاتي


    *وهذا النمط من الإدراك لهذه المعطيات الإيجابية في المساعي التخصصية يوجب على مجموع الدعاة عملاً استدراكياً يُعوض عن تقصيرنا فيها خلال المرحلة الماضية ، أو حرماننا منها بسبب الظروف الصعبة والظلم والمنع الاستبدادي من حاكم أو حزب مسيطر أسندت له الدوائر العالمية المرتبط بها مهمة تجهيل الشعب وإبعاده عن كل وسيلة تنموية ، ولابد أن نتحدى المصاعب ونجالد ، على قاعدة : سدّد وقارب ، والدعوة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى إثراء في الرؤى ، وتوسيع مواردها وتنويع أساليبها ووسائلها ، وإسناد هذه المهمة إلى مراكز بحثية تصف الواقع وتحصي ، وتطلع على آخر الفنون في التخطيط ، وتحاول الاقتباس والتطبيق ، مع اعتبار الخصوصية الإيمانية الشرعية ، ثم الانتقال إلى التدريب من خلال مؤسسات محلية تتبادل الخبرة والمدربين مع مؤسسات مثيلة عديدة في الخارج ، وربما مع أخرى غربية وشرقية ، ثم إدامة التواصل مع المتخرجين من خلال دورات تنشيطية ، ومجلة ، وتقارير ، وسلسلة كتب تخصصية ، وترجمات ، وندوات ، والتعامل معهم كأساتذة في موضوع جزئي محدود أو أكثر يلقون فيه محاضرات لجيل لاحق ، وإذا أضيفت إلى كل ذلك متابعة وتقويم للأداء واختبارات استيعاب وجلسات تشاورية لبحث مواضيع مهمة وإصدار توصيات بعدها : فإن وتيرة الجد ربما تستمر ، ويكون المختص أحد الأمناء الذين يكفلون حياة موضوع تخصصه ، وحضور معناه عند الشدائد والمنعطفات ، ويتوفر ضمان مراعاة مذاهبه عند البحث ، والله الضامن ، وتحصل حالة بـِشارة ونـِذارة تصدع بمدلولاته ، وكأنها جزء من التعبد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي هو شأن المؤمنين.

    * والمظنون الذي يترجح بالدلائل والقرائن والتجربة : أن كل الشباب الإسلامي الموقن بالمفهوم الدعوي : يصلح أن يُرشَّح لهذه الخدمة التخصصية والمراتب القيادية إذا كان عنصر الذكاء متوفراً ، مع قوة الشخصية ، وبخاصة عندما يكون هناك إمهال وترك فرصة للتدرب ونمو الأحاسيس الذاتية ، ومن الخطأ التكليف الفوري لمخلص يسترسل مع عفويته الموروثة وغفلته التي تفرضها عليه آلام المرحلة ، ولكن يكون الانتقاء و اكتشاف العناصر الصالحة ، ويكون تكليفها وتفجير زناد الشعور بالمسؤولية فيها ، ويتم تلقينها ، وتدريبها ، وتحسين بيئتها ، مع فتح مجال الاستفادة من المعطيات المتاحة ، وإنضاج عقولها بالحوار ، ثم التدرج في إسناد المهمات لها ، والعفو عن الخطأ الذي تجنح إليه وهدره ، بتأويل قاعدة تعلم الصواب من الخطأ ، وقد يُسنَد الفقير بكمبيوتر ، ومجموعة كتب ، وبمواصلات مجانية توفر عليه عناء انتظار وسائل النقل العامة ، وربما يكون توظيفه وتفريغه ، وإتاحة مجال تحصيل الماجستير والدكتوراه له في الجامعات المحلية والخارجية في موضوع تخصصه نفسه ، وتوفير فرصة زيارته لبلاد أُخرى ليقتبس من أساتذتها ويكتال من عطاء مؤسساتها ، وقد نتعمد طبع رسالة له يُبشر خلالها برؤاه وأُمنياته ، لتكون محور أحاديثه ، أو نمنحه فرصة المشاركة في حلقة تلفزيونية ، ليشتهر ، فتُلزمه شهرته بالتعلم الزائد وتجميل أفكاره وتجديدها ، استثماراً لأحوال الفطرة التي ترغم صاحبها على أن يربأ بنفسه عن الظهور بمظهر الرجعي المتخلف العتيق الثقافة والأفكار الذي تجاوزه الزمن ، وكل ذلك إذا شاء الله ممكن ، والثقة بالعناصر الصاعدة أصل في الخطة التطويرية ، وإذا نجحنا في توسيع الكتلة الدعوية التخصصية واستطعنا ترسيخ معادنها ومضاعفة ثقلها النوعي ومجال أدائها الحيوي : فإننا نكون قد كسبنا نصف معركة المصارعة مع التحديات ونحن جلوس بعد لم نـَقُم ولم نلبس الدرع ، ورُبّ فرصة تلمحها عُصبة تتحاور فتدعونا إلى حُسن استقبالها ، فيتولد تفوق حاسم ، ثم رُبّ خطر خفي زاحف تحت ستار يكون التحذير منه فتكون العصمة من دهشة وحيرة والنجاة من تلاوم بين الدعاة يكسر النفوس ويُولّد الإحباط ، وعُرف الناس أن يكون اجتياز الصحراء بدليل يعرف الكثبان والآكام ، ويمهر في اقتفاء الأثر ، وأن تمخر سفنهم البحار بربّان له بوصلة ، وملاح له إلى نجوم السماء نظر ، ويفوز باللذة الجسور المتقن لفنون النزال والتملص والتمويه والتفلّت ، ويرجع صفر اليدين الهيّاب المتلفّت.

    * ولكن مما يبعث شعور الاطمئنان إلى المستقبل ويجعله واعداً : شيوع تيار التدريب الإداري والإبداعي في أقطار كثيرة ، وظهور أئمة فيه هم إلى النضوج والكفاية أقرب ، واكتشافنا أننا أغنياء في الرجال ، الذين يمكن أن يضعهم القادة عن أيمانهم ، وأن يصولوا بهم ويجولوا ، وتمام النجاح يكون في توسيع نطاق هذا الانتشار ، وفي تبادل الخبرات ، وتقاسم الأدوار ، ثم في الإلحاح في طلب العمق النوعي والجزالة الموضوعية والمكنة العلمية والعملية ، لأن العلم ثقيل ، ونحن معادن ، ولن يرضينا أن يكون أحدنا فضة ، فإن الذهب أفضل ، وإلكتروناته ضِعْفَ الكتروناتها ، ثم أقدر منه اليورانيوم ، فإنه مُشع ، والدعوة إشعاع في أصل مهمتها ، وإنه متفجر ، وتكاثف طبقات الران على القلوب والظلم على الشعوب لا يبددهما غير عمل تفجيري للمعاني يخرج عن الرتابة والدغدغة ومشية الاستحياء والخفر الأُنثوي ، ويدنو إلى أقرب من شبرين من الصراحة.

    * و يتضاعف إيجابنا وخيرنا عندما نعلم أن الأحزاب المنافسة تورطت في سلبية الدمويات وجهلت التاريخ ، وكانت قد بذلت كثيراً ، وقدّمت التضحيات ، وتحالفت مع العولمة ، وتم تقديم التمكين لها على طبق من لؤلؤ ، وكان من الممكن أن تحبّب نفسها للناس ، وتتزين ، وتؤسس لها قبولاً عند أهل العراق وعموم أُمة الإسلام من خلال خطة ذكية يكون فيها تدليس وستر لنواياها الخفية ، ولكنّ الله أبى ، وجعل العناصر الغوغائية الجاهلة تستبد داخل كل حزب منها بأموره ، وتم عزل القياديين المؤهلين للممارسة السياسية الذكية ، واستطاع الفوضويون التحكم ، العراة عن علم التخطيط والرؤى الإستراتيجية ، فتشوهت الصورة ، وتم تقديم نموذج لحكم إرهابي يتوجس الناس منه خيفة ، وساعدت القنوات الفضائية المحلية الحزبية على تقديم صورة مثيلة شوهاء ، إذ ذاك مبلغ علمها ، والإناء ينضح بما فيه ، فتراجع الرصيد العالمي لهذه الأحزاب ، مما يجعل امتيازنا نحن بالإيجابيات والعمل المنهجي مضاعف الأثر بإذن الله.

    * وعلى كلٍ : فإن هذه المقالة أرادت منع الدعاة أن يستهلكوا أنفسهم في أحزان تولدها الدماء والقتول المستحرّة ، والعدول عن ذلك إلى توظيف المحنة إيجابياً لتحصيل نقلة تطويرية تدرأ محناً مستقبلية مثيلة ، مع إعلان الثقة بجيل الشباب الجديد الصاعد ، وأنه مؤهل لكي يقود إذا بذلنا له التدريب ، وخير هذا التدريب أن يكون مؤسسياً ، وأن نصنع له بيئة مُساعدة ، ومِنى لمن سَبق ، وإن لم يكن منك إقتداء بجدك السبعين حين كان يقف بسوق عكاظ خطيباً : فليس أقل من أن تكون مستمعاً عالي الذوق ***



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله : ومبررات المشاركة

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 24 أبريل 2011 - 18:44

    السبت 13 يونيو 2009

    بقلم : محمد جمعة *

    يقول ماكس فيبر max weber عالم الاجتماع الألماني الشهير : "لا يوجد في السياسة سوى خطأين قاتلين الخطأ الأول أن لا يدافع الإنسان عن أي قضية و الخطأ الثاني أن لا يتحمل المسؤولية."

    و الشيخ نحناح رحمه كرس حياته للدفاع عن قضايا الامة كما تحمل المسؤولية في ظروف استثنائية , إبان الثورة التحريرية حين اعتنق الثورة و انخرط في صفوفها و هو في ريعان شبابه لم يتجاوز سنه 16 سنة , و حين عارض دستور 1976 الذي كرس الأحادية و الاشتراكية كخيار لا رجعة فيه و اعتقل من اجل ذلك و حكم عليه 15 سنة سجنا ا ما المحطة الأهم في حياته و التي تميز فيها عن كثير من الدعاة و الساسة و القادة هو موقفه الاستثنائي و الإبداعي من المأساة الوطنية التي كادت تعصف بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي






    و لم يكن هذا الموقف سهلا في ظل فتنة عمياء تدع الحليم حيرانا فهذه جماعة الجزأرة التي تعتبر من النخبة و كانت تدعي الحكمة و القدرة على الاستشراف و تتهم الشيخ نحناح رحمه الله بالارتجال و التهور و المغامرة و لكنها لم تتمالك أمام بهرج جبهة الإنقاذ التي عارضتها في البداية و لكن ما لبثت أن التحقت بها بعد فوز هذه الأخيرة في الانتخابات المحلية سنة 1990 التي تبوأت فيها المرتبة الأولى و احتلت الصدارة في الخريطة السياسية بحجة ترشيدها ثم استدرجت للعمل المسلح حيث كان حتف قيادتها على يد الإرهابيين
    حين اندلعت الفتنة انقسم الناس تجاهها إلى أقسام عدة فمنهم من نأى بنفسه عنها و التزم الحياد و لزم بيته و منهم من انحاز الى معسكر الإرهاب و منهم من انحازالى معسكر الاستئصال اما الشيخ نحناح رحمه الله و من خلاله حركة مجتمع السلم فقد تميز في موقفه فلم ينحاز الى هؤلاء و لا هؤلاء و دعا الى ضرورة استيعاب الفتنة و تطويق المأساة بمصالحة وطنية شاملة و قال لسنا طرفا في الازمة و لكننا طرف في الحل
    و اتخذ من حديث الرسول صلى الله عليه و سلم شعارا له :" كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه "
    و تبنى نهج المشاركة في مقابل نهج المغالبة الذي كان يتسم بالحدية و الرغبة في الاشتباك مع النظام

    هناك 5 مبررات ناضلت جميعا لصالح نهج المشاركة

    1– المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية

    التي كانت تتهددها أخطار الانهيار , الحرب الأهلية و التدخل الأجنبي مع ضرورة التمييز بين الدولة و النظام و الحكومة فالدولة ملك للجزائريين جميعا دفعوا ثمنها باهظا دماء و دموعا و تضحيات بلغت مليونا و نصف مليون من الشهداء
    اذكر أنني كنت رفقة الشيخ نحناح رحمه الله في زيارة إلى لندن سنة 1994 في عز الفتنة فكان جل الإسلاميين الذين التقيناهم مشفقين على الحركة لا سيما بعد استشهاد الشيح محمد بوسليماني رحمه الله على يد الإرهابيين , متوجسين من المستقبل خصوصا أن الإعلام العربي المهاجر كان يجنح إلى التهويل و يتحدث عن زحف وشيك للجماعات المسلحة على العاصمة التي باتت وشيكة السقوط - حسب زعمهم - و لكن نحن في الحركة كنا واثقين ان مآل هذا المشروع الفشل لأنه مخترق و يفتقد إلى مقومات النجاح و يصادم سنن التغيير و يحمل بذور فنائه في طياته
    و كان إخوان الصومال مؤيدين لموقف الحركة مثمنين انحيازها إلى الدولة الجزائرية لأنهم يصدرون عن تجربة تقول انه ليس هناك أسوا من انهيار الدولة لان الأمر سيؤول إلى الفوضى و الانفلات و انعدام الأمن و سيادة قانون الغاب و تعطل مصالح الناس. بل و أصبحوا يترحمون على عهد الرئيس المخلوع الطاغية سياد بري لأنه في غياب البديل الناضج اخف الضررين و أهون الشرين و لا زال الصومال يتخبط في فتنة الحرب الأهلية إلى يومنا هذا و لولا ان الله سلّم ثم وعي الشعب الجزائري و تحالف الوطنيين الصادقين و الإسلاميين المخلصين لدينهم و وطنهم لعرفت الجزائر نفس المصير

    2- الحفاظ على المشروع الإسلامي :

    الجزائريون برمتهم مسلمون يحبون الإسلام ويلوذون به في أوقات الشدة فكل الثورات التي خاضوها ضد المستعمر الفرنسي لافتكاك الحرية والاستقلال كانت باسم الإسلام وتحت رايته،ولكن ما اقترفه الإرهابيون من جرائم باسم الإسلام يندى لها الجبين ويشيب لها الولدان كان كفيلا بتشويه صورة الإسلام وتنفير الناس منه وإقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي والاجتماعي الى الابد ،لولا التميّز المبكر الذي بادر إليه الشيخ نحناح رحمه الله وحركته والبراءة التي أعلنها من الإرهابيين والتنديد بجرائمهم والانحياز إلى الدولة الجزائرية وتبني نهج المشاركة بدل المغالبة التي كانت تنادي بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ ،والتميز لم يقتصر على المواقف السياسية فقط بل كان شاملا في الفكر والخطاب والممارسة من خلال مدرسة الوسطية والاعتدال وما يتصل بها من مفردات كالتربية والمرحلية والعمل السلمي ونبذ العنف والدعوة بالتي هي أحسن وما إلى ذالك من المعاني الجميلة التي تتميز بها هذه المدرسة.
    وهناك مستوى أخر لا يقل أهمية يتمثل في الحفاظ على الشرعية القانونية والحق في النشاط العلني في إطار القانون على غرار القوى السياسية الأخرى لأن الإسلام لم يزدهر وينتشر يوما كما انتشر وازدهر في ضل الأمن والسلم والحرية والعلنية فهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قدم خمس تنازلات كبرى في صلح الحديبية لقاء الهدنة مع المشركين والسلم والحرية ولم يستوعب الصحابة رضي الله عنهم هذا الصلح حتى أن عمر رضي الله عنه قال لرسول صلى الله عليه وسلم " لمَ نعطي الدنية في ديننا" ولكن النبي صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي المعصوم من الأخطاء كان يدرك الأبعاد الإستراتيجية لصلح الحديبية والمكاسب التي يمكن أن يجنيها الإسلام من هذا الصلح والتي خفيت عن الصحابة بل اعتبر بعض المؤرخين صلح الحديبية فتحا اذ خرج الرسول صلى الله عليه و سلم الى الحديبية في 1400صحابي ثم خرج عام فتح مكة بعد سنتين من ذلك في عشرة آلاف
    فالحرية والشرعية القانونية نعمتان مغبون فيهما كثير من الحركات الإسلامية في مصر وسوريا وتونس وليبيا وغيرها من الدول العربية والإسلامية فمشكلة الإخوان في مصر مثلا تُعزى إلى حرمانهم من الشرعية القانونية وهذا الذي حرمهم من الاستقرار والتراكم وعرّضهم باستمرار إلى الضربات المتتالية فلا يكادوا يفوزون في نقابة من النقابات حتى تجمد ولا مؤسسة من المؤسسات حتى تصادر أو تحل ولا اجتماع من الاجتماعات حتى يعتقلون بتهمة الانتماء لجماعة محظورة .


    3 - الطمأنة

    و تهدف الى استعادة الثقة المهزوزة في المشروع الإسلامي جراء الأعمال الإرهابية، على صعيد الشعب والدولة والخارج ،وقد تمكنت الحركة في ظرف وجيز بفضل نهج المشاركة من استعادة هذه الثقة ،وآية ذلك الثقة العالية والتأييد الكبير الذين أولاهما المواطنون والمواطنات لمرشح الحركة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في رئاسيات 1995 رغم دعوة الجبهات الثالث "جبهة الإنقاذ وجبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية" وغيرها من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية إلى مقاطعة الانتخابات ولكن الشعب الجزائري لم يلتفت لدعاة المقاطعة وأقبل بقوة وكثافة على صناديق الاقتراع ومنح الشيخ نحناح رحمه الله أكثر من ثلاثة ملايين صوت،ولولا يد التزوير التي عبثت بالأصوات لكان الفوز حليف الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله و لكن رغم حرمانه من فوز محقق صبر واحتسب وقال أن بين المصلحة الفردية ومصلحة الحركة أقدم مصلحة الحركة وبين مصلحة الحركة ومصلحة الجزائر أفضل مصلحة الجزائر .
    في حوار مع أحد المسؤولين الكبار في الدولة قال لقد كسبت حركة مجتمع السلم ثقة الدولة وإن لم تنتبه لذلك، واطمأنت الكثير من الأطراف الى نهجها بعد أن كانوا متوجسين من مشاركتها في الحكم بل رافضين لذلك ،ولكن بفضل التضحيات التي بلغت خمسمائة شهيد و بفضل المواقف و الاداءات في مختلف المؤسسات ارتفع منسوب الثقة
    والدليل أنه في سنة 1996 لم تمنح للحركة سوى وزارة وكتابة دولة رغم أن الوعاء الانتخابي للحركة كان كبيرا جدا وبلغ زهاء ثلاثة ملايين صوت التي حازها الشيخ نحناح في رئاسيات 95 أما اليوم ورغم تراجع الوعاء الانتخابي إلى قرابة مليون صوت فقد مُنحت للحركة خمس حقائب وزارية ، فلو تعاملت الدولة مع الحركة بمنطق الانتخابات والرياضيات لكان عدد الحقائب الوزارية في 1996 أكثر مما لديها اليوم،لكن الفارق أن الثقة أكبر اليوم منها البارحة .
    أما على الصعيد الخارجي فالحركة تحظى باهتمام واحترام كبيرين من قبل كل الدول الكبرى كأمريكا ، دول الاتحاد الأوروبي و الصين وغيرها من الدولة فالتواصل معها قائم بناء على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة و تسخّر الحركة هذه العلاقات لخدمة الجزائر و الاسلام و فلسطين .

    4 المصالحة الوطنية

    منذ ظهور بوادر الازمة و الحركة تدعو الى المصالحة الوطنية كحل اوحد للازمة حقنا للدماء و صونا للاعراض و حفظا للأموال و الممتلكات حتى بحّ صوتها وتشققت حنجرتها لانه لا هوية و لا ديمقراطية و لا تنمية في غياب الامن و الاستقرار و هذه حقيقة قرآنية لا تقبل الجدل " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف " فالأمن الاجتماعي و الاقتصادي مرهون بالاستقرار السياسي
    لقد ساهمت الحركة مع الخيريين لترجيح كفة المصالحة الوطنية ضد طرفين نقيضين كان يغذي بعضهم بعضا : انصار اللاءات الثلاث ( لا مصالحة , لا هدنة , لا حوار ) من الارهابيين و مؤيديهم الذين كانوا يسعون للاطاحة بالدولة و ينتهجون سياسة الارض المحروقة و انصار التيار الاستئصالي من غلاة العلمانيين الذين حاولوا استغلال الاوضاع لتصفية حساباتهم التاريخية مع الاسلاميين جميعا دون تمييز بل مع الاسلام ذاته، اذ سعوا الى الارتداد على قانون تعميم اللغة العربية و منعوا بث الآذان في الاذاعة و التلفزيون و اغلقوا الكثير من المساجد في الاحياء الجامعية و حاربوا المظاهر الاسلامية بحجة تجفيف منابع الارهاب ولكن بعد اشتداد الازمة وسقوط أكثر من 150 ألف ضحية، وخسارة أزيد من 20 مليار دولار، بدأ الجميع يقتنع بخيار المصالحة عبر مسار متدرج يلملم الجراح و يستوعب الاحتقان و يمتص الاحقاد فكان قانون الرحمة ثم قانون الوئام المدني فميثاق السلم و المصالحة الذي صوت عليه في استفتاء شعبي و قد وعد رئيس الجمهورية اثناء الحملة الانتخابية في رئاسيات 2009 بترقية المصالحة الوطنية، و الحركة تؤيد هذا المسعى على ان ياخذ بعين الاعتبار الجوانب السياسية و لا يكتفي بالجوانب الامنية و الانسانية و الاجتماعية فقط حتى تتمكن الجزائر من طي هذه الصفحة نهائيا دون ان تمزقها ليتمكن الرجوع اليها بين الحين و الاخر لاستخلاص العبر و الدروس و عدم تكرار هذه الماساة ابدا

    5 المشاركة في تسيير الحكومة

    غالبا ما تنصرف الاذهان عند تقييم المشاركة الى المكاسب المادية و الحقائب الوزارية بل هناك من ساء ظنهم في الحركة فأصبحوا يتهمونها بالانحراف و الانتهازية و يعتقدون ان الحركة لم تشارك في الحكومة إلا حبا في السلطة و إيثارا للدنيا غافلين او متغافلين عن المسوغات الحقيقية لهذه المشاركة و الحقيقة ان الحركة شاركت في الحكومة من اجل تقاسم المسؤوليات و الأعباء و الدماء في ظرف عصيب يطبعه العنف و الإرهاب و يتهرب فيه الكثير من تحمل المسؤولية خوفا على أهله و نفسه و ماله لان الإرهابيين كانوا يتوعدون كل من يشارك في الدولة من قريب او بعيد و يهدرون دمه
    وثمة أهداف أخرى للمشاركة كالاطلاع و التجريب و الإبداع و تقديم النموذج الناجح الذي يغري بتوسيع التجربة، والمساهمة في إنجاز البرامج التنموية واستكمال بناء المنشآت القاعدية كالطريق السيار والموانئ والمطارات، المقدمات الضرورية لأي اقتصاد ناجع وتنمية حقيقية.



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الإستراتيجية الأصعب التي تحولت إلى عنوان للراحل :المشاركة بين مطرقة التطرف وسندان الاستئصال ومعارضة الإخوان

    مُساهمة  alhdhd45 في الإثنين 25 أبريل 2011 - 21:02

    الإستراتيجية الأصعب التي تحولت إلى عنوان للراحل :المشاركة بين مطرقة التطرف وسندان الاستئصال ومعارضة الإخوان
    الأربعاء 17 يونيو 2009 | ملف

    .مصطفى.د /محمد .سلطاني / أحمد.ج
    أساس رؤية الراحل للأزمة الجزائرية: (الحل في معالجة منزلقات السلطة وأخطائها، لا يكون بخطأ أكبر منه يجر إلى حمل السلاح وجز الرقاب وإشاعة ثقافة الثأر والدم والكراهية).بحلول الذكرى السنوية السادسة لرحيل من يعتقد أنه الشخصية الإسلامية الأبرز في جزائر ما بعد الانفتاح السياسي.

    ومع اللغط الكبير الذي صاحب صراع الإخوة الأعداء داخل حركة مجتمع السلم، بخروج مجموعة منهم تدعي امتلاكها إرث الراحل محفوظ نحناح وتتهم غيرها بالزيغ والانحراف عن نهجه السياسي والفكري، تثار مجددا قضية الحديث عن حقيقة ومعالم هذا السبيل والتوجه السياسي لزعيم حمس ومؤسسها الراحل الذي رفع شعار ''المشاركة السياسية'' بديلا عن خيار المغالبة أيام كانت الجزائر تعيش أزمة أمنية خطيرة كادت تعصف كيان الدولة برمتها.
    ذلك النهج الذي جرّ الكثير من العنت والاتهامات والتجريحات ضد شخصية ومواقف الرجل،لم يثنه مطلقا عن مواصلة إستراتيجيته التي خطها لأجل التعامل مع فصول المعضلة السياسية والأمنية التي عاشتها الجزائر بداية التسعينيات، فعلى رغم الانتقادات والسلبيات التي سجلها البعض على المسار السياسي للرجل، لا ينكر كثير منهم أن خياره ذاك كان جديرا بالدراسة والوقوف عنده بشكل جدي مستفيض، سواء تعلق الأمر في شقه المرتبط بطريقة تعامله مع السلطة ورموزها التي كانت وراء توقيف المسار الانتخابي الذي منح الأغلبية وقتها لـ''الخيار الإسلامي''، أو من خلال مشاركته في فصول اللعبة السياسية بجميع مكوناتها ومظاهرها على غرار دخول حركته غمار الانتخابات التشريعية والمحلية والرئاسية، أو بمشاركته في الحكومة والائتلاف الحزبي مع التيارين الوطني والديمقراطي في مرحلة متأخرة.
    وهو الموقف الذي كان الشيخ نحناح يبرره دائما بالقول ''مشاركتنا نابعة من مصداقيتنا في الساحة الجزائرية بسبب مواقفنا وبرنامجنا بما يجعلنا بحق أحد المساهمين في حل الأزمة المتعددة والمعقدة والتي لم نكن يوما مثيروها أو صانعوها''، متأبطا شعار ''الجزائر حررها جميع المخلصين ويبنيها جميع المخلصين''.
    وفي شقه الثاني المتعلق برؤيته أن الحل في معالجة منزلقات السلطة وأخطائها، لا يكون بخطأ أكبر منه يجر إلى حمل السلاح وجز الرقاب وإشاعة ثقافة الثأر والدم والكراهية، ولم يتوانى بهذا الصدد في إدانة العنف والإرهاب وكل مظاهر الغلو في الفهم والتطرف في السلوك منذ بداية المأساة الوطنية، مكرسا جهوده ورصيده الداخلي والعالمي للدفاع عن قيم الوسطية والاعتدال، الأمر الذي دفع نحناح ومن ورائه حركة حمس ثمنه غاليا من دماء قياداتها ومناضليه، كان أشدها وقعا على نفسية الراحل نحناح اغتيال رفيق دربه في الدعوة والنضال الشيخ محمد بوسليماني.
    ولعل تلك المواقف لم ترق كثير من الأوساط الإسلامية بما فيها قيادات وشخصيات إخوانية معروفة في العالم.
    حيث صاحبها كم هائل من الشبهات والتفسيرات المتناقضة والمعادية لمواقف الراحل نحناح، بل إن بعض المتطرفين منها عمدوا إلى تضخيم زيغ مواقفه ونشر الإشاعة والأراجيف حولها، بسبب ما رأته في فكر الرجل المتسم بالاعتدال والمرحلية خطرًا على تطرفها وقصور رؤيتها ومحاولتها جني الثمار على حساب مصالح البلاد وإدخال الشعب في أتون فتنة تحصد الخضر واليابس.
    والحال ذاته كان مع بعض التيارات العلمانية المتوغلة داخل دواليب السلطة ومؤسسات صنع القرار في الجزائر، حيث رأت في هذا الطرح مزاحمة لها على مناصب الدولة التي طالما استفردت بتوجيهها والسيطرة عليها لفترات طويلة، خاصة إذا كان هذا التيار الداعي إلى منطق ''المشاركة'' يغلب عليه طابع الإسلام السياسي الذي تعتبره هذه الأوساط خطرا يهدد تغلغله في المؤسسات، مستقبل تيارهم الذي يستند في بقائه أساسا على قوة المال والسلطة بدل قوة الإمتداد الشعبي والتنظيمي.
    أما اليوم وبعد أن أثبت مسلك نحناح ''التشاركي'' فعاليته وصحة بوصلته، ابتداء من حفاظه على صورة وبقاء التيار الإسلامي في التشكيلة السياسية والشعبية الجزائرية، مرورا بتبني الدولة لأطروحاته في ملف حل الأزمة الأمنية باعتماد سياسة الوئام المدني ثم المصالحة الوطنية، وصولا إلى تجسيد ثلاثيته المعروفة ''الإسلام الوطنية والديمقراطية'' بتشكيل تحالف حزبي يجمع هذه التشكيلات الثلاث في إطار تشاوري وتنسيقي واحد، يُطرح الآن إشكالية تمكين هذا المسلك الجديد في التفكير الإسلامي الحديث النازع في غالبيته إلى منطق ''التدافع والمغالبة'' من حقه في التنظير اللازم له، كونه ظل مرتبطًا
    بمسار المرحوم، ليبقى بذلك هذا النهج مرتبطًا بمدى فهم واستيعاب أبناء الحركة لمقتضياته وآلياته
    أحمد.ج

    روح السياسة للشيخ محفوظ نحناح..بين روح القوانين لمونتسكيو و العقد الاجتماعي لروسو


    لا يكاد يختلف اثنان بأن الشيخ الراحل محفوظ نحناح لم يخلف أدبيات كتابية كثيرة، إلا أنه خلف ميراثا عمليا كبيرا، مما يسمح بالقول إن نحناح الظاهرة الدعوية والسياسية لم يكن كتابا ''مسطورا'' بقدر ما كان كتابا ''منظورا''.
    ولعل ما ميز الشيخ المؤسس وانفرد به عن أقرانه من الإسلاميين في الجزائر، أنه ترك ميراثا عمليا في استكناه روح السياسة وتجسيده في المعترك السياسي الجزائري ''الملغوم''.
    وفي انتظار إرادة ''منهاجية حسنة''، تحول الكتاب المنظور إلى كتاب مسطور بعنوان روح السياسة عند الشيخ الراحل محفوظ نحناح، بعد ما أفضى الشيخ إلى ما قدم منذ ست سنوات كاملة.
    وإذا كانت فلسفة كتاب منتسكيو قد قامت في الأساس تأصيلا لمبدأ الفصل بين السلطات، فإن الراحل محفوظ نحناح في كتابه ''روح السياسة'' يكون قد أصل لمبادئ كثيرة ومن الأهمية ما يجعلها في مستوى الوثيقة الدستور للأداء السياسي في الجزائر.
    ورغم ما سوف يتضمنه كتاب الراحل ''روح السياسة'' من نفائس سياسية وأخرى تربوية، فقد كان على رأس المبادئ التي أرساها الراحل في كتابه روح السياسة مبدأ الفصل بين الدولة كمؤسسات وبين نظام الحكم أو السلطة المسيرة للشأن الجاري أو بين الأشخاص في أجواء كان الكل على رواية المشارقة ''زي بعضو'' سواء في عالم الأشخاص عند دعاة ''أنا فرنسا'' وعند أمثالهم في الطرف الآخر من دعاة ''أنا أولا شيئ''، أو في عالم المؤسسات ليخلص الشيخ إلى القول الجزائر فوزق الرؤساء وفوق الجميع.
    وقد تمكن الشيخ عبر سنوات النضال التي قضاها غداة الانفتاح السياسي أن يجعل من أولوياته التأسيس للمبدأ الفصل من جر الدعاة سالفي الذكر إلى ساحة نضاله بعدما كان هذا الأخير كفرا سياسيا بواحا مخرجا من الملة الدستورية، فأسس الشيخ بذلك لعرف سياسي ومبدأ يحرم تجاوزه بعدما أضحى كل الجزائريين من دعاته والمدافعين عليه.
    وإلى جانب تأصيله للفصل بين الدولة ومؤسساتها وبين السلطة أو نظام الحكم وبين الأشخاص عند الأداء السياسي، فإن الشيخ الراحل أسس للفصل بين الإسلام كدين لجميع الجزائريين وبين ممارسات الإسلاميين في ظرف كانت لغة التعميم سائدة وعملة الشمول رائجة، بحسن نية في بعض الأحيان، وسوء طوية في أحايين كثيرة!
    وإذا كان أغلب الإسلاميين في الجزائر يفرقون لغة بين التكتيك والإستراتيجية وبين المبادئئوالثوابت والمتغيرات، فإن الشيخ استطاع أن يفرق بين كل هذه المصطلحات في حقل المعرفة وفي ساحة الأداء سلوكا، ما سمح له بالتكيف مع المستجدات الخطيرة الطارئة في الجزائر إثر ''الفاصل السياسي الانفتاحي''، غداة أحداث أكتوبر بحيث تمكن الشيخ من الأخذ بسفينة حركة المجتمع الإسلامي ثم حركة مجتمع السلم إلى بر الأمان في ظرف كان فيه الراحل أشبه ما يكون بمن فرضت عليه مبارزة خصم يعاقب التغلب عليه بالقتل وترك الخصم يغلب، يعني الموت.
    وإذا كان جون جاك روسو قد أسس للعقد الاجتماعي الذي أضحى دستورا حضاريا في مجال الحريات وحقوق الإنسان والعلاقة التعاقدية بين الحاكم والمحكوم، فإن الشيخ أسس لعقد جزائري يصلح ليكون بلسما من كل أزماتها، حين أعاد بعث دعوة الراحل البشير الإبراهيمي عقب الاستقلال بقوله ''الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع''، قبل أن ينتقل الشيخ إلى تجسير التيارات الإسلامية بالوطنية بالديموقراطية، رافضا أن يحتكر هذا أو ذاك!
    فالشيخ رحمه الله نجح بامتياز في فك حصار الزمن في أبعاده الثلاث إذ تمكن من فك حصار الماضي، فلم يرتهن في لحظة الماضي بتقليده والعودة إليه ورد الحاضر إلى الماضي بالسير ضد عجلة الزمن ومسار التاريخ، ولا هو اكتفى بالانعتاق من حصار الماضي بل فك حصار المستقبل ولم ينبهر بنموذج القطيعة مع الماضي ولم يعتبر ذلك النموذج الواحد الأوحد، كما فك حصار الحاضر فاجتهد في تحديد لحظة الحاضر فلم يجتهد في أداء دور سبق وأن أداه الأسلاف فيقع في السلفية، ولا هو حاول أداء دور يفترض أن تؤديه الأجيال القادمة فيقع في العلمانية، بل قام بالانتقال بسلاسة من القديم إلى الراهن بعد تحديده الدقيق في أي عصر من التاريخ كان يعيش!
    وبهذا، فإن الشيخ الراحل محفوظ نحناح قد تمكن من تجسيد ''روح السياسة'' من خلال مواقفه السياسية وتوجهاته التربوية فمارس، بامتياز، جانبا بيدااغوجيا قلّت ممارسته في الأداء السياسي الجزائري بحيث لم يفصل نحناح بين الوظيفة السياسية والوظيفة التربوية.. في كتاب كان منظورا ومسموعا هو اليوم في حاجة ليتحول إلى كتب تقرأها أجيال لم يعد تكفيها حشرجة عن المنهج أو الخط الأصيل!
    محمد .سلطاني

    جاب الله يشهد في أخلاق نحناح: علاقتي بالفقيد سادها الود والتقدير..وندعو له بالرحمة

    استطاع الشيخ الراحل محفوظ نحناح في حياته أن يكون محل احترام وتقدير كبيرين لدى أقطاب التيار الإسلامي في الجزائر من رؤساء أحزاب إسلامية أو من الشخصيات ذات التوجه الإسلامي.
    في هذا الصدد، يؤكد الشيخ عبد الله جاب الله بأن علاقته بالشيخ نحناح خلال مرحلة النشاط السياسي العلني والرسمي في الجزائر اتسمت بالاحترام والتقدير الكبيرين، رغم أنه -يضيف جاب الله- كانت لكل واحد منا وجهة نظر خاصة للوضع القائم آنذاك، خاتما قوله بالسؤال والدعاء للشيخ الفقيد بالرحمة والمغفرة.
    فرغم حساسية المرحلة التي عاش فيها الشيخ نحناح خاصة غداة الانفتاح السياسي في الجزائر بداية التسعينيات وما تميزت به الساحة السياسية من تنافس وتجاذبات بين مختلف الزعماء السياسيين، إلا أن الشيخ الراحل حافظ على مسافة واحدة في علاقاته مع الجميع.. فحسب ما نُقل عن الشيخ نحناح، فإنه كان يحرص على الحفاظ على علاقات الاحترام مع الشخصيات الإسلامية ورؤساء الأحزاب الإسلامية مثل عباسي مدني زعيم ما كان يسمى الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كما أن نحناح وهو المعروف بخفة روحه الممزوجة بالدعابة والاحترام للآخر ووجهات النظر المخالفة لرأيه جعلت منه محط تقدير واحترام
    مصطفى.د

    قالوا عن الرجل...

    الرئيس عبد العزيز بوتفليقة:

    ''الجزائر في خطر بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح، لأنه لم يكن يكتفي فقط كغيره بعدم ممارسة أساليب العنف، بل كان يهاجمها، ويدعو إلى الوفاق والوحدة الوطنية، حرصًا على مصلحة الجزائر، فقد كان خير سفير للجزائر في العالم الخارجي''.

    سيف الإسلام حسن البنا:

    ''إن الزعماء ثلاثة.. زعيم صنع نفسه، وزعيم صنعته الظروف، وزعيم صنعه الله على عينه يحمل الراية، ويُوقظ الأمة، ويحمل راية الإسلام ويهتف بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحمل رسالة السماء إلى الأرض، وفضيلة المرحوم الشيخ محفوظ نحناح من هذا الصنف الأخير الذي يبعثه الله في كل أمة، وفي كل وطن ليحملوا راية الإسلام الحقة''.

    توفيق الواعي:

    محفوظ نحناح، رجل الفكرة والعقيدة ورجل المواقف الصعبة والأزمات الجسام، صاحب العقل الناضج والفكر النابه، والحجة البالغة، والذاكرة الوهاجة، والبصيرة النفاذة، والرؤية الصادقة، والعزيمة الخارقة، والشخصية الفذة، إذا جلست معه أحسست من أول وهلة أنك أمام قائد واسع المدارك عالي الأفق عميق المعرفة بحاله وزمانه ودعوته، وإذا حادثته تبين لك صدق لهجته وسعة حجته وعمق نظرته وحجم فراسته وعظم إخلاصه''

    الدكتور محمد أحمد الراشد:

    ''إنه مؤسس دعوة، وسابق، وصاحب إبداع، وليقل فيه القائل ما يشاء من عمق التجرد، وكثرة البذل، مع التواضع، والسكينة، إلاّ أن جميع ذلك يجعله مجرد شريك في هذه المناقب، وفي غيره من أهل الجزائر بركة، وقد نالوا من هذه الخيرات مثل ما نال، ولكن ميزة محفوظ الكبرى تكمن في إيمانه الشديد الذي أبداه بوجوب الحفاظ على الشروط الدعوية المتكاملة وعلى الطبيعة التدريجية التربوية للعمل الإسلامي حين أهدرها عن عمدٍ أو نسيان مَن استحوذ على إعجابهم الصعود المفاجئ للصوت الإسلامي في الشارع الجزائري خلال مرسم واحد، لمّا حدث الفراغ السياسي فملأته الخدمات الإسلامية''

    الأستاذ راشد الغنوشي:

    ''أعترف للشيخ الراحل محفوظ نحناح بسابقته في خدمة دعوة الإسلام على كل الجبهات منذ كان طالبًا في الآداب فأستاذًا جامعيًا لمادة التفسير، ودأبه على نشر مبادئ وقيم التجديد الإسلامي في الجزائر التي كانت يوم بدأ عمله قد استقلت حديثًا، وكان من شباب ثورتها الكبرى''

    ست سنوات على رحيل الشيخ محفوظ نحناح صاحب الشورى- قراطية الذي جمعت جنازته الدعاة والجنرالات

    رحل الذي كان يحب أن يوصف بالوسطية والاعتدال، ودُفنت معه أسرار كثيرة عن أهم دقائق العشرية الحمراء التي ضربت البلاد وروعت العباد.
    في حياته لم يكن أحد يجرؤ على مفاتحته في علاقته بالدولة، وبعد رحيله، ظهر أن لا أحد كان يعلم شيئا عن تلك العلاقة، إلا أنها كانت قائمة

    للتاريخ والشهادة نقول: لو جيء بالتراث الدعوي للشيخ نحناح لوجدنا أن الرجل لم يكن إلا ''داعية إلى الله''، يتلمس مواضع الخير ليدعو إليها بالتي هي أحسن،

    أو قلنا إنه عاش إماما مصلحا أو فقيها يتلذذ بتعليم السيرة النبوية و''يبدع'' في توظيف التراث النبوي الشريف في حياة الأمة أملا بنهوضها من سباتها االحضاري''، أما إذا جيء لنا بالتراث الفكري للشيخ الراحل، فسنجد الآلاف من المحاضرات والأشرطة السمعية والمرئية، يتكلم فيها الرجل عن السقوط الحضاري، ومعالم بناء الفرد المسلم في زمن العولمة، والحدود الفكرية والمصلحية بين الدولة والأمة، وغيرها من العناوين التي كانت محطات فكرية أساسية، اشتغل عليها مؤسس حركة المجتمع الإسلامي، وعرف بها في محاضراته وتنقلاته المتكررة بين أكبر جامعات الغرب ومراكز دراساته وأمام عدد كبير من ساسته ومنظريه ومثقفيه، أما الذي تركه نحناح في المجال السياسي، فإنه ما يزال يشكل أحد ''معالم'' التجربة الديمقراطية في الجزائر، باعتباره كان من أهم السياسيين المؤثرين في مرحلتي المخاض الديمقراطي بعد أكتوبر 88 إلى غاية جانفي 92، ثم من هذا التاريخ إلى أن توفاه الأجل في 17جوان 2003.بالفعل، إنه لا يمكن لأي كان أن يتجاهل التراث السياسي الذي خلفه المرحوم محفوظ نحناح، إنه مهما كان الموقف منه، ودرجة التأييد أو المعارضة لسياساته، ينبغي الاعتراف له بالشجاعة الأدبية والسياسية، والقدرة على المراوغة والمناورة، وتغطية ذلك كله، بقاموس سياسي فريد، كان وما يزال يثير الإعجاب والدهشة لقدرته على الجمع بين فراسة السياسي وبلاغة الأديب.
    لقد كان الراحل نحناح- وهو على تأييده للموقف الرسمي بعد وقف المسار الانتخابي- يقف ساخرا من إصرار المسؤولين على تزوير الانتخابات، مثلا، نذكر حادثة هنا: عندما التقى الجنرال ماجور خالد نزار- بعد رئاسيات - 95وخاطبه، ساخرا أمام الملأ، ''واش حضرات كاش صناديق طائرة!؟''، يومها أدرك الجنرال مقصد هذا الإسلامي الذي ترشح للرئاسة، وقيل إنه فاز بالمنصب، قبل أن اتطير الصناديقب إلى وجهة الجنرال المترشح.. ليامين زروال الذي انتخب رئيسا للبلاد، وظل يحتفظ لمنافسة الإسلامي بمودة وتقدير كبيرين.
    توصيفات أخرى، فيها النكتة والسخرية، مثلما فيها الموقف والحدة، ما يزال يذكرها سياسيون وصحفيون لنحناح، على غرار قوله للرئيس الراحل محمد بوضياف في أحد المواقف: ''بئس القرار يابوضياف وبئس الرئيس أنتا، أو قوله عن رئيس حكومة سابق: '' فلنترك القضايا المصيرية لرضا الشعب لا لرضا مالك''، أو ''تهكمه'' على رئيس حكومة آخر بقوله: ا طال غيابك يا غزالي!
    وغيرها من ''المواقف'' التي تؤكد كلها أن الرجل كان يحتفظ بمسافات محترمة من رجال السلطة تمكنه من المراوغة والمناورة.. وأنه كان يرفع صوته في عز الأزمة الأمنية ضد رجالات الصف الأول في النظام.. فأين هذا من بعض الساسة هذه الأيام ممن يرعبهم ظل وزير!.. في القضايا الجوهرية، اختار محفوظ نحناح مبدأ المشاركة، لكنه لم يكن يوقع على بياض..لقد كان يدافع عن التجربة الديمقراطية في البلاد ويدعو إلى حمايتها من التطرف والغلو.. وأيضا من الاستبداد والتزوير، مثلما كان يحذر، على الدوام، من استغلال اتجاه الدولة إلى محاربة التطرف غطاء لمحاربة التدين.
    لعل ذكاء الراحل أنه ظل متمسكا في دعوته السلطات إلى معالجة التطرف والعنف والإرهاب عبر تشجيع التدين السليم وتشجيع الناس على الإقبال على المساجد، إلى جانب حرصه على ''تبرئة'' الدين الحنيف من الغلو والتطرف كما من ''الدروشة'' و''البهللة''.
    لقد كان الشيخ محفوظ نحناح، رحمة الله عليه، يحرج جميع أطراف الأزمة في البلاد: يحرج الإسلاميين حملة السلاح لأنه يرد على دعاواهم وبفتاواهمب التي أصلّت للقتل وسفك الدماء، ويحرج الإسلاميين الساسة لأنه يتجاوز المطالبة بالتغيير إلى ''المشاركة'' في اصنعب هذا التغيير، ويرفض المغالبة لأنها خيار انتحاري في النهاية..
    كما كان رئيس حماس يحرج النظام لأنه كان لا يتردد مرات عدة عن فضح كذب وزيف الخيارات الرسمية.. من الداخل، كما نقل المطلب بالحل الإسلامي المعتدل إلى داخل الحكومة..
    في عز الأزمة، ولعل هذا ما أدركه مبكرا زعيم العلمانيين والشيوعيين- الراحل الهاشمي شريف رحمه الله، عندما قال في بداية التسعينيات ''إن الخطر على المشروع العلماني لا يأتي من الفيس لأن قياداته سطحية وغير مسيسة بما فيه الكفاية، إنما الخطر يأتي من محفوظ نحناح''. دليل ''تفوق'' الراحل نحناح هو أنك لن تجد جزائريا واحدا يقول إن نحناح كان سياسيا عاديا أو كغيره من الساسة في هذا البلد.. إن المواقف بشأن الرجل تنقسم في اتجاهين كلاهما متطرف لدوافع وأسباب شخصية أو موضوعية، فأنصاره ومناضلوه كانوا وما يزالون يرونه عبقريا أو نابغة أو مرشدا أو ملهما، أو كل تلك التوصيفات، بل إن منهم من يراه، بلا تردد، مجدد الأمة في هذا القرن.
    أما خصومه العلمانيون فكانوا يرون فيه إسلاميا لا يقل تطرفا عن الفيس، لكنه أكثر دهاء ومكرا، أما خصومه الإسلاميون، فاتهموه صراحة بأنه ''باع القضية وقبض جزءا من الثمن''.
    أما السياسيون الذين لا يحبونه، من غير العلمانيين والإسلاميين فيقولون عنه إنه كان ''الجنرال ذو اللحية''، ويستدلون على ذلك بالقول إنه لم يكن ''طبيعيا'' أن سلطة حملت لواء الاستئصال والحرب على الثوابت تقبل أن يكون بجنبها إسلامي يحتفظ بلحيته، يحج كل عام ويؤم المصلين كل جمعة!!
    هذه الانطباعات والمواقف المتعاكسة تؤكد تماما أن الرجل لم يكن سياسيا عاديا، بل كان في حياته اظاهرةب تتوجب، بعد موته، الدراسة العميقة والتحليل العلمي والنقد الموضوعي بعيدا عن كل اعتبارات غير نزيهة، وهو الأمر الذي لم يتم، للأسف، خاصة من قبل رفاقه ومناضليه

    داعية أم جنرال؟

    الداعية والجنرال كلاهما شخص غير عادي، بل إنهما يصبحان في أحيان كثيرة، مواطنين فوق العادة، فالأول، في مجتمع شبه متديّن، هو الطريق إلى الله، أما الثاني فهو الطريق إلى السلطة والجاه والنفوذ، في مجتمع اختار حكامه الانفتاح ببطء. الشيخ نحناح، رحمه الله، كان يريد أن يكون القائد في الطريقين كليهما: الطريق إلى الله وكذلك الطريق إلى الحكم، بعض رفاقه القدامى يذكرون أن جوابه عمن طلب منه تأسيس حزب سياسي بعد ظهور الفيس كان: ابوليتيك لا.. الشيخ محفوظ لا يمارس السياسةب.
    لكنههم يذكرون أنهم تفاجأوا جميعا بعد ستة أشهر، بتأسيس حركة المجتمع الإسلامي، حماس! منذ لحظة الإعلان الحزبي، انقسمت المواقف حول الرجل، وانبرى فيه الداعية والجنرال.
    مؤيدوه ومن اختاروا معه طريق السياسة قالوا إنه أنشأ احماسب لاستيعاب الجماهير الإسلامية التي كان يخشى أن يغشاها المد الإنقاذي الجارف، هؤلاء يقولون إن عباسي ومجموعته استثمروا في الميراث الدعوي والفكري والصحوي الذي خلفه الدعاة والمشائخ الذين نشطوا في الجزائر وهيأوا أرضية ميلاد قوة إسلامية هادئة، خاصة المرحوم الغزالي والدكتور القرضاوي والعلامة البوطي.
    هؤلاء الثلاثة تحديدا يعتقد أنصار مؤسس احماسب أنهم تركوا االوصيةب لدى محفوظ نحناح وليس لدى عباسي أو بن حاج أو غيرهما من القيادات الإسلامية الثائرة، فلذلك كان لزاما على نحناح أن يسارع لاستدراك التأخر وتأسيس حزب إسلامي يستوعب ويؤطر ما لا تقدر قيادات الإنقاذ على استيعابه وتأطيره.
    من هذا المنطلق، يرى الأنصار والمحبون أن الراحل نحناح لم يكن إلا داعية اضطرته ظروف البلد ومتطلبات الميلاد السياسي إلى ارتداء الكرافاتة والبدلة الأنيقة وامتطاء المرسيدس الفاخرة.
    من يرون أن مؤسس احماسب كان بالفعل جنرالا، ينطلقون، بالأساس، من انقلاب موقفه من العمل الحزبي، المبرِّر بنظر هؤلاء جاهز منذ البدء، وهو أن نحناح ومنذ خروجه من السجن العسكري، جرى تكليفه بمهمة، وهي لعب دور المطافئ لصالح النظام أمام أي خطر قد تمثله قوى إسلامية راغبة في التشويش على مخططات النظام وحساباته! أصحاب هذا الطرح لا تعوزهم الأدلة: الأبواب المفتوحة على مصراعيها للرجل أيام جمعية الإصلاح والإرشاد التي أسسها بعد أحداث أكتوبر، التسهيلات التي وجدها بعد تأسيس حماس، تمكينه من إمكانات الدولة بعد وقف المسار الانتخابي، موقفه من سانت إيجيديو، تمكينه من المنافسة على منصب الرئاسة عام 1995، مساندته لمرشح الإجماع في رئاسيات 99، على الرغم من يقينه أن الجهة التي دعمت ترشيح بوتفليقة هي نفسها التي حالت دون ترشيحه؛ بحجة عدم المشاركة في الثورة!! كل هذه اللحظات تمثل، برأي أصحاب فكرة نحناح ـ الجنرال، دلائل على العلاقة الخاصة بين مؤسس حماس وأجهزة المخابرات أو.. الجنرالات، مثل ما يفضل الشارع وصف صنّاع القرار به، إذ أصبح معتــقَدا أن دائرة القرار في البلاد محصورة على عدد قليل من الجنرالات، هذه فكرة رائجة شعبيا بغض النظر عن مدى صحتها!!
    بعض الدوائر الضيقة لا تنفي تطور العلاقة بين الشيخ الراحل وضباط كبار في الدولة..
    ووصولها حدودا عالية يندر أن تحصل بين داعية وجنرالات..في أية دولة عربية أو إسلامية.
    طبعا الظروف التي شهدها البلد كانت الدافع الأقوى لحصول هذا التطور: نحناح كان يبحث عن دعم رسمي يستكمل به الجوانب المفقودة من شعبية حزبه، والنظام كان يريد زعيما إسلاميا ''يوازن'' به علاقته بالزعامات الإسلامية المعارضة؛ قيادات الإنقاذ تحديدا.
    بالفعل، الراحل نحناح عرف كيف يستفيد من دعم السلطة له، فأصبح يتنقل بحرية بين عواصم المشرق والمغرب، وبنى لنفسه صورة زعيم حقيقي، تعرّف إلى كبار الساسة والمثقفين في أوربا وأمريكا، وأصبح رقما لا يمكن استبعاده في أية معادلة رؤية للعلاقة مع الإسلاميين.
    أما النظام الجزائري، فقد استفاد أيضا، ربما أكثر، من علاقته بالشيخ محفوظ نحناح: لقد وجدوا فيه الإسلامي الذي يتولى مهمة تسفيه خيارات الفيس والرد عليهم فقهيا وفكريا وسياسيا.
    وربما يمكن رسم الصورة، كما لو أن هناك تقسيما للأدوار: النظام يتولى محاربة المسلحين، ونحناح يتكفل بالجانب الفكري والسياسي..
    الملاحظ أن شيخ حماس كان يقوم بذلك بتحمس كبير، ربما لأنه كان يعتقد، فعلا، أن خطر الفيس على الحركة الإسلامية والمجتمع أكبر مما يبدو..
    لقد وجد النظام في الشيخ نحناح ما كان يطلبه؛ حليفا إسلاميا قويا، يستند إلى شرعية تاريخية مطلوبة، يتمتع بعلاقات دولية واسعة، تمثل في الغالب الواجهات الإسلامية النشطة في كل البلاد العربية والإسلامية..
    نقصد الإخوان المسلمين، فقد استطاع النظام أن يستميل إليه، بفضل نحناح، أكبر المرجعيات الإخوانية في العالم، في الوقت الذي كانت القيادات السلفية ساكتة أو منحازة لجماعات العنف المسلح في الجزائر.
    رحل الذي كان يحب أن يوصف بالوسطية والاعتدال، ودُفنت معه أسرار كثيرة عن أهم دقائق العشرية الحمراء التي ضربت البلاد وروعت العباد.
    في حياته لم يكن أحد يجرؤ على مفاتحته في علاقته بالدولة، وبعد رحيله، ظهر أن لا أحد كان يعلم شيئا عن تلك العلاقة، إلا أنها كانت قائمة!
    في جنازته، قبل أربع سنوات، التقى الدعاة والجنرالات جنبا إلى جنب..
    كلهم في صف واحد يودّعون الرجل الذي اختارت ''الدولة'' أن تقام له جنازة الرؤساء.. هل كان ذلك اعترافا أم اعتذارا..الله وحده.. ثم الراسخون في الحكم..أعلم
    .
    منقول....................



    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مناقب الشيخ رحمه

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 12:35

    بسم الله الرحمن الرحيم
    هذه مقالة الاحد الكتاب غير الجزائريين يتحدث فيها عن مناقب الشيخ رحمه الله،وجدتها خلال تصفحي لاحد المنتديات فرأيت أن انقلها ليستفيد منها الاخوان......

    في عام 1981م خرب زلزال مدمر مدينة الأصنام الجزائرية -هكذا اسمها- ودفن المدينة والناس تحت الأنقاض.. وفي سجن المدينة كان هناك سجين في زنزانة انفرادية يدعى (محفوظ نحناح) محكوم عليه بالسجن 15 عاماً منذ 1976 لأنه شارك في إصدار بيان ضد بعض سياسات نظام الرئيس الجزائري السابق (هواري بومدين)!

    وفيما بعد تذكر (نحناح) تلك اللحظات - وهو في زنزانته الانفرداية- وكيف كانت الأرض تهتز تحت أقدام السجناء، والجدران تتهاوى، والأرض تتمايل تحتهم.. بينما كان هناك رجل راح يستقبل القبلة ويصلي.. والأصوات تتعالى في المكان بالتكبير والتهليل!

    خمس سنوات قضاها (محفوظ النحناح) في السجن 1976- 1981م بعد محاكمة شكلية لكنه في أول حوار صحفي معه مع مجلة (المجتمع) الكويتية في يناير 1982م لم يتردد أن يعلن رؤية متسامحة تجاه الذين اعتقلوه، وفي رؤية استشرافية للمخاطر التي قد تتعرض لها الحركة الإسلامية في الجزائر، أكد الرجل الخارج من ظلمات السجون اهتمامه وحرصه على ألا تتورط الدعوة الإسلامية في الجزائر في أخطاء تنعكس عليها بالضرر! مؤكداً على ضرورة مراعاة سنن التغيير واستيعاب صيغة المرحلة الجديدة التي شهدتها الجزائر مع بداية الثمانينات في مستهل عهد الرئيس (الشاذلي بن جديد).

    لقد تعمدت أن أبدأ كلمات الرثاء هذه في حق الأستاذ/ محفوظ النحناح بهذا الشكل لكي نعرف أن الخط الدعوي له الذي ظل ملتزما به حتى وفاته لم يكن طارئا ولا مكايدة ولا مجرد انتهاز فرصة لوراثة الآخرين، بل هو خط أصيل وفهم شرعي لدور الحركة الإسلامية الراشدة في إصلاح المجتمع وتقويم مافيه من اختلالات بالحسنى، ومراعاة الأولويات، وتقديم الأهم على المهم، والتفاعل مع سنة التغيير لا معارضتها.

    قرأت عن (النحناح) منذ حادثة الزلزال، وسمعت عنه من الأستاذ/ محمد ناصر بابريك الذي زاره في الجزائر في ذروة زمن الصحوة الإسلامية قبيل مرحلة الفتنة التي بدأت بأحداث 6 أكتوبر 1988م وما زالت فصولها الأخيرة -ربما- مستمرة حتى الآن! آنذاك كان (نحناح) هو أحد أبرز رجال الحركة الإسلامية، يحاضر فيتجمع لسماعه عشرات الآلاف.. ويزور المدن فيستقبله أحبابه وأنصاره خارج المدن كما يستقبل رؤساء الدول. وشاء الله تعالى أن ألتقي به في أكتوبر 1996م في العاصمة التركية (أنقرة)، وقرأت له عدداً من الحوارات الفكرية والسياسية ثم كانت خاتمة المطاف مشاهدة الحوار الهام الذي أجرته معه قناة (المنار) اللبنانية في نهاية العام الماضي. وأعادت بثه الثلاثاء الفائت بمناسبة وفاته. ولست أبالغ إن قلت إن شخصية (محفوظ النحناح) نادرة بكل معاني الكلمة، فرغم دوره الدعوي الهام في الجزائر لم تفارقه أبداً صفة التواضع فالذي يراه لا يصدق أن هذا الرجل؛ الذي يحرص على الجلوس في الصفوف الخلفية أو يجلس إلى مائدة منزوية بعيداً عن المنصة أو حتى الموائد الأمامية، لا يصدق أن هذا الرجل كان منافساً حقيقياً في انتخابات الرئاسة الجزائرية.. وأنه لولا التزوير لكان الفائز -ربما- بمنصب الرئاسة. اقتربت منه في مناسبات رسمية وفي حالات إنسانية اعتيادية فلم أشعر إلا أنه هو هو! ينصت باهتمام للمتحدثين وكأنه تلميذ يستمع لمعلم، ويتحدث لمن هم في سن تلاميذه بجدية واهتمام ويبسط أمامهم آراءه ومواقفه في أخطر القضايا الجزائرية وكأنه يتحدث في مجمع الخالدين أو أمام نخبة من عظماء السياسة والعلم. بعد حوار صحفي أجريته معه سألني بتواضع عن رأيي في قيامه بزيارة لليمن وما مدى مناسبة ذلك! وأعترف أنني جبنت لحظتها وخشيت أن يواجه مواقف لم تكن قادرة على تفهم حقيقة الرجل ومواقفه ولاسيما أن تلك الفترة كانت تشهد أحداثاً مأساوية في الجزائر في مسلسل الفتنة الدموية! وفي مقابل مخاوفي كان الرجل مليئاً بالثقة بسلامة اجتهاده في التعامل مع الأزمة التي خربت بلاده وتقبل ترددي بابتسامة.

    عندما التقاه أ. إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية واستمع إليه كتب يقول إن (محفوظ نحناح) هو أكثر شخص يعرف حقيقة ما جرى ويجري في الجزائر ورغم هذه الشهادة فإن الرجل ظلم كثيراً خارج وطنه، ولم يسلم من العنت في الداخل، فالفتنة التي ضربت الجزائر كانت بحاجة إلى روح شفافة وعقل راجح وقلب جسور لمعرفة علامات مقدمها وقديما قالوا (الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل)! و(نحناح) كان من القلة التي رأت الفتنة ودمارها قبل حلولها، ولم يتردد أن يصرح بطريقته المحببة اللطيفة في التعبير المركّز - أن مشكلة الجزائر سببها: التعجل والترهل، أي (تعجل) جبهة الانقاذ في قطف الثمرة و(ترهل) جبهة التحرير الحاكمة التي ترفض أن ترحل بهدوء!

    وثمة مفارقات تتصل بنهج الفقيد، فالجزائريون مشهور عنهم أنهم شعب عنيف وطالما سمعت قصصا عنهم، ويبدو أن (سنوات الجمر) أيام الاستعمار الفرنسي الغشوم ثم تلتها مراحل كانت ثمرة مرة لسنوات الجمر قد طبعت النفسية الجزائرية بالحدة والقسوة! وأذكر أنني اشتبكت في جدال عنيف مع السفير الجزائري السابق في صنعاء (الشاذلي بن حديد) -رحمه الله- ونحن نتناقش في يوم ما داخل السفارة الجزائرية حول الأزمة الجزائرية! وكان الرجل ، رغم سنه الكبير وطبيعة عمله الدبلوماسي، حاداً وعنيفاً في نقاشه وهجومه على الإسلاميين كلهم دون تمييز فالرجل كان من أنصار عهد (بومدين)، وحتى (نحناح) لم يكن يعرفه! فعندما أردت تخفيف غلوائه ضد الإسلاميين حكيت له عن (نحناح) الزعيم الإسلامي الذي سأله صحفي فرنسي عن (الجنرال زروال) فعاجله الإجابة أن صفته (الرئيس زروال) ولم أحس أنه يعرفه أو حتى يبدي اهتماماً جاداً للسؤال عن هذا الإسلامي الذي ظل حتى الموت يردد أن بقاء (الدولة) في الجزائر مهمة مقدسة وأن المسلم لا يجوز له أن يرى بلاده تتمزق ودولته تنهار وهو لا يصنع شيئاً تجاه ذلك! والمفارقة هنا أن (نحناح) كان لطيفا، لينا، يتحدث في أخطر القضايا والابتسامة تعلو وجهه، لا يستفزه سؤال ولا يخرجه عن طوره اتهام مغرض، وابتسامته ليست صناعة سياسية بل انعكاس لروحه المرحة التي كانت تجعله قادراً على التعبير عن أفكاره بكلمات قليلة أو بمصطلحات (نحناحية) ظريفة إن صح القول، فمشكلة الجزائر عنده ليست في (النصوص) ولكن في (اللصوص)، والفرانكفونيون يريدون للجزائريين أن يكونوا (باريسيين) نسبة إلى (باريس)، والإسلاميون والوطنيون والقوميون يريدونهم أن يكونوا (باديسيين) نسبة إلى ابن باديس باعث النهضة الجزائرية! وعندما خاض الانتخابات الرئاسية جعل من ضمن دعايته الانتخابية صورة له وهو يحمل وردة جميلة يقدمها للناخب رمزاً للسلام والوداعة التي يحتاجها الجزائريون!

    وليس سراً أن الرجل تحمل الكثير من عنت الاتهامات والتجريحات ضد شخصه ومواقفه من الأزمة الجزائرية، فلم يكن صاحب أوهام، وامتلك شجاعة اتخاذ مواقف صعبة ربما لم تكن مقبولة شعبياً بمقياس الآمال ولكنها كانت صحيحة بحقائق الواقع الجزائري الذي كان خبيراً به. وأثبتت الأيام صحة اجتهادات (نحناح) فكل فرقاء السياسة الجزائرية الذين شطت بهم المواقف والآراء عادوا في الأخير - على الأقل معظمهم- إلى المربع نفسه الذي وقف عليه (نحناح) منذ البداية سواء في التعامل مع السلطة الجديدة ورموزها بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أو في المشاركة في العملية السياسية كالانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية أو المشاركة في الحكومة كوسائل لتخفيف الاحتقان في المجتمع الجزائري، والمحافظة على كيان الدولة من الانهيار.. وهو في كل مرحلة لم يتردد في انتقاد الأخطاء بأسلوبه المهذب سواء أكانت من السلطة أو المعارضة المسلحة أو المعارضة التي تمثلها الأحزاب السياسية الأخرى!

    بحسب (نحناح) أنه كان رجل بناء حركة دعوية ونهج فكري وتوجه سياسي سلمي، فهو من نوعية الرجال الذين يؤسسون فيعمقون، ويبنون فيرفعون عالياً، ويعيشون بين الناس فيحيون أرواحهم وقلوبهم، ويواريهم الثرى فتظل ذكراهم مشاعل نور تهدي في الظلمات ونسائم عطر وأنداء تستروحها النفوس كلما اشتد القيظ وجفت الأرواح وأجدبت القلوب.

    بحسب (محفوظ النحناح) أن له من اسمه نصيبا فقد حفظ لله به وبإخوانه في (حماس ثم حمس) ثمار الصحوة الإسلامية التي كادت تفنيها الفتنة العمياء في الجزائر، ومهما يكن إيقاع الصحوة قد تراجع أو خفت صوته قليلا إلا أن القائم الآن يستند إلى أساس قويم راشد يبقى بإذن لأنه ينفع الناس في دنياهم وأخراهم.

    رحمه الله، وأجزل مثوبته، وتقبله في الصالحين وعوض الجزائر والأمة عنه خيراً





    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    محفوظ نحناح الرجل.. والرجال قليل ، بقلم : د. توفيق الواعي [

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 12:46

    رحل عنا الأستاذ محفوظ نحناح، رجل الفكرة والعقيدة ورجل المواقف الصعبة والأزمات الجسام، صاحب العقل الناضج والفكر النابه، والحجة البالغة، والذاكرة الوهاجة، والبصيرة النفاذة، والرؤية الصادقة، والعزيمة الخارقة، والشخصية الفذة، إذا جلست معه أحسست من أول وهلة أنك أمام قائد واسع المدارك عالي الأفق عميق المعرفة بحاله وزمانه ودعوته، وإذا حادثته تبين لك صدق لهجته وسعة حجته وعمق نظرته وحجم فراسته وعظم إخلاصه،

    وزخم حماسته، يكلمك عن حال الأمة، فتشعر باللوعة في صدره والمرارة في حلقه، ولكنك تلمح الأمل في تحليله ونبرته، ويحدثك عن المشكلات التي يشيب من هولها الولدان في بلده.. ولكنه يستبعد اليأس في خطته والوهن في كفاحه وعزيمته، ويعرض عليك الواقع المؤلم في حكومته والداء العضال في مجتمعه.. ولكنك تلحظ قارورة الدواء في جعبته وأضواء الهداية في دعوته.

    وإذا حاورته أحسست أنك أمام رجل صلب العريكة، قوي الشكيمة، رابط الجأش، ثابت الجنان، غير هياب أمام الباطل، ولا جازع في مواجهة النكبات، عارض قانون الثورة الزراعية الفاسد عام 1971م في الجزائر واعتبره قتلاً لروح الإبداع والمبادرة الحرة، وعارض ميثاق ودستور عام 1976م لأنه جاء دون استشارة الشعب، فضلاً عن أنه جاء ليكرس الحرب على قيم المجتمع وأصالته وتراثه الثقافي والفكري، فاتهمه النظام الدكتاتوري الشمولي بمحاولة تحريض الشعب على العصيان، ومحاولة قلب نظام الحكم، فأُلقي القبض عليه، وحُكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً وأُطلق سراحه عام 1985م.

    كان حريصاً على دينه، ناصراً لإسلامه داعية إلى ربه، لا يكل ولا يمل، فكان من بين المساهمين في تنظيم التجمع الإسلامي الكبير بالجامعة المركزية عام 1982م وصاغ بيان التجمع المذكور، ودعا عام 1989م إلى تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية وكان أحد أعضائها، وبعد الانفتاح السياسي ترأس جمعية الإرشاد والإصلاح الوطني التي تأسست في عام 1989، وبعد أقل من سنتين أسس حركة سياسية هي حركة المجتمع الإسلامي "حماس" التي تغير اسمها فيما بعد إلى حركة مجتمع السلم (حمس)، كان الرجل واسع المدارك كبير العقل ينتفع بالتجارب ويعتبر بالتاريخ ويفهم الأساليب والمتغيرات، ويدرك قواعد العمل في الدعوات، وكان يعي دائماً ويتمثل قول الفيلسوف مالك بن نبي: "لا يكفي أن تملك فكرة، ولو كانت أصيلة وصحيحة، بل عليك أن تملكها وتملك وسائل تنفيذها وكذا الحفاظ عليها".

    فكان الرجل يضبط حركته بالوعي، ودعوته بالموضوعية، وأساليبه بالواقعية فلا استعجال حتى تنبت البذرة وتعظم الشجرة وتنضج الثمرة، ولا تقاعس عن العمل والإخلاص والحركة، وهو بهذا كان تلميذاً نجيباً لدعوة الإخوان المسلمين وللشيخ البنا رحمه الله إذ يقول: "لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا وينتظروا دورة الزمان، وإني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا، فليس مع الجهاد راحة، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) (العنكبوت).

    ولهذا يقول الشيخ نحناح رحمه الله : "الحركة الواعية تنظر إلى الواقع بموضوعية، وتستعمل أدوات التغيير بوعي، وتدرك أنها أمام ألوان من النفسيات والأمزجة والمخلفات الجاهلية والتطلعات المستقبلية والتحولات التاريخية والتشكيلات السياسية، فلا تتبرم ببطء سقيم الفكر، ولاتنزعج من مستعجل عديم الفقه كثير الشبهات، لأنه:
    إما مستعجل يريد اللحاق بموكب التاريخ المشع قبل الأوان.
    أو مستعجل يريد قطف الثمار قبل اكتمال النضج.
    أو مستعجل يريد مزاحمة الأواهين والحزانى.
    أو مستعجل يريد تحقيق مآرب شخصية آنية.
    أو مستعجل يريد دفع الموكب نحو الهاوية.
    أو مستعجل يريد انطلاقاً مجنحاً بدعوى الخروج من الفتور واليأس.
    أو مستعجل لأمانته التي استؤمن عليها ويعمل على إفساد ذات البين ويريد السير فوق أنقاض وجماجم من قبله.
    وبعض المستعجلين يضعون صيغاً تبريرية لاستعجالهم بدافع الخوف على الحركة من التميع والتصدع ولكنك إذا أسندت إليهم أمراً كانوا أعجز من حمله، وإذا ولوا مسؤولية كانوا لها أضيع، وإذا ما استؤمنوا كانوا لها أخون، ولا ينفي هذا أن ثمة مستعجلين يريدون الخير، كما لا ينفي أن يكون هناك من يخشى أن تفوت الفرصة، وهذا لا يغير من الضرر شيئاً.

    ثم يبين الشيخ رحمه الله معالم الحركة الدعوية الواعية فيقول:
    الحركة الواعية هي التي تكون مفتحة العيون والآذان والعقول لكل ما حصل من أحداث، أو ما يمكن أن يحدث، وتربط النتائج بالأسباب، غير مغفلة موازين القدر الإلهي، تقع عينها على الحياة من غير تجسس، وتتابع أذنها من غير تحسس، وتعمل عقلها من غير رجم بالغيب أو سوء ظن لأن بعض الظن إثم، وكم أدى ذلك إلى مزالق شرعية، أو مهالك حركية، أو سقطات حضارية، إلخ. كل ذلك جعل عقلية الرجل عقلية عملاق في الدعوة والإصلاح، كتب في كل ما يعالج أمراض أمته، فكتب في كثير من الموضوعات الشائكة من أمثال: "المنهج الدعوي والمنهج الدموي" "الحركة الواعية بين الفجر الصادق والفجر الكاذب" "الحركة الواعية وإرادة التغيير" كل ذلك جعل الرجل الفارس المعلم في حل الأزمة في بلاده على المستويين الداخلي والخارجي فكانت مناقشاته مع الشخصيات والهيئات العالمية لحل أزمة بلاده، فنال بذلك تقدير أمته على المستوى الشعبي، ولما ترشح لرئاسة الجزائر، نال ثلثي الأصوات، فيما نال الرئيس اليمين زروال ثلث الأصوات، وتغيرت النتيجة ونجح زروال، فتبسم الرجل، وعرف من وراء ذلك في الداخل والخارج، ورضي بكفاحه في سبيل أمته ودعوته، ورحل الرجل وودعته الأمة بالدموع، وودعه إخوانه في الدعوة بالصبر والدعاء والاحتساب بقلوب حزينة وعيون دامعة يقولون فيه ما يرضي الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا على فراقك يا محفوظ لمحزونون، وسلام عليك في الأولين والآخرين.

    والحمد لله رب العالمين.


    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الشيخ محفوظ نحناح.. فارس آخر يترجل

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 12:49

    بقلم: راشد الغنوشي
    المصدر: الشرق الأوسط[/align]


    بوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فقدت الساحة الاسلامية عامة والمغاربية خاصة رجلا من خيرة رجالاتها لم تكد الساحة الاسلامية في العالم ولا الساحة السياسية في الجزائر تعرف خلال العشر سنوات الماضية في الحد الادنى مثل الاخ والصديق الفقيد محفوظ نحناح شخصية اصطرع حول تقويم سياساتها ومواقفها كل المتابعين للشأن الجزائري الذي هو بدوره ظل على نحو او آخر في صدارة احداث العشرية المنصرمة، غير انه مهما اختلف المرء مع فقيدنا فيما اجتهد واتخذ من مواقف كثيرا ما صادمت الرأي العام الاسلامي والسياسي فلن يملك إلا أن:


    1 ـ يعترف لهذا الرجل بسابقته في خدمة دعوة الاسلام على كل الجبهات منذ كان طالبا في الآداب فأستاذا جامعيا لمادة التفسير، ودأبه على نشر مبادئ وقيم التجديد الاسلامي في الجزائر التي كانت يوم بدأ عمله قد استقلت حديثا وكان من شباب ثورتها الكبرى، وكانت الآمال وقتها معلقة على استقلالها ان يحقق بها نقلة عظيمة الى حياة اسلامية واعية باعتبار ثوراتها المتلاحقة منذ الامير عبد القادر الجزائري الى ثورتها التحريرية الاخيرة كان الاسلام مادة وقودها ولا سيما بعد العمل التأسيسي لجمعية العلماء، غير ان صعود موجة العلمنة والاشتراكية والشيوعية في العالم خلال الستينات والسبعينات وما حظيت به ثورة الجزائر في مرحلتها الاخيرة من تأييد المعسكر الاشتراكي مقابل انحياز الحلف الاطلسي للمستعمر جعل من الاستقلال نوعا من النصر الاشتراكي والعلماني ومنطلقا لتطبيقات اشتراكية في المستوى الاقتصادي والسياسي وفرصة للنشاط اليساري الشيوعي، وذلك رغم انطلاقة موجة التعريب التي سيكون المد الاسلامي واحدا من ثمارها ويشكل اكبر تحدٍ لتوجهها العلماني الذي عاد في النهاية يصب في حوض التغريب تواصلا مع ارث الادارة الفرنسية المنهزمة ولكن في حالة كمون. وكان الشيخ محفوظ والشيخ عباسي والشيخ عبد الله جاب الله والشيخ محمد بوجلخة والشيخ محمد السعيد، ثم علي بالحاج ومصطفى براهمي.. في مرحلة تالية، من ابرز رموز الشباب المغربي الذين قاموا منذ نهاية الستينات وفي اعقاب حل اول جمعية اسلامية بعد الاستقلال «جمعية القيم» نهضوا تحت رعاية عدد ممن تبقى من شيوخ جمعية العلماء مثل الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ سحنون والاستاذ مالك ابن نبي يتصدون لانحراف الثورة عن ارثها الاسلامي وايغالها في نهج العلمنة والاشتراكية والحكم الفردي وما تطورت اليه من تغرب ولائكية لا سيما في عهد الشاذلي، لقد مثل الشيخ محفوظ جسرا مهما جدا لنقل الافكار الاصلاحية المشرقية والمناهج التربوية التي مثلها فكر الاخوان المسلمين عامة الى الجزائر والمغرب العربي على نحو ما سواء عبر التدريس وسط طلاب الجامعة ام كان في عمق البلاد عبر شبكة المساجد ولا سيما في منطقة الوسط التي ينتسب الشيخ الى واحدة من اهم مناطق البليدة التي عرف اهلها بالنجاح في مجال الاعمال، فكان من اهم اركان بسط فكر الدعوة الاسلامية في هذا القطر الاسلامي المهم.

    2 ـ ليس الشيخ محفوظ مجرد داعية نشط وواعظ حديث امكن لخطابه المتميز بالعمق الديني والهدوء والواقعية والمستوى الادبي الرفيع وروح الدعابة وانما كان الى ذلك مربيا ومنظما مؤسسا لجماعة اسلامية «حركة المجتمع الاسلامي» «حماس» التي تحولت لاحقا الى حركة مجتمع السلم «حمس» انسجاما مع قانون الاحزاب، انغرزت هذه الحركة بقوة في المجتمع الجزائري ولا سيما في الفئات الوسطى من الاداريين والاطار التعليمي والتجار والنساء والشباب ومرت بمرحلة السرية والتتلمذ على الفكر الاصلاحي المشرقي الذي قد يكون النقل الحرفي له في المرحلة الاولى قاد الى تصادم الحركة في طور نشوئها في النصف الثاني من السبعينات مع حكم بومدين فاعتقل الشيخ وثلة من اخوانه وتعرض لصنوف من التعذيب وامضى بضع سنوات في غياهب السجون، حيث امكن لي التخفي مع اسرته لزيارته بالمستشفى خلال تلك الفترة بمدينة «الاصنام» التي تعرضت خلال وجوده بسجنها الى زلزال شديد ترك الشيخ فجأة في العراء وقد تساقط كل ما حوله وفر من بقي على قيد الحياة بينما ظل هو ساكنا هادئا في انتظار عودة السجن والسجانين، لقد مرت حركته من مرحلة النسخ عن المشرق الى مرحلة التفاعل الجريء مع البيئة الجزائرية، لا سيما وقد تعرضت الجزائر لزلزال سياسي ربما لا يزال يحكم مسيرتها حتى اليوم هو حدث 5 أكتوبر 1988 الذي دكت فيه انتفاضة شعبية عارمة الدولة دكا فعمت البلاد فوضى عارمة، ومن هناك انطلقت مسيرتان اسلاميتان كبيرتان، مسيرة الشيخين عباس مدني وعلي بالحاج اللذين امتطيا الموج العارم ومضيا به يكسوانه شعارات الدولة الاسلامية وتطبيق الشريعة، المسيرة التي حاول الشاذلي مجاراتها باجراءات ديمقراطية على امل احتوائها نهاية، وحتى بعد فوز الجبهة الاسلامية في الانتخابات البلدية ثم وشوك فوزها في الانتخابات التشريعية ظل الشاذلي يواكب المسيرة ثقة في قدرته على احتوائها، بينما الجيش رفض اسلام مصيره ومصالحه الى الشاذلي وعباس فتحركت الدبابات اولا لسحق جمهور عباس المتحرك في الشوارع ثم تحركت لسحق صناديق الاقتراع والغاء الانتخابات وطرد الشاذلي والرهان على الجيش بدل حيل الشاذلي الديمقراطية لسحق الجبهة بأفق العودة بالجزائر الى ما قبل زلزال 5 اكتوبر بالقوة، اما الشيخ محفوظ رحمه الله فكان متوجسا من الابحار مع الموج الهادر ربما بحكم مزاجه الهادئ وعقله المنظم وتجربته في الصدام، فمال الى التهدئة، وحتى لما اضطر الشاذلي لفتح ابواب التعددية على مصراعيها وانطلقت الجبهة كالصاروخ لتنزع من جبهة التحرير حزب السلطة قيادة اهم البلديات فقد ظل الشيخ محفوظ ملازما موقف الحذر على تمام اليقين ان هذا الانفتاح مجرد خدعة لاحتواء الموقف وكشف حقيقة قوة ومواقع نفوذ الاسلاميين لتصفيتهم، غير انه لم يملك وقد اخذ المسار يفرض نفسه من مسايرة الموجة ولكن بحذر، اذ عمل على القيام بنوع من التأمين على الدعوة فاستحدث لها كيانا مستقلا عن التنظيم السياسي هو جمعية الاصلاح والارشاد كما مد خيوط تواصله مع اصحاب السلطة الحقيقيين قادة الجيش لطمأنتهم على ان حركة مجتمع السلم تراهن على الاقناع بدل الاخضاع وطرائق السلم وليس المغالبة وانه شديد الحرص على بقاء الدولة في وجه التهديد المسلح من الجماعات الذي تتعرض له وان الجيش هو اهم ضمان لاستمرار الدولة والاجتماع الجزائري، ولم يتزحزح الشيخ عن هذه القناعات خلال اشد عنفوان الجامعات المسلحة وتغلغلها في المدن والارياف وحتى في العاصمة فضلا عن الجبال، كان خطابه داخل الجزائر وخارجها يقارع تلك الجماعات وما تقوم عليه من تصورات فكرية وسياسية مبينا تباينها مع ما يؤمن به من اسلام ومصلحة دعوته والوطن الجزائري، لم يرهبه ما تعرض له من حملات نقدية شديدة لنهجه ومن تهديدات لحياته لا سيما وقد امكن لهم ان يجهزوا على اقرب اعضاده وخليفته المنتظر الشيخ «بوسليماني» رحمه الله، ولا ازال اذكر صلاتي الجمعة في المسجد المركزي بلدن خلال عام 1995 مع الشيخ وما راعني ـ وقد تخلفت قليلا عن الشيخ لأسلم على بعض الاصدقاء ـ ونحن ندلف وسط جموع غفيرة من صحن المسجد الى خارجه، الا وجمع من الشباب يلتف حول الشيخ صارخا في وجهه ثم ما لبث ان وجه اليه احدهم لكمة كادت تفضي الى كارثة ـ لولا تدخل بعض العقلاء للحد من غلواء اولئك المتطرفين، ولقد عجبت لمدى تماسك الشيخ وهدوئه وسط الخطر الذي احاط به، ولعله بعد ذلك فرض على نفسه وضع ترتيبات لتنقله.

    3 ـ الثابت ان الجماعة التي اسسها الشيخ على عينه وصورته قد ثبتت بعد ثلث قرن من التقلب مع الموج الجزائري العاتي رقما مهما ومعطى ثقافيا وسياسيا واجتماعيا يمكن لك ان تتفق معه او تختلف لكن لا مناص من ان تقرأ له حسابا، فقد وسع قاعدته في مستوى الشباب الطلابي وفي مستوى العمل النسائي ووسط فئات واسعة من الفئة الوسطى ومختلف قطاعات الدولة بما قدم من تصور هادئ متسامح يعطي مكانا واسعا في الاسلام لكل ما هو انساني وجميل وحديث من ديمقراطية وحقوق انسان وذوق جميل ومال وتجارة وترفيه حلال وروح دعابة الى حس عميق تجاه المساكين والارامل والعوانس ـ واحسب ان اكثر زعيم اسلامي تكلم عن ظاهرة العنوسة واحس بمعاناة اعداد هائلة من هؤلاء الفتيات هو الشيخ محفوظ ـ كما حفل خطابه بخصوصية نادرة في حركات التغيير عن الدفاع عن الدولة وضرورة المحافظة عليها والخشية من الانفلات والفوضى، والحقيقة ان هذا الخط مثل خطابا تليدا في تراث علماء اهل السنة زهدت فيه الحركة الاسلامية المعاصرة التي سادها خطاب التثوير والتغيير بسبب ما نالها من بأس الدولة الحديثة حتى كرهتها لدرجة تمني زوالها ولربما هذا الخطاب الوسطي الجامع لئن اغضب من الشيخ فئات واسعة من الاسلاميين ولا سيما في وسط الشباب والسياسيين الجزائريين فقد امده بقاعدة مستقرة واسعة مضمونة ربما حتى في وسط الجيش وقياداته بما افسح امام الشيخ فرص الترشح الى قمة الهرم السياسي اذ ترشح في انتخابات 1995 لمنافسة الرئيس زروال، ورغم انه لم يفز الا ان كل المتابعين لحملته الانتخابية يشهدون بتفوق مستوى خطابه وشعبيته بما جعل النتائج المعلنة موضع استفهام، وحاول مرة اخرى الترشح في مواجهة بوتفليقة الا انه اقصي بطرق ملتوية، تشهد مرة اخرى على ان اللعبة ممسوكة من فوق مسكا محكما، وان هناك خطا احمر لا ينبغي للاسلاميين تجاوزه، ومع ذلك صبر الشيخ وواصل الصمود في مواجهة التيار الاستئصالي المتصاعد لا سيما بعد فشل الرهانات العنيفة وترجح كفة نهج المصابرة والتعقل الذي انتهجه الشيخ ـ مع ما يمكن ان يؤاخذ به من شطط في هذا الصدد ـ وامكن لصموده ان يفسح المجال امام ما هو متاح دون الرئاسة من مواقع في المجلس التشريعي ظلت محجوزة لحركة مجتمع السلم، مواقع مهمة في المستوى النيابي والتنفيذي دربت كوادر مهمة لهذه الحركة نقلتها من مستوى الشعارات والعموميات الى قلب العملية السياسية بما هي تفاعل بين المبادئ والواقع وهي اقوم الطرق لتطوير فكرنا الاسلامي في مجالات الاقتصاد والثقافة والتنمية والعلاقات الدولية وهو ما يعاني فيه فكرنا الاسلامي فقرا شديدا نتيجة نأيه منذ زمان عن ميادين التطبيق.

    واذا كان الموت قدر كل كائن حي فإنما تقاس حياة الرجال بما قدموا لامتهم وللانسانية وبما قدموا الى ربهم ورغم اني طالما اختلفت خلال العشرية المنصرمة مع الشيخ رحمه الله فقد ظل اعجابي كبيرا بثباته على ما يعتقد انه حق ومصلحة وبشجاعته في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور، وقد خبرته عن قرب خلال اقامتي بالجزائر مدة سنتين ولمست عن قرب مدى امتدادات وتشعب علاقاته التي لم يضن بها عنا، ولكن ومهما اختلف عنك ومهما اربدت الاجواء من حوله فقد كانت الابتسامة العريضة لا تكاد تغادر محياه الجميل ودعابته الحاضرة واستحضاره الدائم للعواقب وموازين القوة ومعية الرحمن الرحيم تماما بنفس الحرص على اناقة المظهر من مثل تهذيب ذقنه واحكام رباط عنقه وبذلته الحديثة العهد بالمكواة. كل ذلك جعل من الشيخ طرازا متميزا في التنظيم الاسلامي تتفق معه او تختلف لكن لا يمكن لك الا ان تقدر فيه الشجاعة والثبات والسماحة والاعتدال والمرونة السياسية لدرجة البراغماتية والحس العميق بمهموم الناس ومكانة الدولة في الجماعة لا سيما الدولة الحديثة والتعويل على الحوار والتفاوض والقبول نهاية بالممكن والمشاركة والامتناع مطلقا عن ترك فرصة للخصوم للانفراد بالامر العام. مثل هذه الشخصية ما احسب ان ما اثارته في حياتها من جدل سينتهي بموت الجسد ولكن سيتواصل ما تواصلت المشكلات التي طرحتها والحلول التي اقترحتها.

    رحم الله الاخ الصديق الحبيب الشيخ محفوظ بقدر ما جدد واشاع من قيم الاسلام العملية والتربوية والسياسية وحسن معاملة، مما تحتاجه امة وشعب ممزقان بالاحقاد ونزوعات التنافي ورحمه الله بما حرك من سواكن العقول وفجر من قضايا عملية للتفكير والتأمل، رحمه الله في الاولين والآخرين وعوض الله شعب الجزائر واخوانه في مجتمع السلم وأمة الاسلام خيرا وافرغ على ذويه واحبابه جميل الصبر وجمعنا الله به في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا.

    [

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    كلمة عزاء من الشيخ فيصل مولوي

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 12:53

    من المؤمنين رجال، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلاً·
    فجعت الحركة الإسلامية في الجزائر بوفاة أحد كبار رموزها الشيخ محفوظ النحناح، رئيس حركة مجتمع السلم والذي كان من أبرز القيادات الشعبية بعد قيام التعددية السياسية·


    بدأ الفقيد الكبير عمله الإسلامي عام 1970، في ظلّ نظام الحزب الواحد في عهد الرئيس بومدين، الذي كان يحاول (فرض النظام الاشتراكي) فانضمّ إلى الحركة الإسلامية المسلحة، وراح يوزع مع إخوانه "المنشورات التحريضية الداعية للجهاد) حتى تمّ اعتقاله عام 1976، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، لكن أطلق سراحه عام 1980 بعد وفاة بومدين·

    ومع انفتاح أجواء الحريات في عهد الشاذلي بن جديد، راح الأستاذ محفوظ النحناح يراجع نفسه، وبدأت صلاته مع جماعة الإخوان المسلمين، وتبلورت أفكاره الإصلاحية، فكان يجوب الجزائر يخطب في المساجد ويحاضر في المنتديات داعية إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، رافعاً لــواء الخير، محرضاً الشباب على أن يكونوا كالشجرة (يرميها الناس بالحجر، وترميهم بالثمر)·

    وفي أواخر الثمانينات أسس (جمعية الإرشاد والإصلاح) مع رفيق دربه الشيخ محمّد أبو سليمان رحمه الله· وفي عام 1989 ساهم في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية التي يرأسها الشيخ محمد سحنون لتكون مرجعية للعمل الإسلامي في الجزائر، وفي عام 1991 أعلن تأسيس (حركة المجمع الإسلامي)، ثم اضطر إلى تغيير هذا الاسم إلى (حركة مجمّع السلم) بسبب صدور قانون الأحزاب عام 1997 الذي منع تسمية أي حزب سياسي باسم إسلامي·

    وفي هذه الفترة المليئة بالنشاط والحيوية والعمل، أصبح الأستاذ النحناح رجل (الوسطية والاعتدال والتسامح)· وشهدت الجزائر أسوأ مراحل تاريخها المعاصر، عندما ألغى الجيش النتائج الأولية للانتخابات النيابية عام 1991، والتي أشارت إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وحلّ هذه الجبهة، واعتقل قياداتها في السجون، وهرب كثير من الشباب إلى الجبال وأعلنوا الثورة المسلحة، فبدأت حرب أهلية لم تنته فصولها حتى الآن، رغم انحسار العمل المسلح، خاصة بعد أن رفعت الجبهة عنه الغطاء، وأعلنت إيقاف أعمالها القتالية في ضوء الجرائم البشعة التي طالت النساء والأطفال والأبرياء، وبعد الاقتناع بخطورة هذه الممارسات على الجزائر، واستحالة تحقيقها لأهدافها، وقد تركزت القضايا المثارة في هذه المرحلة على مسألتين كان للأستاذ النحناح موقف واضح في كل منها:

    الأولى: ضرورة التواصل بين مختلف شرائح الشعب الجزائري، واعتماد الحوار والانفتاح والتعاون، ورفض فكرة الاستئصال لأي جماعة مهما كان فكرها· وكان الأستاذ النحناح رائداً في هذا المجال، وهو كان يعتبر الإسلام جامعاً أساسياً لأبناء الشعب الجزائري، ثم كان ممن طرحوا اعتبار (الإسلام - العروبة - الأمازيغية) ثوابت وطنية· وأضاف إلى ذلك التواصل والحوار حتى مع غير الإسلاميين (من اليساريين أو المتفرنسين) في مسعى واضح لإشاعة أجواء السلم الأهلي، وإعادة بناء الجزائر وطناً لجميع أبنائها·

    الثانية: ضرورة بناء الدولة، ورفض الخروج عليها· والدعوة إلى إصلاح المجتمع لا إلى تخريبه وتمزيقه· ومن أجل ذلك فقد خاض الأستاذ النحناح حرباً شعواء ضد الفكر المتطرف الذي يرفع الإسلام شعاراً له، ويستبيح القتل والتدمير· وتعرض إلى الاتهام بأنه يعمل مع (النظام الجاهلي) ضد (الحركة الإسلامية)· بل وأقدمت (الجماعة المسلحة) على قتل عدد كبير من أنصاره على رأسهم الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله، لأنه رفض أن يفتي لهم بصحة ما ارتكبوه من أعمال· ولم يغير ذلك من قناعته، لأنه كان ينطلق من الإسلام، دين الهداية والرحمة، ويجيد قراءة الواقع المحلي والإقليمي والدولي، ويؤمن بالعمل الإيجابي البناء وبالتدرج الطبيعي في الإصلاح والتغيير·

    أيها الفقيد الحبيب· يا فارساً ترجل وهو في ذروة العطاء· يا قائداً أخلى الساحة اليوم لكنه ترك وراءه نخباً من القيادات، قادرة على ملء الفراغ ومتابعة المسيرة· يا رجلاً صدق ما عاهد الله عليه، وظل يجاهد بأعز ما عنده حتى توفاه الله· لقد خالفناك في بعض اجتهاداتك السياسية، لكننا نشهد اليوم أمام الله وأمام الناس، أنك كنت مثالاً في الصدق والالتزام والعمل، تضع الإسلام في ميزانك قبل الحركة، وتعتبر مصالح الأمة قبل مصلحة الجماعة، بل وترفض التعارض في هذا المجال، وتصرّ على التكامل وتجعل نفسك وجماعتك في خدمة الأمة وقضاياها·

    طبت حياً وميتاً، تغمدك الله بواسع رحمته، ولأهلك ومحبيك أحر العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون·

    الشيخ فيصل مولوي
    الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بغياب الدكتور الشيخ محفوظ النحناح، الذي نعاهُ التليفزيون الجزائريّ مساء أمس الأوّل. ووريَ الثرى بعد صلاة الجمعة أمس، من بعد مُعاناة شديدة مدّةَ سنتين مع "اللوكيميا" (سرطان الدم)، تكون الجزائر قد فقدتْ واحداً من ألمع وجوه الاعتدال والوسطيّة الإسلاميّة، الذ

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 13:01

    منذ سنة تقريباً.. والأستاذ الفاضل محفوظ النحناح يصارع المرض الخطير الذي استقر في دمه وفي عظامه.. المرض الذي وصفه الشاعر المتنبي بقوله:

    رحيل الأستاذ محفوظ النحناح
    منذ سنة تقريباً.. والأستاذ الفاضل محفوظ النحناح يصارع المرض الخطير الذي استقر في دمه وفي عظامه.. المرض الذي وصفه الشاعر المتنبي بقوله:
    وزائرتــي كأن بها حـيـاء فليس تزور إلا في الظلام
    فرشت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي

    كان يصارع المرض بالنشاط والحركة.. وفي بعض الأحيان تتغلب عليه آلامه.. فتهدأ حركته ولا يشكو.. وكيف يشكوا من أصبح مسؤولاً عن حركة؟!

    كنت معه في أنقرة.. وكان معنا ثلة من رجالات الفكر والسياسة، كان يخرج من الندوة.. ويغيب أحياناً ثم يعود.. كنت أستغرب الأمر.. وبعد أكثر من سنة أخبرني بأن الآلام كان تضطره إلى مثل هذا الخروج.. حتى لا يلاحظ ذلك أحد.

    وأخيراً جاءنا نعيه على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة الأستاذ سليمان شنين، فقد نعى إلى العالم الإسلامي والعربي وفاة الشيخ محفوظ النحناح رجل الوسطية والاعتدال والتسامح.. مشيراً إلى أن رحيل رئيس حركة مجتمع السلم سيترك فراغاً كبيراً على المستويين الوطني والدولي، فهو يتولى منذ العام 1981 منصب مسؤول تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر.

    وكان عاد إلى الجزائر الأسبوع الماضي بعد ثلاث شهور من العلاج في فرنسا فقد تأكد الأطباء استحالة شفائه من مرض سرطان الدم الذي تمكن منه.. فأراد هو وأراد إخوانه أن يموت في بلده.. بين أهله وأسرته.. وبين إخوانه الذين أحبهم وأحبوه.

    وأجدني –وأنا أقف أمام هذا الحدث الجلل- أقلب أوراق الذكريات الغالية مع الأخ محفوظ النحناح.

    • التقيته أول مرة عام 1972 في إطار لقاء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض.. شاباً في الثلاثين.. كل ما فيه ينطق: لسانه ورأسه ويداه.. ومنذ كنت وحتى اليوم عندما أحضر لقاءً مثل هذا، أتفرس في وجوه القوم، وأختار واحداً أو أكثر ممن تظهر عليهم علامات الوعي والحركية والتفاؤل.. فأصل أسبابي بأسبابه..

    • في عام 1973 كنت في زيارة إلى الشمال الأفريقي بدأتها بالمغرب.. ثم الجزائر.. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت. وجدت الأخ محفوظ يستقبلني فاتحاً ذراعيه.. لا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته..

    • ذهبنا في سيارته الصغيرة الفولكس فاجن إلى بلدته (البليدة) وهي على مسافة 50 كيلو متراً إلى الجنوب من العاصمة الجزائر، وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير.. كل من يصادفك في هذا البيت يؤكد في ذهنك التدين والتواضع والخلق الحسن.

    في طريقنا إلى أحد مساجد العاصمة الكبيرة، لنستمع إلى أحد الدروس التي يلقيها الأستاذ محفوظ في العديد من مساجد العاصمة ومساجد البليدة.. هناك جلست أمام النهر المتدفق.. كلمات واعية.. وإيماءات واضحة.. وتوجيه سليم.. وأخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه.. وعما بعد الدرس..

    واستغربت أن يكون مثل هذا الطرح الجريء.. والأيام أيام (أبو مدين).. والتوجه اشتراكي علماني.. ويظهر أن شيخنا قرر أن يقول كلمة الحق واضحة، ويعتصم بالصبر مهما تكون النتائج.

    • وذهبنا معاً إلى مسجد الطلبة في الجامعة المركزية.. وكانت بداية التحول في البلد كله.. فهي النواة التي تفرعت عنها جميع الاتحادات الطلابية.. وانتقلت من العاصمة إلى المدن الأخرى.. ومن سكن الطلاب إلى التجمعات المهنية، فأصبح الطلاب أطباء ومهندسين ومحامين.. شغلوا معظم فراغ المجتمع المدني..

    الأخ محفوظ (رحمه الله) هو من ساهم في فتح مسجد الجامعة، وهو أول من أدى صلاة الجمعة فيه..
    في المسجد التقيت بالأخ الدكتور مصطفى براهما.. ربطتني الرسائل معه منذ سنوات.. حتى كان لقائي به في مسجد الجامعة.. زرنا سكن الجامعة.. وتحدث الأخ محفوظ وتحدثت بعده.. اللغة نفسها والروح والتوجه كذلك..

    في زيارتنا للجامعة.. كانت الأوضاع والمظاهر بعيدة كل البعد عن الشكل الإسلامي.. لباس الطالبات.. حركاتهن مع زملائهن، وهن رائحات غاديات أو جالسات على المقاعد أو مستلقيات في الحدائق..

    سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا.. أجابني: ولتعلمن نبأه بعد حين.
    • اصطحبني الأخ محفوظ إلى لقاء حميم.. جميع قادة العمل الإسلامي من مختلف الاتجاهات: الإخوانية والسلفية والإنقاذية والجزأرة والصوفية وغيرها كانوا في هذا اللقاء..

    لقاء هؤلاء أمرٌ طبيعي.. وخلافاتهم مفتعلة.. كلفت الدعوة والدعاة كثيراً من العناء والإرهاق والخسائر التي لا تقدر بثمن.

    لو اقتصر أعداء الإسلام على إيغار صدور الإسلاميين بعضهم على بعض لكفاهم.. فهو الأمر الذي ينهك العمل الإسلامي ويدمر الدعوة والدعاة..

    لا أنسى أبداً الزفرات الحرى التي كان يطلقها أخونا محفوظ حزناً على رفيق دربه رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشيخ محمد بوسليماني، عندما سقط برصاصات على يد بعض الإسلاميين عام 1994. واستغربت الأمر.. فلم يكن يدور في فكري أن الأخ يمكن أن يقتل أخاه.. وسألت الأخ محفوظ: وهل أنت متأكد أنهم هم الذين قتلوه؟

    وقال والألم يعتصره: نعم نعرفهم بأسمائهم.. وليس الأمر أمر شهيد واحد بل عشرات.. ونحن نصبر ونحتسب فلا نريد أن نشمت بنا الأعداء.
    • في هذه السنوات كنت أزور الجزائر مرة في السنة على الأقل وأستمتع بصحبة وأفكار وأنشطة أخينا محفوظ.. وفي مرة زرنا معاً القاهرة وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب السجون التي قضوا فيها ما يزيد على عشرين سنة على يد طاغية آخر من طغاة بلادنا.. كانت سعادة الجميع بادية على وجوههم..

    الشيوخ سعداء بأن الدعوة التي رعوها ودفعوا أثماناً باهظة من حياة إخوانهم.. ومن سنوات نفيهم إلى الصحارى في معتقلات الأنظمة.. قد أثمرت وأينعت في العديد من البلدان.. والشباب كانوا سعداء فما أعظم أن يلتقي شاب مثلنا مع قيادات شامخة كنا ندرس فكرهم ونتتلمذ على كتبهم.. ونتأسى بصبرهم وثباتهم..
    ما أجمل أن تتضام السواقي مع النهر المتدفق لتشكل جميعاً تياراً عريضاً.. يزداد اتساعاً وعمقاً مع الأيام.

    • عام 1975 وبعد مناقشة الميثاق الوطني.. تم اعتقال الشيخ محفوظ النحناح والحكم عليه 15 سنة بعد نشره بياناً بعنوان: إلى أين يا بو مدين؟
    ليس محفوظ النحناح وحده الذي حوكم وحكم ظلماً وعدواناً.. بل الأمة كلها باستثناء الطغاة (أو السوبر باشوات) كما سماهم الكاتب حسين مؤنس.. دخلوا السجن الصغير.. أو السجن الكبير.. وليس أضر بالشعوب من إخافة الناس، وتهديد أمنهم وإهانتهم، وإهدار كرامتهم، وخاصة إذا جاء ذلك كله على يد أولياء الأمر، لأن الشعب يتربى بالقدوة، ويتعلم بالمثل الصالح، فإذا كانت القدوة سيئة.. كانت البلية بلا حدود.

    كان لابد من زيارة الحبيب في سجنه.. وسافرت إلى الجزائر.. ولظروف خاصة لم أستطع الوصول إلى أخينا.. المهم أني قمت بما أستطيع.. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    ما أظلم هذه الأنظمة عندما تمنع الغرباء أن يتبادلوا التحية والمحبة!
    • ومات بومدين.. وقام استفتاء شعبي على الدستور الجديد في شباط (فبراير) 1989.. وبإقرار الدستور ألغيت حقبة كاملة من تاريخ الجزائر بكل مكوناتها الاشتراكية والعلمانية والديكتاتورية.. وكان هذا التاريخ يمثل ميلاد الجمهورية الثانية ونهاية احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للسلطة لمدة 27 سنة.

    في هذه الأجواء.. استعاد المسجد دوره.. وظهرت الحركات الإسلامية قوية تهيمن على الشارع.. وأفرج عن الشيخ محفوظ بعد قضائه 5 سنوات في السجن..

    • في مارس 1989 أنشأ عباسي مدني الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح بقيادة الشيخ محمد بو سليماني، وحركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الأستاذ محفوظ النحناح.. وهي الفرع الجزائري للإخوان المسلمين.

    واختلطت الأمور.. جبهة الإنقاذ تفوز في الانتخابات البلدية.. وفي المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.. وكثرت التصريحات التي تعتبر الديمقراطية كفراً.. والتي تهاجم رئيس الدولة الذي فتح صفحة الحريات.. فاغتنمها الجيش فرصة فبطش بالجبهة وزعمائها..

    قالوا أن المحنة تكون في الضراء وهي أسهل.. وتكون في السراء وهي أصعب، وكذلك كانت محنة الإسلاميين في الجزائر..

    واستطاع الأستاذ محفوظ النحناح أن يتخذ له طريقاً وسطاً.. كان كمن يمشي على سلك مشدود.. الجيش يخشاه والإنقاذيون يتهمونه.. ومع ذلك فقد سار في الطريق الصعب.. لينقذ إخوانه وينقذ الحركة التي كانت الرقم الأهم في كل الظروف.

    • لقيته في طرابلس الغرب عام 1990م.. وكان الاجتماع الذي حضرته وفود من أنحاء العالم العربي لمناقشة قضية الاحتلال العراقي لدولة الكويت.. كانت معظم الأصوات تؤيد العراق.. وقليل منها كان مع حق الكويت وحرية أبنائه. ورأيته يزأر كالأسد ويقول: كلكم مهتم بحفظ ماء وجه صدام.. ولا أرى أحداً يهتم بدماء أهل الكويت!

    هكذا كانت مواقفه عفه نظيفة شريفة.. مثل أخلاقه العالية الرفيعة.
    • وترشح الأخ محفوظ النحناح للانتخابات الرئاسية التي أجريت بالجزائر في نوفمبر 1995م، وفاز بالمركز الثاني بعد حصوله على 3 ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة.

    كتب للأخ محفوظ يوم حصل على المركز الثاني.. وقلت له: أن هذا الذي حصل يدل على أن الإسلاميين على اختلافهم بدأوا يتجمعون.. وكان هذا بفضل سياسة النفس الطويل والصبر الجميل الذي قمتم به.. وهذه الـ25% من الأصوات التي حصلت عليها تساوي النصر، فـ25% من الأصوات المعارضة أقوى وأهم من 90% مما يحصل عليه قادة بلادنا زوراً وبهتاناً.

    وتمكنت الحركة التي يرأسها الأخ محفوظ النحناح من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، حيث شاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة السياسية.

    وكان الأخ محفوظ النحناح دور كبير في نبذ العنف والإرهاب وإدانته وكرّس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاث عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وقيم الوسطية والاعتدال.

    • كان اللقاء الأخير في استانبول في تموز (يوليو) 2002م، كان جاء إلى استانبول مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مبرحة ومعالجات طالت.. لم أعرف يومها ذلك.. فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه.. خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه..

    • وإني يا شيخنا محفوظ محزون لفراقك.. ولا نقول إلا ما يرضي الله..
    وأنتم يا إخوان محفوظ في الجزائر وخارجها.. أذكروا أخاكم بدعوة صالحة وليس عندي ما أضيف الآن غير قولة المتنبي:

    طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
    والحمد لله رب العالمين


    بقلم: مصطفى محمد الطحان

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    محفوظ نحناح بقلم / المستشار عبد الله العقيل

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 13:04

    مؤسس حركة مجتمع السلم الجزائرية.
    ولد الشيخ محفوظ نحناح في 28 جانفي 1942 بمدينة البليدة ـ مدينة الورود ـ التي تبعد 50 كلم جنوب الجزائر العاصمة.
    حيث ترعرع ونشأ في أسرة محافظة، تعلم دروسه في المدرسة الإصلاحية التي أنشأتها الحركة الوطنية هذه المدارس التي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن الذات العربية الإسلامية للجزائر من الانسلاخ والتغريب.
    شارك في ثورة التحرير المباركة وهو في ريعان شبابه.
    وقد أكمل مراحل التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية في الجزائر ثم اشتغل في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من 30 عاما، في مقابل المد الثوري الاشتراكي ونشر الثقافة الفرنسية وكان يعتبر من أشد معارضي التوجه الماركسي والفرانكفيلي، كما عمل على احتياجات الشعب العقدية إلى تخلي عنها من تبقى من رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بما جعله معارضا لأصحاب العقائد الضالة المنتسبة إلى الإسلام من جهة والعقائد الاشتراكية الوافدة من جهة أخرى.
    شغل مدير مركز التعريب بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة.
    وفي سنة 1975 سجن بتهمة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم آنذاك ( هواري بومدين) حيث عارض فرض النظام الاشتراكي بالقوة على المجتمع الجزائري باعتباره خيارا لا يتماشى ومقومات الشعب الجزائري العربي المسلم، ودعا إلى توسيع الحريات السياسية والاقتصادية وحكم عليه بـ 15 سنة سجنا كما حكم على مجموعة من إخوانه بأعوام متفاوتة وكان بسبب رفض حركته الإسلامية لمنحى الميثاق المكرس للاشتراكية، وكان السجن فرصة ثمينة للاستزادة من العلم من جهة والمراجعة للطروحات الفكرية والسياسية من جهة ثانية، وقد تحول على يديه خلق كثير من السجناء من الانحرافات السلوكية وأصبحوا نماذج حسنة.
    الشيخ محفوظ نحناح عمل على تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية رغبة منه في إيجاد مرجعية دينية للجزائريين تحفظ الشعب والبلد من كل انحراف. ثم أسس جمعية الإرشاد والإصلاح هو ورفيقه الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته الجماعة المسلحة سنة 1994.
    ثم بعد ذلك أنشأ حزبا سياسيا سمي " حركة المجتمع الإسلامي " وانتخب أول رئيس له في 30 ماي 1991.
    ترشح للانتخابات الرئاسية التي جرت بالجزائر في نوفمبر 1995 وتحصل على المرتبة الثانية حيث تحصل على أكثر من ثلاث ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة، وتعتبر هذه الانتخابات أول انتخاب شارك فيه الإسلاميون في العالم الإسلامي بمرشح يحمل هذا التوجه.
    وقد شارك في عدة مؤتمرات وملتقيات دولية في أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا تتعلق بقضايا الإسلام والغرب وحقوق الإنسان والديمقراطية. والتقى أثناء زيارته لهذه الدول زعماء وكبار مسؤولي هذه الدول في كل من فرنسا وإسبانيا، السويد، الولايات المتحدة الأمريكية ، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، سوريا، الأردن, والمملكة العربية السعودية، السودان، قطر، الكويت، المغرب، ليبيا وغيرها من الدول.
    شارك بقوة في صيانة الدولة الجزائرية من الإنهيار ودافع عنها في المحافل الدولية وقدم في سبيل حماية واستعادة مؤسساتها الدولة والحفاظ عليها تنازلات كبيرة يعرفها الجميع.
    ومن أهم الطروحات التي يدافع عنها الشيخ محفوظ نحناح :الشورى، الديمقراطية، التطور، التسامح، التعايش، الاحترام المتبادل، احترام حقوق الإنسان، مشاركة المرأة في مجالات الحياة، احترام حقوق الأقليات، حوار الحضارات، توسيع قاعدة الحكم، التداول السلمي على السلطة، احترام الحريات الشخصية والأساسية، الوسطية والاعتدال، تجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وقد أدان الشيخ محفوظ نحناح العنف والإرهاب وكل مظاهر الغلو في الدين منذ بداياتها واعتبرها غريبة عن الإسلام والمسلمين وقد كرس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاثة عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة وقيم الوسطية والاعتدال وقد دفعت حركته ضريبة غالية أهمها اغتيال أكثر من 500 مناضل ومحب للحركة وعلى رأسها الشيخ الأستاذ محمد بوسليماني ، كما أن له مواقف واضحة من الاشتراكية والعلمانية والجهوية والصهيونية وقضية فلسطين وأفغانستان.
    ولقد تمكنت الحركة التي يرأسها الشيخ محفوظ نحناح بقيادته من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة حيث احتلت المرتبة الثانية الانتخابات الرئاسية حيث كان أحد المرشحين الأربعة والمرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية بمجموع 70 نائبا سنة، و1997 ، والمرتبة الثالثة في الانتخابات المحلية وشاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة الحالية السابقة وتشارك بثلاث حقائب في الحكومة الحالية الموسعة إلى سبعة أحزاب التحقت بمدرسة المشاركة. وهي الآن تشارك بـ 38 نائب برلماني بعد تشريعيات 2002 و أربعة وزارات وهي الأشغال العمومية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والصناعة وكذا الصيد البحري والموارد الصيدية .
    وهو يدعو دائما إلى ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية كما يدعو إلى التمييز بين ضرورة وجود الدولة وتقويتها ومنافسة ومعارضتها والمطالبة بخلعها وذهابها عند إساءتها.
    ويرى أن المشاركة في قاعدة الحكم أولى من الروح الإنسحابية أو المعارضة الراديكالية وقد بينت الأحداث صدقية هذا الإختبار.
    ولقد ألفت عنه عدة كتابات تعبر عن أفكاره منها: رجل الحوار، خطوة نحو الرئاسة، بالإضافة إلى مساهماته الثقافية في مختلف المجلات والجرائد العربية والملتقيات الوطنية والدولية والحوارات الإسلامية المسيحية في إيطاليا والسويد.
    كما كان موقفه من وقف المسار الانتخابي ويرى أن خطأ الحكومة الكبير لا يعالج بخطأ حمل السلاح وجز الرقاب وثقافة التدمير والحقد، وقد صرح أن الجيش سليل جيش التحرير يجب أن يعود إلى ثكناته بعد استتباب الأمن ولا يعقل أن يبقى الشعب من غير حماية في الشارع والقرية.
    صدر كتابه الأول في هذا الصدد تحت عنوان:


    " الجزائر المنشودة" المعادلة المفقودة: الإسلام..الوطنية..الديمقراطية".


    توطـــئة

    يعتبر الشيخ محفوظ نحناح جزءًا من ظاهرة الحركة الإسلامية المعاصرة، أو بالأحرى معلمًا من معالم حركات التغيير المنطلقة من ثوابت الأمة الإسلامية في العصر الحالي.

    والمثير في ظاهرة الشيخ محفوظ نحناح، هو ذلك النمط من التعامل من جهة، ومن الوسائل والأساليب التي اتخذها في عملية التغيير ومنهجية المعارضة السياسية، أو بالأحرى منهجية الإصلاح السياسي في وطنه الجزائر، وفي مسار الحركة الإسلامية عمومًا.

    فالشيخ محفوظ نحناح، انطلقت حركيته من مصادر فكره، فهو ابن المدرسة الإسلامية الأصيلة والطموحة نحو تطبيق حقيقي لنظرية 'الإسلام صالح لكل زمان ومكان'، وإخراجها من دائرة المجاملات، ومن دائرة النظري المثالي إلى دائرة التطبيق الواقعي.

    تأتي هذه الأوراق اليوم لإلقاء الضوء على هذه النمطية المتميزة في إدارة التغيير، وإدارة الإصلاح السياسي، وجمع المفارقات التي ظلت ما يقارب نصف قرن متناثرة في مفاهيم التيار الوطني والإسلامي، العربي، القومي، وكذا التيار النخبوي والشعبي، والتي انتظمت كلها في عقد واحد.

    ويضاف إلى ذلك أن الشيخ محفوظ نحناح أصبح مثار جدل ومثار التباس عند الكثير من الباحثين والمفكرين والدعاة بسبب بُعدهم عنه، أو بسبب العجز عن مواكبته، أو بسبب تنازع خفي تدفع إليه الرغبة في بسط السيطرة على العمل الدعوي والسياسي، وما يتطلبان من جهد لتوسعة التنظيم.

    فالشيخ محفوظ نحناح مثار جدل في نظرية التغيير بين خصومه وبين مؤيديه، صاحبت هذا الجدل وأضفت عليه نوعًا من التضخيم الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم الإسلامي والتي تعلقت بموضوع الإسلام والتغيير السياسي، والعنف الذي ارتبط بالإسلام، والإسلام السياسي، وتجارب الجهاد والنمط الثوري والعصيان المدني الذى ارتبط بموضوع الإسلام، ورد الفعل على الاستعمار الذي اعتدى على الشعوب الإسلامية، أو على الاضطهاد الذي مارسته الأنظمة على الحركات الإسلامية، والقمع الكبير الذي قمعت به هذه الحركات وقمع به الفكر الإسلامي وضيق عليه.

    هذه الموجة أضفت حقيقة التضخيم على أعمال الشيخ محفوظ نحناح التي اندرجت دائمًا في سياق جديد غير السياق المعهود في الحركات الإسلامية عبر العالم، كما صاحب هذا الجدل الكم الهائل من الشبهات والإثارات والتفسيرات المتناقضة لمواقف الشيخ محفوظ نحناح، التي عمدت بعض الأطراف الخصمة له- بسبب المنافسة والمزاحمة، أو الخصمة للإسلام وللجزائر- إلى تضخيمها ونشر الإشاعة والأراجيف حولها، وعمدت بعض الأطراف الإسلامية التي رأت في فكر الشيخ محفوظ نحناح المعتدل والمرحلي خطرًا على تطرفاتها وعلى آنيتها وعلى محاولتها في جني الثمار سريعًا، وعلى حساب إدخال البلاد وإدخال الشعب كله في متاهة الفتن، هذه الفتن التي وجدت دائمًا من فيهم القابلية لإذكائها أو الاقتيات منها.


    مولده ونشأته

    ولد الشيخ محفوظ بن محمد نحناح يوم 12-1-1942م، وكان مولده في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت التحولات السياسية والفكرية في الجزائر تتحدث عن مرحلة ما بعد الاستعمار ببداية اندحار فرنسا المستعمرة أمام دول المحور وانكشاف عورة الاستعمار الفرنسي وبداية العد التنازلي لفكرة الاستعمار الاستيطاني. وكان مولده في مدينة البليدة (الورود) التي تقع على بعد 50 كم جنوب العاصمة في بيئة إسلامية محافظة وفقيرة، في الجزائر، ونشأوتعلّم اللغة العربية في المدرسة الإصلاحية العربية (مدرسة الإرشاد) التي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن شخصية الجزائر العربية الإسلامية، أمام سياسة الفرنسة، وعاش إرهاصات الثورة الجزائرية وهو فتى، وعندما نشبت الثورة التحريرية الكبرى عام 1954 انضمّ إليها، وشارك فيها.أكمل تعليمه الثانوي في الجزائر، والتحق بكلية الآداب - قسم اللغة العربية في الجامعة الجزائرية عام 1966 حيث حصل على ليسانس لغة عربية، ثم سجَّل في جامعة القاهرة "قسم الدراسات العليا"، وفي فترة دراسته الجامعية بالجزائر، ساهم مع إخوانه في فتح مسجد الطلبة، حيث كان أول من خطب الجمعة بالمسجد المذكور. وساهم مع إخوانه محمد بوسليماني ومحمد بومهدي سنة 1962م في ثورة التحرير الجزائرية وهو في ريعان الشباب، حيث كان عمره 20 عاماً.

    شغل منصب مدير مركز التعريب في الجامعة المركزية في الجزائر العاصمة، وكان عضواً في رابطة الدعوة الإسلامية، ورئيس جمعية الإرشاد والإصلاح، ثم أسس حركة المجتمع الإسلامي (حماس) عام 1991 التي حوّلها إلى حركة مجتمع السلم (حمس) تماشياً مع قانون الأحزاب الجزائري الذي يحظر الأحزاب الدينية.


    شارك في انتخابات الرئاسة الجزائرية عام 1995 مقابل الأمين زروال، وحصل على ثلاثة ملايين صوت، حسب الإعلان الرسمي عنها، ولكنه في الواقع تجاوز هذا الرقم بكثير، ولكن الجنرالات الحاكمين في الجزائر زوّروا الانتخابات، وزعموا فوز منافسه اليمين زروال.

    ومما يتناقله الجزائريون، أن الرئيس زروال وقف مرة في وجه الجنرالات، وزعم لهم أنه رئيس منتخب، فقالوا له: أنت تعرف جيداً من هو الرئيس المنتخب، فسكت، ثم أطاحوا به.
    أسس التكوين الفكري للشيخ محفوظ نحناح

    الشيخ محفوظ نحناح نحت نحتًا، وكانت عصاميته أهم وأبرز عوامل التأثير في مساره السياسي، ولكن قوة التأثير التي كانت تتميز بها مرحلة التكوين السياسي للشيخ محفوظ نحناح، قوة التغيير لدى الزعماء الكبار في العالم الإسلامي كانت جد كبيرة وعلى رأس هؤلاء.


    1- رجالات الحركة الوطنية الذين عاصر الشيخ محفوظ نحناح بعضهم، وتربى في مدرسة الإرشاد التي هي مدرسة الحركة الوطنية، تلك الحركة التي كانت تتميز بتعددية وثراء كبيرين جدًا في التعامل السياسي وفي الرؤية السياسية، وبالرغم من أن الاستعمار فرض - خلال عدة محاولات- عملية المسخ داخل الأمة إلا أن الحركة الوطنية كانت تتميز بالصلابة، وتتميز بالواقعية التي صنعت جيلاً نستطيع القول أنه جيل الثورة الذي تشرب من الحركة الوطنية مفاهيم الوطنية ومفاهيم الإسلام واستحضر معاني الحرية والتحرر والانعتاق والكرامة الإنسانية والشخصية الوطنية ومفاهيم الثبات، ومفاهيم الاستقلال ومفاهيم الصراع، وبالرغم من اختلاف المدارس الموجودة فقد كانت الحركة الوطنية بكل شرائحها تفرض تغييرًا حقيقيًا وقويًا على السياحة التي استقوت في عملية التعبئة الجماهيرية بالشعار الثلاثي الرادع: 'الإسلام ديننا، العربية لغتنا، والجزائر وطننا'.


    2- القسم الثاني الذي كان له تأثير كبير جدًا في شخصية الشيخ محفوظ نحناح هو جمعية العلماء المسلمين، ذلك أن جمعية العلماء المسلمين جزء من الحركة الوطنية، إلا أنها تتميز بالإسلامية التي جعلتها نموذجًا آخر غير النموذج العادي في الحركة الوطنية، من خلال اقترانها [الإسلام[|بالإسلام]] واقترانها بالمفاهيم الإسلامية، وبالتربية الإسلامية، هذه التربية التي صاغها رجال كبار لهم تأثيرٌ كبير، وعلى رأس هؤلاء المؤثرين الفاعلين منهم في شخصية الشيخ محفوظ نحناح ثلاث:

    أولاً: الشيخ عبد الحميد بن باديس

    الرجل المؤسس لجمعية العلماء المسلمين والزعيم الروحي للجزائر ، والمفسر للقرآن والمصلح والداعية النموذج، الذي كان سلفي المنهج، صوفي الحياة، مجاهدًا ضد الاستعمار بكل ما أتاه الله من قوة، عامل وحدة وتجميع لكل علماء الأمة وعلماء الوطن، صاحب فضل على الحركة الإصلاحية في الجزائر بلا منازع.


    ثانيًا: الشيخ البشير الإبراهيمي

    الرئيس الأول لجمعية العلماء المسلمين، بعد الشيخ ابن باديس، وأحد مؤسسيها الرئيسيين، والرجل العالم الفذ الذي كان عملاقًا في مناحي الفكر والأدب واللغة والإصلاح، وكان صاحب صولة، ولعله أكثر الناس تأثيرًا في الشيخ محفوظ نحناح، وأقرب الناس إلى شخصيته، هو ذلك الرمز الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي نقل حقيقة الثورة الجزائرية وهموم الجزائر إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، وبذلك فكّ الحصار عن الجزائر تاريخًا وانتماء وثورة، وفجر برحلاته الوجدان الإسلامي الخامد بفعل الاستعمار.


    ثالثًا: الشيخ الفضيل الورتلاني:

    الرجل الذي تجاوز حدود الوطن ليصبح مصلحًا عالميًا وداعية من أهم دعاة الأمة الإسلامية، وسفير الإسلام في عدة دول، وأحد الرموز الذين ظل الشيخ محفوظ يعتبرهم من أهم أساطين التأثير في الحركة الإسلامية ومسار الحركة الإسلامية، والشيخ الفضيل الورتلاني، قرين للشيخ البشير الإبراهيمي، وأحد السياسيين المحنكين والعلماء الفطاحل والمصلحين المجددين الذين قاموا بالعمل الإصلاحي والتأثير في مدارس التغيير السياسي، وكان أكثر الناس احتكاكًا بمدارس التغيير في مصر واليمن وسوريا وفي تركيا وفي الجزائر طبعًا.

    وهذه الشخصيات الثلاث تعكس تأثير جمعية العلماء المسلمين في شخصية الشيخ محفوظ نحناح، ولكنها أيضًا ذات بعد شخصي أو تأثير شخصي متميز.


    مدرسة الإمام حسن البنا رمزٌ آخر للتأثير الإيجابي القوي


    إلى جانب ذلك تأثر الشيخ محفوظ نحناح بمدرسة حسن البنا ، مجدد القرن العشرين، وزعيم حركة الإخوان المسلمين، وأحد الذين نقلوا فكر الإسلام من النظرية إلى التطبيق، وأحد الذين عملوا على وحدة الأمة الإسلامية وتخليصها من الاستعمار، وعملوا أيضًا على طرح نظرية حقيقية متكاملة للبناء الإسلامي، والنظام الإسلامي في الدولة والمجتمع، بما لم يسبقه إليه غيره من المصلحين، وكان تأثيره بارزًا في حياة الشيخ محفوظ نحناح وفي عمله؛ لأن الإمام حسن البنا -رحمه الله- رغم هيامه بجغرافية مصر ودولتها وتاريخها العظيم، فإنه ليس رجلاً محدود العمل في دولة أو قطر، بل يملك نظرة عالمية، ونظرته في ضرورة الدعوة والإصلاح العالمي كانت ذات تأثير عالمي أيضًا، وكان الاعتدال الذي يتصف به الإمام حسن البنا والوسطية التي يتميز بها، والربط بين المعاصرة والأصالة، وضرورة أن يحمل المصلحون مشاعل الإصلاح من خلال وقود العصر، كان هذا له تأثير في حياة الشيخ محفوظ نحناح وفي فكره وممارسته، ويعتبر الإمام حسن البنا صاحب مدرسة أخرجت رجالاً آخرين مثل سيد قطب والشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي ومن شابههم، ولكن تأثير الإمام حسن البنا في الشيخ محفوظ نحناح كان متميزًا.


    ومن الأساتذة الذين تغذى من لبان وطنيتهم أستاذان جليلان:

    الأستاذ محمد محفوظي أحد أركان حزب الشعب ورمز من رموز المثقف المزدوج الرافض للاستعمار وسياسة الاندماج والثائر على الظلم والظالمين، وقد كان له تأثير كبير في فكر الشيخ محفوظ نحناح المتعلق بالثقافة والشخصية والمرأة واللغة العربية والوطنية، بحيث نهل على يديه هذه المعارف، فضلاً عن حضوره الدروس والخطب والمحاضرات التي كان يشرف عليها ويلقيها الأستاذ الثائر محمد محفوظي.


    وعندما امتد العمر بالشيخ محفوظ نحناح كتب الله له أن يتمتع بالفكر النير الثابت الذي تمثل في فكر الأستاذ المفكرمالك بن نبي، الذي أدى دورًا في تفتيق ذهن النخب الدعوية في ظروف تحولات وطنية عميقة.


    الشيخ الشعراوي

    وهناك شخصية عالمية أزهرية يمثلها العلامة الإمام محمد متولي الشعراوي الذي كان يلازم دروسه وندواته في العاصمة والبليدة، وكان يتشرب معاني القرآن الكريم ويتذوق ألفاظه على غير سابق من أهل التفسير، وقد كان لهذا العالِم النحرير تأثيرٌ في الساحة الجزائرية وفي نخبها، التي كانت تحضر ندواته وتتملى محاسن اللفظ العربي في القرآن الكريم في مرحلة تاريخية تتسم بتجسيد العودة إلى أصول الشعب الجزائري.


    أما الداعية الملهم الشيخ محمد الغزالي، فقد كانت كتبه مرجعًا له في فهم الإسلام منذ أن كان يدرس بعض فصول كتاب 'ظلام من الغرب' في دروس خاصة تحت قبة مسجد ابن سعدون بالبليدة، والذي أكدته المحبة المتبادلة واللقاءات المباشرة، بعد أن تيسر للشيخ الغزالي أن عين أستاذًا بالجامعة الإسلامية بقسطنطينة، فقد كان الشيخ نعم السند لهذا العالم الفذ الذي وجد خصومًا له من العلمانيين الاستئصاليين، وخصومًا آخرين من المنسوبين إلى الأصولية المتطرفة، ولله في خلقه شئون.


    • مدرسة الإمام ابن تيمية إشعاع التاريخ والنص

    وكان من أبرز من أثر في حياة الشيخ محفوظ نحناح تاريخيًا مؤلفات الإمام ابن تيمية - رحمه الله-، الذي قاد مدرسة للإصلاح والاجتهاد في ظرف تعطل فيه الاجتهاد الفكري، وحصل الجمود السياسي في الأمة، وكانت آثار مدرسة ابن تيمية بادية في فكر الشيخ محفوظ نحناح وفي اجتهاداته وفي تحرره الفقهي من المذهبية ومن الرؤى الضيقة من الحدود المعطلة للتغيير الاجتماعي والتغيير السياسي، والإمام ابن تيمية مدرسة، علاوة على أنها فكرية، ومدرسة سلفية فقهية، فهو مدرسة جهادية إصلاحية تغييرية وتربوية، وكان مصلحًا وصابرًا محتسبًا رغم الأذى الذي لحقه، ويتكرر هذا مع الشيخ محفوظ نحناح.


    فالشيخ محفوظ نحناح، كان عالمًا ومفكرًا وسياسيًا صابرًا على ما لحقه في السجن، ولم يتركه ذلك يحقد على ساجنيه، بل كان باستمرار يحمل شعار العفو، مستدلاً دائمًا بالقول المأثور عن سيدنا عيسي عليه السلام 'كلٌّ ينفق مما عنده'.


    ونستطيع القول: إن تأثير المدارس الفكرية، والمدارس السياسية لم يكن على الشخصية في حد ذاتها، ولكن كان تأثيرها على مدرسة محفوظ نحناح المتميز الآن بصيغ الحوار والانفتاح وصيغة المشاركة السياسية، وصيغة الاعتدال والسلم التي أصبحت مدرسة تكسر نمطية التعامل التي حلت في الدول الحديثة العربية والإسلامية بعد الاستعمار، نمطية الصراع بين السلطة وشعبها، إلى نمطية جديدة هي التعاون والتواؤم وتجميع الطاقات المختلفة والاتفاق في الحد الأدنى، ووجود مساحات وفضاءات جديدة للتلاقي والتعاون مبنية على أساس الحوار وعلى أساس الصراحة، وعلى أساس التوافق وعلى أساس الاحتكام إلى حريات الشعوب.
    مراحل التكوين والبناء

    لقد مرت مراحل تكوين الشيخ محفوظ نحناح الفكري والسياسي بعدة مراحل:


    1- كانت مرحلة النشأة الفكرية، وهي مرحلة التفاعل الحضاري الذي فرضه الاستعمار على الأمة الإسلامية، وولد فعلاً جهاديًا فكريًا ثقافيًا، رفض القابلية للاستعمار والخضوع له، وقاد هذا الفكر مجموعة من الفطاحلة، أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الحميد ابن باديس، والبشير الإبراهيمي، ومالك بن نبي، وأحمد عرابي، والبارودي، والشيخ المودودي، والشيخ السباعي، وعلماء العراق ، وعلماء سوريا، وزعمائها الوطنيين، وكذا أمثال الأمير عبد القادر رحمة الله عليه، والشيخ بوعمامة، فهذه الشخصيات كانت نماذج حقيقة من العديد من النماذج التي أثرت في عملية الرفض للمستعمر وفي التبعية، وهذا أنتج أمثال الشيخ محفوظ نحناح، وكان التفاعل يأخذ أكثر من شكل فكري، وسياسي ونضالي، قتال مسلح، وانتفاضات.


    2- كانت المرحلة الثانية، وهي مرحلة مشاركة الشيخ محفوظ نحناح في الثورة الجزائرية، هذه المشاركة التي صنعت منه الشخصية الملتزمة بمسئولية التغيير والقادرة على هذا التغيير، لأن الثورة الجزائرية ضربت أروع الأمثلة في القدرة على التغيير بأبسط الإمكانات، لأنها توفرت على الإرادة التي تضمنت قوة الرغبة في الاختيار، كما توفرت على العقيدة، والتنظيم، وضوح الهدف رغم قوة الخصم والعدو، وكل هذا أثر حقيقة في المنظومة الفكرية للشيخ محفوظ نحناح، وحولها إلى منظومة ديناميكية، لا تعيش الترف الفكري ولكن تعيش التغيير الفكري.


    3- كانت المرحلة الثالثة وهي مرحلة الاستقلال مرحلة أعطت فرصًا لإطارات الجزائر عمومًا، منها فرص التعليم الجامعي، هذه الفرص الجامعية التي أُعيد من خلالها تكوين إطارات الجزائر التي حرمها الاستعمار من الالتحاق بالدراسة، عوضوها بعد الاستقلال بالالتحاق بمقاعد الدراسة، حيث أصبحت فضاءات التدريس مركزًا حقيقيًا لتفاعل العلم مع التجربة الثورية، وتفاعل العلم مع التجارب العالمية الموجودة، وقد كان الشيخ محفوظ نحناح طالب أدب، وكان من الذين أسسوا المسجد الجامعي الأول 'مسجد الجامعة المركزية'، وكان أول من يحاضر فيه الأستاذ المفكر مالك بن نبي، الرجل المفكر الذي أثر في شخصية الشيخ محفوظ نحناح المتميزة، فمالك بن نبي صاحب تجربة فكرية رائدة، وكان صاحب علاقة مع بعض الأنظمة العربية، بحيث تمكن من الإطلاع على عمق تجربة ما بعد الاستعمار من ناحية، وتجربة الثورة الجزائرية من ناحية ثانية، وكان يقدم طروحات لتجديد الفكر ولتجديد النظام العربي والنظام الإسلامي، وفق محور (طانجا – جاكرتا)، ووفق نظرية التحالفات التي كان يطرحها كـ(الآفروأسيوية) التي كانت مقهورة أمام تجاذب قطبي الصراع: الاشتراكي والرأسمالي.


    كانت الجامعة محل صياغة الشخصية القيادية للشيخ محفوظ نحناح، والشخصية المستفيدة من التجربة العالمية في الحركة الإسلامية من ناحية ثانية.


    ثم جاءت مرحلة الثورة الزراعية أو الثورات الثلاث التي قام بها النظام آنذاك، والذي اتجه وجهة شيوعية اشتراكية، فرضت الوقوف في وجهها، فكان أحد الذين وقفوا ضد ظلم تأميم أملاك الناس، وضد التوجه الأيديولوجي للدولة الجزائرية بعيدًا عن ثوابتها، وضد الضغط الشيوعي على مسار الدولة الجزائرية، التي ارتمت في أحضان الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، بحكم الثورة وبحكم العلاقة مع روسيا والصين وكوبا، كان أحد الواقفين ضد هذا الاتجاه هو الشيخ محفوظ نحناح، والذي زج به في السجن مع مجموعة من خيرة مؤسسي حركته في بداية تأسيسها وفي سنواتها الأولى، 'التأسيس التنظيمي، والتأسيس السياسي' رغم المنع القانوني لهذا الموضوع.


    مرحلة ما بعد السجن، التي صيغت فيها شخصية الشيخ صياغة جديدة جمعت تجربة ما قبل الاستقلال وتجربة الاستقلال وتجربة الجامعة، وتجربة السجن والمعارضة التي اتخذت أشكالاً حادة في ذلك الوقت، وتجربة السجن في حد ذاتها كفترة للحرية والتفكير لإعادة الحسابات، وبدأت مرحلة ما بعد السجن تنسجم مع تطور كبير جدًا في الصحوة الإسلامية على مستوى الجامعات، وكان خروج الشيخ محفوظ نحناح من السجن بداية مرحلة جديدة لانتشار تنظيم الحركة التي أسسها وتوسع أفقها، وبداية طروحات فكرية متميزة على رأسها فكرة التنسيق العالمي والعلاقة مع التنظيمات الأخرى في الحركة الإسلامية العالمية، وعلى رأسها أيضًا المعارضة للسلطة، وكيفياتها، والإسلام السياسي وغير ذلك من المواضيع التي كانت ومازالت محل جدل حقيقي داخل الساحة الفكرية والساحة الحركية المتأثرة سلبًا وإيجابًا بما يجري في الساحة الدولية من أحداث جسام تستوجب التحليل وتعميق النظر في تفاعلاتها وانعكاساتها، وقد تنبه مبكرًا إلى ما يمكن أن يحصل من اندفاع أو انزلاق يتسبب في زعزعة الاستقرار بفعل فاعل، يقصد إجهاض الصحوة الإسلامية أو إثارة فتنة أهلية، أو الدفع نحو المجهول، خصوصًا وأن التجربة الأفغانية والإيرانية وزوال دولة الصومال ماثلة للعيان.
    مرحلة التعددية السياسية في الجزائر

    أفرزت التعددية السياسية في الجزائر تحديات جديدة:

    أ- التحدي الأول : هو التحدي ضد الإسلام، عندما أصبح الإسلام ممثلاً من عدة أطراف: بعضها متطرفة، وبعضها شعوبية، ووبعضها الآخر يتمثل في احتكار السلطة الجزائرية الإسلام بعيدًا عن ترقيته، مما فرض تحديًا جديدًا على حركة الشيخ وشخصيته، وفي هذه المرحلة نكاد نقول إن شخصية الشيخ ذابت في حركته، وأصبح رمزًا للحركة أكثر منه رمزا للشخصية الخاصة الذاتية المتميز بها.


    هذا التحدي على موضوع الإسلام، فرض مسئوليات جديدة: ضرورة حماية الإسلام من التطرف، حماية الإسلام من الغلو، حماية الإسلام من التشويه والانزلاقات التي كان يرى أنها ستعطي مسوغات للأنظمة الجائرة وأزلامها من العلمانيين فرصة الانقضاض على الحصون الإسلامية.


    ب- التحدي الثاني : هو المحافظة على الدولة الجزائرية، لأن طروحات التقسيم وطروحات اللادولة، وطروحات الفوضى في إدارة الدولة وتسيير الدولة، فرضت فرضًا جديدًا على الجميع، وهو حماية الدولة الجزائرية من الانهيار بعد عملية الانزلاق، مما اقتضى نوعًا من فقه الأولويات، فقه درء المفاسد المقدم على جلب المصالح، وبرز بما يسمى بالمشاركة، والذي يقوم على أساس واضح هو القول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، التعاون مع كل الأطراف سواء كانت في المعارضة أو في السلطة، تعاون على أساس المبادئ الوطنية المشتركة، ولعل هذا الموقع أصبح موقع الاعتدال الذي سيعاديه المتطرفون من كل لون.


    لقد أدرك محفوظ نحناح أن للتشدد أسبابًا ذاتية وسياسية وتحريكية داخلية وخارجية، لكن الشيخ يفقه جيدًا وبعمق أن آفة التشدد تعود في تكوينها ونشأتها، إلى أن ظرف التحول الذي عاشته الجزائر بعيد الإعلان عن الاستقلال كان أحد المكونات الأساسية لهذه الآفة، كما أن أجهزة الدولة الناشئة الفتية مرشحة لأن تتهم بأنها لم تقم بدورها في التحصين للذات الوطنية، ما عدا التغافل عن بناء المساجد التي تتطلبه وضعية الخروج من قبضة الاستعمار، كما أنها - أجهزة الدولة - لم تُعد الجرعة الكافية لحماية الأسرة والمجتمع والجامعة والإدارة والشباب، وانفسح المجال أمام الدعوات الهدامة والأفكار المادية المستوردة، بما جعل ذلك خميرة الفتن والأزمات، وبتوفر أجواء التغريب تتهيأ طرق الغلو والتشدد، غير أن ثمة من يذهب مذهبًا وجد له مسارات إعلامية تروج له، وهو أن التشدد مرده الفقر، والبيوت القصديرية، وأحزمة الفقراء حول المدن، وانعدام أسباب الحياة الرغيدة والكريمة، فضلاً عمن يقول إن السبب الأوحد: هو القمع، والبطش، والاقتصاد والتهميش وانتهاك حقوق المواطنة، والمحن واتساع هوة فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، والشعور باللهفة في كسر الجسور بينهما.

    في هذه المرحلة تحول الشيخ من شخصية وطنية أو من شخصية قطرية إلى شخصية عالمية، وأضفى هذا حقيقة إضافات على الشخصية في حد ذاتها وعلى الفكر في حد ذاته، فأصبحت اللقاءات والزايارات الدولية التي قام بها والمشاركة المتعددة في إدارة الفكر العالمي وفي مؤتمرات الفكر العالمي أصبحت ذات تأثير مباشر وواضح في مسار وتشكيل شخصية الشيخ محفوظ نحناح، وفي رؤاه السياسية، وفي مواقفه وفي وخطواته النضالية التي لم تستبعد التأثير الإقليمي والتأثير الدولي والتأثير الوطني، ولا تأثير المواقف المتخذة من طرف شخصيته في هذا المستوي وانعكاساتها على الوطن وعلى الإقليم وعلى الإسلام، وعلى التوجه الذي تسير فيه الحركة التي يترأسها الشيخ محفوظ نحناح، حركة مجتمع السلم.


    جـ- التحدي الثالث : تحدي الأزمة التي صاحبت الجزائر ، تضاف إلى هذا الموضوع، فالأزمة شكلت في شخصية الشيخ محفوظ نحناح توازنًا آخر، توازن الفتنة، وتوازن الأزمة التي تقتضي رؤىً جديدة، وتقتضي حسابات جديدة، وتأجيل عداوات، وتأجيل خلافات وربما تعاونًا مع الخصوم على أشياء مشتركة أو ضرورات مشتركة مثل ضرورة تمدين النظام السياسي، أو ضرورة التنسيق من أجل المحافظة على الحريات العامة والخاصة، أو ضرورة الإبقاء على الدولة وتقوية مؤسساتها، أو ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية، أو إصلاح شرعية الحكم المعطوبة، وهو الذي يمكن التمثيل له بالتحالفات التي قام بها الشيخ محفوظ نحناح في أكثر من اتجاه، ودعا إليها في أكثر من مناسبة.



    د- التحدي الرابع : تحدي رئاسة الجمهورية الذي كان هو النقلة النوعية التي انتقلها الشيخ محفوظ نحناح في مساره، ومسار الحركة الإسلامية، كأول زعيم إسلامي يترشح لرئاسة الجمهورية ويصوت عليه الشعب بأغلبية ساحقة، ويعرف الجميع ذلك، ولكن التزوير الذي حدث ضده من طرف النظام الذي كان حليفًا له، أثر حقيقة في شخصية الشيخ محفوظ نحناح وفي حساباته، وأثر في مسار الحركة تأثيرًا واضحًا، سواء في تعاطيها مع الضغط أو ردود الأفعال المتولدة لدى الشعب الجزائري اتجاه مثل هذه القضية، أو في موضوع الثقة في السلطة القائمة كشريك للمحافظة على هذه الدولة، التي هي دولة جميع الجزائريين، ومما أثر في هذا الأمر أيضًا، أن وزن الشيخ أصبح في الساحة الجزائرية رقمًا رئيسيًا، لا يمكن للحساب أن يكون بدونه، وهو ما اقتضى لدى خصوم الشيخ وعلى رأسهم متنفذون فاعلون في السلطة القائمة أن يطعنوا في شخصية الشيخ التاريخية وماضيه التاريخي، ويطعنوا في وجوده السياسي بمنعه من حق طبيعي دستوري في الترشح للانتخابات الرئاسية التي أصبح الجميع يعرف أنه إذا ترشح سيفوز بها.


    غير أن هذا الموضوع الحساس يجب أن يدرج ضمن مسلسل دولي لافت للنظر: فالسماح لـ أنور إبرهيم في ماليزيا ثم تنحيته وتشويهه، والسماح لـ نجم الدين أربكان وتنحيته ثم حرمانه من حقوقه السياسية، والدفع بالترابي إلى أن يؤسس شبه دولة ثم تنحيته، والضغط على الإصلاح في اليمن وإبعاده من الساحة، وتيسير الطريق أمام الجبهة الإسلامية وقياداتها ثم استبعادها بكل الوسائل الممكنة وإدخالها في النفق المظلم، وإقصاء راشد الغنوشي ومطاردته ومنعه وحصاره إعلاميًا وتشتيت رجاله، هذا وغيره يفرض نظرة فاحصة وتحليلاً عميقًا تتجلى به كثير من الحقائق التي يعجز ضيقو الأفكار أن يوفوها حقها من البحث والاستنتاج.


    هـ- التحدي الخامس : تحدي تخريب الإسلام : لقد لاحظ محاولات استبعاد الإسلام من الساحة، ثم محاولات الربط المتعمد بين التسييس والتحزيب، وأدرك أن التحزيب للإسلام ومقدساته يتسبب في مآسٍ على النفس والمجتمع والوطن، وظن التسييس من صلب الإسلام ، وما دام ثمة من يدعو إلى فصل الدين عن الدولة أو إفراغ الدولة من التدين أو احتكار الدولة للدين أو احتكار حزب ما للدين فإن الجميع - وشبه الجزائر- سيقع في أخطار الانقسام والتشرذم والتخلف.



    و- التحدي السادس : تحدي الربط بين ما هو طني وقومي وإسلامي : منذ عقد من الزمن تناثرت فكرة الوطنية والقومية والإسلامية حتى بلغ دعاة هذه التيارات إلى درجة الصدام، وضاعت المصالح المشتركة للأوطان والشعوب، وصار هذا الصراع تحديًا أمام الغيورين من أبناء هذا الوطن الإسلامي الشاسع، وبات الربط بين الوطنية والقومية والإسلامية يشكل (أسمنت) استقرار للوطن العربي والإسلامي، وفضيلة الشيخ محفوظ نحناح كان من دعاة هذا الربط عبر التأسيس لفكرة المؤتمرات لتجسير العلاقة بين القوميين والإسلاميين والوطنيين، لتتوج فيما بعد بمؤسسات وتنظيمات ترعى وتجسد الفكرة، لتحقيق مشروع تكامل بين كل أطياف التيارات السياسية في وطننا العربي والإسلامي بما يحقق التنمية والاستقرار.
    نشاطه العملي والدعوي

    كان رمزاً من رموز الحركة الإسلامية في الجزائر ، ممثلاً لنهج الإخوان المسلمين فيها، وكان عضواً في مكتب الإرشاد، وهو القيادة الجماعية للتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، كما كان عضواً في مجلس الشورى العام للتنظيم العالمي.


    اشتغل الشيخ نحناح في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من ثلاثين عاماً بدءاً من سنة 1964م بالتعاون مع رفيقه الشيخ محمد بوسليماني، حيث وضعا اللبنة الأولى للجماعة الإسلامية في الجزائر.


    قاوم المد الثوري الاشتراكي والثقافة الاستعمارية الفرنسية. وكان من أشد معارضي الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين في توجهاته العلمانية الاشتراكية، ومحاولته فرض النظام الاشتراكي بالقوة على المجتمع الجزائري العربي المسلم، ودعا إلى توسيع نطاق الحريات السياسية والاقتصادية، فاعتقله بومدين، وقدّمه إلى محاكمة عسكرية هي صورة عن المحاكم العسكرية في سائر الأنظمة العسكرية الانقلابية (التقدمية) في الوطن العربي الكبير، واتهمه بمحاولة قلب نظام الحكم، وهي التهمة نفسها في سائر تلك الأنظمة البائدة والحالية، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً سنة 1975 وتعرّض ومن معه لألوان التعذيب الوحشي، لعله يتراجع عن موقفه ضد الاشتراكية العلمانية، ولكنه أبى وازداد تشبثاً واقتناعاً بموقفه، وكانت صلابته في الحق مثار إعجاب بعض سجانيه وجلاديه، ومثار إغضاب بعضهم الآخر ونقمتهم عليه، فصبّوا عليه العذاب صبّاً.


    وبعد انتهاء (التحقيق) وما رافقه من تعذيب وحكم واستقرار في قاع المعتقلات، لم يضع الشيخ محفوظ وقته وعمره سدى في عفونة الزنازين، بل بادر إلى نفسه يعالجها بالقرب من الله، والإقبال على العبادة، وتلاوة القرآن الكريم وحفظه، وتثقيف نفسه، من خلال التهام ما يقع بين يديه من الكتب، وفكّر ملياً في الفكر المطروح، وفي النظريات المطروحة على الشعب من الماركسيين والفرانكفونيين المستغربين، وزادته طروحاتهم الوافدة بعداً عنهم، وتمسكاً بدينه وعروبته، وبدأ يعمل مع من معه من السجناء والمعتقلين، يثير عقولهم، ويحرك قلوبهم، حتى اهتدى عدد منهم على يديه، وتركوا ما كانوا عليه من انحرافات سلوكية، وهذه هي المدرسة اليوسفية، صبرٌ على البلاء والأذى، ودعوةٌ إلى الله، وهداية الضالين، وإقبال على النفس تثقيفاً وتزكية وإعداداً لها لقابل الأيام، ولذلك لم يحقد على ساجنيه، بل سامحهم وعفا عنهم، وهذا ما لم نقدر عليه نحن.


    من عجيب أمر الله تعالى في الشيخ محفوظ، أنه عندما كان معتقلاً في مدينة (الأصنام) تعرّضت المدينة إلى زلزال مدمر، ترك الشيخ فجأة في العراء، وقد تساقط كل ما حوله، وفرَّ السجانون ومن بقي من السجناء على قيد الحياة، بينما ظلّ الشيخ محفوظ ساكناً في مكانه، ينتظر عودة السجن والسجانين.


    وبعد موت بومدين، أطلقوا سراحه عام 1980 بعد خمس سنين أمضاها في سجون الظالمين.

    وقد ساهم في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية مع صفوة من علماء الجزائر ودعاتها منهم الشيخ أحمد سحنون رئيس الرابطة، والشيخ عبدالله جاب الله ، والشيخ علي بلحاج والشيخ محمد بوسليماني ، والدكتور عباسي مدني ، وغيرهم، كما ساهم في تأسيس جمعية الإرشاد والإصلاح سنة 1988م مع زميله الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته جماعة مسلحة سنة 1994م. ويمتاز الشيخ نحناح بقدرة هائلة على الاتصال والتنقل، فقد زار القارات الخمس داعية وحاملاً رسالة الوسطية والاعتدال، كما طاف كل محافظات الجزائر وأسس فيها أنشطة دعوية وتربوية وخيرية متنوعة.


    كما أنشأ الشيخ النحناح "حركة المجتمع الإسلامي" سنة 1991م وانتخب رئيساً، وقد تغير اسمها إلى "حركة مجتمع السلم" بعد صدور قانون جزائري يحظر استعمال وصف "إسلامي" على الأحزاب.


    ولقد كانت مواقف الشيخ نحناح تتسم بالاعتدال والتوازن، فقد عارض موقف الحكومة من الانتخابات، كما اعترض على دعاة العنف وحمل السلاح.


    وهو الذي صاغ بيان التجمع الإسلامي الكبير سنة 1980م، كما نظم أول مهرجان إسلامي سنة 1988م، ونادى بإنشاء رابطة تجمع كل الدعاة من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية سنة 1989م، كما أنه انضم إلى علماء العالم الإسلامي في توقيع وثيقة ترفض التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين واعتبرها وقفاً إسلامياً.


    ويعتبر محفوظ نحناح أول زعيم حركة إسلامية في العالم العربي يتقدم للترشح لرئاسة الجمهورية.

    والحق يقال: إن الشيخ محفوظ نحناح فيه من مواصفات الزعامة والقيادة ورباطة الجأش وقوة التحمل والصبر على المكاره ما يرشحه للأمور العظيمة والأحداث الجسام.


    فهو كفء لذلك، وأهل لتحمل التبعات والتكاليف لأنه من فرسان هذا الميدان.
    أفكاره وطروحاته من أهم الطروحات التي يدافع عنها الشيخ محفوظ نحناح هي: الشورى ، والديمقراطيه، والتطور، والتسامح، والتعايش، والاحترام المتبادل، واحترام حقوق الإنسان ، ومشاركة المرأة في مجالات الحياة، وحوار الحضارات، واحترام حقوق الأقليات، وتوسيع قاعدة الحكم، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الحريات الشخصية والأساسية، والوسطية والاعتدال، وتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم.


    وكان يرى ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية، ويدعو إلى التمييز بين ضرورة وجود الدولة وتقويتها ومنافستها ومعارضتها والمطالبة بخلعها وذهابها عند إساءتها، ويرى أن المشاركة في قاعدة الحكم أولى من الروح الانسحابية أو المعارضة الراديكالية.


    وكان موقفه واضحاً من وقف المسار الانتخابي بالجزائر ويعتبره خطأ كبيراً من الحكومة، ولكنه لا يرى معالجة خطأ الحكومة بحمل السلاح وجزّ الرقاب والحقد والتدمر.


    وفيما يتعلق بالغزو الأمريكي للعراق، فقد كان واضحاً غاية الوضوح، حيث دعا إلى بلورة موقف متقدم لقوى الأمة العربية لضمان حركة المعارضة للاحتلال الأمريكي للعراق ومواجهة إستراتيجيات الهيمنة على الأمة العربية والإسلامية.


    وقد طالبت حركته "مجتمع السلم"" بفتح قنوات الحوار أمام الجميع وإيقاف حملات العنف والعنف المضاد، والتكفل بالعائلات المتضررة من جراء المأساة الوطنية ورفع العقوبات التعسفية التي طالت بعض المواطنين من جراء انتماءاتهم السياسية، وتعويض المتضررين منهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وسجناء الرأي، بالتوازي مع إقامة محاكمات عادلة للمتورطين في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين. والعمل الجاد والعودة بالبلاد إلى الوضع المستقر الآمن الذي يعيش فيه المواطن وهو آمن على نفسه وأهله من تغوّل السلطة أو استهداف المخرِّبين. وضرورة انصراف الحكومة إلى تأمين احتياجات المواطنين الجزائريين ورفع العنت والظلم عنهم وتيسير سبل الحياة الكريمة لهم، ولكل طبقات الشعب دون استئثار أو تفضيل لطبقة على طبقة أخرى، أو الاهتمام بشريحة من المواطنين دون أخرى، فالحكومة مسؤولة عن جميع المواطنين دون استثناء أو تمييز.

    شيوخه لقد تأثر الشيخ محفوظ نحناح ب"مدرسة الإرشاد" التي هي مدرسة الحركة الوطنية، وشعارها: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا" كما تأثر النحناح بـ"جمعية العلماء المسلمين" التي هي جزء من الحركة الوطنية، إلا أنها تتميز بالإسلامية التي جعلتها نموذجاً آخر غير النموذج العادي في الحركة الوطنية، ومن زعماء هذه المدرسة الشيخ عبدالحميد بن باديس الزعيم الروحي الجزائر ، والمفسر للقرآن والمصلح والداعية الذي كان سلفي المنهج، صوفي السلوك، مجاهداً ضد الاستعمار، ومن زعماء هذه المدرسة الشيخ البشير الإبراهيمي العالم الفذ في الأدب واللغة والإصلاح والفكر، وصاحب الصولات والجولات الذي نقل حقيقة الثورة الجزائرية، وهموم الجزائر إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن زعماء هذه المدرسة أيضاً الشيخ الفضيل الورتلاني الذي تجاوز حدود الوطن ليصبح مصلحاً عالمياً وهو قرين الشيخ الإبراهيمي وأحد السياسيين المحنكين والعلماء الفطاحل والمصلحين المجددين، ترك آثاراً وبصمات في مصر واليمن وسورية وتركيا والجزائر.


    وهؤلاء العلماء الثلاثة من جمعية العلماء المسلمين كان لهم التأثير الكبير في شخصية الشيخ محفوظ نحناح، بالإضافة إلى الأستاذ مالك بن نبي والإمام الشهيد حسن البنا ، والشيخ محفوظي الجزائري والشيخ محمد متولي الشعراوي ، والشيخ محمد الغزالي ، فضلاً عن المؤلفات القيمة للإمام ابن تيمية التي نهل منها الأستاذ النحناح ودأب على دراستها.



    هذه الشخصيات والمدارس الفكرية كان لها أبرز الأثر في تكوين شخصية الشيخ محفوظ نحناح وتحديد مسارها وانطلاقها في حقل الدعوة الإسلامية المعاصرة.

    فالإمام الشهيد حسن البنا مجدد القرن الرابع عشر الهجري، الذي نقل فكر الإسلام من النظرية إلى التطبيق، وعمل على وحدة الأمة الإسلامية وتخليصها من الاستعمار بكل أشكاله، كان له تأثير كبير جداً على الشيخ محفوظ نحناح حيث سلك طريقته ومنهجه وأسلوبه في الدعوة إلى الله، لأن الإمام حسن البنا ليس رجلاً محدود العمل في دولة أو قطر، بل كان يملك نظرة عالمية، تجمع بين المعاصرة والأصالة وهذا ما سار عليه الشيخ محفوظ نحناح وبخاصة بعد ارتباطه العضوي بحركة الإخوان المسلمين العالمية.


    وكان يفقه مقولة الإمام الشهيد حسن البنا في توجيه الشباب حق الفقه ويضعها نصب عينيه إذ يقول الإمام البنا: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ولا تصادموا نواميس الكون، فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد".

    صفاته من صفاته الخَلْقية التي تلفت الانتباه إليه، مظهره الأنيق، فلا تكاد تراه إلا في هندام كامل؛ بذلة حديثة مكويّة، وربطة عنق محكمة جميلة ومتلائمة الألوان مع البذلة، ولحية لطيفة أعمل بها المقص تهذيباً وتشذيباً، وشعرٌ مرّ عليه المشط من قريب، فبدا مرتّباً، وقد زانه الشيب وزاده وقاراً، وحذاء ملمّع.


    يستقبلك بابتسامته العريضة التي لا تكاد تفارقه حتى في أقسى الظروف الملمّة به، كالمرض الشديد، والهموم العاتية.

    إذا حدّثته عما تعانيه الدعوة والدعاة في بلدك أو ما يصيب المسلمين في العالم من مصائب، سالت دمعته حزناً وألماً. منذ اللحظات الأولى معه، تعرف أنك أمام محاور متمرس، ولطيف، يعطيك من الوقت ما تريد حتى تنتهي من شرح فكرتك، ثم يستأذنك في الكلام، ويدلي بدلوه فيه بوضوح، وبلا لفٍّ ولا دوران، تحسّ باحترامه لمحاوره، كائناً من كان، فهو محاور ذكي، وذو عقل منظم يفرض احترامه على من أمامه.
    وتحسّ أنه زاهد في الحديث عن نفسه، وفي أن يرجع الفضل إليها في أي عمل من الأعمال، فهو ليس من الذين يحبّون أن يُحْمَدوا فيما فعلوه أو لم يفعلوه. يبتعد عن الأضواء والمباهاة، ولا يجرّح خصومه وأعداءه، فضلاً عن إخوانه وأصدقائه المخالفين له في الرأي، متأنٍّ، لا يستعجل قطف الثمار في حواره ومواقفه.


    هادئ في سائر أحواله هدوءاً يدل على استقرار نفسي.

    وذو روح مرحة، ودعابة مهذّبة حاضرة، يلقي النكتة، ويتلقّاها في سرور، وقد يتفاعل معها فيتجاوز الابتسام إلى الضحك الوقور.

    متواضع لإخوانه؛ محبّ لهم، يشاركهم في سرّائهم وضرّائهم، ومواقفه مشهودة مع إخوانه التونسيين الممتحنين.

    مثقف ثقافة عالية، شرعية، وأدبية، وسياسية، واجتماعية، يظهر هذا في أحاديثه وكتاباته.

    يتميز بمرونة عجيبة إلا في الثوابت التي يبدو مقاتلاً شرساً في الدفاع عنها، ومن أهمها، انتهاك حرمات الله، وإراقة الدماء، وفيما يعتقد أنه حق ومصلحة.

    شجاع مقدام في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور.

    همومه هي هموم شعبه وأمته، وكان من العبّاد، محافظة على الفروض والنوافل والأوراد، ودعوة إخوانه ومن يحبّهم إلى التمسّك بها. وكان فصيح اللسان، واضح البيان، بعيداً من الرطانة والعجمة اللتين تسمعهما من الذين رُبّوا أيام الاستعمار الفرنسي على النطق بالفرنسية التي فرضوها لغة رسمية في بلاد العرب والمسلمين في الجزائر. إذا خطب شدّ إليه الأسماع والأبصار، ولهذا كان الشباب يقبلون على المسجد الذي يخطب فيه، ليتزوّدوا منه علماً وأدباً، وفصاحة، وأخلا

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وفاة رئيس حركة «السلم» الجزائرية محفوظ نحناح

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 13:12

    الجزائر: خضير بوقايلة
    نعت «حركة مجتمع السلم» الجزائرية، أمس، وفاة رئيسها محفوظ نحناح، عن عمر يناهز 61 عاما، بعد صراع مع المرض تواصل قرابة عام، كان فيه الفقيد يتردد على عدة مستشفيات عربية وأوروبية، قبل أن يستقر في المستشفى الأميركي في باريس.

    وكان نحناح قد عاد قبل عشرة أيام من آخر رحلة استشفائية له، بعد أن نصح الأطباء أهله بإعادته إلى الجزائر لقضاء ما بقي له من أيام حياته. وكان مسكنه في مقر إقامة الدولة بنادي الصنوبر، طيلة الأيام الماضية، مزارا لمسؤولين كبار في الدولة ولقيادة ونواب حزبه وشخصيات سياسية ووطنية كثيرة. وقال بعض من زاروه إن حالته كانت «متدهورة جدا»، ولم يكن بإمكانه أن يعي ما يجري حوله، بعد أن نال منه سرطان الدم ووصل به إلى آخر مراحله. وقد توفي على الساعة الثانية والنصف بعد ظهر أمس في بيته. وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد زاره في المستشفى الأميركي بباريس، عندما كان في العاصمة الفرنسية لمقابلة الرئيس شيراك.

    ويعتبر محفوظ نحناح من أبرز وجوه التيار الإسلامي في الجزائر وأيضا في العالم الإسلامي. وقد برز، في منتصف السبعينات، كأحد أبرز معارضي النظام الاشتراكي القائم في الجزائر منذ الاستقلال، وقد أعلن عن أفكاره المعارضة لهذا النظام خلال المناقشات الشعبية لمشروع الميثاق الوطني في عهد الرئيس الاسبق هواري بومدين، وكلفه ذلك حكما بالسجن لمدة 15 سنة، غير أن الرئيس الشاذلي بن جديد قرر الإفراج عنه سنة 1980، وكان قضى في السجن أربع سنوات فقط، إذ بتولي الشاذلي الحكم بعد وفاة بومدين بدأت الجزائر تتخلى عن النظام الاشتراكي تدريجياً.

    وقبل دخوله العمل السياسي العلني شارك نحناح في تأسيس «رابطة الدعوة الإسلامية» التي يقودها أحمد سحنون، كما أسس مع رفيقه في النضال محمد بوسليماني (اغتيل من قبل الجماعات المسلحة في بداية التسعينات) جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية. ومع بداية التعددية السياسية في الجزائر، نهاية الثمانينات، كان نحناح من أبرز معارضي إنشاء حزب سياسي إسلامي، وانتقد كثيرا مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل أن يستدرجه العمل السياسي العلني ويعلن عن إنشاء حركة المجتمع الإسلامي (حماس) في ديسمبر (كانون الأول) 1990، وقد أشار وقتها الى أنه اختار مناسبة الذكرى الثالثة للانتفاضة الفلسطينية لإعلان تأسيس الحزب.

    ومنذ ذلك التاريخ دخل في صراع شرس، لكن بشكل خفي، ضد تيار الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تمكنت من احتواء معظم الوعاء الانتخابي الإسلامي، وسمح لها ذلك بالحصول على الأغلبية المطلقة في المجالس البلدية، بمناسبة انتخابات يونيو (حزيران) 1990، ثم في الدور الأول من الانتخابات البرلمانية في ديسمبر (كانون الأول) 1991، ولم تحصل فيها حركة نحناح على مقعد واحد، وقد تدخل الجيش لتوقيف المسار الانتخابي وإلغاء تلك الانتخابات، وبعدها شن حملة ضد نشطاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقياداتها التي لم تكن دخلت السجن بعد.

    وقد برز نحناح ليؤدي مع حزبه دور الإسلامي المعتدل، حيث قبل بتوقيف المسار الانتخابي ورشح خمسة قياديين في الحزب لعضوية المجلس الوطني الانتقالي (هيئة معينة كانت تعوض البرلمان)، ثم بعد ذلك شارك في الانتخابات الرئاسية سنة 1995، وقد نال المرتبة الثانية بعد مرشح النظام اليامين زروال، في حين نال المرتبتين الثالثة والرابعة كل من سعيد سعدي رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ونور الدين بوكروح رئيس حزب التجديد.

    ولم يكن نحناح يرفض سياسة الأمر الواقع التي كانت تنتهجها السلطة في الجزائر، بل كان يفضل أن يكون رمزا من رموز المعارضة المسؤولة والمعتدلة. وكانت مواقفه محل إعجاب وتقدير عدد من قادة الجيش ورموز السلطة الذين كانوا يصفونه بالرجل الوطني. ومع ذلك رفضوا تزكيته والسماح له بالترشح في الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) 1999 التي فاز فيها الرئيس بوتفليقة، وكان رفض ترشيحه مستندا إلى مادة في قانون الانتخابات تشترط على كل مرشح ولد قبل ثورة التحرير أن يكون حاملا لشهادة عضوية في جيش التحرير. ومع ذلك لم يرد نحناح الابتعاد عن فلك السلطة، بل قبل أن يواصل المشاركة في الائتلاف الحكومي الذي دخله في أول حكومة للرئيس زروال، مفضلا بذلك سياسة «التغلغل» والعمل على تغيير الأمور من الداخل واكتساب تجربة في الحكم تؤهله مستقبلا لقيادة البلاد. وقد قبل أيضا التعامل «إيجابيا» مع التطورات السياسية حيث رضي باختيار بوتفليقة من قبل دوائر الحكم الفاعلة وأعلن تأييده ومساندة حزبه له في تلك الانتخابات.

    وكان نحناح أيضا معروفا بقاموسه السياسي الخاص وبروح الدعابة والنقد اللاذع لخصومه، وقد أثرى الحياة السياسية بعدد من المصطلحات، لعل أهمها هو «الشوراقراطية»، التي قال إنها نهج حزبه، وهي مزيج من الشورى الإسلامية والديمقراطية.

    ولد نحناح في يناير (كانون الثاني) عام 1942 في مدينة البليدة (50 كلم جنوب العاصمة)، وتخرج في الجامعة بشهادة ليسانس في الأدب العربي وفي علم النفس الصناعي.

    يذكر أيضا أن آخر ظهور علني له هذا العام كان يوم 18 مارس (آذار) الماضي بمناسبة انعقاد المؤتمر الثامن لحزب جبهة التحرير الوطني، وكان قبل ذلك قد شارك في مظاهرة شعبية بساحة أول مايو بالعاصمة للاحتجاج ضد الحرب على العراق.
    الشرق الاوسط

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وفاة الشيخ محفوظ نحناح خسارة للإسلام والمسلمين

    مُساهمة  alhdhd45 في الأربعاء 27 أبريل 2011 - 13:14

    محمد المهدي ولد محمد البشير20/6/2003

    لقد رحل الشيخ الفاضل محفوظ نحناح الرجل الأمة العالم الأديب والمفكر الإسلامي الأصيل، والمؤمن الصادق في إيمانه والمحاور البارع والسياسي الفذ ذي البصيرة النافذة والحكمة الراسخة والنظرة الصائبة
    والعقل المتقد فطنة وذكاء، والقدرة الفائقة على الاستقطاب والجمع والتكوين والتربية والإرشاد، والموازنة بين المصالح والمفاسد، واستشراف المستقبل، والشجاعة في اتخاذ القرارات الجريئة والصدع بكلمة الحق أمام الجميع، بعيدا عن الأفعال المتسرعة والانجراف خلف العواطف والانفعالات و ردود الأفعال، والصبر على الأذى والصفح عن الخصوم.
    لقد أفل البدر المنير الذي كانت تزدان به سماء الجزائر منذ ستين سنة ، وانطفأ القبس المتلألئ الذي طالما أنار الطريق للسالكين واهتدى به الحيارى وثاب إليه المؤمنون، ليقتبسوا منه الإيمان والعلم والتقى، وانهد الطود الشامخ الذي كان المسلمون يلوذون به إذا ما ادلهمت الخطوب، و نضب المعين الثر الذي لا تكدره الدلاء - رغم كثرة الواردين- في صمت حزين بالنسبة إلى من عرفوه، و لكنه سعيد بالنسبة إليه؛ لأنه رحل إلى العالم الذي ظل يشد رحاله منذ ستين سنة ليصل إليه؛ وانتقل إلى الدار التي أمضى حياته كلها يبنيها لبنة لبنة، دار الآخرة و عالم الخلود الذي أعده الغفور الودود لعباده المؤمنين.
    لقد توفي الشيخ محفوظ نحناح والأمة الإسلامية تائهة في بيداء مقفرة تلفها حناديس الظلام، وتتقاذفها أمواج متلاطمة في ليل بهيم، وأعداؤها يتربصون بها الدوائر و يحوكون المؤامرات للانقضاض عليها عند أول سانحة بسبب وبدون سبب، وهي في أمس الحاجة إلى كل ربان حاذق ودليل ماهر من علمائها الربانيين ودعاتها المخلصين وساستها العقلاء المجربين، الذين لا تهزهم العواصف الهوجاء، ولا تفزعهم التحديات الجسام، ولا تستدرجهم الاستفزازات المغرض،ة ولا تستخفهم المكائد الخبيثة إلى معارك مدمرة لقدرات الأمة - ماديا أو معنويا- ولا يستعجلون قطف الثمار قبل نضجها، أو يقدمون على عمل غير مدروس دراسة متأنية، أو تصرف لم تحسب نتائجه حسابا دقيق،ا ويخطط له تخطيطا عميقا، لأنهم يهتدون بالوحي ومقاصد الشرع ويستنيرون بالعقل، و يعتبرون بالتاريخ وتجارب الأمم ، وقد كان الشيخ محفوظ نحناح من هذا الطراز النفيس من الرجال العظماء، الذين بدؤوا يرحلون عن عالمنا منذ عقد من الزمن وكأنهم جواهر كانت منتظمة في عقد فانفرط سمطه فتهاوت كالشهب.
    لقد رحل الشيخ محفوظ نحناح البطل الأشم الذي كان الجهاد بالفكر والقلم والمال والنفس وظيفته، والطبيب النطاسي الذي وهب نفسه لعلاج المسلمين، والحرب لما تضع أوزارها، وجراح الأمة الإسلامية تنزف دما، والمسجد الأقصى مازال أسيرا، وفلسطين الحبيبة مازالت سليبة، رغم أنه كان واحدا من أكبر من حملوا هم الأمة الإسلامية، وعملوا على تضميد جراحها ورد البسمة إلى شفتيها، لا لأنه ألقى السلاح اختيارا أو مل الجهاد والكفاح ولكنه لبا نداء الله وانتقل ليجني ثمار عمله الصالح.
    لقد أحببت الشيخ محفوظ نحناح حبا كبيرا وذرفت عليه من الدموع ما لم أذرفه على أحد من أهلي لأنني ألفيته – رغم ما يقول شانئوه- رجلا من رجال الإسلام العظام ذا مناقب جليلة لا تحصى وشمائل جميلة، وعلم غزير، وعقل مستنير، وإيمان بالله قوي ، وثقة بأن المستقبل للإسلام، وحنكة سياسية نادرة ويقظة عالية وحس مرهف وتواضع جم " وقد رأيته سنة 2000 يؤذن لصلاة الجمعة ويقدم غيره ليصلي مكانه" واعتزاز كبير بانتمائه الحضاري، وغيرة شديدة على مقدسات الإسلام، وخاصة فلسطين التي كانت نقطة ارتكاز عمله وقطب تحركه.
    وقد جعل مقر حركته مسجدا للعبادة والذكر، ومدرسة للعلم والفكر ، وملاذا للفقراء والمحتاجين ومنبرا للسياسة ، حيث اختط لنسه منهجا سياسيا متميزا قوامه الموازنة بين المصالح والمفاسد. وإذا كان الشيخ محفوظ نحناح قد توفي إلا أن النور الذي بثه قد استقر في هذه الأرض، والغرس الذي زرعه قد استوى على سوقه، ولم تذهب جهوده سدا بل أثمرت جيلا جديدا يؤمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيا رسولا، وسيحمل الراية ويسير على الدرب ويحفظ العهد والوعد، ولن يضيع الأمانة أو يفرط في الوديعة حتى يحقق الأهداف التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم لتحقيقها.
    نم أيها الشيخ الجليل قرير العين فبلاد الإسلام من طهران إلى وهران، ومن جاكرتا إلى شنقيط، تثني عليك وتشهد لك بما قدمته للإسلام والمسلمين من خير عميم، والمسجد الأقصى وكل صقع يرفع فيه الأذان يناجي ربه في ضراعة وابتهال أن يغفر لك ويتجاوز عنك ويدخلك جنة الفردوس مع النبيئين والصديق والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    محفوظ نحناح بقلم / المستشار عبد الله العقيل

    مُساهمة  Admin في الجمعة 6 مايو 2011 - 20:28

    نبذة تعريفية بفضيلة الشيخ محفوظ النحناح رحمه الله

    الشيخ محفوظ نحناح مؤسس حركة مجتمع السلم الجزائرية.
    ولد الشيخ محفوظ نحناح في 28 جانفي 1942 بمدينة البليدة ـ مدينة الورود ـ التي تبعد 50 كلم جنوب الجزائر العاصمة.
    حيث ترعرع ونشأ في أسرة محافظة، تعلم دروسه في المدرسة الإصلاحية التي أنشأتها الحركة الوطنية هذه المدارس التي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن الذات العربية الإسلامية للجزائر من الانسلاخ والتغريب.
    شارك في ثورة التحرير المباركة وهو في ريعان شبابه.
    وقد أكمل مراحل التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية في الجزائر ثم اشتغل في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من 30 عاما، في مقابل المد الثوري الاشتراكي ونشر الثقافة الفرنسية وكان يعتبر من أشد معارضي التوجه الماركسي والفرانكفيلي، كما عمل على احتياجات الشعب العقدية إلى تخلي عنها من تبقى من رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بما جعله معارضا لأصحاب العقائد الضالة المنتسبة إلى الإسلام من جهة والعقائد الاشتراكية الوافدة من جهة أخرى.
    شغل مدير مركز التعريب بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة.
    وفي سنة 1975 سجن بتهمة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم آنذاك ( هواري بومدين) حيث عارض فرض النظام الاشتراكي بالقوة على المجتمع الجزائري باعتباره خيارا لا يتماشى ومقومات الشعب الجزائري العربي المسلم، ودعا إلى توسيع الحريات السياسية والاقتصادية وحكم عليه بـ 15 سنة سجنا كما حكم على مجموعة من إخوانه بأعوام متفاوتة وكان بسبب رفض حركته الإسلامية لمنحى الميثاق المكرس للاشتراكية، وكان السجن فرصة ثمينة للاستزادة من العلم من جهة والمراجعة للطروحات الفكرية والسياسية من جهة ثانية، وقد تحول على يديه خلق كثير من السجناء من الانحرافات السلوكية وأصبحوا نماذج حسنة.
    الشيخ محفوظ نحناح عمل على تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية رغبة منه في إيجاد مرجعية دينية للجزائريين تحفظ الشعب والبلد من كل انحراف. ثم أسس جمعية الإرشاد والإصلاح هو ورفيقه الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته الجماعة المسلحة سنة 1994.
    ثم بعد ذلك أنشأ حزبا سياسيا سمي " حركة المجتمع الإسلامي " وانتخب أول رئيس له في 30 ماي 1991.
    ترشح للانتخابات الرئاسية التي جرت بالجزائر في نوفمبر 1995 وتحصل على المرتبة الثانية حيث تحصل على أكثر من ثلاث ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة، وتعتبر هذه الانتخابات أول انتخاب شارك فيه الإسلاميون في العالم الإسلامي بمرشح يحمل هذا التوجه.
    وقد شارك في عدة مؤتمرات وملتقيات دولية في أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا تتعلق بقضايا الإسلام والغرب وحقوق الإنسان والديمقراطية. والتقى أثناء زيارته لهذه الدول زعماء وكبار مسؤولي هذه الدول في كل من فرنسا وإسبانيا، السويد، الولايات المتحدة الأمريكية ، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، سوريا، الأردن, والمملكة العربية السعودية، السودان، قطر، الكويت، المغرب، ليبيا وغيرها من الدول.
    شارك بقوة في صيانة الدولة الجزائرية من الإنهيار ودافع عنها في المحافل الدولية وقدم في سبيل حماية واستعادة مؤسساتها الدولة والحفاظ عليها تنازلات كبيرة يعرفها الجميع.
    ومن أهم الطروحات التي يدافع عنها الشيخ محفوظ نحناح :الشورى، الديمقراطية، التطور، التسامح، التعايش، الاحترام المتبادل، احترام حقوق الإنسان، مشاركة المرأة في مجالات الحياة، احترام حقوق الأقليات، حوار الحضارات، توسيع قاعدة الحكم، التداول السلمي على السلطة، احترام الحريات الشخصية والأساسية، الوسطية والاعتدال، تجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وقد أدان الشيخ محفوظ نحناح العنف والإرهاب وكل مظاهر الغلو في الدين منذ بداياتها واعتبرها غريبة عن الإسلام والمسلمين وقد كرس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاثة عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة وقيم الوسطية والاعتدال وقد دفعت حركته ضريبة غالية أهمها اغتيال أكثر من 500 مناضل ومحب للحركة وعلى رأسها الشيخ الأستاذ محمد بوسليماني ، كما أن له مواقف واضحة من الاشتراكية والعلمانية والجهوية والصهيونية وقضية فلسطين وأفغانستان.
    ولقد تمكنت الحركة التي يرأسها الشيخ محفوظ نحناح بقيادته من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة حيث احتلت المرتبة الثانية الانتخابات الرئاسية حيث كان أحد المرشحين الأربعة والمرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية بمجموع 70 نائبا سنة، و1997 ، والمرتبة الثالثة في الانتخابات المحلية وشاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة الحالية السابقة وتشارك بثلاث حقائب في الحكومة الحالية الموسعة إلى سبعة أحزاب التحقت بمدرسة المشاركة. وهي الآن تشارك بـ 38 نائب برلماني بعد تشريعيات 2002 و أربعة وزارات وهي الأشغال العمومية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والصناعة وكذا الصيد البحري والموارد الصيدية .
    وهو يدعو دائما إلى ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية كما يدعو إلى التمييز بين ضرورة وجود الدولة وتقويتها ومنافسة ومعارضتها والمطالبة بخلعها وذهابها عند إساءتها.
    ويرى أن المشاركة في قاعدة الحكم أولى من الروح الإنسحابية أو المعارضة الراديكالية وقد بينت الأحداث صدقية هذا الإختبار.
    ولقد ألفت عنه عدة كتابات تعبر عن أفكاره منها: رجل الحوار، خطوة نحو الرئاسة، بالإضافة إلى مساهماته الثقافية في مختلف المجلات والجرائد العربية والملتقيات الوطنية والدولية والحوارات الإسلامية المسيحية في إيطاليا والسويد.
    كما كان موقفه من وقف المسار الانتخابي ويرى أن خطأ الحكومة الكبير لا يعالج بخطأ حمل السلاح وجز الرقاب وثقافة التدمير والحقد، وقد صرح أن الجيش سليل جيش التحرير يجب أن يعود إلى ثكناته بعد استتباب الأمن ولا يعقل أن يبقى الشعب من غير حماية في الشارع والقرية.
    صدر كتابه الأول في هذا الصدد تحت عنوان:


    " الجزائر المنشودة" المعادلة المفقودة: الإسلام..الوطنية..الديمقراطية".


    توطـــئة

    يعتبر الشيخ محفوظ نحناح جزءًا من ظاهرة الحركة الإسلامية المعاصرة، أو بالأحرى معلمًا من معالم حركات التغيير المنطلقة من ثوابت الأمة الإسلامية في العصر الحالي.

    والمثير في ظاهرة الشيخ محفوظ نحناح، هو ذلك النمط من التعامل من جهة، ومن الوسائل والأساليب التي اتخذها في عملية التغيير ومنهجية المعارضة السياسية، أو بالأحرى منهجية الإصلاح السياسي في وطنه الجزائر، وفي مسار الحركة الإسلامية عمومًا.

    فالشيخ محفوظ نحناح، انطلقت حركيته من مصادر فكره، فهو ابن المدرسة الإسلامية الأصيلة والطموحة نحو تطبيق حقيقي لنظرية 'الإسلام صالح لكل زمان ومكان'، وإخراجها من دائرة المجاملات، ومن دائرة النظري المثالي إلى دائرة التطبيق الواقعي.

    تأتي هذه الأوراق اليوم لإلقاء الضوء على هذه النمطية المتميزة في إدارة التغيير، وإدارة الإصلاح السياسي، وجمع المفارقات التي ظلت ما يقارب نصف قرن متناثرة في مفاهيم التيار الوطني والإسلامي، العربي، القومي، وكذا التيار النخبوي والشعبي، والتي انتظمت كلها في عقد واحد.

    ويضاف إلى ذلك أن الشيخ محفوظ نحناح أصبح مثار جدل ومثار التباس عند الكثير من الباحثين والمفكرين والدعاة بسبب بُعدهم عنه، أو بسبب العجز عن مواكبته، أو بسبب تنازع خفي تدفع إليه الرغبة في بسط السيطرة على العمل الدعوي والسياسي، وما يتطلبان من جهد لتوسعة التنظيم.

    فالشيخ محفوظ نحناح مثار جدل في نظرية التغيير بين خصومه وبين مؤيديه، صاحبت هذا الجدل وأضفت عليه نوعًا من التضخيم الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم الإسلامي والتي تعلقت بموضوع الإسلام والتغيير السياسي، والعنف الذي ارتبط بالإسلام، والإسلام السياسي، وتجارب الجهاد والنمط الثوري والعصيان المدني الذى ارتبط بموضوع الإسلام، ورد الفعل على الاستعمار الذي اعتدى على الشعوب الإسلامية، أو على الاضطهاد الذي مارسته الأنظمة على الحركات الإسلامية، والقمع الكبير الذي قمعت به هذه الحركات وقمع به الفكر الإسلامي وضيق عليه.

    هذه الموجة أضفت حقيقة التضخيم على أعمال الشيخ محفوظ نحناح التي اندرجت دائمًا في سياق جديد غير السياق المعهود في الحركات الإسلامية عبر العالم، كما صاحب هذا الجدل الكم الهائل من الشبهات والإثارات والتفسيرات المتناقضة لمواقف الشيخ محفوظ نحناح، التي عمدت بعض الأطراف الخصمة له- بسبب المنافسة والمزاحمة، أو الخصمة للإسلام وللجزائر- إلى تضخيمها ونشر الإشاعة والأراجيف حولها، وعمدت بعض الأطراف الإسلامية التي رأت في فكر الشيخ محفوظ نحناح المعتدل والمرحلي خطرًا على تطرفاتها وعلى آنيتها وعلى محاولتها في جني الثمار سريعًا، وعلى حساب إدخال البلاد وإدخال الشعب كله في متاهة الفتن، هذه الفتن التي وجدت دائمًا من فيهم القابلية لإذكائها أو الاقتيات منها.


    مولده ونشأته

    ولد الشيخ محفوظ بن محمد نحناح يوم 12-1-1942م، وكان مولده في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت التحولات السياسية والفكرية في الجزائر تتحدث عن مرحلة ما بعد الاستعمار ببداية اندحار فرنسا المستعمرة أمام دول المحور وانكشاف عورة الاستعمار الفرنسي وبداية العد التنازلي لفكرة الاستعمار الاستيطاني. وكان مولده في مدينة البليدة (الورود) التي تقع على بعد 50 كم جنوب العاصمة في بيئة إسلامية محافظة وفقيرة، في الجزائر، ونشأوتعلّم اللغة العربية في المدرسة الإصلاحية العربية (مدرسة الإرشاد) التي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن شخصية الجزائر العربية الإسلامية، أمام سياسة الفرنسة، وعاش إرهاصات الثورة الجزائرية وهو فتى، وعندما نشبت الثورة التحريرية الكبرى عام 1954 انضمّ إليها، وشارك فيها.أكمل تعليمه الثانوي في الجزائر، والتحق بكلية الآداب - قسم اللغة العربية في الجامعة الجزائرية عام 1966 حيث حصل على ليسانس لغة عربية، ثم سجَّل في جامعة القاهرة "قسم الدراسات العليا"، وفي فترة دراسته الجامعية بالجزائر، ساهم مع إخوانه في فتح مسجد الطلبة، حيث كان أول من خطب الجمعة بالمسجد المذكور. وساهم مع إخوانه محمد بوسليماني ومحمد بومهدي سنة 1962م في ثورة التحرير الجزائرية وهو في ريعان الشباب، حيث كان عمره 20 عاماً.

    شغل منصب مدير مركز التعريب في الجامعة المركزية في الجزائر العاصمة، وكان عضواً في رابطة الدعوة الإسلامية، ورئيس جمعية الإرشاد والإصلاح، ثم أسس حركة المجتمع الإسلامي (حماس) عام 1991 التي حوّلها إلى حركة مجتمع السلم (حمس) تماشياً مع قانون الأحزاب الجزائري الذي يحظر الأحزاب الدينية.


    شارك في انتخابات الرئاسة الجزائرية عام 1995 مقابل الأمين زروال، وحصل على ثلاثة ملايين صوت، حسب الإعلان الرسمي عنها، ولكنه في الواقع تجاوز هذا الرقم بكثير، ولكن الجنرالات الحاكمين في الجزائر زوّروا الانتخابات، وزعموا فوز منافسه اليمين زروال.

    ومما يتناقله الجزائريون، أن الرئيس زروال وقف مرة في وجه الجنرالات، وزعم لهم أنه رئيس منتخب، فقالوا له: أنت تعرف جيداً من هو الرئيس المنتخب، فسكت، ثم أطاحوا به.
    أسس التكوين الفكري للشيخ محفوظ نحناح

    الشيخ محفوظ نحناح نحت نحتًا، وكانت عصاميته أهم وأبرز عوامل التأثير في مساره السياسي، ولكن قوة التأثير التي كانت تتميز بها مرحلة التكوين السياسي للشيخ محفوظ نحناح، قوة التغيير لدى الزعماء الكبار في العالم الإسلامي كانت جد كبيرة وعلى رأس هؤلاء.


    1- رجالات الحركة الوطنية الذين عاصر الشيخ محفوظ نحناح بعضهم، وتربى في مدرسة الإرشاد التي هي مدرسة الحركة الوطنية، تلك الحركة التي كانت تتميز بتعددية وثراء كبيرين جدًا في التعامل السياسي وفي الرؤية السياسية، وبالرغم من أن الاستعمار فرض - خلال عدة محاولات- عملية المسخ داخل الأمة إلا أن الحركة الوطنية كانت تتميز بالصلابة، وتتميز بالواقعية التي صنعت جيلاً نستطيع القول أنه جيل الثورة الذي تشرب من الحركة الوطنية مفاهيم الوطنية ومفاهيم الإسلام واستحضر معاني الحرية والتحرر والانعتاق والكرامة الإنسانية والشخصية الوطنية ومفاهيم الثبات، ومفاهيم الاستقلال ومفاهيم الصراع، وبالرغم من اختلاف المدارس الموجودة فقد كانت الحركة الوطنية بكل شرائحها تفرض تغييرًا حقيقيًا وقويًا على السياحة التي استقوت في عملية التعبئة الجماهيرية بالشعار الثلاثي الرادع: 'الإسلام ديننا، العربية لغتنا، والجزائر وطننا'.


    2- القسم الثاني الذي كان له تأثير كبير جدًا في شخصية الشيخ محفوظ نحناح هو جمعية العلماء المسلمين، ذلك أن جمعية العلماء المسلمين جزء من الحركة الوطنية، إلا أنها تتميز بالإسلامية التي جعلتها نموذجًا آخر غير النموذج العادي في الحركة الوطنية، من خلال اقترانها [الإسلام[|بالإسلام]] واقترانها بالمفاهيم الإسلامية، وبالتربية الإسلامية، هذه التربية التي صاغها رجال كبار لهم تأثيرٌ كبير، وعلى رأس هؤلاء المؤثرين الفاعلين منهم في شخصية الشيخ محفوظ نحناح ثلاث:

    أولاً: الشيخ عبد الحميد بن باديس

    الرجل المؤسس لجمعية العلماء المسلمين والزعيم الروحي للجزائر ، والمفسر للقرآن والمصلح والداعية النموذج، الذي كان سلفي المنهج، صوفي الحياة، مجاهدًا ضد الاستعمار بكل ما أتاه الله من قوة، عامل وحدة وتجميع لكل علماء الأمة وعلماء الوطن، صاحب فضل على الحركة الإصلاحية في الجزائر بلا منازع.


    ثانيًا: الشيخ البشير الإبراهيمي

    الرئيس الأول لجمعية العلماء المسلمين، بعد الشيخ ابن باديس، وأحد مؤسسيها الرئيسيين، والرجل العالم الفذ الذي كان عملاقًا في مناحي الفكر والأدب واللغة والإصلاح، وكان صاحب صولة، ولعله أكثر الناس تأثيرًا في الشيخ محفوظ نحناح، وأقرب الناس إلى شخصيته، هو ذلك الرمز الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي نقل حقيقة الثورة الجزائرية وهموم الجزائر إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، وبذلك فكّ الحصار عن الجزائر تاريخًا وانتماء وثورة، وفجر برحلاته الوجدان الإسلامي الخامد بفعل الاستعمار.


    ثالثًا: الشيخ الفضيل الورتلاني:

    الرجل الذي تجاوز حدود الوطن ليصبح مصلحًا عالميًا وداعية من أهم دعاة الأمة الإسلامية، وسفير الإسلام في عدة دول، وأحد الرموز الذين ظل الشيخ محفوظ يعتبرهم من أهم أساطين التأثير في الحركة الإسلامية ومسار الحركة الإسلامية، والشيخ الفضيل الورتلاني، قرين للشيخ البشير الإبراهيمي، وأحد السياسيين المحنكين والعلماء الفطاحل والمصلحين المجددين الذين قاموا بالعمل الإصلاحي والتأثير في مدارس التغيير السياسي، وكان أكثر الناس احتكاكًا بمدارس التغيير في مصر واليمن وسوريا وفي تركيا وفي الجزائر طبعًا.

    وهذه الشخصيات الثلاث تعكس تأثير جمعية العلماء المسلمين في شخصية الشيخ محفوظ نحناح، ولكنها أيضًا ذات بعد شخصي أو تأثير شخصي متميز.


    مدرسة الإمام حسن البنا رمزٌ آخر للتأثير الإيجابي القوي


    إلى جانب ذلك تأثر الشيخ محفوظ نحناح بمدرسة حسن البنا ، مجدد القرن العشرين، وزعيم حركة الإخوان المسلمين، وأحد الذين نقلوا فكر الإسلام من النظرية إلى التطبيق، وأحد الذين عملوا على وحدة الأمة الإسلامية وتخليصها من الاستعمار، وعملوا أيضًا على طرح نظرية حقيقية متكاملة للبناء الإسلامي، والنظام الإسلامي في الدولة والمجتمع، بما لم يسبقه إليه غيره من المصلحين، وكان تأثيره بارزًا في حياة الشيخ محفوظ نحناح وفي عمله؛ لأن الإمام حسن البنا -رحمه الله- رغم هيامه بجغرافية مصر ودولتها وتاريخها العظيم، فإنه ليس رجلاً محدود العمل في دولة أو قطر، بل يملك نظرة عالمية، ونظرته في ضرورة الدعوة والإصلاح العالمي كانت ذات تأثير عالمي أيضًا، وكان الاعتدال الذي يتصف به الإمام حسن البنا والوسطية التي يتميز بها، والربط بين المعاصرة والأصالة، وضرورة أن يحمل المصلحون مشاعل الإصلاح من خلال وقود العصر، كان هذا له تأثير في حياة الشيخ محفوظ نحناح وفي فكره وممارسته، ويعتبر الإمام حسن البنا صاحب مدرسة أخرجت رجالاً آخرين مثل سيد قطب والشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي ومن شابههم، ولكن تأثير الإمام حسن البنا في الشيخ محفوظ نحناح كان متميزًا.


    ومن الأساتذة الذين تغذى من لبان وطنيتهم أستاذان جليلان:

    الأستاذ محمد محفوظي أحد أركان حزب الشعب ورمز من رموز المثقف المزدوج الرافض للاستعمار وسياسة الاندماج والثائر على الظلم والظالمين، وقد كان له تأثير كبير في فكر الشيخ محفوظ نحناح المتعلق بالثقافة والشخصية والمرأة واللغة العربية والوطنية، بحيث نهل على يديه هذه المعارف، فضلاً عن حضوره الدروس والخطب والمحاضرات التي كان يشرف عليها ويلقيها الأستاذ الثائر محمد محفوظي.


    وعندما امتد العمر بالشيخ محفوظ نحناح كتب الله له أن يتمتع بالفكر النير الثابت الذي تمثل في فكر الأستاذ المفكرمالك بن نبي، الذي أدى دورًا في تفتيق ذهن النخب الدعوية في ظروف تحولات وطنية عميقة.


    الشيخ الشعراوي

    وهناك شخصية عالمية أزهرية يمثلها العلامة الإمام محمد متولي الشعراوي الذي كان يلازم دروسه وندواته في العاصمة والبليدة، وكان يتشرب معاني القرآن الكريم ويتذوق ألفاظه على غير سابق من أهل التفسير، وقد كان لهذا العالِم النحرير تأثيرٌ في الساحة الجزائرية وفي نخبها، التي كانت تحضر ندواته وتتملى محاسن اللفظ العربي في القرآن الكريم في مرحلة تاريخية تتسم بتجسيد العودة إلى أصول الشعب الجزائري.


    أما الداعية الملهم الشيخ محمد الغزالي، فقد كانت كتبه مرجعًا له في فهم الإسلام منذ أن كان يدرس بعض فصول كتاب 'ظلام من الغرب' في دروس خاصة تحت قبة مسجد ابن سعدون بالبليدة، والذي أكدته المحبة المتبادلة واللقاءات المباشرة، بعد أن تيسر للشيخ الغزالي أن عين أستاذًا بالجامعة الإسلامية بقسطنطينة، فقد كان الشيخ نعم السند لهذا العالم الفذ الذي وجد خصومًا له من العلمانيين الاستئصاليين، وخصومًا آخرين من المنسوبين إلى الأصولية المتطرفة، ولله في خلقه شئون.


    • مدرسة الإمام ابن تيمية إشعاع التاريخ والنص

    وكان من أبرز من أثر في حياة الشيخ محفوظ نحناح تاريخيًا مؤلفات الإمام ابن تيمية - رحمه الله-، الذي قاد مدرسة للإصلاح والاجتهاد في ظرف تعطل فيه الاجتهاد الفكري، وحصل الجمود السياسي في الأمة، وكانت آثار مدرسة ابن تيمية بادية في فكر الشيخ محفوظ نحناح وفي اجتهاداته وفي تحرره الفقهي من المذهبية ومن الرؤى الضيقة من الحدود المعطلة للتغيير الاجتماعي والتغيير السياسي، والإمام ابن تيمية مدرسة، علاوة على أنها فكرية، ومدرسة سلفية فقهية، فهو مدرسة جهادية إصلاحية تغييرية وتربوية، وكان مصلحًا وصابرًا محتسبًا رغم الأذى الذي لحقه، ويتكرر هذا مع الشيخ محفوظ نحناح.


    فالشيخ محفوظ نحناح، كان عالمًا ومفكرًا وسياسيًا صابرًا على ما لحقه في السجن، ولم يتركه ذلك يحقد على ساجنيه، بل كان باستمرار يحمل شعار العفو، مستدلاً دائمًا بالقول المأثور عن سيدنا عيسي عليه السلام 'كلٌّ ينفق مما عنده'.


    ونستطيع القول: إن تأثير المدارس الفكرية، والمدارس السياسية لم يكن على الشخصية في حد ذاتها، ولكن كان تأثيرها على مدرسة محفوظ نحناح المتميز الآن بصيغ الحوار والانفتاح وصيغة المشاركة السياسية، وصيغة الاعتدال والسلم التي أصبحت مدرسة تكسر نمطية التعامل التي حلت في الدول الحديثة العربية والإسلامية بعد الاستعمار، نمطية الصراع بين السلطة وشعبها، إلى نمطية جديدة هي التعاون والتواؤم وتجميع الطاقات المختلفة والاتفاق في الحد الأدنى، ووجود مساحات وفضاءات جديدة للتلاقي والتعاون مبنية على أساس الحوار وعلى أساس الصراحة، وعلى أساس التوافق وعلى أساس الاحتكام إلى حريات الشعوب.
    مراحل التكوين والبناء

    لقد مرت مراحل تكوين الشيخ محفوظ نحناح الفكري والسياسي بعدة مراحل:


    1- كانت مرحلة النشأة الفكرية، وهي مرحلة التفاعل الحضاري الذي فرضه الاستعمار على الأمة الإسلامية، وولد فعلاً جهاديًا فكريًا ثقافيًا، رفض القابلية للاستعمار والخضوع له، وقاد هذا الفكر مجموعة من الفطاحلة، أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الحميد ابن باديس، والبشير الإبراهيمي، ومالك بن نبي، وأحمد عرابي، والبارودي، والشيخ المودودي، والشيخ السباعي، وعلماء العراق ، وعلماء سوريا، وزعمائها الوطنيين، وكذا أمثال الأمير عبد القادر رحمة الله عليه، والشيخ بوعمامة، فهذه الشخصيات كانت نماذج حقيقة من العديد من النماذج التي أثرت في عملية الرفض للمستعمر وفي التبعية، وهذا أنتج أمثال الشيخ محفوظ نحناح، وكان التفاعل يأخذ أكثر من شكل فكري، وسياسي ونضالي، قتال مسلح، وانتفاضات.


    2- كانت المرحلة الثانية، وهي مرحلة مشاركة الشيخ محفوظ نحناح في الثورة الجزائرية، هذه المشاركة التي صنعت منه الشخصية الملتزمة بمسئولية التغيير والقادرة على هذا التغيير، لأن الثورة الجزائرية ضربت أروع الأمثلة في القدرة على التغيير بأبسط الإمكانات، لأنها توفرت على الإرادة التي تضمنت قوة الرغبة في الاختيار، كما توفرت على العقيدة، والتنظيم، وضوح الهدف رغم قوة الخصم والعدو، وكل هذا أثر حقيقة في المنظومة الفكرية للشيخ محفوظ نحناح، وحولها إلى منظومة ديناميكية، لا تعيش الترف الفكري ولكن تعيش التغيير الفكري.


    3- كانت المرحلة الثالثة وهي مرحلة الاستقلال مرحلة أعطت فرصًا لإطارات الجزائر عمومًا، منها فرص التعليم الجامعي، هذه الفرص الجامعية التي أُعيد من خلالها تكوين إطارات الجزائر التي حرمها الاستعمار من الالتحاق بالدراسة، عوضوها بعد الاستقلال بالالتحاق بمقاعد الدراسة، حيث أصبحت فضاءات التدريس مركزًا حقيقيًا لتفاعل العلم مع التجربة الثورية، وتفاعل العلم مع التجارب العالمية الموجودة، وقد كان الشيخ محفوظ نحناح طالب أدب، وكان من الذين أسسوا المسجد الجامعي الأول 'مسجد الجامعة المركزية'، وكان أول من يحاضر فيه الأستاذ المفكر مالك بن نبي، الرجل المفكر الذي أثر في شخصية الشيخ محفوظ نحناح المتميزة، فمالك بن نبي صاحب تجربة فكرية رائدة، وكان صاحب علاقة مع بعض الأنظمة العربية، بحيث تمكن من الإطلاع على عمق تجربة ما بعد الاستعمار من ناحية، وتجربة الثورة الجزائرية من ناحية ثانية، وكان يقدم طروحات لتجديد الفكر ولتجديد النظام العربي والنظام الإسلامي، وفق محور (طانجا – جاكرتا)، ووفق نظرية التحالفات التي كان يطرحها كـ(الآفروأسيوية) التي كانت مقهورة أمام تجاذب قطبي الصراع: الاشتراكي والرأسمالي.


    كانت الجامعة محل صياغة الشخصية القيادية للشيخ محفوظ نحناح، والشخصية المستفيدة من التجربة العالمية في الحركة الإسلامية من ناحية ثانية.


    ثم جاءت مرحلة الثورة الزراعية أو الثورات الثلاث التي قام بها النظام آنذاك، والذي اتجه وجهة شيوعية اشتراكية، فرضت الوقوف في وجهها، فكان أحد الذين وقفوا ضد ظلم تأميم أملاك الناس، وضد التوجه الأيديولوجي للدولة الجزائرية بعيدًا عن ثوابتها، وضد الضغط الشيوعي على مسار الدولة الجزائرية، التي ارتمت في أحضان الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، بحكم الثورة وبحكم العلاقة مع روسيا والصين وكوبا، كان أحد الواقفين ضد هذا الاتجاه هو الشيخ محفوظ نحناح، والذي زج به في السجن مع مجموعة من خيرة مؤسسي حركته في بداية تأسيسها وفي سنواتها الأولى، 'التأسيس التنظيمي، والتأسيس السياسي' رغم المنع القانوني لهذا الموضوع.


    مرحلة ما بعد السجن، التي صيغت فيها شخصية الشيخ صياغة جديدة جمعت تجربة ما قبل الاستقلال وتجربة الاستقلال وتجربة الجامعة، وتجربة السجن والمعارضة التي اتخذت أشكالاً حادة في ذلك الوقت، وتجربة السجن في حد ذاتها كفترة للحرية والتفكير لإعادة الحسابات، وبدأت مرحلة ما بعد السجن تنسجم مع تطور كبير جدًا في الصحوة الإسلامية على مستوى الجامعات، وكان خروج الشيخ محفوظ نحناح من السجن بداية مرحلة جديدة لانتشار تنظيم الحركة التي أسسها وتوسع أفقها، وبداية طروحات فكرية متميزة على رأسها فكرة التنسيق العالمي والعلاقة مع التنظيمات الأخرى في الحركة الإسلامية العالمية، وعلى رأسها أيضًا المعارضة للسلطة، وكيفياتها، والإسلام السياسي وغير ذلك من المواضيع التي كانت ومازالت محل جدل حقيقي داخل الساحة الفكرية والساحة الحركية المتأثرة سلبًا وإيجابًا بما يجري في الساحة الدولية من أحداث جسام تستوجب التحليل وتعميق النظر في تفاعلاتها وانعكاساتها، وقد تنبه مبكرًا إلى ما يمكن أن يحصل من اندفاع أو انزلاق يتسبب في زعزعة الاستقرار بفعل فاعل، يقصد إجهاض الصحوة الإسلامية أو إثارة فتنة أهلية، أو الدفع نحو المجهول، خصوصًا وأن التجربة الأفغانية والإيرانية وزوال دولة الصومال ماثلة للعيان.
    مرحلة التعددية السياسية في الجزائر

    أفرزت التعددية السياسية في الجزائر تحديات جديدة:

    أ- التحدي الأول : هو التحدي ضد الإسلام، عندما أصبح الإسلام ممثلاً من عدة أطراف: بعضها متطرفة، وبعضها شعوبية، ووبعضها الآخر يتمثل في احتكار السلطة الجزائرية الإسلام بعيدًا عن ترقيته، مما فرض تحديًا جديدًا على حركة الشيخ وشخصيته، وفي هذه المرحلة نكاد نقول إن شخصية الشيخ ذابت في حركته، وأصبح رمزًا للحركة أكثر منه رمزا للشخصية الخاصة الذاتية المتميز بها.


    هذا التحدي على موضوع الإسلام، فرض مسئوليات جديدة: ضرورة حماية الإسلام من التطرف، حماية الإسلام من الغلو، حماية الإسلام من التشويه والانزلاقات التي كان يرى أنها ستعطي مسوغات للأنظمة الجائرة وأزلامها من العلمانيين فرصة الانقضاض على الحصون الإسلامية.


    ب- التحدي الثاني : هو المحافظة على الدولة الجزائرية، لأن طروحات التقسيم وطروحات اللادولة، وطروحات الفوضى في إدارة الدولة وتسيير الدولة، فرضت فرضًا جديدًا على الجميع، وهو حماية الدولة الجزائرية من الانهيار بعد عملية الانزلاق، مما اقتضى نوعًا من فقه الأولويات، فقه درء المفاسد المقدم على جلب المصالح، وبرز بما يسمى بالمشاركة، والذي يقوم على أساس واضح هو القول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، التعاون مع كل الأطراف سواء كانت في المعارضة أو في السلطة، تعاون على أساس المبادئ الوطنية المشتركة، ولعل هذا الموقع أصبح موقع الاعتدال الذي سيعاديه المتطرفون من كل لون.


    لقد أدرك محفوظ نحناح أن للتشدد أسبابًا ذاتية وسياسية وتحريكية داخلية وخارجية، لكن الشيخ يفقه جيدًا وبعمق أن آفة التشدد تعود في تكوينها ونشأتها، إلى أن ظرف التحول الذي عاشته الجزائر بعيد الإعلان عن الاستقلال كان أحد المكونات الأساسية لهذه الآفة، كما أن أجهزة الدولة الناشئة الفتية مرشحة لأن تتهم بأنها لم تقم بدورها في التحصين للذات الوطنية، ما عدا التغافل عن بناء المساجد التي تتطلبه وضعية الخروج من قبضة الاستعمار، كما أنها - أجهزة الدولة - لم تُعد الجرعة الكافية لحماية الأسرة والمجتمع والجامعة والإدارة والشباب، وانفسح المجال أمام الدعوات الهدامة والأفكار المادية المستوردة، بما جعل ذلك خميرة الفتن والأزمات، وبتوفر أجواء التغريب تتهيأ طرق الغلو والتشدد، غير أن ثمة من يذهب مذهبًا وجد له مسارات إعلامية تروج له، وهو أن التشدد مرده الفقر، والبيوت القصديرية، وأحزمة الفقراء حول المدن، وانعدام أسباب الحياة الرغيدة والكريمة، فضلاً عمن يقول إن السبب الأوحد: هو القمع، والبطش، والاقتصاد والتهميش وانتهاك حقوق المواطنة، والمحن واتساع هوة فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، والشعور باللهفة في كسر الجسور بينهما.

    في هذه المرحلة تحول الشيخ من شخصية وطنية أو من شخصية قطرية إلى شخصية عالمية، وأضفى هذا حقيقة إضافات على الشخصية في حد ذاتها وعلى الفكر في حد ذاته، فأصبحت اللقاءات والزايارات الدولية التي قام بها والمشاركة المتعددة في إدارة الفكر العالمي وفي مؤتمرات الفكر العالمي أصبحت ذات تأثير مباشر وواضح في مسار وتشكيل شخصية الشيخ محفوظ نحناح، وفي رؤاه السياسية، وفي مواقفه وفي وخطواته النضالية التي لم تستبعد التأثير الإقليمي والتأثير الدولي والتأثير الوطني، ولا تأثير المواقف المتخذة من طرف شخصيته في هذا المستوي وانعكاساتها على الوطن وعلى الإقليم وعلى الإسلام، وعلى التوجه الذي تسير فيه الحركة التي يترأسها الشيخ محفوظ نحناح، حركة مجتمع السلم.


    جـ- التحدي الثالث : تحدي الأزمة التي صاحبت الجزائر ، تضاف إلى هذا الموضوع، فالأزمة شكلت في شخصية الشيخ محفوظ نحناح توازنًا آخر، توازن الفتنة، وتوازن الأزمة التي تقتضي رؤىً جديدة، وتقتضي حسابات جديدة، وتأجيل عداوات، وتأجيل خلافات وربما تعاونًا مع الخصوم على أشياء مشتركة أو ضرورات مشتركة مثل ضرورة تمدين النظام السياسي، أو ضرورة التنسيق من أجل المحافظة على الحريات العامة والخاصة، أو ضرورة الإبقاء على الدولة وتقوية مؤسساتها، أو ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية، أو إصلاح شرعية الحكم المعطوبة، وهو الذي يمكن التمثيل له بالتحالفات التي قام بها الشيخ محفوظ نحناح في أكثر من اتجاه، ودعا إليها في أكثر من مناسبة.



    د- التحدي الرابع : تحدي رئاسة الجمهورية الذي كان هو النقلة النوعية التي انتقلها الشيخ محفوظ نحناح في مساره، ومسار الحركة الإسلامية، كأول زعيم إسلامي يترشح لرئاسة الجمهورية ويصوت عليه الشعب بأغلبية ساحقة، ويعرف الجميع ذلك، ولكن التزوير الذي حدث ضده من طرف النظام الذي كان حليفًا له، أثر حقيقة في شخصية الشيخ محفوظ نحناح وفي حساباته، وأثر في مسار الحركة تأثيرًا واضحًا، سواء في تعاطيها مع الضغط أو ردود الأفعال المتولدة لدى الشعب الجزائري اتجاه مثل هذه القضية، أو في موضوع الثقة في السلطة القائمة كشريك للمحافظة على هذه الدولة، التي هي دولة جميع الجزائريين، ومما أثر في هذا الأمر أيضًا، أن وزن الشيخ أصبح في الساحة الجزائرية رقمًا رئيسيًا، لا يمكن للحساب أن يكون بدونه، وهو ما اقتضى لدى خصوم الشيخ وعلى رأسهم متنفذون فاعلون في السلطة القائمة أن يطعنوا في شخصية الشيخ التاريخية وماضيه التاريخي، ويطعنوا في وجوده السياسي بمنعه من حق طبيعي دستوري في الترشح للانتخابات الرئاسية التي أصبح الجميع يعرف أنه إذا ترشح سيفوز بها.


    غير أن هذا الموضوع الحساس يجب أن يدرج ضمن مسلسل دولي لافت للنظر: فالسماح لـ أنور إبرهيم في ماليزيا ثم تنحيته وتشويهه، والسماح لـ نجم الدين أربكان وتنحيته ثم حرمانه من حقوقه السياسية، والدفع بالترابي إلى أن يؤسس شبه دولة ثم تنحيته، والضغط على الإصلاح في اليمن وإبعاده من الساحة، وتيسير الطريق أمام الجبهة الإسلامية وقياداتها ثم استبعادها بكل الوسائل الممكنة وإدخالها في النفق المظلم، وإقصاء راشد الغنوشي ومطاردته ومنعه وحصاره إعلاميًا وتشتيت رجاله، هذا وغيره يفرض نظرة فاحصة وتحليلاً عميقًا تتجلى به كثير من الحقائق التي يعجز ضيقو الأفكار أن يوفوها حقها من البحث والاستنتاج.


    هـ- التحدي الخامس : تحدي تخريب الإسلام : لقد لاحظ محاولات استبعاد الإسلام من الساحة، ثم محاولات الربط المتعمد بين التسييس والتحزيب، وأدرك أن التحزيب للإسلام ومقدساته يتسبب في مآسٍ على النفس والمجتمع والوطن، وظن التسييس من صلب الإسلام ، وما دام ثمة من يدعو إلى فصل الدين عن الدولة أو إفراغ الدولة من التدين أو احتكار الدولة للدين أو احتكار حزب ما للدين فإن الجميع - وشبه الجزائر- سيقع في أخطار الانقسام والتشرذم والتخلف.



    و- التحدي السادس : تحدي الربط بين ما هو طني وقومي وإسلامي : منذ عقد من الزمن تناثرت فكرة الوطنية والقومية والإسلامية حتى بلغ دعاة هذه التيارات إلى درجة الصدام، وضاعت المصالح المشتركة للأوطان والشعوب، وصار هذا الصراع تحديًا أمام الغيورين من أبناء هذا الوطن الإسلامي الشاسع، وبات الربط بين الوطنية والقومية والإسلامية يشكل (أسمنت) استقرار للوطن العربي والإسلامي، وفضيلة الشيخ محفوظ نحناح كان من دعاة هذا الربط عبر التأسيس لفكرة المؤتمرات لتجسير العلاقة بين القوميين والإسلاميين والوطنيين، لتتوج فيما بعد بمؤسسات وتنظيمات ترعى وتجسد الفكرة، لتحقيق مشروع تكامل بين كل أطياف التيارات السياسية في وطننا العربي والإسلامي بما يحقق التنمية والاستقرار.
    نشاطه العملي والدعوي

    كان رمزاً من رموز الحركة الإسلامية في الجزائر ، ممثلاً لنهج الإخوان المسلمين فيها، وكان عضواً في مكتب الإرشاد، وهو القيادة الجماعية للتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، كما كان عضواً في مجلس الشورى العام للتنظيم العالمي.


    اشتغل الشيخ نحناح في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من ثلاثين عاماً بدءاً من سنة 1964م بالتعاون مع رفيقه الشيخ محمد بوسليماني، حيث وضعا اللبنة الأولى للجماعة الإسلامية في الجزائر.


    قاوم المد الثوري الاشتراكي والثقافة الاستعمارية الفرنسية. وكان من أشد معارضي الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين في توجهاته العلمانية الاشتراكية، ومحاولته فرض النظام الاشتراكي بالقوة على المجتمع الجزائري العربي المسلم، ودعا إلى توسيع نطاق الحريات السياسية والاقتصادية، فاعتقله بومدين، وقدّمه إلى محاكمة عسكرية هي صورة عن المحاكم العسكرية في سائر الأنظمة العسكرية الانقلابية (التقدمية) في الوطن العربي الكبير، واتهمه بمحاولة قلب نظام الحكم، وهي التهمة نفسها في سائر تلك الأنظمة البائدة والحالية، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً سنة 1975 وتعرّض ومن معه لألوان التعذيب الوحشي، لعله يتراجع عن موقفه ضد الاشتراكية العلمانية، ولكنه أبى وازداد تشبثاً واقتناعاً بموقفه، وكانت صلابته في الحق مثار إعجاب بعض سجانيه وجلاديه، ومثار إغضاب بعضهم الآخر ونقمتهم عليه، فصبّوا عليه العذاب صبّاً.


    وبعد انتهاء (التحقيق) وما رافقه من تعذيب وحكم واستقرار في قاع المعتقلات، لم يضع الشيخ محفوظ وقته وعمره سدى في عفونة الزنازين، بل بادر إلى نفسه يعالجها بالقرب من الله، والإقبال على العبادة، وتلاوة القرآن الكريم وحفظه، وتثقيف نفسه، من خلال التهام ما يقع بين يديه من الكتب، وفكّر ملياً في الفكر المطروح، وفي النظريات المطروحة على الشعب من الماركسيين والفرانكفونيين المستغربين، وزادته طروحاتهم الوافدة بعداً عنهم، وتمسكاً بدينه وعروبته، وبدأ يعمل مع من معه من السجناء والمعتقلين، يثير عقولهم، ويحرك قلوبهم، حتى اهتدى عدد منهم على يديه، وتركوا ما كانوا عليه من انحرافات سلوكية، وهذه هي المدرسة اليوسفية، صبرٌ على البلاء والأذى، ودعوةٌ إلى الله، وهداية الضالين، وإقبال على النفس تثقيفاً وتزكية وإعداداً لها لقابل الأيام، ولذلك لم يحقد على ساجنيه، بل سامحهم وعفا عنهم، وهذا ما لم نقدر عليه نحن.


    من عجيب أمر الله تعالى في الشيخ محفوظ، أنه عندما كان معتقلاً في مدينة (الأصنام) تعرّضت المدينة إلى زلزال مدمر، ترك الشيخ فجأة في العراء، وقد تساقط كل ما حوله، وفرَّ السجانون ومن بقي من السجناء على قيد الحياة، بينما ظلّ الشيخ محفوظ ساكناً في مكانه، ينتظر عودة السجن والسجانين.


    وبعد موت بومدين، أطلقوا سراحه عام 1980 بعد خمس سنين أمضاها في سجون الظالمين.

    وقد ساهم في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية مع صفوة من علماء الجزائر ودعاتها منهم الشيخ أحمد سحنون رئيس الرابطة، والشيخ عبدالله جاب الله ، والشيخ علي بلحاج والشيخ محمد بوسليماني ، والدكتور عباسي مدني ، وغيرهم، كما ساهم في تأسيس جمعية الإرشاد والإصلاح سنة 1988م مع زميله الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته جماعة مسلحة سنة 1994م. ويمتاز الشيخ نحناح بقدرة هائلة على الاتصال والتنقل، فقد زار القارات الخمس داعية وحاملاً رسالة الوسطية والاعتدال، كما طاف كل محافظات الجزائر وأسس فيها أنشطة دعوية وتربوية وخيرية متنوعة.


    كما أنشأ الشيخ النحناح "حركة المجتمع الإسلامي" سنة 1991م وانتخب رئيساً، وقد تغير اسمها إلى "حركة مجتمع السلم" بعد صدور قانون جزائري يحظر استعمال وصف "إسلامي" على الأحزاب.


    ولقد كانت مواقف الشيخ نحناح تتسم بالاعتدال والتوازن، فقد عارض موقف الحكومة من الانتخابات، كما اعترض على دعاة العنف وحمل السلاح.


    وهو الذي صاغ بيان التجمع الإسلامي الكبير سنة 1980م، كما نظم أول مهرجان إسلامي سنة 1988م، ونادى بإنشاء رابطة تجمع كل الدعاة من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية سنة 1989م، كما أنه انضم إلى علماء العالم الإسلامي في توقيع وثيقة ترفض التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين واعتبرها وقفاً إسلامياً.


    ويعتبر محفوظ نحناح أول زعيم حركة إسلامية في العالم العربي يتقدم للترشح لرئاسة الجمهورية.

    والحق يقال: إن الشيخ محفوظ نحناح فيه من مواصفات الزعامة والقيادة ورباطة الجأش وقوة التحمل والصبر على المكاره ما يرشحه للأمور العظيمة والأحداث الجسام.


    فهو كفء لذلك، وأهل لتحمل التبعات والتكاليف لأنه من فرسان هذا الميدان.
    أفكاره وطروحاته من أهم الطروحات التي يدافع عنها الشيخ محفوظ نحناح هي: الشورى ، والديمقراطيه، والتطور، والتسامح، والتعايش، والاحترام المتبادل، واحترام حقوق الإنسان ، ومشاركة المرأة في مجالات الحياة، وحوار الحضارات، واحترام حقوق الأقليات، وتوسيع قاعدة الحكم، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الحريات الشخصية والأساسية، والوسطية والاعتدال، وتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم.


    وكان يرى ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية، ويدعو إلى التمييز بين ضرورة وجود الدولة وتقويتها ومنافستها ومعارضتها والمطالبة بخلعها وذهابها عند إساءتها، ويرى أن المشاركة في قاعدة الحكم أولى من الروح الانسحابية أو المعارضة الراديكالية.


    وكان موقفه واضحاً من وقف المسار الانتخابي بالجزائر ويعتبره خطأ كبيراً من الحكومة، ولكنه لا يرى معالجة خطأ الحكومة بحمل السلاح وجزّ الرقاب والحقد والتدمر.


    وفيما يتعلق بالغزو الأمريكي للعراق، فقد كان واضحاً غاية الوضوح، حيث دعا إلى بلورة موقف متقدم لقوى الأمة العربية لضمان حركة المعارضة للاحتلال الأمريكي للعراق ومواجهة إستراتيجيات الهيمنة على الأمة العربية والإسلامية.


    وقد طالبت حركته "مجتمع السلم"" بفتح قنوات الحوار أمام الجميع وإيقاف حملات العنف والعنف المضاد، والتكفل بالعائلات المتضررة من جراء المأساة الوطنية ورفع العقوبات التعسفية التي طالت بعض المواطنين من جراء انتماءاتهم السياسية، وتعويض المتضررين منهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وسجناء الرأي، بالتوازي مع إقامة محاكمات عادلة للمتورطين في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين. والعمل الجاد والعودة بالبلاد إلى الوضع المستقر الآمن الذي يعيش فيه المواطن وهو آمن على نفسه وأهله من تغوّل السلطة أو استهداف المخرِّبين. وضرورة انصراف الحكومة إلى تأمين احتياجات المواطنين الجزائريين ورفع العنت والظلم عنهم وتيسير سبل الحياة الكريمة لهم، ولكل طبقات الشعب دون استئثار أو تفضيل لطبقة على طبقة أخرى، أو الاهتمام بشريحة من المواطنين دون أخرى، فالحكومة مسؤولة عن جميع المواطنين دون استثناء أو تمييز.

    شيوخه لقد تأثر الشيخ محفوظ نحناح ب"مدرسة الإرشاد" التي هي مدرسة الحركة الوطنية، وشعارها: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا" كما تأثر النحناح بـ"جمعية العلماء المسلمين" التي هي جزء من الحركة الوطنية، إلا أنها تتميز بالإسلامية التي جعلتها نموذجاً آخر غير النموذج العادي في الحركة الوطنية، ومن زعماء هذه المدرسة الشيخ عبدالحميد بن باديس الزعيم الروحي الجزائر ، والمفسر للقرآن والمصلح والداعية الذي كان سلفي المنهج، صوفي السلوك، مجاهداً ضد الاستعمار، ومن زعماء هذه المدرسة الشيخ البشير الإبراهيمي العالم الفذ في الأدب واللغة والإصلاح والفكر، وصاحب الصولات والجولات الذي نقل حقيقة الثورة الجزائرية، وهموم الجزائر إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن زعماء هذه المدرسة أيضاً الشيخ الفضيل الورتلاني الذي تجاوز حدود الوطن ليصبح مصلحاً عالمياً وهو قرين الشيخ الإبراهيمي وأحد السياسيين المحنكين والعلماء الفطاحل والمصلحين المجددين، ترك آثاراً وبصمات في مصر واليمن وسورية وتركيا والجزائر.


    وهؤلاء العلماء الثلاثة من جمعية العلماء المسلمين كان لهم التأثير الكبير في شخصية الشيخ محفوظ نحناح، بالإضافة إلى الأستاذ مالك بن نبي والإمام الشهيد حسن البنا ، والشيخ محفوظي الجزائري والشيخ محمد متولي الشعراوي ، والشيخ محمد الغزالي ، فضلاً عن المؤلفات القيمة للإمام ابن تيمية التي نهل منها الأستاذ النحناح ودأب على دراستها.



    هذه الشخصيات والمدارس الفكرية كان لها أبرز الأثر في تكوين شخصية الشيخ محفوظ نحناح وتحديد مسارها وانطلاقها في حقل الدعوة الإسلامية المعاصرة.

    فالإمام الشهيد حسن البنا مجدد القرن الرابع عشر الهجري، الذي نقل فكر الإسلام من النظرية إلى التطبيق، وعمل على وحدة الأمة الإسلامية وتخليصها من الاستعمار بكل أشكاله، كان له تأثير كبير جداً على الشيخ محفوظ نحناح حيث سلك طريقته ومنهجه وأسلوبه في الدعوة إلى الله، لأن الإمام حسن البنا ليس رجلاً محدود العمل في دولة أو قطر، بل كان يملك نظرة عالمية، تجمع بين المعاصرة والأصالة وهذا ما سار عليه الشيخ محفوظ نحناح وبخاصة بعد ارتباطه العضوي بحركة الإخوان المسلمين العالمية.


    وكان يفقه مقولة الإمام الشهيد حسن البنا في توجيه الشباب حق الفقه ويضعها نصب عينيه إذ يقول الإمام البنا: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ولا تصادموا نواميس الكون، فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد".

    صفاته من صفاته الخَلْقية التي تلفت الانتباه إليه، مظهره الأنيق، فلا تكاد تراه إلا في هندام كامل؛ بذلة حديثة مكويّة، وربطة عنق محكمة جميلة ومتلائمة الألوان مع البذلة، ولحية لطيفة أعمل بها المقص تهذيباً وتشذيباً، وشعرٌ مرّ عليه المشط من قريب، فبدا مرتّباً، وقد زانه الشيب وزاده وقاراً، وحذاء ملمّع.


    يستقبلك بابتسامته العريضة التي لا تكاد تفارقه حتى في أقسى الظروف الملمّة به، كالمرض الشديد، والهموم العاتية.

    إذا حدّثته عما تعانيه الدعوة والدعاة في بلدك أو ما يصيب المسلمين في العالم من مصائب، سالت دمعته حزناً وألماً. منذ اللحظات الأولى معه، تعرف أنك أمام محاور متمرس، ولطيف، يعطيك من الوقت ما تريد حتى تنتهي من شرح فكرتك، ثم يستأذنك في الكلام، ويدلي بدلوه فيه بوضوح، وبلا لفٍّ ولا دوران، تحسّ باحترامه لمحاوره، كائناً من كان، فهو محاور ذكي، وذو عقل منظم يفرض احترامه على من أمامه.
    وتحسّ أنه زاهد في الحديث عن نفسه، وفي أن يرجع الفضل إليها في أي عمل من الأعمال، فهو ليس من الذين يحبّون أن يُحْمَدوا فيما فعلوه أو لم يفعلوه. يبتعد عن الأضواء والمباهاة، ولا يجرّح خصومه وأعداءه، فضلاً عن إخوانه وأصدقائه المخالفين له في الرأي، متأنٍّ، لا يستعجل قطف الثمار في حواره ومواقفه.


    هادئ في سائر أحواله هدوءاً يدل على استقرار نفسي.

    وذو روح مرحة، ودعابة مهذّبة حاضرة، يلقي النكتة، ويتلقّاها في سرور، وقد يتفاعل معها فيتجاوز الابتسام إلى الضحك الوقور.

    متواضع لإخوانه؛ محبّ لهم، يشاركهم في سرّائهم وضرّائهم، ومواقفه مشهودة مع إخوانه التونسيين الممتحنين.

    مثقف ثقافة عالية، شرعية، وأدبية، وسياسية، واجتماعية، يظهر هذا في أحاديثه وكتاباته.

    يتميز بمرونة عجيبة إلا في الثوابت التي يبدو مقاتلاً شرساً في الدفاع عنها، ومن أهمها، انتهاك حرمات الله، وإراقة الدماء، وفيما يعتقد أنه حق ومصلحة.

    شجاع مقدام في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور.

    همومه هي هموم شعبه وأمته، وكان من العبّاد، محافظة على الفروض والنوافل والأوراد، ودعوة إخوانه ومن يحبّهم إلى التمسّك بها. وكان فصيح اللسان، واضح البيان، بعيداً من الرطانة والعجمة اللتين تسمعهما من الذين رُبّوا أيام الاستعمار الفرنسي على النطق بالفرنسية التي فرضوها لغة رسمية في بلاد العرب والمسلمين في الجزائر. إذا خطب شدّ إليه الأسماع والأبصار،

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بعد رحيل محفوظ نحناح...

    مُساهمة  Admin في الجمعة 6 مايو 2011 - 20:33

    كان الشيخ محفوظ نحناح الرقم الصعب في المعادلة السياسية الجزائرية.

    وبوفاته الأسبوع الماضي، تغيرت معطيات كثيرة داخل التيار الإسلامي، وأخرى تتعلق بكيفية تعامل الحكومة الجزائرية مع الإسلاميين بشكل عام.


    من المسلم به أن الإسلاميين الجزائريين يشكلون تقريبا ثلث القوة الانتخابية، وهي قوة أصبحت تدخل في حسابات الحكومة والرئاسة وخصوم الإسلاميين أنفسهم.

    غير أن سبب هذه القوة غالبا ما يُتناسى أو أن العلم به قليل، وهو أن الشيخ محفوظ نحناح كان أول من أدخل مفهوم الإسلام السياسي للجزائر نهاية ستينات القرن الماضي، كما كان أحد أهم الدعاة لمنهج الإخوان المسلمين في الجزائر.

    فبعد استقلال الجزائر عام 1962، كان هناك إسلاميون ينتمون إلى الجيل الذي تربى في مدارس جمعية العلماء المسلمين التي أنشأها الشيخ عبد الحميد ابن باديس. وكان نحناح تلميذا لشيوخ هذه المدارس أمثال الشيخ المصباح والشيخ العرباوي، غير أنه زاد عليهما باتصاله بالإخوان المسلمين في مصر وسوريا.

    وبسبب طبيعة النظام السياسي والأمني، سرعان ما وُضع نحناح في سجلات مصالح الأمن على أنه معارض للنظام الاشتراكي وللرئيس الراحل هواري بومدين.

    وكان نحناح أول من أنشأ خلايا ما يعرف الآن بالحركة الإسلامية الجزائرية، والسبب ليس قصور فهم شيوخ جمعية العلماء لكيفية إنشاء الخلايا، بل لأن الجيل تغير ولم يعد قُـدوة الإسلاميين الشيخ محمد عبده والمصلح جمال الدين الأفغاني، بل أضيفت إليهما قائمة طويلة تضم الشيخ حسن البنا، وسيد قطب، ومحمد فرغلي، وعبد القادر عودة وغيرهم.

    وكان الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين متسامحا مع التيارات السياسية، حتى فترة إقرار الدستور الاشتراكي عام 1976. وقد ندد بالدستور الجديد الليبراليون الذين أممت أراضيهم وأملاكهم، ونددت به أيضا الحركة الإسلامية الناشئة التي لم يكن زعيمها الروحي، رغم صغر سنه، سوى الشيخ محفوظ نحناح.

    بداية مسيرة طويلة

    غضب بومدين من نحناح وأتباعه وأدخلهم السجن، وحكم على نحناح بخمسة عشر عاما نافذة. غير أن فترة السجن هذه، ولدت واقع التيار الإسلامي اليوم بعد حوالي 30 عاما.

    ظهرت داخل السجن خلافات بين الإخوان المسلمين، أنصار التيار العالمي، وزعيمهم الشيخ نحناح، وتيار إخواني وليد عُـرف بتيار "الجزأرة"، تلاميذه من شيوخ جمعية العلماء المسلمين تماما كما الشيخ نحناح، غير أنهم لا يرغبون في ارتباطهم تنظيميا بمصر ولا بسوريا، لأنهم رأوا أنهم يملكون القدرة على تسيير أنفسهم بأنفسهم.

    وكان عباسي مدني الذي أصبح فيما بعد زعيما للجبهة الإسلامية للإنقاذ مؤيدا لهذا التيار الجديد، وكانت فترة السجن أول مرة يتمرد فيها بعض التلاميذ على شيخهم.

    وبعد وفاة بومدين نهاية عام 1978، تولى الشاذلي بن جديد الرئاسة وأطلق سراح الإسلاميين بمن فيهم الشيخ محفوظ نحناح. وبعد خروجه من السجن وجد نحناح نفسه مع ظاهرة أخرى وهي أن بعض خلاياه التي لم تتفطن لوجودها قوات الأمن، تشيعت أثناء فترة سجنه وتأثرت قلبا وقالبا بالثورة الإسلامية في إيران.

    ثم ما لبث أن ارتفع نجم الشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الإسلامية حاليا، وهو أحد أبناء دعوة الشيخ نحناح لتيار الإخوان المسلمين.

    وقبل به الجميع كرأس للتيار الإسلامي الجزائري، غير أن رغبة نحناح في النظام المطلق لم تسمح له بقبول فكرة ظهور قيادات جديدة مثل جاب الله أو محمد السعيد، زعيم تيار "الجزأرة".

    وكانت القيادات الجديدة، تتعامل مع نحناح على أنه الأستاذ وهم التلاميذ، غير أنهم كانوا يناقشونه ويطرحون أفكارا جديدة تتعلق بالعمل المسلح أو التحضير للثورة على النظام.

    لم يكن الشيخ محفوظ نحناح مقتنعا بجميع الأفكار الجديدة، لأنه كان يراها غير مناسبة وأنها ستجلب الدمار للجزائر. وزاد الشقاق بين الإسلاميين بعد تجمع الجامعة المركزية وسط العاصمة عام 1982، عندما طالب الإسلاميون الشيعة وتنظيم "الجزأرة" وبعض الإخوانيين، دون تعاون كبير مع الشيخ نحناح، الحكومة بتطبيق الشريعة الإسلامية وأدى التجمع إلى سجن بعضهم، من بينهم عبد الله جاب الله.

    وفي أواسط الثمانينات، كانت المساجد تنشط بحرية، وكان الرئيس بن جديد يغض الطرف عنها، غير أن مصالح الأمن كانت تراقب صراع الأفكار بين الإسلاميين وأثر ذلك على النظام بشكل عام.

    ومن ناحية السلطات السياسية، تعاملت أجهزة الدولية بتسامح كبير مع الشيخ نحناح، وفي المقابل، أبدت تشددا كبيرا تجاه تيارة "الجزأرة"، أو الشيعة والمجموعات الأولى للسلفيين السياسيين وزعيمهم الجديد الشيخ علي بن حاج.



    ()
    "الشورقراطية"!

    وقد كان نحناح أكثرهم هدوءً وقبولا للحوار مع السلطات بسبب اقتناعه بفكرة العمل خطوة خطوة، وبفكرة المشاركة السياسية. كانت هذه الأفكار، وخاصة تطبيقها، بمثابة الردة عند بعض الإسلاميين الذين لم يترددوا في وصف النحناح بأنه عميل للمخابرات الجزائرية.

    يضاف إلى هذا، التأصيل الشرعي للعمل السياسي من قبل تنظيم "الجزأرة" والسلفيين. فأصبح التحرك السياسي عند الكثير من الإسلاميين، ليس مجهودا فكريا وضعه الإخوان المسلمون وأدخله باسمهم إلى الجزائر الشيخ محفوظ نحناح، بل واجبا شرعيا منصوصا عليه في الكتاب والسنة، وأن عمل الإخوان المسلمين لم يكن سوى تحصيل حاصل.

    شهدت نهاية الثمانينات صراعا فكريا هادئا بين التلاميذ وأستاذهم، أظهر فيه الجميع قدرة فكرية كبيرة أصبح من الصعب بعدها التمييز بين زعامة هذا وذاك.

    ولم تنفجر العلاقات بين الطرفين إلا بعد إقرار التعددية السياسية عام 1989 من قبل الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، حيث رفض السلفيون و"الجزأرة"، التعامل مع نحناح بسبب مواقفه اللينة ودكتاتوريته التي لا تطاق، حسب تعبيرهم.

    كما فضل عبد الله جاب الله التغريد خارج السرب أيضا، وأنشأ تنظيمه الخاص به. ودفعت هذه الأوضاع بالشيخ نحناح إلى تأسيس حركة سياسية منفردة عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي حركة المجتمع الإسلامي، "حمس".

    ومنذ إلغاء انتخابات عام 91 البرلمانية، والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كان نحناح مؤيدا للحوار مع قادة الجيش وربط صداقات وثيقة معهم، وكانت حجته أمام خصومه من الإسلاميين الذين فضلوا حمل السلاح هي، "أنكم لن تسقطوا النظام بسبب الفوضى الداخلية التي في صفوفكم وعملي هذا أريد به إبقاء الحركة الإسلامية على قيد الحياة."

    لم يقبل نحناح عروض التمرد أو تهديدات بعض الإسلاميين المسلحين الذين قتلوا أكثر من أربع مائة مناضل في تنظيم محفوظ نحناح خلال سنوات الأزمة الجزائرية. ففي الواقع، لم يقتنع أصحاب القرار في الجزائر بسياسة تجفيف منابع الإسلاميين، لأنهم عرفوا أن عددهم ضخم ومن الصعب القضاء عليهم أو تحجيم دورهم بالعنف فقط.

    لذلك، قبلوا عروض نحناح بالتعاون معهم، وهم في نفس الوقت، يخوضون حربا شرسة شعواء مع الإسلاميين المسلحين الذين كان من بينهم قياديون في تنظيم "الجزأرة" وسلفيون، بالإضافة إلى تنظيم التكفير والهجرة الذي لم يكن أحد وراء نشأته سوى الجهل والأمية.

    وبقبول نحناح وأصحاب القرار بالحوار والتعاون، أصبح الإسلاميون، أو جزء منهم، رقما مهما في المعادلات السياسية الحكومية، التي فرقت بين محفوظ نحناح المعتدل، وعلي بن حاج المتشدد.

    يكمن الخلاف في المعادلة الإسلامية الجزائرية الداخلية في كيفية تصور العمل داخل نظام لا يحكم بالشريعة الإسلامية. فبينما يرى نحناح أن الموضوع ليس صعبا وأن الإسلاميين يجب عليهم ممارسة الحكم قبل التفكير في إقامة دولة، يرى بقية الإسلاميين أن المشاركة في حكومة لا تطبق الشريعة الإسلامية كفر صريح لا شك فيه.

    فكان أن شارك نحناح في كل الانتخابات البرلمانية في التسعينات، بل وشارك في الانتخابات الرئاسية. ثم ما لبث أن اقتنع الشيخ عبد الله جاب الله بجزء من أفكاره ونسج على منواله.

    وكان الشيخ محفوظ نحناح رقما أساسيا تحتاج إليه الحكومة والرئاسة وغيرهما في بناء توازن سياسي وانتخابي يُصبح الإسلاميون بموجبه في المركز الثاني، مهما كان الحدث السياسي، انتخابات أو غيرها، وهو ما حدث في انتخابات عام 1995 الرئاسية، حيث حل النحناح في المركز الثاني خلفا للرئيس السابق ليامين زروال، وتنظيمه ثانيا في الانتخابات البرلمانية عام 1997، وحل الإسلاميون في المركز الثاني خلال الانتخابات البرلمانية والبلدية لعامي 2001 و2002.

    وضع أفـرَح نحناح الذي ربح رهان إقحام الإسلاميين في المشاركة السياسية عبر البرلمان والحكومة من دون عنف وأصبح لديه وزراء يزعجون بعض المرتشين داخل الإدارة، وبات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعتمد عليهم في المشاريع الكبرى التي لا تتحمل الرشاوى لأنها قد تصبح فضيحة عالمية، مثل مشروع إنشاء الطريق السريع "شرق غرب"، الذي سيربط الحدود الشرقية للجزائر مع تونس بحدودها الغربية مع المغرب ومسافته 1200 كلم، والذي أوكل بوتفليقة بمهمة الإشراف عليه لوزير من وزراء تنظيم نحناح وهو عمر غول. غير أن هذا الوضع الذي أفـرَح نحناح، أغضَـب بقية الإسلاميين الذين رأوا أنهم أقوى وأكبر من المركز الثاني الذي أصبح حِـكرا عليهم.

    وهناك من يرى أن وفاة الشيخ نحناح تمثل فاجعة للمعتدلين الجزائريين، ليس لأن فكرة موت الزعيم غير مقبولة، بل لأنهم لا يملكون زعيما كاريزميا بحجم الشيخ نحناح.

    لذلك، رأى المراقبون أن حركة مجتمع السلم تعيش الآن مرحلة تاريخية صعبة قد تعني استمرارها أو ضياعها، لأنها ملزمة بالبقاء على نهج نحناح. غير أن الخلافات الداخلية قد تؤثر عليها بسبب وجود تياري المحافظين والمجددين. كما أن حسابات أصحاب القرار في الجزائر، ستتغير تجاه الإسلاميين الذين لم يبق من قياداتهم سوى من يريد زوال النظام في المدى القريب أو المتوسط.

    مواقف قد تغير من مركز الإسلاميين الجزائريين من المركز الثاني إلى مركز آخر لن يحدده أصحاب القرار لوحدهم، بل كيفية تتابع الأحداث أيضا. كما أن الأشهر المقبلة ستحدد صحة أو خطأ وجهة نظر الشيخ محفوظ نحناح تجاه الحياة السياسية الجزائرية.

    هيثم رباني - الجزائر

    Key facts

    ولد الشيخ محفوظ نحناح في 27 يناير 1942 بمدينة البليدة
    تحول اسم حزبه "حمس" عام 1999 إلى حركة مجتمع السلم
    ترشح للانتخابات الرئاسية عام 1995
    توفي في 19 يونيو 2003


    قراءة متأنية للتحوّلات الجارية في المنطقة العربية من خلال تقييمات وتحليلات خبراء سويسريين وعرب.


    يقدم هذا الدليل فكرة شاملة على النظام السياسي في سويسرا، وعلى مفهوم الحياد، والقوانين المنظمة للجنسية، والخدمة العسكرية والعلاقة بين السلطات.


    فضاء مفتوح للتواصل وتبادل الآراء حول الشؤون السويسرية والعربية بين ما يزيد عن 93.000 عضوا .
    معارض صور
    معارض صور

    زيارة إلى داغاهالي


    "تستقبل" مدينة لوتسرن السويسرية أحد أكبر مخيمات اللاجئين في العالم.


    تريد ان تتعرّف على الجغرافيا السويسرية، أو كيفية الحصول على تأشيرة دخول إلى البلاد، أو أي معطيات عامة أخرى. هنا تجد الجواب.


    حالة الطقس الآن والتوقعات للأيام القادمة ودرجات الحرارة وسرعة الرياح..

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وفاة الشيخ محفوظ نحناح خسارة للإسلام والمسلمين

    مُساهمة  Admin في الجمعة 6 مايو 2011 - 20:36

    محمد المهدي ولد محمد البشير20/6/2003

    لقد رحل الشيخ الفاضل محفوظ نحناح الرجل الأمة العالم الأديب والمفكر الإسلامي الأصيل، والمؤمن الصادق في إيمانه والمحاور البارع والسياسي الفذ ذي البصيرة النافذة والحكمة الراسخة والنظرة الصائبة
    والعقل المتقد فطنة وذكاء، والقدرة الفائقة على الاستقطاب والجمع والتكوين والتربية والإرشاد، والموازنة بين المصالح والمفاسد، واستشراف المستقبل، والشجاعة في اتخاذ القرارات الجريئة والصدع بكلمة الحق أمام الجميع، بعيدا عن الأفعال المتسرعة والانجراف خلف العواطف والانفعالات و ردود الأفعال، والصبر على الأذى والصفح عن الخصوم.
    لقد أفل البدر المنير الذي كانت تزدان به سماء الجزائر منذ ستين سنة ، وانطفأ القبس المتلألئ الذي طالما أنار الطريق للسالكين واهتدى به الحيارى وثاب إليه المؤمنون، ليقتبسوا منه الإيمان والعلم والتقى، وانهد الطود الشامخ الذي كان المسلمون يلوذون به إذا ما ادلهمت الخطوب، و نضب المعين الثر الذي لا تكدره الدلاء - رغم كثرة الواردين- في صمت حزين بالنسبة إلى من عرفوه، و لكنه سعيد بالنسبة إليه؛ لأنه رحل إلى العالم الذي ظل يشد رحاله منذ ستين سنة ليصل إليه؛ وانتقل إلى الدار التي أمضى حياته كلها يبنيها لبنة لبنة، دار الآخرة و عالم الخلود الذي أعده الغفور الودود لعباده المؤمنين.
    لقد توفي الشيخ محفوظ نحناح والأمة الإسلامية تائهة في بيداء مقفرة تلفها حناديس الظلام، وتتقاذفها أمواج متلاطمة في ليل بهيم، وأعداؤها يتربصون بها الدوائر و يحوكون المؤامرات للانقضاض عليها عند أول سانحة بسبب وبدون سبب، وهي في أمس الحاجة إلى كل ربان حاذق ودليل ماهر من علمائها الربانيين ودعاتها المخلصين وساستها العقلاء المجربين، الذين لا تهزهم العواصف الهوجاء، ولا تفزعهم التحديات الجسام، ولا تستدرجهم الاستفزازات المغرض،ة ولا تستخفهم المكائد الخبيثة إلى معارك مدمرة لقدرات الأمة - ماديا أو معنويا- ولا يستعجلون قطف الثمار قبل نضجها، أو يقدمون على عمل غير مدروس دراسة متأنية، أو تصرف لم تحسب نتائجه حسابا دقيق،ا ويخطط له تخطيطا عميقا، لأنهم يهتدون بالوحي ومقاصد الشرع ويستنيرون بالعقل، و يعتبرون بالتاريخ وتجارب الأمم ، وقد كان الشيخ محفوظ نحناح من هذا الطراز النفيس من الرجال العظماء، الذين بدؤوا يرحلون عن عالمنا منذ عقد من الزمن وكأنهم جواهر كانت منتظمة في عقد فانفرط سمطه فتهاوت كالشهب.
    لقد رحل الشيخ محفوظ نحناح البطل الأشم الذي كان الجهاد بالفكر والقلم والمال والنفس وظيفته، والطبيب النطاسي الذي وهب نفسه لعلاج المسلمين، والحرب لما تضع أوزارها، وجراح الأمة الإسلامية تنزف دما، والمسجد الأقصى مازال أسيرا، وفلسطين الحبيبة مازالت سليبة، رغم أنه كان واحدا من أكبر من حملوا هم الأمة الإسلامية، وعملوا على تضميد جراحها ورد البسمة إلى شفتيها، لا لأنه ألقى السلاح اختيارا أو مل الجهاد والكفاح ولكنه لبا نداء الله وانتقل ليجني ثمار عمله الصالح.
    لقد أحببت الشيخ محفوظ نحناح حبا كبيرا وذرفت عليه من الدموع ما لم أذرفه على أحد من أهلي لأنني ألفيته – رغم ما يقول شانئوه- رجلا من رجال الإسلام العظام ذا مناقب جليلة لا تحصى وشمائل جميلة، وعلم غزير، وعقل مستنير، وإيمان بالله قوي ، وثقة بأن المستقبل للإسلام، وحنكة سياسية نادرة ويقظة عالية وحس مرهف وتواضع جم " وقد رأيته سنة 2000 يؤذن لصلاة الجمعة ويقدم غيره ليصلي مكانه" واعتزاز كبير بانتمائه الحضاري، وغيرة شديدة على مقدسات الإسلام، وخاصة فلسطين التي كانت نقطة ارتكاز عمله وقطب تحركه.
    وقد جعل مقر حركته مسجدا للعبادة والذكر، ومدرسة للعلم والفكر ، وملاذا للفقراء والمحتاجين ومنبرا للسياسة ، حيث اختط لنسه منهجا سياسيا متميزا قوامه الموازنة بين المصالح والمفاسد. وإذا كان الشيخ محفوظ نحناح قد توفي إلا أن النور الذي بثه قد استقر في هذه الأرض، والغرس الذي زرعه قد استوى على سوقه، ولم تذهب جهوده سدا بل أثمرت جيلا جديدا يؤمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيا رسولا، وسيحمل الراية ويسير على الدرب ويحفظ العهد والوعد، ولن يضيع الأمانة أو يفرط في الوديعة حتى يحقق الأهداف التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم لتحقيقها.
    نم أيها الشيخ الجليل قرير العين فبلاد الإسلام من طهران إلى وهران، ومن جاكرتا إلى شنقيط، تثني عليك وتشهد لك بما قدمته للإسلام والمسلمين من خير عميم، والمسجد الأقصى وكل صقع يرفع فيه الأذان يناجي ربه في ضراعة وابتهال أن يغفر لك ويتجاوز عنك ويدخلك جنة الفردوس مع النبيئين والصديق والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    ما دخل الشيخ نحناح بلدا إلا سأل عن أربع

    مُساهمة  Admin في الخميس 26 مايو 2011 - 16:48

    بقلم د.عروج مراد

    يتهيأ للسفر، حاملا حقيبتين: فأما الأولى فتحمل أغراضه الخاصة، و أما الثانية فهي محفظة مملوءة بالملفات.
    عنوان الزيارة: مسافر في حقل الدعوة يبحث عن أربع
    همـُّه توفير شروط النجاح لإقامة المشروع الكبير: استرجاع المجد
    فـَهـِم الشيخُ أن الأمر ممكن و أن الجبل هو مجموعة حصى،
    فرد بفرد و أسرة بأسرة و بلد ببلد تـُصْنـَع الحضارة.


    إذا دخل بلدا أجنبيا سأل عن أربع:

    * سأل عن أبناء المسلمين و الطلبة المهاجرين و الجالية المقيمة،
    فيعقد معهم اللقاء تلو اللقاء، ناصحا إياهم و معلـّما لهم كيفية التحرك حتى يتحقق قبولهم في ذلك البلد، فينالوا حرية التحرك و حرية العمل فيقوموا بدور نشر الإسلام و إزالة العداوة تجاه المسلمين.

    * ثم يسأل إن كان بين الطلبة المهاجرين المسلمين أبناء الرؤساء و الملوك و الزعماء،
    فترتب له لقاءات معهم، لتوطيد العلاقة و لغرس الأفكار التي تخدم المشروع،
    حتى إذا صار ابن الملك ملكا وجد الشيخ نفسه في موقع الناصح الأمين،
    فينصحه بخدمة شعبه و وطنه،
    و بالعدل و المساواة،
    و بنشر الحريات،
    و إزالة العقبات و الضغوط عن الحركات الإسلامية،
    و غلق المعتقلات السياسية،
    ثم يربطه بالقضايا الإسلامية و العربية.

    * ثم يسأل إن كان في هذا البلد آثار قديمة تدل على حكم المسلمين فيه،
    كإسبانيا و تركيا و الهند مثلا، فيزور المساجد حتى يتذكر أجدادَنا صانعي المجد في تلك الدول،
    فيربط الإخوة بماضيهم الجميل و يغرس فيهم حب استرجاع المجد الضائع فيتحمسوا لذلك.

    * ثم يسأل عن زعماء البلد من علماء و مثقفين و صانعي القرار و المجتمع المدني،
    و كل شخصية مؤثرة في هذا البلد،
    قصد الجلوس معه ومحاورته و حمله على تبني القضايا العادلة كقضية فلسطين،
    و تخفيف المضايقات عن الجالية في ذلك البلد، وحتَّى تسن قوانين عادلة لا تفرِّق بين المواطن الأصلي و المهاجر المقيم.
    هكذا كان الشيخ:
    سائحا في حقل الدعوة،
    جلوسه دعوة، سفره دعوة، عمرته دعوة، حجـُّه دعوة،
    حضوره في الملتقيات دعوة، مجالسته للحكام و الزعماء و الملوك دعوة،
    حضوره في الجنازة دعوة، حضوره في الوليمة دعوة.

    فهو داعية عالم سياسي، حاضرٌ مشروعـُه في كل الأحوال، يترك بصماته أينما حلَّ.

    يا شيخُ نَـم قرين العين،
    فإن من أبنائك و بناتك مَن -إن شاء الله- على خطاك ثابتون،
    كل حسب موقعه.

    لنكن سفراء للخير، سفراء للنوايا الحسنة.
    ولتحيا حركتنا و لتحيا الجزائر أولا و أخيرا.

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: الكتلة الجمالية محفوط نحناح رحمه الله

    مُساهمة  alhdhd45 في الأحد 3 يوليو 2011 - 16:41

    كلمات عن وفاة الابتسامة الجزائرية!




    *محفوظ نحناح *رحمة الله عليه


    ناصر يحيى /]

    في عام 1981م خرب زلزال مدمر مدينة الأصنام الجزائرية -هكذا اسمها- ودفن المدينة والناس تحت الأنقاض.. وفي سجن المدينة كان هناك سجين في زنزانة انفرادية يدعى (محفوظ نحناح) محكوم عليه بالسجن 15 عاماً منذ 1976 لأنه شارك في إصدار بيان ضد بعض سياسات نظام الرئيس الجزائري السابق (هواري بومدين)!

    وفيما بعد تذكر (نحناح) تلك اللحظات - وهو في زنزانته الانفرداية- وكيف كانت الأرض تهتز تحت أقدام السجناء، والجدران تتهاوى، والأرض تتمايل تحتهم.. بينما كان هناك رجل راح يستقبل القبلة ويصلي.. والأصوات تتعالى في المكان بالتكبير والتهليل!

    خمس سنوات قضاها (محفوظ النحناح) في السجن 1976- 1981م بعد محاكمة شكلية لكنه في أول حوار صحفي معه مع مجلة (المجتمع) الكويتية في يناير 1982م لم يتردد أن يعلن رؤية متسامحة تجاه الذين اعتقلوه، وفي رؤية استشرافية للمخاطر التي قد تتعرض لها الحركة الإسلامية في الجزائر، أكد الرجل الخارج من ظلمات السجون اهتمامه وحرصه على ألا تتورط الدعوة الإسلامية في الجزائر في أخطاء تنعكس عليها بالضرر! مؤكداً على ضرورة مراعاة سنن التغيير واستيعاب صيغة المرحلة الجديدة التي شهدتها الجزائر مع بداية الثمانينات في مستهل عهد الرئيس (الشاذلي بن جديد).

    لقد تعمدت أن أبدأ كلمات الرثاء هذه في حق الأستاذ/ محفوظ النحناح بهذا الشكل لكي نعرف أن الخط الدعوي له الذي ظل ملتزما به حتى وفاته لم يكن طارئا ولا مكايدة ولا مجرد انتهاز فرصة لوراثة الآخرين، بل هو خط أصيل وفهم شرعي لدور الحركة الإسلامية الراشدة في إصلاح المجتمع وتقويم مافيه من اختلالات بالحسنى، ومراعاة الأولويات، وتقديم الأهم على المهم، والتفاعل مع سنة التغيير لا معارضتها.

    قرأت عن (النحناح) منذ حادثة الزلزال، وسمعت عنه من الأستاذ/ محمد ناصر بابريك الذي زاره في الجزائر في ذروة زمن الصحوة الإسلامية قبيل مرحلة الفتنة التي بدأت بأحداث 6 أكتوبر 1988م وما زالت فصولها الأخيرة -ربما- مستمرة حتى الآن! آنذاك كان (نحناح) هو أحد أبرز رجال الحركة الإسلامية، يحاضر فيتجمع لسماعه عشرات الآلاف.. ويزور المدن فيستقبله أحبابه وأنصاره خارج المدن كما يستقبل رؤساء الدول. وشاء الله تعالى أن ألتقي به في أكتوبر 1996م في العاصمة التركية (أنقرة)، وقرأت له عدداً من الحوارات الفكرية والسياسية ثم كانت خاتمة المطاف مشاهدة الحوار الهام الذي أجرته معه قناة (المنار) اللبنانية في نهاية العام الماضي. وأعادت بثه الثلاثاء الفائت بمناسبة وفاته. ولست أبالغ إن قلت إن شخصية (محفوظ النحناح) نادرة بكل معاني الكلمة، فرغم دوره الدعوي الهام في الجزائر لم تفارقه أبداً صفة التواضع فالذي يراه لا يصدق أن هذا الرجل؛ الذي يحرص على الجلوس في الصفوف الخلفية أو يجلس إلى مائدة منزوية بعيداً عن المنصة أو حتى الموائد الأمامية، لا يصدق أن هذا الرجل كان منافساً حقيقياً في انتخابات الرئاسة الجزائرية.. وأنه لولا التزوير لكان الفائز -ربما- بمنصب الرئاسة. اقتربت منه في مناسبات رسمية وفي حالات إنسانية اعتيادية فلم أشعر إلا أنه هو هو! ينصت باهتمام للمتحدثين وكأنه تلميذ يستمع لمعلم، ويتحدث لمن هم في سن تلاميذه بجدية واهتمام ويبسط أمامهم آراءه ومواقفه في أخطر القضايا الجزائرية وكأنه يتحدث في مجمع الخالدين أو أمام نخبة من عظماء السياسة والعلم. بعد حوار صحفي أجريته معه سألني بتواضع عن رأيي في قيامه بزيارة لليمن وما مدى مناسبة ذلك! وأعترف أنني جبنت لحظتها وخشيت أن يواجه مواقف لم تكن قادرة على تفهم حقيقة الرجل ومواقفه ولاسيما أن تلك الفترة كانت تشهد أحداثاً مأساوية في الجزائر في مسلسل الفتنة الدموية! وفي مقابل مخاوفي كان الرجل مليئاً بالثقة بسلامة اجتهاده في التعامل مع الأزمة التي خربت بلاده وتقبل ترددي بابتسامة.

    عندما التقاه أ. إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية واستمع إليه كتب يقول إن (محفوظ نحناح) هو أكثر شخص يعرف حقيقة ما جرى ويجري في الجزائر ورغم هذه الشهادة فإن الرجل ظلم كثيراً خارج وطنه، ولم يسلم من العنت في الداخل، فالفتنة التي ضربت الجزائر كانت بحاجة إلى روح شفافة وعقل راجح وقلب جسور لمعرفة علامات مقدمها وقديما قالوا (الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل)! و(نحناح) كان من القلة التي رأت الفتنة ودمارها قبل حلولها، ولم يتردد أن يصرح بطريقته المحببة اللطيفة في التعبير المركّز - أن مشكلة الجزائر سببها: التعجل والترهل، أي (تعجل) جبهة الانقاذ في قطف الثمرة و(ترهل) جبهة التحرير الحاكمة التي ترفض أن ترحل بهدوء!

    وثمة مفارقات تتصل بنهج الفقيد، فالجزائريون مشهور عنهم أنهم شعب عنيف وطالما سمعت قصصا عنهم، ويبدو أن (سنوات الجمر) أيام الاستعمار الفرنسي الغشوم ثم تلتها مراحل كانت ثمرة مرة لسنوات الجمر قد طبعت النفسية الجزائرية بالحدة والقسوة! وأذكر أنني اشتبكت في جدال عنيف مع السفير الجزائري السابق في صنعاء (الشاذلي بن حديد) -رحمه الله- ونحن نتناقش في يوم ما داخل السفارة الجزائرية حول الأزمة الجزائرية! وكان الرجل ، رغم سنه الكبير وطبيعة عمله الدبلوماسي، حاداً وعنيفاً في نقاشه وهجومه على الإسلاميين كلهم دون تمييز فالرجل كان من أنصار عهد (بومدين)، وحتى (نحناح) لم يكن يعرفه! فعندما أردت تخفيف غلوائه ضد الإسلاميين حكيت له عن (نحناح) الزعيم الإسلامي الذي سأله صحفي فرنسي عن (الجنرال زروال) فعاجله الإجابة أن صفته (الرئيس زروال) ولم أحس أنه يعرفه أو حتى يبدي اهتماماً جاداً للسؤال عن هذا الإسلامي الذي ظل حتى الموت يردد أن بقاء (الدولة) في الجزائر مهمة مقدسة وأن المسلم لا يجوز له أن يرى بلاده تتمزق ودولته تنهار وهو لا يصنع شيئاً تجاه ذلك! والمفارقة هنا أن (نحناح) كان لطيفا، لينا، يتحدث في أخطر القضايا والابتسامة تعلو وجهه، لا يستفزه سؤال ولا يخرجه عن طوره اتهام مغرض، وابتسامته ليست صناعة سياسية بل انعكاس لروحه المرحة التي كانت تجعله قادراً على التعبير عن أفكاره بكلمات قليلة أو بمصطلحات (نحناحية) ظريفة إن صح القول، فمشكلة الجزائر عنده ليست في (النصوص) ولكن في (اللصوص)، والفرانكفونيون يريدون للجزائريين أن يكونوا (باريسيين) نسبة إلى (باريس)، والإسلاميون والوطنيون والقوميون يريدونهم أن يكونوا (باديسيين) نسبة إلى ابن باديس باعث النهضة الجزائرية! وعندما خاض الانتخابات الرئاسية جعل من ضمن دعايته الانتخابية صورة له وهو يحمل وردة جميلة يقدمها للناخب رمزاً للسلام والوداعة التي يحتاجها الجزائريون!

    وليس سراً أن الرجل تحمل الكثير من عنت الاتهامات والتجريحات ضد شخصه ومواقفه من الأزمة الجزائرية، فلم يكن صاحب أوهام، وامتلك شجاعة اتخاذ مواقف صعبة ربما لم تكن مقبولة شعبياً بمقياس الآمال ولكنها كانت صحيحة بحقائق الواقع الجزائري الذي كان خبيراً به. وأثبتت الأيام صحة اجتهادات (نحناح) فكل فرقاء السياسة الجزائرية الذين شطت بهم المواقف والآراء عادوا في الأخير - على الأقل معظمهم- إلى المربع نفسه الذي وقف عليه (نحناح) منذ البداية سواء في التعامل مع السلطة الجديدة ورموزها بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أو في المشاركة في العملية السياسية كالانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية أو المشاركة في الحكومة كوسائل لتخفيف الاحتقان في المجتمع الجزائري، والمحافظة على كيان الدولة من الانهيار.. وهو في كل مرحلة لم يتردد في انتقاد الأخطاء بأسلوبه المهذب سواء أكانت من السلطة أو المعارضة المسلحة أو المعارضة التي تمثلها الأحزاب السياسية الأخرى!

    بحسب (نحناح) أنه كان رجل بناء حركة دعوية ونهج فكري وتوجه سياسي سلمي، فهو من نوعية الرجال الذين يؤسسون فيعمقون، ويبنون فيرفعون عالياً، ويعيشون بين الناس فيحيون أرواحهم وقلوبهم، ويواريهم الثرى فتظل ذكراهم مشاعل نور تهدي في الظلمات ونسائم عطر وأنداء تستروحها النفوس كلما اشتد القيظ وجفت الأرواح وأجدبت القلوب.

    بحسب (محفوظ النحناح) أن له من اسمه نصيبا فقد حفظ لله به وبإخوانه في (حماس ثم حمس) ثمار الصحوة الإسلامية التي كادت تفنيها الفتنة العمياء في الجزائر، ومهما يكن إيقاع الصحوة قد تراجع أو خفت صوته قليلا إلا أن القائم الآن يستند إلى أساس قويم راشد يبقى بإذن لأنه ينفع الناس في دنياهم وأخراهم.

    رحمه الله، وأجزل مثوبته، وتقبله في الصالحين وعوض الجزائر والأمة عنه خيراً





    --------------------------------------------------------------------------------
    * المصدر: جريدة
    (الناس) اليمنية، نقلا عن موقع مداد القلم

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أستاذي محفوظ نحناح .. هذه شهادتي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 10 أغسطس 2011 - 17:10

    قلم: محمد أبو حمزة بلغيث
    قال الإمام الشافعي – رضي الله عنه -:
    "الحر من راعى وداد لحظة *** وانتمى لمن أفاده لفظه"
    وقال الإمام أبو محمد التميمي – رحمه الله -: "يقبح بكم أن تستفيدوا منا ثم لا تترحموا علينا". ولست من دعاة الشخصانية ولم أكن في يوم من الأيام، ولا أحب تقديس الأشخاص والزعماء تحقيقا للمنهج القرآني الذي يعلمنا الجمع بين الفكرة والزعيم، وذلك من خلال قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..﴾. وإنما هي شهادة للإنصاف، ولرد الأمور إلى نصابها في حق الشيخ المظلوم أو الذي أسيء فهمه من كثير من الناس، والله تعالى يقول: ﴿ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، والله بما تعملون عليم﴾ سورة البقرة الآية 283. وأحب أن أذكر المسلمين بقوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا﴾ (النساء 112).

    "إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا شيخنا لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا" رحمك الله، وجزاك الله عنا وعن الإسلام، وعن الجزائر خير الجزاء، وألحقك الله مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصدقيين والشهداء والصالحين" آمين.

    وبعد

    فببالغ من التأثر والحزن والألم تلقينا نبأ وفاة أستاذنا وشيخنا الرئيس محفوظ نحناح – رحمه الله – الذي عرفته وتتلمذت عليه، فوجدته داعية فريدا صادقا وقد بدأ التحرك لخدمة الدعوة الإسلامية واللغة العربية مبكرا. وتجلى في محاضراته ودروسه وندواته وخطبه الفهم النقي للإسلام والنظر البعيد الذكي والجمع بين الصدق والفصاحة والتوازن بين السلفية والمعاصرة. فاستطاع - رحمه الله – أن يفتح كثيرا من القلوب الغلف، والآذان الصم والأعين العمي ووفق لذلك أيما توفيق.

    عرفته محافظا على تلاوة القرآن والأذكار اليومية. حتى عندما بلغ الصراع السياسي قمته، كان لا يفتح باب مكتبه للاستقبال حتى يكمل ورده وتلاوته.

    أشهد بأنه ضحى بكل أوقاته للاسلام وللجزائر حتى إن الزوار والطلبة كانوا يقصدونه وهو يستقبلهم إلى ما يتجاوز منتصف الليل منذ الصباح.

    عرفته متنقلا كثير التنقل محليا وعالميا لنشر الدعوة ولخدمة الجزائر، وقد نذر حياته لهما، وقلما يجلس مع أولاده وأسرته – رحمه الله – حتى ليشعر المتأمل في حياته أنه من النوع الغريب الفريد الذين لا تجود الأمهات بهم إلا نادرا.

    عرفته الجامعات والمساجد والمؤسسات ووسائل الإعلام ناصحا محافظا على الاجتماع والوحدة ومعاديا لكل دواعي الفرقة والفتنة.

    وأشهد انه كان كثير البكاء وسريع الدمعة خاصة في موضعين: عند قراءة القرآن وعندما تعرض عليه قضايا المسلمين، في فلسطين والبوسنة والهرسك وما تفعله الحركات التنصيرية في بلاد المسلمين. وقد حدثته مرات عن النشاط التنصيري عندنا في إفريقيا فأجهش بالبكاء كالأم التي يذبح ولدها أمامها وهي لا تستطيع أن تفعل شيئا إلا الدعاء .

    رحمك الله كم كان بكاؤك مؤلما ودعاؤك مؤثرا وخطبك نافعة للدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية وعلى رأسها فلسطين. إذ كان يحب أن يردد كلمة الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي – رحمه الله -: "إيه فلسطين، أمانة عمر في أعناقنا".

    إن للشيخ محفوظ نحناح فضل كبير علينا في التعرف على مناطق الأمة الإسلامية لم نكن نسمع بقضاياها مثل: البورما وكشمير والفلبين وسيريلانكا، خاصة وهو الداعية الذي كانت له علاقات واسعة المجال مع إخوانه من الدعاة والمصلحين والسياسيين والقادة والزعماء والرؤساء.

    أشهد أنه كان يسعى لجمع كلمة المسلمين عملا كما كان يدعو إليها على المنابر والمنصات، فهو الرائد في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية، والدعوة إلى التضامن الإسلامي، وتجمع العلماء والدعاة بالجزائر، إذ كنت مدعوا للمشاركة.

    لم أسمعه يغتاب أحدا حتى من مخالفيه، إذ كان شديد الانضباط بالشرع، لم أسمعه يرفع صوته إلا في الدعوة، وكان حييا بشوشا بارا رحيما بالناس قبل أولاده.

    وعندما بدا العمل التعددي كان التزامه بالشرع وضوابطه أشد إذ لم يستعمل الاشاعات عن مخالفيه، ولم يطعن، ولم يلعن، ولم يكن بالفاحش ولا البذيء. إنه بكلمة أخرى رجل أوذي كثيرا ولكنه اتخذ الصبر والعفو مذهبا حتى آخر لحظة من حياته – رحمه الله – وأجزل له الثواب. وكان شعار الغاية تبرر الوسيلة أبغض شيء لديه. وكان أول من دعا إلى الحوار وآثر المصلحة العليا للجزائر ولم ينتقم لنفسه حتى حين امتدت إليه ألسنة وأيدي شقية بالأذى والبهتان ، رحمة الله عليه.ورفض أن يرد أحد من أتباعه عليهم وفضل مذهب الصبر والعفو متمثلا قول الله تعالى: ﴿ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار﴾ واعتمد في نصحه منهج ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾.

    وبذلك يمكن القول إنصافا للرجل بأنه أقام الحجة وأبرأ ذمته أمام الله تعالى وأمام التاريخ إذ بلغ كلمة الإسلام إلى مواقع ما كانت الدعوة تحلم بها، ولو لم يكن للرجل من الفضل والعطاء إلا ذاك لكفاه.

    أتمثله امامي في خطاب شامل أمام الملأ يتعرض لأزمة الجزائر وأسبابها والحلول المقترحة لايقافها فيتأثر الحاضرون إذ منهم الكثير من يصغي لأول مرة لهذا النوع من الخطاب العلمي المقنع، والطرح الشامل الدال على اطلاع صاحبه، ومعرفته بآلام المسلمين وآمالهم.

    وأتمثله وقد سأله أحد الصحفيين عن الرقص فأجابه، وكان متصفا بحضور البديهة: "إذا كان الرقص على جماجم اليهود في فلسطين فنعم الرقص، أما الذي يستورد حليبه وغذاءه فأنى له أن يرقص".

    وكان من مواقفه مواجهة الفتنة من داخل البلاد لا من خارجها فتعرض لمخاطر وأذى واستمر متحديا بالآراء والتصريحات الجريئة مما يدل على شجاعة الرجل وثباته، كل ذلك من أجل إيقاف النزيف، وحق دماء المسلمين.

    رحمك الله وأنت تتجرع الآلام وتمسح الدموع

    رحمك الله وأنت تلتزم الصمت والعفو عن الأذى

    رحمك الله وأنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في ظروف أصبح فيها المعروف منكرا والمنكر معروفا.

    رحمك الله وانت تتابع الأحداث والأخبار فتذرف الحارة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم المجروحة

    رحمك الله وانت تقدم المساعدات خفية لكثير من الأرامل والمغيبات وتتوسط وتشفع للذين آذوك واغتابوك واتخذوا المنابر للطعن فيك.

    وانت من كل ذلك بريئ ويداك نظيفتان ولسانك طاهر حتى مع مخالفيك وجاحدي فضلك.

    إن الشيخ محفوظ نحناح يعتبر بحق رمزا من رموز الأمة الإسلامية القلائل الذين لم تجرفهم التيارات، ولم يميلوا مع الرياح حيث تميل. كرس حياته من أجل قضيتين: الإسلام والجزائر. عاش لهما، وقام لهما، ونصح لهما، فكان له الفضل الكبير – بعد الله تعالى – مع جملة من المخلصين:

    أولا في تجنيب الجزائر حربا أهلية تدمر كل شيء وترد المشروع الحضاري الإسلامي إلى الخلف أكثر من خمسين سنة. ذلك لأنه أدرك بثاقب نظره أبعاد المؤامرة على الجزائر لتمزيقها ففضل مرة ومرات تغليب المصلحة العليا لوطنه وأمته وعلى رأسها وحدة الجزائر واستمرارها واستقرارها.

    وثانيا: تجنيب المشروع الحضاري الإسلامي كارثة تكون نتيجتها الردة الجماعية. فجزاه الله عنا وعن الإسلام كل خير. أقول فضل ذلك عن الانتقام لنفسه، وآثر التقرب إلى الله بالعفو عن الظالمين والمعتدين.

    دعوته يوما ليستريح وعلامات التعب والمعاناة بادية عليه فقال لي بكل صراحة، يامحمد يوم يستريح أعداء الإسلام والجزائر يستريح النحناح. هكذا يقف كالجبل الشامخ ثابتا لا تزعزعه العواصف.

    إن شخصية الشيخ محفوظ نحناح وتجربته ومدرسته جديرة بأن يستفيد منها حاملوا المشروع الحضاري الإسلامي إذ البناء الإسلامي تراكمي يبني اللاحق على عمل السابق حتى لا نبدأ من الصفر كل مرة.

    إن مدرسة الشيخ نحناح أضافت لبنة للبناء الإسلامي العظيم يجدر بنا أن نقف عندها مراجعة وتثمينا للمحاسن والإيجابيات.

    إن الشيخ محفوظ نحناح له تجربة جديدة في العمل السياسي من الحكمة ألا نتجاهلها حيث وصل بالدعوة إلى منابر كان من الصعب إتاحة الفرصة للمسلمين الوصول إليها.

    وأخيرا أشير إلى أن أمنية الشيخ كانت أن يستشهد في المسجد الأقصى، نرجو الله أن يبلغه منازل الشهداء. آمين

    هذه شهادتي وقد تركت الكثير خشية الإطالة ومثله من الممكن أن تقام له دراسات وأبحاث لعل المستقبل يظهر الكثير من الحقائق المجهولة عن الشيخ الذي ظلم كثيرا. ولقد صحبته عشرين سنة أو أكثر فما رأيت منه إلا خيرا وإصلاحا. هذه كلمتي عنه لعلها تفي بشيء من حقه علي.

    شيخي الكريم الحبيب
    ومعذرة اليراعية والقوافي *** جلال الرزء عن وصف يدق

    إن الأمة الإسلامية قد ودعت زعيما من طراز خاص، لن ندرك الراغ الذي تركه إلا بعد زمن، وداعية واقعيا لم يعد الجماهير بالخيال ومن الأبراج العاجية وكان أمله أن تستقر الجزائر على شاطئ النجاة وأن يعود المسجد الأقصى إلى المسلمين فتعم الفرحة الأمة وتشرق الحضارة الإسلامية من جديد ولكن شاءت حكمة الله أن يلتحق بالآخرة ونرجو أن تكون الآخرة خير له من الأولى.

    فما أشبه الشيخ بالرواد كالإمام ابن باديس والغمام البنا والعلامة البشير الإبراهيمي ألحقنا الله بهم في الفردوس الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    ذلك أن الشيخ لم يعمل ليمكن لنفسه وإنما عاش للآخرين فبقي أثره عميقا في النفوس وثمرة جهاده تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

    ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فالشيخ قبل أن يموت بلحظات – كما بلغني بإسناد موثوق – كان يذكر أسماء الصحابة رضي الله عنهم واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنعم بها من وفاة – ليلة الجمعة – رحمه الله وألحقه بالصالحين، آمين.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: الكتلة الجمالية محفوط نحناح رحمه الله

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 10 أغسطس 2011 - 17:13

    قلم / يحي أبوزكريّا
    ارتبط إسم الشيخ محفوظ نحناح زعيم حركة حماس سابقا وحركة مجتمع السلم لاحقا بالحركة الإسلامية الجزائريّة منذ بروزها في الساحة الجزائريّة كامتداد لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسّها الشيخ عبد الحميد بن باديس والتي قاومت الفرنسة والتغريب و استطاعت أن تصون الشخصيّة الجزائريّة ذات البعدين العربي والإسلامي.

    وقد أتيح لمحفوظ نحناح أن يتعرّف على فكر الشيخين عبد الحميد بن باديس ورفيق دربه الشيخ البشير الإبراهيمي في مقتبل عمره، بل إنّه تبنى نفس شعار الشيخ عبد الحميد بن باديس الجزائر وطننا والعربية لغتنا والإسلام ديننا، و عندما كان طالبا في جامعة الجزائر إنفتح محفوظ نحناح على فكر سيّد قطب وحسن البنّا و أبو الأعلى المودودي، و أعجب بتجربة الإخوان المسلمين إلى درجة أنّه أصبح في وقت لاحق ممثلا للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين في الجزائر.

    بدأ الشيخ محفوظ نحناح دعوته الإسلاميّة في المساجد والثانويات التي كان يدرّس فيها ثمّ في المعاهد الجامعيّة، و تعرفّ خلالها على رجالات الحركة الإسلامية في الجزائر من أمثال الشيخ أحمد سحنون وعبد اللطيف سلطاني و الدكتور عباسي مدني. و في الستينيّات والسبيعينيّات لم تكن الحركة الإسلامية الجزائريّة منشطرة على نفسها، كان هناك مشروع إسلامي واحد ينادي به الجميع المثقف الإخواني و المثقف السلفي والمثقف الجزأري – نسبة إلى الجزأرة – والمثقف الإسلامي عموما، و كثيرا ما كان محفوظ نحناح يلتقي بالدكتور عباسي مدني أو عبد الله جاب الله أو علي بلحاج دون حرج. و كانت لمحفوظ نحناح تجربة في النضال ضدّ سلطة هواري بومدين وبعده نظام الشاذلي بن جديد قادته إلى السجن مع رجالات الحركة الإسلامية. غير أنّه أطلق سراحه في عهد الشاذلي بن جديد ليواصل نضاله الإسلامي بدون إطار سياسي، فقد كانت الدعوة الإسلامية في الجزائر تلقائية عفوية لا تخضع لأيّ تنظيم هرمي أو غيره. فقد كان محفوظ نحناح يجوب الجزائر شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، ليقدم دروسا ومحاضرات عن السيرة النبوية و الإسلام في أبعاده الحضارية و الصراع الفكري في الجزائر بين الأصالة والمعاصرة، بين العروبة والفرانكفونية، أو كما كان يقول رحمه الله بين "حزب باديس" (نسبة لابن باديس) و"باريس" (العاصمة الفرنسية) في الجزائر.

    ومع بداية التعدديّة السياسيّة والإعلامية التي أطلقها الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد عقب أحداث خريف الغضب في 05 تشرين الأوّل – أكتوبر سنة 1988 إجتمع رجالات الحركة الإسلامية في الجزائر في مسجد الأرقم الذي كان يؤمّه شيخ الحركة الإسلامية الجزائرية الشيخ أحمد سحنون للتفكير في إنشاء حزب إسلامي يجمع كل القيادات الإسلامية في الجزائر بمختلف توجهاتها، و هنا كان لمحفوظ نحناح موقف من المسألة!.

    وفي الوقت الذي تأسسّت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أيلول – سبتمبر 1989 بقيادة عباسي مدني وعلي بلحاج، أسسّ محفوظ نحناج جمعية إسلامية هو ورفيق دربه محمّد بوسليماني تحولّت فيما بعد إلى حركة المجتمع الإسلامي – حماس - , كان الشيخ محفوظ نحناح ضدّ التوجهات السياسيّة لعباسي مدني وعلي بلحاج ونهج الجبهة الإسلامية للإنقاذ بشكل عام، فقد عارض الإضراب السياسي الذي دعت إليه جبهة الإنقاذ في حزيران – جوان 1991. وبعد اعتقال قادة جبهة الإنقاذ وحلّها إداريا في شهر آذار – مارس1992 , أصبح محفوظ نحناح وحده في الواجهة السياسية مع الشيخ عبد الله جاب الله الذي أسسّ بدوره حركة النهضة الإسلامية.

    وقد صنفّت السلطة السياسيّة الجزائرية حركتي نحناح وجاب الله في خانة الحركات الإسلامية المعتدلة التي يمكن التحاور معها وإشراكها نسبيا في الحكم، و عبر هذه القناعة السلطوية أصبحت حركة نحناح حاضرة في البرلمان الجزائري وأعتبر أهمّ حليف للسلطة الجزائريّة، و كان محفوظ نحناح يبررّ ذلك بقوله : "نحن نؤمن بالمرحليّة في تحقيق مشروعنا الإسلامي". و قد جلب له تحالفه مع النظام الجزائري سخط أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ وسخط الجماعات الإسلامية المسلّحة التي كانت ترى فيه شخصا إنتهازيّا براغماتيّا نفعيّا. بينما هو وأنصاره والذين كثير منهم من حملة الشهادات العليا فكان لهم وجهة نظر أخرى تنص على جواز التغيير من الداخل أي التسللّ إلى مواقع النظام لتغييره من الداخل.

    غير أنّ آخرين يرون أنّ محفوظ نحناح أعطى السلطة الجزائريّة منذ انقلابها على خيار الشعب وإلغائها الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في كانون الأول – ديسمبر 1991 أكثر مما أعطته السلطة السياسية التي غدرت به وحرمته من المشاركة في الإنتخابات الرئاسيّة بحجة أنّّه لم يشارك في الثورة الجزائرية – 1954 وإلى 1962 – وهو الشرط الذي كان يجب توفره دستوريا فيمن يرغب للترشح للانتخابات الرئاسيّة. كما أنّ نحناح وقف بقوة إلى جانب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة و طالب أنصاره بمنح أصواتهم لبوتفليقة وليس لأحمد طالب الإبراهيمي نجل الشيخ البشير الإبراهيمي والذي كان يعدّ أبا روحيا وفكريا لنحناح. ومرّت الأيام فإذا بنحناح يوجّه توبيخه لبوتفليقة الذي يحرص على الحديث باللغة الفرنسية حتى مع الفلاحين و طالب بوتفليقة بالامتثال للدستور الجزائري والتحدث باللغة العربية فقط.

    لقد كان محفوظ نحناح يؤمن إلى النخاع بمشروع الدولة الإسلامية، لكن ليس عن طريق العنف والمواجهة بل عن طريق النضال السياسي وخصوصا في المجتمع الجزائري الشديد التعقيد والإرباكات. و لم يكن يرى بدّا في التعامل مع "الإنقلابيين" الجزائريين إذا كان ذلك يدعو إلى تحصين المشروع الإسلامي في الجزائر من الإنهيار و ثمرات الدعوة الإسلامية من الذبول. وهذا ما جلب له الكثير من السخط من كل الدوائر الإسلامية جزائريّا وعربيا وإسلاميا.

    وشئنا أو أبينا فإنّ محفوظ نحناح كان هو حركة حماس وحمس وحماس وحمس هي محفوظ نحناح وقد تشهد هذه الحركة تراجعا كبيرا في ظلّ غيّاب نحناح. وتشاء الأقدار أن يفارق نحناح الحياة بمرض السرطان قبل أيام من إطلاق سراح قادة الإنقاد عباسي مدني وعلي بلحاج الذين قضيّا إثني عشر سنة كاملة في سجن البليدة العسكري، و اللذان كان في أمسّ الحاجة إلى نصرة نحناح الذي كان يتجنب الحديث عنهما خصوصا وأنّ المؤسسّة العسكريّة في الجزائر كانت تتحسسّ من أي شخص يورد في حديثه إسم عباسي مدني وعلي بلحاج .

    رحم الله محفوظ نحناح فقد كان دائم الحركة، دائم الحيوية، أثارا نقاشا وجدلا مستمرا داخل التيار الإسلامي وبين صفوف المعارضة.. نسأل الله أن له الرحمة والغفران وأن يسكنه فسيح جنانه وأن يتجاوز عنا وعنه وعن جميع المسلمين!



      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 11 ديسمبر 2016 - 7:04