hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    ماذا يحدث داخل جماعة الإخوان المسلمين: دراسة امريكية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    ماذا يحدث داخل جماعة الإخوان المسلمين: دراسة امريكية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 9 مايو 2011 - 16:38

    تحت عنوان «ماذا يحدث داخل جماعة الإخوان المسلمين المصرية- النقاش عن برنامج الحزب وتداعياته»، صدرت أخيراً دراسة عن «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» تأليف أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن ناثان ج. براون، وكبير الباحثين في مؤسسة كارنيغي عمرو حمزاوي.
    الدراسة رصدت حال «الإخوان» الداخلي في مصر، خصوصاً في ظل ما يشهده من بعض الخلافات التي تهدد بانشقاق التنظيم بعد المسودة الأولى لبرنامج الحزب الذي طرحته الجماعة المحظورة كي تصبح حزباً سياسياً، وهذا نص الدراسة:
    مع نهايات صيف 2007، وفي سياق حالة من الترقب لدى نخبة الحكم وحركات المعارضة في مصر، قامت جماعة «الإخوان المسلمين» بتوزيع المسودة الأولى لبرنامج حزبها السياسي على مجموعة من المفكرين والمحللين، فاتحة بذلك الباب على مصراعيه لنقاشات خلافية في شأن الأفكار الرئيسية الواردة في البرنامج، وتداعياتها المحتملة على دور الإخوان في الساحة السياسية المصرية ومستقبل علاقتهم بالقوى الأخرى. وعلى الرغم من إدراك الإخوان، وهم الجماعة المحظورة الغائبة عن الشرعية، للاستحالة الفعلية لأن يشكل إعلان البرنامج خطوة البدء في تأسيس حزب، في ظل الرفض الحكومي والقيود الدستورية التي فرضت أخيرا على الأحزاب ذات المرجعيات الدينية، إلا انه يبدو أن قيادة الجماعة ارتأت أو أملت في فوائد محتملة من إجلاء الغموض على طبيعة حزبها ان سمح لها مستقبلا تأسيسه.
    في هذا السياق، تتناول هذه الدراسة بالشرح والتحليل أربع قضايا رئيسية: طبيعة ومضامين النقاشات الخلافية التي رتبتها مسودة البرنامج، خطوط وجبهات الصراع التي فجرها البرنامج داخل جماعة الإخوان. ماهية وتراتبية حسابات الربح المرجو والخسارة المحتملة التي دفعت الإخوان إلى إعلان البرنامج في بيئة سياسية هي بكل تأكيد غير مواتية وتجتاحها رياح مواجهة عاتية بين نظام الحكم والجماعة. جدلية الصراع، التوافق، داخل الجماعة وتداعياتها على مستقبل دور الإخوان في الحياة السياسية دون ما تغييب لحقيقة كون الأخير يرتبط عضويا بمواقف النظام ومساحات الحركة التي يتيحها لفصيل المعارضة الأكبر في مصر.
    إجلاء الغموض أم صناعة صراعات جديدة؟
    تثير مسودة البرنامج التي تم تداولها في مطلع سبتمبر 2007 انطباعات متناقضة عن رؤى ومواقف الإخوان السياسية، فمن جهة، يوثق البرنامج بإيجابية، وهو ينتظم في خمسة أبواب تتناول مبادئ وتوجهات الحزب، متبوعة. بشكل الدولة والنظام السياسي ثم الرؤى الإخوانية في التعليم والتنمية والسياسة الاقتصادية وأخيراً العدالة الاجتماعية والنهضة الثقافية، لمساحة من التفصيلية في الطرح والاهتمام بالسياسات العامة غابت عن مجمل المقاربات الإخوانية المعلنة خلال الأعوام القليلة الماضية، الأمر الذي أضفى دوما مشروعية ومصداقية على أحد أهم الانتقادات الكلاسيكية الموجهة للجماعة بكونها كيانا أيديولوجيا يرفع شعارات دينية فضفاضة ولا يبحث بجدية في إمكان تطبيقها الفعلي.
    من جهة أخرى، لم يمتد التفصيل الإخواني إلى عدد من الأمور بالغة الأهمية المرتبطة بهوية وبنية ووظيفة الحزب السياسي المراد تأسيسه. فقد اختار واضعو البرنامج عدم التطرق إلى جوهر وشكل الرابطة المستقبلية بين الجماعة والحزب، وتجاهلوا بالتبعية أفكارا نوقشت في الآونة الأخيرة داخل دوائر الإخوان، خصوصا الكتلة البرلمانية، حول أهمية تنظيم العلاقة بين المكون الديني الدعوي والمكون السياسي بالفصل الوظيفي بين الجماعة والحزب، وتركيز نشاط الأخير على المشاركة السياسية تأسياً بتجارب الإسلاميين المؤطرين حزبياً في المغرب والأردن واليمن وغيرها. وبالتالي فان من يطالع برنامج حزب الإخوان لن يجد به معالجة واضحة لا لطبيعة الحزب ولا لتكوينه التنظيمي، بل ان البرنامج جاء خالياً من أي نص صريح على فتح باب عضوية الحزب أمام كل المصريين مسلمين وأقباط وهو ما يمثل أحد الشروط الأساسية لتكوين الأحزاب السياسية وفقاً للدستور.
    وبغض النظر عن مثل هذه الفجوات في مسودة البرنامج، عمدت جماعة الإخوان اجمالاً إلى الاجابة عن جل ما طرح عليها خلال الأعوام الأخيرة من تساؤلات حول رؤاها ومواقفها السياسية. بيد ان إجابات الإخوان وشروحهم بالبرنامج لم ترتب سوى عاصفة جديدة من النقاش تمحورت حول قضيتين خلافيتين، الدعوة إلى استحداث هيئة منتخبة من كبار علماء الدين واستثناء النساء والأقباط من منصبي الرئاسة ورئاسة الوزراء. هنا انقلب التفصيل إلى نقمة ذات كلفة سياسية وإعلامية باهظة ترنحت إزاءها الجماعة بداية ثم ولت جزئياً باحثة عن امكانات الارتداد ومساحات التراجع
    الشريعة وهيئة كبار علماء الدين
    ربما قدمت الإشارات الواردة بمسودة البرنامج عن الهيئة المنتخبة لعلماء الدين، وهي لا تتجاوز أسطراً قليلة تحتويها الصفحات الأولى، الدليل الأوضح على الجدلية المركبة للربح والخسارة وذلك عند تحليل مواقف جماعة الإخوان. فقد سُئلت الجماعة مرارا عن أهدافها الحقيقية من وراء الدعوة إلى تطبيق الشريعة وعن الكيفية التي تعتزم بها ترجمة ذلك إلى تشريعات وسياسات على أرض الواقع ودأب قادتها على تقديم مقترحات اتسمت تارة بالغموض وتارة أخرى بالتنوع الشديد كاشفة عن خلافات داخل الجماعة. لذا ومنذ البداية حمل توجه الإخوان نحو حسم موقفهم بوضوح من قضية الشريعة ببرنامج الحزب احتمالية الخروج برسالة ايجابية للرأي العام تزيل بعض من مخاوفه، وتحد من خلافات الجماعة الداخلية، وكذلك وبكل تأكيد الامكانية المضادة أي ان يسبب نزوع الإخوان نحو الوضوح إثارة خلافات جديدة ويعمق من مأزقهم بين متطلبات قواعدهم الشعبية التي تريد تعظيما لمركزية تطبيق الشريعة، وتطلعات الفاعلين والمهتمين بالحياة العامة إلى التزام إخواني بمدنية الدولة والسياسة في مصر.
    ولموضوعية الطرح ينبغي القول بأن توقع تراجع تام للإخوان عن دفع قضية الشريعة إلى صدارة أولوياتهم السياسية هو ولاعتبارات متعددة بمثابة درب من دروب الخيال. فمن جهة أولى، شكل تطبيق الشريعة على الدوام أحد المكونات الجوهرية لخطاب الجماعة والوعي السياسي لقادتها على نحو رام، ومازالت، صياغة مساحات جديدة لدور الدين (الإسلام) بالحياة العامة. ثانياً، منذ سبعينات القرن الماضي والدعوة إلى تطبيق الشريعة تتمتع بقبول واضح لدى قطاعات واسعة من المصريين ترى بها أساس بناء نظام قانوني، قضائي، أخلاقي، وعادل. ثالثاً، لا شك أن القواعد الشعبية القريبة من جماعة الإخوان أو المتعاطفة معها تنتظر منها الضغط باستمرار باتجاه تطبيق الشريعة وتبنيه هدفا لدورها السياسي. أخيراً، تمكن الشريعة الإخوان من قولبة دورهم على نحو يظهر توافقه مع روح ونصوص الدستور ويبعدهم عن صورة الجماعة الخارجة على الشرعية خصوصا في أعقاب تعديلات ربيع 2007 الدستورية. فكما هو معروف، تنص المادة الثانية من الدستور على أن الإسلام هو دين الدولة وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع وتقدم بالتبعية غطاءً دستورياً للحركات والجماعات التي ترفع لواء تطبيق الشريعة وفي مقدمتها جماعة الإخوان. بيد أن قضية الشريعة، وبالمقابل، قد ولدت شعوراً لدى القوى الليبرالية واليسارية مؤداه أن الجماعة تريد فرض اختزال التراث التشريعي والقانوني الطويل للحضارة الإسلامية بتأويلات ضيقة تفرض على المصريين بصورة غير ديموقراطية. ومن ثم واجهت قيادة جماعة الإخوان حين صياغة برنامج الحزب اختياراً بين مقاربتين لا ثالث لهما؛ بين الالتزام بحديث العموميات عن الشريعة دونما تحديد، والنص صراحة وحصرياً على معاني ومضامين تطبيق الشريعة كما تراها الجماعة لنقل النقاش إلى مرحلة جديدة. والجلي أن مسودة برنامج الحزب قد عبرت عن غلبة المقاربة الثانية.
    نعم، عمد الإخوان بوثائقهم وبياناتهم العلنية خلال الأعوام الماضية إلى إحلال صياغات فضفاضة كالمرجعية الإسلامية محل تطبيق الشريعة، وسعوا إلى أن يضعوا في الواجهة المطلبية الديموقراطية أي لائحة الإصلاحات الدستورية والسياسية التي توافقت عليها المعارضة المصرية دينية وغير دينية. وحين دفع منتقدو الجماعة بضبابية حديثها عن المرجعية الإسلامية وغموض تداعياته المحتملة على النظام القانوني- القضائي، تحصن الإخوان بالمادة الثانية من الدستور وبالعديد من أحكام المحكمة الدستورية العليا التي نصت على أن ذات المادة تنفي الدستورية عن أي تشريعات تتعارض مع المبادئ القطعية للشريعة الإسلامية، قاطعين الطريق بذلك على اتهامهم بالعمل على الخروج على الدستور. بل وجاءت بعض الصياغات ببرنامج الحزب لتدلل على استمرارية هذا التوجه خصوصا حين النص صراحة على حتمية احترام أحكام المحكمة الدستورية العليا والاعتراف بأهلية ممثلي الشعب المنتخبين في تحديد القطعي من أحكام الشريعة الإسلامية. إلا ان البرنامج وبأسطر قليلة اندفع نحو المقاربة الثانية باقتراح استحداث هيئة منتخبة من علماء الدين وظيفتها تقديم الرأي الملزم للسلطتين التشريعية والتنفيذية حين النظر بأمور تتعلق بالقطعي والمستقر من أحكام الشريعة والمشورة في جل ما يتعلق بالشؤون الدينية من أمور.
    وحقيقة الأمر أن مقترح استحداث هيئة منتخبة لعلماء الدين كان له وقع صادم على بعض قيادات الجماعة الذين دافعوا مرارا عن حتمية الارتكان إلى دور المحكمة الدستورية العليا في حين استقبلته قيادات أخرى بايجابية. فالمقترح حدد آلية واضحة لضمان الالتزام بالشريعة وضعها خارج السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل وخارج سياقات المؤسسة الدينية الرسمية (مشيخة الأزهر ودار الإفتاء) المسيطر عليها حكومياً، دافعاً بها نحو عموم علماء الدين وبينهم الكثيرون المتعاطفون مع الإخوان. على صعيد آخر، صدم المقترح قيادات إخوانية دعت إلى رفضه بكونه ينتصر لتأويلات اختزالية لقضية تطبيق الشريعة ولا يعبر عن إجماع إخواني مستقر (بل لمح البعض إلى أن المقترح أقحم على مسودة البرنامج في ظلمة الليل ودون استشارة جميع الأطر القيادية بالجماعة). أما عن التداعيات السلبية على نظرة الرأي العام للجماعة فحدث ولا حرج، فقد فتح المقترح الباب على مصراعيه لاتهام الإخوان بالسعي نحو تأسيس دولة ثيوقراطية وبالانقلاب على مبدأ مدنية الدولة والسياسة.
    اللافت للنظر إذاً حين بحث قضية الشريعة ببرنامج حزب الإخوان هو الكلفة العالية لاتباع المقاربة الحصرية والصعوبات العملية التي تضعها على طريق ارتداد محتمل للعموميات. فعلى الرغم من احتمالية إسقاط الجماعة لمقترح هيئة علماء الدين بالنسخة المعدلة من البرنامج أو تفريغها من المضمون، تلك الاحتمالية التي تبدو اليوم في سبيلها إلى التحقق، سيظل عالقاً لدى الرأي العام حقيقة أن البعض من قيادات الإخوان ما لبثت رؤيته للشريعة تتعارض بوضوح مع الجوهر الديموقراطي.
    الموقف من الأقباط والمرأة
    دفع الإخوان أيضاً ثمن نزوع برنامجهم نحو الوضوح والتحديد في سياق ثان بالغ الأهمية، ألا وهو نزع أهلية تولي المناصب العليا في الدولة عن غير المسلمين والنساء. هنا أسست مسودة البرنامج للتعامل الإقصائي هذا بالاستناد إلى مقولات كلاسيكية بالتراث التشريعي والقانوني الإسلامي حول شروط أهلية الحاكم وارتباطها الوثيق بواجباته الدينية وبالتبعية بانتمائه الإسلامي وبدوره العام ومن ثم بهويته الذكورية. فجاء الباب الثاني بالمسودة بحديث طويل حول الدولة والنظام السياسي والواجبات الدينية المنوطة برأس السلطة التنفيذية وفقاً لمقاصد الشريعة الإسلامية متبوعا بنص صريح على استبعاد غير المسلم والنساء من منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
    وفي حين رأى البعض من قيادات الإخوان بهذا الموقف اتساقاً محموداً مع القطعي من أحكام الشريعة، رفضه فريق آخر شدد أعضاؤه على تناقض الإقصاء مع مبدأ المواطنة المدنية المقبول لدى جميع القوى الفاعلة بالحياة السياسية، كما أشاروا إلى الكلفة الباهظة لاستعداء قطاعات واسعة من المصريين بلحظة تواجه بها الجماعة قمعاً رسمياً منظماً. هؤلاء أفاضوا في شرح رؤيتهم معتمدين على التمييز بين المقولات الكلاسيكية، وجلها صيغ وقضايا الولاية الكبرى حاضرة ومؤسسات الدول ونظمها القانونية لم تستقر، وبين زمانية القرن الحادي والعشرين وبها، على الأقل بالحالة المصرية، دولة حديثة استقر دستورها وتبلورت مؤسساتها العامة على نحو يجعل من الاسقاط الميكانيكي للمقولات الكلاسيكية على الواقع المعاصر ممارسة غير مجدية بل وغير منطقية. فضلاً عن ذلك، ذهب البعض إلى أن نزع الأهلية عن الأقباط والنساء لا مردود عملياً له في مجتمع محافظ كالمجتمع المصري ذي أغلبية مسلمة، فاحتمالية أن ينتخب غير مسلم أو تنتخب امرأة لرئاسة الجمهورية أو لرئاسة الوزراء تكاد تكون غير قائمة.
    وبالإضافة إلى كون اشتعال النقاش الخلافي بين قيادات الإخوان حول رجاحة وجدوى التعامل الإقصائي مع الأقباط والنساء قد عمق من الصراعات الداخلية التي تبلورت سريعاً على خلفية مقترح هيئة علماء الدين، ربما كانت النتيجة الأهم في هذا الصدد هي صرف أنظار الرأي العام نهائيا ودون رجعة عن الاهتمام بأغلب ما جاء بمسودة البرنامج حزب الإخوان من أفكار ورؤى وبدائل سياسات رامت صياغة نموذج متكامل لإدارة شؤون الدولة والمجتمع والمواطنين. كماً وكيفاً، يفرد البرنامج مساحة أكبر ويعطي اهتماماً أوضح للقضايا الاقتصادية والاجتماعية إذا ما قورنت بمقترح الهيئة أو بدين ونوع رئيس الجمهورية. بل غاب تماماً عن النقاش العام حول البرنامج حقيقة استمرار نزوع الجماعة نحو نموذج الدولة القوية المتدخلة في تسيير جل شؤون المجتمع دونما تدبر فعلي في مدى ملاءمة مثل هذا الطرح للواقع الراهن المستند إلى اقتصادات السوق، أو في تداعياته المحتملة على ملفات الإصلاح والتحول الديموقراطي، وكلاهما يرتبط في الحالة المصرية بتحجيم الدولة ونخبتها السياسية- الأمنية، والتوسع المطرد لمساحات فعل القوى المدنية وغير الحكومية. يظهر البرنامج جماعة الإخوان بمظهر من يريد تحولاً ديموقراطياً وتعدداً للسلطات ورقابة على الأجهزة التنفيذية، وما لبث في ذات الوقت يحلم بدولة كليانية تطال أدوارها كل قطاعات المجتمع من ضبط حركة السوق إلى توجيه الفن السينمائي والموسيقي. غابت إذاً قضية محورية في رؤية الإخوان للدولة وغيرها العديد من الأمور والتفاصيل المهمة، ودفعت الجماعة ثمناً باهظاً تمثل في تجاهل الرأي العام لجل ما جاء بمسودة برنامج الحزب، واختزال النقاش حوله بانتقاد مرير لها بكونها ظلت قوة المعارضة التي تريد تديين السياسة وترفض مواطنة المساواة التامة بين المسلمين والأقباط وتتقلب بانتظام على وعودها الديموقراطية
    الصراع داخل الجماعة
    بجانب النقاش العام خارج دوائر الإخوان، اشتعل الصراع داخل الجماعة حول القضايا الخلافية السالفة الذكر ولجأ الفرقاء (أطراف الصراع) على نحو غير مسبوق إلى الوسائط الإعلامية أي الصحافة والقنوات الفضائية والمحلية والإنترنت لصياغة وإيصال رؤاهم المتضاربة إلى الرأي العام. بكل تأكيد لم تغب أبداً عن بورصة الشائعات السياسية المصرية أحاديث متواترة حول خلافات بين قيادات الإخوان إن داخل مكتب الإرشاد أو خارجه، بل وحول تبلور جبهات وأجنحة رجعية محافظة في مواجهة أخرى إصلاحية وصراعات أجيال بين حرس قديم وحرس جديد تهدد بانفصام عرى التنظيم وربما انهياره. نعم لم تكن مثل هذه الأحاديث بنادرة، إلا أن واقع الجماعة التي تأسست في 1928 دوما ما برهن على تماسكها التنظيمي وقدرتها العالية على مخاطبة الرأي العام بصوت واحد واحتواء التيارات المختلفة داخلها دون أن تطفو على السطح طوال العقود الماضية سوى محاولة واحدة في النصف الثاني من التسعينات للخروج عن جماعة الإخوان والسعي نحو تأسيس حزب سياسي مستقل عنها كان بطلها المهندس أبوالعلا ماضي صاحب مبادرة حزب الوسط. أما اليوم فتبدو صورة الجماعة المتماسكة ذات الصوت الواحد منافية للواقع وأمام الباحث والمتابع لحظة جد نادرة للتعرف والإمساك بخيوط وقضايا الصراع داخل الإخوان والرموز القيادية للمجموعات المتصارعة.
    خلال الأسابيع الأولى التي تلت تداول مسودة البرنامج في سبتمبر 2007 طفت على السطح رؤيتان متناقضتان ارتبطت أولاهما بالنائب الأول للمرشد العام محمد حبيب والثانية بعضو مكتب الارشاد عبدالمنعم أبوالفتوح. وفي حين دافعت الأولى عن النصوص الخلافية الواردة في المسودة حول هيئة كبار علماء الدين ونفي أهلية الأقباط والمرأة لمنصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، انتقدت الثانية ذلك مشددة على أن مثل هذه المواقف لا تعبر عن الإجماع الإخواني. وانحازت لكل من حبيب وأبوالفتوح قيادات في مستويات تنظيمية مختلفة على نحو تبلور معه بالفعل وجود مجموعتين متقابلتين بروايتين متناقضتين حول الكيفية التي تمت بها صياغة المسودة وبدينامية صراع واضحة وعلنية لم يعهدها الإخوان من قبل.
    فمن جهة، أكد محمد حبيب ومعه الأمين العام للجماعة الدكتور محمود عزت وعضوا مكتب الارشاد الدكتور محمد مرسي والدكتور محمود غزلان على أن مسودة البرنامج صيغت في إطار تشاوري وبشفافية لا غبار عليها. ووفقا لهم بدأت عملية صياغة المسودة بتكليف المرشد العام محمد مهدي عاكف للجنة مشكلة من خبراء قانونيين وعلماء دين وسياسيين وحركيين إنجاز صياغة أولية تم عرضها على كامل مكتب الارشاد الذي أبدى ملاحظات عليها وأعادها إلى لجنة الصياغة للتغيير والتعديل ثم أعقب ذلك مناقشة ثانية داخل مكتب الارشاد تم بها اعتماد المسودة واقرار توزيعها على الوحدات الإدارية للجماعة في المحافظات المصرية- وتلك تضم في تشكيلاتها أعضاء مجلس شورى الجماعة لإبداء الرأي كخطوة أخيرة قبل الخروج بالبرنامج إلى الرأي العام.
    في مقابل رواية مجموعة حبيب ومفادها هو التشديد على صياغة المسودة بصورة تشاورية داخل الجماعة، أكدت المجموعة الثانية وأهم رموزها بجانب عبدالمنعم أبوالفتوح البرلماني السابق الدكتور جمال حشمت ومسؤول القسم السياسي بالجماعة الدكتور عصام العريان على أن الطرح الوارد بالمسودة لا يعبر عن التوافق الإخواني وان البعض قد استأثر بعملية الصياغة ولم يأخذ في الاعتبار تنوع الآراء داخل الجماعة. هؤلاء دفعوا بأن المحكمة الدستورية العليا هي المخولة بتقرير مدى ملاءمة التشريعات والقوانين لمادة الشريعة بالدستور وأن على الإخوان احترام نصوص الدستور التي تساوى في الحقوق السياسية بين المسلمين والأقباط والرجال والنساء دونما استثناء لمنصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وبينما ذكر أبوالفتوح أن المسودة المتداولة هي حصيلة عمل مجموعة صغيرة من أعضاء الجماعة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، عبر حشمت عن ذات المضمون الإقصائي حين ذهب إلى أن ما جاء بالبرنامج حول هيئة علماء الدين والأقباط والمرأة لا يعكس توافقاً داخل الجماعة وأن القواعد الإخوانية لم تر المسودة قبل تداولها: «لم تطرح (هذه القضايا الخلافية) في المناقشات والحوارات الأولية أثناء التفكير في إعلان برنامج للجماعة يمثل وثيقة لها، ولذلك جاءت هذه المضامين صادمة، ولا تعبر بحال من الأحوال عن رأي عموم الإخوان وقواعدها التي حرمت من رؤية البرنامج أو التعليق على ما جاء فيه، وقد أبديت اعتراضي قبل ذلك لدى الجماعة، ولم يأخذ به». كما أضاف العريان انه وآخرين اقترحوا أن تصمت مسودة البرنامج عن القضايا المختلف عليها داخل الجماعة إلى حين التوصل إلى رؤى توافقية عوضاً عن صياغات لا تعبر عن عموم الموقف الإخواني
    اللافت هنا أيضاً أنه مع تجاوز الخلاف بين المعسكرين حول عملية صياغة مسودة البرنامج حدود مكتب الارشاد على وقع انتقادات حشمت والعريان، بدأت أطراف أخرى في التلميح عن عدم رضائها كذلك. فلمح الدكتور محمد سعد الكتاتني، رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان بمجلس الشعب إلى تجاهل رأي البرلمانيين حول مسودة البرنامج، وتصاعدت اصوات بعض شباب الاخوان على موقع الجماعة الالكتروني الناطق باللغة الانكليزية وفي بعض المدونات مؤكدة على ان البرنامج لا يعبر عنهم وان صياغته تمت على نحو غير ديموقراطي.
    الا ان الخلاف بين الفرقاء لم يقف عند حد الروايات والمضامين المتناقضة حول عملية الصياغة للبرنامج، بل تجاوزه إلى التخلي عن الحذر الاخواني التقليدي حين ممارسة النقد الداخلي وخبرة الجماعة الطويلة في عدم نشر غسيلها المتسخ على الملأ، صاغ رموز المجموعتين مواقفهم بالاساس في الساحة العامة وغلب على اللغة المستخدمة طابع شديد الحدية على سبيل المثال، اشار محمود عزت إلى ان المعترضين على ما ورد في المسودة حول هيئة كبار علماء الدين والاقباط والمرأة لا يملكون سندا شرعيا بينما اتهم محمود غزلان شباب الجماعة الاصلاحيين بالتأثر بالافكار الليبرالية والبعد عن اصالة الاخوان. اما جمال حشمت فاستخدم لغة قاسية حينما ربط بين استئثار البعض بصياغة البرنامج وبين جو الاستبداد العام في مصر وما يرتبه من قتل للحالة الوسطية داخل الجماعة.
    برزت كذلك بالاضافة إلى نقل الصراع على البرنامج داخل جماعة الاخوان المسلمين إلى الساحة العامة الية اضافية لادارته تمثلت فيما يمكن تسميته «حرب الفتوى»، مؤيدو ومعارضو البرنامج على حد سواء سعوا إلى استصدار فتاوى من رجال دين تدعم مواقفهم المتعارضة حول هيئة كبار علماء الدين والاقباط والمرأة واستخدمت الفتاوى كاحدى ادوات المواجهة العلنية. كرر محمد حبيب ورفاقه اكثر من مرة ان مكتب الارشاد لجأ إلى عدد من علماء الدين حين انجاز المسودة وان هؤلاء افتوا بعدم اهلية الاقباط والنساء لرئاسة الجمهورية والوزراء باعتبارهما من امور الولاية الكبرى المكفولة للمسلمين اما عبدالمنعم ابو الفتوح فكان اكثر تحديدا عندما كشف في حوارات اعلامية ان الشيخ القرضاوي واستاذ علوم الشريعة الدكتور محمد سليم العوا قد افتيا بان المناصب سالفة الذكر لا تندرج في سياق الولاية الكبرى وان اقصاء الاقباط والمرأة لا مسوغ له. استند ابو الفتوح ايضا إلى القرضاوي في التشديد على ان المحكمة الدستورية العليا هي المنوطة بضبط ملاءمة التشريعات للمادة الثانية في الدستور وبالتبعية ان الحاجة تنتفي لهيئة كبار علماء الدين.
    هي اذا صورة صراعية بامتياز تلك التي خرجت بها جماعة الاخوان إلى الرأي العام خلال الاسابيع الاولى للنقاش حول البرنامج. كذلك تعددت مستويات الصراع، من صراع في الدائرة القيادية داخل مكتب الارشاد بين مجموعة حبيب وابو الفتوح مرورا بمكتب الارشاد وقيادات الجماعة القريبين من القواعد الشعبية كجمال حشمت وانتهاء بامتعاض الكتلة البرلمانية من تجاهل اقتراحاتها والخلاف بين قيادة الجماعة وشباب الاخوان ذوي التوجه الإصلاحي. نعم حاول المرشد العام محمد مهدي عاكف، والذي تجنب المشاركة في الصراع الدائر حول البرنامج بصورة لفتت الانظار، اعادة الامور إلى نصابها والحفاظ على حد ادنى من الالتزام التنظيمي بالاعلان عن تشكيل لجنة برئاسة محمد حبيب لمراجعة المسودة وحسم القضايا الخلافية، الا ان علنية الصراع داخل الجماعة وتواكبه مع سيل من انتقادات المحللين والمتابعين خارجها رتبا استمرارا للتصريحات والمواقف المتضاربة حتى منتصف اكتوبر 2007، خلقت مثل هذه الصورة الصراعية، وعلى الرغم من امكانية تفسيرها على انها دليل حيوية الجماعة وربطها بكون الانخراط في الحياة السياسية بما تطرحه من قضايا وتحديات حتما ما يوسع من مساحة الخلافات داخل الحركات المشاركة بها، انطباعا لدى الرأي العام باضطراب الاخوان وافتقادهم لعقل استراتيجي راجح يمكنهم من الحديث بصوت واحد في لحظة سياسية شديدة الدقة وحول قضايا جوهرية.
    يبدو اذا ان النقاش حول مسودة برنامج الحزب لم يكشف سوى عن عمق التحديات والخلافات التي تواجهها جماعة الاخوان داخليا وصعوبة ادارتها وانحسرت تداعياته العامة في بروز مخاوف جديدة من دور الاخوان بحياة مصر العامة والسياسية. فلماذا وضعت الجماعة ذاتها وبارادتها بهذا الموقف ولماذا اندفعت نحو الاعلان عن البرنامج الآن؟ او بعبارة بديلة، ما العوامل التي شجعت الاخوان في ظل ظروف سياسية شديدة الصعوبة على القيام بخطوة غير مسبوقة بتاريخهم والاعلان عن برنامج حزب لا وجود له اليوم وغده القريب لا ينبئ عن احتمال الترخيص له
    حسابات المكسب والخسارة
    قبل الولوج إلى الإجابة عن التساؤلات السابقة، تجدر الاشارة إلى ان النقاشات داخل جماعة الاخوان قد تواترت طوال الثمانينات والتسعينات حول جدوى واهمية الحزب السياسي، بل وتبلورت بعض المبادرات المحددة الدافعة باتجاه السعي نحو تشكيل حزب يدير النشاط السياسي للاخوان كان ابرزها مبادرتي حزب الشورى العام 1986 وحزب الاصلاح في بدايات التسعينات وكلاهما استند إلى جهد وتنسيق جماعي بين عدد من القيادات، غير ان ايا من هذه المبادرات لم يرتب الاعلان عن برنامج للحزب وفقد بالتبعية، وفي سياق الرفض المتوقع من جانب السلطات المصرية السماح لحزب اخواني بالحصول على ترخيص، مغزاه سريعا. حقيقة ايضا ان مشاركة الاخوان منذ السبعينات في انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية وكذلك مشاركتهم في الانتخابات التشريعية 1984 و1987 في ظل تحالفات مع حزبي الوفد والعمل على التوالي قد دفعت بمسألة الحزب المرة تلو الاخرى إلى الواجهة كآلية رئيسية لتنظيم مشاركة الجماعة في الحياة السياسية الرسمية، بيد ان عوامل من شاكلة غياب التوافق بين قيادات الاخوان حول جوهر وشكل العلاقة المبتغاة بين الجماعة والحزب والخوف من العواقب المترتبة على فصل محتمل بين الدعوة والنشاط السياسي فضلا عن التوجس من رد فعل عنيف للنظام الحاكم حالت مجتمعة دون تبلور اندفاعة حقيقية نحو محاولة تأسيس حزب سياسي.
    لماذا اذا اليوم وفي ظل لحظة مواجهة مباشرة مع النظام يقرر الاخوان الاعلان عن برنامج حزب الجماعة السياسي؟ فمنذ نجاح الجماعة وعلى الرغم من الانتهاكات الحكومية لمبدئي نزاهة الاقتراع والرقابة القضائية على اللجان الانتخابية في الاستحواذ على ما يقرب من عشرين بالمئة من مقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2005 التشريعية مترجمة بذلك لوزنها الفعلي على الارض كفصيل المعارضة الاهم في مصر، ونظام الرئيس مبارك انتقل إلى موقع المواجهة المباشرة مع الاخوان سعيا إلى تضييق مساحات الفعل المتاحة لهم باتباع استراتيجيتين مرتبطتين تمثلت الاستراتيجية الاولى في الضغط الامني والذي كان من ابرز ارهاصاته التوقيف المتواتر لأعضاء الجماعة وتحويل عدد من قياداتها ابرزهم النائب الثاني للمرشد العام خيرت الشاطر ورجال اعمال كبار قريبين منها إلى محاكمات عسكرية تدور رحاها حتى يومنا هذا اما الاستراتيجية الثانية فرامت تغيير بيئة المشاركة السياسية للاخوان بفرض قيود قانونية جديدة جاءت في سياق سلة من التعديلات الدستورية مررها النظام من مجلس الشعب المصري ومن ثم في استفتاء عام في ربيع 2007. وأهم ما جاء بسلة التعديلات فيما يتعلق بالاخوان المسلمين هو النص على منع مباشرة اي نشاط سياسي او قيام احزاب سياسية على اي مرجعية دينية او اساس ديني (المادة 5 المعدلة) بصورة تحول عملا بين الجماعة او اي فصيل سياسي آخر يستند في رؤاه وبرامجه إلى مرجعية دينية وبين الترخيص لأحزاب سياسية معترف بها وذات وضعية قانونية، وكذلك افساح الطريق دستوريا امام تغيير النظام الانتخابي المعمول به في مصر من النظام الفردي إلى نظام خليط يعتمد القوائم الحزبية كإطار منظم ويترك هامشا صغيرا للمقاعد الفردية (المادة 62 المعدلة) على نحو سيحد في المستقبل من مشاركة الاخوان في الانتخابات التشريعية وهم الذين دأبوا كجماعة محظورة ليس لها وضعية قانونية على ترشيح مستقلين ينتمون لهم للمنافسة في الدوائر المختلفة.
    يصبح التساؤل اذا هو لماذا تقدم الجماعة على اعداد برنامج حزب سياسي وتخرج به إلى الرأي العام في لحظة يعلم قادتها واعضاؤها قبل المراقبين خارجها ان الترخيص لحزب تابع لها هو بمثابة درب من دروب المستحيل؟
    هنا يمكن الاشارة إلى عاملين رئيسيين وعاملين فرعيين ربما حفزوا مجتمعين الاخوان على القيام بخطوتهم بالرغم من البيئة السياسية غير المواتية والقيود التي فرضتها على فعل مساحات حركة الجماعة.
    فمن جهة اولى، اخرجت المواجهة مع النظام الحاكم بعد انتخابات 2005 الجماعة من وضعية المبادرة إلى الفعل التي ميزتها خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، وكان من اهم ملامحها اصدار مبادرة الاصلاح في 2004 والمشاركة مع بقية فصائل المعارضة المصرية والمجتمع المدني والقضاة المستقلين في رفع سقف الضغوط على النظام الحاكم لانجاز اصلاحات ديموقراطية حقيقية، لتعيدها إلى خانة رد الفعل في ظل ضربات النظام المستمرة مرتبة بالتبعية اهتزازا استراتيجيا واضحا داخلها. في هذا السياق، ربما اراد الاخوان من خلال اعداد برنامج لحزب العودة إلى دائرة الفعل واثارة نقاشات ايجابية حوله تتجاوز الصورة السلبية التي فرضتها المواجهة مع النظام. مثل هذا الامر اكتسب اهمية مضاعفة في اعقاب تلك الحادثة التي عرفت بحادثة ميليشيا الازهر، وبعد ان هاجم الرئيس مبارك الجماعة علنا بضراوة لافتة متهما اياها بأنها «خطر على امن مصر لأنه يتبنى نهجا دينيا».
    من جهة ثانية، دأب عدد من رموز الاخوان خلال عامي الحراك السياسي في 2004 و2005 على تقديم الوعود بأن الجماعة المحظورة عازمة اما على التحول إلى حزب سياسي مدني ذي وضعية قانونية بل وان قيادتها تفكر مليا في حل الجماعة حال حصول الحزب على الرخصة القانونية او على الاقل ان الاخوان مع التمييز الواضح للديني، الدعوي عن السياسي، المدني من خلال الفصل الوظيفي بين الجماعة وحزبها، ولدت مثل هذه الوعود حالة مزدوجة من الترقب والأمل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام المصري وربما رتبت بالتبعية التزاما اخوانيا بعدم تجاهل قضية الحزب على الرغم من عدم مواتاة الظروف السياسية لخطوة كهذه بل، وكما سنأتي على التفصيل لاحقا، وفي ظل عدم استعداد الجماعة فكريا وتنظيميا له.
    فضلا عن ذلك، ثمة عاملان فرعيان ربما لعبا ايضا دورا اضافيا في تحفيز الجماعة على الخروج ببرنامج الحزب إلى الرأي العام، الا وهما الحاجة الملموسة إلى استجلاء غموض رؤية الاخوان حول بعض جوانب رؤيتهم للسياسة والمجتمع ثم المسار التطوري العام لعدد من الحركات الاسلامية المشاركة في اللعبة السياسية السلمية في العالم العربي. ففي حين اوضحت جماعة الاخوان المسلمين من خلال سلسلة من البيانات اهمها مبادرة الاصلاح 2004 والبرنامج الانتخابي لمرشيحها في انتخابات 2005 التزامها بالتحول التدرجي نحو الديموقراطية في مصر ومدنية الحياة السياسية، ابقت الجماعة على مساحة من الرمادية بل والازدواجية في المواقف حول عدد من القضايا المركزية على نحو رتب انتقادات ومطالبات متصاعدة باجلاء الغموض حولها. وكما سبقت الاشارة، تمثل اهم هذه القضايا في موقف الاخوان من مبدأ التساوي التام في الحقوق السياسية بين المواطنين المصريين بغض النظر عن الدين والنوع، طبيعة الخطوات الاصلاحية المحددة التي تؤيدها الجماعة، وكذلك كيفية الترجمة الفعلية لمركزية الشريعة الاسلامية ودورها في النظام السياسي. هنا نظر البعض من الاخوان ومن خارج صفوفهم إلى برنامج الحزب بكونه يقدم فرصة سانحة لتوضيح وتحديد المواقف وربما مقدمة لحسم صراع الارادات داخل الجماعة بين اصحاب الرؤى المتناقضة.
    ثم شكل المسار التطوري للاسلاميين في بعض الدول العربية، وبه تحركت حركات كالاصلاح والتوحيد المغربية وجماعة الاخوان المسلمين الاردنية عندما اتيحت لها فرص للمشاركة في العملية السياسية الرسمية بثقة بادية نحو فصل وظيفي بين الجماعة الدينية الدعوية وبين الكيان السياسي المدني على نحو اخذ شكل تأسيس احزاب متمثلة في العدالة والتنمية المغربي وجبهة العمل الاسلامي في الاردن، عنصرا ضاغطا وسياقا للمقارنة مع وضعية الاخوان في مصر على نحو ودفع بعض القيادات داخل الجماعة إلى توظيفه للمناداة صراحة بأهمية الفصل بين الجماعة والحزب المراد تأسيسه. ففي حوار مع اسبوعية الصحوة اليمنية القريبة من الاسلاميين في التجمع اليمني للاصلاح، استدعى الدكتور عبدالمنعم ابو الفتوح تجارب الاسلاميين خارج مصر في معرض الحديث عن الجماعة والحزب: «هناك حوار داخل مؤسسات الجماعة حاليا حول هذه المسألة لم نحسمه بعد، ونستدعي في هذا الحوار تجارب الحركات الاسلامية في اليمن والاردن والمغرب والجزائر لنستفيد منها في التخطيط لمستقبل العمل السياسي للحركة في مصر. ففي الاخيرة مثلا «حركة مجتمع السلم - حمس» هي مظلة للعمل السياسي والدعوي معا، في المغرب المسألة مختلفة فهناك حزب العدالة إلى جانب حركة التوحيد وهما منفصلان اداريا وتنظيميا، في الاردن هناك الحركة والعمل الاسلامي جناح سياسي لها... وكذلك التجربة في اليمن نحاول ان نستدعي جميع تلك التجارب لنستفيد منها ... الا ان الحوار لدينا لم يحسم بعد». اما الدكتور عصام العريان، مسؤول القسم السياسي بالجماعة، فاشار ايضا إلى نفس المعنى في معرض التعليق على الانتخابات المغربية الاخيرة: «وفي اطار سعي الحركات والاحزاب الاسلامية إلى الاندماج في البنية السياسية للنظم العربية تأتي اهمية متابعة تجارب الحركات والاحزاب الاسلامية في كل مكان. واذا كانت مصر في الماضي رائدة في نقل التجارب إلى بقية البلدان العربية، فاننا اليوم في موقع المستفيد من تجارب الاخرين»
    الجماعة توظيف البرنامج بصفحاته المئة والثمانية والعشرين من القطع الكبير لصياغة نموذج متكامل لادارة شؤون مصر الداخلية والخارجية على نحو تميز في تفصيليته عن مبادرة الاصلاح 2004 والبرنامج الانتخابي 2005 وان اعتمد عليهما. كما دلل اقدام الاخوان على ارسال مسودة البرنامج إلى عدد من المفكرين والمحللين خارج دوائرهم على رغبتهم في خلق حالة من النقاش والزخم حولها تعيد الجماعة إلى صدارة المشهد العام. الا ان خسائر الاخوان ايضا لم تكن بالضئيلة، بل هي في واقع الامر المقابل المباشر لما توقعوه او راموه من مكاسب.
    فمع ان العقود الطويلة من العمل السياسي كمعارضة محظورة تواجه بين الفينة والاخرى قمع نخبة الحكم قد وضعت ضغوطا وقيودا عديدة امام الاخوان، استفادت الجماعة من وضعيتها بالمعارضة في التملص مرارا من تحديد مواقفها حول قضايا السياسة والمجتمع الرئيسية واجلاء الغموض المحيط ببعضها. فاحتمالية انتقال حركات المعارضة بالنظم السياسية السلطوية وشبه السلطوية إلى مواقع الحكم هي من المحدودية بحيث يمكن لهذه الحركات الاكتفاء بتوجيه سهام النقد للحكام والتركيز على اخفاقاتهم دونما حاجة إلى صياغة بدائل واضحة قابلة للتطبيق. بعبارة اخرى، يمكن النظر إلى مفردات كالغموض والتأرجح والعموميات والنفعية السياسية بكونها المكتسبات العضوية لدور المعارضة في النظم السلطوية وشبه السلطوية. لذا، وعلى الرغم من المكاسب التي توقعتها جماعة الاخوان من جراء الاعلان عن برنامج لحزبها يحسم خلافاتها الداخلية ويجيب عن تساؤلات الرأي العام ومن ثم يسمح بالعودة إلى دائرة الفعل ويخفف من كلفة المواجهة مع نخبة الحكم، فإن الجماعة خسرت بمجرد الاعلان عن برنامج تفصيلي وبغض النظر عن مضامينه امتياز الغموض والحق في الاكتفاء بحديث العموميات.
    كذلك حملت مسودة البرنامج الاخوان كلفة اضافية تمثلت في وضعهم بمأزق المفاضلة بين مطلبية الاعضاء والانصار من جهة وتوقعات الرأي العام من جهة اخرى. نجح الاخوان منذ سبعينات القرن الماضي في المشاركة السياسية بفاعلية اعتمادا على استراتيجية مزدوجة عبئت باستمرار قواعدهم الشعبية وجذبت قطاعات اوسع من المصريين بشعارات فضفاضة مثل «الاسلام هو الحل» دار جلها حول دور الدين في الحياة العامة. مكن حديث العموميات، عن اولوية تطبيق الشريعة دون تحديد لآليات واضحة او عن مركزية المرجعية الاسلامية مع ضبابية المضمون للجماعة، من التعاطي بايجابية مع مطلبية اعضائها وانصارها المدفوعة بحلم تطبيق الشريعة، وفي الوقت ذاته تهدئة المخاوف العامة من اختزال الاجندة الدينية بقضية الشريعة. وكان لافتا خاصة خلال الاعوام القليلة الماضية كيف دأبت قيادات الاخوان على توزيع الادوار بكفاءة بين اولئك المتجهين بخطابهم العلني إلى القواعد الشعبية كمحمد حبيب ومحمود عزت وهما تميزا بالتشديد المتواتر على قضية الشريعة وبطغيان الرمزية على خطابهما العلني، وبين الفريق الذي انيط به الحديث مع الاخر خارج الاخوان ان بمصر او بالمغرب وركز رموزه واهمهم عبدالمنعم ابو الفتوح على انفتاح الجماعة على قضايا التحول الديموقراطي وكون وظيفة المرجعية الاسلامية انما تتمثل في التوجيه العام لخيارتها السياسية كما هو الامر في حالات الاحزاب المسيحية الديموقراطية باوروبا الغربية. حدت مسودة البرنامج ومقاربتها التفصيلية كثيرا من جدوى الازدواجية الاخوانية وفرض اختيار ما بين البديلين المحافظ والمنفتح.
    ثم فقدت الجماعة باخراجها مسودة البرنامج إلى الساحة العامة قدرتها على ادارة النقاش حوله والتحكم بسياقاته. نعم عاد الاخوان جزئيا إلى الفعل والمبادرة، الا ان تفصيلية البرنامج قدمت لنخبة الحكم وقوى المعارضة الاخرى زادا جديدا لمهاجمة الجماعة. فكما سبقت الاشارة، رتب مقترح استحداث هيئة لعلماء الدين فضلا عن اقصاء الاقباط والنساء من المناصب العليا سيلا من الانتقادات المشروعة وزج بالاخوان إلى مواضع شديدة السلبية بالساحة العامة. فعلى سبيل المثال، وبعد اعوام من المحاولات المضنية لصياغة صورة ايجابية عن رؤيتها للمرأة ودورها بالمجتمع استنادا إلى رمزية الاسرة وخطاب الاخلاق والقيم الدينية الاصيلة ومسحة من التوجه الحقوقي الداعي لمشاركة النساء بالحياة العامة والسياسية، وجدت الجماعة نفسها في اعقاب الاعلان عن البرنامج في موقع المتهم المدان برفض المساواة التامة بين المواطنين من ذكور واناث. فقد اجبرت تفصيلية البرنامج الاخوان على التعامل مع قضية اهلية المرأة للمناصب السياسية واخرجتهم بالتبعية من امان خطابهم الاخلاقي الفضفاض، بل جردت الاخير من المصداقية بساحة عامة ادركت التناقض الجلي بينه وبين الجوهر الرجعي لنزع اهلية تولي منصبي الرئاسة ورئاسة الوزراء عن النساء.
    اخيرا، عمقت مسودة البرنامج من الصراعات بين قيادات الجماعة ودفعت إلى السطح بتناقضات داخلية جوهرية تضع على كاهل الحركة المنهكة من مواجهتها مع نخبة الحكم المزيد من الاعباء. هنا ايضا كان لغموض الاخوان قبل البرنامج وظيفته المهمة، فقد سمح غياب الوثيقة الواحدة الملزمة لقيادات الجماعة بالتحرك بحرية نسبية واستقلالية ذاتية داخل عوالم الاخوان الخطابية مركزين على نقاط مختلفة تمتد من الشريعة إلى التحول الديموقراطي. ذهب اعلان المسودة بامكانات الحرية والاستقلالية هذه وحتم على قيادات الجماعة التبني العلني لمواقف محددة والدفاع عنها في مواجهة فرقاء الداخل قبل الخارج. وواقع الامر ان الاخوان سعوا طويلا إلى تجنب الكلفة الداخلية لحسم المواقف وكان لهم في بعض جوانب مسارات الحركات الاسلامية العربية عبر واضحة. فعلى سبيل المثال، دخلت جبهة العمل الاسلامي بالاردن بلحظة انقسام ممتدة بين معسكرات متناقضة ارتبطت بتحديد الموقف من الانتخابات التشريعية الاخيرة هناك والاستراتيجية الافضل للتعامل مع نظام حكم لا يثق بالاسلاميين، في حين مازالت الحركة الدستورية الاسلامية بالكويت تعاني من تداعيات انقسامها حول قضية الحقوق السياسية للمرأة وفي القلب منها حق التصويت بالانتخابات ويجتاح حزب العدالة والتنمية بالمغرب خاصة في اعقاب انتخابات الخريف الماضي نقاشات عاصفة حول مستويات العلاقة بين الديني والسياسي بدور الحزب. فحسم المعارضات لمواقفها بالنظم السلطوية وشبه السلطوية يحملها كلفة داخلية ترتبط بتصاعد الصراعات بين قادتها وتزايد احتمالية انشقاقاتها الداخلية. ولا شك ان جماعة الاخوان المسلمين قد فتحت باعداد برنامج الحزب والاعلان عنه الباب على مصراعيه لدينامية الصراع والانشقاق ذاتها
    الخطوط المتوقعة لتعديل مسودة برنامج الحزب
    هذه الكلفة الباهظة لمسودة برنامج حزب الإخوان والانحسار السريع لمكاسبه الأولية حتمت قيام الجماعة باعادة ترتيب اوراقها والبحث (تحديدا ابتداء من النصف الثاني من اكتوبر 2007 اي بعد مرور ما يقرب من شهرين على تداول المسودة)، عن صيغة توافقية داخل الجماعة حول القضايا الخلافية تبلورت ملامحها تدريجيا.
    ترتكز ملامح التوافق الاخواني إلى ثلاثة عناصر رئيسية، فعلى صعيد أول، يبدو ان الجماعة قد قررت تغيير الاشارات الواردة في المسودة حول الهيئة المنتخبة لعلماء الدين باتجاه ينفي عن آرائها الطابع الالزامي بالتشديد على ان مهمتها قط استشارية وبصورة تربط بينها وبين مؤسسة الأزهر ولا تخولها اي صلاحيات فيما يتعلق بتقرير مدى ملائمة التشريعات للدستور باعتبار ان هذه الوظيفة منوطة بالمحكمة الدستورية العليا، بعبارة بديلة، يعكس التوافق هنا ترجيحا لموقف مجموعة عبدالمنعم ابو الفتوح والعريان وحشمت على حساب موقف مجموعة حبيب وتراجعا اخوانيا عن طرح استثار الرأي العام ودفع البعض إلى اتهام الجماعة باستلهام نموذج ولاية الفقيه الإيراني.
    في حوار مع يومية المصري اليوم المستقلة، شدد المرشد العام عاكف على هذه المعاني: «(...) نريد ان ننشئ هيئة علماء منتخبة وهي التي تنتخب شيخ الازهر، وهي ليست الا هيئة استشارية ومن اراد ان يستشيرها في الحياة العامة يستشيرها ولكن القرار لمجلس الشعب وحسب الدستور لا بد ان تتفق مع الشريعة الاسلامية واذا حدث خلاف فالمحكمة الدستورية هي التي تحكم بين المختلفين». تكررت ذات المضامين، بل وذات الصياغات، في سلسلة من الحوارات والتصريحات ادلى به محمد حبيب ومحمود عزت وعبدالمنعم ابو الفتوح، واتضح تدريجيا ان الجماعة ارادت ازاء الكلفة العالية التراجع تماما عن مقترح انشاء هيئة لعلماء الدين ووجدت في الربط بينها وبين مؤسسة الازهر مخرجا ملائما يحفظ ماء الوجه، وعلى الرغم من محاولات بعض قيادات الاخوان اجلاء شكل العلاقة المستقبلية بين الهيئة والازهر والدفع بمزايا وجود هيئة منتخبة داخل الازهر تبعده عن هيمنة السلطة التنفيذية، الا ان اغلب الظن ان الامر لا يعدو ان يكون محاولة لتهميش الفكرة عملا بوضعها في سياق خطاب الجماعة التقليدي حول اصلاح الازهر وهي التي لا تملك من أمر الأزهر شيئا.
    على صعيد ثان، تدلل تصريحات الاخوان على الاتجاه نحو الابقاء على النصوص المستبعدة للاقباط والمرأة من رئاسة الدولة واعتبار ذلك خيار الجماعة وحزبها الفقهي. في هذا السياق ايضا جاءت كلمات المرشد العام واضحة ورددها آخرون: «وهناك نقطتان المرأة والأقباط، الاخوان اخذوا فيهما قرارا وهما ليسا من عندنا، هناك في الشرع والدين اناس فقهاء يقولون الدولة الاسلامية لا يكون على رأسها الا مسلم، ولا يجوز لدولة ان يكون على رأسها امرأة وهذا رأي فقهي وهناك آراء فقهية اخرى غير ذلك، ونحن كإخوان لنا اختيار ولا نلزم به غيرنا، ولكن نلزم به الاخوان المسلمين وليس كل المصريين لكي يؤمنوا به وصناديق الاقتراع هي التي تحدد». إذا رجحت وجهة نظر مجموعة حبيب وعزت ومرسي وحسمت حرب الفتوى بانتصار التقييد الفقهي الدافع بعدم اهلية غير المسلمين والنساء للرئاسة بكونها من مناصب الولاية الكبرى على الرغم من ضراوة الانتقادات التي وجهت للجماعة من داخلها وخارجها. هنا يبدو، بجانب قناعة العديد من القيادات المؤثرة بصحة هذا الطرح، ان خشية الاخوان من المساومة على الطابع الاسلامي المميز لبرنامج حزبهم عن غيره من الاحزاب وما قد يرتبه ذلك من تداعيات على مستوى القواعد الشعبية، والخوف من الظهور امام الرأي العام بمظهر الجماعة المضطربة غير واضحة الخيارات في قضايا محورية والمستعدة للتراجع عن مواقفها المعلنة حين توجيه سهام النقد لها قد دفع إلى تبني اقرار عدم اهلية الاقباط والنساء مع محاولة الحد من الاضرار المترتبة عليه. فاللافت للنظر ان تصريحات قيادات الاخوان الاخيرة قد اخرجت من جهة رئاسة الوزراء من دائرة المناصب المستبعدة، واعادت من جهة اخرى انتاج مفردات خطاب «لسنا ضد الاقباط والمرأة» المتداول اخوانيا كلما خلقت مواقف الجماعة شكوكاً في مدى التزامها مبدأ مواطنة الحقوق المتساوية.
    على صعي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 26 مايو 2017 - 17:52