hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    موجبات تغير الفتوى

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    موجبات تغير الفتوى

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:35

    هل فعلا تتغير الفتوي?
    وما الادلة علي ذلك?
    وما الاشياء التي توجب تغيرها?
    لتجد الاجابة علي هذة الاسئلة اقدم لكم هذة الروابط لمجموعة مقالات قيمة للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلاماء المسلمين نفعنا الله بعلمة واطال الله في عمرة

    1- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر القدرات والإمكانات

    2- من موجبات تغير الفتوى .. تَغيُّر حاجات الناس

    3- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الأوضاع الحياتية

    4- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الحال

    5- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الرأي والفكر

    6- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الزمان

    7- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر العُرف

    8- من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر المكان

    9- من موجبات تغير الفتوى: عموم البلوى

    10- موجبات تغير الفتوى


    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر القدرات والإمكانات
    د.يوسف القرضاوي

    لقد أصبح الناس في عصرنا أكثر قدرة منهم فيما مضى، لأن العلم الحديث أعطى الإنسان قدرات هائلة، عن طريق الثورات العلمية السبعة: الثورة التكنولوجية، والثورة البيولوجية، والثورة الفضائية، والثورة النووية، والثورة الالكترونية، والثورة المعلوماتية، وثورة الاتصالات... كل هذه أعطت الإنسان قدرة لم تكن له من قبل، وهذه لها تأثيرها في الأحكام.

    تطور الطب
    هناك أحكام مبنية على القدرة المعينة، للفرد أو للمجتمع، فإذا تغيرت القدرة تغير الحكم. أضرب لذلك مثلا بموقف العلماء قديما من التداوي[1] فقد كانوا يرون أن العلاج ليس أمرًا مطلوبا، ليس واجبًا ولا مستحبًا، بل هو من المباحات حتى إن البعض قال: الأفضل أن لا نتداوى؛ لأن نجاح العلاج لم يكن محققا، فكثير من العلاجات والتشخيصات المرضية كانت ظنية تخمينية.
    لكن اليوم – بعد تطور الطب، وابتكار أجهزة تخدمه، لم تخطر على بال السابقين، وارتقاء علم الصيدلة والدواء - وجدت أدوية ناجعة مجربة، فكيف نقول للإنسان: اصبر على الصداع في حين أن قرصا من (الأسبرين) يريحه من ألم الصداع؟! كيف تصبر على وجع الضرس؟! والمغص الكُلوي، وآلام البواسير... وغيرها، وكلها لها أدويتها المعروفة والمجربة، وما دام العلاج مجربا وناجعا، فلا يحل للمرء أن يصبر على ألم يمكن له أن يتخلص منه بسهولة، لأنه يؤلم نفسه بغير مبرر، ويضر نفسه بغير سبب، ومن القواعد المتفق عليها في الشريعة: أن "لا ضرر ولا ضرار"[2]. وإذا وقع الضرر، وجب السعي لإزالته، ولهذا قال الفقهاء في قواعدهم: الضرر يزال بقدر الإمكان، والضرر لا يزال بضرر مثله أو أكثر منه... إلخ.
    الآن أصبحت في قدرة الناس أشياء لم يكن يظن الناس أنها تحدث، مثل: زرع الأعضاء فهو من الأشياء التي لم يكن الناس يَحْلُمون بها، لكن التقدم الطبي، والتقدم العلمي، حقق ما كان يعتبر من قبل في باب المستحيلات، وهذا التغير في القدرات تترتب عليه أحكام.
    تطور الاتصالات
    هناك حديث للنبي صلى الله عليه وسلم، نهى فيه أن " يطرق الرجل أهله ليلا"[3] أي: إذا جاء من السفر فلا يصح أن يفاجئ أهله في منتصف الليل، فعليه أن يؤخر قدومه ليصل في النهار، وهذا كان لأنه لم يكن في مقدور المرء أن يخبر أهله بقدومه، فنهاه النبي عن المجيء في وقت مفاجئ، وكأن الرجل يتهم أهل بيته، ويجري عليهم تفتيشا فجائيا، إضافة إلى أنه ينبغي على المرأة أن تتهيأ للقاء زوجها بالتجمُّل والتزيُّن، فجاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا نطرقهم ليلا، وذلك كان في عصر لا يستطيع المرء فيه الاتصال بأهله. لكن الآن يستطيع المرء أن يستخدم الفاكس أو الهاتف و(الموبايل)؛ ليخبر أهله بقدومه في الوقت المحدد، فلا تحدث المفاجأة المخوفة، فهذا من القدرات التي تغيرت، والإمكانات التي جدّت للناس، فتغير الحكم تبعا لها، فلا مانع من وصول الرجل إلى بيته – بعد الإخبار- في أي وقت من ليل أو نهار.
    وهنا أيضا اعتبار آخر، وهو أن مواعيد الوصول لم تعد في ملك المسافر، إذ الطائرات والبواخر وغيرها هي التي تتحكم في ذلك.
    انتقال المرأة بانتقال زوجها
    قال فقهاء الحنفية: إن المرأة تتبع زوجها، إذا أعطاها كامل مهرها، حتى إنه إذا انتقل من بلد إلى بلد وجب أن تتبعه.
    وجاء المتأخرون من علماء الحنفية وقالوا: هذا كان في الزمن الماضي، حيث كان الرجل يؤتمن على أهله وعلى زوجته، والآن (يعني في أيامهم) لو ذهبت المرأة مع زوجها إلى بلد آخر بعيد عن أهلها وأوليائها، فقد يظلمها ويجور عليها، ولا تجد من يدافع عنها، فمن حقها أن لا تذهب معه. هذا كان مبنيا على أن مسألة الاتصال بالأهل صعبة. لكن الآن تستطيع المرأة - إذا كانت مع زوجها في أي بلد - أن تتصل بأهلها بسهولة، فالعالم أصبح قرية واحدة، ونحن الآن نعرف بعد لحظات أو للتو ما يحدث في العالم أولا بأول. فإذا تغيرت القدرات والإمكانيات، فإن هذا يؤدي إلى تغير الفتوى وتغير الأحكام.

    [1] راجع ما ذكرناه في كتابنا: (التوكل) فصل (التداوي والتوكل) ص 75 – 95، وفيه ذكرنا آراء الفقهاء والمتصوفة.

    [2] سبق تخريجه.

    [3] - جزء من حديث ونصه" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يلتمس عثرتهم". رواه مسلم في الإمارة (715) عن جابر، وأبو داود في الجهاد (2776) والنسائي في "السنن الكبرى" في العشرة ( 9096).


    من موجبات تغير الفتوى .. تَغيُّر حاجات الناس
    الحاجات تتغير في عصرنا، وهناك أشياء كان الناس يعتبرونها كماليات، وأصبحت الآن حاجيات. لا أستطيع الآن وأنا أعيش في دول الخليج في جوه اللاهب أن أقول: الثلاجة كمالية!! إنها باتت ضرورية، وكذلك المروحة أو المكيف وما شابهها، كلها أصبحت ضروريات لا يمكن للناس الاستغناء عنها، في مناخ تبلغ درجة الحرارة فيه قريبا من خمسين! فلو كنت أتكلم عن نصاب الزكاة، وعن أن النصاب يجب أن يكون فاضلا عن الحاجات الأساسية للإنسان، لا أستطيع أن أعتبر أن الحاجات الأساسية هي: الطعام والشراب واللباس والمسكن فقط، فهناك حاجات جديدة للناس ستُبنى عليها أحكام جديدة، وإليكم بعض النماذج والأمثلة.

    اقتناء الكلاب بين القديم والحديث

    مما ذكره الفقهاء: أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني صاحب (الرسالة) المعروفة في المذهب المالكي، والتي شرحها كثيرون. هذا الإمام زاره بعض معاصريه من الفقهاء، فوجدوا في داره كلبا للحراسة. فقالوا له: إن مالكًا رضي الله عنه كان يكره اقتناء الكلاب. فقال لهم: لو أدرك مالك زمننا لاتخذ أسدًا ضاريًا[1].

    لقد تغيّرت حاجات الناس، ولم تَعُد حاجات الناس في زمن أبي زيد القيرواني كما كانت في زمن مالك رضي الله عنه، فلجأ الناس إلى الكلاب لتحرسهم من اللصوص وقُطّاع الطرق، فالحاجات إذن تتغير، وإذا تغيّرت الحاجات فلا بد أن يتغير الحكم المبنى عليها.

    وفي عصرنا: رأينا الغربيين؛ في أوربا وأمريكا وأستراليا: يقتنون الكلاب في حالة الشيخوخة – التي أمست تطول عندهم، بحيث تزيد عادة على الثمانين - لتؤنسهم من الوحشة، فكثيرا ما يعيشون وحدهم، لا رفيق ولا أنيس، فأمست الكلاب حاجة من حاجاتهم، حيث هجرهم أبناؤهم وأحفادهم وحفيداتهم.

    التعليم المنهجي وضرورته

    أذكر مثلا آخر لذلك. التعليم المنهجي، أيْ في المدارس والجامعات، لم يكن معدودا من الحاجات والمطالب الأساسيّة من قبل، واليوم أصبح مطلبا مهما للأفراد، ومسألة مهمة للأسرة، وواجبا كبيرا من واجبات الدولة، ولهذا يجب أن يُعتبر في باب النفقات. وكما يجب أن يوفر للإنسان مأكله ومشربه ومسكنه، يجب أن يوفر له ولأبنائه ما يلائمه من التعليم، حسب تطور المجتمعات.

    كما يجب أن يعتبر هذا التعليم - في مراحله الأولى على الأقل - في حاجات الإنسان في الزكاة، وفي تحديد (الكفاية التامة) التي يجب أن توفر لكل من يعيش في المجتمع الإسلامي، مسلما أو غير مسلم. فهو مما تتم به كفاية الإنسان في كنف الحياة الإسلامية.

    اشتراط المرأة في عقد الزواج

    ومما سئلت عنه: هل يجوز للمسلمة أن تشترط في عقد الزواج على من يتزوجها: أن تكمل تعليمها الجامعي؟ وهل يجب على الزوج أن يفي بهذا الشرط؟

    وكان جوابي: نعم، يجوز لها ذلك، فإن هذا من حقها، ولاسيما إذا كانت نجيبة ومتفوقة، ومن حقها أن تشترط ذلك في العقد، وعلى الزوج أن يفي به، كما في الحديث: "المسلمون عند شروطهم"[2] وهو نوع من الوفاء بالعهد، وهو فرض في الإٍسلام. وأحق الشروط أن يوفى به: شروط النكاح، لحرص الإسلام على بناء المؤسسة الزوجية الصالحة المستمرة.

    ومثل ذلك حق الزوجة العاملة: أن تظل في عملها، إذا اشترطت ذلك في العقد أو خارجه، وقَبِل ذلك الزوج، أو تزوجها وهي تعمل ولم يشترط عليها ترك العمل، وكان عُرف المجتمع إقرار المرأة العاملة على عملها بعد الزواج.

    بيوت السكنى ومتطلبات العمل

    وبيوت السكنى في الأزمان الماضية: غير بيوت السكنى في الزمن الحاضر، وقد كان يكفي في المسكن قديما: أن يكون فيه عدد من الحجرات تكفي لعدد من أفراد الأسرة، وأن يدخله الهواء والشمس، وأن يكون فيه أثاث محدد مناسب لذلك العصر.

    أما الآن فلا بد للمسكن الذي يوفره الزوج لامرأته، أو توفره الدولة لعاملها، أو المؤسسة للموظف لديها، أن يكون موصولا بشبكة الماء والكهرباء، وأن تكون فيه جملة من الأجهزة الأساسية التي تعرف الناس عليها، للشرب وللغسيل والتنظيف، وللطهي وللإطفاء ولتبريد وغيرها، وبدون هذا لا يكون المنزل ملائما ولا ملبيا لحاجات الناس المعاصرة.

    وقد تصبح السيارة في بعض البلدان أداة ضرورية لنقل الإنسان من موضع عمله إذا كان بعيدا، كما هو الشأن الآن في بعض المدن الكبيرة، ولم تتوافر الموصلات العامة الموصلة إليه بسهولة.

    وبعض الأعمال أمست اليوم تحتاج إلى شروط لم تكن تحتاج إليها في الزمن الفائت، مثل: حاجة المعلم إلى أن يكون مؤهلا تأهيلا تربويا – غير التأهيل العلمي- يستطيع به أن يوصِل ما عنده من علم إلى تلاميذه بطريقة سليمة ومشوقة، وهو ما تقوم به معاهد التربية المختلفة، التي تعد المدرسين المؤهَّلين في اختصاصاتهم، إعدادا تربويا خاصا يعينهم على القيام بأداء رسالتهم على أفضل وجه ممكن.

    شراء بيوت السُكنى في الغرب عن طريق البنوك

    ومن تغيّر حاجات الناس: ما لمسناه عند الأقليات المسلمة في أوربا وأمريكا وغيرها، من اشتداد الحاجة إلى سكن يملكه المسلم لنفسه ولأسرته، بدل السكن المستأجر، فالسكن المملوك يوفر له أشياء لا يوفرها السكن المستأجر، وهذه الأشياء هي في الحقيقة أمور يحتاج إليها الإنسان المعاصر، وخصوصا في البلاد الغربية.

    فهو في حاجة إلى مسكن يستقر فيه، ولا يتحكم فيه المالك ويهدده بالطرد إذا كثر فيه عدد الأولاد، وإلى سكن يرفع مستواه الاجتماعي حيث مستوى أصحاب البيوت المملوكة عادة أعلى من أصحاب البيوت المستأجرة: في الخدمات، وفي نظرة الناس، وتقديرهم الاجتماعي.

    وهم في حاجة إلى المزايا التي يتمتع بها أصحاب البيوت المشتراة، عن طريق البنك، باعتبارهم مدنيين، مثل إعفائهم من حد معين من الضرائب، واستحقاقهم لمعونات معينة إلى غير ذلك.

    لهذه الحاجات وغيرها: أفتى المجلس الأوربي للإفتاء بالأغلبية للأقلية الأوربية المسلمة بجواز شراء المسلم بيتا للسُكنى عن طريق البنك الربوي، وبذلك يجعل ما كان يدفعه أجرة شهرية للسكن باعتباره قسطا شهريا للسكن المبيع له بالأجل.

    وكان الاعتبار الشرعي للمجلس هو: تقدير حاجات المسلمين القوية، التي اعتبرها الفقهاء بمنزلة الضرورة، كما هي قاعدتهم المقررةSadالحاجة تنزل منزلة الضرورة خاصة كانت أو عامة)[3].

    طواف الحائض التي تخشى فوات الرفقة

    وفي مثل هذه الحالة أيضا ينبغي أن نراعي فيها تغيّر الحاجات، فقد باتت المرأة اليوم في حجها مرتبطة برفقة تصاحبهم في سفرها، هي ومن معها، سواء كان سفرها برا أم بحرا أم جوا، ولم تعد الأمور كما كانت سابقا، بمعنى أن يتحكم كل حاج في موعد سفره! وإنما أضحى للسفر مواعيد محددة بدقة، لا يستطيع الإنسان أن يتقدم أو يتأخر عنها، وخصوصا في موسم الحج. فلو لو فُرِض أنه تأخر الحيض عند المرأة ولم تطف طواف الإفاضة، وانتظرت أول يوم العيد والثاني والثالث ولم ينقطع الحيض، هنا يجوز لها أن تطوف وهي حائض بعد أن تتحفظ وتتحوط، ولا حرج عليها حتى قال الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم أنه لا يجب عليها شيء. فلنا أن نأخذ هنا بهذه الرخصة، ولا نشدد على المرأة ومن معها.

    هكذا نجد في عصرنا حاجات كثيرة، تستجد وتحدث دائما وعلى الفقيه أن يراعي هذه الحاجات المتجددة والمتغيرة في فتواه.

    [1] راجع القصة في منح الجليل شرح مختصر خليل / باب في البيع (9/ 369)، وانظر: شرح العلّامة زروق على الرسالة (ج2/ 424).

    [2] ورد هذا الحديث بأكثر من لفظ، وفي بعضها زيادة، وعن عدد من الصحابة منهم: أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك ورافع. أما اللفظ الأول: "المسلمون عند شروطهم" فرواه البخاري معلقا في الإجارة بصيغة الجزم، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع (2/57) عن عائشة، ورواه الدارقطني في السنن كتاب البيوع (3/27) عن عائشة، والطبراني في الكبير (4/275) عن رافع بن خديج، وذكره الألباني في الصحيحة (2915).

    وأما لفظ "المسلمون على شروطهم" فرواه الترمذي في الأحكام (1352) عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وقال: حسن صحيح، وأبو داود في الأقضية (3594) عن أبي هريرة، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع (2/57) وقال: رواة هذا الحديث مدنيون و لم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب، وله شاهد من حديث عائشة و أنس بن مالك رضي الله عنهما، وقال الذهبي: لم يصححه وكثير ضعفه النسائي ومشاه غيره. والطبراني في الكبير (17/22)، والدارقطني في السنن في البيوع (3/27) عن أبي هريرة وأنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6714).

    [3] انظر: كتابنا ( في فقه الأقليات المسلمة)/154- 188، ط دار الشروق القاهرة.



    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الأوضاع الحياتية
    يعد تَغيُّر الأوضاع الاجتماعية والسياسية أمر واقع تقتضيها سنَّة التطور، وكثير من الأشياء والأمور لا تبقى جامدة على حال واحدة، بل تتغير وتتغير نظرة الناس إليها.

    غير المسلمين في المجتمع الإسلامي:

    قضية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي (أهل الذمة)، وهو ما يعبر عنه بقضية (الأقليات الدينية) في المجتمعات الإسلامية. وقضية الأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية، وقضية علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم: هل هي علاقة السلم أو الحرب؟ وقضية المرأة، وسفرها وتعليمها وعملها، ومشاركتها السياسية. هذه قضايا أصبح لها في العالم شأن كبير، ولا يسعنا أن نبقى على فقهنا القديم كما كان في هذه القضايا.

    يجب أن نراعي هنا مقاصد الشارع الحكيم، وننظر إلى النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، ونربط النصوص بعضها ببعض، وها هو القرآن يقول:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]. فهذا هو الأصل، وهو الدستور.

    إذا وجدنا أهل الذمة اليوم يتأذون من هذه الكلمة (أهل الذمة). ويقولون: لا نريد أن نُسمّى أهل الذمة، بل نريد أن نُسمّى (مواطنين). فبماذا نجيبهم؟

    وجوابنا: أن الفقهاء المسلمين جميعا قالوا: إن أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ومعنى ذلك بالتعبير الحديث أنهم: (مواطنون)، فلماذا لا نتنازل عن هذه الكلمة (أهل الذمة) التي تسوءهم، ونقول: هم (مواطنون)، في حين أن سيدنا عمر رضي الله عنه تنازل عما هو أهم من كلمة الذمة؟! تنازل عن كلمة (الجزية) المذكورة في القرآن، حينما جاءه عرب بني تغلب، وقالوا له: نحن قوم عرب نأنف من كلمة الجزية، فخذ منا ما تأخذ باسم الصدقة ولو مضاعفة، فنحن مستعدون لذلك. فتردد عمر في البداية. ثم قال له أصحابه: هؤلاء قوم ذوو بأس، ولو تركناهم لالتحقوا بالروم، وكانوا ضررًا علينا، فقبل منهم وقال: هؤلاء القوم حمقى، رضوا المعنى وأبوا الاسم[1].

    فالأحكام تدور على المسميات والمضامين لا على الأسماء والعناوين، ولا بد أن ننظر في قضايا غير المسلمين، وفي قضايا المرأة نظرات جديدة، وأن نرجح فقه التيسير، وفقه التدرج في الأمور؛ مراعاة لتَغيُّر الأوضاع.

    إن كثيرا من المشايخ أو العلماء، يعيشون في الكتب، ولا يعيشون في الواقع، بل هم غائبون عن فقه الواقع، أو قل: فقه الواقع غائب عنهم، لأنهم لم يقرؤوا كتاب الحياة، كما قرؤوا كتب الأقدمين.

    ولهذا تأتي فتواهم، وكأنها خارجة من المقابر!

    محاربة العالم كله كيف؟

    وهؤلاء هم الذين أفتوا شباب (السلفية الجهادية) وشباب (تنظيم القاعدة) و(تنظيم الجهاد) في مصر وفي عدد من الأقطار: أن عليهم أن يحاربوا العالم كله، شرقيّه وغربيّه، نصرانيّه ووثنيّه، فكل هؤلاء من: كتابيين ووثنيين وملاحدة وبدائيين في فسطاط الكفر، الذي يجب أن يقاتل، مستدلين بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193] وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36] ونحوها من الآيات التي سموها (آية السيف).

    وأكدوا هنا ما ذُكر في كتب الفقه من أن جهاد الكفار فرض كفاية على الأمة، ولا يتحقق فرض الكفاية إلا بغزو بلاد الكفرة مرة في السنة على الأقل، أي مهاجمتها في عُقر دارها، وإن لم يبد منها أي إساءة إلى المسلمين.

    وجهل هؤلاء ما انتهى إليه العالم من التقارب حتى غدا كأنه قرية واحدة، وما انتهى إليه من مؤسسات دولية: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقضائية، وأن هناك اتفاقيات دولية، وقوانين دولية، ومحاكم دولية، وأن العالم كله أصبح يجرم أي دولة تهاجم دولة أخرى بلا مبرر، وأن حدود الدول يجب أن تُحترم، وأن النزاع بين الدول يجب أن يُحل بالطرق السلمية، وأن هناك معاهدات دولية تقنن سير الحروب إذا ما وقعت، وشؤون الأسرى ومصيرهم.

    وأننا نحن المسلمين جزء من هذا العالم لا يمكننا أن نتجاهله ونعيش وحدنا، وأننا إذا بحثنا في تراثنا الفقهي والشرعي: وجدنا من الأقوال والنصوص ما يؤيد اتجاه العالم إلى السلم، بل هذا الاتجاه عند المقارنة والتأمل هو الأرجح دليلا، والأهدى سبيلا. وهذا ما اتجهت إليه في كتابي تحت الطبع (فقه الجهاد).

    أما ما قاله الفقهاء عن (فرض الكفاية) فقد وجدنا له تفسيرا رائعا عند فقهاء الشافعية، وهو: إعداد القوة العسكرية اللازمة القادرة على الردع، وشحن الثغور ومواضع الخوف بالجيوش المدربة، والجنود الأكفاء على كل مستوى: بري وبحري وجوي، بحيث لو فكّر الآخرون في الاعتداء علينا لوجدوا ردنا حاضرا بما يكفل سلامة البلاد والعباد.

    تهنئة النصارى بأعيادهم:

    ومراعاة تغيّر الأوضاع العالمية، هو الذي جعلني أخالف شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه تهنئة النصارى وغيرهم بأعيادهم، وأجيز ذلك إذا كانوا مسالمين للمسلمين، وخصوصا من كان بينه وبين المسلم صلة خاصة، كالأقارب والجيران في المسكن، والزملاء في الدراسة، والرفقاء في العمل ونحوها، وهو من البر الذي لم ينهنا الله عنه. بل يحبه كما يحب الإقساط إليهم {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]. ولا سيّما إذا كانوا هم يهنئون المسلمون بأعيادهم، والله تعالى يقول: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (النساء:86)[2].

    ضرورة التيسير في مناسك الحج:

    ومن الأمور التي ينبغي أن ينظر إليها نظرة جديدة نظرا لتغير الأوضاع: مناسك الحج. فإذا كانت العبادات في الإسلام قائمة على التيسير، كما في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } البقرة:185، وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]. وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ومعاذ حين أرسلهما إلى اليمن قائلا لهما:" يسرا ولا تعسرا.."[3] وأمر به الأمة كلها فيما رواه أنس عنه "يسروا ولا تعسروا[4]". فلا شك أن الحج عبادة خاصة، أشد حاجة إلى التيسير من سائر العبادات الأخرى لعدة أسباب:

    أولا: أن كثيرا من الناس قد يؤدي هذه الشعيرة، في ظروف مادية وصحية غير مواتية تماما، وقد سافر وارتحل عن أهله ووطنه، والسفر قطعة من العذاب.

    ثانيا: لشدة الزحام الذي يشكو منه المسلمون كافة في مواسم الحج طوال السنوات الأخيرة، وهذا من فضل الله تعالى على أمة الإسلام، وخصوصا عند الدفع من عرفات، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، وعند طواف الإفاضة، ورمي الجمرات. ولا سيما مع قلة الوعي لدى كثيرين من الحجاج، فكلما يسرنا على الناس في أداء مناسكهم، أعناهم على حسن العبادة لربهم، وفي هذا خير كثير.

    ثالثا: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يسر كثيرا في أمور الحج خاصة، فحين سئل يوم النحر عن أمور شتى قدمت أو أخرت، قال لمن سأله: افعل ولا حرج[5]. كما أنه نهى في الحج خاصة عن الغلو في الدين، حين قال للفضل بن العباس حين التقط الحصى للرمي " بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"[6].

    لهذا أجزنا الدفع من عرفات قبل كما مذهب الشافعي، وعدم المبيت في بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة والطواف بالكعبة طواف الإفاضة بعد منتصف الليل؛ ليلة العيد، وعدم المبيت بمنى أيام الرمي، والرمي قبل الزوال، وغيرها من التخفيفات التي يقتضيها الحال في هذا الزمان[7].




    [1] انظر: كتابنا (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) صـ51 طبعة مكتبة وهبة.

    [2] راجع فتوانا في هذا لموضوع بالتفصيل في كتابنا (فتاوى معاصرة/ ج3 ص 686- 691).

    [3] متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الجهاد والسير (1733)، وأحمد في المسند (19742)، عن أبي موسى.

    [4] متفق عليه: رواه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، وأحمد في المسند (13175)، وأبو داود في الأدب (4794) عن أنس.

    [5] متفق عليه: رواه البخاري في العلم (83)، ومسلم في الحج (1306)، وأحمد في المسند (6484)، وأبو داود في المناسك (2014)، والترمذي في الحج (916)، وابن ماجه في المناسك (3051)، عن ابن عمر.

    [6] - رواه أحمد في المسند (3248)، وقال مخرّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير زياد بن الحصين فمن رجال مسلم، والنسائي في مناسك الحج (3057) وابن ماجه في المناسك (3029) عن ابن عباس.

    [7] راجع كتابنا: (مئة سؤال في الحج والعمرة) طبعة دار القلم، دمشق ، الطبعة الأولى 2002م.



    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الحال
    تغير الحال، واقع نعيشه جميعاً، فحال الضيق غير حال السعة، وحال المرض غير حال الصحة، وحال السفر غير حال الإقامة، وحال الحرب غير حال السلم، وحال الخوف غير حال الأمن، وحال القوة غير حال الضعف، وحال الشيخوخة غير حال الشباب، وحال الأمية غير حال التعلم.

    والمفتي الموفق الذي يراعي هذه الأحوال ويميز بعضها وبعض، ولا يجمد على حكم واحد، وموقف واحد، وإن تغيرت الأحوال.

    وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يمنع الصحابة في مكة من أن يحملوا السلاح ليقاتلوا دفاعا عن أنفسهم، وهم يأتون إليه بين مضروب ومشجوج، ويأمرهم بالصبر وكف اليد، حتى إذا هاجر إلى المدينة وأصبح لهم دار ودولة أذن الله أن يقاتلوا، وإن الله على نصرهم لقدير.[1]

    وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال أصحابه، فيخفف عن الضعفاء ما لا يخفف عن الأقوياء، وييسر على البدوي ما لا ييسر على الحضري، وقد رأيناه عليه السلام حينما بال الأعرابي في المسجد، وهمّ الصحابة به، قال: "لا تزرموه (أي لا تقطعوا عليه بولته) وصبوا عليه ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".[2]

    وقد يرى المفتي أن يُفتي لمستفت في موضوع بالتشديد، ويفتي لمستفت آخر في نفس الموضوع بالتخفيف، فيشدد على هذا، أو يخفف على هذا؛ لاعتبارات يراها هو تتعلق باختلاف حال كل منهما. كما روى أحمد[3] أن النبي سئل عن القبلة للصائم فرخص لسائل ونهى سائلاً آخر عن القبلة أثناء الصيام. وبالبحث تبين أن أحد السائلين كان شيخًا فرخص له أن يقبل، وكان الآخر شابًا فنهاه عن التقبيل؟!

    توبة القاتل

    وقد كانت إجابات النبي صلى الله عليه وسلم تختلف من شخص لآخر، عن السؤال الواحد؛ لأنه كان يراعي أحوال السائلين، فيعطي الإجابة لكل منهم بما يلائم حاله.

    فتوى ابن عباس في توبة قاتل النفس:

    وكذلك كان الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    جاء رجل إلى ابن عباس فقال يا ابن عمّ رسول الله، هل للقاتل من توبة؟! فصعّد ابن عباس النظر فيه وقال له: لا، ليس للقاتل من توبة[4].

    وعندما ذهب الرجل قال أصحاب ابن عباس له: كنا نسمع منك قبل غير هذا؟ فقال: إني نظرت في وجهه فرأيته مغضبًا، يريد أن يقتل رجلاً مؤمنا.[5] هذا ما دفع ابن عباس لأن يقول له: لا توبة للقاتل.

    لو أتاه الرجل وقد قتل (أو ارتكب أي ذنب) وسأله عن التوبة لقال له: باب التوبة مفتوح، وإن الله يغفر الذنوب جميعا، { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } الزمر:53. لكن الرجل كان يحمل حقدًا على آخر، وينوي قتله، ويريد أن يأخذ فتوى مسبقة، فسدّ عليه ابن عباس الطريق. ولذلك قال العلماء: الفتوى قبل الابتلاء بالفعل تختلف عن الفتوى بعد الابتلاء بالفعل.

    وهذا ما أسير عليه في فتاواي. عندما يسألني أحد في مسألة من مسائل الطلاق مثلا، فيقول: ما الحكم الشرعي إذا حلفت على زوجتي بالطلاق أن تفعل كذا أو تترك كذا؟

    أسأله: هل وقع ذلك؟! فإن قال لي: لا لم يقع، قلت له: إذن اتركه إلى أن يقع. أما إذا قال لي: نعم وقع، فلا بدَّ لي أن أبحث له في هذه الحال عن حل أو جواب عند بعض السلف، مما اختاره ابن تيمية أو ابن القيم وغيرهما. وهكذا أجتهد أن أجد له في رحابة فقهنا العظيم: ما يناسب حاله، ويخرجه من مشكلته.

    الأقليات المسلمة

    وأرى أن حال الأقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات غير إسلامية، غير حال المسلم الذي يعيش داخل المجتمع الإسلامي، فحال هذه الأقليات تقتضي التيسير عليها، والتخفيف عنها، حتى تستطيع أن تعيش بدينها بين تلك المجتمعات.

    التجنيس بجنسية بلد غير إسلامي:

    ومن الفتاوى التي تغيّرت بتغير الحال؛ ما يعرف بالتجنس بجنسية أجنبية، وقد رأينا رجلا كالإمام البنا يرى هذا الأمر: مُحرَّما من المحرَّمات القطعية، بل كبيرة من الكبائر الدينية، بل قد يؤدي بمرتكبه إلى الكفر الصريح، والرِّدة عن الإسلام. وكان مما قاله الأستاذ البنا:



    (مجرد تجنُّس المسلم بأية جنسية أخرى لدولة غير إسلامية: كبيرة من الكبائر، توجب مَقْت الله وشديد عقابه، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادعى لغير أبيه أو انتمى لغير مواليه؛ فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة"[6]، والآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى، وهي قول الله تبارك وتعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28]؛ فكيف إذا صحبه بعد ذلك واجبات وحقوق تبطل الولاء بين المسلمين، وتمزق روابطهم، وتؤدي إلى أن يكون المؤمن، في صفِّ الكافر أمام أخيه المؤمن، وإن خيرا للمسلم أن يَدَع هذه الديار وأمثالها إن تعذرت عليه الإقامة فيها إلا بمثل هذه الوسيلة وأرض الله واسعة: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء:100]، والله أعلم)[7]. انتهى.

    ولكن الذي أراه هنا: أن أخذ الجنسية من بلد غير إسلامي يعتبر أحيانا خيانة لله ورسوله وللمؤمنين، وذلك في حالة الحرب بين المسلمين وغيرهم ممَّن يحاربون الإسلام؛ ولذا أفتى علماء تونس وقت الاحتلال الفرنسي أن أخذ الجنسية الفرنسية يُعدُّ خروجا ورِدَة عن الإسلام؛ لأنه بتجنسه باع ولاءه لوطنه، واشترى ولاءه للمستعمر، فأفتى العلماء الكبار بكفر من فعل ذلك. لأن هذه الفتوى سبيل من سبل المقاومة والاحتلال، وسلاح من أسلحة الجهاد. ولكن في الأوقات العادية نرى المسلم الذي يحتاج للسفر إلى بلاد غير إسلامية تعطيه الجنسية قوة ومَنعة؛ فلا يحق للسلطات طرده، ويكون له حق الانتخاب في المجالس البلدية والتشريعية وانتخابات الرئاسة، مما يعطي المسلمين قوة في هذه البلاد؛ حيث يخطب المرشحون ودَّهم، ويتنافسون على كسب أصواتهم. فحمل الجنسية ليس في ذاته شرًا ولا خيرًا، وإنما تأخذ الحكم حسب ما يترتب على أخذ هذه الجنسية من النفع للمسلمين أو الإضرار بهم.

    ولكي نكون منصفين: فلا بد أن نضع فتوى الأستاذ البنا ومن وافقه في إطار زمنها وبيئتها وظروفها، فقد يتشدَّد الأستاذ في أمور، نحن نتساهل فيها اليوم بمقتضى التطور العالمي، واقتراب الناس بعضهم من بعض، وحاجة العالم بعضه إلى بعض، وتغيُّر صفة بعض الدول من دول استعمارية ظالمة للمسلمين، إلى دول حليفة أو شريكة للمسلمين. كما أن الأستاذ في بعض ما كتبه كان في عنفوان الشباب، بما فيه من حماس وثورة ، واندفاع في المواجهة. وللسن حكمها، وللبيئة والزمن تأثيرهما، وعلى كل حال؛ ليس في العلم كبير، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه، إلا من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

    [1] رواه النسائي في الجهاد (3086) عن عبد الرحمن بن عوف، والحاكم في المستدرك كتاب الجهاد (2/76)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى كتاب السير (9/11)، عن ابن عباس، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح الإسناد (2891)، ونصه: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا". فلما حولنا الله إلى المدينة، أمرنا بالقتال، فكفوا. فأنزل الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النساء:77].

    [2] رواه البخاري في الوضوء (220)، وأحمد في المسند (7255)، وأبو داود في الطهارة (380)، والترمذي في الطهارة (147)، والنسائي في الطهارة(56)، عن أبي هريرة.

    [3] الحديث عند أحمد عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : هششت يوما فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيم " رواه أحمد (138) وقال مخرّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الملك بن سعيد الأنصاري فمن رجال مسلم، ورواه أبو داود في الصيام (2385) وابن حبان في الصوم (3544)، وعند أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله أُقَبل وأنا صائم. قال: لا. فجاء شيخ فقال: أُقَبل وأنا صائم؟ قال: نعم. قال: فنظر بعضنا إلى بعض؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض؛ إن الشيخ يملك نفسه " رواه أحمد (6739) وقال مخرّجوه: إسناده ضعيف على خلاف في صحابيه، وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح هذا مع أن فيه ابن لهيعة. وصححه الألباني كذلك في الصحيحة (1606) وانظر: كتابنا (فقه الصيام) ص89.

    [4] جاء عن ابن عباس أنه سأله سائل فقال‏:‏ يا أبا العباس هل للقاتل من توبة‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ كالمتعجب من شأنه‏:‏ ماذا تقول‏؟‏ فأعاد عليه مسألته فقال‏:‏ ماذا تقول‏؟‏ مرتين أو ثلاثاً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏يأتي المقتول متعلقاً رأسه بإحدى يديه ملبباً قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دماً حتى يأتي به العرش فيقول المقتول لرب العالمين‏:‏ هذا قتلني فيقول الله للقاتل‏:‏ تعست ويذهب به إلى النار‏"‏‏ رواه الترمذي مختصرا في تفسير القرآن (3032) وقال: حديث حسن غريب، ورواه الطبراني في الكبير (10/ 306) وفي الأوسط (4/ 286)، وقال الهيثمي‏:‏ رواه الترمذي باختصار آخره‏، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح‏، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2697).‏

    [5] أخرج عبد بن حميد عن سعد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول : لمن قتل مؤمنا توبة. قال : فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمنا توبة ؟ قال : لا إلا النار! فلما قام الرجل قال له جلساؤه : ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتينا: أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم ؟ قال: إني أظنه رجلا يغضب، يريد أن يقتل مؤمنا! فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.(الدر المنثور 2/629 ). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الديات (5/435)، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: رجاله ثقات (4/187).

    [6] رواه أبو داود في الأدب (5115) عن أنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5987).

    [7] مجلة الإخوان المسلمين. السنة الرابعة. العدد (4). صـ11 بتاريخ 14 صفر 1355هـ الموافق 5 مايو 1936م، نقلا عن سلسلة (من تراث الإمام البنا) الكتاب الرابع. الفقه والفتوى صـ229، 230.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    موجبات تغير الفتوى تابع

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:39

    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الرأي والفكر
    وكما أن تَغيُّر المعلومات من موجبات تَغيُّر الفتوى: نجد تغيّر الرأي والفكر من الموجبات أيضا.

    فقد لا تتغير المعلومات، ولكن يتغيّر فكر المجتهد بناء سعة إطلاعه، ونظره في فكر المدارس المختلفة، ومقارنة بعضها ببعض، أو بناء على تأمل ومراجعة للأمر المتعلق بدراسته، أو بناء على مناقشة علمية حوله، ينكشف ما كان خافيا، ويظهر ما كان غامضا، بحيث يتغير ـ نتيجة لذلك ـ رأي المجتهد وحكمه.

    وقد يكون ذلك بحكم تقدم السن، وزيادة النضج، واتساع الخبرة والتجربة في الحياة، وقد يتغير فكر العالم تغيّرا جذريا، بمقتضى مؤثرات شتّى، فينتقل من التشديد والتعسير إلى التخفيف والتيسير، أو من الحرفية والظاهرية إلى رعاية المقاصد وعلل الأحكام. فهو هنا ينتقل من منهج إلى منهج، أو من مدرسة إلى مدرسة أخرى. كما رأينا عددا من علمائنا قديما ينتقل من مذهب إلى مذهب، أو من أهل الحديث إلى أصحاب الرأي أو العكس، كما فعل الإمام أبو جعفر الطحاوي وغيره.

    وهذا التغير الجذري له أثره في تغيير الفتاوى الجزئية التي تصدر عن الفقيه، فمن انتقل من التشديد إلى التيسير، أو من الظاهرية إلى المقاصدية: ظهر ذلك في فتواه من غير شك.

    ولما ذكرناه هنا من أمثلة تغيّر الرأي والفكر أمثلة شتّى.

    تغيير رأي الفاروق في المسألة الحمارية

    وهذا ما رأيناه في رأي سيدنا عمر رضي الله عنه في قضيته المعروفة في في علم الفرائض أو المواريث باسم ( الحمارية) أو(الحجرية) وهي قضية يترك فيها الميت من ورثته: زوجا وأُمًّا واثنان فصاعدا من ولد الأم، وأخا شقيقا لأب وأم – أو أكثر من أخ- فقضى فيها عمر مرة بأن للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، يشتركون فيه، ولا شيء للإخوة لأب وأم.

    ومرة أخرى، عرضت القضية على عمر، فقضى فيها بنفس القضاء السابق، فقال له الإخوة الأشقاء: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حمارا – وفي رواية: حجرا – ألسنا من أم واحدة؟ فراجع عمر نفسه، وأشرك فيها الإخوة لأب وأم مع الإخوة لأم في الثلث بالتساوي[1].

    تغيير رأي الشافعي ومذهبيه القديم والجديد

    وأعتقد أن بعض اجتهادات الإمام الشافعي التي غيّر فيها مذهبه في مصر عن مذهبه في العراق، كانت من هذا النوع، أعني غيّر اجتهاد بناء على تغير رأيه وتفكيره، ولا سيما بعد أن أصّل الأصول، وفرّع الفروع، وناقش الأئمة، ورد عليهم بحججه، ودان الجميع له بالإمامة، وبلغ غاية النضج العلمي، الذي يمكن أن يرتقي إليه فقيه.

    تعدد الآراء في المسألة الواحدة عند كثير من الأئمة:

    ولعل كثيرا مما يروى عن الأئمة الكبار أمثال مالك وأحمد من روايات عدة في المسألة الواحدة، مرجع بعضها إلى تَغيُّر الرأي والفكر عند الإمام.

    ولي في هذا نصيب

    وأنا شخصيا أجد عندي بعض فتاوى تغيّر اجتهادي فيها، بناء على تغيّر الرأي والفكر، لا تغيّر المعلومات، ولا تغيّر المكان ولا الزمان، مثل فتواي في شراء البيوت للأقليات المسلمة عن طريق البنك الربوي إذا لم يتيسر بنك إسلامي، فقد كنت أُحرّم ذلك مطلقا قبل ذلك، وخالفت فيه الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقا الذي كان يرخص في ذلك، ثم بعد مدة من الزمن تغير رأيي، وأصبحت أنظر للأمر من جوانب شتى، فانتهيت إلى إجازة ذلك بضوابطه وشروطه، وهو ما أخذ به مجلس الإفتاء الأوروبي، ووافق عليه بالأغلبية[2].


    [1] قال ابن قدامة في المغني: هذه المسألة تسمى المشركة، وكذلك كل مسألة اجتمع فيها زوج وأم أو جدة واثنان فصاعدا من ولد الأم وعصبة من ولد الأبوين، وإنما سميت المشركة لأن بعض أهل العلم شرّك فيها بين ولد الأبوين وولد الأم في فرض ولد الأم، فقسمه بينهم بالسوية.

    وتسمى الحمارية لأنه يروى أن عمر رضي الله عنه أسقط ولد الأبوين فقال بعضهم : يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا، أليست أمنا واحدة ؟ فشرك بينهم. ويقال: إن بعض الصحابة قال ذلك فسميت الحمارية لذلك. انظر: المغني (7/ 22).

    [2] انظر: الفتوى بالتفصيل في كتابنا: فتاوى معاصرة / ج3 / ص 625 وما بعدها , وانظر : في فقه الأقليات المسلمة / ص 154 وما بعدها .




    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر الزمان
    ليس المقصود بتَغيُّر الزمان، الانتقال من سنة إلى أخرى، أو من عقد إلى آخر، أو من قرن إلى آخر، فليس هذا هو المؤثر، وإنما المقصود تَغيُّر الإنسان بتَغيُّر الزمان. فهذا الزمن الذي نعيش فيه مختلف عن الزمن الذي عاش فيه من قبلنا، وجدّت على الناس فيه أشياء، ولا بد للمفتي أن يراعي تَغيُّر الزمان، وأن لا يثبت على أمر واحد. وخصوصا تغير الزمان من الحَسن إلى السيئ، ومن السيئ إلى الأسوأ، وهو ما عبّر عنها بعض الفقهاء قديما بـ (فساد الزمان).

    والحقيقة أن الزمان لا يفسد، وإنما يفسد الناس؛ كما جاء عن الخنساء في شعرها:

    إن الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد الناس

    فالمقصود هنا فساد الناس و تَغيُّر أخلاق الناس من الصلاح إلى الفساد، ومن الاستقامة إلى الانحراف، ومن الأخوة إلى الأنانية، ومن الرحمة إلى القسوة، فالناس إذا تغيرت أخلاقهم :ينبغي أن تتغير الفتوى والأحكام لتتماشى مع هذا التغير، كما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز : "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور".

    يعني: أن حدوث فجور في الناس، يستوجب صدور أحكام تناسب هذا الفجور وتعالج هذا الفجور.

    فتَغيُّر الزمان أمر مهم، وهو ما جعل علماء الحنفية يقولون عن الخلاف بين أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، وبين الإمام الأعظم مؤسس المذهب، وقد خالفاه في نحو ثلث المذهب أو ثلثي المذهب كما قيل، قالوا: (الاختلاف هنا اختلاف عصر وزمان)[1].

    وهو الذي جعل عمر بن عبد العزيز حينما كان واليا على المدينة المنورة، يقبل القضاء بشهادة ويمين، أي بشهادة شاهد واحد ويمين الخصم، ولما كان في الشام رفض هذا، فقيل له: لقد كنت تقبل هذا في المدينة فقال: إني وجدت الناس في الشام على غير ما عهدتهم عليه في المدينة. فعندما تغيرت أخلاق الناس تغير الحكم.

    وقد قال العلامة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله في كتابه القيم (المدخل الفقهي العام) : (قد يكون "تغيّر الزمان" الموجب لتبديل الأحكام الفقهية الاجتهادية: ناشئا عن فساد الأخلاق، وفقدان الورع، وضعف الوازع، كما يسمونه: فساد الزمان.

    وقد يكون ناشئا عن حدوث أوضاع تنظيمية، ووسائل مرفقية جديدة، من أوامر قانونية مصلحية، وترتيبات إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك.) وقد ضرب الشيخ أمثلة عديدة لهذا التغير بنوعَيْه، فليراجع.[2]

    تغير الحد في الخمر

    فمما تغيَّرت به فتواهم بتغير الزمن والحال عقوبة شارب الخمر، فإنَّه لم يكن فيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد مقدَّر، وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير.

    روى البخاري عن عقبة بن الحارث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بنعيمان أو ابن نعيمان، وهو سكران، فشق عليه، وأمر مَن في البيت أن يضربوه، بالجريدة والنعال، وكنت فيمن ضربه"[3].

    وروى أيضا عن أبي هريرة قال: "أُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله! قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان"[4].

    وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر وابن جريج: "سُئِلَ ابن شهاب: كم جَلَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فيها حدا، كان يأمر مَن حضره يضربون بأيديهم ونعالهم، حتى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا"[5].

    بل ورد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب الشارب أصلاً في بعض المواقف، وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي – كما في الفتح- عن ابن عباس: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا، قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس، انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذُكِرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك، ولم يأمر فيه بشيء"[6].

    وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلاَّ أخيرا، ولقد غزا تبوك، فغشي حجرته من اللَّيل سكران، فقال، ليقم إليه رجل، فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله"[7].

    والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم تساهل في أول الأمر لقرب عهدهم من إباحة الخمر، حتى استقر التشريع ضرب وجلد، وإن لم يوقت حدًا، بل جلد الأربعين، ودون الأربعين، وفوق الأربعين، كما يبدوا ذلك من مجموع الروايات.

    ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه قرر العقوبة أربعين، على طريق النظر، كما قال الشاطبي[8]، فقد روى البيهقي عن ابن عباس: أنَّ الشرّاب كانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم هذا! فتوخى لم نحوًا مما كانوا يُضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان أبو بكر – رضي الله عنه- يجلدهم أربعين حتى تُوفي[9].

    وهذا يدل على أن تقديره للضرب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تقدير تقريبي، كما جاء في حديث أنس: "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ضرب نحوا من أربعين"، وكلمة "نحوًا" تدل على التقريب لا على التحديد.

    وروى عبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري: أنَّ أبا بكر ضرب في الخمر بالنعلين أربعين[10]، والضرب بالنعلين ليس من جنس ضرب الحدود المقدَّرة.

    فلما كان عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الناس في جلد الخمر، وقال: إنَّ الناس قد شربوها، واجترأوا عليها! فقال علي: إنَّ إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى (أي قذف الأبرياء) فاجعله حد الفِرية (أي القذف) فجعله عمر حد الفِرية ثمانين[11].

    ومعنى هذا: أنهم أقاموا السبب مقام المسبب، أو المظنة مقام الحكمة، فرأوا الشراب ذريعة إلى الافتراء، الذي تقتضيه كثرة الهذيان.

    وجاء في سبب هذه المشاورة من عمر: "أنًّ خالد بن الوليد كتب إليه: إنَّ الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة"[12].

    وروى مسلم والنسائي: "أنَّ عبد الرحمن بن عوف قال لعمر حين استشارهم: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر"[13].

    وفي مرسل عبيد بن عمير- عند عبد الرزاق- قال: "كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه، فكان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وبعض إمارة عمر، ثم خشي يغتال الرجل، فجعله أربعين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون، جعله ستين، فلما رآهم لا يتناهون، جعله ثمانين، ثم قال: هذا أدنى الحدود"[14].

    وهذا يدل على أنه وافق عبد الرحمن في أنَّ الثمانين أخف الحدود، أي الحدود المذكورة في القرآن، فهو أخف من حدّي الزنا والسرقة.

    وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتَى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمْرَة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين"[15].

    والذي يعنينا مما ذكره هنا: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يثبت لديهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّتَ في الخمر حدًا معينًا، ولو ثبت لهم ذلك لم يحتاجوا إلى المشاورة فيه، وإلى استعمال الرأي، بالقياس على القاذف أو أخف الحدود، وغير ذلك من الاعتبارات.

    وإذا لم يثبت لديهم نص ملزم، فقد تغيَّر حكمهم، واختلفت فتواهم بتغير الزمن، واختلاف الأحوال، كما نجد ذلك واضحًا في خلافة عمر، الذي جلد أربعين ثم ستين، ثم ثمانين، كلما رأى الناس لا يتناهون ولا يزدجرون.

    بل ورد أن عليًا رضي الله عنه زاد في العقوبة على ثمانين في بعض الأحوال، فقد رُوي أن النجاشي الحارثي الشاعر قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم حبسه فأخرجه من الغد، فضربه عشرين، ثم قال له: "إنما جلدتك العشرين لجرأتك على الله، وإفطارك في رمضان"[16].

    هذا، مع ما ورد عن علي في روايات أخرى، أنه استحب ألاَّ يزيد في الجلد على أربعين.

    وجاء عن عمر أنه زاد النفي على الضرب في مثل هذه الحالة، لما فيها من انتهاك حُرمة الشهر الكريم، فقد أُتيَ بشيخ شرب في رمضان فقال:" للمنخرين.. للمنخرين (أي كبه الله للمنخرين) أفي شهر رمضان، وولداننا صيام"؟! فضربه ثمانين، ثم سيَّره إلى الشام[17].

    وهذا يدل على أن العقوبة تختلف باختلاف حال المجرم، ومقدار عتوه، واشتهاره بالفجور، وتكرر الجريمة منه مرّة بعد مرّة، وعدم ارتداعه بالعقوبة، فمثل هذا يُشدد عليه، بخلاف مَن لم يُشتهر بفسق ولا فجور.

    ولهذا جاء في بعض الروايات: أنَّ عمر كان إذا أُتِيَ بالرجل الضعيف تكون منه الزلّة، جلده أربعين[18]، أي بخلاف الفاجر المصر على الكبيرة.

    وهذا ما جعل عمر بن عبد العزيز يقول: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور"[19].

    والعجيب، أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي أشار على عمر بجلد الشارب ثمانين، لأن الشرب مظنة الافتراء والقذف، رجع عمَّا أشار به على عمر، ورأى بعد ذلك أن يكتفي بأربعين، كما جاءت بذلك الروايات، وإن يضعّفها البعض وردّها.

    ولا حاجة إلى ردها فيما أرى، فما دامت العقوبة غير مقدّرة نصًا، فهي متروكة لأولي الأمر واجتهادهم، فلعلَّ عليًا – رضي الله عنه – رأى الناس قد ارتدعوا في زمنه، بعد تغليظ العقوبة في حقهم، فرأى العودة إلى التخفيف، كما كان عليه الحال في عهد النبوة، وخلافة أبي بكر.

    وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه أنه قال: "ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، وأجد في نفسي شيئًا، إلاَّ صاحب الخمر، فإنه لو مات ودَيته – أي دفعت ديته – أي دفعت ديته لأهله- وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه"[20] يعني: لم يُقدِّر فيه حدا معلوما.

    ولهذا حكى الطبري وابن المنذر وغيرهما وطائفة من أهل العلم: أنَّ الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير، بدليل الأحاديث الصحيحة التي سكتت عن تعيين عدد الضرب، وما جاء عن ابن عباس وابن شهاب من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق بحاله.

    وبهذا تعقَّب الحافظ في (الفتح) نقل مَن حكى الإجماع على أنَّ في الخمر حدّا واجبا[21].

    وقال الإمام الشوكاني في متن (الدرر البهية): "مَن شرب مسكرًا – مكلفا مختارًا – جُلِدَ على ما يراه الإمام: إما أربعين جَلده، أو أقل، أو أكثر، ولو بالنعال".

    وأكّد ذلك شارحه السيد صديق حسن خان في "الروضة الندية" أخذًا من مجموع الأحاديث الواردة في الباب قائلا: فيكون على هذا من جملة أنواع التعزير[22].

    والظاهر من صنيع الإمام البخاري في صحيحه: أنَّ هذا هو مذهبه أيضا، كما ذكر الحافظ ابن حجر. قال: فإنَّه لم يترجم بالعدد أصلا، ولا أخرج هنا في العدد الصريح شيئًا مرفوعًا[23].

    والمقصود في كل ما ذكرناه هنا: هو بيان تغير فتوى الصحابة رضي الله عنهم في عقوبة شارب الخمر من عصر لعصر، ومن حال لحال، حيث لم يلزمهم نص بحد معيَّن عن الله ورسوله. وهو يؤكد ما قلناه في وجوب تغيّر الفتوى بتغيّر موجباتها.

    جرائم الاغتصاب

    في عصرنا تجد هناك جرائم مثل جرائم الاغتصاب، وهي جريمة شنيعة استهان بها بعض أهل الفساد، وهتكوا الأعراض جهارا نهارا، فكانت الفتوى الملائمة: أن يشدد على هؤلاء العقوبة، ولهذا رأينا العلماء في المملكة السعودية جعلوا الحد فيها أو العقوبة: الإعدام؛ فلو خطف رجل امرأة من الطريق أو من سيارة أو غيرها، واغتصبها بالإكراه، فلا بد أن تقاوم هذه الجريمة بعقوبة رادعة، السجن لم يعد يكفي، لذا أفتى العلماء بالإعدام، وأنا أؤيد هذا، زجرا لهؤلاء الذين يستهينون بكل حرمة، ولا يرقبون بمؤمن إلاً ولا ذمة.

    ترويج المخدرات

    ومثل ذلك ترويج المخدرات، الذي يقوم به تجار الموت، هؤلاء الوحوش الذين يروّجون – بالقوة والحيلة والرشوة – بين الشعوب الغافلة: الحشيش والأفيون والهيروين ونحو هذه الأشياء التي تقتل وتدمر، فمن الواجب أن يعاقبوا بالإعدام، وهذا إذا كنا نقول بقتل من قتل واحدا ونقتص منه كما أمر الله{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (البقرة: 179).

    فكيف بمن يقتل شعبا بأسره؟! الذي ينشر هذه الأشياء يقتل المجتمع ليكسب هو ملايين، ولا يبالي بأن ينشر فيه هذه السموم القاتلة، ويدمّر الشباب. فلذلك حين سئلت في هذا الأمر من عدة سنوات فقلت: هؤلاء يجب أن يعاملوا بحد الحرابة ( إنَّمَا جَزَاءُ الَذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ) المائدة: 33، يجب أن يعاملوا بهذا الحد على أنهم محاربون لله ورسوله، وساعون في الأرض بالفساد، بل هم أشد خطرا من قطاع الطريق، لأن خطر قطاع الطريق محدود، وهؤلاء خطرهم غير محدود، وهكذا إذا تغيّرت أخلاق الناس يجب أن تتغير الفتوى تبعا لذلك.

    الوصية الواجبة

    وتغيّر أخلاق الناس هو الذي دعا فقهاء العصر في مصر وفي سوريا وبعض البلدان العربية، أن يفتوا للدولة بإصدار قانون (الوصية الواجبة) حين يموت الابن في حياة والده، ويترك أولادا يتامى، فإذا مات جدهم لم يكن لهم في تركته نصيب من جهة الميراث، فقد حجبهم أعمامهم، وفي هذه الحالة اجتمع عليهم اليتم والحرمان.

    في الزمن الماضي لم يكن يشعر الناس بهذه المأساة، لأن الأعمام كانوا يعتبرون أولاد إخوانهم وأخواتهم مثل أولادهم، فيغمرونهم بعطفهم ورعايتهم.

    وفي عصرنا غلبت النزعة الفردية، والنزعة المادية، وأصبح كل امرئ يقول: نفسي نفسي، فضاع الأحفاد الذين لم يرثوا من جدهم، والذين كان يفترض في جدهم: أن يوصي لهم بجزء من ماله، وفق قول الله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة:180) : وقد ذهب بعض السلف إلى وجوب الوصية للأقربين غير الوارثين، إذ لا وصية لوارث.

    وأحق الناس أن يوصَى له: ابن الابن، أو ابن البنت من جدهم إذا مات أبوهم أو ماتت أمهم في حياته، وإلى هذا شرع ما عرف بقانون الوصية الواجبة.

    إجبار الزوج على الخلع

    ومثل ذلك: قانون (إجبار الزوج على الخلع) إذا كرهت امرأته العشرة معه، وأمست لا تطيقه، وهي مستعدة لأن تبذل له كل ما دفع لها، ليحررها من ربقته، وتفدي نفسها منه. كما قال تعالىSadفَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)(البقرة229) وقد كان الرجل في الأزمنة السابقة، يأبى عليه إيمانه، وتأبى عليه رجولته: أن يبقى مع امرأة لا تطيقه بغضا، لكن في عصرنا أصبح هناك من الرجال من يتلذذ بإبقاء المرأة على ذمته وهي تكرهه، انتقاما منها، وتعذيبا لها. وخير له ولها: أن يأخذ الفدية منها ويتركها،وعسى الله أن يعوضه خيرا منها.

    تسجيل الملكيات العقارية وعقود الزواج

    ومما أوجبه تغير الأخلاق، وفساد الذمم، وجرأة الناس على ما حرم الله: إيجاب الدول المختلفة (تسجيل الملكيات العقارية) حفاظا على أملاك الناس وأموالهم من الدعاوى الزائفة، التي تشتري فيها ذمم الشهود، وربما القضاة أحيانا.

    وكذلك وجوب (تسجيل عقود الزواج) ضمانا لحقوق كل من الزوجين، وما يترتب عليها من ثبوت نسب الأولاد، خوفا من إنكار أحد الزوجين ثبوت الزوجية عن الآخر، أو ادعاء أحدهما الزواج من الآخر، ولا سيما إذا كان من وراء ذلك مكاسب ومواريث وغيرها من أعراض الدنيا، التي تغري الناس باستباحة الكذب والزور.


    [1] انظر: أصول التشريع لعلي حسب الله / ص 84، 85.

    [2] انظر: المدخل الفقهي العام/ ج2 /ص 941- 951- طبع دار القلم . دمشق.

    [3] رواه البخاري في الحدود (6775).

    [4] رواه البخاري في الحدود (6781) وأبو داود في الحدود (4478) والنسائي في "السنن الكبرى" في الحد في الخمر (5268) وزاد "ولكن قولوا: رحمك الله".

    [5] رواه عبد الرزاق في مصنفه(7 /377).

    [6] رواه أحمد (2963) وقال مخرّجوه: إسناده ضعيف، محمد بن يزيد بن ركانة لم يرو عنه غير اثنين، ولم يوثقه غير ابن حبان، فهو في عداد المجهولين، وفي متن حديثه مخالفة للأحاديث الصحيحة التي فيها أن حد شارب الخمر كان في عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أربعين، وكذا في عهد أبي بكر، فلما كان عهد عمر جلد ثمانين. ورواه أبو داود في الحدود (4476) والنسائي في الحد في الخمر (5290) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (966).

    [7] انظر: فتح الباري (15/77)، والحديث عند البيهقي في الكبرى في الأشربة والحدود (8/ 315) بلفظ:" ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا، لقد غزا غزوة تبوك فغشي حجرته من الليل أبو علقمة بن الأعور السلمي وهو سكران، حتى قطع بعض عُرى الحجرة. فقال:"من هذا؟" فقيل: أبو علقمة سكران. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ليقم إليه رجل منكم فليأخذ بيده حتى يرده إلى رحله" قال البيهقي: وهذا إن صح فقول ابن عباس لم يقت في الخمر حدا يعني لم يوقته لفظا وقد وقته فعلا وذلك يرد وإنما لم يعرض له والله أعلم بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو بشهادة عدول وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه وتركه والله أعلم

    [8] انظر: الاعتصام: ج2 ص118.

    [9] رواه البيهقي في الكبرى في الأشربة والحد (8/ ص320).

    [10] رواه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 379).

    [11] رواه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 378). وهو عند النسائي في الكبرى في الحد في الخمر(8 /321) بلفظ عن أبي سعيد الخدري قال:" ضرب منا رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشراب بالنعلين أربعين" وانظر: الفتح (15/ 73-74).

    [12] رواه أبو داود في الحدود (4489 ) والحاكم في المستدرك (4/ 417 ) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى (8/ 320) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (3768).

    [13] انظر: الفتح: (15/67).

    [14] رواه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 377، 378).

    [15] رواه البخاري: في الحدود (6779) والنسائي في "السنن الكبرى" في الحد (5261) مع ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر قتادة عن أنس.

    [16] رواه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 382) والبيهقي في الكبرى في الأشربة (8 /321).

    [17] رواه عبد الرزاق في مصنفه (7/ 382) والبيهقي في الكبرى في الأشربة (8 /321).

    [18] انظر: الفتح (5 / 76) وانظر: سنن الدارقطني ج3 ص157 بتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني.

    [19] ؟؟؟

    [20] رواه البخاري (6778) ومسلم في ( 1707) وابن ماجه (2569) وأبو داود (4486) ثلاثتهم في الحدود، والنسائي في "السنن الكبرى" في الحد ( 5253).

    [21] انظر: فتح الباري (ج/15 ص79- )

    [22] انظر: الروضة الندية شرح الدرر البهية ( ج2 / ص283-284).

    [23] انظر: فتح الباري: ج15 ص79- 80.





    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر العُرف
    من موجبات تغير الفتوى تَغيُّر العُرف الذي بنيت عليه الفتوى القديمة، وهذا مما نص عليه العلماء السابقون، فيما يوجب تَغيُّر الفتوى، ذكر ذلك القرافي المالكي وابن القيم الحنبلي، وابن عابدين الحنفي، وغيرهم.

    والمراد بالعرف: ما اعتاده جماعة من الناس وتعارفوه بينهم من قول أو فعل، حسنا كان أو قبيحا. فلا شك أن هناك أعرافا حسنة محمودة، وأعرافا أخرى سيئة مذمومة.

    مراعاة الفقه لأعراف الناس

    ومن المعلوم: أن الفقه الإسلامي يراعي أعراف الناس، ويبني عليها أحكاما، بقيود وشروط معينة، أهمها: ألا تخالف نصوص الشرع وقواعده. وإنما اعتبر العرف؛ لأنه يعلم أن الناس ما أنشأوا هذا العرف وتمسكوا به، إلا لحاجتهم إليه، ولأنه يحقق لهم مصلحة، فراعى الفقه – المعبر عن الشرع- حاجة الجماعة ومصلحتها، فاعتبر العُرف ورعايته من أدلته التبعية، وقال في ذلك الناظم:

    والعُرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار

    ولكن المهم هنا، هو: أن هذا العُرف الذي بنيت عليه أحكام، وترتبت عليه آثار، إذا تغيّر، هل يظل الحكم السابق ساريا مع هذا التغير؟

    الذي قرره المحققون من العلماء في مختلف المذاهب: أن الحكم – وبعبارة أخرى: الفتوى- تتغير بتغير العرف، بحيث لا يجوز إبقاء الفتوى القديمة- المؤسسة على عرف تغيّر- على حالها.

    قال الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه (الإحكام) في السؤال التاسع والثلاثين: (ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما، المرتبة على العوائد والعُرف اللذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد تدل على ضد ما كانت تدل عليه أوّلا، فهل تبطل هذا الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء، ويُفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة؟ أو يقال: نحن مقلدون، وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد، فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟).

    ثم يجب عن هذا السؤال بقوله:

    (إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلافُ الإجماع وجهالةٌ في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد)[1].

    ونلاحظ هنا: أن كلام القرافي إنما هو في الأحكام التي مدركها ومستندها العوائد والأعراف، لا تلك التي مستندها النصوص المحكمات.

    وتحدث القرافي في هذا الموضوع مرة أخرى في كتابه (الفروق) في حديثه عن (الفرق الثامن والعشرون) فيؤكد: أن القانون الواجب على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو: ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير الزمان والبلدان. ويقول: (فمهما تجدد من العُرف اعتبرْه، ومهاما سقط أَسقطْه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده، وأجره عليه، وأفته به، دون عُرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين)[2].

    أما عند الحنفية فنجد مجموعة كبيرة من الأحكام الاجتهادية التي قال بها المتقدمون أعرض عنها المتأخرون، وأفتوا بما يخالفها، لتغير العرف، نتيجة لفساد الزمن، أو غير ذلك، ولا غرابة في هذا، فإن أئمة المذهب أنفسهم – أبا حنيفة وأصحابه- قد فعلوا ذلك. ذكر السرخسي: أن الإمام أبا حنيفة في أول عهد الفرس بالإٍسلام، وصعوبة نطقهم بالعربية، رخّص لغير المبتدع منهم: أن يقرأ في الصلاة بما لا يقبل التأويل من القرآن باللغة الفارسية، فلما لانت ألسنتهم من ناحية، وانتشر الزيغ والابتداع من ناحية أخرى، رجع عن هذا القول.

    وذكر كذلك: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده – عهد تابعي التابعين- اكتفاء بالعدالة الظاهرة. وفي عهد صاحبيه – أبي يوسف ومحمد- منعا ذلك، لانتشار الكذب بين الناس[3].

    ويقول الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.

    وقد أصبح من القواعد الفقهية الأساسية عند الحنفية: قاعدة "العادة محكَّمة"[4]

    واستدلوا لها بقول ابن مسعود:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"[5].

    وكتب في ذلك علامة المتأخرين ابن عابدين رسالته القيمة التي سماها: (نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العُرف) بين فيها أن كثيرا من المسائل الفقهية الاجتهادية، كان يبنيها المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً.

    ولهذا قالوا في شروط المجتهد: ولا بد فيه من معرفة عادات الناس، قال ابن عابدين: (فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان؛ لتغير عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام، وأحسن إحكام.

    (ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد (يعني: إمام المذهب) في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم أنه لو كان في عهدهم لقال بما قالوا به، أخذًا من قواعد مذهبه).

    اختلاف المذاهب

    ومن قرأ كتب الفقه – على اختلاف مذاهبها- وجد فيها أحكاما وفتاوى مبنية على أعراف زمانها، ولكنها اليوم تبدلت إلى أعراف أخرى، فوجب أن تتبدل الفتوى أو الحكم بتبدلها، ولا سيما في عصرنا الذي تغيرت فيه أشياء كثيرة جدا في حياة الناس، نتيجة للتطور العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والحضاري الهائل، الذي قَلَب حياة المجتمعات والأمم ظهرا على عقب، بحيث لو افترضنا قيام بعض الموتى من قبورهم لأنكروا هذه الحياة الجديدة التي لم تعد لهم بها أيّة صلة.

    الشيكات المصرفية

    خذ مثلا بعض الأعراف التجارية والمالية الحديثة، فيما يتعلق بصرف الشيكات المصرفية، فلو اعتبرنا القبض كما قرره الفقهاء (يدا بيد، أو هاء وهاء) لحرّمنا التعامل بالشيكات وهي ضرورة الآن، ولذلك وجب على الفقيه أن يعتبر العُرف الجاري: أن الشيك يحتاج إلى يوم أو يومين وقد يحتاج إلى أكثر من ذلك، كما إذا صدر يوم الخميس محوّل على بنك خارجي، ويوم الجمعة عندنا عطلة، ويوما السبت والأحد عندهم عطلة، فيؤدي ذلك إلى تأخر صرف الشيك.

    طرق جديد للبيع

    وهناك أعراف كثيرة تغيّرت في الناحية الاقتصادية، وفي الناحية الاجتماعية، وفي الناحية السياسية، وهي تقتضي تغيّر الفتوى من الفقيه المعاصر.

    مثل عقد الصفقات عن طريق الهاتف أو الإنترنت أو الفاكس، أحد الطرفين في أمريكا والآخر في آسيا، ومثل ذلك الزواج عن طريق الإنترنت، أو غير ذلك من المعاملات التي لا تقف عند حد، والتي تتطلب من المفتي أن ينظر إليها من أُفق واسع، غير متقيد بالنصوص الفقهية التي تغيّرت اليوم عن زمانها ومكانها.

    وبعض الأعراف صدرت بها قوانين ملزمة من فعل الدولة، لا يجوز الإخلال بها، وبعض القوانين الصادرة من الدولة أنشأت أعرافا جديدة.

    المرأة بين القديم والجديد

    وبعض الأعراف كانت مبنية على أحكام مذهبية، لم تعد صالحة لحياة الناس اليوم، مثل منع بعض المذاهب المرأة من الذهاب للمسجد للصلاة فيها، أو الاستماع إلى درس أو محاضرة. فقد ذهبت المرأة اليوم إلى المدرسة وإلى الجامعة، وإلى السوق، وتعلمت وعملت في شتى نواحي الحياة، وسافرت إلى الخارج، فلماذا يبقى المسجد وحده، هو المحظور عليها؟

    عصر الساندوتش

    ومثل ذلك: ما ذكره الفقهاء – مما أشرنا إليه من قبل - من أن الأكل في الطريق يسقط المروءة، وعلى هذا لا تقبل شهادة الآكل في الطريق، ونحن في عصر السرعة الذي نعيش فيه أمسى الناس يتناولون الأكلات الخفيفة في طريقهم وهم ذاهبون إلى أعمالهم أو عائدون منها، وهو ما جعل بعض الناس يسمون عصرنا (عصر الساندوتش).

    فلو أسقطنا شهادة هؤلاء لأضعنا حقوقا كثيرة للناس، وبخاصة أن الناس لم يعودوا ينظرون إلى هذا الأمر باعتباره ينزل من مروءة صاحبه، بل اعتبروه من ضرورات الحياة، المعاصرة وتطورها.

    زكاة النقود

    ويدخل في هذا: ما بُني من نصوص على عُرف زمني كان قائما في عصر النبوة، ثم تغيّر في عصرنا، فلم يعد قائما، فلا حرج علينا النظر في مقصود النص دون التمسك بحرفيته.

    ومن الأمثلة البارزة على أن النص قد يُبنى على عرف ثم يتغيّر: ما ثبت من تقديره صلى الله عليه وسلم نصابين لزكاة النقود، أحدهما بالفضة وقدره: مائتا درهم (تقدر بـ595جراما) والثاني بالذهب وقدره: عشرون مثقالا أو دينارا (تقدر بـ85 جراما) وكان صرف الدينار يساوي في ذلك الوقت عشرة دراهم.

    فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد وضع نصابين متفاوتين للزكاة، بل هو نصاب واحد، من مَلكه اعتبر غنيا ووجبت عليه الزكاة، قُدِّر بعملتين جرى العرف بالتعامل بهما في عصر النبوة، فجاء النص بناء على هذا العرف القائم، وحدّد النصاب بمبلغين متعادلين تماما، فإذا تغير الحال في عصرنا وانخفض سعر الفضة بالنسبة لسعر الذهب انخفاضا هائلا، لم يجز لنا أن نقدر النصاب بمبلغين متفاوتين غاية في التفاوت، فنقول مثلا: إن نصاب النقود ما يعادل قيمة (85 ) جراما من الذهب، أو ما يعادل (595) درهما من الفضة، وقيمة نصاب الذهب حينئذ تزيد على قيمة نصاب الفضة حوالي عشرة أضعاف، وهذا لا يعقل: أن نقول لشخص معه عشرة دنانير ليبية أو جنيهات مصرية: أنت غني إذا قدرنا نصابك بالفضة، ونقول: لمن يملك أضعاف ذلك: أنت فقير إذا قدرنا نصابك بالذهب!!

    والمخرج هو تحديد نصاب كل واحد في عصرنا للنقود به يعرف الحد الأدنى للغنى الشرعي الموجب للزكاة، وهو الذهب، لأن نصابه أقرب إلى الأنصبة الأخرى بخلاف نصاب الفضة فهو زهيد جدا بالنسبة لعصرنا، ولا يعتبر مالكه غنيا في الحقيقة، وهذا ما ذهب إليه الأستاذ الكبير الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله- وزميلاه المرحومان الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ عبد الرحمن حسن في محاضرتهم عن "الزكاة" بدمشق سنة 1952م من التقدير بالذهب فقط، وهذا ما اخترته وأيدته في بحثي عن (الزكاة)[6].

    [1] انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى والأحكام/ص231/ ط. حلب، تحقيق الشيخ أبي غدة.

    [2] انظر: الفروق/ ج1/ 176-177.

    [3] انظر: أصول التشريع الإسلامي للأستاذ علي حسب الله (ص/84-85).

    [4] انظر: "القاعدة السادسة من الفن الأول" القواعد الكلية، من كتاب "الأشباه والنظائر" لابن نجيم الحنفي (ت970 هـ) ص (93-102) تحقيق عبد العزيز الوكيل، طبعة مؤسسة الحلبي.

    [5] ذكره بعضهم على أنه حديث مرفوع، والصواب: أنه موقوف على ابن مسعود رواه أحمد في المسند (3600) عن ابن مسعود موقوفا، وقال مخرّجوه: إسناده حسن، والطيالسي في المسند (1/33)، والبزار في المسند (5/212)، والطبراني في الكبير (9/112)، والحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة (3/83)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون (1/428).

    [6] انظر: كتابناSadفقه الزكاة) 1ج/ 277، 278/ ط الخامسة والعشرون، ط مكتبة وهبة، القاهرة.





    من موجبات تغير الفتوى: تَغيُّر المكان
    يعد تَغيُّر المكان من أسباب تغير الفتوى، وهو ما نصّ عليه علماؤنا السابقون بصراحة في موجبات تغيّر الفتوى، فلا شك أن للبيئة المكانية تأثيرها على التفكير والسلوك، ومن هنا نرى أن البدو مختلف عن الحضر، والريف مختلف عن المدينة، والبلاد الحارة تختلف عن البلاد الباردة، والشرق مختلف عن الغرب، ودار الإسلام غير دار الحرب، وغير دار العهد. وكل مكان من هذه الأماكن له تأثيره في الحكم على خلاف مقابله، فلا يجمد العالم على فتوى واحدة، لا يغيرها ولا يتحول عنها. بل لا بد أن نراعي هذه الاختلافات والتغيرات التي ذكرناها، ليحقق العدل الذي تريده الشريعة، والمصلحة التي تهدف إليها في كل أحكامها.

    بين البدو والحضر:

    وقد ذكر القرآن آثر البادية على أهلها، حين تحدث عن (الأعراب) فقال: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(التوبة:97). وجاء في الحديث النبوي:"من بدا جفا"[1].

    ولذا كانت خطة الإسلام: أن ينتقل بأهل البادية إلى الحضارة. فكان كل من أسلم منهم يجب عليه أن يهاجر إلى المدينة ليتعلم ويتمدن[2]، وكان من كبائر الإثم أن يرتد الرجل أعرابيا بعد هجرته.

    فلا غرو أن يكون للبادية أحكام غير أحكام الحضر، فيما للبداوة تأثير فيها.

    ومما ذكره العلماء هنا: ما يتعلق بإنكار فريضة من فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام والحج، لأنها معلوم من الدين بالضرورة، يستوي في معرفتها الخاص والعام، فلا يكون إنكارها إلا تكذيبا لله ورسوله، وهذا هو: الكفر.

    وكذلك تحدثوا عن البدوي في شهادته على الحضري أو القروي، أو شهادته له. فقد منع ذلك بعض الفقهاء لأن البدو لا يعرفون أعراف أهل الحضر وعاداتهم في شؤون حياتهم، وما يجري بينهم من تعاملات، وما يدور في محيطهم من ألفاظ، فهو يشهد حينئذ بما لا يعلم. قالوا: إلا أن يكون البدوي ممن يديم الاختلاف إلى الحضر، ويخالط الناس، ويشهد المجالس والمجامع، فإنه يصبح كالحضري، فقد تغيرت صفته بالمخالطة والمعايشة، فيتغير الحكم تبعا لذلك.[3]

    فقد روى أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا:" لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".[4]

    وقال ابن القاسم: تجوز شهادة البدوي في رؤية الهلال.[5] وذلك لانتفاء الشبهة هنا، ولأن المسألة تتعلق بالعبادات لا المعاملات.

    وإن كنا شاهدنا في عصرنا: أن البدو يتسرعون في الشهادة برؤية الهلال ولا يتثبتون، وكثيرا ما ثبت الهلال بشهادتهم، ثم لم يره أحد في الليلة التالية، التي تعد الليلة الثانية.

    ويدخل هنا حكم بإمامة البدوي أو الأعرابي للحضري، فقد قال الإمام القرطبي: إمامتهم (أي البدو) بأهل الحاضرة: ممنوعة؛ لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره بعضهم ذلك. وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم، خلافا للثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي.[6]

    البلاد الحارة والبلاد الباردة:

    وكما تختلف الفتوى باختلاف البداوة والحضارة، تختلف أيضا باختلاف الحرارة والبرودة في المكان، فللمناخ تأثيره على أهله، ليس في جلودهم وألوانهم فحسب، ولكن في أمور أخرى، مثل: اختلاف حاجات هؤلاء عن حاجات أولئك، وكون أهل البلاد الحارة أخشن وأسرع إلى الغضب من أهل البلاد الباردة إلى غير ذلك.

    التغيُّر المكاني بتغيُّر المناخ:

    ومن تأثير التغيُّر المكاني: ما يتعلَّق بالبلاد التي يدوم فيها المطر طويلا، أو يتساقط فيها الثلج بكثافة، بحيث يشقُّ على الناس أن يغادروا منازلهم إلا بحرج وصعوبة، وما جعل الله في هذا الدين من حرج. فهنا يسقط عنهم وجوب صلاة الجماعة في المسجد لمَن يقول بوجوبها، أو استحبابها لمَن يقول باستحبابها.

    وقد جاءت الأحاديث بإجازة الجمع للمطر.

    وأجاز الفقهاء التيمُّم مع وجود الماء لمن خاف من شدَّة البرد، ولم يمكنه تسخين الماء.

    وقد صلى عمرو بن العاص - في إحدى السرايا - بأصحابه وهو جنب، مكتفيا بالتيمُّم، وعندما عادوا شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأن الليلة كانت باردة شديدة البرودة، فذكرت قول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء:29]، فتبسَّم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إقرارا منه بما صنعه، فهو من السنَّة التقريرية.

    وفي بلاد الإسكيمو عند القطب الشمالي، لا يجد الناس {صَعِيداً طَيِّباً} من جنس الأرض حين يحتاجون إلى التيمُّم، فكلُّ ما حولهم ثلج في ثلج، فليكن الثلج هو صعيدهم، إذ لا يملكون غيره.

    وهم هناك يستخدمون الكلاب لجرِّ عرباتهم، فهي التي تحتمل هذا البرد الشديد، أفنحرِّم عليهم اقتناء الكلاب، وهي ضرورة لحياتهم ومعيشتهم؟

    أم نستثني هذه الحالة وأمثالها من النهي العام عن اقتناء الكلاب؟

    لا شك أن الاستثناء هو الاتجاه السليم، والفقه البصير في هذه القضية. وهو أيضا يتَّصل بمقاصد الشريعة، فهذه الكلاب لا تعقِر ولا تخيف كبيرا ولا صغيرا ولا تؤذي أحدا، بل تخدم الإنسان، فأصبح شأنها شأن بهيمة الأنعام.

    ومن تأثير التغيُّر المكاني في الفتوى: تغيُّر الحكم في البلاد التي تطلع عليها الشمس مدَّة ستة أشهر، وتغيب عنها ستة أشهر أخرى، أي نصف السنة نهار، ونصفها ليل، وهذا أمر ثابت ومعروف.

    وهنا نفتي أهل هذه المناطق بضرورة التقدير، فينقسم الزمن إلى أيام، كلَّ يوم بليلة: 24 أربع وعشرون ساعة، ونقسم الصلوات الخمس عليها، وفق ميقات مكة والمدينة، البلاد التي نزل فيها الوحي، أو وفق أقرب البلاد المعتدلة إليهم.

    وقد أُخذ وجوب التقدير من حديث الدجال المعروف: أن اليوم يطول أحيانا حتى يكون كالسنة ... إلخ[7].

    ولا غرو أن أنشأ الإخوة المسلمون في أوربا (اتحاد المنظمات الإسلامية) (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث)، وهذا المجلس مهمته أن يُراعي ظروف الذين يعيشون خارج المجتمعات الإسلامية، أيْ خارج ما نسميه: (دار الإسلام)، ولا سيما الذين يعيشون في أوربة فهذا التَغيُّر المكاني من أعظم التغيرات، لأن الأصل أن يعيش المسلم وسط المجتمع المسلم الذي يعينه على الالتزام بالأحكام، لكن الذي يعيش في مجتمع آخر، في عقائده ومسلَّماته، فإنه يحتاج للتخفيف. فتَغيُّر المكان هنا مهم جدًا، وله تأثيره البالغ، وهو من الأسباب التي جعلت الإمام الشافعي يغير مذهبه في مصر عما كان في بغداد، فلا شك أن البيئة المصرية، غير البيئة العراقية، وغير البيئة الحجازية، فلا عجب أن يكون تَغيُّر المكان من جملة الأسباب التي دفعته لتغيير مذهبه القديم إلى مذهبه الجديد.

    تغيُّر المكان بالنسبة لدار الإسلام وغيرها:

    ولا شك أن من تغيُّر المكان: تغيُّر دار الإسلام عن غيرها من الدور الأخرى، سواء أطلقنا عليها: دار حرب، أم دار عهد، أم دار كفر[8].

    فالمقصود من هذا: أن المسلم في دار الإسلام يعيش بين أهله وبين ظهراني مجتمعه، الذي هو لهم كالماء للسمك، وكالهواء للطير، فهذه الدار محضن يحميه، ومدرسة تعلِّمه، وعشٌّ يظلِّله، ومنارة تهديه، يتلقَّى العقيدة من هذا المجتمع، ويتعلَّم الشريعة من هذا المجتمع، ويقتبس الأخلاق والآداب من هذا المجتمع، يتعلَّم من الأب والأم والإخوة والأقارب والجيران والشيوخ والمعلِّمين، وأفراد الجماعة كلِّها: يتعلَّم من المسجد، ومن المدرسة، ومن البيت، ومن الطريق.

    وهذا بخلاف مَن يعيش خارج دار الإسلام - وبعبارة أخرى - مَن يعيش في مجتمع غير مسلم، فهو يعيش في محنة أو أزمة، لأن المجتمع من حوله لا يعينه على أداء الواجبات، ولا على اجتناب المحرَّمات، بل بالعكس يغريه باقتراف المنهيات، ويثبِّطه عن فعل المأمورات.

    ومن هنا كان لدار الكفر أو (دار الحرب) أحكام غير أحكام دار الإسلام. وجلُّها تقوم على التخفيف عمَّن يعيش في غير دار الإسلام، وبعضها فيه تشديد عليه، حثًّا له على الهجرة إلى دار الإسلام، إذا كان لا يتمكَّن من إظهار دينه كما يريد.

    وفي ذلك جاء قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا - أي من دار الحرب إلى دار الإسلام - مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ - أي من نصرتهم - مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [لأنفال:72].

    فلم يجعل لهؤلاء المسلمين المقيمين في دار الحرب بين المشركين حقَّ النصرة، لبقائهم مع المشركين المحاربين للمسلمين، وهذا يوم كانت الهجرة إلى المدينة واجبة على كلِّ مَن أسلم، ثم نسخ ذلك بفتح مكة، حين قال الرسول الكريم:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"[9].

    وقالت الآية هنا: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال:72]، فلم يجعل لهم حقَّ النصرة إذا استنصروا بإخوانهم، ما داموا مقيمين مع المشركين، إذا كان الذين يطلبون النصرة عليهم ممَّن بينهم وبين الدولة الإسلامية ميثاق وعهد، لأن موقعهم ضعيف بإقامتهم في دار الحرب، بحيث لم يقوَ الانتماء الديني وحده على مقاومة العهد والميثاق الذي بين الدولة الإسلامية وغير المسلمين.

    وكذلك جاء في الحديث: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"[10]، أي بريء من دمه إذا قتله المسلمون وهو مقيم بين المشركين المحاربين، فيقتله المسلمون خطأ، وهم لا يعرفون أنه مسلم.

    وقد فرَّق علماء المسلمين بين المسلم في دار الإسلام والمسلم في غيرها في جملة من الأحكام.

    من ذلك ما قاله العلماء: أن مَن أنكر وجوب الصلاة أو الزكاة أو الصيام، أو حرمة الزنى أو شرب الخمر أو الربا، ونحوها، مما يعبَّر عنه بأنه (معلوم من الدين بالضرورة) يحكم عليه بالكفر والردَّة، لانتشار العلم بين المسلمين خاصَّتهم وعامَّتهم، بأن هذه الأشياء معروف حكمها الديني لدى الجميع، فلا يكون إنكارها إلا تكذيبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولكنهم استثنوا من هذا الحكم مَن كان يعيش في غير دار الإسلام، لأنه معذور بجهله بهذه الأمور، بخلاف مَن يعيش في دار الإسلام، فالجهل ليس عذرا له، لأن تعلُّم هذه الأشياء ميسور وموفور للجميع.

    وبعض الفقهاء خفَّفوا عن المسلم الذي يعيش في غير دار الإسلام في بعض المعاملات.


    [1] جزء من حديث ونصه:" من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا" رواه أحمد (8836) عن أبي هريرة، وقال مخرّجوه: هذا حديث ضعيف للاضطراب الذي وقع في إسناده، وللحديث علّة أخرى: وهي تفرد الحسن بن الحكم به، فقد دارت عليه هذه الأسانيد كلها، وقد حسّن القول فيه يحي بن معين وأحمد بن حنبل فوثقاه، وقال أبو حاتم صالح الحديث، وغالى ابن حبّان في (المجروحين) فقال: يخطئ كثيرا ويهم شديدا، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد، ثم ساق هذا الحديث، إشارة منه إلى نكارته، وكذا فعل الذهبي، فعندما ترجم له في الميزان (1/486) أورده أيضا. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (7/ 47) وفي الكبرى (10/101) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزا
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    موجبات تغير الفتوى

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:42

    موجبات تغير الفتوى

    الفرق بين الحكم الشرعي والفتوى
    موجبات تغير الفتوى في العصر الحديث
    أمثلة من موجبات تغير الفتوى

    توفيق طه: السلام عليكم ورحمة الله الفتوى من صور الاجتهاد الفقهي الواجب في كل عصر والأصل في الفتوى أو الفتية ألا تكون إلا عن بحث واجتهاد ليتم تنزيل الحكم الفقهي على الواقع تنزيلا صحيحا وملائما غير أن كثيرا من المفتين إنما هم مجرد نقلة لفتاوى الأئمة السابقين ولهذا يجب على المفتي مجتهدا كان أم ناقلا أن يراعي في فتواه موجبات تغير الفتوى، لكننا نتساءل قبل ذلك هل تتبدل الأحكام الفقهية أم أنها ثابتة؟ وما هي موجبات تغير الفتوى في هذا العصر؟ وهل يعتبر تغير الأوضاع السياسية والاجتماعية سببا في تغير الفتاوى؟ وكيف نفرق بين تبرير الواقع ووجوب السعي لإصلاح الفاسد؟ مشاهدينا الكرام موجبات تغير الفتوى هي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أهلا بك فضيلة الدكتور وأهلا بكم.

    الفرق بين الحكم الشرعي والفتوى

    يوسف القرضاوي - داعية ومفكر إسلامي: أهلا بك يا أستاذ توفيق.

    توفيق طه: بداية فضيلة الشيخ وقبل الحديث عن موجبات تغير الفتوى نريد أن نستفهم هل هناك فرق بين الحكم الشرعي والفتوى؟

    يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوة وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه وبعد، اسمح لي يا أخ توفيق قبل أن نخوض في هذا الموضوع اعتاد هذا البرنامج أن لا يمر على الأحداث الكبيرة دون أن يقول فيها كلمة ونحن في هذه الأيام نمر بذكرى أليمة مريرة على أمتنا مرور أربعين سنة على هزيمة خمسة حزيران أو خمسة يونيو، هذه التي استطاعت إسرائيل في أيام ستة هي تقول حرب الأيام الستة والحقيقة هي حرب الساعات الست لأنه منذ اليوم الأول بانت المعركة، انكشفت المعركة استطاعت إسرائيل أن تضرب الطيران المصري قبل أن يطير وقبل أن يتحرك، عطلت المطارات وعطلت الطائرات في مواقعها فأصبحت جيوشنا البرية الكثيفة المحشودة في سيناء وفى غيرها دون غطاء جوي وهنا استطاعت إسرائيل أن تستفرد بجيوشنا وكانت الهزيمة الساحقة التي سموها النكسة، الحقيقة لم تكن نكسة، نكسة يعني معناها أنه كان انتصارات ثم انتكسنا الحقيقة ما حققنا انتصارات قبل ذلك كله كان كلاما في كلام ووعيد وسنرميهم في البحر وسنؤدب إسرائيل ومَن وراء إسرائيل ثم كانت النتيجة ما رأينا، كانت النتيجة احتلال سيناء احتلال هضبة الجولان احتلال جزء من الأردن ولبنان احتلال قطاع غزة والضفة الغربية وعلى رأسها وفى قمتها القدس الشريف، هذه النكبة سميتها أنا في كتاب لي النكبة الثانية لأن النكبة الأولى كانت نكبة 1948 التي أخذت فيها فلسطين وقامت عليها دولة إسرائيل والنكبة الثانية هي نكبة 1967 هذه التي أخذ فيها ما بقي من فلسطين وكانت سببا في تغيير السياسة العربية رأسا على عقب كان السياسة العربية قبل خمسة حزيران أو يونيو 1967 إن إسرائيل هذه دولة مغتصبة أخرجت أهل البلاد من أرضهم وشردتهم في الآفاق واستولت على أرضهم ومنازلهم فهي دولة قامت على باطل وما قام على الباطل باطل، بعد 1967 أصبحت السياسة العربية إزالة آثار العدوان يعني عدوان 1967 أضفى الشرعية على عدوان 1948 فأصبح أقررنا العدوان القديم وأصبحنا نبحث فقط عن إزالة آثار العدوان القديم، هذه هي القضية التي لا زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم ولا يمكن أن نكسب المعركة ونكسب القضية إلا إذا تغيرت الأمة {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الشعب الفلسطيني بذل الجهد صبر وصابر وناضل وضحى ولم يبخل بنفس ولا بمال ضحى كباره وصغاره وأبناؤه وبناته، ضحى هؤلاء بالشهادة وبالأنفس والأرواح وهؤلاء بالأموال وهؤلاء في السجون والمعتقلات والشعب صبر على الحصار الطويل، أرادوا تجويع هذا الشعب بل أرادوا ترقيع هذا الشعب ولكن الشعب صبر على الجوع ورفض الخضوع وأبى الركوع إلا لله عز وجل، كان لا بد أن نقول كلمة في هذه النكبة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُخرج الأمة منها ولن تخرج الأمة منها إلا إذا اجتمعت كلمتها ولن تجتمع كلمتها إلا إذا جمعها هذا الدين العظيم الإسلام الذي يجمع كلمة الأمة على الهدى وقلوبها على التقى وعزائمها على عمل الخير وخير العمل، نرجع إلى سؤالك يا أستاذ توفيق الفرق بين.

    توفيق طه: بين الحكم الشرعي والفتوى.

    يوسف القرضاوي: الحكم الشرعي هو ما يتضمن حكم الله تعالى حكما من الأحكام الخمسة اللي هي الواجب أو الفرض والمستحب والحرام والمكروه والمباح خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا فهو ده الحكم، الفتوى هي تنزل الحكم على الواقع فهذه معنى الفتوى فكيف ننزل الأحكام على واقع الناس بحيث تكون الفتوى مناسبة للحكم ومناسبة للواقعة.

    توفيق طه: ما وقع من أحداث يعني تهم الناس أو تقع مع الناس في حياتهم اليومية.

    يوسف القرضاوي: نعم طبعا.

    توفيق طه: نحن نعرف..

    يوسف القرضاوي: الأمة الإسلامية في الحقيقة هي الأمة الوحيدة في العالم التي تبحث عن حكم الله في الوقائع تسأل عن الحلال والحرام في المعاملات تسأل عن المقبول والمردود في العبادات تسأل عن الصحيح والفاسد في المعتقدات الأمة الوحيدة، الأمم الثانية لا يهمها حلال حرام ما.. إنما هي الأمة..

    توفيق طه: الإسلامية.

    يوسف القرضاوي: لهذا كانت الفتوى أمرا عظيما، الإمام الشاطبي يقول المفتي قائم مقام رسول الله في تبليغ الأحكام وفى إنشاء الأحكام بالاجتهاد.

    توفيق طه: من هنا فضيلة..

    يوسف القرضاوي: والإمام ابن القيم يقول هو موقع عن الله زي اللي بيوقع.

    توفيق طه: المفتي يوقع عن الله في تعبير ابن القيم وقائم مقام النبي في تعبير الشاطبي فهل يمكن التوقيع عن الله عرضة للتغيير والتبديل يعني هل يمكن أن تتغير الفتوى؟

    يوسف القرضاوي: إذا كان التغيير والتبديل بإذن من الله فلا مانع هو ربنا اللي أراد هذا أراد أن يكون هناك أحكام غير قابلة للتبدل بحال من الأحوال أحكام ثابتة ثوابت المسلمات الدينية القطعيات في الدين، الدين فيه قطعيات وظنيات فيه ثوابت ومتغيرات فيه كليات وجزئيات فيه أصول وفيه فروع وينبغي أن نفرق بين الدائرتين دائرة الكليات ودائرة الأصول ودائرة القطعيات دي لا تبدل فيها.

    توفيق طه: يعني إذا الأحكام الشرعية هي الثابتة أما الفتاوى التي هي توقيع لهذه الأحكام على الحوادث والأحداث؟

    يوسف القرضاوي: بعض الفتاوى.

    توفيق طه: بعض الفتاوى نعم.

    يوسف القرضاوي: بعض الفتاوى تمثل الثبات وبعض الفتاوى تمثل التغير يعني هناك الأهداف ثابتة والوسائل متغيرة الأصول ثابتة والفروع متغيرة فما يتعلق بالفروع وما يتعلق بأشياء تتجدد ويعتريها العلو والهبوط والزيادة والنقصان، هذه ممكن تتغير هذا من روائع هذا الدين أنه لم يثبت ثبات الجمود دائما لا جعل فيه مرونة عند الفقيه وعند المفتي بحيث يراعي الأحوال في فتواه.

    توفيق طه: نعم الإسلام الشريعة الإسلامية من صفاتها الثبات والشمول إلى أي مدى تتناقض أو تتفق هذه الصفة الثبات والشمول مع القول بغير الفتاوى؟

    يوسف القرضاوي: هذا القول غير مسلم على الإطلاق الشريعة الإسلامية تمثل الثبات وتمثل التغير فالثبات كما قلت في الأصول والكليات والقطعيات والتغير في الفروع والجزئيات والظنيات فلابد أن نراعي فيه بعض الناس يقولوا لك الشريعة لا تصلح لأن الشريعة تمثل الثبات والحياة متغيرة، أنا أقول لا الشريعة ليست كلها ثابتة والحياة ليست كلها متغيرة الشريعة فيها جزء متغير ولذلك نجد خلافات في الأحكام الشرعية 95 أو 99% من الأحكام الشرعية فيها خلافات بين الأئمة بعضها وبعض وحتى داخل المذهب الواحد ففيه مجالا جيدا للمرونة والحياة ليست كلها متغيرة فيه أشياء في الحياة ثابتة يعني الإنسان منذ عهدي ابني آدم قابيل وهابيل قتل الأخ الشرير أخاه الطيب الخير، لا زال الناس هم الناس يمكن تغيرت وسائل القتل يعني كان الإنسان ما يعرفش حتى كيف يواري سوءة أخيه ده الوقت ممكن يذيبها بحامض من الأحماض ولا يبقى لها أثرا إنما يبقى جوهر الإنسان هو الإنسان وجوهر الحياة هي الحياة.

    توفيق طه: لكن كان هناك دائما من يحاول يسحب صفة الثبات على الأحكام والفتاوى بحيث أنه ينفي أو ينكر إمكانية تغير الفتوى كيف نفسر هذا الاتجاه؟

    يوسف القرضاوي: ده هذا الاتجاه مرفوض من الراسخين من العلماء، العلماء والراسخون والمحققون كما يسمونهم يقولون الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحالة ووجدنا من هؤلاء الإمام القرافي شهاب الدين المالكي في كتابين له كتاب الإحكام في تنفيذ الفتاوى من الأحكام وكتاب الفروق ورأينا ذلك في الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين ورأينا ذلك في الإمام ابن عابدين علامة المتأخرين من الأحناف ورأينا في واقع الفقه أن هناك فعلا أحكاما تتغير وأحكاما ثابتة ورأينا أبا حنيفة وصاحبيه أبو حنيفة له صاحبان أبو يوسف ومحمد خالفاه بعضهم يقول في ثلث المذهب وبعضهم يقول في ثلثي المذهب وكثيرا ما قال علماء الأحناف في هذا إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان لو عاش أبو حنيفة حتى رأى ما رأى أبو يوسف ومحمد لغير رأيه وقال بمثل ما قال.

    توفيق طه: اختلاف العصر أو اختلاف الأزمان وتغير الأحكام باختلاف الأزمان هل هذا يعني أن الفتوى هي عمل بشري اجتهادي يحتمل الخطأ والصواب وأنه من ثم يمكن أن يتم تصحيحها؟

    يوسف القرضاوي: الفقه كله عمل العقل الإسلامي الاجتهاد هو أيه..

    توفيق طه: هو عمل بشري.

    يوسف القرضاوي: الاجتهاد هو أن الإنسان الفقيه المسلم يعمل عقله في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فيه نصوص تحتاج إلى فهم من هذه النصوص وفيه أشياء لا نص فيها يحتاج إلى إعمال القياس يقيس يعني ما لم ينص عليه على ما نص عليه إذا كان بينهما علة مشتركة الاستصلاح مراعاة المصلحة المرسلة الاستحسان مراعاة العرف إلى أخر هذه الأدلة بنسميها الأدلة التبعية فالاجتهاد هو عمل العقل، الفتوى هي عمل العقل لذلك لو لم تكن من عمل العقل لاختلف المفتون فيه واحد يفتي بفتوى الناس الثانيين يردوا عليه زي الراجل أحد أساتذة الأزهر من أسبوعين أو نحو ذلك قال بأنه المرأة ترضع زميلها ومش عارف أيه وهاج الناس عليه وهو رجع في فتواه، هذا لأنه هو ده أن دين هذا فيه نوع من التجاوز وخصوصا أن الناس فهموا أن المرأة ترضع زميلها في العمل أو كذا أنها يعني تعطيه صدرها لم يقل فقيه بذلك، حينما أفتى النبي سهيلة امرأة أبي حذيفة بأن ترضع سالم موالها وقد كان تبنياه صغيرا وعاش مثل ابنهما طول حياته فلما كبر أصبح أبو حذيفة يعني في نفسه شيء فشكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام قالت له إن أبا حذيفة في نفسه شيء قال لها أرضعيه خمس تحرمي عليه لأنه كان ابنهما بالفعل مش معناها أرضعيه يعني أعطيه صدرك بفنجان أو حاجة زي كده يرضع خمس مرات هذا.. فأحيانا تختلف الفتاوى لأنه الفتوى هي عمل العقل.

    توفيق طه: عمل العقل البشري.

    يوسف القرضاوي: يعني علاقة ثلاثية بين الفقيه وبين النص وبين الواقعة.

    توفيق طه: نعم لكن كون الفتوى عرضة للتبدل والتغير ألا ينتقص من إلزاميتها للناس؟

    يوسف القرضاوي: لا إذا كانت فتوى من إنسان أهل للفتوى فهي ملزمة ما دام المفتي الحق هو الذي لا يقول من عنده شيئا هو يعتمد على الأدلة الشرعية إذا قال لك هذا حلال أو هذا حرام فمن حقك بل من واجبك أن تطالبه بالدليل وخصوصا فيما يختلف فيه الناس والمشكلة يعني في عصرنا أن كثيرا من الناس أقحموا أنفسهم على ميدان الفتوى وهم ليسوا أهلا لها.

    توفيق طه: فمَن يقرر إذا مَن هو أهل للفتوى ومن هو غير ذلك؟

    يوسف القرضاوي: أهل العلم والناس حتى الناس يعني جمهور المسلمين هو الذي يحكم على هذا الشخص الفطرة الإسلامية.

    توفيق طه: يعني ربما..

    يوسف القرضاوي: المعرفة الإسلامية العامة تقول هذا الرجل عالم وهذا جاهل.

    توفيق طه: يعني ربما استفتي شيخا أو عالما في مسألة فإن لم تعجبني فتواه أقول إنه غير أهل هل هذا يجوز؟

    يوسف القرضاوي: لا مش مسألة تعجبني لأنه مثلا سهل لي الأمر لأ تعجبك لأن دليله أقنعك إذا كان استدل على فتواه بدليل..

    توفيق طه: بسند من الشرع..

    يوسف القرضاوي: من الكتاب أو من السنة أو من القياس أو من المقاصد الشرعية بحيث أنه اقتنع به عقلك واطمأن إليه قلبك خلاص إذا الإنسان اختلف عليه المفتون ماذا يفعل أنا سألت في هذا قلت له إذا اختلف عليك الأطباء ماذا تفعل ابنك مريض ورحت عند عدد من الأطباء كل واحد قال لك تشخيص غير الثاني بيعمل أيه الإنسان في هذه الحالة.

    توفيق طه: يتبع من يطمئن إليه.

    يوسف القرضاوي: يعني لازم يأخذ أن الأكثر شهرة الأكثر اختصاصا الأكثر عددا أن أربعة قالوا كذا وواحد أو اثنين قالوا لا وهكذا ففيه وسائل للحصول على الاطمئنان القلبي.

    توفيق طه: يعني كما قلت دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

    يوسف القرضاوي: أه دع ما يربك إلى مالا يريبك اللي يجد أنه فيه الاطمئنان أكثر يأخذ به مش اللي بيسهله اللي يعني وافق هوى نفسه، لا وإن كان حتى مش مقتنع بكلامه يقول لك خلاص أنا أحطها في رقبة عالم واطلع سالم أو هما هنا في الخليج قول لك أيه أجعل بينك وبين النار مطوع فمدام مطوع قال لك خذها وخلاص، لا لازم تكون وصلت إلى درجة الاقتناع.

    موجبات تغير الفتوى في العصر الحديث

    توفيق طه: لو أردنا فضيلة الشيخ أن نُجمل ما الذي يوجب التبدل أو التغير في الفتوى بشكل عام ومختصر؟

    يوسف القرضاوي: موجبات تغير الفتوى هذه أنا يعني كتبت فيها رسالة وموجبات تغير الفتوى عشرة، فيه أربعة نص عليها العلماء الأقدمون تغير الزمان وتغير المكان وتغير الحال وتغير العُرف، هذه الأربعة منصوص عليها من علمائنا أنا أضفت إليها ستة أخرى تغير المعلومات، شوف أنا أقرأ النهارده لعالم كبير علامة عصره باعتراف الجميع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور يقول إن التدخين أمر حلال ومَن أفتى بتحريم التدخين فقد أخطأ ويجب منعه من الفتوى خلافا للشيخ عليش والشيخ.. حتى علماء المذهب هذا، قال هذا بناء على عصره إحنا الآن أطباء العالم يقولون إن التدخين ضار وإنه مسبب لسرطان الرئة وإنه كذا، أنا أعتقد لو الشيخ ابن عاشور يعني قرأ إلى هذا واطمأن إليه لغير فتواه في التدخين، تغير المعلومات تغير الحاجات تغير القدرات والإمكانات تغير الظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسة والاقتصادية تغير الرأي والفكر، إن الإنسان قد يكون متشددا فينتقل إلى التيسير قد يكون حرفيا فينتقل إلى النظرة المقاصدية فتيغير..

    توفيق طه: أنت عددت هذه..

    يوسف القرضاوي: وبعدين عموم البلوى هذه ستة أشياء أنا أضفتها لموجبات تغير الفتوى.

    توفيق طه: سنحاول أن نضطلع على هذه الأسباب أو هذه الموجبات من خلال بعض الأمثلة التي يمكن أن نتحدث عنها في مسألة تعدد أو تغير الفتوى، لو أردنا أن نبدأ بفتوى لفضيلتك أنت كنت قد أفتيت أولا بأن إذا أسلمت الزوجة وبقي زوجها على دينه فيجب أن تفارقه لكنك عدت في فترة لاحقة وقلت إنها يمكن أن تبقى معه وهو كافر كيف ولماذا؟

    يوسف القرضاوي: أنا أقول ما الذي غير فتواي هنا ما الذي أوجب تغير الفتوى؟ هو تغير المعلومات، أني كنت أنا أظن أن هذا أمر مجمع عليه ولا يجوز خرق الإجماع ثم بالقراءة والإنسان لا يزال يعني يتعلم طول عمره اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد وكما قال أسلافنا لا يزال المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل {ومَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً} قراءاتي وإطلاعي وجدت الإمام بن القيم له كتاب اسمه أحكام أهل الذمة وقال إن المسألة فيها تسعة أقوال حتى بعض إخوانا من زملائنا في المجلس الأوروبي للإفتاء الشيخ عبد الله الجديع وهو رجل بحاثة قال لا ده ابن القيم وجد تسعة أقوال هو أوصلها إلى ثلاثة عشر قولا فوجدنا من هذه الأقوال أن سيدنا عمر يقول إن يسعها أن تبقى مع زوجها ولا تفارقه، ده إبقاء على النكاح الأول العقد الأول لم يفسخ وسيدنا علي يقول هو أحق بها ما لم يخرجها من مصرها والزهدي وغيره من علماء السلف يقول هو أحق بها ما لم يفرّق بينهما سلطان، هما على نكاحهما الأول ما لم يفرق بينهما سلطان يعني ما لم تحكم المحكمة القضائية بفسخ هذا النكاح ما دام ما حصلش هو يعني معها كما هي.

    توفيق طه: هنا أذكر..

    يوسف القرضاوي: فأخذنا بهذا وحللنا مشكلة كبيرة أنه كثيرا من النساء اللاتي يردن الدخول في الإسلام تقول أنا متزوجة ولي أولاد من زوجي وزوجي يحبني وأنا أحبه ولا يمنعني من الدخول في الإسلام ولا يمنعني من إقامة شعائر الإسلام لماذا لا أبقى معه؟ فبعضهم.. الإمام يقول لها لا إذا بقيتي معه لا تدخلي الإسلام فتترك الإسلام يعني نحرمها من الاهتداء بهدى الإسلام بمثل هذه الفتوى.

    توفيق طه: إذا فالتوى الأخرى يعني هي أوفى بمقاصد الإسلام.

    يوسف القرضاوي: نعم.

    توفيق طه: في مثال آخر عندما تكلم الفقهاء عن نصاب الزكاة يعني وصّفوه أو حدوده بما يزيد عن حاجة الإنسان الضرورية لكن الآن حاجات الإنسان ازدادت وتعددت ويعني ما كان يكفي الإنسان في السابق لا يكفيه الآن يعني هل يوجب هذا تغييرا في نصاب الزكاة؟

    يوسف القرضاوي: وده اللي يوجب إنه من ضمن موجبات التغير يعني تغير الحاجات، إنه بقى مثلا من ضمن الأشياء ده لها أمثلة مش بس الزكاة النفقات النفقة يعني ما الذي يحتاج إليه إذا كان فيه نفقة عليه لامرأة أو نفقة لقريبة كنا الأول نقول يعني يجب له الأكل والشرب واللبس والمأوى، إنما هل يجيب له ثلاجة؟ هل.. التعليم مثلا الآن التعليم حاجة أساسية فإحنا كنا بنقول فقه الزكاة أنه النصاب يجب أن يكون فاضلا عن الحوائج الأصلية لمالك النصاب.

    توفيق طه: دون تحديد نصاب معين؟

    يوسف القرضاوي: نقول المأكل والمشرب والملبس والمسكن وغير ذلك ما كنش يدخل فيها أشياء أصبحت في عصرنا هل يسع..

    توفيق طه: نفقات تعليم الأولاد هل يمكن أن تعتبر من الحاجات؟

    يوسف القرضاوي: نعم؟

    توفيق طه: نفقات تعليم الأولاد هل يمكن أن تعتبر من الحاجات الضرورية؟

    يوسف القرضاوي: تعليم الأولاد هذه نفقة أساسية لا يمكن أن يبقى الآن خارج المدارس هذه حاجة من أهم الحاجات ويجب أن نعترف بهذا، التداوي كان زمان يقول لك الدواء ده من المبيحات الآن إزاي واحد العلاج فيه مستشفيات متخصصة وفيه أطباء وكذا لازم يتوفر للإنسان العلاج هذه كلها من الحاجات.

    توفيق طه: السيارة في بلد لا يمكن السير فيه مثلا إذا خرج في الشمس.

    يوسف القرضاوي: المرأة مثلا تتزوج وهي بتشتغل معلمة أو طبيبة أو كذا وتقول أنا محتاجة أن أبقى في عملي، هذه أصبحت حاجة من الحاجات الاجتماعية تقول لك ما الذي يؤمنني أن زوجي ده يطلقني بعد كام سنة أنا عايزه سلاح في أيدي، بتتعلم في الجامعة فتقول أنا أريد أن أبقى أيضا أكمل تعليمي الجامعي كل دي حاجات تغيرت فلابد أن نراعي تغير الحاجات.

    توفيق طه: طيب هل يعتبر امتلاك السيارة حاجة مثلا في..

    يوسف القرضاوي: في بعض البلاد ما تقدرش تقول دي حاجة عامة في كل بلاد الدنيا.

    توفيق طه: يعصب السير في هجير الشمس.

    يوسف القرضاوي: في أعمال معينة وفى بلاد معينة إذا كان العمل بعيدا ولا توجد مواصلات عامة توصل إليه أصبحت السيارة أيضا حاجة من الحاجات الأصلية ومش لازم يعني يجيب سيارة يعني مرسيدس ولا رولز رايس يعني سيارة تكفي لقضاء حاجته.

    توفيق طه: من الأمثلة الأخرى يعني من العادات التي أصبحت مألوفة عند كثير من الناس في وقتنا اقتناء الكلاب لأسباب مختلفة بعضها للحراسة بعضها لمجرد الاستمتاع بصحبتها عند بعض الناس، هل يجوز أن تتغير فتوى اقتناء الكلاب لهذا السبب لأنه أصبح مألوفا وما الداعي لذلك؟ فضلا أريد أسمع الجواب بعد فاصل قصير نعود إليكم مشاهدينا بعد فاصل قصير.

    أمثلة من موجبات تغير الفتوى

    توفيق طه: أهلا بكم مشاهدينا مرة أخرى إلى هذه الحلقة من الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي موضوع حلقتنا اليوم هو موجبات تغير الفتوى وكنا قد وصلنا إلى تعداد موجبات تغير الفتوى وإيضاحها من خلال بعض الأمثلة التي تفضل الدكتور يوسف بإيضاحها وصلنا فضيلة الدكتور إلى المثال عن مسألة كراهية اقتناء الكلاب، الآن الناس في كثير يعني من المنازل أو عند كثير من الأشخاص تجد أنهم يقتنون الكلاب هل هناك ما يستدعي أو يبرر تغير الفتوى في مثل هذه الحالات؟

    يوسف القرضاوي: ذكر العلماء أن الإمام العالم الكبير ابن أبي زيد القيرواني أحد كبار علماء المالكية وله كتابه الشهير الرسالة في فقه المالكي شرحها الكثيرون من العلماء، ابن أبي زيد هذا زاره بعض إخوانه من العلماء فوجدوا عنده كلبا، هو كان له منزل في الأطراف وكان قديما يقولوا الأطراف سكن الأشراف يعني ولكن الأطراف دي دائما يعني مهددة يعني باللصوص وقطاع الطريق وكذا فوجودا ابن أبي زيد يقتني كلبا فقال له إخوانه من المشايخ إن مالكا يكره اقتناء الكلاب فقال لهم لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا مش بس يقتني كلب ده يقتني أسد علشان يحميه من اللصوص ومن هذه الأشياء، فدل هذا على أن هناك اعتبار تغير الزمن في تغير الفتوى، تغير حاجات الناس في مثل هذه ولذلك يعني أصبح في أوروبا تعرف أوروبا الآن كثر فيها عدد المسنين، أصبح العمر المتوسط للإنسان حوالي 83 سنة ولذلك أصبح من المشكلات الكبرى عندهم أن نصف حوالي ربع المجتمع أو أكثر من الربع لا ينتج يعني شيوخ كبار رجال ونساء وهؤلاء الكبار يحتاجون إلى اقتناء الكلاب.

    توفيق طه: كمؤنس؟

    يوسف القرضاوي: كمؤنس من ناحية وحتى دليل لأن بعضهم يضعف بصره فالكلب عارف البيت يوصله البيت ويرجعه من البيت وإلى البيت وهناك طبعا تجد أن الأبناء والبنات لا يكادون يعرفون الآباء والأمهات، مجرد ما يبلغ الولد وتبلغ البنت، الابن يبحث له عن صديقة (Girl friend) والبنت (Boy friend).

    توفيق طه: يعني لا يوجد هذا الترابط.

    يوسف القرضاوي: ولا يكاد يوجد أسرة فأصبحوا في حاجة إلى.. فلو فرض أنه هناك مسلمين ووجدنا لهم هذه الحاجة يعني مع إنه طبعا الإسلام يعني يغير التقاليد هذه إنما لا زال لو فرض مسلمين ومحتاجين لهذا الفتوى لابد أن تراعي حاجات الناس باستمرار.

    توفيق طه: من الفتاوى التي قد يستغرب لها البعض أنه هناك جاء في السنة النبوية أن كرهة أو النهي عن أن يطرق الرجل أهله ليلا أن يعود إلى بيته ليلا بعد أن يكون في سفر أو ما إلى ذلك، البعض يستغرب مثل هذا الرجل عائد إلى بيته هل يسري هذا في عصرنا اليوم والليل مثل النهار في النور والضوء؟

    يوسف القرضاوي: هو الرسول عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم كأنه عايز يعمل تفتيش مفاجئ عليهم فهذا من سوء الظن فنهي وجاء في حديث آخر حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة، إن الراجل بقى له شهر غايب فمش عايزة يعني زوجها يدخل عليها كده وتلقى شعرها يعني منكوش وحالتها مش مستعدة للقاء الزوج فتحتاج أنها إنه جاي الليلة دي بالليل أو جاي كذا فتتهيأ له، الإسلام يحب أن الحياة الزوجية تكون على أقبل ما تكون وعلى أفضل ما تكون ولكن هذا يعني كان مناسبا في الزمن الماضي لأن الواحد هو الذي يتحكم في مجيئه وفى قدومه ناقته يعني.

    توفيق طه: تحته.

    يوسف القرضاوي: تحت يده يعني عايز يسافر بالليل يسافر بالليل عايز يسافر بالنهار يوصل بالنهار عاوز يوصل الساعة 12 يوصل يعني هو صاحب .. إنما الآن..

    توفيق طه: فللطائرات مواعيد وللقطارات مواعيد..

    يوسف القرضاوي: الطائرات أو البواخر أو أي حاجة لا يملك مواعيدها ده من ناحية ومن ناحية أخرى أنه أصبحت وسائل الاتصال ممكنة وسهلة، يقول لهم أنا والله جاي يوم كذا الساعة كذا هوصل عندكم، خلاص انتهت المشكلة يعني العصر الحديث بما وفره بيسموه ثورة الاتصالات ده خلاص أصبح الاتصال يعني بالأهل سهلا فتستعد المرأة للقاء زوجها ولا يكون هناك مفاجأة ولا شيء من هذا.

    توفيق طه: وانتفت الدواعي لمثل هذا الحالة من الفتاوى أيضا النهي عن سفر المرأة دون محرم حتى أن البعض حاول أن يصنع يعني من ذلك قانونا يقر ذلك في قانون، يعني هل هناك الآن في هذه الأيام ما يستوجب تغيير أو تبديل مثل هذه الفتوى بحيث يباح للمرأة المسلمة أن تسافر وحدها؟

    يوسف القرضاوي: هو إذا نظرنا إلى المقصد الشرعي يعني نحن نؤمن بأن أحكام الشرع معللة يعني وكل حكم له مقصد يعني الشرع يعني لا يأمر وينهى عبثا أو اعتباطا كل حكم له مقصده الشرعي، ما المقصود الشرعي من نهي المرأة أن تسافر يعني وحدها؟ لأن سفر المرأة في تلك الأزمنة وحدها يعرضها للخطر، الرجل إلى يسافر وحده يتعرض للخطر ولذلك نهي عن إن الإنسان يسافر وحده فما بالك بالمرأة، تتعرض للخطر على حياتها وللخطر في سمعتها ولو سافرت وحدها يقول لك هو حد عارف عملت أيه يا عم الله أعلم أيه اللي عملته في سفرها ده ما حدش كان معاها يحكي عنها ولذلك.. الآن لم يعد هذا السفر الصحراوي على الناقة وعلى الحمار أو البغل، لا أصبحت هناك قطارات تسافر في القطارات فيه مئات من الناس راكبين معاها فيه الطائرات فيها 200، 300 يعني وأصبح أمر واضح.

    توفيق طه: أصبح السفر لا يستغرق الوقت الطويل يعني.

    يوسف القرضاوي: خصوصا ألاقي واحد مثلا من قطر وزوجته في مصر أو في المغرب أو كذا ليس من السهل إن أهله احتاجوا يسافروا أنه يروح يوصلهم من المغرب لأن دي مشقة كبيرة وتكاليف لما هو هيوصلها إلى المطار في الدوحة وأخوها في مصر أو في المغرب.

    توفيق طه: يستناها..

    يوسف القرضاوي: يستقبلها هناك ما فيش مانع من هذا.

    توفيق طه: لو استكملنا في موضوع المرأة وشؤون المرأة فضيلة الشيخ هناك مَن يكرر دائما بين الناس أن مكان المرأة بيتها، الآن تطورات الحياة تحتم المشاركة أن هناك مَن يقول أن المرأة هي شريكة الرجل في البيت وفي العمل وفى عيشه، هل هناك الآن هل يمكن أن يوجد في الفقه ما يبرر تبديل هذه الفتوى بحيث أن يمكن للمرأة أن تعمل وتخرج من بيتها كما يخرج الرجل؟

    يوسف القرضاوي: نعم الحياة الآن أصبحت تفرض على كثير من النساء أن يعملن والآن أصبحت المرأة متعلمة ومؤهلة، المرأة أخذت بكالوريوس في الطب وأخذت شهادة في التدريس يعني لماذا لا تعمل مدرسة أو طبيبة أو محاسبة أو أي عمل مشروع خصوصا قد تكون هي في حاجة إلى العمل، واحدة مات أبوها ولا مورد لها أو مات زوجها ومعها أطفال صغار وأصبحت أرملة ومعها شهادة تقدر تشتغل بها لماذا لا تعمل؟ قد تكون هي في حاجة إلى العمل قد تكون الأسرة في حاجة إلى العمل كما حكى القرآن لنا قول سيدنا موسى {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} معناها الأسرة في حاجة.

    توفيق طه: لكن الآن الكلمة التي تجدها على شفاه السيدات والبنات ليست بأنها بحاجة إلى العمل من أجل إعالة نفسها وأسرتها أنها تريد أن تثبت نفسها تريد أن تثبت استقلاليتها هل هذا مبرر؟

    يوسف القرضاوي: مبرر نعم، هي تريد أن تثبت وجودها عندها قدرة على العمل مثل الرجل مادام عملا مشروعا وما دامت المرأة ترعي فيه الآداب الإسلامية من حيث الزي من حيث الحركة يعني تمشى على استحياء من حيث الكلام {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} من حيث غض البصر من حيث تراعي هذا كله وتعمل عملا مشروعا لا مانع من هذا، أحيانا المجتمع نفسه يفرض هذا، يقول لك الرجل راتبه لا يكفي محتاج إلى في مصر وكثير من الدول يقول لك نتعاون معا على بناء البيت والإنفاق على الأولاد لأن الحياة أصبحت يعني صعبة.

    توفيق طه: لكن هل خروج المرأة إلى العمل مع الرجل إلى جانب الرجل يعني يفرض تغييرا في حدود العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام؟

    يوسف القرضاوي: لا فيه أشياء أساسية لا تتغير، يعني الإسلام لا يجيز للمرأة أن تتبرج، التبرج ممنوع مش معناها أنه هتروح تعمل لازم تبقى على آخر موضة أو على سنجة عشرة زي ما بيقولوا أو لا، يعني آداب الزي واللباس الآداب اللي ذكرناها هذه فيه أشياء ثابتة لا تتغير ولكن فيه أشياء تقتضيها الحياة، يعني المرأة في بعض البلاد اللي فيها ازدحام في المواصلات تضطر تركب الباص أو الأتوبيس في زحمة والله هذه ضرورات الضرورات تبيح المحذورات.

    توفيق طه: المحذورات نعم.

    يوسف القرضاوي: إنما فيه أشياء ثابتة تظل ثابتة مش معناها إنه خلاص خرجت يعني يباح لها أنها تخلع حجابها لا إنها يعني تعمل ماكياج يعني.

    توفيق طه: زائد عن الحاجة.

    يوسف القرضاوي: زائد عن الحاجة لا فيه ثوابت وفيه متغيرات.

    توفيق طه: لو استمرينا في هذه الأمثلة فضيلة الدكتور يعني هناك الآن مما يأخذه البعض على المجتمع المسلم مفهوم أو مصطلح أهل الذمة خصوصا في المجتمعات التي يكون فيها خليط من المسلمين وغير المسلمين، الآن هناك في الفكر السياسي في العالم أجمع شيء اسمه المواطنة يعني تحديد قيمة كل إنسان على أساس المواطنة وليس على أساس أنه هذا مسلم وهذا ذمي، هل يعني تعتبر أن هناك ما يوجب تبديل الأحكام أحكام أهل الذمة أم أنه يجب التمسك بكل ما نص عليه قبل ذلك؟

    يوسف القرضاوي: في أحكام أهل الذمة أشياء ثابتة مثل يعني "اتركوهم وما يدينون لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وأشياء وفيه أشياء متغيرة مثل في وقت من الأوقات قيل أن بعض أهل الذمة كان يطلب لهم لباس خاص ولعل هم نفسهم كانوا حريصين أن يتميزوا بلباس عن المسلمين، الآن لم يعد هذا مقبولا في عصرنا بل هم حتى يعني كلمة أهل الذمة ما عادوش يحبوها مع أن كلمة الذمة كأن بعضهم فهم إنها من الذمة إنما الذمة يعني العهد الضمان، أهل الذمة يعني لهم عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين إنما إذا كان البعض بيفهم منها أنه ده..

    توفيق طه: مواطن من درجة ثانية..

    يوسف القرضاوي: يعني مواطن من الدرجة الثانية أو غير ذلك نحذف هذه الكلمة، سيدنا عمر حذف كلمة أهم من كلمة الذمة وهي كلمة الجزية، عرب بني تغرب جم قالوا له إحنا ناس عرب ونأنف من كلمة الجزية لو تأخذ منا الضريبة اللي تأخذها باسم الزكاة أو كذا مستعدين ندفع حتى أكثر من المسلمين، في أول الأمر تردد وبعدين أجاز هذا لأنه العبرة بالمسميات والمضامين وليست بالأسماء والعناوين، إذا كانت كلمة أهل الذمة تؤذي مشاعر إخوانا الأقباط في مصر أو المسيحيين في سوريا أو في الأردن أو في هذه.. يا أخي بلاش لماذا نؤذيهم، الفقهاء يمسون أهل الذمة جميعا أهل دار الإسلام يقولون أهل الذمة باتفاق الفقهاء من أهل دار الإسلام ومعنى أهل الدار يعني أهل الوطن.

    توفيق طه: وهذا يمكن أن يشمل المسلم مواطن مسلم أو غير مسلم.

    يوسف القرضاوي: يعني بالتعبير الحديث مواطن فحلت المشكلة.

    توفيق طه: كنت قد أتيت فضيلة الدكتور على اختلاف المكان كمبرر لاختلاف الفتوى أو تغير الفتوى، هل يمكن أن يعني ذلك أن ما يحق للمسلم في بلد غربي مثلا قد لا يحق لمسلم في بلد مسلم؟

    يوسف القرضاوي: هو اختلاف المكان ده نص عليه الفقهاء من قديم اختلاف الزمان والمكان وقالت مجلة الأحكام العدلية لا يمكن تغير الأحكام بتغير الزمان ولا تغير ومن أهم تغيرات المكان اختلاف بين دار الإسلام وغير دار الإسلام، أن يعيش الإنسان داخل مجتمع مسلم وأن يعيش في مجتمع غير مسلم، المجتمع المسلم بطبيعته يعين المسلم على الالتزام إنما المجتمع الآخر ما يهمه الإسلام ما يهمه تصلي ولا ما تصلي، فتتغير الأحكام يعني في بلاد الشرق البلاد الإسلامية المسلم مُطالب أن يحكم الشريعة الإسلامية لأنه ده بلد مسلم والمجتمع مسلم لازم يحكموا الشريعة إذا ما حكموهاش هذا إثم إنما هل المسلم في بلاد غير إسلامية في أوروبا في أميركا هل مطالب أن هو يحكم الشريعة في مجتمع غير مسلم؟ هذا ليس مطالب.

    توفيق طه: في المجتمع المسلم فضيلة الدكتور يعني يكون السلام بين الرجل والمرأة عن بعد حتى دون مصافحة ربما بينما في مجتمع غربي قد يكون السلام حتى بالقبل، هل يجوز للمسلم أن يفعل ذلك في بلد غربي إذا كان هذا عادة المجتمع؟

    يوسف القرضاوي: لا القبل لا إنما المصافحة أجازها بعض العلماء إذا دعت إليها الحاجة وإذا أمنت الفتنة مجرد المصافحة وأنا لي فتوى مطولة في هذه القضية إنما أن تنقلب، حتى مش بس حتى في بعض البلاد الإسلامية وبعض البلاد العربية يتقابل الأقارب أو الجيران ويقبل الرجل المرأة أو المرأة الرجل عادات يعني غريبة هذا يعني لا يجوز إنما مثلا في..

    توفيق طه: هناك حدود لما يمكن القبول به حتى في اختلاف المكان واختلاف المجتمع.

    يوسف القرضاوي: لا حتى في اختلاف المكان إنما أنا أذكر هنا قضية مهمة يعني أفتى به بها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، قضية شراء البيوت عن طريق البنك لأنه وجد أن دي حاجة مهمة للمسلمين هناك ولا يستطيع المسلم أن يقتني بيتا ويملكه إلا بهذه الطريقة.

    توفيق طه: إلا بالقرض.

    يوسف القرضاوي: وهو يستأجر البيت بعضهم قال صار لي أربعة وأربعين سنة وأنا بأدفع إيجار البيوت ولو اشتريت بهذه الطريقة كنت من عشرين سنة ملكت بيتا فراعى المجلس هذه الحاجة وقدرها وقال العلماء الحاجة تنزل منزلة الضرورة خاصة كانت أو عامة.

    توفيق طه: لو في سؤالنا الأخير لو كنا يعني في أقرب ما يكون من حياة الناس، هناك تفريق بين القانون والفقه في الفقه البعض يعني كان يقبل في القديم بزواج.. كتاب الشيخ مثلا يعقد قرانه الشيخ بدون أن يقرر ذلك في محكمة أو في سجلات الدولة الآن هل هذا يمكن القبول به في الحياة المعاصرة؟

    يوسف القرضاوي: هذا يعني من تغير حاجات الناس وتغير الظروف وتغير الأخلاق.

    توفيق طه: نعم هل يجب إبرامه في محكمة أو في سجلات الدولة؟

    يوسف القرضاوي: آه هذا يجب ويعني الدولة سعت إليه يجب طاعة الدولة في هذا لأن هذا فيه مصلحة الناس، الناس تغيرت ذممهم فممكن واحدة تجيء تدعي على واحد أنه ده زوجها وخصوصا إذا كان رجل غني أو واحد يتزوج واحدة ويقول لأ أنا ما تزوجتهاش علشان لا ترثه وكذلك هذا في الملكيات العقارية أصبح التسجيل العقاري أو الشهر العقاري كان قبل كده خلاص مش ضرورية، في هذا الوقت يقول لا لازم تسجل حتى تثبت ملكيتك لازم تروح إلى التسجيل العقاري وتثبت الملكية فلا يستطيع أحد أن ينازعك، كل هذا اقتضته الظروف المتغيرة والحاجات المتغيرة للناس.

    توفيق طه: على كل الأمثلة كثيرة في حياة الناس عما يوجب أو يمكن أن يوجب تبدل الفتوى.

    يوسف القرضاوي: لابد للمفتي أن يراعي هذه الموجبات للتغير لا يجمد على ما هو في الكتب أحيانا الكتب بتمثل زمانها فإذا الزمن تغير وتغيرت الحاجات وتغيرت القدرات وتغيرت المعلومات لابد للمفتي أن يراعي هذا كل حاجة فتواه تصيب المحز وتصيب الحكم الشرعي.

    توفيق طه: كما قلنا يعني الأمثلة عديدة وكثيرة في حياة الناس ولكن الوقت أدركنا فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي شكراً جزيلا لك وشكراً لكم مشاهدينا وإلى لقاء في حلقة قادمة

    ــــــــــ
    أذيعت هذه الحلقة على قناة الجزيرة فى 3 يونيو 2007 ، قدم الحلقة توفيق طه

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 27 يونيو 2017 - 15:13