hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    إشكالية البرنامج الاقتصادي لدى الإسلاميين/ للأستاذ راشد الغنوشي

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    إشكالية البرنامج الاقتصادي لدى الإسلاميين/ للأستاذ راشد الغنوشي

    مُساهمة  Admin في الإثنين 20 يونيو 2011 - 20:21

    ماذا يمكن أن يفعل الإسلاميون في المجال الاقتصادي لو قامت لهم سلطة أو أسهموا فيها؟ هل لديهم حلول واقعية لمعالجة الوضع الاقتصادي ومشكلاته المتعددة؟ أو بعبارة أخرى: ما هي إضافات المشروع الإسلامي في المجال الاقتصادي وإمكانية تطبيقها؟
    الشيخ راشد الغنوشي:
    من المهم في هذا الصدد إبداء الملاحظات التالية:

    الملاحظة الأولى: تاريخيا اقترنت الإجابة عن هذا السؤال -إشكالية البرنامج- بالمشروع الإسلامي منذ ظهور الصحوة الإسلامية المعاصرة خاصة على مستوى العالمين العربي، والإسلامي.
    وازدادت تلك الإشكالية حدة وتعقيدًا منذ دخل الإسلاميون المعترك السياسي، واقتربوا من مناطق السلطة في العديد من الحالات. وحدهم طولبوا ببرامج تفصيلية ولما يتحقق لهم ولا لقوى المعارضة عامة ولو الحد الأدنى من الحريات حتى ولا ضمان حق الحياة، فضلا عن غياب الشفافية، وحجب الحكومات المستبدة القائمة للمعلومات الصحيحة حول حقائق الوضع الاقتصادي مما هو ضروري لكل تقويم علمي لهذه الأوضاع، وتقديم البدائل الكفيلة بإخراج البلاد من أوضاع التأزم والتخلف.
    ولكن أنَّى لأي معارضة جادة في ظل هذه العتمة وفي مناخات القمع السائدة أن تحقق إنجازات معتبرة في مجال التجديد والإبداع والتطوير، بينما همُّها منصرف إلى ضمان حق الوجود إزاء ملاحقتها بوصف "المحظورة" وإدارة رحَى القمع والملاحقة عليها، رغم أنه من حيث الأصل طبيعي أن يطالب الإسلاميون ببرنامج أو رؤية واضحة لمعالجة معضلات الواقع الاقتصادي وكيفية مواجهة أخطار الأزمة الاقتصادية الخانقة، خاصة أنهم أصبحوا يشكلون رقمًا سياسيًّا مهمًّا في الحسابات السياسية المحلية والدولية.

    إن جوهر الصراع الدائر يتعدى مسألة البرامج والبدائل والسياسات، ويتجاوز بشكل عام البعد الاقتصادي لأزمة البلاد؛ لأنه باختصار يكمن في: غياب الحريات وسيادة دولة الاستبداد، وإقصاء الأطراف السياسية والاجتماعية الجادة، ومنعها من المساهمة في معالجة الأوضاع والتفكير الجماعي في مصلحة البلاد ومستقبلها، الأمر الذي جعل المعارضة عامة أقرب إلى حركة تحرر وطني منها إلى أحزاب سياسية تناضل من أجل تطبيق برامج جزئية تفصيلية، كما يحدث عادة في دولة ديمقراطية حديثة توافقت فيها النخب على معادلة معقولة للحكم على أساس ضمان حقوق للمواطنة، توفر للجميع التداول السلمي للسلطة بين مختلف الفرقاء.
    وفي غياب مثل هذا الإطار التوافقي بسبب سيادة الاستبداد، يغدو النضال ضد الاستبداد من قبل كل أنصار الحريات الديمقراطية هو جوهر البرنامج الوطني على غرار ما كان يحدث زمن الحرب ضد الاحتلال، حيث كان النضال يتمحور حول مهمة واضحة هي طرد الاحتلال دون الزج بقوى المقاومة في أتون الصراعات الأيديولوجية المفرّقة.
    ولذا لم يكن عجبًا أن تتألف هيئة وطنية في تونس من قبل أحزاب وجمعيات وشخصيات تنتمي إلى اتجاهات ليبرالية ويسارية وإسلامية مختلفة على أساس برنامج وطني يتلخص في الحرية: حرية التعبير، وحرية التنظيم، وحرية المساجين مصممة عن وعي على تأجيل صراعات أيدولوجية طالما أنهكتها طيلة نصف قرن من دولة الاستقلال، دولة الاستبداد.
    وهو ما يجعل الجدل المستمر في مسألة البرامج والبدائل ليس في المحصلة سوى مزايدة سياسية وتَعلَّة مقنّعة لإقصاء طرف سياسي وخصم عقائدي من الساحة، والحيلولة دون انسيابه في المجتمع ما ظلت أبواب الحريات العامة موصدة والقمع متواصلا وتداول السلطة ممنوعا حتى التلفظ به.
    إن الحديث عن برنامج إسلامي اقتصادي ليس حديثًا عن مشروع غيبي أو سحري مثلما يروج لذلك خصوم الحل الإسلامي، مع ما للبعد الغيبي من أهمية من وجهة النظر الإسلامية في إنجاز التنمية وإحداث النهضة الاقتصادية المطلوبة، وهو أيضا ليس حديثًا عن مشروع أخلاقي، مع ما للأخلاق من دور في النهوض بالمجتمعات.

    ولكن البرنامج الإسلامي المقصود، هو برنامج يتعدى الدائرة الاقتصادية البحتة ليشمل كل الدوائر التي تحيط بها وتتكامل معها، وخاصة الدائرة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يتشكل في إطارها البرنامج الاقتصادي، ويعمل متكاملا معها ليفرز معالجات لصيقة بهوية المجتمع وخصائصه التاريخية والحضارية، ويوفر لمواطنيه ضرورات وحاجات اجتماعهم وتمدنهم وعزتهم.


    الملاحظة الثانية: حول الاقتصاد والسياسة: من المسلم به أنه لا يمكن الفصل بين الاقتصاد والسياسة وعلى الأخص في هذه الأيام. ومن المسلم به أيضا أن القضايا الاقتصادية والسياسية لا توجد في فراغ ولكنها تنشأ في مجتمع إنساني منظم ينتسب إلى مثالية معينة، فكلا النظامين الاقتصادي والسياسي في أي مجتمع يشتق مبادئه من هذه المثالية، ولا يمكن أن ينجح قط أي نظام يصادم ما يؤمن به الشعب من مثالية، سواء كانت ليبرالية حرة أو ماركسية اشتراكية أو إسلامية أو غير ذلك.
    ومن تحصيل الحاصل تقرير أن معظم حكومات العالم الإسلامي لا تعرف المثالية الإسلامية، ولا تريد أن تتعرف إليها، ولا تؤمن بها، وتحاول جاهدة أن تطمس معالمها وتمحوها من صدور الناس، وفي الأقل لا تلقي لها بالا، ولا تخصها بغير الهامش مكانًا، وهو ما يفسر الهوة المتزايدة اتساعا بين نخبة الدولة والاقتصاد من ناحية، وبين جمهرة الشعب من ناحية أخرى ويعمق انعدام الثقة.


    الملاحظة الثالثة: إنه في ظل استمرار التجزئة التي فرضتها موازين القوة الغاشمة على أمتنا وما ولّدته من أوضاع استتباع وفساد واستبداد لا يبدو لمشاريع التنمية المستقلة التي تريدها أمتنا آفاقا مزدهرة واعدة، وذلك بصرف النظر عن نوع المنهج الاقتصادي المتبع، وهو ما دفع إلى تقلبات ذات اليمين وذات الشمال بحثا عن مخرج وسط السراب ولكن دون جدوى.
    فشواهد التجربة لا تؤكد سوى تفاقم الفقر والمديونية واتساع الفوارق وتعمق التبعية للخارج مقابل تضاؤل الاعتماد المتبادل بين اقتصاديات دول الأمة، بما يؤكد حقيقة أنه في ظل استمرار التجزئة لا آمال كبيرة جادة يحملها لشعوبنا أي برنامج وإذا كان بينها من فوارق فهي فوارق جزئية.


    الملاحظة الرابعة: إن الإسلام الذي قاد اجتماع أمتنا وعصور ازدهارها الحضاري المديدة، وظل مرجعيتها العليا التي استوحت منها كل مناهج حياتها الثقافية والتشريعية والاقتصادية، وتأسست في ظلها مجتمعات راجت فيها أسواق الدنيا جنبًا لجنب مع أسواق الآخرة تجسيما للمثل الإسلامي الجامع بين المادي والروحي، وحتى في عصور الانحطاط، ظلت هذه المجتمعات منتجة لحاجياتها وزيادة حتى كانت تصدِّر الأقوات للدول الأوروبية وتسدي لها القروض (مصر أقرضت إنجلترا والجزائر أقرضت فرنسا، وكلاهما قبل الاحتلال)..
    إن الإسلام هذا ما عجز طيلة القرون التي حكم فيها عن إنتاج القمح الوفير وما احتاجته مجتمعاته من آلات إنتاج وحرب ومن معارف وتقنيات، وذلك قبل أن ينحَّى بقوة السيف عن عرشه ويدفع إلى الهامش وتستبدل به أيديولوجيات أخرى كما فعل الحلفاء إذ فرضوا على تركيا إثر الحرب العالمية الأولى التخلي عن الخلافة وعن الشريعة في اتفاقية لوزان.
    إن هذا الإسلام لا يزال أهم مقوم في هوية الأمة ومحرك لطاقاتها لو أنها وظفت في مشاريع التنمية كما حصل في تجربة ماليزيا وتركيا وإندونيسيا...
    إن الإسلام الذي قاد اجتماع أمتنا وشكل وعيها وضميرها ولا يزال، من الطبيعي أن يكون رجاله الأقدر على تعبئة شعوبنا لأي مشروع تنموي وتجسير الهوة الشاسعة التي شقتها المناهج التغريبية بين نخبة الحكم والثقافة من جهة، وبين جمهرة الناس من جهة أخرى التي غدت النخب وكأنها تناديها من مكان بعيد وبلغات واصطلاحات لا تكاد تفقه منها شيئا.
    الملاحظة الخامسة: إن الحركة الإسلامية لا تزال عمومًا في المعارضة والعلمانية في الحكم، فليست مسؤولة عن أوضاع التأزم السائدة لدرجة العجز عن إنتاج الأقوات الضرورية والأسلحة الدفاعية، وهو ما يمثل تهديدًا حقيقيًّا للأمن القومي، إنها مسؤولية الجماعات العلمانية التي حولت دولنا أجهزة مرعبة للقمع والنهب وإهدار ما تبقى من الاستقلال الوطني.

    ومع أن الحركة الإسلامية ليست فحسب في المعارضة بل تدور عليها غالبًا رحى الحرب الدولية والمحلية، ومع ذلك ففي الأحوال التي التقطت فيها بعض الأنفاس قدمت رصيدًا معتبرًا من الممارسات التنموية الناجحة وبالخصوص ضمن مؤسسات المجتمع المدني.
    فقد طورت فكرة الاقتصاد الإسلامي حتى تبلورت في علم تقوم على تدريسه كليات في كثير من الجامعات، وبعضها في الغرب مثل جامعة لافبرا في إنجلترا، وتنعقد له المؤتمرات العلمية وتقوم على خدمته موسوعات ومجلات ومئات من المؤلفات.
    كما يجسّده في الواقع الاقتصادي المحلي والدولي ما لا يقل عن مائتي بنك إسلامي تدير مئات المليارات من الدولارات، وتمثل قطب جذب وإغراء كبير للرأسمال ليس الإسلامي فحسب، بل غير الإسلامي أيضا لما يوفره النظام المالي الإسلامي المتطهر من سوأة الربا من ضمانات، مقارنة بالاقتصاد التقليدي أي الربوي.
    وهو ما دفع بلدًا يتوفر على ثالث اقتصاد عالمي هو إنجلترا إلى افتتاح بنك إسلامي بريطاني، كما دفع كبريات البنوك الدولية مثل سيتي بنك وباركليز بنك وغيرها إلى فتح فروع لها تعمل وفق الشريعة الإسلامية، بما أمكن معه تأسيس وإدارة محافظ مالية واستثمارية صغيرة ومتوسطة وضخمة وشركات تأمين ومضاربات وفق الشريعة الإسلامية، حتى غدت المصرفية الإسلامية علما قائما بذاته وأوعيتها المالية ملاذا للرأسمال المذعور بحثا عن مأمن من موجات الإفلاس التي اجتاحت مؤسسات الاقتصاد الرأسمالي، بما جعل الحديث عن اقتصادا لا يتأسس على الإقراض الربوي حديثا جادا وليس مدعاة للتندر كما حسب البعض.
    ومن جهة أخرى أمكن للإسلاميين الذين قادوا كبريات النقابات المصرية مثل نقابات: الأطباء والمحامين والصيادلة والجامعيين... إلخ، أن يثبتوا جدارة متميزة في الارتقاء بمستوى الخدمات في تلك النقابات وهو ما أكسبهم ثقة قواعدها، ولولا أن الإخوان حدّوا من مستوى مشاركتهم: الثلث لوقعت كل النقابات بأيديهم، ولا يختلف ذلك عن مستوى إدارتهم للمدارس الخاصة، وهو ما يفسر شدة التنافس والطلب عليها.
    أما إدارتهم للبلديات ونهوضهم بها فالمثال التركي ناصع تشهد عليه بلدية إسطنبول التي رفعهم أداؤهم الراقي فيها وفي المدن التركية الكبرى التي كانت بلدياتها تعاني حالة البؤس والإفلاس زمن القيادات العلمانية اليسارية واليمينية، رفعهم إلى سدة الحكم بانفراد، ليحققوا في المستوى الاقتصادي نهوضًا غير مسبوق أمكنهم به أن يعيدوا للعملة التركية اعتبارها حتى حذفت منها ستة أصفار لم تكن تعني شيئًا مذكورًا.
    وخفضوا ديون تركيا بنسبة الثلث خلال ثلاث سنوات، ونزلوا بالتضخم والبطالة إلى معدلات الدول المتقدمة، ونجا اقتصادهم مما أصيبت به الاقتصاديات الرأسمالية من انهيارات. وليس وراء هذه النجاحات من سبب واضح غير الإسلام، باعتباره العنصر الفارق.
    فالإسلاميون مثل زملائهم العلمانيين درسوا في نفس الجامعات، متمكنون مثلهم من نفس العلوم والتقنيات والمعارف الحديثة، والإدارة زاخرة بالكفاءات الإسلامية العالية علما وخبرة، غير أنهم يتفوقون عليهم في أمور:

    الأول: خطابهم هو الأقرب لأوسع قطاعات الجماهير؛ لأنهم يخاطبونهم بمفاهيم وقيم ومواريث متغلغلة في أعماقهم، بينما العلماني كأنه يخاطبهم من مكان بعيد فلا يحرك فيهم شيئًا كبيرًا، أما الإسلامي فتبدو قدرته كبيرة على تعبئتهم وتحريكهم في اتجاه ما يريد من أهداف.

    والعامل الثاني: أن سلوك الإسلامي يوحي بالثقة أكثر من غيره لأنه يجسم النموذج المستقر في أعماق الجماهير لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المسلم، بارًّا بوالديه وأقاربه وجيرانه، صادقا في معاملاته، مُؤْثِرًا على نفسه، تقيًّا ورعًا، يؤمهم في المساجد ويشهد جنائزهم وأفراحهم، ويجدونه إلى جوارهم كلما حزبهم أمر وحلّت بهم النكبات وما أكثرها، وكل ذلك راجع إلى الإسلام.

    والأمر الثالث متأتّ من أن للإسلام عاملا تربويا قيميا يتمثل فيما يمتلكه من قدرات على ضبط الاندفاع نحو الاستهلاك، بما يدع نصيبًا للادخار الضروري لكل نمو. وغالبًا ما لا يقف النهم للاستهلاك عند حد الدخل المتوفر للأفراد بمن فيهم القائمون على مؤسسات الدولة، بل تمتد أيديهم إلى المال العام لنهبه إشباعا لمنافعهم الشخصية وأسرهم وأحزابهم، بينما الإسلام يربي أهله على التقلّل، ويلزمهم بالحلال شرطًا لقبول عباداتهم، فيكبح جماح الاستهلاك، وينذرهم بأشد العقاب إذا هم ولغوا في الحرام، مما يشكّل عاملا تنمويًّا مهمًّا جدًّا لا يمتلكه غير الإسلاميين، خصوصا إذا تعزّز بوسائل الرقابة في المجتمعات الديمقراطية، التي لم تجد وحدها نفعًا في كبح الفساد آفة النظم المعاصرة.

    أما في ظل الأنظمة الدكتاتورية فيجتمع غياب الرقابة القانونية، مع غياب الرقابة الدينية، فتكون كارثة الانهيار محتمة ولو بعد حين.
    إن دور التربية الأخلاقية إلى جانب دور القضاء والإعلام في كبح معامل الفساد مهم جدا حتى إن الوزير الأول في حكومة الثورة الأولى في تونس لم يتردد -رغم تورطه ولو بالصمت والتوقيع على عقود النهب- في الإعلان عن أنه لولا الفساد لتجاوزت نسبة النمو 5% ولبلغت 8% أو أكثر، وهو فارق هائل كان يمكن أن يستوعب البطالة المتفاقمة التي كانت عاملا أساسيا في انهيار نظام المخلوع وقيام الثورة.
    إن نجاح الشيخ نجم الدين أربكان رحمه الله وتلاميذه غير المسبوق في تركيا في القضاء على آفة الفساد التي اجتاحت طبقة سياسية في جملة أحزابها الفساد المستفحل -سواء كان ذلك خلال نهوضهم بتنمية بلديات مفلسة أو كان من خلال توليهم سلطة البلاد، حيث رفعوا خلال سنوات معدودات من مستويات الدخول الفردية، وحدّوا من مستويات التضخم المتصاعدة ومن البطالة ووضعوا تركيا اقتصاديا وسياسيا وحقوقيا على طريق التمدن الحديث- يمثل شهادة نيرة للإسلام وما حققه من تجديد وتشبيب للنخبة السياسية الهرمة.
    وهو ما يمكن أن ينجزه (الإسلاميون) في كل مكان اليوم، بما يفرض اعتبار البرنامج الاقتصادي ليس مجرد مخططات أيا كانت دقتها وجماليتها بقدر ما هو قبل كل شيء مشروع ثقافي تربوي إنساني.
    الملاحظة السادسة: تحاول حكومات في بلاد العرب شبعت فسادا ودكتاتورية تحت ضغط خارجي صارم إقامة نظام اقتصادي رأسمالي حر. ومعنى هذا في لغة الغربيين إيجاد نظام سياسي ديمقراطي يتسم بحرية الفرد في إبداء رأيه وفي اختيار ممثليه وفي مزاولة مهنته وفي معاملاته المادية مع غيره، وفي إصدار قراراته الخاصة بإنتاجه واستهلاكه.

    لذلك كان أول ما يجب على هذه الحكومات إن أرادت أي إصلاح أن تكون منطقية مع نفسها وأن تزاوج بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، إذ بدون ذلك لن تتمكن من تحقيق ما تعد به الشعب من رخاء اقتصادي وإن قل، فالحرية لا تتجزأ. ولأن الفساد متغلغل في أحشائها وجزء لا يتجزأ من بنيتها فتخليصها منه هو من قبيل القضاء عليها، بما يجعل الأمل في إصلاحها ميؤوسا منه.
    هذا منطق البديهة، وهو ما قال به أصحاب المذهب الليبرالي في القرن التاسع عشر، وهو عين ما يقوله معتنقو هذا المذهب في هذا القرن، وهو ما قال به الإسلام في القرن السابع، على أن يتأسس ذلك ويجري في سياق فلسفة خلقية تعطي الأولوية للإنسان فردًا وجماعة بما يعنيه ذلك من رعاية التوازن بين حاجاته المادية والروحية والخلقية، واعتباره جزءًا من أسرة وجماعة ومجموع إنساني وفي علاقة ضرورية ومصيرية بالبيئة، فما ينبغي التمركز حول بعد واحد منها في مشروع تنموي جاد مثل الربح المادي مقابل إهمال بقية الأبعاد، كما فعلت وتفعل النماذج الرأسمالية أو الاشتراكية.
    فهل تستجيب الحكومات التي تريد الإصلاح؟ ولأن السياسة الاقتصادية هي في أرفع مفاهيمها، تحتاج مع التخطيط ومع التشريعات ومع الاستثمارات ومع التعليم والتكوين المهني.. وربما قبل ذلك كله إلى جو سياسي مشجع، ومناخ نفسي مساعد، وظروف اجتماعية هادئة، وقوانين عادلة، فإن الحكومات التي أفرزتها ثورات عارمة ضد الفساد والاستبداد مرشحة لأن توفر ذلك.
    ويمكن تلخيص كل ذلك فيما اصطلح على تسميته بالديمقراطية في معناها الواسع والشامل، فبقدر ما تكون الحياة السياسية شفافة وواضحة، يعرف فيها كل فرد ومؤسسة وتنظيم وهيئة... مكانه وحدوده وواجباته وحقوقه، تكون الحياة الاقتصادية والأنشطة المنتجة كذلك.
    لهذا نقدّر أن الشرط الأساسي لنجاح سياسة اقتصادية أن يسود المجتمع جوّ الجدية والثقة والأمان والطمأنينة، إلا أن ذلك لا يكفي وحده لإنتاج القمح والأدب والمواد الاستهلاكية، بل هو مجرد حافز لا غنى عنه.
    وذلك ما لم تنطلق السياسة الاقتصادية من برامج ومخططات واضحة الأهداف والوسائل، ومدد التنفيذ يجب على المتصدين للسلطة إسلاميين وغيرهم أن يتقدموا بها للناخبين وتناقش في وسائل الإعلام والمنتديات حتى يقبلها الناس عن بينة ويتحمسوا لها ويرشحوا أصحابها لتنفيذها، أو يردوها ويرفضوها وأصحابها، دون أن ينال ذلك من دينهم وهويتهم ووطنيتهم.
    ومع ذلك فنحن نؤكد في السياسات الاقتصادية ارتباط الاقتصاد بجملة المفاهيم العقائدية الإسلامية التي تؤطر كل مؤسسات المجتمع الثقافية والتربوية وسياسات الدولة الداخلية والخارجية.


    الملاحظة السابعة: وأخيرًا، لا بد من التذكير بأن السياسة الاقتصادية المثلى هي التي تسن لصالح السواد الأعظم من المواطنين وبموافقة غالبيتهم في جوّ من الحرية والشفافية، وأن كل ما عدا ذلك استبداد لفئة معينة على جمهرة الشعب، مما يهدد التوازن والسلم الاجتماعي ويدمر مؤسسات المجتمع والبيئة ويضع البلاد في حرب أهلية أو على حافتها.
    وهو عين ما يحدث الآن في معظم بلاد العرب باسم الإصلاح الهيكلي تحت ضغوط منظمات دولية بدعاوى تحرير الاقتصاد، وهي السياسة ذاتها التي اقتضت الدعم الغربي لأشد الأنظمة دكتاتورية وفسادًا، فطبقت سياسات الطوارئ -معلنة أو غير معلنة- في أكثر من بلد مثل مصر وتونس وسوريا والعراق والجزائر، وسحقت صناديق الاقتراع ومعها الفائزون مثل جماعة الجبهة في الجزائر، والنهضة في تونس، والحركة النقابية والجمعياتية والصحافية والسياسية في مصر وسوريا... من أجل تسهيل تمرير السياسات الرأسمالية الدولية، وسحق أمل الشعوب في تنمية مستقلة لصالح الشعوب وحرياتها وانعتاقها من التبعية.
    وإذن فإن أول الإجراءات الواجب اتخاذها في حكومة ديمقراطية، هي إعادة الكلمة للمجتمع والمواطن لتنظيم صفوفه من أجل المساهمة الحقيقية في تطوير الحياة الاقتصادية وإطلاق المبادرة في إطار قيم الإسلام وعدالته، وفرض الحريات العامة والخاصة، ودعم مؤسسات المجتمع، والحد من الهيمنة السياسية للدولة على المجتمع، وتعبئة عناصر المقاومة والتحدي لدى شعوبنا من أجل تنمية مستقلة متوازنة في أطر وبواعث عقدية وسياسية معبرة عن إرادة وضمير أمتنا، تعيد التوازن بين الدولة والمجتمع لصالح هذا الأخير، واستقلاله واكتفائه واستغنائه عنها في معظم مقومات حياته.
    فينهض العمل الاقتصادي ضمن نهضة شاملة، تضمن تحرير الفرد والمجتمع من هيمنة الدولة ومن نهم التنين الرأسمالي العولمي، بما يقصر تدخل الدولة على سد الثغرات وتحقيق التوازن بين الجهات والفئات والمبادرة للاستثمار حيث تجبن المبادرات الفردية، ولكن دون المس بحرية الأفراد ومبادراتهم الفردية والاجتماعية، بما يؤسس ويدعم سلطة الأمة على حكامها في تحريرها من التبعية للخارج، وتحقيق عزتها ووحدتها، وتحرير أراضيها وإرادتها، ونصرة كل مظلوم، وإطعام كل جائع وسَتْر كلِّ عار، ومداواة المريض، وتعليم كل جاهل..

    على أن تتم عملية تحجيم الحكومة بالتدرج على قدر ما يحققه المجتمع من استقلال واستغناء.. ذلك أن عدم توافر الكفاية للمواطن يفرض وضعًا استثنائيًّا تستباح فيه الملكية الخاصة؛ إذ الأولوية في مثل أوضاعنا للحرية والعدالة والوحدة وتحرر الأمة من الاحتلال والهيمنة الأجنبية.
    سأل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد عماله وهو يودّعه: "ماذا تفعل إذا جاء سارق؟" قال: "أقطع يده". فرد عليه عمر: "فإن جاءني منهم عاطل أو جائع فسوف يقطع عمر يدك. يا هذا، إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها، يا هذا، إن الله خلق الأيدي لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية"
    **************************************
    http://www.iumsonline.org/ar/default...1068&menuID=16
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مقالاتان تكميليتان لهذا البيان الرائع في بسطه والمُشكِل في فحواه وهما عبارة عن مقدمتين من كتاب "في الإقتصاد : البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية" للأستاذ المفكرالإسلامي عبد السلام ياسين

    مُساهمة  Admin في الإثنين 20 يونيو 2011 - 20:23

    مقدمتان

    بعد أن مهدنا بحثنا في الاقتصاد بفصول عن التخلف، وعن ضرورة التحرر من التبعية، وعن الأموال في التشريع الإسلامي، ندخل هنا في صميم الموضوع بحول الله الرازق ذي الطول.
    إن المذهب الاقتصادي الإسلامي طبق في عهود خلت لم يكن فيها مفهوم الاقتصاد معروفا كما يحدده الاصطلاح العصري. كانت الأمور تمشي عفويا إلى حد كبير، ولم يكن للدولة أي أثر يذكر، ولا أي هم مقيم مقعد فيما يتعلق بحالة أرزاق العباد. اللهم إلا ما كان من ظلم الحكام الذين طغوا في البلاد يجمعون الأموال من غير حلها، وينفقونها في غير مصارفها.
    أما اليوم فالاقتصاد غول مخيف يقض شبحه مضاجع الحكام، على نجاحه يتوقف نجاح كل نظام حاكم، ومن خلاله يتدخل الاستعمار، وبواسطته يتحكم الأغنياء والأذكياء الماكرون والمحتكرون على الرقاب والأرض وما عليها.
    وتحتاج الدولة الإسلامية لنظرية اقتصادية إسلامية متكاملة واضحة المعالم تستند عليها في الاختيارات والقرارات. فإن السياسة هي اتخاذ القرار باختيار هذا الحل على ذلك نظرا للأهداف التي تفضلها على غيرها، ونظرا للوسائل التي معك، ونظرا لما تتوقعه من رضى الناس بقرارك لما يأتيهم به من خير. ولب الاختيارات والقرارات التي تتخذها الدولة الحديثة لها مساس مباشر وثيق بالاقتصاد، بل جلها اقتصادية، بل كلها. فيحق القول أن الاقتصاد هو زمام السياسة وجسمها، وحواسها.
    وردت كلمة "قصد" و"اقتصاد" في الكتاب والسنة بمعنى الاتجاه إلى الهدف المقصود، وبمعنى التوسط في الأمر، في مثل قول الله عز وجل : "واقصد في مشيك" حكاية عن لقمان يوصي ابنه، وفي مثل قوله عز وجل : "ومنهم مقتصد" وهو المتوسط. وجاء في الحديث الشريف لفظ القصد والاقتصاد بمعنى التوسط والمداومة والسير.
    نحتاج لنظرية اقتصادية واضحة المعالم لكي نبني نموذجنا طبقا لروح ديننا، استجابة وتحقيقا لعقيدتنا وطموحنا في الكفالة الذاتية والرخاء والقوة. شأن أمة لها قصد، قادرة على سلوك الطريق إلى أهدافها المعنوية والتاريخية، بمداومة واستمرار، عبر عالم مليء بالعقبات.
    إننا معشر المسلمين يعيش معظمنا في حزام حول الأرض يتميز بالمناخ المداري الحار الجدب، فأرضنا يحتاج استصلاحها إلى جهد خاص، وأسلوب خاص، واقتصاد خاص. وإننا ننتمي إلى فئة من الشعوب الحيوية في التناسل والتوالد، يتكاثر عدد سكانها من المواليد أربعة أضعاف نمو المنتوج الزراعي. وإن لنا أموالا مبددة شذر مذر. طاقات بشرية هائلة لو جندت، وأرض تحتاج لجهد خاص لتخصب، وموارد مالية وطبيعية وافرة لولا النهب الخارجي والتبذير الداخلي، ولولا الذهنيات المتخلفة، والحاجات التكاثرية المصنوعة المتزايدة.
    فالمطلوب مذهب الإسلام في الاقتصاد لتتفاعل هذه المعطيات تفاعلا إيجابيا، فنحصل على القوام المادي الضروري لبقائنا ووجودنا وطموحنا.
    بين يدي هذه الصفحات العاجزة في الموضوع غير المتخصصة أضع مقدمتين.

    المقدمة الأولى : المقاصد والعقبات

    إن الغاية من خلق الله عز وجل هذا الكون، هي أن يعطي خلقه من الجن والإنس إطارا حياتيا يكون ظرفا لوجودهم، ولكسبهم أسباب السعادة أو الشقاء من الأعمال، ولنشرهم بعد الموت، ولحشرهم إلى دار الجزاء، إلى جنة أو نار. يقول الله تبارك وتعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". فالمقصود من الخلق هو الفرد من الجن والإنس يريد له الله الخالق الرازق أن يحقق عبوديته لخالقه. والآيات التي تخبرنا أن هذا الكون خلق من أجلنا، وسخر لنا، دنياه وآخرته، سماؤه وأرضه، كثيرة.
    فأنت إذن أيها العبد درة الوجود، حولك يدور، وأنت عروسه ومعناه ومغزاه. ما خلقت لتكون عجلة من عجلات الاقتصاد، ولا دابة تأكل وتتمتع بلا هدف. فلا يجوز أن يعتبر الفرد في المجتمع الإسلامي مجرد خادم للاقتصاد، ولا عبدا للجماعة، ولا عاملا أصم من عوامل الإنتاج. ينبغي أن توفر له الدولة ويوفر له الاقتصاد حريته في اختيار الدين الذي يدين به، وحريته في الرأي، وحريته في السعي إلى تحقيق غاية وجوده، وبالتالي اللازم، حريته في كسب معاشه. لأنه إن استعبد واضطهد وضيق عليه في معاشه فقد سائر الحريات، وضل عن غايته. وحريته في الكسب تعنى أن يكدح ويتعب ويعمل بِجد ليأكل من عرق جبينه، لا أن يعيش طفيليا. فإنه إن عاش طفيليا على المجتمع، بالكسب الحرام من ظلم، وابتزاز، وغش، وكسل، وحيلة، ودروشة، وتواكل، فقد خان قانون العبودية لله عز وجل.
    إنسان حر، عبد بالخلق خيره الله بما أعطاه من حرية بين أن يكون عبدا بالالتزام للشريعة قانون العبودية، وبين أن يكون عبدا لهواه. فيناسبه اقتصاد حر، ونظام سياسي يمكنه من التشاور واختيار حكامه بحرية، ويناسبه تحرك في المجتمع وفي العالم بحرية.
    الاقتصاد الحر نعني به اقتصاد العبد السائر على قانون ربه الذي حدد الحلال والحرام، والواجب والحق، ونظام الملكية والميراث، وحقوق الأجير والشريك، وحق الله في المال، ومصرفه للبائس والسائل والمحروم، وحث على السعي والنشاط في الكسب، وحذر من الاغترار بالحياة الدنيا والمتعة الدوابية. فإذا اختار الإنسان داخل المجتمع الإسلامي ألا يدين بالإسلام، فالإسلام يضمن حريته الكاملة في التصرف داخل حدود العبودية لله لا خارجها. وإن تبين للجماعة أن الإنسان الفرد في المجتمع الإسلامي سفيه لا يستحق الحرية حجر عليه كما يحجر على الصبي غير المسؤول. وإن كان الإنسان الفرد في المجتمع الإسلامي اختار أن يكون عبدا لهواه، مستهترا بأحكام الرب جل وعلا، سلبت منه تلك الحرية الاقتصادية والسياسية وأقيم عليه الحد والتعزير.
    الاقتصاد الحر بالمفهوم الرأسمالي يعني حرية الغاب، وأخلاق المنافسة الغابوية، والربا، والاحتكار، وظلم الشعوب، واستعباد العامل، ودرجه في عداد آلات الإنتاج، وجعل الإنسان دابة تكدح وتستهلك. وتعنى الكلمة في الإسلام نقيض كل ذلك دون أن يكون في ديننا ما يبيح للدولة أن تحتكر النشاط الاقتصادي، ولا ما يبيح السيطرة السياسية بغير حق.
    ليكن هذا واضحا في أذهاننا التي ألفت أن ترى في الرأسمالية نموذج النظام الحر، وفي الاشتراكية نقيضا له. الاقتصاد الإسلامي حر بمعاني الحرية الغائية المقيدة هنا في الدنيا بقيود الشرع. وبهذا يكون النظام الإسلامي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري نقيضا للنظامين الجاهليين، لا من حيث التطبيقات العملية الجزئية فقط، بل من أساسه ومن غايته. الجاهلية ترى الإنسان دابة لا معنى لها، والإسلام يراه آدميا مكرما بآدميته، محشورا إلى ربه بعد الموت، سعيدا عنده، أو شقيا في دار الخلود.
    يبقى أن يتشخص النموذج الاقتصادي الإسلامي في واقع متحرك، يجمع تفاصيل الأحكام الشرعية في مذهبية، وتنظيم، وإدارة، وإنتاج، وتوزيع، منصبة على الإنسان، على شكل زاد لسفره إلى الله، وعلى شكل جهاز مادي لضيافته في الدنيا، وعلى شكل قوة للأمة، وبركة عليها وعلى المستضعفين، وهم أمة الدعوة، لا يستثنون من اهتمامنا أبدا، ولو كانوا لا يزالون على الفطرة المحرفة لم تبلغهم الدعوة، أو شوهت سمعتها لديهم.
    ما دون تشخيص النموذج الإسلامي عقبات لاختلافه في الغاية والأهداف عن مقاصد الاستكبار العالمي، ولمشاكل التخلف الداخلية فينا. ونستعمل كلمة التخلف بالمفهوم الذي بيناه في فصل سابق، نعترف بتقصيرنا دون أن نسحب الكلمة على ما عندنا بحمد الله من الإيجابيات، ورأسها إيمان الأمة بالله ورسوله واليوم الآخر. وهو رأس الأمر، أعز ما هناك.
    من العقبات ما يحول دون تمليك الإنسان المسلم والمجتمع المسلم حريتهما ليصبحا فاعلين لا مفعولين سياسيا واقتصاديا. فالعقبات السياسية والتخلف السياسي عائقان اقتصاديان، والعكس صحيح. والمجالان مترابطان ترابطا صميما. ومن العقبات ما يحول دون ترويض المال ليخدم الإنسان بدل أن يكون قوة عمياء تتصرف في مصير الإنسان من خلف مكامنها وأوكارها. من العقبات ما يقف حجر عثرة في طريق الإنسان والمجتمع إلى التحكم في فوضى متابعة الربح وإرضاء نزعات الشح والأنانية. عقبات سياسية اقتصادية نفسية.
    لا يمكن أن يستبدل بالنظام الاقتصادي الذي ورثته الدولة الإسلامية عن ماضي الفتنة نظام إسلامي جاهز بين عشية وضحاها. نظام الفتنة، بل فوضاها، مرتكز على الاستبداد السياسي، والاحتكار الاقتصادي، والهوى الأناني. والجهد المطلوب لكي يحول ويبدل إلى اقتصاد مركز على خدمة الإنسان والمجتمع كبير. جهد لينهض الإنسان من كسله وعبوديته للبشر فيصبح منتجا حرا واعيا بوظيفته وشرفها. جهد لإنصاف العامل من صاحب المال. جهد لتنظيم العمال وتنمية التضامن النقابي. جهد لتحرير الشعب من استعلاء الحاكم وصنائعه. جهد لفك الطبقية المستغلة لجهود الناس. جهد للتنظيم الاجتماعي تنظيما غير تنظيم سوق الأنعام، بسوط الشرطي وتعسف الإداري. جهد للإصلاح الزراعي. جهد للتصنيع. جهد الجهود لإقامة دولة العدل والإحسان جهاد في جهاد في جهاد.

    المقدمة الثانية : نحن في العالم

    أهم عائق للنمو الاقتصادي داخل بلادنا هو الراجع إلى العلاقة المنكوسة التي تجعل المحكوم عبدا للحاكم، والعامل مملوكا لصاحب المال، والعاطل كما مهملا. وأهم العوائق الخارجية علاقتنا المنكوسة بالدولة المصنعة الاستعمارية سابقا، ولاحقا، وطبعا.
    ماذا تكون علاقة دولة الإسلام بالعالم ؟ أنحتاج إلى العالم، ومن بين العالم الدول المستكبرة، أم هو يحتاج إلينا ؟ أنعامله أم نقاطعه ؟ وعلى أي أساس، وبأي قانون، ومن أي موقف ؟
    يسمون بمصطلحهم المقنع لقاء الذئاب بالخراف حوارا بين الشمال والجنوب. رهان هذا الحوار الموارد الطبيعية، وأهمها النفط، التي يحتاج إليها الغرب المصنع احتياجا كبيرا، بل احتياجا مأسويا فيما يتعلق بالنفط. فأمنهم الاقتصادي والعسكري متوقف على امتلاك تلك الموارد المدخرة في أرضنا معشر المستضعفين المسمين جنوبا. وكثيرا ما تستدعي المصطلحات الجغرافية لتخفي تحت قناعها عيب الواقع ونية التضليل، فيسمون مثلا، بلاد المسلمين شرقا أوسط أو شرقا أدنى كما سموا المستضعفين جنوبا لينتقل اهتمام السامع من بني الإنسان، ومن خصوصيات الإنسان وشخصيته، إلى الأرض وجهاتها.
    محتاجون هم إلى مواردنا احتياجا كبيرا لا يفي عوضا عنها الأثمان البخسة التي يضطروننا إلى قبولها. وإنما يبخسوننا ويستفيدون من فائض الربح الكبير في تبادلهم المجحف معنا، لأن احتياجنا لخبرتهم وآلاتهم، خاصة لرأس المال، ولقمحهم وسلاحهم، يستعبدنا لهم، ويحلنا محل التابع الذليل.
    من الضروري لهم أن يتوسعوا في بلادنا، لأن نموهم الاقتصادي الذي لا يعرف حدودا يحتاج إلى مجال حيوي، إلى مواد خام، وإلى سوق لصرف المنتوجات.
    وليس من الممكن أن نقلد نموذجهم في التنمية، لأننا لا نملك قاعدة صناعية، ولا اكتفاء فلاحيا، ولا قوة عسكرية لكي نجعل العالم مجالنا الحيوي بالمعنى الاستعماري، ولكي نتعامل معهم بالمثل. نحن في موقف ضعف، وتقليدنا لنموذجهم يزيدنا ضعفا إذ يعرض محاولاتنا التنموية للفشل، نظرا لانعدام الشروط التي سمحت لهم في ماضيهم وحاضرهم بالهيمنة السياسية والاقتصادية.
    تتلاشى فرص نجاحنا كلما أخرجنا من تحت أيدينا موادنا الخام التي لا تعوض لمحدودية الأرض وذخائرها. وقد قال أحد اقتصادييهم : "لو أن أوربا في القرن التاسع عشر صدرت جل فحمها إلى الخارج لكانت اليوم بكل تأكيد دولا متخلفة".
    على الدولة الإسلامية أن تضع حدا لأساليب التنمية الحمقاء التي تعتمد على استيراد تكنولوجيا متقدمة، صنعت في الغرب وللغرب المهيمن على خيرات الأرض بينما تصدر المواد الخام الضرورية لتغذية الصناعة.
    تناقض يجعل الجائع العاري الجاهل الأعزل يجري وراء سراب القفزة التي تحمله إلى الكواكب على مركبة الأحلام.
    المصانع والآلات الإنتاجية المستوردة من الغرب تستعمل تكنولوجيا متطورة، فعندما يستوردها البلد المتخلف، يستورده معها خبراء، ويبقى تابعا سرمديا، مفتقرا ليدربوه، ويمولوه تمويلا مشروطا، ويعطوه قطع الغيار. وما من آلة من بلادهم إلا وتأتينا بنصيب من تلك التبعية. ذلك بالإضافة إلى أن الآلة الإنتاجية المتطورة تلتهم العمل التهاما، وتقضي على أهل البلد بالبطالة، لاسيما إن جاءت تلك الآلة لتحل محل إنتاج محلي سابق.
    إن اهتمام الدولة الإسلامية يجب أن ينصرف عن أسلوب استخراج المعادن لتصديرها، وعن أسلوب المصانع المستوردة، لينصب على دعم الصناعة الصغيرة والمتوسطة والتقليدية. لابد لنا من صناعة ثقيلة أيضا. ولابد قبل توطينها من الاستعانة بما تتيحه السوق العالمية. لكن الاكتفاء الذاتي، وهو هدف تحرري له الأسبقية، لا يسمح بحال أن يكون كل اقتصادنا تابعا تحكمه إرادة غيرنا. ونرجع بعد حين إن شاء الله للصناعة والتصنيع.
    إن اهتمام الدولة الإسلامية يجب أن ينصرف عن المشروعات الزراعية الواسعة، المخططة المؤممة، الموجهة للتصدير، إلى المشروعات الفلاحية المحلية المسؤولة، الموجهة إلى الإنتاج الغذائي.
    وإن استمرار التخلف ودوام التبعية راجعان إلى جملة من العوامل منها وجود اقتصاد عصري منفصل عن الاقتصاد البلدي. وجود اقتصاد ممكنن متطور، قائم على التبادل التبعي للخارج، معتمد على تكنولوجيا، أي آلات وخبرة، غير مستوطنة في بلادنا، ومع التكنولوجيا تدخل إلينا وتستفحل فينا أفكار الغرب وأنماطه الحياتية. وبهذه الكيفية تعيش على هامش الشعب وفوقه طبقة مديري الاقتصاد العصري التي لا يعنيها من أمر الشعب صعوبات الحصول على الغذاء، ولا البطالة الناشئة عن المكننة العاتية التي لا تراعي المصلحة العامة وإنما تلتمس ارتفاع الإنتاجية والأرباح بأي ثمن.
    وتبقى كتلة الاقتصاد البلدي مهملة، ويبقى السواد الأعظم من الأمة محروما غير مكترث إلا بهمومه وآلامه، ولا مشارك في عملية التنمية التي لا يفهم لها معنى لأنهم لم يخصصوا له منها ناقة ولا جملا، ولا فتحوا له رجاء وأملا.
    يقابل هذا التشطر بين الاقتصاد العصري والاقتصاد البلدي التقليدي في الداخل تشطر يسمى "توزيع العمل" على المستوى العالمي. بمقتضى هذا التوزيع المفروض على الشعوب المستضعفة بحكم تخلفها، بل تخليفها، يصنع الغرب موادنا الخام، يشتريها منا، لا بل يبتزها ابتزازا، بثمن بخس، ثم يبيعنا المنتجاب بالثمن الباهض، بعد أن أضاف إلى قيمتها المادية قيمة فنية تعطيها جاذبية إن كانت سلعة استهلاك، وتعطيها الفعالية الجهنمية إن كانت سلاحا، وتعطيها على كل حال السمعة والهيبة لأنها تحمل وسام "صنع بالولايات المتحدة الأمريكية".
    توزيع العمل العالمي استعمار اقتصادي يساعد على إبقائنا في التخلف، والشطر العصري من الاقتصاد في بلادنا إنما هو ذئب تابع للشركات الكبرى، واسفنجة لامتصاص دمائنا.
    هنالك مفاوضات بين الشمال والجنوب كما يقولون. هذه المفاوضات لا تضع موضع التساؤل والنقد والرفض قسمة العمل المجحفة، ومبدأ تهريب المواد الخام من بلادنا، ومبدأ احتكار التكنولوجيا التي تضفي على هذه المواد هذه القيمة الفنية التي تعطى رطل النحاس الذي اشتري بثمن التراب مآت أضعاف قيمته الأصلية بعد التصنيع. إنما تدور هذه المفاوضات، كما يريد الاستعمار، حول تحسين قيمة التبادل، وحول إنشاء صندوق موازنة لدعم أثمان المواد الأولية عند انهيار السوق، وحول التعاون التقني الذي لا يتناول إلا تقنيات المصانع المتطورة الجاهزة لا التقنيات المتكيفة بحاجاتنا، وحول النسبة المائوية مِن دَخْل الدول المصنعة التي يجب أن تخصص (يا للرحمة المتصدقة !) لمساعدة الدول الفقيرة. ثم لا تتمخض المفاوضات إلا عن كل ما يضمن مصلحة الأقوياء الأغنياء.
    يجب أن تكون دولة الإسلام سابقة إلى التيقظ، بجانب المستضعفين، لأصول اللعبة الاقتصادية، وأن تساوم من موقف القوة على مواد العالم الضعيف، مدركة أن العالم المصنع بفقره من المواد الخام، فقرا نسبيا على كل حال، وبالحروب الاقتصادية بين دولة ودولة، وبالمنافسات التي يضغط بعضهم بها بعضا، لم يبق في مكانة يستطيع منها أن يسيطر على اقتصاد العالم كما كان يفعل من قبل. يشكل وجود اليابان ذلك الوجود الساطع في سماء الاقتصاد وبروز "التنينات الأربع" في جنوب شرق آسيا، وبدايات دول مثل البرازيل، وأفق تصنيع الصين غير البعيد فجوة في الكتلة المصنعة، منها ندخل إن شاء الله إلى عالم تكنولوجيا مبسطة متكيفة بحاجاتنا، فجوة تشكل فرصة تاريخية لكسر احتكار الغرب، وضرب استعماره. ثم إن للكتلة الإسلامية بعد التحرير مؤهلا ذاتيا بإسلامها وإمكاناتها لخرق تلك العقبات، بإذن الله وحوله وقوته.


    المصدر وفيه الكتاب بكامل فصوله
    http://yassine.net/ar/document/1198.shtml

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 24 يوليو 2017 - 9:51