hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    يوم السقيفة يوم تجلت فيه الشورى وتألق الحوار د. حامد الخليفة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    يوم السقيفة يوم تجلت فيه الشورى وتألق الحوار د. حامد الخليفة

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:16

    يوم السقيفة الذي اجتمع فيه بعض المهاجرين مع جماعة من الأنصار رضي الله عنهم يوم أغرّ أبلج، مشرق يومه، ومزهر ليله، تمكن فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسقاط إرث الجاهلية وعاداتها وتقاليدها وثقافتها في اختيار سادتها وقادتها وأئمتها، يوم انتصر فيه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمخت فيه الشورى، وتألق فيه الحوار العلمي الشرعي العملي الهادف المثمر، يوم ظهر فيه الانقياد إلى الدليل الشرعي المنبثق من صفحات الكتاب والسنة، وأُقصي فيه المفهوم القبلي والحزبي والطائفي والإقليمي، وتقدمت فيه الكفاءة المجردة على ما سواها من وسائل الوصول إلى قيادة الأمة، فسقط في يوم السقيفة العرف القائل بأن الامبراطور يلد امبراطوراً وبأن السلطان حكرٌ على أبناء الذوات أو أبناء الطائفة حتى لو كانوا من القاصرين أو العجزة أو المتبذلين، أو ممن تعبث بهم قوى خارجة عن إطار الأمة ومتناقضة مع مصالحها وهويتها وغريبة عن عقيدتها أو محاربة لها، وكل ذلك يثبت رسوخ قيم الرسالة في قلوب الصحابة وأفعالهم ومواقفهم على المستويات كافة، ولا سيما قيم الحوار والشورى والانقياد لنتائجها، مصداقاً لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى: 38).

    فيوم السقيفة تجلّت فيه طاقات أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وعميق فهمه، وقدراته القياديه الشورية التحاورية الخارقة، ومكانته الباذخة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رضي الله عنه كان فلتة من فلتات الزمان التي لن يجود بمثلها، في علمه وفهمه، وحلمه ونباهته، وتمسكه بعقيدته، وحرصه على وحدة أمته؛ وعلى وجوب سيرها على منهج نبيها صلى الله عليه وسلم من غير تبديل، فاعتزّ في ذلك اليوم الإسلام وأهله، وذلت فيه الجاهلية وامتداداتها ومراجعها، تأكد ذلك حين انقاد الجميع لحجج خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه القطعية التي لا تقبل تأويلاً ولا تفسيراً، بل كانت بيّنات واضحات وشموس ساطعات، استنار بها المؤمنون، وأعادت بوهج أنوارها التائهين والمترددين إلى صف الأمة وجماعة المسلمين.

    فيوم السقيفة أثبت للمسلين أنهم في قيمهم السامية، هم الأرقى والأنقى والأتقى، وفي تعاملهم هم الأوفى والأرحم، وأن منظومتهم الأخلاقية الإسلامية برجالها وقيمها هي الأولى بسياسة الدنيا وقيادة البشرية، وكل ذلك اتضح وتبلور في عصر لا حكم فيه عند قياصرة الصليب وأكاسرة المجوس وغيرهم من عباد الوثن في شؤون الحكم وتداول السلطة إلا للسيف أو المكر والخديعة والمساومات الهابطة التي تجتاح القيم وتُسقط مصالح الشعوب والأمم، وتبتز الضعفاء والأتباع ومن لا ناصر له، لكل هذا ولغيره أصبح يوم السقيفة هدفاً لبهتان أعداء الصحابة ومن يتبنى شبهاتهم وأباطيلهم من المستشرقين العلمانيين، واليهود، والصليبيين، لينزعوا من ميراث أمة الكتاب والسنة، كل ما يؤهلها للسيادة والقيادة ويرفع من شأنها ويشيد بنيانها، مما يوجب على كل مسلم أن يثق بميراث الصحابة رضي الله عنهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن الميراث العسكري في الجهاد والفتوح الذي لا يجهله إلا من في قلبه مرض، وأن يعلم الجميع يقيناً أنّ ذلك الميراث الأشم هو محل القدوة والصدارة لكل ميراث أنتجته حضارة إنسانية على مر العصور.

    وكان من شأن السقيفة أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان سعد بن عبادة سيد الخزرج رضي الله عنه مريضاً فاجتمع عنده بعض الأنصار رضي الله عنهم وكان من الطبيعي أن يتحدثوا بأمر خلافة النبي صلى الله عليه وسلم وبمن هو الأصلح لذلك والأولى به، فكان ذلك المجلس منتدى عرضت فيه بعض الأفكار والمقترحات التي جرت على ألسنة من تحدث بها، ولم تكن لها أية امتدادات فكرية ولا تجمعات قبلية أو تحالفات حزبية، وإنما أفكار بريئة تؤكد حرص المشاركين فيها على خدمة دينهم ووحدة أمتهم بكل أمانة وشفافية، لكن أعداء الصحابة وإخوانهم المستشرقين اهتبلوا ذلك المجلس وتلك الآراء، ليصنعوا منها وقائع تعبر عما في نفوسهم من أحقاد على هذه الأمة، وأماني يتمنونها في تمزق صفها، وانصرافها عن كتاب ربها وسنّة نبيها صلى الله عليه وسلم، ولكن الله تعالى خيب آمالهم وآمانيهم، حين جاء بعض الأنصار إلى عمر الفاروق ليخبره بأن هناك أفكارا تطرح حول خلافة النبي صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، فأخبر عمر أبا بكر الصدّيق رضي الله عنهما فسارا إلى إخوانهم الأنصار فتبعهم أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، أما عامة الصحابة فكانوا مشغولين في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من كان في المسجد يذكر الله تعالى ويستعين بالصبر والصلاة على ما أصاب المسلمين من مصيبة لن يصابوا بمثلها أبدا.

    فما إن وصل الصدّيق والفاروق والأمين رضي الله عنهم حتى شاركوا إخوانهم الأنصار فيما كانوا يتحدثون به من أمر الخلافة إذ أنّه أمر لا يمكن إلا التحدث به، ولا يمكن السكوت عنه، سواء طرحه عامة الأنصار أو بعضهم أو غيرهم، فكان ذلك المجلس بركة على أمّة الكتاب والسنّة، وأساساً صلباً لتأصيل أخلاق الشورى والحوار في الأمة، وخيراً ساقه الله إلى المصابين بفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم حيث بيّن وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لإخوانهم الأنصار ولأبناء أمتهم أهميّة الخلافة وما سيتبع ذلك من مهام وأعمال، ثم بينوا لهم الأولى والأصلح للأمة شرعاً وسياسة، فما كان من الجميع إلا أن التفّوا حول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي يعلم الجميع أنه هو الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما كان يقوم به من جهاد وسياسة وتدبير لشؤون الأمة، وهو الأدرى بما كان يستشرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور يصلح عليها مستقبل أمته، فلم يكن بين الصحابة من يقبل التقدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ذلك أن إشارات الكتاب والسنة جلية بينة لا يمكن لمؤمن تجاوزها.

    فيوم السقيفة يوم فريد بين أيام المجد الإسلامي الذي سطره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم تعانق فيه المهاجرون والأنصار يجددون فيه العهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخوّة وإيثاراً وصبراً وإبداعاً وجهاداً وعدلاً وفتوحاً ورحمة، يوم سادت فيه قيم الكتاب والسنة في إقرار نظام المحاسبة الشاملة للخليفة وللولاة وخضوع الجميع لدستور الكتاب والسنة، وعلى ذات الطريق التي رسمها لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم يؤكدون ذلك لأمتهم ولنبيهم صلى الله عليه وسلم قبل أن يوارى الثرى، لتتساقط في ذلك اليوم الأغر أماني المنافقين، وتتهاوى فيه مخططات المرتدين، وتتقاصر فيه تطلعات اليهود والصليبيين، وتُسحق فيه تدابير المجوس الحاقدين الذين انقلبوا من بين النّاس إلى أعداء باطنية، ومنظمات سبئية، وضغائن شعوبية، وأدوات جاسوسية، وعقائد قبورية، وتحالفات عدوانية، لا همّ لها سوى الكيد والمكر بأمّة الكتاب والسنّة النبوية! جاحدين أيادي العرب المؤمنين الفاتحين الذين حرروهم من طغيان الأكاسرة، وأخرجوهم إلى عدل الخلافة الراشدة، ومن وثنية عبادة النار، إلى نور التوحيد والإخلاص لله رب العالمين، ومن الإباحية والمشاعية الأخلاقية التي كانوا عليها، إلى العفاف والطهر والمودة والرحمة، فكافؤوا من أنقذهم من تلك الظلمات والموبقات، بالغدر والاغتيال، والإفك والبهتان، فضلاً عن التزييف والتشويه لجهادهم وعدلهم ونبل معدنهم الذي تعاملوا به معهم، فأعداء الشورى التي أُنجزت يوم السقيفة، ومبغضو رجالها البررة، كانوا ولا زالوا أكثر الناس جحوداً ونكراناً للجميل والمعروف ولحقوق الجوار، وألدهم عداوة لمن أحسن إليهم من أمة الكتاب والسنة.

    فلما كان أعداء الصحابة وبجميع أصنافهم يعلمون جيداً أنّ يوم السقيفة بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم إنما هو يوم من أيام أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، شنّوا عليه حملات الإفك والبهتان والتزييف والنكران! لكنهم اصطدموا بما له رضي الله عنه من مكانة أسس لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعلته في قلوب المؤمنين وفي ضمائر الموحدين، فلم يدع النّبي صلى الله عليه وسلم مناسبة ذات شأن تمر بالمسلمين إلا وأكد على تقديم صاحبه الصدّيق رضي الله عنه فيها؛ تارة بالتطبيق كما في تأميره على الحج، وفي تقديمه إماماً للصلاة بالأمة وبحضور أئمة الصحابة وقادتهم ورجال آل البيت وسادتهم، وفي مقدمتهم العباس وعلي رضي الله عن الآل والصحب جميعاً، وتارة أخرى بالقول أو الإشارة إلى ذلك بعلامات واضحة ثابتة، كما هو في الصحيحين والسنن، وبما لا يمكن لجاحد ردها، ولا لمؤمنن الجهل بها.

    ظهر ذلك في عامة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عمّا ورد من إشارات على ذلك في القرآن الكريم، لهذا فلا تردد في تقديم أبي بكر رضي الله عنه على سائر الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تهاون في البراءة ممن يرفض خلافته في الماضي والحاضر، بل إنّ أي تهاون أو تردد في ذلك إنما هو قبول بنقض إقرار وخيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وردّ لإجماع المهاجرين والأنصار، وهدم لبناء الأمة في عصور خيريتها التي لا زالت هي الأساس الذي يجب أن يشيد عليه اللاحقون في المعتقد والفكر والهوية، فلا يرفض نتائج الشورى يوم السقيفة إلا مرتد أو من في قلبه مرض، أو ضال تائه لا قيمة لأقواله ولا لمواقفه في موازين العقيدة والقيم، فمسألة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا تقبل نقاشاً ولا حواراً فهي من المسلّمات التي تلقتها أمّة الكتاب والسنّة بالقبول والتسليم والرضا، والحمد لها ولكل ما تمخض عنها من قرارات حاسمة ونتائج مفعمة بالعطاء والسداد والتوفيق، فلم يخرج على تلك الخلافة الراشدة إلا مسيلمة الكذاب ومن وافقه من المرتدين والمنافقين، وهذا يؤكد وجوب الحذر ممن يدعو إلى إخضاع مثل هذه المسلمات للآراء القاصرة، أو للروايات الفاسدة المبنية على نوايا ومقاصد سيئة، ظهرت في معتقدات وثقافة في مثل متاهات التقريب المخادعة، التي يعمل أدواتها على تقزيم السنّة النبوية ورجالها الأفذاذ، وتضخيم وإقرار البدع السبئية وأقزامها الأشرار، والتطاول على خيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان ممن جاء بعدهم من أمّة النّبي المختار صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100). وللحديث صلة.

    مكان سقيفة بني ساعدة ومكانتها

    قال الجوهري: السقيفة الصُفّة، ومنه سقيفة بني ساعدة، وقال أبو منصور: السقيفة كلّ بناء سقف به صُفة؛ أو شبه صُفة، مما يكون بارزاً، ألزم هذا الاسم؛ للتفرقة بين الأشياء، وأما بنو ساعدة الذين أضيفت إليهم السقيفة؛ فهم حيٌّ من الأنصار وهم بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو[1].

    وقرية بني ساعدة عند بئر بُضاعة، والبئرُ وسط بيوتهم، وشمالي البئر اليوم إلى جهة المغرب بقية أُطم "حصن" يقال: إنّه من دار أبي دجانة رضي الله عنه الصغرى التي عند بئر بضاعة ... وليست الناحية معروفة اليوم[2]، وكان النّبي صلى الله عليه وسلم بصق فيها ودعا لها، وهذه البئر كانت لبني ساعدة وهم من الخزرج، قال المرجاني في تاريخه: والظاهر أنّ بُضاعة رجل أو امرأة تنسب إليه البئر، وكان موضعها ممر السيول فتكمح الأقذار من الطرق إليها، لكن الماء لكثرته لا يؤثر ذلك فيه، قال أبو داود في السنن: سألت قيّم بئر بضاعة عن عُمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء ؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص. قال: دون العورة. قال أبو داود: قد ذرعتُ بئر بُضاعة برداء مددته عليها، ثم ذرعته فإذا عرضه ستة أذرع، وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون[3]. قال: ابن العربي: وهي في وسط السبخة، فماؤها يكون مُتغيراً من قرارها. قال المُحبّ بن النجار: وماؤها عذب طيب، صاف أبيض، وريحه كذلك، ويُستقى منها كثيراً، قال: وذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعاً وشبراً، منها ذراعان راجحة ماء؛ والباقي بناء، وعرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داود، قال الجمال المطري: وهي اليوم في ناحية حديقة شمالي سور المدينة وغربي بئر بيرحاء إلى جهة الشمال، يستقي منها أهل الحديقة، والحديقة في قبلة البئر ويستقي منها أهل حديقة أخرى شمالي البئر، والبئر وسط بينهما[4].

    وكان أحد منازل بني ساعدة شرقي سوق المدينة، والسوق كان مقابرهم، وأنّ جرار سعد التي كان يُسقى فيها الماء – عن روح والدته بعد وفاتها - سدها جهة الشام، وبها منزل رهطه، وأنّه كان في دار السوق من المشرق لبني ساعدة طريق مبوبة، فهذا المسجد كان في هذه الناحية، والسقيفة كانت قرب شامي سوق المدينة، وغلط رُزين فقال: إنها بقباء "مسجد بني ساعدة الخارج من بيوت المدينة" ولابن شبة بن سعد بن إسحاق أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة الخارج من بيوت المدينة أي بمنزلهم الآخر شامي جرار سعد، قرب ذباب[5] وذباب جبل في المدينة[6].

    وكان النّبي صلى الله عليه وسلم يجلس ـ أحياناً ـ في سقيفة بني ساعدة التي عند المسجد هو وأصحابه رضي الله عنهم، كما هو مذكور في الصحيح في حديث الجوينية، قال سَهْل بن سعد رضي الله عنه: (ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ صلى الله عليه وسلم أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ - حصن - بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَت: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْك، فَقَال صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي"، فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قَالَت: لا، قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ لِيَخْطُبَكِ، قَالَت: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِنَا يَا سَهْلُ"، فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ)[7].

    فيتبين من هذا أنّ سقيفة بني ساعدة كانت معروفة للصحابة رضي الله عنهم، وكانوا يرتادونها ويجلسون فيها، ويتحدثون ويتشاورون ويطعمون ويشربون، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أيضاً ـ كان يجلس فيها، فهي مكان كريم عند المسلمين، وصاحب السقيفة سعد بن عبادة رضي الله عنه جُبِلَ على خدمة المسلمين وإكرامهم، فالجلوس في السقيفة ليس بدعة، واللقاء فيها ـ وعلى أوسع نطاق ـ؛ معتاد معلوم مشهود، يَسرُ المؤمنين ويسعدُهم، ويغيظ المنافقين ويفضحهم، وبالتالي فلقاء الأنصار في السقيفة، كان أمراً معتاداً وليس فيه أيّ شبهة؛ كما يريد أن يصور ذلك المغرضون، فدار بني ساعدة وسقيفتهم من خيار دور الأنصار، والجلوس فيها لم يأت على المسلمين إلا بالخير، فعن أبي أسيد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو عبد الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة؛ وفي كلّ دور الأنصار خيرٌ)[8].

    ونظراً لهذه المكانة والشهرة التي تتمتع بها سقيفة بني ساعدة عند المسلمين؛ عمل أعداء الوحدة والعقيدة على نزع تلك المكانة السامية، وتصوير الأمور على غير حقيقتها، حتى قادهم ذلك إلى الطعن في عامّة المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم الذين أنجزوا بيعة السقيفة؛ التي أثمرت وحدة الأمة وسلامة عقيدتها، واتهامهم ـ حاشاهم رضي الله عنهم ـ بالتآمر والتحزب والتشاجر، وما شابه ذلك من أباطيل؛ تُعبّر في حقيقتها عمّا في نفوس خصوم الصحابة من أماني فاسدة وأحقاد كامنة، وتؤكد إفلاس مشاريعهم العدوانية، وإحباط خططهم الباطنية، وإلا كيف يبغضون الوحدة واجتماع الأمّة وانقيادها لخليفة نبيها صلى الله عليه وسلم الذي أسس لمبدأ محاسبة الحاكم، وأن لا يمتاز عن غيره من أبناء رعيته، وأن يشاركهم حياتهم في كلّ ألوانها؟ وهذا ما أغضب أعداء الخلافة الراشدة ممن يصنع بأحقاده مراجع وهمية لمنافسة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، الذين حققوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن يد الله مع الجماعة، والفذ مع الشيطان، وإنّ الحقّ أصل في الجنة، وإن الباطل أصل في النار، ألا وإنّ أصحابي خياركم فأكرموهم، ثم القَرنَ الذين يَلُونهم، ثم القَرنَ الذين يَلُونهم، ثم يظهر الكذب والهرج )[9]، وهذا موافق لما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)[10]. وعن عرفجة بن شريح الأشجعي قال: سمعت النّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يُريد أن يفرِّق بين أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم جميع، فاقتلوه كائناً من كان، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض )[11]؛ فهل هناك من هو أخطر على الأمة ممن ينشر ثقافة الكراهية ضد أئمة الشورى والحوار والوحدة ؟ فهذه النصوص تبين أنّ الذين رفضوا خلافة أبي بكر رضي الله عنه؛ فارقوا الجماعة وارتكسوا مع الشيطان، ولا زالت فِرقهم الهدّامة تعملُ على تفريق الأمّة وتسعير الفتن بين أبنائها، وتُشرّع التعاون مع أعدائها، كما أن العمل بهدي مثل هذه النصوص يفرض على كلّ مسلم أن يكون حازماً حاسماً في العمل على مواجهة هذا الشرّ المتلون المتمدد المتجدد، وفضح وسائله وأداواته التي تعمل على تمزيق وحدة المسلمين، وتهديد أخوتهم وسلامة عقيدتهم، ونسف إنجازات المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم الذين مارسوا الشورى والحوار على أجمل وجه وأكمله، وحققوا الوحدة وحفظوا السُّنّة، وأسسوا لأوسع مشروع حضاري في الفتوح ونشر الإسلام بعدله وعالميته ورحمته، فأثلجوا صدور الموحدين وأقرّوا عيون الصالحين، بقيادة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، الذي كانت مكانته معلومة سامية عند الصحابة رضي الله عنهم، كما كان مكان السقيفة معروفاً عندهم، وذلك أنهم عايشوا وسمعوا وشاهدوا تقديم النّبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه، وإشراكه له في إدارة الأحداث وصناعة مستقبل المسلمين، فضلاً عمّا عندهم من نصوص تؤكد تلك المكانة وتدعو إلى نصرتها واتباعها؛ وطاعتها التي تسرّ الصالحين وتغيظ أعداء الصحابة الذين أعلنوا الحرب على قادة الأمّة وإنجازاتهم المباركة، وعملوا على التشكيك بمصداقيتهم وإخلاصهم، كلّ ذلك لصرف الناس عن دين الكتاب والسُّنة!! إلا أنّ الناظر في النصوص والمواقف التي أسبغها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خليفته الصدّيق رضي الله عنه تجعل كلّ من يخالف إنجازات يوم السقيفة، أو يشكك فيها، أو يرفض خلافة أبي بكر رضي الله عنه، أو يتعاون مع الخارجين عليها تحت أي ذريعة كانت؛ تجعله في قفص الاتهام متعاوناً مع المرتدين، ومتواطئاً مع الغزاة والمحتلين، الذين لا زالت الأحداث تثبت أنّهم في خندق واحد؛ يستهدفون أمن الأمة وهويتها، وإنْ تعددت غاياتهم ومنابرهم؛ أو تلونت راياتهم ووسائلهم.




    [1] - ياقوت الحموي، معجم البلدان ، 3/229.

    [2] - ابن الضياء المكي، تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف، تحقيق: علاء إبراهيم ، أيمن نصر، ص371.

    [3] - سنن أبي داود: ح (61).

    [4] - تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف: 345.

    [5] - السمهودي: الوفا بأخبار دار المصطفى، 1/249. وعن ذباب ينظر ابن شبة: تاريخ المدينة، 1/41.

    [6] - الزمخشري: الجبال والأمكنة والمياه، موقع الوراق، 10.

    [7] - صحيح البخاري، (5206).



    [8] - صحيح البخاري، ( 3505 ).

    [9] - الطبراني: المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ح (6405) قالا: "لا يروى هذا الحديث عن مالك الأشتر إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن خالد".

    [10] - صحيح البخاري، (2458) صحيح مسلم، ( 4600).

    [11] - ابن حبان، ح (4577). وينظر الألباني: صحيح وضعيف سنن الترمذي، (2166) وصححه.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من مؤهلات أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه للخلافة أنّه (الأول) في الأمّة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:17

    وبعد ما سبق التمهيد والتنوية والتعريف بمكانة ومكان يوم السقيفة؛ وما أنتجه من ثمار حضارية يانعة على مستويات الدولة الإسلامية الداخلية والخارجية، سيتضح للقارئ الكريم ما يؤكد كل مفردات هذا التمهيد مع بيان الحال التي كان عليها المسلمون قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم الذي مهد كل العقبات وهيأ كل السبل التي ربما يتعلق بها متعلق لإعاقة انسيابية تحول صلاحيات رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادة الدولة الإسلامية إلى صاحبه وخليفته أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي أعدّه النّبي صلى الله عليه وسلم لمثل هذا اليوم منذ أن نطق بشهادة الحق.

    إن الإسلام حث المسلمين على الجد والإتقان والسبق لإحراز المكانة الأولى والصدارة في ميادين الحياة المثمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة لأمته وقد جعل نصب عينيه الوصول إلى أعلى هدف بعد نشر الدين وأداء الرسالة، ألا وهو نيل أسمى مرتبة في الجنة، يظهر ذلك من قول النّبي صلى الله عليه وسلم لأمّته: "إذا سمعتم المؤذن؛ فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة"([1]). والقرآن الكريم يحث على الفوز والسبق، ويبين مكانة السابقين، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (الواقعة:10-11-12)، وقد أكد كتاب الله، على هذه المرتبة، قال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: من الآية 14) وقال عزَّ وجل: (وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (الزمر:12) وقال سبحانه: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:51).

    وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم في مقام الصدارة والقدوة، كل منهم على مرتبته التي أوصله إليها سبقه وصبره واجتهاده، فهم جميعاً أوائل وسبّاقون في ميادين الجهاد والعطاء والعلم والوفاء والزهد والنصرة وغير ذلك ولكن السابق الأول والوحيد في كثير من المواقف هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه بلا منازع ولا منافس، أكد ذلك انقياد المهاجرين والأنصار له وتسليمهم لإمامته يوم السقيفة، وما ذلك إلا لعلمهم بما له من نصيب في الإشارات القرآنية والنصوص النبوية، ولِما يشاهدون من زهده وورعه وتواضعه وثباته وقربه وكمال عقله، وأنه رضي الله عنه:

    أول من أسلم([2]):، إسلاماً آزر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآنسه وأعانه على تحمل أعباء دعوته، ومواجهة صناديد المشركين وما يثيرونه من شكوك وشبهات، وما يصنعونه من عقبات ومعوقات أمام إسلام الناس، واتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأول من آمن بكل ماجاء به النّبي صلى الله عليه وسلم عن ربه بتسليم كامل لا يشوبه تردد أو تساؤل أو مشاورة لأحد، قال صلى الله عليه وسلم: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته له ولا تردد"([3]).

    وأول من صدّق النّبي صلى الله عليه وسلم من بين جميع أصحابه رضي الله عنهم، قال النّبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ! وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ"([4]).

    وأول من يصدق النّبي صلى الله عليه وسلم في غيابه كما هو في حال حضوره، مثل ما حصل في ليلة الإسراء، حين قيل لأبي بكر رضي الله عنه: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة! قال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأشهد، إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة ؟ قال: إني أصدّقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء([5]).

    وأول من قام بمسؤلياته تجاه النبي صلى الله عليه وسلم كاملة بماله وأهله وولده ومواليه، متحملاً تبعات إسلامه في الدفاع والنصرة والإنفاق والهجرة والدعوة، وما وراء ذلك من عنت قريش وصلفها، معلناً إسلامه معتزاً به، منفقاً في سبيله دمه وماله، فلم يسد أحد الثغرة التي سدها أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، ولم يؤد أحد الذي أدّاه لدينه ولنبيه صلى الله عليه وسلم، لهذا فأي كلام يثار حول مكانة أبي بكر الصديق، ما هو إلا من باب الشغب ووضع العقبات أمام الرؤية الموحدة لقيادة الأمة وإمامتها وخلاقة نبيها صلى الله عليه وسلم، التي قام بها أبو بكر رضي الله عنه بجدارة وأمانة ونجاح واتباع تام.

    وأول من قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الهجرة: "عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لي"([6]) ففاز بصحبة النّبي صلى الله عليه وسلم بعد الإذن بالهجرة.

    وأول من كان يتحسب لهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ وَهُوَ الْخَبَطُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ"([7]) حتى إذا كان يوم الهجرة كان أبو بكر الصدّيق قد أعد ما يحتاجه المسافرون من رواحل وزاد مما يؤكد نباهته وفطنته وحسن إعداده.

    وأول من كان النّبي صلى الله عليه وسلم يتصرف بماله ويدخل بيته من غير حرج، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النّبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أبي بكر كأنه يدخل بيته، ويصنع بمال أبي بكر كما يصنع بماله"([8]).

    والأول في الكرم والجود بين الصحابة حيث أنفق ماله كله في سبيل الله ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان أعظم من آمن به أبو بكر الصدّيق مع كمال عقله وخلقه ودينه في قومه، ومحبتهم له، وعلو قدره فيهم، أنفق ماله كله في سبيل الله، حتى قال له النّبي صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله"([9])، ولم يعطه النّبي صلى الله عليه وسلم درهماً واحداً يخصه به، ثم تولى الأمر بعده وترك ما كان معه للمسلمين)([10]).

    وأول من قال عنه عمر رضي الله عنه: "والله لا أسابقك إلى شيء ابداً"([11])، اعترافاً بسبق أبي بكر وتقدمه في ميادين السباق إلى الخير والعلا، فكم في هذا من الدلالات حين يقوله عمر رضي الله عنه.

    وأول من واسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله، فكان يصيبه ما يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين ووعيدهم وتهديدهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر "وَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِه"([12]).

    وأول من شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وفي المدينة بعد الهجرة.

    وأول من دعا الناس لمتابعة النّبي صلى الله عليه وسلم بين أهل مكة وبين أبناء القبائل.

    والأول في الدعوة إلى الإسلام من بين الصحابة حيث أسلم على يديه الكثير من الناس، ومنهم نصف العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم([13]).

    وأول من أعتق المستضعفين من المسلمين وحررهم في سبيل الله تعالى، من الرجال والنساء، (كَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بلالاً)([14]).

    وأول من صاهره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم.

    وأول من جنّد أسرته رجالاً – ابنه عبد الله – ونساء – ابنته أسماء- وموالي – مولاه عامر بن فهيرة - ومواشي أغنامه يرعاها عامر فيسقيهم من لبنها ويعفي على آثار عبد الله كي لا تكتشف قريش أثره – وكل ذلك نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأول من بنى في فناء بيته مسجداً له معلناً بعبادة الله، فافتتن به نساء وأبناء المشركين([15]).

    وأول من وُصِف بما وصِف به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والقيم، فحين أراد أن يخرج من مكة لقيه ابن الدّغنّة سيد قبيلة القارة فقال له مثلك لا يخرج: ( فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلا يُخْرَجُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ!)([16]).

    وأول من رضي بجوار الله وردّ جوار الجاهلية، حين ردّ جوار ابن الدغنّة الذي وقف مع المشركين ضد أبي بكر رضي الله عنه بعد أن جهر بصلاته في فناء بيته([17]).

    وأول خطيب خطب في المسلمين بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى الله جهاراً على الملأ في مكة بحضور المسلمين والمشركين([18]).

    وأول من ضُرب في سبيل الله من أشراف قريش الذين أسلموا، (حتى ما يعرف أنفه من وجهه، وجاءت بنو تيم تتعادى فأجلوا المشركين عن أبي بكر، وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه بيته، ولا يشكون في موته رضي الله عنه)([19]).

    وأول من قال له النّبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)([20]).

    وأول من جعل المشركون جائزتهم لمن يأتي به رضي الله عنه كجائزتهم لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سراقة بن مالك بن جعشم: (جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ)([21]).

    وأول من استشهد بالقرآن دفاعاً عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحين وثب المشركون فأحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، كان أبو بكر الوحيد الذي يدفعهم عن النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يبكي، ويقول: ويلكم (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) (غافر: من الآية28)([22]) حتى انصرفوا، وكان ذلك من أشد المواقف التي مرت بالنّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مكة قبل الهجرة.

    وأول من شهد له القرآن الكريم بأنه الأتقى قال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) (الليل:17).

    ويستنبط من قوله الأتقى، أنه هو الأكرم بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات، من الآية 13).

    وأول من شهد له القرآن بأنه يؤتي ماله في سبيل الله يتزكى لا لغرض أو عرض من الدنيا، قال تعالى: (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (الشمس:18).

    وأول من بُشر بأنه سيرضى قال تعالى في حق أبي بكر رضي الله عنه الذي ينفق ويعتق ويؤتي ماله يتزكى: (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل:21) وكل من يتصف بهذه الصفات...

    وأول من وصفه الله تعالى بـ (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) (التوبة: من الآية40) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأول من أُفرد له لقب الصحبة قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) وكان معروفاً بذلك حتى عند المشركين الذين كانوا إذا خاطبوا النّبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر، قالوا له: صاحبك، وإذا خاطبوا أبا بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا له: صاحبك.

    وأول من خوطب بقوله تعالى (لا تَحْزَنْ) (التوبة: من الآية40) أي على الإسلام وعلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى تكفل لهذا الأمر بالتمام.

    وأول من نال شرف المعيّة ورعاية الله تعالى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40) فلم يعد يُذكر أبو بكر إلا ويُذكر الله والرسول صلى الله عليه وسلم، فيقال: (خليفة رسول الله) أبو بكر رضي الله عنه.

    وأول من قال له النّّبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهما في العريش: "يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النَقع" فلما كان يومئذ التقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً وأُسر منهم سبعون رجلاً([23]) ثم نزل قوله تعالى: )إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ( (الأنفال:9) فكان أول من بُشر بأعظم نصر من الله تعالى؛ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك يوم وقبل القتال، هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، وهو الوحيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة القيادة إن صح التعبير (العريش) وبقية الصحابة رضي الله عنهم جند مقاتلون، وفي كل هذا إشارات تبين علو منزلة الصدّيق الذي أثبتت له السيرة أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم إذا انفرد برجل من أصحابه في الملمات، فإنّ ذلك الرجل على الأغلب يكون الصدّيق رضي الله عنه، كما حصل في يوم الغار، ويوم الهجرة، ويوم بدر في الاستطلاع، وفي العريش وغيرها من المواقف، مما أهله أن يكون في المكان الأول الذي كان فيه في يوم بيعة السقيفة، وبتأييد تام وسرور واستبشار من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم. وللحديث صلة.




    [1] - البخاري، حديث 4350.

    [2] - الترمذي: ح (3667) ابن حبان: ح (6863)، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.

    [3] - ابن كثير: البداية والنهاية 1/ 108، 3 / 27.

    [4] - البخاري، ح 3388.

    [5] - المستدرك، ح 4407.

    [6] - البخاري، ح 2134.

    [7] - البخاري، ح 3616.

    [8] - ابن حنبل: فضائل الصحابة، 1/94.

    [9] - سنن أبي داود، ح 1429.

    [10] - ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، 6/53.

    [11] - سنن أبي داود، ح 1678.

    [12] - البخاري، ح 3388.

    [13] - ينظر الخليفة: إمام الأمة وقائدها خليفة رسول الله أبو بكر الصديق حامي الإسلام من الرفض والرده، 1/395.

    [14] - البخاري، ح 3471.

    [15] - البخاري، ح 3616.

    [16] - البخاري، ح 3616.

    [17] - البخاري، ح 3616.

    [18] - ابن كثير: السيرة النبوية، 1/439. المحب الطبري: الرياض النضرة، 1/30.

    [19] - ابن كثير: السيرة النبوية، 1/440. المحب الطبري: الرياض النضرة، 1/30.

    [20] - الحميدي: الجمع بين الصحيحين، مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ح 2.

    [21] - البخاري، ح 3616.

    [22] - البخاري، ح 3475.

    [23] - ابن الجوزي: المنتظم، 3/ 34.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: يوم السقيفة يوم تجلت فيه الشورى وتألق الحوار د. حامد الخليفة

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:19

    ومما أثلج صدور المهاجرين وأقر عيون الأنصار والتابعين يوم بيعة السقيفة، علمهم جميعاً أن أبا بكر الصدّيق كان هو الأول في المواقف التي تخدم الدين، وتسرّ سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وقد عددنا بعض ذلك في المقال الثالث السابق، ونكمل بعض مواقف أولية الصدّيق رضي الله عنه فهو:
    أول من فاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعد انصراف الناس عنه([1]).
    وأول من كان المشركون يسألون عنه إذا أُشيعت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حصل في يوم أُحد حين نادى أبو سفيان: (أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَال: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاثَ مَرَّات، ثُمَّ قَالَ أَفِي القوم: ابْنُ الخطَّاب ثَلاث مَرَّات...؟)([2]) وهذا يبين أنّ المشركين كانوا يعلمون أنّ قادة المسلمين كانوا مرتبين على النحو الذي يسألون عنه، لما يشاهدون من مواقفهم، ومن التفاف المسلمين حولهم، وهذا ما يعمل أعداء الصحابة اليوم بمكرهم وكيدهم، على طمسه في ثقافة المسلمين وفي ضمائرهم، ليفصلوا بين الأمة وبين نبيها صلى الله عليه وسلم، وبين قيادتها الراشدة التي لن يصلح أمر الأمة إلا باتباعها وموالاتها، والبراءة من أعدائها رافضي خلافة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ذلك أنه فضلاً عمّا سبق ... هو:
    أول من حمل راية رسول الله العظمى في أكبر جيش أعدّه وقاده رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة، وذلك في غزوة تبوك التي زاد جيشها على ثلاثين ألفاً من الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن سعد: (ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر، وكانت سوداء)([3]).
    وأول من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوّة الإسلام ومودته)([4]).

    وأول من قَال عنه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)([5]).
    وأول من أرشد النّبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى خلافته، يتضح ذلك في ما رواه جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَال: (أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ )([6]).
    وأول من قال بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلمSadأينقص الدين وأنا حي؟!)([7]).
    وأول من حج بالمسلمين أميراً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وافق حجه الحج الأكبر حيث كان المشركون لا يصيبون الحج في وقته إلا نادراً للنسيء الذي يؤخرون به وقت الحج، فلما حج أبو بكر وافق حجه الحج الأكبر، عن سمرة بن جندب قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلمSadيوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر بالنّاس)([8]).
    وأول من قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ)([9]).
    وأول من أدرك الإسلام هو وأبوه وابنه وابن ابنه، قال موسى بن عقبة: (لا نعلم أربعة أدركوا النّبي صلى الله عليه وسلم هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة: أَبُو قحافة، وأبو بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبو عتيق بن عَبْد الرحمن بن أبي بكر، واسم أبي عتيق مُحَمد)([10]).
    وأول من قال: (والله لقرابة رسول الله أحب أن أصل من قرابتي)([11]).
    وأول من قال: (ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في آل بيته)([12]).
    وأول خليفة لم يشرك أحداً من أولاده ولا أقاربه في أمر الخلافة، ولا في الإدارة، ولا في قيادة الجيوش، لا في حياته ولا بعد وفاته رضي الله عنه وكان ابنه عبد الرحمن وابن عمّه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما من أهل الكفاءات والمكانة بين المسلمين.
    وأول من كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يحلف أنّ: (الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق)([13]) قال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الزمر: 33).
    أول من قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه متمسكاً بإمامته وخلافته، حين قال أبو بكر رضي الله عنه للمسلمين: أقلتكم بيعتكم، قال علي: (لا والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك)([14]).
    وأول من قال عنه علي: والله لئن أُصبت لا يقوم للإسلام نظام، وذلك (لمّا ولي الخلافة وارتدت العرب، خرج شاهراً سيفه إلى ذي القصة، فجاءه علي بن أبي طالب، وأخذ بزمام راحلته، وقال له: أين يا خليفة رسول الله؟! أقول لك ما قال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد: شم سيفك لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أُصبنا بك لا يكون للإسلام نظام؛ فرجع وأمضى الجيش)([15]).
    وأول من قال عنه علي رضي الله عنه: (كنت كثيراً ما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما)([16]).
    وأول من أعلن علي رضي الله عنه أنه سيجلد من يفضله على أبي بكر الصدّيق، قال الحكم بن حجل: سمعت علياً يقول: (لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري)([17]).
    وأول من قال عنه علي وهو مسجى قبيل دفنه: (رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشورته)([18]).
    وأول من توفي من الخلفاء (فما ترك ديناراً ولا درهماً، وكان قد أخذ قبل ذلك ماله فألقاه في بيت المال)([19]) وروي أنه قال لما حضرته الوفاة: "ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أخلف في منزلي من مالهم شيئاً. وأرضي التي بمكان كذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، أي بدل تفرغه لأعمال الخلافة، فدفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه.
    وأول من كان ينفق كل ما في بيت المال على الرعية: (فلما توفي أبو بكر ودفن رضي الله عنه، دعا عمر بن الخطاب الأمناء، ودخل بهم بيت مال أبي بكر، ومعه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه ديناراً ولا درهماً ووجدوا خيشة للمال فنقضت؛ فوجدوا فيها درهماً! فترحموا على أبي بكر، وكان بالمدينة وزّان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يزن ما كان عند أبي بكر من مال، فسئل الوزّان كم بلغ ذلك المال الذي ورد على أبي بكر؟ قال: مائتي ألف([20]).
    وهكذا تستمر القيادة الراشدة في تقديم دروس القيادة المسددة، المبنية على الحوار والشورى، التي تتفانى في خدمة الأمة، ولا ترتجي جزاء على عطائها إلا من الله تعالى، لقد قام الخلفاء الراشدون بنشر العدل والرحمة، فحصدوا الأمن والوحدة، والرفاه والعزة، ولعل في هذا من الدروس والعبر التي يجب على كل مسلم أو داع إلى الإصلاح أن يجعلها نصب عينيه، يزن بها الأحداث والشعارات، ويعرف بها المناهج والمسارات، فمن معين الخلافة الراشدة تنبع موارد الإصلاح، وعنها تصدر مناهج البناء والاستقرار والفلاح، فلا ترتوي الأمّة إلا من الأيدي الطاهرة التي تستقي من معين الراشدين، وتنسج على منوالهم وتهتدي بهديهم، ولا سيما الأول منهم رضي الله عنهم...


    ([1]) المستدرك: ح (4315)، زاد المعاد: 3 /205.
    ([2]) البخاري: ح (2812).
    ([3]) أسد الغابة، 2/143.
    ([4]) البخاري: ح (446).
    ([5]) البخاري: ح (4432).
    ([6]) البخاري: ح (6680).
    ([7]) مشكاة المصابيح، 3/ 1700 .
    ([8]) المعجم الكبير: (6894).
    ([9]) البخاري: ح (446).
    ([10]) الآحاد والمثاني: ح (22).
    ([11]) البخاري: ح (3712) (3435).
    ([12]) البخاري: ح ( 3713).
    ([13]) المعجم الكبير: ح (14) (15).
    ([14]) الشريعة للآجري ، (1169).
    ([15]) الكامل في التاريخ: 1/396.
    ([16]) البخاري: ، ح (3685).
    ([17] ) مسند أحمد: 1/83.
    ([18]) الضياء المقدسي: أحاديث مختارة، ح (397).
    ([19]) الطبقات الكبرى، 3/195.
    ([20]) الطبقات الكبرى: 3/213.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: يوم السقيفة يوم تجلت فيه الشورى وتألق الحوار د. حامد الخليفة

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:22

    من الميزات والفضائل والمناقب؛ التي جعلت له القبول المبنيّ على المحبة والموافقة عند جميع الصحابة، تأكد ذلك في تسابقهم على بيعته يوم السقيفة؛ وما ذلك إلا لما شاهدوه من تقديم النّبي صلى الله عليه وسلم له، وحرصه على أن يكون ذلك التقديم معلوماً في الأمّة، فضلاً عمّا كانوا يرون ويعايشون من مؤهلات أبي بكر ومواقفه، التي تسر النّبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد وفاته، وتقرّ عيون السابقين والتابعين لهم بإحسان، وتشرح صدورهم، وتزرع في نفوسهم الثقة وقوة التمسك بالسنّة النبوية، وما ذلك إلا لعلمهم بأنّ أبا بكر الصدّيق كان الأول في كل ما تم ذكره، وأنه:

    أول الصحابة في العلم. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا)([1]) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأني أعطيت عساً مملوءاً لبناً، فشربت منه حتى تملأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فضلة، فأعطيتها أبا بكر) قالوا: يا رسول الله هذا علم أعطاكه الله، حتى إذا تملأت منه فضلت فضلة، فأعطيتها أبا بكر، فقال رسول الله: (قد أصبتم)(2).

    والأول في فقه وعلم مرامي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وفحواه فقد كان وحده الذي فهم ما يرمي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إن عبداً خيره الله من أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده... فقال أبو بكر: ( فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا )([2]).

    وأول من دخل الإسلام ولم يسجد لصنم قط، وقد قارب الأربعين في الجاهلية([3]).

    وأول من غضب له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غائب حين صلى بالناس غيره فلما سمع تكبير الصلاة ( أَطْلَعَ رَأْسَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُجْرَتِهِ ثُمَّ قَال: لا، لا، لا، لِيُصَلِّ لِلنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَبًا )([4])

    والأول في المكانة والوجاهة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يقدم عليه أحداً من أصحابه، ولم يكن يقبل أن يغضبه أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من يخاصم صاحبه الصدّيق رضي الله عنه: ( فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا )([5]).

    وأول من شهد له النّبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان وهو غائب ليس موجودا ومعه عمر رضي الله عنهما، قال النّبي صلّى الله عليه وسلم: (بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فأقبلت عليه فقالت إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحراثة! فقال من حوله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله تكلمت بقرة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آمنت به وأبو بكر وعمر، وليس هما ثَم، وقال رجل بينما أنا في غنم إذ أقبل ذئب فأخذ شاة فطلبتها فأخذتها منه، فقال لي: كيف لها يوم السبع حيث لا يكون لها راع غيري قالوا: سبحان الله تكلم ذئب؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آمنت به وأبو بكر وعمر وليسا ثَم)([6]).

    وأول صحابي أمر النّبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى بابه وخوخته مفتوحين إلى المسجد بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى خلافته من بعده، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ)([7]) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِد خَوْخَةٌ إِلاَّ خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ)([8]) فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أغلق كل باب وكل خوخة مفتوحة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، إلا باب وخوخة أبي بكر الصدّيق، فإنّ حال من يريد أن يغلق ما فتح رسول الله، ويفتح ما أغلق رسول الله صلى الله عليه سلم، واضحة بيّنة في قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115) فسحقاً للتائهين والمرتابين والمنتفعين، المصفقين والموادّين، لمن يحادّ الله ورسوله، ويتبع غير سبيل المؤمنين، ممن يرد خيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المهاجرين والأنصار.

    وأول من تنشق عنه الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته، قال صلى الله عليه وسلم: (أول من تنشق عنه الأرض أنا، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فتنشق عنهم، فأُبعث بينهم)([9]) فإذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قادة الأمة ووزراء النّبي صلى الله عليه وسلم، وأفراد موكبه في الآخرة، كما كانوا في الدنيا، فأين يكون مكان من يتبرأ منهم؟!

    وأول من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء ([10]). وأول من يدخل الجنّة من أمّة النّبي([11]) قال صلى الله عليه وسلم: "أخذ جبريل بيدي فأراني باب الجنّة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أراه، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنك أول من يدخله من أمتي)([12]).

    والأول والأَولى في قيادة الأمّة وخلافة النّبي صلى الله عليه وسلم، فحين كان قادة الصحابة، في حالة ذهول وصمت من هول الفاجعة، جاء القائد الأول في الصحابة الذي أُعد لمواجهة مثل هذه الساعة الحرجة، ثابت القلب والجنان وهو أشدّ منهم تألماً على فقد صاحبه صلى الله عليه وسلم، فأعلن وفاته ليقوم المسلمون بواجبهم تجاه رسالة النّبي صلى الله عليه وسلم وأمته دون تأخير، وهذا ما حصل في يوم السقيفة حيث تداول من حضر من الصحابة أمر خلافة النّبي صلى الله عليه وسلم، فكان الإجماع على بيعة أبي بكر الصدّيق خليفة للنّبي صلى الله عليه وسلم، وإماماً وقائداً للأمّة، ولم يتخلف أحد ممن كان في السقيفة عن بيعة أبي بكر، فإذا ذكرت بعض الروايات أنّ حواراً دار في السقيفة قبل البيعة – وهو ما سنفصله لاحقا-؛ فإنّ هذا ليس انتقاصاً لما حصل في ذلك اليوم، بل هو شهادة فخر على أنّ بيعة أبي بكر الصدّيق تمت بعد الحوار والمشاورة وتداول الرأي والاستناد إلى الدليل الشرعي العلمي، ثم الاتفاق على أنّ الصدّيق هو الأولى والأقدر على قيادة الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمشوشون على بيعة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه يوم السقيفة إنّما هم أقوام أغاظتهم وحدة الأمّة، وسلامة عقيدتها، وأُلفة أبنائها، فلا زالوا يتحينون الفرص للطعن بعقيدتها وتفتيت وحدتها، مستعينين على ذلك بحملات الإفك والتزييف، والغدر والتحريف، والتحالف مع الغزاة والمعتدين على الأمة، مستهدفين إنجازات الصحابة في ذلك اليوم الذي تجلت فيه الشورى، وتألق الحوار، يوم السقيفة الذي جنت الأمة منه عامة النجاحات التي بنت عليها أمجادها، والثمار التي كونت مفردات حضارتها المشرقة.

    وأول الصحابة في السياسة وإدارة الأزمات، تبين ذلك من سياسته وإدارته للأحداث المهولة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب وامتناعهم عن أداء الزكاة، واختلال نظام الإسلام، واختلاف آراء الصحابة في قتال المرتدين، فلم يتزلزل أبو بكر رضي الله عنه أمام تلك الأحداث، وصمم على قتالهم وقال: "والله لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه حتى ينفذ الله أمره" ولم يزل على ذلك حتى ردهم إلى الإسلام، ومثل ذلك يقال في إنفاذه لجيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وإبقائه له في مكانه أميراً وقائداً كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي على ذلك حتى عاد من غزوته ظافراً منتصراً([13]).

    وأول من قاتل أولي البأس الشديد من المرتدين والمجوس والروم، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (الفتح:16)، فالذي قاتل أولي البأس الشديد ممن ذكرتهم هذه الآية؛ هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فهو الذي قاتل المرتدين الذين يقودهم مسيلمة الكذاب، وكانوا أولي قوة وأولي بأس شديد؛ حتى انهزموا أو استسلموا أو أسلموا، والله تعالى دعا المخلفين من الأعراب إلى القتال مع من يقاتل أولي البأس الشديد، ووعدهم بالأجر الحسن على ذلك، وهذا دليل على وجوب طاعة الصدّيق رضي الله عنه، فالنّبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل مرتدين وإنما قاتل المشركين، وخليفة رسول الله قاتل المرتدين وكذلك الفرس والروم وجميعهم أولي قوة وأولي بأس شديد، وانتصر عليهم وأدخل الرعب في قلوبهم، فهو قد قاتل الفرس المجوس بجيوش نظامية من المسلمين، حتى كسر شوكتهم، ونزع هيبتهم، وهذا من أهم الأسباب التي جعلت أعداء الصحابة الموادّين للمجوس يشنون حرب الزيف والبهتان على يوم السقيفة والصدّيق رضي الله عنه، كما قاتل الروم لإدخالهم في الإسلام، أو إخضاعهم لأحكام الشرع، أو طردهم من بلاد العرب والمسلمين وتوفي رضي الله عنه وكانت جيوش الخلافة الراشدة تنشر النور والعدل والرحمة في بلاد الشام وما حولها.

    فهل يستطيع أحد أن ينكر هذا النص القرآني الذي يشهد لسيد بيعة السقيفة أبي بكر الصدّيق بأنّه هو الذي قاتل أولي البأس الشديد، وأنّ هذا النص دعا إلى طاعة من يقاتل هذا الصنف وأكد على التعاون معه، وهؤلاء لم يقاتلهم إلا جند الصدّيق الذين تحقق على أيديهم موعود الله لعباده المؤمنين، وقد حذرت هذه الآية المخالفين الخارجين عن الطاعة بالعذاب الأليم، مما يطمس بهتان أعداء الصحابة ومن يتعاون معهم ممن لا زال يجتر باطلهم وبهتانهم؟ فأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، هو:

    أول المعنيين بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:41) فما إن استقام أمر الخلافة وعاد جيش أسامة حتى خاض أبو بكر حروب الردة التي انتهت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كما كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أي تغيير أو تأخير.



    فالصدّيق رضي الله عنه هو الأول عند أمة الإسلام بلا منازع، وهو قائدها وإمامها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينكر هذا إلا من زاغت عقيدته، وضل طريقه، ومات ضميره، وأظلم وجدانه، ولقد علم أعداؤه بأنه الأول فهم حين يذكرونه يسمونه الأول على الرغم من كل أحقادهم التي تغلي في صدورهم عليه رضي الله عنه.

    بـالله لا يـدرك أيـامه ذو مئزر حاف ولا ذو رداء

    من يسع كي يدرك أيامه مجتهد الشدّ بأرض فضاء([14]).

    فها هم أعداء الصحابة الذين حاربوا مرجعية الكتاب والسنّة، ورفضوا خلافة أبي بكر الصدّيق وافتروا الأكاذيب على يوم السقيفة، وتمنوا ولازالوا يتمنون لو أنّ مسيلمة الكذاب وجنده المرتدين انتصروا على الصحابة، لكي لا ترتفع راية التوحيد والفتوح وأمجاد المسلمين في العالمين، ولكي لا يسجل لهم التاريخ ما نشروه بين الناس من العدل والعلم والرحمة في أيام أبي بكر الصدّيق التي كانت أعظم ثمار يوم السقيفة، فأولئك الماكرون وعلى الرغم من كل أحقادهم على أبي بكر الصدّيق؛ فإنهم لا زالوا يسمونه: الأول فهو الأول عند الرافضة الحاقدين، الذين يسرهم التعاون مع المرتدين والغزاة المعتدين؛ لإسقاط خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلوب المؤمنين، ولكنهم على الرغم من جحودهم لخلافته! فإنهم إذا ذكروه في كتبهم قالوا عنه الأول، وهم يقولون ذلك في الذم والشتم، وإذا ذكروا الفاروق قالوا عنه: الثاني، فالأول الصدّيق والثاني الفاروق رضي الله عنهما على ألسنة أعدائهم وفي أمهات كتبهم، وهذا مفصل في آداب زيارة عاشوراء عندهم، حيث يبالغون في شتم الشيخين رضي الله عنهما ويسمونهما الأول والثاني، لتشهد ألسنتهم على تناقضهم، وليتبين للناس أنّ الله تعالى أبى إلا أن يظهر زيفهم، ويوقعهم في شرّ مكرهم، فهم يقولون عن أبي بكر: الأول, ويعترفون بأنه الأول، لكنهم يصرون على انتقاصه وشتمه رضي الله عنه، وما ذلك إلا لأنهم ناصبوا الكتاب والسنة ومن نصرهما؛ حقداً وبغياً وظلماً وتزييفاً، (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) (البروج:20).



    إنّ كل من يناهض بيعة السقيفة إنما هو من أنصار أعدائها المرتدين والمنافقين، ذلك أنّ الناس انقسموا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تحت رايتين، راية أبي بكر التي ارتفعت ببيعة الصحابة لها يوم السقيفة، وراية مسيلمة الكذاب ومن تعاون معه من المرتدين المكذبين لرسالة النّبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تأتي خطورة من يرفض خلافة الصدّيق رضي الله عنه، ذلك أنّه لا مكان لرافضي بيعة السقيفة إلا تحت راية مسيلمة الكذاب، فالباحث المتابع لا يجد بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم إلا رايتين! راية المخبتين المتواضعين المؤمنين، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراية المفسدين الماكرين المتعالين على الناس، المحاربين للصالحين والمفترين عليهم الأباطيل والأوهام، قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83) وهذه العاقبة الطيبة هي التي تحققت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، الذين أنجزوا بيعة السقيفة بكل أخوة وصدق وأمانة ووفاء، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

    فلماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لاستبيحت المدينة على أيدي طلائع المرتدين من بني عبس وذبيان؟! ولماذا تغيظهم بيعة السقيفة ولولاها لما كان نصرٌ يوم اليمامة على مرجع الردة الأكبر مسيلمة الكذاب وجنده؟ ولولاها لما توحدت جزيرة العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟! ولما كانت اليرموك وأجنادين وذات الصواري وفتوح الشام وما بعدها في الغرب؟ ولولاها لما كانت القادسية ونهاوند وتُستَر وما بعدها من فتوح في الشرق؟! ولماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه ما كانت "بغداد ولا كابل" من بلاد المسلمين؟! ولماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لبقيت فارس تحت نير أكاسرة المجوس الظالمين؟!

    ثم لماذا لا نحذر أعداء بيعة السقيفة ونحذر منهم ونتوجس منهم كلّ شرّ وغدر؟ ونرتاب بهم وبكل من له صلة بهم؟! كيف لا وهم شركاء في كلّ مصيبة ومأساة مسّت الأمة بنيرانها، فمن اغتال الفاروق في محرابه؟! ومن غدر بذي النورين بين أوراق مصحفه؟! ومن فتك بعلي على باب مسجده؟! ومن طعن الحسن بن علي في فخذه؟! ومن غرّر بالحسين وخذله وغدر به في كربلاء يوم مخرجه؟! ومن لا زال يجدد مأساته الرهيبة في كل عام مرات ومرات؟! فيزرع الضغينة ويبذر الكراهية، ليصنع من صديدها أفيون الحقد على أمّة الصحابة ومن تبعهم بإحسان! ومن لا زال ينشر الشك بالكتاب والسنّة؟ ويوقد الفتن بين المسلمين؟ ويفتري على أئمة الأمّة؟ ويزيف عقيدتهم؟ ومن لا زال يزرع الكيانات الطائفية؟ ويقيم الدويلات الطفيلية؟ داخل الدول والأوطان الأم؟! تمزيقاً للوحدة وتسعيراً للفتنة؟! إلى غير هذا من مساوئ ورزايا تتأجج شرورها على عامة أمصار الأمة وامتداداتها الجغرافية والعقدية! أليس كلّ من يفعل هذا وغيره الكثير من البلايا؛ هم أدوات الردة، ونواقيس الفتنة، ومطايا الغزاة والمعتدين، أعداء الصحابة الرافضين لبيعة السقيفة التي أشرق يومها على الأمّة أخوّة ومودة ووحدة وعزة وسلاماً؟! وللحديث صلة.



    ([1]) البخاري (3381).
    (2) ابن حبان (6854).
    (3) البخاري (3615).
    ([3]) السيرة الحلبية: ح (1/453).
    ([4]) سنن أبي دواد (4042).
    ([5]) البخاري (3388).
    ([6]) النسائي (8112).
    ([7]) البخاري (3381).
    ([8]) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، 1/745.
    ([9]) الحاكم: المستدرك. ك. معرفة الصحابة. باب: أبو بكر الصديق. ح:4429. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
    ([10]) البخاري (1897).
    ([11]) أبي داود (4652).
    ([12]) الحاكم (4444) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه.
    ([13]) مصنف عبد الرزاق (19372).
    ([14]) ابن عساكر: تاريخ دمشق، 2/218.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: يوم السقيفة يوم تجلت فيه الشورى وتألق الحوار د. حامد الخليفة

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:23

    إنّ مما يلفت النظر ويثير الاهتمام استهداف أعداء الصحابة لبيعة السقيفة وأخبارها والعمل المستمر على تشويه وقائعها وتزييف إنجازاتها وتسفيه أئمتها وقادتها، وطمس معالمها وقلب حقائقها، وتأليف الكتب ونشر المقالات والندوات وإنشاء المواقع والفضائيات التي تعلن الحرب وبكل أشكالها على بيعة السقيفة وإنجازاتها الفذة، وتعمل بكل طاقاتها على إقصاء وطمس كل معلومة صحيحة عنها، وتثقيف أتباعهم بأنّ يوم السقيفة هو أساس مصائبهم وموطن هزيمتهم، وأنّ عليهم الاستنفار لنشر ثقافة الكراهية والتحريض والافتراء وتشجيع الشتم واللعن والطعن على الصحابة رضي الله عنهم، ولا يمكن ذلك إلا بزرع الشك بالكتاب والسنّة، ورفض فضائل الصحابة، ومناقبهم الصحيحة، وصناعة المعايب ووضع المثالب عليهم، لتشويه سيرتهم الناصعة النقية!

    في غارة شعوبية مجوسية سبئية رافضية، مستمرة منذ أربعة عشر قرناً، يعينها على التوسع كثرة المداهنين والمنتفعين، وغياب الجهد الجماعي المواجه وعدم تعامل أهل السنة معهم بالمثل، حتى أصبح أبناء الأمّة غرباء في أوطانهم! ونوابت هذه الفرق الهدامة هم المتصرفون في أكثر شؤون الأمّة، وهذا بقدر ما يثير الغرابة والريبة والاشمئزاز والأسى، فإنّه يؤكد وجوب التصدي الجماعي الشامل لهذه الأحقاد المتأصلة في قلوب أعداء الصحابة على بيعة السقيفة وكل ما له صلة بها، وهذا يوجب على كل مسلم محب لرسول الله وأصحابه وآل بيته رضي الله عنهم، أن يجعل من اهتماماته نشر حقيقة اجتماع يوم السقيفة، وتفسير كل موقف أو كلمة حصلت في ذلك الاجتماع على الوجه الصحيح، والإشادة بإنجازات ذلك اليوم الأغر الذي كان سبباً مباشراً في حفظ الدين ووحد الأمة، فمن لا يثق بأئمة الأمة يوم السقيفة فإنّه لن يثق بأحد من المسلمين، وستبقى مخاطره قائمة وشروره مستطيرة على عقيدة الأمة وأمنها وميراثها المادي والمعنوي، وعلى هذا فإنّ بيعة السقيفة تعد أحد الموازين التي تظهر على كفتيها حقيقة المواقف وأهلها، فمن يزعم الإسلام فيوم السقيفة من خير أيامه، ومن ادّعى الدفاع عن قضايا الأمّة فمن بيعة السقيفة تنطلق قضاياها، وعلى آثار الصدّيق تسير كتائبها، كيف لا ومن يرفض صحبة الصدّيق يردّ القرآن! قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) (التوبة 40) ومن يرفض بيعة السقيفة لن يكون إلاّ في صفوف المرتدين.

    ومن جملة شرور أعداء الصحابة؛ غارتهم الحاقدة على بيعة السقيفة، وإجماع المهاجرين والأنصار على إمامة أبي بكر الصدّيق! وعملهم المتواصل على تشويه نتاج ذلك اليوم الأغر الذي تجلت فيه الشورى وتألق الحوار الأخوي الشرعي، الذي أثمر أرقى بيعة، وأجمل وأقوى نظام رشيد سديد يقوم على الحوار والشورى، وأنجب أفقه وأشجع وأحبّ خليفة وقائد للمسلمين، وهذا ما أغاظ رافضي الخلافة ومبغضي السنّة وجعلهم يسلكون كل مسلك للتعتيم على بيعة السقيفة وتشويه يومها المشرق المبين.

    فلما لم تسعفهم وسائلهم الماكرة في الوصول إلى أمانيهم الباطلة، ويئسوا من إيجاد مطعن على بيعة أبي بكر الصدّيق التي يحوطها إجماع المهاجرين والأنصار، ولغوا في باب الشبهات وارتكاب الموبقات العلمية، وقلب الحقائق وامتهان صنعة الدس والوضع، فشنوا غارات البتر والتزييف والبهتان على كلام أمير المؤمنين الفاروق في محاولة لتشكيك المسلمين بتاريخهم ورموزهم الكبار.



    1- زوَّرْتُ مقالة أعجبتني:

    فمن شبهات وأباطيل الرافضة أعداء الصحابة وعدائهم لبيعة السقيفة تزييفهم لقول أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه يوم السقيفة، فقال: ( ... فَلَمَّا سَكَتَ – خطيب الأنصار - أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِسْلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا...) ([1]).

    فأول ما يجب أن يعلمه المسلم معرفة معاني كلمة زورتُ في لغة العرب، وهي الكلمة التي أعدها الفاروق في نفسه ولم ينطق بشيء منها، لكي يعلم المسلم حقيقة أعداء الصحابة وزيفهم وبهتانهم، فكلمة زورت في لغة العرب تعني: "هيأت وأصلحت. والتزويرُ: إصلاح الشيء. وكلامُ مزورٌ: أي مُحسُّنٌ"([2]) و"التَزْوِيْرُ: التقْوِيْمُ والتحْسِيْنُ، ومنه: كَلاَمٌ مُزَوَّرٌ. والتَزْويرُ: إكْرَامُ الضَّيْفِ، زَوِّرُوا ضَيْفَكم"([3]) أي أكرموه، وجاء في معناها أيضاً: "زورتُ الكلامَ وزَوّيْتُه أي هَيَّأتُه في نفسي"([4]).

    وبعد كل هذه التفسيرات الراقية، والمعاني السامية، لما أراد أن يقوله أمير المؤمنين الفاروق يوم السقيفة، يجب أن يعلم القارئ بل وكل مسلم أن الفاروق لم يقل أصلاً ما كان هيأه وأعدّه وقوّمه في خاطره وفي ذهنه من الكلمات التي تجمع القلوب وتوحد الصفوف، حباً لأمته وخشية عليها من فتن الماكرين، ليقوله بين يدي قائده الصدّيق وإخوانه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، فالفاروق لم يقل شيئاً مما هيأه في ذهنه، وأنّما اكتفى بما قاله الصدّيق آنذاك على سجيته سليقة وبداهة، فكان في قوة حجته، ووضوح أدلته، وشمول مقاصده، سبباً كافياً لتسابق المهاجرين والأنصار على بيعته رضي الله عنهم أجمعين، وخروجهم من السقيفة يداً واحدة على أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    لكن لما كان دين أعداء الفاروق قائم على البهتان والزُور تركوا مقاصده النبيلة، وما يجب عليه فعله آنذاك، وأمسكوا بلفظة واحدة من المتشابه (زورت) من غير أن يفكروا في معناها! فظنوا لتشابه اللفظ أنها على طريقتهم ومنهج معتقدهم، فوقعوا في سوء نواياهم وفضحوا أنفسهم بعدم تفريقهم بين شهادة الزُور التي تقوم عليها أعمدة ثقافتهم، وبين هيأت وأصلحت!! فأوقعتهم أحقادهم الدفينة على الفاروق رضي الله عنه في هذه الفرية الكبرى! التي لا يقع فيها إلا منزوع الفهم والحياء، وفاقد العدل والإنصاف! فملأوا فيها كتبهم وخطبهم، ومواقعهم الالكترونية، وفضائياتهم الإعلامية! في حملات من البهتان المتعمد، لتزييف الفعل الصحيح السديد الرشيد، المتوافق مع المقام والمصلحة، وحال المسلمين المجتمعين في السقيفة رضي الله عنهم.

    فالفاروق يتكلم بلغة السنّة القائمة على الإصلاح والتواصل والإتقان وذكر محاسن الآخرين، وأعداء بيعة السقيفة يتكلمون بالزُور والبهتان ولغة المعايب والمثالب! فشتان بين أهل الإصلاح وأهل الزيف والزُور.

    فالفاروق سمّى ما قدّره وأتقنه كلاماً قبل التلفظ به، ولم يقل تكلمت، أي أعددت كلاماً وتأملته واختبرته في نفسي كأنني تكلمت به، خشية أن يكون فيه سبباً لفرقة، إو إغضاباً لأحد من المسلمين، إذا تكلمت به قبل تزويره وتقويمه، فوزنه في ميزان الشرع والمصلحة والحكمة والسياسة، ولم يدع باباً للشك والظن والشبهة، فبلغ فيما أعدّه في ذهنه منتهى السداد والصواب؛ الذي يستحسنه سامعه ويصدقه وينصره، لقوة حجته، ووضوح برهانه، وإتقان سبكه، وصحة مراميه، وجميل مقاصده، وهذا شأن ذوي التروي والقيادة والعلم والنباهة والحكمة، خوفاً على أنفسهم من وقوع الزلل الذي يأتي غالباً مع العجلة.



    2- كانت بيعة أبي بكر فَلْتَـة فتمت:

    ومن شبهات الرافضة في تشويه مجريات يوم السقيفة المبارك اتخاذهم كلمة " فلتة " في مقولة:

    "كانت بيعة أبي بكر فَلْتَـة فتمت" وسيلة للطعن في صحة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا إنّ الفاروق يشك في بيعة الصدّيق! وهذا من فرط جهلهم، وشدة حقدهم، الذي أعمى بصائرهم عن الفهم والنظر والتدقيق، الذي لو سلكوا مسالكه لوجدوا أنّ نسبة هذه الكلمة ابتداء إلى الفاروق إنّما هي فرية من أباطيلهم التي يدينون بها، كما فعلوا ذلك في كلمة "زورت" ولتبين لهم أنّ هذه الكلمة قالها أحد المسلمين في مكة، ثم نقلت إلى أمير المؤمنين الذي أراد أن يُحذر منها في مكة، فأُشير عليه أن يجعل خطبته عنها في المدينة، وهذا ما جاء في الصحيح عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: ( كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذ رَجَعَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَال: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلانٍ؟ يَقُولُ لَوْ قَد مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فلانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلا فَلْتَـةً فَتَـمَّت، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَال: إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُم، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُم، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاس، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّر، وَأَنْ لا يَعُوهَا، وَأَنْ لا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّة، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَك، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَقَالَ عُمَر رضي الله عنه: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ ...) ([5]).

    وهذا النص الصحيح يفضح هذه الهجمة الرافضية السبئية على بيعة السقيفة، ويؤكد أنّ الرافضة يكذبون في نسبتها وفي تفسيرها، ويفترون على الصحابة للطعن والتشويش والتشكيك في أفضل أيامهم بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ الذي قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة؛ هو رجل ينقل عن رجل آخر، فنقلها لأمير المؤمنين عمر فغضب عمر حين سمع كلمة فلتـة، وكانت السبب وراء خطبته التي جاءت في المدينة فذكر فيها هذه الكلمة، للتحذير والتخويف من تجاوز حق المسلمين في الشورى والحوار، وحقهم في الاختيار والاتفاق، وبهذا يكون ما يملأ به الرافضة كتبهم، في نسبة هذه الكلمة إلى عمر الفاروق ابتداء؛ إنّما هو محض البهتان وصريح الكذب، وأنّه لا يجوز السماع إلى شبهاتهم، ولا نقلها كما هي، من غير تحذير وتنبيه ورد فاصل!

    ومن الواجب على أهل السنة شرح معاني ومناسبة كلمة "زوّرت" و"فلتـة" وأمثالهما على الوجه الصحيح المتوافق مع الحقيقة ولغة العرب، مع التحذير الدائم والحازم من الركون إلى كتب أو صحافة أو فضائيات من لا يؤمن ببيعة السقيفة، والشك والريبة بكل من له أدنى صلة بهم، أو بجمعياتهم وإعلامهم ونواديهم وفضائياتهم، ذلك أنه لا يواصلهم إلا من هان في قلبه مكان الكتاب والسنّة! والشيخين وإخوانهم، والصحيحين ومن نسج على منوالهم.

    ولعل مما يجب الوقوف عنده هنا؛ هو بيان وتوضيح معاني كلمة "فلتـة" في لغة العرب، فالعرب تقول: كان ذلك الأمر فلتة، أي فجأة، إذا لم يكن عن تردد ولا تدبر. والفلتة: آخر ليلة من كل شهر، ويقال هي آخر يوم من الشهر الذى بعده الشهر الحرام([6]) قال الشاعر:

    هاجتْ عليه من الأشْراطِ نافِحةٌ ............. في فَلْتَةٍ بين إِظْلامٍ وإشْفارِ([7]).

    وافْتَلَتَ الكلامَ: ارْتَجَلَهُ([8]) و(بيْعَة أبِى بَكْرٍ كانَتْ فَلْتَةً وقَى اللهُ شَرَّها) قال أبو عُبَيْدٍ: (أرادَ فُجاءةً، وكانت كذِلكَ لأَنَّها لم يَنْتَظَرْ بها العَوامّ، إنَّما ابْتَدرَها أكابِرُ أَصْحابِ مُحَمدّ صلى الله عليه وسلم من المُهاجِرِينَ، وعامَّةِ الأَنْصارِ، إلاَّ تلكَ الطّيَرَةَ التي كانَتْ من بعضِهم، ثم أَصْفَقَ الكُلُّ له، لَمْعرفَتِهِم أَنْ ليسَ لأبِى بَكْرِ مُنازِعٌ، ولا شَرِيكٌ في الفَضْلِ، ولم يَكُنْ يُحْتاجُ في أَمْرِه إِلى نَظَر ولا مُشاوَرَة )([9]).

    وفي شرح نهج البلاغة يظهر مكر أعداء الصحابة في تفسير هذه الكلمة، حين يشرح ابن أبي الحديد الرافضي المعتزلي معانيها وما قيل فيها وحولها، فلا يدع شبهة إلا ويذكرها! ولا مغمزاً إلا ويورده، ولا لمزاً إلا ويفصله! حتى إذا علم أنّه استفرغ ما في جعبته من الشبهات والمثالب، تظاهر بالجد قائلاً: "إلا أنّ الإنصاف أنّ عمر لم يخرج الكلام مخرج الذم لأمر أبى بكر، وإنّما أراد باللفظة محض حقيقتها في اللغة، ذكر صاحب الصحاح أن الفلتة الأمر الذى يعمل فجأة([10]).

    وقال ابن حجر: كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم، فكان من له ثأر تربص، فإذا جاءت تلك الليلة، انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاخ الشهر، فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به، وهو آمن، فيترتب على ذلك الشر الكثير، فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام، والفلتة بما وقع من أهل الردة، ووقى الله شرّ ذلك ببيعة أبي بكر؛ لما وقع منه من النهوض في قتالهم، وإخماد شوكتهم، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ، بل أطاعه الناس كلهم، من حضر البيعة ومن غاب عنها، فالمراد بالفلتة: ما وقع من مخالفة الأنصار وما أراده بعضهم من مبايعة سعد بن عبادة رضي الله عنه([11]).

    وبهذا يتبين المعنى الحقيقي لكلمة فلتـة، ويتضح أنّ أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه لم يقلها ابتداء، وأنها نُقلت إليه فغضب حين سماعها، ويتأكد أنّ أعداء الصحابة من الرافضة والمستشرقين، ومن يأخذ عنهم، أو يتعاون معهم، إنّما هم أقوام يحملون الغل والحقد على الصحابة رضي الله عنهم، ويفتقدون للموضوعية والأمانة العلمية، وبالتالي لا يجوز أن تؤخذ أخبار السلف وقادة الأمة وأئمتها، عن أحد من الرافضة مطلقاً، ولا عمّن يأخذ عنهم، ولا يجوز الثقة بتأويلاتهم ولا حججهم، لأنها لا تخرج عن طور الشبهات المصنوعة، والأحقاد المنفوثة. فمن لا يثق بالشيخين والصحابة، ولا بالصحيحين والسنّة، لا يوثق به ولا يُصدق ولا يؤمن شره أبدا، ولا يعول عليه في موقف نبيل ولا في مسألة علمية، بل هو شر متجسد يزرع الأحقاد ويبذر الفتن! ومن تجاوز هذه الحقائق وظنّ أنّ ما يقوم به الرافضة من حرب معلنة على الصحابة وأمتهم في دمائهم وعقيدتهم، إنما هو من باب الجهل العلمي، أو الخطأ اللامقصود، فهذا إما جاهل لا يتابع، أو منتفع يميل مع الريح حيث مالت، أو شعوبي متزندق متلبس بالرفض وبغض أمّة السنّة والجماعة، أو مجاهر بالردة، يعمل على تمزيق وحدة المسلمين، وهدم ميراث الكتاب والسنّة! ......................... وللحديث صلة.




    ([1]) البخاري: حديث السقيفة، ح (6328).

    ([2]) ابن الجزري: النهاية في غريب الحديث 2 /798، لسان العرب، 4/337.

    ([3]) المحيط في اللغة، 3/303.

    ([4])لسان العرب، 14/365 .

    ([5]) صحيح البخاري: ح ( 6328 ).

    ([6]) تاج اللغة وصحاح العربية، 1/260. وينظر الزمخشري: أساس البلاغة، 1/375.

    ([7]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، 1/351.

    ([8]) القاموس المحيط: 1/201.

    ([9]) المحكم والمحيط الأعظم، 9/494.

    ([10]) شرح نهج البلاغة 2/23، وذكرها في حوالي عشرين موضعاً من ذلك الكتاب، ويتفنن في تمرير الطعون والشك في بيعة السقيفة، في تدليس خبيث حتى إذا ظن أن زيفه ظهر زعم أن هناك من لا يقبل الشك في بيعة الصديق، بل إنه يشكك فيما لم يشكك به عاقل وهو حب الفاروق للصديق وإخلاصه له رضي الله عنهما كما هو ثابت في سيرتهما وفي الصحيحين.

    ([11]) ينظر ابن حجر: فتح الباري، 12/149-157.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حوار السقيفة ومواقف الأنصار رضي الله عنهم (1)

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:26

    الناظر فيما يُطرح على الهواء وفي الفضائيات، وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية، وفي ما يكتبه أعداء الصحابة عن يوم السقيفة، يجد أنّ هناك ثقافة موازية تعمل على تشويه كل جميل ورائع في الحضارة العربية الإسلامية، بل هناك ثقافة هدامة تخريبية لكل ما أنجزه أئمة الأمة وسادتها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفث عليهم الأحقاد، وتزرع ضدهم الكراهية! وتؤجج عليهم المشاعر، في توجهات ثأرية اجتثاثية حاقدة تنكر كل معروف وسماحة وحزم وعدل ورحمة ونجاح؛ كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم! وتظهر ذلك بصور مقلوبة! ووسائل ملتوية! ومناهج مدروسة ومنظمة ومدعومة ومحمية! تحت رايات شعوبية صفوية طائفية انتهازية نفعية.

    ومن أمثلة ذلك تفسيرهم المنكوس، وتوجيههم المفترى لمفردات الحوار ومقاصد المواقف النبيلة يوم السقيفة الأغر! ذلك اليوم الذي يمثل مفخرة كبرى لأمة الإسلام وتراثها الخالد، لما ظهر فيه من قيم الحوار والشورى، والاحتكام إلى الدليل والنص، ولما تبع ذلك من إنجازات حفظت وحدة الأمة وعقيدتها، وأعزت شأنها وسحقت أعداءها.

    فالحوار الذي جرى في سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي أعلن عنها أبو بكر رضي الله عنه بشجاعة عجز عنها غيره، وفي فصاحة وجرأة ويقين منقطع النظير تجلى في قوله: (من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ذلك الموقف البطولي المتفرد من بين مواقف قادة الأمة، هو الذي أيقظ المسلمين وأعاد إليهم رشدهم، حين أيقنوا جميعاً بهذه الحقيقة التي لا يريدون تصديقها، وهي التي من هولها اضطرب بعضهم، ودهش آخرون، فمنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته صلى الله عليه وسلم بالكلية؛ وحمل السيف على من يعلن بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم!

    وبهذا الموقف العظيم من أبي بكر رضي الله عنه أفاق الناس من هول الفاجعة، ولاسيما بعد أن تلا عليهم قول الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران، 144) فعلم المسلمون أنه لا بد من تحمل أعباء الصبر على مصابهم ودفن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأنه لا بد من اختيار خليفة له صلى الله عليه وسلم، فانشغل الصحابة بمصابهم الكبير آنذاك، فكانوا ما بين باك وداع وذاكر وتال لكتاب الله، وما شابه من أحوال يمر بها الناس عند النوازل الكبرى التي تحدق بهم.

    فوافق ذلك أن كان سعد بن عبادة رضي الله عنه مريضاً لا يستطيع الخروج من بيته، فجلس عنده بعض إخوانه من الأنصار في سقيفة بني ساعدة التي كانت مكان التقاء المسلمين في كثير من الأوقات، وقد سبق بيان أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس فيها، فكان من الطبيعي أن يتجاذب الحاضرون أطراف الحديث عما هم فيه، وعن سبل الخروج من هذا المصاب، فكان أن أشار البعض منهم بترشيح سعد بن عبادة نظرا لسنه ومكانته في قومه، ولمواقفه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، فتداول الحضور الكلام حول هذه المسألة من غير سابق تخطيط ولا تدبير.

    فلما علم بعض المهاجرين بهذا الحديث، جاء الصديق أبو بكر والفاروق عمر والأمين أبو عبيدة رضي الله عنهم، جاؤوا إلى إخوانهم الأنصار الذين كانوا في السقيفة، فتحاوروا معهم في هذه المسألة ذات الأهمية القصوى آنذاك والتي تعني جميع أبناء الأمة، فتبين من خلال الحوار الذي دار في السقيفة أن الأنصار الذين كانوا في السقيفة لم يكن لديهم موقف مسبق حول الخلافة، فأدلى كل منهم بدلوه بحسب ما يراه أنه هو الصحيح النافع للمسلمين.

    لكن الناظر في تلك الآراء التي طرحها بعض الأنصار، لا يرى لها عمقاً ولا بعداً فكرياً ولا عقدياً، لأنها كانت عارية من الأدلة الشرعية، فجميع ما طرحه الذين اقترحوا ترشيح سعد لا يخرج عن دائرة الرأي المجرد، المبني على عرف قبلي معمول به، أو رأي شخصي لم يوزن بنصوص الشرع! لهذا ولغيره تساقطت جميع تلك المقترحات وتبخرت تلك الآراء حين تكلم إمام الأمة وقائدها بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصدّيق، لقوة حجته وصدق منطقه ونبل مقصده وشمول غايته، ولوضوح النصوص التي كان يستشهد بها ويبينها للحاضرين، كما وصف عمر رضي الله عنه حوار الصديق آنذاك قائلاً: (فتكلم أبلغ الناس!).

    فالمتابع لحوار الأنصار يوم السقيفة المبارك، لا يجد لهم موقفاً موحداً من مسألة الخلافة، بعكس ما يروج له الرافضة والمستشرقون ومن يأخذ عنهم، فالحوارات التي دارت بين الأنصار أنفسهم، وبينهم وبين من حضر في السقيفة من إخوانهم المهاجرين رضوان الله عليهم يظهر فيها اتجاهان واضحان، أحدهما: يدعو لمبايعة سعد بن عبادة، والآخر: يرى أنّ المهاجرين هم الأولى بخلافة النّبي صلى الله عليه وسلم وهم الأدرى والأكثر خبرة في إدارة سفينة الإسلام، ولعلّ في هذين الموقفين رداً على المغرضين المخالفين الذين لا يَدَعون فرصة فيها مجال للطعن في الإسلام وقادته إلا واهتبلوها، تأكد هذا حين راحوا يروّجون في كتاباتهم وإعلامهم، بأنّ المسلمين انقسموا سياسياً على أنفسهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مهاجرين وأنصار! ثم اخترع الرافضة فرية الوصية والإمامة، وتكلموا عن تحزبات وتجمعات كلها لا وجود لها آنذاك إلا في أمانيهم ومخططاتهم، وفي كتاباتهم التي تظهر في مؤلفاتهم، مثل كتاب السقيفة للرافضي محمد رضا مظفر، طباعة قُم، وكتاب نبيل فياض: يوم انحدر الجمل من السقيفة، وكتاب إبراهيم بيضون: الأنصار والرسول صلى الله عليه وسلم، وكتاب الفتنة لهشام جعيط، والفتنة الكبرى لطه حسين، وأمثال هؤلاء المفتونين الذين يحتكمون إلى أهوائهم ومفتريات أسلافهم، مسقطين واقع الأحداث ونصوص الكتاب والسنة! وهذه الأباطيل التي يتبناها هؤلاء وغيرهم كثير من التائهين، يردها الواقع الذي كان عليه المسلمون، وما جرى في السقيفة من حوار أخوي وتشاور ودي، ففي مسألة الخلافة كان أعلام الأنصار من أهل العلم والفقه والتجربة، يدعون إلى ترك أمر الخلافة بأيدي المهاجرين، وآخرون من الأنصار نظروا للأمر من جوانب أخرى، دعوا لبيعة سعد مسوغين ذلك بأعذار وحجج كانوا يعتقدون صحتها، فتبين لهم أنّ ما قاله وقدّمه الصدّيق في السقيفة هو الأولى بالاتباع، فتركوا ما كانوا يعتقدونه في مسألة الخلافة واتبعوا المنهج الذي برهن على صحته أبو بكر الصدّيق مستدلاً عليه بالوقائع والنصوص، وهذا سيتضح من خلال هذين الموقفين.

    أولاً: الدعوة لبيعة سعد بن عبادة رضي الله عنه

    سبق القول أنّ الذين دعوا إلى بيعة سعد لم تكن لديهم أدلة علمية، أو إشارات نبوية، تستند إلى نصوص شرعية، وإنما احتجوا بوقائع وأحداث وتوقعات كانت محل اتفاق، واعتمدوا على عدة محاور لا تخرج عن هذا الإطار، وإن كان عامة ما روي عن ذلك الحوار، هو من كلام المؤرخين والإخباريين الذين لا يتحفظون من توجيه الأحداث باتجاه رغباتهم وولاءاتهم، ومن ذلك ما نسبوه إلى الأنصار فشاع عنهم في كتب التاريخ والأدب وغيرها، كقول بعض خطبائهم: "إنّ الله تعالى نقل النّبي صلى الله عليه وسلم من داره فكنا أنصاره، وكانت أرضنا مهاجره وقراره، وإنّا قاسمناكم الأموال وكفيناكم الأعمال، وأنزلناكم الديار، نحن أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم وكتيبة الإسلام، ولنا من الفضائل ما أنتم به أعلم، فنحن أنصار الله ولنا الإمامة في الناس"([1]) وهذه الرواية أوردها الواقدي وهو معلوم بميوله وتشيعه وأساطيره، وأنّه متروك الحديث، ولكن لعل إيرادها هنا يسكت حملتها والمروجين لها، فيقال لهم لم يُعرف عن الأنصار أنهم كانوا يمنّون في عطائهم ولا يتأخرون في كرمهم وجهادهم، وهم الذين يكثرون عند المغرم ويقلون عند المغنم، وهذا ما شهد لهم به كتاب الله في قوله تعالى: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ" (الحشر، 9) فمن يؤثر على نفسه وهو في أشد الحاجة لا يمنّ على أخيه في الإسلام وشريكه في المصير، فهذه الرواية لا تتوافق مع حال الأنصار وكرم أخلاقهم، ولا مع مسار الأحداث التي جاءت بعد بيعة السقيفة.

    وقول آخرين: "يا معشر الأنصار ما عُبد الله علانية إلا في بلادكم، ولا اجتمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا دانت العرب بالإيمان إلا بأسيافكم، فأنتم أحقّ النّاس بالأمر"([2]) وهذا النّص أيضاً لا يمكن التسليم له وقد أورده ابن أبي الحديد، وهو رافضي معتزلي، وهو نص يعبر عن أماني أعداء الصحابة بطريقة أو بأخرى، وإن كان لا يحمل مغالطات كثيرة في طياته! لكنه طمس دور المهاجرين وجهادهم وصبرهم وتضحياتهم! وهذا منطق لم يؤثر عن الأنصار ويناقض شدة مودتهم للمهاجرين ومحبتهم لهم واعترافهم بفضلهم وسبقهم، ولا يتفق مع ما هو معروف عن الأنصار من الإنصاف والإيثار؛ فهم لا يغمطون أحداً حقه، والنص لا يتفق مع أخلاق الصحابة وسمتهم وصدقهم وسمو مقاصدهم، فهو موضع ريبة وتهمة لأنه يفسر الأحداث من زاوية واحدة، ولا يوجد ما يثبت صحته في المتن ولا في السند.

    وروى آخرون أنّ هناك من الأنصار من دعا إلى إقامة أميرين، واحد من المهاجرين وآخر من الأنصار قائلين: "يا معشر المهاجرين: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان"، وقال آخر: "فإن أبى هؤلاء ما نقول فمنا أمير ومنهم أمير"([3]) ومن الحوار الذي دار قول الحُباب بن المنذر رضي الله عنه: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب.. والله إن شئتم لنعيدنها جذعة"([4]) فقوله: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب" دون الزيادة ورد في الصحيح، وجذيلها المحكك: كناية عن عود كان ينصبه العرب للإبل لكي تحتك به، والعُذيق: هو النخلة، والمرجب: هو ما يدعم به النخلة حين يكثر ثمرها، والمراد هنا أنه صاحب الرأي والتدبير الشافي الوافي، وأنّه صاحب خبرة واسعة، وله باع طويلة في مثل هذه الأمور، وأنّه من خلال خبرته وتجاربه يرى الحل بأن يكون أميرٌ من الأنصار وآخر من المهاجرين، وهذا أمر رده عليه المهاجرون في حوارهم بالحجة الصحيحة، وأنه لا يستقيم ولا يمكن العمل به لما يترتب عليه من تضارب في الآراء، وتداخل في المهام والصلاحيات وما إلى ذلك، وسيتضح رد المهاجرين عند بيان موقفهم في الحوار والشورى يوم السقيفة.

    لكن أهل الأهواء المبغضين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورثة حديث الإفك، وإخوان أبي لؤلؤة المجوسي، أضافوا إلى النص الصحيح ما يفسده ويُحوّل معناه الذي صدر من رجل معروف برأيه وحسن مشورته إلى قول رجل غوغائي يعمل على نشر الفتنة بين المسلمين وحاشاه فأضاف المفترون إلى قول الحُباب بن المنذر المذكور قولهم: "والله إن شئتم لنعيدنها جذعة" أي نعيدها فتية متجددة، ويقصدون بذلك الفتنة والحرب، وهذا المنطق الذي يريد أن يُخرج الصحابة عن أخلاقهم وحرصهم على أمن أمتهم، وطاعة أئمتهم، يؤكد هوية قائله الدخيلة، ويبين مقاصده الرامية إلى زرع الضغينة، والهادفة إلى تشويه إنجازات يوم السقيفة الذي كبّت الله به وجوه المنافقين، وأرغم به أنوف الرافضة الحاقدين، فهذا المنطق الغريب عن مجرى الحوار يبين زيف هذه الإضافة ويؤكد بطلانها؛ إذ لم يكن هناك في يوم من الأيام حرب أو خلاف بين الأنصار والمهاجرين فكيف يريد إعادة شيء لم يكن ولم يوجد والحمد لله تعالى؟!.

    وما روي عن خلاف حاد بين الحُباب بن المنذر وبين عمر في السقيفة فهو مما نفخ فيه الرافضة من أكاذيبهم ليأتي على غير الوجه الصحيح، وقد روي أن عمر لم يُغضب الحُباب بن المنذر منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: "فلما كان الحُباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، لأنّه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبداً" ([5]) هذا فضلاً أن ما يروى عن الحُباب في هذه المنازعة مخالف لما عُهد عنه من الحكمة وحسن الرأي كما تبين ذلك في قبول النّبي صلى الله عليه وسلم مشورته يوم بدر وفي غزوة خيبر.

    فالتمعن الدقيق في نصوص الخلاف عامة يثير الانتباه إلى عدة مسائل منها فقدان أكثرها للسند الصحيح، واشتمالها لطروحات لم تكن معروفة في عصر الرسالة، فلم يُعرف عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان إذا أرسل رجلاً من المهاجرين قرن معه آخر من الأنصار ولا العكس، ولم يكن المسلمون في عصر النّبي صلى الله عليه وسلم إلا أخوة متوادين متعاونين يفتدي بعضهم بعضاً بأرواحهم وما يملكون، والشواهد على هذا ناصعة في عامة ما جرى من أحداث بين المسلمين والمشركين.

    وزعم الواقدي أن رجلاً من الأنصار خاطب الأنصار محذراً لهم بقوله: "وأنتم يا معشر الأنصار: إن قَدّمتم قريشاً على أنفسكم يتقدمونكم إلى يوم القيامة"([6]) وهذا النص لم أطلع عليه في كتاب معتمد، وهو نص مناقض لموقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين المبني على إيثارهم في المال، وافتدائهم في ساحات النزال، وهو مناقض لما في كتاب الله تعالى الذي قدم المهاجرين على الأنصار في كافة نصوصه، وهو نص تشم منه رائحة الدعوة إلى الفتنة، مما يجعله متناقضاً مع قيم المودة التي تربط بين المسلمين في مجتمع عصر الرسالة، وبعيداً عن أخلاقيات الحوار والشورى، التي دارت في سقيفة بني ساعدة، وكان محورها الاحتجاج بالأدلة الصحيحة التي تثبت صواب قائليها، وأنّ أيّ خروج عن تلك الأخلاقيات السليمة، والأدلة الصحيحة، لا يعود على صاحبه إلا بالعزلة وتفرق من حوله، فلم يكن بين الصحابة من يخرج عن الدليل الصحيح المستند إلى الكتاب والسنة، أو المستنبط من أحكامهما.

    فهذه هي أهم الآراء والتوجهات التي روي أنّ طائفة من الأنصار تداولوها في حوارهم مع الصدّيق والفاروق والأمين يوم السقيفة، لكي يسوغوا مطالبتهم بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فضلاً عن ضعف رواتها وغرابة طرحها عن أخلاق الصحابة الذين عرف عنهم الزهد في جانب الإمارة والمسؤولية، لما يترتب على ذلك من الخوف من الوقوع في التقصير بحق الرعية، أو الوقوع في الظلم، وما يتبع ذلك من آثام هم يفرون منها، لتنافسهم على الدرجات العلا في الآخرة، وعلى الفوز بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلقت به قلوبهم وأرواحهم، مما يؤكد غرابتها عن أريحية الأنصار رضوان الله عليهم وإيثارهم وحبهم لإخوانهم المهاجرين.

    وما سوى هذه النصوص من روايات في كتب الرافضة مثل تاريخ المسعودي (مروج الذهب) وتاريخ اليعقوبي وكتاب وقعة صفين لابن مزاحم المنقري وأمثال هؤلاء، أو عن طريق رواتهم الذين دون عنهم بعض المؤرخين المسلمين مثل الطبري وابن كثير وابن الأثير وغيرهم فكل هذه الروايات هي أبعد من أن يُنظر فيها، لمنافاتها للعقل والدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الروايات المتناثرة في كثير من كتب الأدب والشعر والقصص وفي بعض مؤلفات المعاصرين، وفي بعض الفضائيات والمسلسلات ومواقع الشبكة العنكبوتية، فهذه كلها يجب الحذر منها والتشهير بمقاصدها الخبيثة الرامية إلى تأجيج الكراهية وتسعير الفتن في بلاد المسلمين!.

    وهذه النصوص بعامتها أغفلت دور المهاجرين، وصورت الحدث من زاوية واحدة؛ هي زاوية المصلحة الذاتية فقط؛ فهم يريدون الحكم والخلافة، أو المشاركة على قدم المساواة مع المهاجرين مناصفة، أو العودة إلى أحكام الجاهلية، وهذه المقاصد المجردة من قيم الدار الآخرة غريبة على أخلاقيات الأنصار.

    وفضلاً عما سبق فإنّ هذه الحجج عارية من التأصيل الشرعي، فلا تحمل في طياتها مصالح نشر الإسلام وحمايته، ولا الجهاد في سبيل الله من أجل تبليغه، ولا تعترف بمقام أئمة الصحابة وقادتهم ومستشاري النّبي صلى الله عليه وسلم وأعوانه المقربين إليه، وما نبه إليه صلى الله عليه وسلم من وجوب حفظ مكانتهم رضوان الله عليهم وعدم التقدم عليهم، وعامة هذه النصوص لا تستند إلى أدلة علمية تنبثق من آيات الله تعالى في القرآن الكريم، أو من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يؤكد أنها لم تصدر عن الأنصار بهذه الصياغة، مما يُفقد هذه النصوص الموضوعية والثقة، ويؤدي إلى اتهامها والريبة بها وبمن يشيعها ويعمل على طباعتها ونشرها، في غير باب التحذير منها!

    أما التترس بموقف سعد بن عبادة والزعم بتبني موقفه المخالف للمهاجرين ولبعض الأنصار فهذه مظلة زائفة، ومقاصد مكشوفة، لا يتبناها إلا من هو حريص على شق صفوف المسلمين وتمزيق وحدتهم، فإن حالة سعد التي كان عليها يوم بيعة السقيفة من المرض ولزوم الفراش لم تكن لتسعفه على قول ما ينسبه إليه الرافضة والمستشرقون وتلامذتهم، وهذا أشبه بما ينسبه هؤلاء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنه جِيء به يُقاد والحبل في عنقه ليبايع خليفة المسلمين، فهذه الروايات وأمثالها تعبر عن عقليات مخترعيها الحاقدة على الصحابة وتفضح ثقافة الكراهية التي يؤجج أوارها أعداء الصحابة في منتدياتهم.

    لقد أسَفَّ الرافضة ومن أخذ عنهم حين اتهموا سعداً بأنّه كان لا يصلي بصلاة المسلمين، ولا يفيض في الحج بإفاضتهم! وكأنهم أرادوا بذلك أن يوجدوا مسوغاً لما يفعلونه هم من مفارقة المسلمين في عبادتهم وجماعتهم.

    إنّ تاريخ سعد بن عبادة الناصع بالجهاد والعطاء والولاء؛ يأبى قبول أي شيء من هذه الأباطيل، ذلك أنّه كان أحد نقباء الأنصار الذين بايعوا النّبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أن لا ينازع الأمر أهله، وهو الذي مثّل هدفاً أساسياً لمشركي قريش حين تعقبوه فاختطفوه قرب مكة، وربطوا يديه إلى عنقه وأدخلوه مكة أسيراً، حتى أنقذه منهم حليفه جبير بن مطعم بن عدي؛ الذي كان سعد يجير تجارته في المدينة، وهو ممن حظي بمقام أهل بدر ومنزلتهم لصدق نيته ورسوخ عزيمته في جهاد المشركين، وكان من بيت جود وكرم شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موقف، وكان النّبي صلى الله عليه وسلم يأخذ برأيه في مواقف فاصلة، كما حصل في غزوة الخندق عندما استشاره وسعد بن معاذ رضي الله عنهما في إعطاء بعض تمر المدينة لعيينة بن حصن الفزاري، لينقض تحالفه مع قريش، فكان رد السعدين يدل على عمق الإيمان وكمال التضحية لديهما، فمواقف سعد مشهورة ومعلومة، فهل يقبل عاقل أن يُتهم هذا الصحابي الجليل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام، بأنه كان يريد أن يبعث العصبية الجاهلية يوم السقيفة لكي يحصل على منصب سياسي لم يكن ينتظر من يتحمل أعباءه سوى السهر والنصب والتعب المتواصل؟!

    فخلاصة موقف سعد بن عبادة من خلافة الصدّيق أنه بايع أبا بكر بالخلافة في أعقاب الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة – وسيأتي مقال يُفصل بيعة سعد بن عبادة هذه لأبي بكر الصدّيق - ولم يثبت بالنقل الصحيح وجود أية أزمة سياسية أو إدارية أو اجتماعية، بين المهاجرين والأنصار بل كانت بيعة السقيفة التي تمت في دار سعد وفي سقيفته، سبباً في زيادة تعاون المهاجرين والأنصار على مواجهة المنافقين والمرتدين، ومن بعدهم المجوس والصليبيين، وأذنابهم وعبيدهم الرافضين لخلافة أبي بكر الصدّيق.

    إنّ أعداء الصحابة لا زالوا يعيشون أزمة أخلاقية وعقائدية وسياسية وإدارية، وأزمة هوية وأزمة انتماء، وهزيمة نفسية حضارية عقائدية، منذ أن تبنوا البهتان والخلاف على بيعة السقيفة، لا يخرجهم منها سوى محبة الصحابة رضوان الله عليهم والتوبة عن التدين بعداوة أحد منهم، وموالاتهم جمعياً، والبراءة من أعدائهم جميعاً.




    ([1]) الواقدي: الردة، 38، ومحمد بن عمر الواقدي متروك الحديث، قال عنه الإمام أحمد: كذاب يقلب الحديث، وقال عنه الذهبي: واستقر الإجماع على وهن الواقدي، الذهبي: ميزان الاعتدال، 3/662.

    ([2]) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 6/80.

    ([3]) الطبري: تاريخ، 3/206، ابن كثير: مسند الفاروق، 2/532، الخليفة: الإنصاف، 100.

    ([4]) تاريخ الطبري: 2/206، ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة، 2/38، الإنصاف، 100 .

    ([5]) الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة: 1/12.

    ([6]) الواقدي، الردة، ص32 .

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حوار السقيفة ومواقف الأنصار رضي الله عنهم (2)

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:32

    ثانياً: معرفة الأنصار بأحقية أبي بكر الصديق:

    سبق أن ذكرنا في الحلقة الماضية نصوصاً وآراء دعا فيها بعض الأنصار إلى أن تكون الخلافة في فيهم، لكن كان هناك فريقاً آخر منهم، كان يرى أنّ الخلافة في المهاجرين، وأنّ هذا الأمر في قريش، وأنّ الدعوة لبيعة سعد بن عبادة رضي الله عنه لا تمثل رأي الأنصار، وإنما هي رأي طارئ وموقف عارض، مما يوحي بأنّ هناك آخرين لديهم تصوراً عن هذه المسألة، وأنّهم لم يكونوا بعيدين عن فهم المقاصد والإشارات القرآنية، والأحاديث النبوية، التي تشير إلى مسألة الخلافة، ومواصفات القائمين على شؤونها، اتضح ذلك فيما قاله بشير بن سعد الحارثي الخزرجي، الذي ذكر فضائل الأنصار وعظيم ما قدموه من جهاد وتضحيات، وأنهم لا يبتغون من ذلك سوى رضاء الله تعالى، وطاعة النّبي صلى الله عليه وسلم، وأكد تلاحم الأنصار والمهاجرين وقوة أخوتهم، وأنّه لو كانت مطالبة بعض الأنصار بالموافقة على ترشيح سعد بن عبادة حقاً، لما عارضهم إخوانهم المهاجرون، وقال بشير رضي الله عنه: "ألا إنّ محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أولى به، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتقوا الله ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم"([1])، وأضاف منبهاً الأنصار المطالبين بالخلافة، بقوله: "لو كان ما تدعون حقاً لم أعرض عليكم فيه، فإن قلتم: بأنا آوينا ونصرنا، فما أعطاهم الله خير مما أعطيتم([2]) فلا تكونوا كالذين ]بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار[".

    وأكد ذلك أُسيد بن حُضير الأشهلي رضي الله عنه فقال: "إن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن قدموه قدموه، ومن أخروه فأخروه"([3]) وتابعهم عويم بن ساعدة العمري الأوسي مخاطباً الأنصار رضي الله عنهم قائلاً: "إنّ الخلافة لا تكون إلا لأهل النبوة، فاجعلوها حيث جعلها الله عز وجل"([4]) وقال معن بن عدي الأنصاري منكراً على الأنصار رضي الله عنهم الذين دعوا إلى أن تكون الخلافة فيهم: "والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صلّى بنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فعلمنا أنّه قد رضيه لنا، لأنّ الصلاة عماد الدين"([5]) وحسم زيد بن ثابت النجاري الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه موقف الأنصار في السقيفة، فقال رضي الله عنه: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وإنما الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصارهم، كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه وقال: هذا صاحبكم، فبايعه عمر، ثم بايعه المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم"([6]).

    وهذه النصوص التي أدلى بها علماء من الأنصار وسادة قبائلهم، فيها الضعيف كما هو ظاهر من محتواه ومن رواته، وفيها ما هو متوافق مع فهم الأنصار لدورهم الريادي في حماية الدين وحراسة العقيدة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم لتبقى كما هي، وليستمر دورهم على ما كان عليه في زمنه صلى الله عليه وسلم من النصرة والحماية، والحرص على توثيق روابط الأخوة والوحدة بين المسلمين، وفاء لبيعة العقبة الأولى والثانية التي بايعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصرة، وعلى السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، وأن لهم الجنّة إن وفوا بتلك الشروط، فلم يعدهم صلى الله عليه وسلم بإمارة ولا وزارة ولا بشيء من الدنيا، ولقد كانت وحدة وأخوّة الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم تمثل السند المتين في ساعات المحن والشدة.

    كما تبين هذه النصوص إدراكهم رضي الله عنهم لمفهوم حديث: "الأئمة من قريش" فيما طرحوه من آراء ومقترحات، وما قدموه من أفكار، وفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم صاحبه الصدّيق إماما للمسلمين وخليفة له صلى الله عليه وسلم وبشكل ملزم لكل مسلم، اتضح ذلك في ما رواه مسلم في صحيحه من قوله صلى الله عليه وسلم: "فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى! ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".

    فيتبين لنا أن مسألة إمامة أبي بكر رضي الله عنهم وتقديمه مسألة محسومة عند أكثر الأنصار رضي الله عنهم وأنها غير قابلة للحوار ولا للنزاع، وأن من رشح سعد بن عبادة رضي الله عنه كان في غفلة أو ناسياً للنصوص المتعلقة بإمة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدّيق رضي الله عنه!

    ثالثاً: ما احتج به المهاجرون رضي الله عنهم في أمر الخلافة

    لا يوجد أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهل مكانة الصدّيق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربه منه وانفراده مع النّبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف الفاصلة، مثل يوم الهجرة، وفي العريش يوم بدر، ويوم صلح الحديبية، وغير ذلك من أمور السياسة والتعامل مع القبائل الموالية والمعادية للإسلام، وشؤون الدعوة، واستقبال الوفود والتحاور معهم وما إلى ذلك، وفي كل تلك الشؤون كان أبو بكر الصديق هو الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يرون ذلك ويعلمونه، إلا أنّ الذي أصاب المسلمين بوفاة النّبي صلى الله عليه وسلم كان امتحاناً عسيراً، لم يثبت أمام هوله إلا أولو العزم منهم، وكان أصعب ما في ذلك الامتحان هو إقرار وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم وإعلانها على الملأ لكي يعود الناس إلى رشدهم، ومن ثم القيام بواجباتهم تجاه دعوتهم ودولتهم الناشئة، فكان العبء الأكبر في كل ذلك يقع على أبي بكر الصدّيق، وكان حاله أشبه برجل ركب مع قوم في سيارة فأصابهم حادث أليم، أغمي فيه على من كان فيها، وبقي هو في تمام الوعي، فكان الواجب يملي عليه أن يوقظ المُغمى عليهم، ليساعدوه في علاج المصابين، ومن ثم مواصلة السفر إلى ذات الهدف، وعلى ذات الطريق، وإتمام الرحلة بنجاح، وهذا مافعله أبو بكر الصدّيق حين أعلن عن وفاته صلى الله عليه وسلم بجرأة متناهية وثبات عظيم، وذكّر المسلمين بأنّ الله حي لا يموت، وأنّ عليهم القيام بمهامهم دون أي تردد.

    وبعد أن استوعب المسلمون المصيبة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع نفر من الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، وذهب لهم الصديق وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم، وجرى هناك الحوار المعروف، ومما طرح هناك مقترح الحُباب بن المنذر وكان يقال له ذو الرأي: "منا أمير ومنكم أمير"، لكن رأيه لم يكن هو الصواب، فحين علم الأدلة على تقديم أبي بكر الصديق وذكر بحديث "الأئمة من قريش" سكت واتبع الدليل وترك الرأي، ولم يؤثر عنه موقف مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك.

    لقد رد الصديق على اقتراح الحباب بقوله: "وإنّه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، فإنّه مهما يكن ذلك، يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق جماعتهم، ويتنازعوا فيما بينهم، وهنالك تترك السنة، وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح"([7]) وَقَال أيضاً:" بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الإِسْلاَمِ فَأَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلاَمًا وَنَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَأَقَارِبُهُ"([8]).

    ثم استدل أبو بكر رضي الله عنه بأدلة أخرى من الكتاب والسنّة، وبين بأنّ الله تعالى قدّم المهاجرين على الأنصار فيما ذكرهم فيه من القرآن الكريم، وأنهم أول من عبدَ الله وآمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وامتناع قومهم عليهم وإيذائهم لهم. وقال لإخوانه الأنصار: "سماكم الله تعالى: (المفلحين) وسمانا (الصادقين) كما في سورة الحشر (الآية 8، والآية،9) ثم أمركم عزّ وجل بأن تكونوا معنا، فقال: (يأيها الذين آمنوا اتقوا لله وكونوا مع الصادقين) (التوبة، الآية، 119) وذكرهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش".

    وكان أبو بكر رضي الله عنه يدلي بأدلته هذه مقرونة بالثناء على الأنصار والاعتراف بفضلهم في الإسلام، فقال: "يا معشر الأنصار إننا لا ننكر حقكم ولا ينكر حقكم مؤمن، وإنا والله ما أصبنا خيرا إلا شاركتمونا فيه"([9]) وأبدى لهم عن مشاعر إخوانهم المهاجرين تجاههم ومكانة الأنصار عندهم، فقال: "فأنتم أحبّ النّاس إلينا وأكرمهم علينا، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، وأنتم أنصار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في الدين"([10]).

    وأكد رضي الله عنه على مكانة المهاجرين وسابقتهم وسرعة إجابتهم لداعي الإيمان، وقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم أوسط العرب نسباً وأنه: "ليس من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة نسب، وأن العرب لا تقر إلى على رجل من قريش لأنهم أفصح الناس ألسنة, وأوسط العرب داراً، وأكثر الناس سجية في العرب"([11]) وهذا يصدقه الواقع الذي قام في الدولة الإسلامية، فكم حصل فيها من التنازع والتخاصم على أمر الخلافة؛ فلم يقم أحد من غير قريش يدعو لنفسه بالخلافة، وإنما يحصل الخلاف بين رجال من قريش، فتنقسم قبائل العرب إلى أقسام كل منها يدعو ويعمل لنصرة من يراه هو الأولى بالخلافة من رجال قريش، فيقاتل ويَقتل ويُقتل من أجل ذلك، وهذا ما حصل لمن وقف مع علي أو مع معاوية وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك، وغير هؤلاء مما يوضح ثقل قريش وأثرها الفاعل آنذاك، ويصور الواقع الذي كانت عليه الأمة كما هو في تشخيص الصدّيق الدقيق وقوله الفاصل: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء" الذي قبله له الجميع ورضي به الأنصار وسلموا له.

    وما يجتره أعداء الصحابة حول حوار السقيفة، يؤكد أنّهم لا زالوا يبنون على الباطل، وينظرون إلى بيعة السقيفة المباركة من منظار أمانيهم الحاقدة، ومفترياتهم الفاسدة، فيقتطعون بعض النصوص، ويبترون أخرى، ويحرفون مقاصد الحوار بما يؤكد لكل عاقل أنّ أعداء الصحابة ينظرون إلى النجاح الذي حققه الصحابة يوم السقيفة بأنه من الأخطار التي تحدق بهم وتفسد عليهم مخططاتهم الرامية إلى تغذية موارد الفتن، وضمان استمرار ثقافة الشك والريبة بجيل القدوة، حماة التوحيد، وبناة وحدة الأمة، ومن هنا فهم لن يقلعوا عن الطعن في ولاء الأنصار وانتقاص تضحياتهم.

    وعلى القارئ أن يحذر من دسائس أعداء الصحابة فيما يتناقلونه ويبثونه في كتبهم وإعلامهم وفضائياتهم عما حصل بين الصحابة من حوار وتشاور، واقتطاعهم لمواطن الخلاف والنزاع، التي تأتي في طيات الحوار، ثم تُحل بالاتفاق أو التجاوز، ويُنتهى منها وكأنها لم تكن، لكن أعداء الصحابة يطمسون مواطن اللقاء والاتفاق والأخوة والتراحم والتجاوز بين الصحابة، ويوظفون ما يبدر من البعض منهم في سياق الحوار، وكأنهم لا يريدون من الصحابة أن يتحاوروا ولا أن يتشاوروا، وإذا حصل بينهم مثل ذلك فإنّ أعداء الصحابة ببغيهم يُبدلون كل محاسنه إلى قبائح فينشرونها ويعلمونها لأتباعهم، حتى لا يعلموا عن الصحابة الذين هم خير الناس بعد الأنبياء، إلا كل ما هو قبيح وخلاف وتنازع وشر، وهذا يفرض على كل مسلم إذا وجد رأياً للرافضة في الصحابة أن يضرب به عرض الحائط ويلقي به في سلة الإهمال، ولا ينظر إليه إلا على أنّه رأي عدو حاقد ماكر فاقد للإنصاف والموضوعيه، يجعل الخير شراً والأخوّة عداوة.

    أما محاولة الرافضة التشغيب بتنازل الصديق عن الخلافة مع معرفته بأنه الأحق بها بقوله: "فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة"، فالجواب أنه استحيى تزكية نفسه، ويكفي أبا بكر رضي الله عنه كونه من حدد الاختيار بين عمر وأبا عبيدة فلم ينكر عليه أحد، وإنما أراد الصدّيق بذوقه الرفيع وأدبه الجم أن يحسم الحوار وينهيه ليباشر المسلمون البيعة ثم ينصرفوا بعدها إلى مهامهم وواجباتهم الكبرى، وهذا ما تحقق وتم فعله، وهذا هو الذي جعل أعداء الصحابة يسبحون في الإفك والبهتان على يوم السقيفة وإمامها المبجل خليفة النّبي كَانَ يُقَال لَهُ ذُو الرَّأْي لكن رأيه يوم السقيفة المتمثل في قوله: (مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير) لم يكن هو الصواب، فرُدّ عليه بالحجة والدليل، وحين علم الأدلة في تقديم أبي بكر رضي الله عنه وحديث "الأئمة من قريش "سكت واتبع الدليل وترك الرأي، ولم يؤثر عنه موقف مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك.

    ومما قاله عمر رضي الله عنه يوم السقيفة: "يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر"([12]).

    وحين تبينت أحقية البيعة لأبي بكر بايعه الحاضرون ومنهم البشير بن سعد وأسيد بن حضير، ومعلوم أن البشير بن سعد خزرجي وأسيد بن حضير أوسي رضي الله عنهما، وهذا يبطل ما يزعمه الرافضة من انقسام بين الأوس والخزرج ويبطل إفكهم حول الخلاف بين الأنصار على أسس من القبلية، ويـتأكد في هذا أن أعداء الصحابة هم الذين يصنعون عامة ما في التاريخ الإسلامي من أزمات سياسية وتكتلات قبلية، أو يضخمونها وينفخون فيها روح الأحقاد والكراهية، ولاسيما في العصر الراشدي، وذلك طعناً بأبهى مرحلة عاشتها أمة المسلمين من التعاون والتآخي والتناصر، والانقياد لتعاليم الكتاب والسنة.



    ولا يزال منهج الرافضة يقوم على التلبيس والتشكيك بمواقف الصحابة ومن ذلك ما فعله الرافضي رضا مظفر في كتابه "السقيفة" المطبوع في قُم، حيث جعل إنكار عمر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله أن من يقول ذلك منافق، اتهام من عمر للصحابة بالنفاق، وهذا خلط عجيب فهذا الموقف صدر من عمر وهو في حالة الذهول، كما أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بينت لنا أن بعض المنافقين كان حاضراً في المسجد حين صدر ذلك من عمر، فقالت: "وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا" أَيْ إِنَّ فِي بَعْض من سمع خطبة الفاروق مُنَافِقِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمْ عُمَر فِي قَوْله الْمُتَقَدِّم([13]).



    فالنّبي صلى الله عليه وسلم منذ أن أمر صاحبه الصدّيق رضي الله عنه أنّ يصلي في النّاس في أيام مرضه الأخيرة، علم المسلمون مضمون هذه الرسالة وأيقنوا بها من خلال مشاهدتهم لشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على أنّه لا يؤم المسلمين غيره، وأنّه لا شرعية لأحد يتقدم عليه، فكان الحوار لتوضيح مسألة خلافة أبي بكر الصديق لمن لا علم له بما يؤيدها من نصوص وإشارات قرآنية ونبوية.

    فلما أبصر الأنصار المحاورون في مسالة الخلافة وجه الحق والصواب، لحقوا بالطاعة وأعطوا المقادة، بعد أن تذكر من كان ناسياً، وعلم من كان جاهلاً، ولا سيما بعد أن دعم المهاجرون حججهم بنصوص من الكتاب والسنة، فلا يستطيع أحد أن يقول إنّ أحداً منهم رد على أبي بكر!

    وغني عن القول أنّه لم يشارك في الحوار يوم السقيفة سوى ثلاثة من المهاجرين، وهذا يؤكد أنّه لا معنى لأي قول يفسر ما حدث بغير الحوار والتشاور، أما من يصور حوار السقيفة على أنه نزاع، فإنه مفترٍ على الحقيقة، سالك لطريق الباطل، منتصر للنفاق والردة، لا يستطيع أن يذكر مشاركة أحد من المهاجرين في الحوار، غير الصدّيق والفاروق والأمين رضي الله عنهم وربما لحق بهم بعد ذلك بعض المهاجرين لينالوا شرف سبق البيعة، والاستجابة لما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقديم صاحبه أبي بكر الصدّيق والتعاون معه وطاعته ومؤازرته، وهذا هو الذي حصل في بيعة السقيفة التي تجلت فيها أخلاق الشورى وقيم الحوار، بأسمى صورها وأجمل معانيها.




    ([1]) بدران، تهذيب تاريخ دمشق: 3/265، ابن أعثم، الفتوح: 1/4؛ ابن الأثير، الكامل، 2/224.

    ([2]) السيوطي: تاريخ خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 60.

    ([3]) الواقدي، الردة، ص 33؛ ابن أعثم، الفتوح: 1/3 .

    ([4]) الواقدي، الردة، ص 33؛ ابن أعثم، الفتوح: 1/3 .

    ([5]) ابن عبد البر، الاستيعاب: 4/1441. ابن أعثم، الفتوح 3/4.

    ([6]) ابن أبي شيبة، المصنف: 4/561، ابن عساكر، تاريخ دمشق:30/ 288. السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص67 .

    ([7]) سنن النسائي الكبرى: ح (16327). سنن البيهقي الكبرى: ح (16991).

    ([8]) سنن البيهقي الكبرى: ح (12273).

    ([9]) ابن أبي شيبة، المصنف: 8/573 .

    ([10]) ابن أبي شيبة، المصنف: 8/573 .

    ([11]) الصنعاني، المصنف: 5/440؛ ابن أبي شيبة، المصنف: 8/537 .

    ([12]) سنن النسائي: ح (776) وذكر ابن حجر أنه حديث حسن قال: وأصله عند أحمد بسند جيد، وحسنه الترمذي وابن حبان في صحيحه، ينظر فتح الباري: شرح الحديث (6328) ابن عبد البر: التمهيد، 22/128،

    ([13]) فتح الباري: 10/473، شرح الحديث، (3394).


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الأئمة من قريش

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:34

    لما كان حديث "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ"([1]) أو "إنّ هذا الأمر في قريش"([2])، له أثر واضح في الاستدلال على أولوية قريش في خلافة النّبي صلى الله عليه وسلم، فمن المناسب النظر في نصوصه ومعانيه والوقوف عنده وقفة تبين مقاصده وآراء أعلام الفقهاء والمحدثين حوله، وموقف الأنصار منه، وتزيل عنه الإبهام والتشويش الذي لحق به من بعض من قصر علمهم من المفكرين والكتاب المعاصرين، الذين أنكروا أن يكون هذا حديثاً نبوياً، معتمدين في ذلك على كتب التاريخ وعلى استنتاجاتهم المبنية على اجتهاداتهم الخاصة، التي تثبت وتنفي ما تراه، بعيداً عن قواعد الإثبات والنفي، عند أهل الجرح والتعديل.

    قَالَ اِبْن التِّين: إِنَّمَا قَال بعض الأَنْصَار رضي الله عنهم: "مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير" عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنْ عَادَة الْعَرَب أَنْ لا يَتَأَمَّر عَلَى الْقَبِيلَة إِلا مَنْ يَكُون مِنْهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حَدِيث "الأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش" رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَذْعَنُوا. قال ابن حجر: وحَدِيث "الأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش" ذكرنا مَنْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظ فِي كِتَاب الأَحْكَام، وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِلا بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقه عن نَحْو "أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا "لَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ بَعْض فُضَلاء الْعصر ذَكَر أَنَّهُ لَم يُرو إِلا عن أَبِي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وَاسْتَدَلَّ بِهِ الدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَة الْخلِيفَة سُنَّة مُؤَكَّدَة، وتُعُقِّبَ بِالاتِّفَاقِ عَلَى فَرضيَّتها وبِأنّهم تَركوا لأجل إِقَامَتهَا أَعْظَم الْمُهِمَّات وهو التَّشاغُل بِدَفْنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى فَرغوا منها، والمدَّة الْمذكُورة زمن يسِير في بعض يوم يغْتَفَر مثْله لاجتماعِ الْكَلمة، وَاسْتَنَدَ من قَال إِنَّه نَصَّ علَى خِلافَة أَبِي بَكْر بِأُصُولِ كُلِّيَّة وقَرَائِن حاليَّة، تَقْتَضِي أنَّه الأحقّ بِالإمامة والأولَى بِالخلافَة([3]).

    وأولوية قريش بالخلافة ثابتة بنصوص صريحة صحيحة، لكن اللافت للنظر أنّ هذا الحديث الصريح أصبح عرضة لحملات من التشكيك والتأويل والتحريف، فزعم البعض أنه شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من أخوانهم الأنصار، وقال آخرون: إن هذا النص إنما هو (رأي لأبي بكر الصدّيق وليس حديثاً رواه عن رسول الله) وإنما كان (فكراً سياسياً قرشياً، كان شائعاً في ذلك العصر، يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين) وأن عبارات (الأئمة من قريش) و(الناس تبع لقريش) ما هي إلا من ذلك الفكر([4]).

    وكل هذا يؤكد أهمية عرض نصوصه، وبيان الشروط التي قيدته، ثم ذكر من قال بإجماع الأمة على صحته والعمل به، والإشارة إلى بعض المشككين بصحته أو النافين له.

    1- نصوص هذا الحديث وردت في الصحيحين وكتب الحديث الأخرى، بألفاظ متعددة، وأسانيد مختلفة: ففي البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين"([5]) وفي رواية: "لا يزال الإسلام عزيزاً بخلفاء كلهم من قريش"([6]) وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ وَلَكُمْ عَلَيْهِمْ حَقًّا مِثْلَ ذَلِكَ، مَا إِنْ اسْتُرْحِمُوا فَرَحِمُوا، وَإِنْ عَاهَدُوا وَفَوْا، وَإِنْ حَكَمُوا عَدَلُوا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"([7]).

    وعن عليّ رضي الله عنه قَالَ: " الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ نَزَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَم مِنْ عُنُقِهِ"([8]) وقال صلى الله عليه وسلم: "النّاس تبع لقريش في هذا الشأن؛ مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم"([9]) وعن جابر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "النّاس تبع لقريش في الخير والشر"([10]) وعن علي رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، ولكل حق، فآتوا كل ذي حق حقه، وإن أمّرت عليكم عبدا حبشياً مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا، مالم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خُير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه، فإنّه لا دنيا له ولا آخرة بعد إسلامه"([11]).

    وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ هذا الأمر في قريش"([12]) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: "إنّ هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته"([13]) وقال صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريش ولا تَقَدَّمُوها"([14]) والأحاديث النبوية التي تبين أن أمر الخلافة في قريش مستفيضة، أورد ابن حجر أحاديث كثيرة منها تحت باب "الأمراء من قريش" وقد رويت بألفاظ متعددة، إلا أنها متقاربة تؤكد جميعها أن أمر الخلافة في قريش، وما سوى ذلك من الولايات يتساوى فيه جميع المسلمين.

    2- القيود التي حددت الإمارة في قريش، فإنّها حذّرت من الانقياد الأعمى لهم، وأنّ هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين، ومن القيود الأخرى على صحة الإمامة في قريش، ما جاء في حديث أنس رضي الله عنه: "ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم، فعلية لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين" فالأحاديث تُحذر من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله، قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون) (المائدة 44)، ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش"([15]) وعندما سُئل صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا؟ قال: "لو أنّ النّاس اعتزلوهم"([16]) ومن هذه النّصوص تتضح الصورة كاملة لمسألة (الأئمة من قريش) وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم "على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان"([17]) وتقدُّم قريش أمر انعقد عليه إجماع المسلمين.

    3- من قال بالإجماع على حديث: "الأئمة من قريش":

    قال النووي: وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرّض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم بالأحايث الصحيحة، قال القاضي عياض: اشتراط كونه قرشياً، هو مذهب العلماء كافة، قال واحتج به أبو بكر وعمر على الأنصار رضي الله عنهم أجمعين يوم السقيفة فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع ولم يُنقل عن السلف فيها قول يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار([18]).

    وقال ابن حزم تعليقاً على حديث "الأئمة من قريش": وهذه الرواية جاءت مجيء التواتر؛ رواها أنس وجابر، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية وابن عمر رضي الله عنهم وتعدد طرقها يعطيها قوة الرواية المتواترة، وقال ابن حجر: قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابياً كما سبق، وقال الباقلاني: (ويجب أن يعلم أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط منها: (أن يكون قرشياً) وهذا عمل به المسلمون قرنا بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الخلاف بين المسلمين([19]) وبعد أن تبين عمل الأنصار والمهاجرين بهذا الحديث ومن بعدهم عامة الصحابة والتابعين، فإن الأئمة الأربعة قالوا به أيضاً.

    روي ذلك عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت([20]) وقال الإمام مالك بن أنس: (ولا يكون الإمام إلا قرشياً، وغيره لا حكم له إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي)([21]) وروي ذلك عن محمد بن إدريس الشافعي([22]) وقال أحمد بن حنبل: والخليفة يجب أن: (يعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ويحبهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حبهم إيمان وبغضهم نفاق" ولا يقول بقول الشعوبية، وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل، فإن لهم بدعاً ونفاقاً وخلافاً)([23]) وقال: (الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ولا نقر لغيرهم إلى قيام الساعة) وقال ابن حزم: (لا يستحق الخلافة إلا قرشي)([24]) وممن قال بذلك من أعلام المسلمين الإيجي والماوردي وأبو حامد الغزالي وابن خلدون([25]).

    ومن المعاصرين محمد رشيد رضا، قال: أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والعقل، رواه ثقات المحدثين واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لقريش ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون)([26]) فاشتراط النسب القرشي ثابت بالشرع عن طريقين: السنّة والإجماع([27]).

    وممن يرى الإمامة في قريش من غير أهل السنة والجماعة، الإثنا عشرية، إلا أنهم خالفوا المسلمين فزعموا أنها لا تكون إلا في علي وأولاده رضي الله عنهم وأنها تسلسلت من أمير المؤمنين علي إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى أبنائهم ثم إلى محمد بن الحسن العسكري المنتظر)([28]) وواضح أنّ هذا في بنيات خيالهم فقط، إذ أن هؤلاء الإثنى عشر لم يستلم الخلافة منهم إلا علي والحسن رضي الله عنهما ولم تجتمع عليهم الأمة، وأسماء أئمة المسلمين وخلفائهم معلومة لدى الصغير والكبير ولدى المسلمين والكافرين وليس للمسلمين أئمة سوى الراشدين وعلى الترتيب الذي جعلهم به المهاجرون والأنصار، ثم من تبعهم بإحسان من الخلفاء اللاحقين، ممن اجتمعت عليهم الأمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلهم من قريش" وقال صلى الله عليه وسلم: "كلّهم تجتمع عليهم الأمّة"([29]) ولو كانوا مختصين بعليّ وأولاده رضي الله عنه لذكر ما يميزون به، فلو امتازوا بكونهم من بني هاشم فقط لذكروا بذلك، لكنه جعلهم من قريش مطلقًا لا يختصون بقبيلة منها، فكانوا من تيم وعدي وعبد شمس وهاشم([30]) وحين قال صلى الله عليه وسلم "لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش" فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: "ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج"([31]) قال ابن حجر: فهؤلاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وثمانية من بني أميَّة([32]).

    ويرجح هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "كلّهم تجتمع عليهم الأمّة" والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته والذي اجتمعت عليه الأمة هم: الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم ثم علي رضي الله عنه ثم اجتمعوا على معاوية رضي الله عنه ثم اجتمعوا على يزيد، ولما مات يزيد اختلفوا إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بعد قتل ابن الزبير رضي الله عنه ثم على أولاد عبد الملك الأربعة: الوليد فسليمان فيزيد فهشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمعوا عليه بعد عمّه هشام، فولي نحو أربع سنين، ثم قتل فانتشرت الفتن بعد ذلك وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن اجتمع الناس على خليفة بعد ذلك.

    فخلفاء بني أمية تولوا على جميع أرض الإسلام، وكانت الدولة في زمنهم عربية وعلى الكتاب والسنة، وكان الخليفة يدعى باسمه، عبد الملك والوليد وسليمان لا يعرفون الألقاب التي اتخذها الآخرون من بعدهم، وكان أحدهم هو الذي يصلي إماما بالصلوات الخمس، وفي المسجد يعقد الرايات ويؤمر الأمراء، ويسكن داره لا يسكن الحصون، ولا يحتجبون عن الرعية، فكانوا في صدر الإسلام وفي القرون المفضلة.

    وممن يرى تقديم قريش: الراوندية وهم أتباع أبي هريرة الراوندي من فرقة الكيسانية إلا أنهم يعتقدون أنها لا تصح إلا في ولد العباس بن عبد المطلب ثم أولاد أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني([33]).

    وأتباع زيد بن علي كان من مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وهم يرون أن الخلافة في علي ثم ولده من فاطمة رضي الله عنها سواء كان حسنياً أو حسينياً([34]) وهناك بعض الفرق الغالية التي تتعلق بآل البيت ترى أن الخلافة لا تتجاوز واحداً منهم وعامتهم يحصرونها في ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا سيما من أبناء فاطمة رضي الله عنها([35]).

    وهناك من يرى عدم اشتراط القرشية في الخلافة: أول هؤلاء الخوارج وهم كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أو من جاء بعدهم([36]) ويأتي في مقدمتهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه والخوارج أجازوا أن تكون الإمامة في قريش وأجازوا أن لا يكون في العالم إمام أصلاً، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً([37]) وبعض المعتزلة يجيزون الإمامة في غير قريش إلا أنهم لا يجيزون تقديم النبطي على القرشي أما جمهور المعتزلة فيشترط النسب القرشي.

    وممن قال بعدم اشتراط القرشية من الكتاب المعاصرين: العقاد في الديمقراطية في الإسلام([38]) والخربوطلي في الإسلام والخلافة([39]) وصلاح الدين دبوس في الخليفة توليته وعزله([40]) ومحمد عمارة في المعتزلة وأصول الحكم، وإبراهيم بيضون في "الأنصار والرسول صلى الله عليه وسلم" وفيه يقول: وما لبث المهاجرون أن سيطروا على الموقف في ظل شعارهم الأئمة من قريش.. وانفض جمع الأنصار([41]) وقال عمارة روى الطبري وغيره خبر السقيفة بطرق متعددة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروي "الأئمة من قريش" فهو رأي لأبي بكر رضي الله عنه وليس حديثاً رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!([42]) وواضح أن هؤلاء لم يستقصوا البحث حول هذه المسألة فأصدروا الأحكام جزافاً، فخالفوا بذلك النصوص الصحيحة والوقائع التي عاشتها الأمة في أجيالها السالفة.

    ولعل الجهل بهذا الحديث الذي تبينت طرقه ورواته وتعددت نصوصه ومصادره، يبين عمق الصلة بين التاريخ الإسلامي والحديث النبوي الشريف، فلو اعتمد الكاتب على كتب الحديث لما جعل من تارخ الطبري مصدراً للحكم على إثبات الحديث أو نفيه، وعلى هذا يتضح بطلان وضعف هذا الرأي الذي لا يستند إلى دليل نقلي ولا إلى شاهد عقلي، والنقل الصحيح أثبت هذا الحديث، وواقع الأمة التي قدمت قريشاً يؤكد عملها به ومن ثم لا حجة بأقوال الشواذ عن إجماع الأمة من الخوارج والروافض، أو ممن ينكر النص الصحيح ويقول بهواه، أو ممن لا يمتلك شيئاً عن علوم الحديث وقواعده العلمية الدقيقة، فيصدر الأحكام بلا زمام ولا خطام! أو تأكيداً لأهواء مسبقة أو لجهل متراكم في فقه تاريخ الأمة.

    ومما سبق يتضح أن للأنصار تصوراً تاماً عن مسألة الخلافة وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث "الأئمة من قريش" كان يرويه كثير منهم، وأن الذين تحدثوا يوم السقيفة لم يكن لديهم علم به، فلما علموا به، ورواه لهم أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه سكتوا عما كانوا يطالبون به([43]) ولهذا لم يراجع الصديق رضي الله عنه أحد من الأنصار رضي الله عنهم عندما استشهد به، فأمر الخلافة تم بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة، أنه دعا لنفسه بالخلافة، مما يؤكد اقتناع الأنصار رضي الله عنه وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج الحوار والشورى.

    فلم يعد مقبولاً أن تُجهل كل هذه الحقائق أو تُتجاهل، وينكر وجود الأحاديث الصحيحة سنداً ومتناً، أو يزعم أنها شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار رضي الله عنهم فيغمز برابطة الأخوة بينهم ويُطعن في وحدة الأمة، وتقدم المسوغات الزائفة، لهدم الأساس الذي بنيت عليه وحدتها، في دعوات مغرضة تشوبها السمات الشعوبية التي يعميها حقدها على العرب خاصة وعلى المسلمين عامة عن كل حق وحقيقة.

    قال الإمام أحمد بن حنبل: إن على الخليفة أن "يعرف للعرب حقهم وفضلهم وسابقتهم، ويحبهم، ولا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي، الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون لهم بفضل"([44]) فنسبة نصوص الحديث الصحيحة هذه إلى أبي بكر رضي الله عنه أو القول بأنها شعار لقريش نسبة باطلة وفرية باردة، وأقوال مردودة، تفتقد المصداقية العلمية، وتخالف واقع الحياة الذي كان عليه المسلمون في العصر الراشدي وصدر الإسلام، ذلك العصر الذي قام على جهود المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أبناء أمتهم.

    فبيعة السقيفة تمت على علم وهدي نبوي صحيح قائم على معاني قوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) وعلى إجماع المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، الذي مثل الأساس الذي انطلقت منه الأمة انطلاقتها الكبرى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الفتوح والدعوة والبناء.


    ([1]) مسند أحمد (12433) قال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح بطرقه وشواهده.

    ([2]) مصنف ابن أبي شيبة، 5/544 .

    ([3]) ابن حجر: فتح الباري، 10/ 472.

    ([4]) ينظر عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم، 393، الإنصاف، 108.

    ([5]) البخاري (6606)، مسلم (6627).

    ([6]) البخاري (6682).

    ([7]) مسند أحمد: (12433) قال شعيب الأرنؤوط: صحيح بطرقه وشواهده، مصنف ابن أبي شيبة (33055).

    ([8]) مصنف ابن أبي شيبة (38310).

    ([9]) مسلم (3390).

    ([10]) مسلم (3391).

    ([11]) المستدرك (6962) سكت عنه الذهبي في التلخيص، المعجم الأوسط، (3521).

    ([12]) مصنف ابن أبي شيبة 5/445.

    ([13]) مسند أحمد (16452).

    ([14]) ابن أبي عاصم: السنة، 2/673.

    ([15]) مسند أحمد (7961).

    ([16]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، (6626).

    ([17]) المصدر السابق.

    ([18]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200، ابن حجر: فتح الباري: شرح الحديث، (7140).

    ([19]) فتح الباري: شرح الحديث، (7140) الباقلاني، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، 69، الدميجي: الإمامة العظمى، 275.

    ([20]) ينظر البغدادي: أصول الدين، 275.

    ([21]) ابن العربي: أحكام القرآن، 4/1721.

    ([22]) الشافعي: كتاب الأم، 1/143.

    ([23]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 1/30. ابن حنبل: العقيدة رواية أبي بكر الخلال، تحقيق: عبد العزيز عز الدين السيروان، ص 81.

    ([24]) ابن حزم: الفصل، 4/109.

    ([25]) ينظر: الإنصاف فيما وقع في العصر الراشدي من الخلاف، 112.

    ([26]) رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، 19.

    ([27]) ينظر محمد أبو فارس، النظام السياسي في الإسلام، 193.

    ([28]) الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، 95.

    ([29]) سنن أبي داود: 4/472.

    ([30]) ينظر: آل رسول الله r وأولياؤه،70- 72.

    ([31]) ينظر ابن حجر: فتح الباري، 13/211 .

    ([32]) ينظر ابن حجر: فتح الباري، 13/214 .

    ([33]) الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/96.

    ([34]) الملل والنحل، 10/ 112.

    ([35]) الشهرستاني: الملل والنحل، 10/127.

    ([36]) المصدر السابق، 1/84. الإنصاف: 113.

    ([37]) الملل والنحل: 1/64.

    ([38]) العقاد: الديمقراطية في الإسلام، 69.

    ([39]) الإسلام والخلافة: 8.

    ([40]) الخليفة توليته وعزله: 270.

    ([41]) الأنصار والرسول ج: 58، الحجاز والدولة الإسلامية، 10.

    ([42]) المعتزلة وأصول الحكم: 176.

    ([43]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200، رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، 19.

    ([44]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 1/30

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:35

    الحقيقة التي لا مرية فيها أنّ أعداء الصحابة من الرافضة ومن بعدهم الكثير من المستشرقين عملوا ولا زالوا يعملون بجَلَد ظاهر وحقد متوارث على تشويه كل صورة مشرقة تسهم في تقوية بناء الأمة، ومن ذلك سطوهم على الروايات التاريخية التي تتناول أهم المفاصل في مسيرة الأمة، ووضع الشبهات المدعمة بأفتك بذور الفتنة، وأقذر وسائل التحريض على الكراهية ونزع الثقة بين أبناء الأمة الواحدة.

    والناظر في الروايات التي تناولت بيعة علي رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد مصداق ذلك، فالروايات التي أرَّختْ لبيعة علي رضي الله عنه في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة حوالي خمس عشرة رواية، ثلاث عشرة منها ما بين الموضوعة والمنكرة والمجهولة الرواة، وعامتها في كتب التاريخ والأدب وما شابه، وخمسة منها بلا أسانيد وكأنما صُنعت للفتنة فقط! وثمانية أخرى بأسانيد تالفة لما فيها من الانقطاع ورواة المناكير أو الرواة المجاهيل، مع الاتفاق على فساد المتون في تلك الروايات الثلاث عشرة.

    ومعلوم أنّ أبطال تلك الروايات من أعداء الصحابة الذين يرفضون خلافة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وفي مقدمتها روايات الإخباري التالف الرافضي أبي ِمخنَفْ لوط بن يحيى المتوفى 157 هـ، صاحب أخبار الرافضة في تاريخ الطبري، واليعقوبي الرافضي المتوفى 212 هـ، في تاريخ اليعقوبي، والمسعودي الرافضي المعتزلي المتوفى عام 346 هـ، الذي تخفى كتبه على كثير من المسلمين لمكره وبراعته في بث سمومه في كثير من كتبه التي منها: الاستبصار في الإمامة، والبيان في أسماء الأئمة، والصفوة في الإمامة، وإثبات الوصيّة، ومروج الذهب وغيرها، ونصر بن مزاحم الرافضي المتوفى 212هـ في كتابه "وقعة صفين" وغير هؤلاء كثير، شاركهم في ذلك من لم يكتف بالروايات التي تطعن بالصحابة رضوان الله عليهم حتى راح يؤلف الكتب المكذوبة التي تؤدي مثل هذا الدور التخريبي لهوية الأمة، تمثل ذلك في كتاب "الإمامة والسياسة" المنسوب زورا لابن قتيبة!

    ولا تسأل عن غبطة اليهود والصليبيين من قادة الغزو العسكري والتضليل الثقافي والإعلامي والمستشرقين الذين صنعوا الموسوعات العلمية التي تتحدث عن الحضارة الإسلامية، وأسهموا في تكوين الرؤية الغربية المشوهة للمسلمين بمثل هذه الروايات الرافضية الحاقدة، التي أغنتهم عن صناعة ثقافة تُفرق بين المسلمين وتنشر الريبة والشك في رموزهم وقادة أمتهم، يشاركهم في ذلك حملة الأسفار، وأعوان الردة ومن يأخذ عنهم ممن تنكروا لأمتهم وماضيها الزاهر المجيد!

    أما الرواية الصحيحة التي تثبت بيعة علي رضي الله عنه لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من بيعة السقيفة المباركة فهي مروية في كثير من المصادر منها سنن البيهقي الكبرى، ومستدرك الحاكم، والبداية والنهاية، وطبقات ابن سعد وغيرها من الكتب كما ستظهر في موضعها من هذا المقال، ولكن العجب من أنها مغمورة ولا يستشهد بها كثير من الكتاب، ولا تذكر في المناهج التعليمية، ولا في المراحل الدراسية، في حين أن الروايات الموضوعة تملأ كتب التاريخ والأدب، وتغلب على خيال الكثير من الشعراء والكتاب والإعلاميين، بل وعلى كثير من خطباء المساجد ومقرري المناهج والمدرسين وغيرهم!!

    وإن دلَّ هذا على شيء فعلى عظم المصاب الثقافي الكبير الذي يرمي إلى الطعن في العقيدة، والغمز برجال الكتاب والسنة ولا سيما الخلفاء الراشدين الذين أسهموا في وضع حجر الأساس الذي قامت عليه الدولة والحضارة الإسلامية منذ عصر الرسالة، كما إنه يدل على جَلَد الرافضة وشدة حنقهم على هذه الأمّة العربية الإسلامية واستخدامهم كل الوسائل لحربها وتزييف هويتها!.

    كما أن هناك رواية أخرى تثبت بيعة علي رضي الله عنه للخليفة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه بعد ستة أشهر من وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم، ولا يستطيع أحد ردها فهي موجودة في الصحيحين: البخاري ومسلم، وسيأتي الحديث عن التوفيق بين الروايتين في توقيت البيعة.

    فتغييب هذه الروايات الصحيحة وضعف انتشارها في المناهج والإعلام والندوات والخطب والمحاضرات والتوجيه المعنوي، وعن عامة كتب الفقه السياسي الإسلامي، وندرة الشرح والتفصيل فيها، يوضح وجود قصورا أو إهمالا علميا عند أهل السنة في هذا الميدان الخطير من تراث الأمة، ويبين أنّ هناك أيد عابثة في الروايات والأحداث المصيرية! تغير الحقائق وتقلب الموازين، وتقدم المشبوه وتبعد الصحيح، ولاسيما ما يتعلق منها بالفقه السياسي المرتبط بعقيدتها وعوامل وحدتها، وطاعتها لأئمتها في تاريخها الطويل.

    ويؤكد أنّ أعداء الصحابة بكل معسكراتهم يفعلون ذلك عن قصد وسبق إصرار، للطعن في وحدة المسلمين وتحريف عقيدتهم، ذلك أنّهم يعلمون أنّ وحدة المسلمين وسلامة عقيدتهم، هي التي تغلق أمامهم مشاريع الفتنة والخراب والتزييف، فراحوا ينفثون الزيف وينشرون ثقافة الكراهية، ويحيكون الفتن، ويحيون لذلك كل ذكرى، ويجددون كل بلوى، ويطربون لكل هفوة، فيزيفون الحق ويجملون الباطل، - كما هي عقيدتهم - عن يوم السقيفة، حيث عملوا بكل وسعهم لتضليل المسلمين عن ذلك الإنجاز الحضاري الرائع الفريد، مستخدمين كل أنواع الأسلحة، من نشر ثقافة التزوير والتحريف إلى الاغتيال والإقصاء والتشويه، ولعل من أشهر أسلحتهم التي شهروها ضد وحدة الأمة وعقيدتها هذه الغارة المتواصلة على يوم السقيفة وبيعة أبي بكر الصدّيق خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمكنوا بهذا المكر من إحداث الشروخ في الصف الإسلامي وزرع الألغام أمام العاملين على طريق الإصلاح والوحدة!.

    وأمام هذا التدليس والتلبيس المستهدف لوحدة المسلمين وأمنهم وأخوتهم، أصبح من الواجب على المسلم وبكل ما أوتي من إيمان وإخلاص لعقيدته وولاء لأمته، أن يواصل العمل على إزاحة هذه العقبات والشرور من طريق العاملين على بعث الأمة من جديد، وبيان عوار ما يتسلح به أعداء الوحدة والتوحيد من شبهات مهترئة وأباطيل مضللة، تقوم عامتها على فِرية الزعم بأنّ علياً رضي الله عنه تأخر متعمداً عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.



    أدلة عدم تخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه:

    - إنه لم ينقل في رواية صحيحة أنّ علياً رضي الله عنه تخلف عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه من غير عذر في صلاة أو مشورة أو جهاد، ولا يستطيع أحد أن يسجل على علي رضي الله عنه كلمة فيها تأفف أو تردد أو شيء من هذا القبيل، بل إنّ المتتبع لسيرة علي رضي الله عنه ولمواقفه وأقواله وأفعاله في حياته كلها تجاه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه فإنّه لا يجد إلا الثناء العطر والتبجيل ووشائج الود وأواصر المودة، وإنّ علياً رضي الله عنه كان مع الصدّيق رضي الله عنه كالولد الأريب اللبيب البار الشفيق الوفي، كيف لا وعلي رضي الله عنه عايش في طفولته جهاد الصدّيق رضي الله عنه ومنافحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، بدمه وماله وبكل ما يملك، ومن لا يذكر ذلك للصديق رضي الله عنه سوى من نُزع من قلبه الإيمان والوفاء والأمل!

    كيف لا وعلي رضي الله عنه كان في الثلاثين حين وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه قد ناهز الستين وكان في علمه وورعه وزهده وإخلاصه وألفته وجمال طلعته يفرض على كل من يراه أن يحبه ويوافقه، حتى لو كان من خصومه! فكيف وعلي رضي الله عنه يعلم كل هذا ويعلم ما بين الصدّيق رضي الله عنه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من وشائج لم يبلغها أحد من الصحابة رضي الله عنهم فعلي رضي الله عنه لم يتخلف عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه ومنذ أن بويع الصديق رضي الله عنه فإنّ علياً رضي الله عنه كان أحد أبناء الخلافة المخلصين وجنودها العاملين، سوى ما تخلل ذلك من أيام كان يرعى فيها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوم على شؤونها ومؤانسة وحشتها بعد فقدها لأبيها صلى الله عليه وسلم ويخفف عنها ما كانت تعانية من آلام المرض الذي سبق وفاتها رضي الله عنها، وهو معذور في كل ذلك.

    - وكان المسلمون يسجلون لعلي رضي الله عنه مواقفه المحامية عن الخلافة منذ أيامها الأولى على الرغم من تهافت الرافضة على طمس أي أثر لتلك المحاماة وذلك الجهاد المبارك، قالت أم المؤمنين الطاهرة عائشة رضي الله عنها: "خرج أبي شاهراً سيفه، راكباً على راحلته إلى ذي القَصّة فجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأخذ بزمام راحلته، فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد: "شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك" فو الله لئن أُصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً فرجع وأمضى الجيش"(2).

    - فعلي رضي الله عنه لم يتخلف ولم يتأخر، وإنما هذه أماني الرافضة وشبهاتهم التي سطروها في رواياتهم الماكرة، وإذا كان كل واحد من المهاجرين والأنصار بايع أبا بكر مرة واحدة فإنّ علياً رضي الله عنه بايع مرتين: الأولى منهما في المسجد مع المسلمين في البيعة العامة، والأخرى بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها بعد ستة أشهر من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    - فالبيعة الأولى: رواها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان، أحدهما منكم والآخر منا قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك، فقام زيد بن ثابت فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإنّ الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال: جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال: أما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم، ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا، فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً، فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه: أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام فسأل عنه حتى جاؤوا به فقال: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال مثل قوله لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعاه"([1]) (لا تثريب، أي: أعذرني ولا تلمني).

    - قَالَ أَبُو عَلِيّ الْحَافِظُ سمعتُ مُحَمَّدَ بن إسحاق بن خُزَيْمَةَ يقول: "جَاءَنِى مُسْلِمُ بنُ الْحَجَّاجِ– صاحب الصحيح - فَسَأَلَنِى عن هذا الحدِيثِ فكَتَبْتُهُ لَهُ في رُقْعَةٍ وقرأتُ عليهِ فَقَال هذا حَدِيثٌ يَسْوَى بَدَنَةً – أي ناقة - فَقُلْتُ يَسْوَى بَدَنَةً؟! بَل هو يَسْوَى بَدْرَةً – أي كيس من المال-"([2]).

    فهذه رواية صحيحة سنداً ومتناً ولا تناقض ما في الصحيحين، ولا تصمد أمامها الروايات الأخرى التي تُلبس على المسلمين أمر خلافة نبيهم صلى الله عليه وسلم وتشكك في جانب أخوة الصحابة رضي الله عنهم وتروج للفتنة ونشر الأخبار المغرضة عن تأخر بيعة علي رضي الله عنه، على الرغم من كثرتها، وكثرة ما وضعه الوضاعون في هذا الباب.

    - أما البيعة الثانية فرواها البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم، وكان سببها أن علياً رضي الله عنه انشغل في تمريض فاطمة رضي الله عنها، قال ابن كثير: ويقال: إنها رضي الله عنها لم تضحك في مدة بقائها بعده صلى الله عليه وسلم وأنها كانت تذوب من حزنها عليه وشوقها إليه صلى الله عليه وسلم، فلما توفيت جدد بيعته مرة أخرى.

    وهذه البيعة الثانية لا تنفي ما ثبت من البيعة الأولى المتقدمة عليها([3]) قال ابن كثير: (وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصدّيق رضي الله عنه في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام)([4]) ثم ساق الروايات الصحيحة الدالة على ذلك، فأثبت اتفاق الصحابة رضي الله عنهم وإجماعهم على بيعة أبي بكر رضي الله عنه بالروايات الصحيحة عن الصحابة، وعن أئمة السلف، وما قرره العلماء المحققون في هذا، ولا يقدح في هذا ما ثبت في صحيح البخاري أنّ علياً تأخر عن بيعة أبي بكر حياة فاطمة رضي الله عنها([5]) فإنّ العلماء المحققين ذكروا أنّ هذه بيعة ثانية، قال ابن كثير: وهذا اللائق بعلي رضي الله عنه والذي تدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القَصّة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذله له النصيحة والمشورة بين يديه، وأمّا ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إياهم ذلك بالنص من رسول الله صلى الله عليه وسلم([6]).

    وقال ابن كثير أيضاً: (ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أنّ علياً لم يبايع قبلها فنفى ذلك، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم)([7]).

    - وفي الصحيح قَالَ مَعْمَر: قُلْتُ لِلزُّهْرِىِّ: كَمْ مَكَثَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِىِّ: فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَال: لا، وَلاَ أَحَدٌ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ([8]) (وَقَوْلُ الزُّهْرِىِّ فِى قُعُودِ عَلِىٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِى بَكْرٍ رضي الله عنه حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا مُنْقَطِعٌ وَحَدِيثُ أَبِى سَعِيدٍ رضي الله عنه فِى مُبَايَعَتِهِ إِيَّاهُ حِينَ بُويِعَ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ السَّقِيفَة أَصَحُّ وَلَعَلَّ الزُّهْرِى أَرَادَ قُعُودَهُ عَنْهَا بَعْدَ الْبَيْعَةِ ثُمَّ نهوضه إِليها ثَانِيًا وَقِيامَهُ بواجباتها واللَّه أَعْلَمُ([9]).

    - وقال ابن حجر في شرح الحديث الذي ذكر تأخر علي رضي الله عنه ستة أشهر: (وقد تمسك الرافضة بتأخر علي عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور، وفي هذا الحديث ما يدفع حجتهم، وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري وغيره: "أنّ علياً بايع أبا بكر في أول الأمر" وأما ما وقع في مسلم عن الزهري أنّ رجلاً قال له: "لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة؟ قال: لا، ولا أحد من بني هاشم" فقد ضعفه البيهقي بأن الزهري لم يسنده، وأنّ الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح، وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى، وعلى هذا فيُحمل قول الزهري لم يبايعه علي: في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضور عنده، وما أشبه ذلك، فإنّ في انقطاع مثله عن مثله ما يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنّه بسبب عدم الرضا بخلافته، فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر علي رضي الله عنه المبايعة التي بعد موت فاطمة رضي الله عنها لإزالة هذه الشبهة)([10]).

    فتفسير المنافقين المشبوه لانشغال علي رضي الله عنه عن ملازمة الخليفة أثناء مرض السيدة فاطمة رضي الله عنها، دفع علياً رضي الله عنه إلى تجديد بيعته لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه مرة أخرى، وذلك حسماً منه لمادة الفتنة وإرغاماً لمن يرفض خلافة الصدّيق رضي الله عنه وبراءة مما يقوله المنافقون في الماضي ويدين به أتباعهم في الحاضر!.

    - فالقول بتأخر علي رضي الله عنه هو قول الزهري ولم يسند قوله هذا بأي سند، في حين وجد السند والمتن الصحيح الذي يثبت تلك البيعة أولا، وقد أدرج قول الزهري مع نص الرواية الصحيحة فانتشر على أنّ تأخر علي رضي الله عنه موجود في الصحيح، والواقع يخالف ذلك، والقرائن التي تثبت عكسه كثيرة، منها:

    ثبوت بيعة علي من غير تأخير بسند صحيح.

    وأنّ علياً لم يثبت عنه أنه طالب بالخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأنه لا يوجد نص صحيح يشير إلى تقديم علي رضي الله عنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

    ثبوت أنّ علياً والعباس وآل البيت رضي الله عنهم كانوا يصلون خلف إمام الأمّة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم.

    إجماع المهاجرين والأنصار على الطاعة والتعاون والتقرب إلى الله تعالى بتنفيذ أوامر أبي بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كل ذلك وغيره يؤكد أنه لا مجال لقبول رواية تناقض هذه الحقائق، التي تمثل مفردات أنصع صفحة وأنقى مرحلة تجلت فيها الشورى وتألق فيها الحوار بأوسع أبوابه بين الصحابة رضوان الله عليهم.

    وإن قبول مثل هذه الشبهات يقود إلى ما يخالف الإشارات القرآنية والإرشادات النبوية وإجماع الأمّة المرضية على تقديم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخضوع لمكر الرافضة والمرتدين وإخوانهم المستشرقين وكثير من العلمانيين لتمرير فرية الوصية التي قال بها الزنديق ابن سبأ، التي يدين بها اليهود وإخوانهم أعداء الصحابة لحرب قيم الحوار والشورى التي تمثل روح الفكر الإسلامي الصحيح وزهرة الأخلاق السياسية في العصر الراشدي.



    العلاقة بين أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما:

    * عن عقبة بن الحارث، قال: "صلّى أبو بكر رضي الله عنه العصر ثم خرج يمشي فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: بأبي شبيه بالنّبي لا شبيه بعلي، وعلي يضحك"([11]) وقد جاء هذا الحديث الصحيح بتفصيل أكثر، فيه أنّ ذلك كان بعد ليال فقط من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، عن عقبة بن الحارث قال: "خرجت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه من صلاة العصر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بليال وعلي رضي الله عنه يمشي إلى جنبه، فمرّ بحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته وهو يقول: وا بأبي شبه النبي.. ليس شبيهاً بعلي، قال: وعلي يضحك"([12]) فهل هذه حال متخاصمين أم حال إخوة متوادين متآزرين متناصرين؟.

    * وفي الصحيحين "أَنَّ فَاطِمةَ والعَبَّاسَ رضي اللَّهُ عنهُما أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"([13]) فهل يأتي العباس وفاطمة رضي الله عنهما إلى خليفة لم يبايعه علي رضي الله عنه ليحتكما عنده على ما كانا يظنان أنه ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يحق لهما أن يرثاه وراثة النسب؟! أم أنهما أتيا إلى إمام المسلمين وخليفة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم؟ ومعلوم أنّ مجيء فاطمة رضي الله عنها إلى الخليفة رضي الله عنه كان في الأيام الأولى بعد وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم.

    * و"لما بويع لأبي بكر رضي الله عنه جاء أبو سفيان إلى علي فقال: غلبكم على هذا الأمر أذلّ أهل بيت في قريش، أما والله لأملأنها خيلاً ورجالاً، قال: فقلت : ما زلت عدواً للإسلام وأهله، فما ضرّ ذلك الإسلام وأهله شيئاً، إنا رأينا أبا بكر لها أهلاً "([14]) فهل هذا رد المخالف على أبي بكر رضي الله عنه، أم رد المُوالي المنافح عن خليفة نبيه صلى الله عليه وسلم وقائد أمته؟!.

    * وثبت أنّ الخليفة رضي الله عنه أوْكل إلى علي رضي الله عنه قيادة فرقة حراسة أحد أنقاب ومداخل المدينة، وكان الزبير وطلحة وابن مسعود رضي الله عنهم على مثل ذلك لحراسة الطرق المفتوحة إلى المدينة، احتراساً من غارات المرتدين، وكان ذلك حين خرج الخليفة إلى ذي القَصّة قرب المدينة في الأيام الأولى من وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم([15]) فكيف يقبل علي والزبير أن يكونا جنديين لأبي بكر رضي الله عنهم لو كانا معارضين لخلافته كما يشيع ذلك الرافضة ومن يأخذ عنهم من أهل الأهواء والفتن؟!.

    * ومما يشهد لصحة مبايعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية الأمر من غير تأخير: ما ورد في النص الصحيح الذي فيه أنّ أبا بكر رضي الله عنه لما بويع خطب الناس، وذكر عدم حرصه على الخلافة، وعدم رغبته فيها إلى قوله: (فقبل المهاجرون ما قال وما اعتذر به، وقال علي والزبير: إنا نرى أبا بكر أحق النّاس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين وإنّا لنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالنّاس وهو حي)([16]).

    * وقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بعد موقعة الجمل: (يا أيها الناس إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله أو قال: حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إنّ أقواماً طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها)([17]).

    * وجزم علي رضي الله عنه أن الصدّيق والفاروق هما خير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن خلافتهما هي خلافة النبوة وثبت ذلك عنه من طرق كثيرة برواية ابنه محمد بن الحنفية وغيره، قال الذهبي: وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسي مملكته وبين الجم الغفير من شيعته، ثم بسط الأسانيد الصحيحة في ذلك قال: ويقال: رواه عن علي نيف وثمانون نفساً وعدَّدَ منهم جماعة، ثم قال: فقبح الله الرافضة ما أجهلهم)([18]) بل والله ما أجحدهم للحق وأتبعهم للباطل وأشد بغضهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!.

    * ومما يؤكد هذا النص ما جاء في الصحيحين عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال: (قلت لأبي: أي الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت ثم من؟ قال عمر: قال: وخشيت أن أقول ثم من؟ فيقول: عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين)([19]).

    * قال ابن حجر الهيتمي: أخرج الدارقطني وغيره من طرق كثيرة عن علي رضي الله عنه أنّه لما قيل له، هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لجاهدت عليه، ولو لم أجد إلا ردائي لم أترك ابن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبره صلى الله عليه وسلم، ولكنّه صلى الله عليه وسلم رأى موضعي وموضعه، فقال له صلى الله عليه وسلم: قم فصل بالنّاس وتركني، فرضيناه لدنيانا كما رضيه صلى الله عليه وسلم لديننا)([20]).

    * وفي النص الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ قال: فأتيته فسألته فقال صلى الله عليه وسلم: إلي أبي بكر فأتيتهم فأخبرتهم، فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال صلى الله عليه وسلم: إلى عمر فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بعمر حدث فإلى من؟ فأتيته فقال صلى الله عليه وسلم: إلى عثمان فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بعثمان حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: إن حدث بعثمان حدث فتباً لكم الدهر تباً)([21]).

    ومن لوازم دفع الصدقة أنها لا تدفع إلا إلى إمام المسلمين كونه خليفة النّبي صلى الله عليه وسلم وهو المتولي قبض الصدقات، وهذا يؤكد الإشارات النبوية الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التأكيد على خلافة صاحبه أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وهذا يعلمه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ويجحده الزنادقة والرافضة ومن في قلوبهم مرض من أعدء أمة الكتاب والسنة.



    والاستطراد وراء النصوص التي تثبت بيعة علي رضي الله عنه لا تنتهي ولا يسعها مقال واحد ولا مقالان، وما أجمل أن تكون في كتاب تجتمع فيه الأدلة القطعية على إثبات بيعة علي رضي الله عنه لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، من غير تأخير ولا إبطاء، وأنه جدد تلك البيعة مرة ثانية بعد ستة أشهر تأكيداً لها، وقطعاً للطريق أمام دعاة الفتنة المؤسسين لثقافة الكراهية والشك والريبة في بيعة السقيفة، تلك البيعة التي تجلت فيها قيم الشورى، وأخلاق الحوار المبني على الدليل الصحيح النابع من الكتاب والسنة، فيوم السقيفة هو الذي رسم لأمة الكتاب والسنّة طريق الوصول إلى الحكم المبني على الوسائل الشرعية لقيادة المسلمين والسير بهم على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته البيضاء التي لا يزيع عنها إلا هالك...







    (2) الاستيعاب: 1/299، الرياض النضرة، 2/46، البداية والنهاية: 6/346، ابن عساكر: تاريخ دمشق، 30/316.

    ([1]) المستدرك: (4457) قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. ابن حنبل: المسند، ح21657، سنن البيهقي: ح (21617).

    ([2]) سنن البيهقي الكبرى: باب الأئمة من قريش، (16316) جامع الأحاديث: مسند أبي بكر (27874) قال ابن كثير: إسناده صحيح. كنز العمال: (14124).

    ([3]) البداية والنهاية: 6/367.

    ([4]) البداية والنهاية: 6/306.

    ([5]) فتح الباري: ح (4240) (4241).

    ([6]) البداية والنهاية: 6/306-307.

    ([7]) ابن كثير: السيرة، 4/575.

    ([8]) الحميدي: الجمع بين الصحيحن، 1/14، باب مسند أبي بكر الصديق t.

    ([9]) سنن البيهقي الكبرى: ح (13110) (12512).

    ([10]) فتح الباري 7/495، (3998) حديث عائشة أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر t تسأل ميراثها رضي الله عنها.

    ([11]) صيح الباري: (3278).

    ([12]) مسند أحمد: (40) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، فتح الباري شرح صحيح البخاري: (3349).

    ([13]) صحيح البخاري: (6230) صحيح مسلم: (3304).

    ([14]) الصنعاني: المصنف، ك، المغازي، باب: استخلاف أبي بكر وعمر، (9767).

    ([15]) ابن ابي الحديد وقوله: فخرج على رضي الله عنه بنفسه وكان على نقب من أنقاب المدينة شرح نهج البلاغة: 13/157.

    ([16]) المستدرك: (4422) وقال على شرط الشيخين، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم، سنن البيهقي الكبرى: (16364).

    ([17]) الاعتقاد للبيهقي: (336) تحفة الأحوذي: باب ما جاء في الخلافة، 6/396.

    ([18]) الصواعق المحرقة: 1/176.

    ([19]) الجمع بين الصحيحن: ( 140).

    ([20]) الصواعق المحرقة على أهل الرفض والزندقة، 1/181.

    ([21]) المستدرك: (4460) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي قي التلخيص: صحيح.


    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بيعة سعد لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصدّيق

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:36

    مكانته:

    سعد بن عبادة بن دليم الساعدي الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه كان سيّداً جواداً مُقدماً وجيهاً، له رياسة وسـيادة يعترف بها قومه، وكان من الأنصار السابقين إلى الإسلام، وأحد النقباء يوم العقبة، قـال النبي صلى الله عليه وسلم: «جزى الله الأنصار عنّا خيراً، ولا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة»([1])؛ وذلك لما امتازا به في باب البذل والعطاء في سبيل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرة المسلمين.

    ² واستخلفه النّبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة الأبواء، وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكان يحمل راية الأنصار في غزوة المريسيع، وكذلك في غزوة الخندق، وفي غزوة الغابة استخلفه النّبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمئة من قومه يحرسون المدينة، وفي غزوة خيبر كان يحمل إحدى رايات النّبي صلى الله عليه وسلم، ويوم الفتح الأكبر فتح مكة كان سعد رضي الله عنه يحمل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكنّه صلى الله عليه وسلم نزعها منه لما خشيَ من شـدته على مشركي قريش، وجـعلها بيد ابنه قيـس بن سعد، ورأى صلى الله عليه وسلم أنّها لم تخـرج عنه إذ صـارت إلى ابنه، وفي غزوة حنين كان يحمل إحدى رايات الأنصار -أيضاً-.

    وهكذا كانت حياته حافلة بالمشاركات العسكرية، والفعاليات الاجتماعية، والمكارم الأخلاقية.

    ² وحين مرض سعد بن عبادة بكاه النبي صلى الله عليه وسلم، وبكاه أصحابه رضي الله عنهم ، وهل يبكي النّبي صلى الله عليه وسلم إلا عزيزاً عليه في دين الله تعالى؟، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ مع عبد الرحمن بن عوفٍ وسعدِ بن أَبِي وَقَّاصٍ وعبدِ اللهِ بن مسعُودٍ، فَلمَّا دخلَ عليهِ فوجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهلِهِ؛ فقال «قَدْ قَضَى؟» ، قالوا: لا يا رَسُولَ اللهِ. فَبَكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَكَوْا...»([2]).

    ² ولا غرابة في هذا؛ فمقام سعد عند النّبي صلى الله عليه وسلم أنه من أصحابه المقربين، قال النّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في حديثه عن غيرة سعد بن عبادة ا على أعراض المسلمين: «اسْمَعُوا إِلَـى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ»([3]).

    ² ولم تكن مواقف سعد والأنصار رضي الله عنهم مجهولة عند أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، ولا عند غيره من المهاجرين، وهذا ما أكده أبو بكر للأنصار في تقريراته أمامهم، في مثل قوله: ولقد علمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك النّاس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار»([4])، فالأنصار كانوا يفتدون المسلمين بأموالهم وأرواحهم، يبتغون بذلك رضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهل ينتكسون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما يتمنى ذلك أعداء الصحابة! ويشيعونه في كتاباتهم وفضائياتهم، ويغرون عوام الناس من أجل قبوله بأموالهم ومتعهم!؟

    إنّ الأنصار وفي مقدمتهم سعد عاهدوا النّبي صلى الله عليه وسلم على النصرة بأنّ لهم الجنة، فلم تكن الدنيا بما فيها ضمن مقاصد الأنصار في جهادهم وبذلهم؛ ولكن الرافضة قوم يفترون، ويروجون لثقافة الفتن، ونزع أمن الأمة، وتمزيق وحدتها، فحين يستهدفون السقيفة وبيعة سعد في إعلامهم وكتاباتهم وفضائياتهم؛ فإنهم بذلك يهاجمون الأساس الذي قامت عليه حضارة الإسلام وهوية المسلمين، فيطعنون برموز الأمّة، وينالون من ثوابتها، ويزيفون إنجازاتها! ويفترون على رواة دينها! كل ذلك يفعلونه لإبطال العقيدة، وإسقاط القيادة الراشدة، ومن يواليها ممن يسير على منهج الكتاب والسنة!

    حصانته:

    ولما كان النّبي صلى الله عليه وسلم أعدّ أمته لمواجهة مثل هذه الغارات العقائدية، والغزوات الشعوبية؛ فإنه ترك أصحابه على المحجةالبيضاء، لا يضرهم من رفض السنّة، ولا من ارتد عن الإسلام، إذ كانوا يقرأون الواقع ويستشرفون المستقبل بعيون النجباء النبلاء؛ الذين يتمسكون بإرشادات نبيهم صلى الله عليه وسلم وتعاليمه، في مثل قوله لسلمان الفارسي رضي الله عنه: «يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ!»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللهُ؟ قَال صلى الله عليه وسلم: «تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي»([5])، وقول النّبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ»([6])، وكأن في هذا التصريح النبوي استقراء لما سيكون عليه الحال من التنازع والخلاف، فوجه النّبي صلى الله عليه وسلم أنصاره إلى الطاعة والصبر، والبعد عن الفتن وما يغذيها من أقوال أو أفعال، وكأن في ذلك -أيضاً- تنبيهاً إلى ما سيفعله الرافضة من الخروج على خلفائه الراشدين، والتدين بشتم أصحابه المكرمين، ولما سيكون عليه الشعوبيون من عداوة مطلقة لكل ما هو عربي يتمسك بهدي الكتاب والسنّة! كما فعل قوم سلمان بعد سلمان رضي الله عنه ؛ جعلوا من الطعن في سعد وفي المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أركاناً ثابتةً في عقيدتهم، ومحاورَ متجذرة في ثقافتهم، متجاهلين في ذلك وجود النصوص الصحيحة التي تبطل ما يذهبون إليه، وتردّ ما يعملون على تأصيله وتسويقه عند الغوغاء والأغبياء وأهل الأهواء؛ بكل ما أُوتوا من مكر وباطنية وبغض للمسلمين!

    بيعة سعد بن عبادة رضي الله عنه:

    جاء في شروط بيعة العقبة التي أُخذت على الأنصار: السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، وما تلقاه سعد وإخوانه الأنصار من توجيهات وتحذيرات نبوية؛ فضلاً عن دعوتهم إلى الصبر والطاعة، والتطلع دائماً إلى الثبات على ما كانوا عليه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم للحاق به على الحوض الذي لا يصله إلا من من تمسك بهذه القيم النبيلة، والمعاني السامية، والأهداف العليا؛ فكان سعد والأنصار من أبعد النّاس عن مواطن الخلاف والمشاحنة، وما حصل من حوار حول بعض المسائل؛ فهذا لا يعني أنه قد حُرّم عليهم الكلام والمشاورة، وإبداء الرأي والنقد والنصح، وما إلى ذلك، ثم رجوعهم إلى الصواب والسداد، وتمسكهم بالحق أينما ظهر لهم، وهذا ما اتضح حين تكلم الصدّيق ا في السقيفة، وخاطب الأنصار وبين لهم مكانتهم في قلوب المهاجرين؛ ثم ذَكّر سعد بن عُبادة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يقبل من سامعه المؤمن إلا التسليم له، والامتثال لما يرمي إليه في مسألة الخلافة؛ فقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه: ولقد علمت يا سعد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبرّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» قال سعد: صدقت نحن الوزراء، وأنتم الأمـراء، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد([7]).

    وهذا النص الصحيح ينسف شبهات المغرضين، وأماني المبطلين؛ الذين لا همّ لهم سوى الطعن على جيل القدوة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، والنفخ الدائم في نار الفتنة استجابة لما في نفوسهم من أحقاد لا يطفئها مرّ الأزمان والقرون على هذا الدين وأهله.

    وفي البخاري عن الزهري عن أنس بن مالك، عن بيعة أبي بكر الصدّيق قال: «فبـايـعه الناس عـامـة»([8])، ولم يستثن في ذلك سعد بن عبادة ولا غيره.

    وبهذه الروايات وغيرها من المواقف يتضح أن سعد بن عبادة رضي الله عنه بايع خليفة رسول الله، وبموقفه هذا يثبت الإجماع على البيعة، وتسقط حجج أعداء الصحابة ودعاة الفتنة بزعمهم أن سعداً تأخر عن البيعة أو خالف الإجماع.

    ولا يستطيع باحث أن يأتي برواية صحيحة يثبت فيها أن سعد بن عبادة ا بدر منه ما ينقض طاعته
    وتمسكه بالجماعة، أو ما ينكر عليه في خلافة أبي بكر الصدّيق، على الرغم من كثرة ما يُروى في هذا الباب من روايات مغرضة، وأقوال لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

    وما يُذكر بشأن تخلف سعد بن عبادة عن البيعة، واعتزاله الصحابة وجماعة المسلمين بعد ذلك، حتى أنه كان لا يصلي بصلاتهم، ولا يفيض بإفاضتهم في الحج، وإصراره على المنازعة والخلاف، وما ينسب له من قول: «لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي! فكان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجماعتهم، ولا يقضي بقضائهم ولا يفيض بإفاضتهم»([9])؛ فهذه رواها أبو مخنف لوط بن يحيى الإخباري التالف؛ المحترق الكذاب، صاحب أخبار الشيعة.

    وهذا هو ما تدعو إليه الرافضة، وتعمل بكل الوسائل على تحقيقه؛ لترسيخ الردة، وتغذية الرفض والزندقة، وهذا باطل عقلاً ونقلاً، ولا يتماشى مع سيرة سعد بن عبادة ا، ولا مع سالف أياديه البيضاء على المسلمين.

    ومن أباطيل الرافضة وتلبيساتهم على المسلمين: زعمهم أن سعد بن عبادة ا توفي في الشام مسموماً، للغمز واللمز بخلفاء المسلمين وأخوّتهم، ومما لا يصح في وفاته -أيضاً- قولهم: «إن سعد بن عبادة بال في جُحر بالشام، ثم استلقى ميتاً»([10]).

    والشبهات التي أشاعها الرافضة على وفاة كثير من أخيار هذه الأمة متفشية في كثير من المصادر، وهم يفعلون ذلك من أجل التشويه، ونشر أسباب الفتنة، وتغذية الأحقاد بين المسلمين.



    ([1]) «صحيح الجامع» (3091).
    (2) «صحيح البخاري» (1221).
    ([3]) «صحيح مسلم» (2752).
    ([4]) «صحيح البخاري» ( 4078).
    ([5]) «مسند أحمد» (3862).
    ([6]) «صحيح البخاري» (6529).
    ([7]) «مسند أحمد» (18)، «السلسلة الصحيحية» (1156).
    ([8]) (6679).
    ([9]) الطبري، «تاريخ»(2/244).
    ([10]) «إرواء الغليل» (56).

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    لماذا تغيظهم بيعة السقيفة إن كانوا مؤمنين؟!

    مُساهمة  Admin في الأحد 26 يونيو 2011 - 17:40

    في ختام هذه السلسلة من المقالات حول أبعاد بيعة السقيفة التي تجلت فيها الشورى وتألق الحوار بين رجال الإيمان والعدل والوفاء والصبر، أئمة الأمة وقادتها من المهاجرين والأنصار، الذين لا ينحرف عن منهجهم إلا تائه أو مشبوه أو هالك، فبعد كل ما سبق حول أهمية بيعة السقيفة، وبيان بطلان الشبهات التي نسجها الحاقدون حولها، آن لنا أن نقف وقفة نوجه فيها هذا السؤال لكل من يرفض تلك البيعة ونتائجها المباركة، فنقول للرافضة وأتباعهم: لماذا تبغضون بيعة السقيفة إن كنتم مؤمنين؟! ولماذا يغيظكم يوم السقيفة؟!

    وقد تبيّن فيما سبق من مؤهلات إمامها أبي بكر الصدّيق أنّه (الأول) في الأمّة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم من بين جميع الصحابة؛ بما له من سبق حاسم، ومواقف سامية تفرد بها، ونصوص نبوية جازمة تنوه بمكانته ومناقبه وفضائله، وتحذر مِن تجاوزه، أو محاولة التقدم عليه، فلماذا يغيظهم يوم السقيفة؟

    ومن لا يقرّ بتقديم أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه يُغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أراد أن يكتب له كتاباً حين قال لزوجه رضي الله عنها: (ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ)([1]).

    فإذا عُلِمَ هذا فلن تكون هناك غرابة في أنّ الصدّيق كان هو المرشح الوحيد لجميع المسلمين يوم السقيفة، وبإشارة ورغبة وإرشاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ كل من في السقيفة بايعه، ولم يتخلف أحد عن البيعة، كما بايعه الصحابة البيعة العامة في المسجد، وما ورد عن موقف سعد بن عبادة وبعض من كان معه رضي الله عنهم، إنّما كان أمراًً عارضاً، زال حين تجلّت لهم الأدلة الشرعية التي تقدم بها الصدّيق والفاروق في حوارهم الأخوي الراقي، فالغرابة كل الغرابة فيمن يُصدّق بأنّه كان هناك منافس لأبي بكر يوم السقيفة أو بعده، فُيسقط خيار النّبي صلى الله عليه وسلم وإجماع المهاجرين والأنصار الذي تجلى حين قال لهم عمر الفاروق رضي الله عنه في السقيفة: ( من هذا الذي له هذه الثلاث؟!: " إذ هما في الغار" من هما؟! " إذ يقول لصاحبه "من صاحبه؟! " لا تحزن إنّ الله معنا " مع من؟! فبسط عمر يد أبي بكر رضي الله عنهما فقال بايعوه فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها )([2]) فهل يغتاظ من اجتماع المسلمين ووحدتهم، وبيعة المهاجرين والأنصار وطاعتهم مسلم؟!

    ولماذا تغيظهم بيعة السقيفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أغلق كل باب وخوخة تؤدي إلى المسجد؛ إلا باب وخوخة خليفته الصدّيق؟([3])

    فمن يغتاظ من بيعة السقيفة إنّما يردّ ما أمر به النّبي صلى الله عليه وسلم، وينقض الواقع الذي عاشته الأمّة آنذاك، وينشر ما يُردده المخالفون من أباطيل وافتراءات، ذلك أنّه لا يستطيع باحث أن يثبت برواية صحيحة أنّ هناك من تخلف عن الصلاة خلف الصدّيق إمام الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تخلف عن نفيره الذي قاده رضي الله عنه بنفسه لمواجهة المرتدين!.

    وكيف يغتاظ من يزعم أنّه مسلم من بيعة السقيفة، ولا يستطيع باحث أن يثبت أنّ هناك صحابياً واحداً لم يخاطب الصدّيق بـ "يا خليفة رسول الله ؟!" إلا إذا كان باحثاً من إخوان الرافضي أبي مِخْنَف لوط بن يحيى الإخباري التالف الذي لا يوثق به، كما أجمع على ذلك أهل الجرح والتعديل، ذلك الذي يتناقل رواياته أهل الأهواء والجهلة، ومن لا علم لهم ولا دراية بمكر وبهتان أعداء الصحابة وأحقادهم التي لا زالوا يؤزّونها، وينفخون في نيرانها، مستهدفين يوم السقيفة، وما أينع فيه من الثمار التي أسهم أبو بكر إسهاماً مباشراً في قطافها ووضعها في سلة المصالح العليا للأمّة، مما جعل الصحابة لا يرضون سواه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يتجلى ذلك في انقيادهم له وحرصهم على تخصيصه بلقب "خليفة رسول الله" بروح تبعث على الحب والاعتزاز؛ والأصالة والطاعة والتفاؤل، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ] أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[ (الحشرCool.

    فالصادقون يسمون الصدّيق خليفة رسول الله ويأتمون بإمامته، ويفخرون بقيادته، والمنافقون يشاركون مسيلمة الكذاب في حربه على الصدّيق والصادقين، فيخترعون الأباطيل، وينشرون الأوهام، للتشويش على الخلافة الراشدة انتصاراً للمرتدين!! وانتقاماً من أبناء خير القرون الصحابة المكرمين، ومن تبعهم بإحسان من المؤمنين!!.

    المذهل أنّ علياً والزبير رضي الله عنهما يلقبان الصديق بخليفة رسول الله حين بايعاه في البيعة العامّة في اليوم التالي ليوم السقيفة، والرافضة وإخوانهم من المستشرقين والعلمانيين يرفضون ذلك !!

    والشاهد هنا إجماع الصحابة على مخاطبة قائدهم أبي بكر بـ يا "خليفة رسول الله" فهل خُوطب غير الصدّيق رضي الله عنه بهذا الخطاب الرباني المحبب إلى نفوسهم رضي الله عنهم؟

    ومثلما كان الحوار والتشاور والاتفاق بين الصحابة أمراً طبيعياً، فإنّ موقف أعداء الصحابة المحارب لبيعة السقيفة لا غرابة فيه، ذلك أنّ بهتانهم وتزييفهم لتلك البيعة منهج من مناهج كيدهم بالإسلام والمسلمين، ومتى كان الرافضة يتوانون عن خوض الوحل، وهم يقدسون قاتل أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه! ومتى كان المستشرقون لا يحرثون في زوابع الفتن، وأعاصير التحريض والكراهية ضد المسلمين؟!.

    فلماذا تغيظهم بيعة السقيفة إن كانوا مؤمنين؟! وأبو بكر الصدّيق هو الذي بصّر الأمة يوم وفاة النّبي صلى الله عليه وسلم حتى استقر حالها على أتم وجه وأجمله؟! وهو الذي وحَّد كلمة الصحابة في السقيفة وعالج شبهاتها، حتى تعانقت قلوبهم أخوّة وعطاء ووفاء للنّبي صلى الله عليه وسلم ولرسالته الخالدة؟!

    فلماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لاستبيحت المدينة على أيدي طلائع المرتدين من بني عبس وذبيان في ذي القَصّة؟! ولماذا تغيظهم بيعة السقيفة ولولاها لما كان نصرٌ يوم اليمامة على قائد الردة الأكبر مسيلمة الكذاب وجنده؟ ولولاها لما توحدت جزيرة العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كانت اليرموك وأجنادين وذات الصواري وفتوح الشام وما بعدها في الغرب والأندلس، ولولاها لما كانت أمجاد القادسية ونهاوند وتُستَر وما بعدها من فتوح في الشرق، ولماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لما كان الأذان يصدح في دمشق والقيروان وغرناطة، ولما ما كانت بغداد ولا كابل من بلاد المسلمين؟ ولماذا يغيظهم يوم السقيفة ولولاه لبقيت فارس تحت نير أكاسرة المجوس الظالمين الوثنيين؟!

    ثم لماذا لا نَحذرُ أعداء بيعة السقيفة ونُحِذر منهم ونتوجس منهم كلّ شرّ وغدر؟ ونرتاب بهم وبكل من له صلة بهم؟!! كيف لا وهم شركاء في كلّ مصيبة ومأساة مسّت الأمة بنيرانها، فمن اغتال الفاروق في محرابه؟! ومن غدر بذي النورين وهو يقرأ في مصحفه؟! ومن ضرب علياً على باب مسجده؟! ومن طعن الحسن بن علي في فخذه؟! ومن غرّر بالحسين وخذله وغدر به في كربلاء يوم مخرجه؟! ومن لا زال يجدد مأساته الرهيبة في كل عام مرات ومرات؟! فيزرع الضغينة ويبذر الكراهية، ليصنع من صديدها أفيون الحقد على أمّة الصحابة ومن تبعهم بإحسان!.

    ومن لا زال ينشر الشك بالكتاب والسنّة؟ وينتقص الشيخين وأمّ المؤمنين؟ ويوقد الفتن بين المسلمين، ويفتري على أئمة الأمّة، ويزيف عقيدتها؟ ومن لا زال يزرع الكيانات الطائفية، ويقيم الدويلات الطفيلية، داخل الدول والأوطان، تمزيقاً للوحدة وتسعيراً للفتنة؟! إلى غير هذا من مساوئ ورزايا تتأجج شرورها على عامة أمصار الأمّة وامتداداتها الجغرافية والعقدية! أليس كلّ من يفعل هذا وغيره الكثير من البلايا، هم أدوات الردة، ونواقيس الفتنة، ومطايا الغزاة والمعتدين، أعداء الصحابة الرافضين لبيعة السقيفة التي أشرق يومها على الأمّة أخوّة ومودة ووحدة وعزة وسلاماً؟!



    وبعد كل هذا لماذا لا نغضب على أعداء يوم السقيفة، وهم ينشرون ثقافة الكراهية بكل ألوانها الطائفية والشعوبية ضد رايات السقيفة وأبطالها الذين وحدوا الأمّة، وحملوا الرسالة، وحفظوا العقيدة؟! ولماذا نتعامل معهم بسذاجة وأيديهم ملطخة بدماء أئمتنا وخلفاء نبينا صلى الله عليه وسلم ؟!! وكيف نأمنهم وأيديهم بيد كل عدو وغاز وحاقد ومستبيح لأمّة الكتاب والسنّة، وحرماتها وعقيدتها وأخلاقها؟!.

    فإقرار بيعة السقيفة سيبقى علامة على صحة الإيمان وموالاة النّبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وسيبقى رفضها حرباً على آل البيت الطيبين، وموالاة للزنادقة والشعوبيين، وانتصاراً للشيطان الأكبر ومراجعه الماكرين، فمن يرفض خلافة الصدّيق يضع نفسه ومعتقده خارج جماعة المسلمين، ويؤكد تعاونه مع أعداء الدين، ومن يوالي هؤلاء أو يقاربهم أو يُزين باطلهم فإنّه متواطئ مع المعتدين، ومفرط بأمن أمّة النّبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

    فبمثل هذه القواعد تقاس المواقف والسياسات التي يتبناها من يزعم أنّه يعمل على نصرة الدين، وحماية وحدة المسلمين، وموالاة من قال الله تعالى فيهم: ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ[ (النور55) أولئك الذين تحقق لهم موعود الله تعالى فاستخلفهم عزّ وجلّ بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، ومكّن لهم دينهم وأورثهم تركة إمبراطوريتي فارس المجوسية والروم الصليبية، بعد أن أنجزوا بيعة السقيفة، وهذا من أهم الأسباب التي أغاظت أعداء الصحابة، فصبوا جام غضبهم وبهتانهم على يوم السقيفة الأغر، ليفسدوا ثماره اليانعة!

    فالمؤمنون يستمدون من يوم السقيفة الإخلاص لعقيدتهم، والاتباع لنبيهم صلى الله عليه وسلم والحرص على وحدة أمتهم، ويتمسكون في التعامل فيما بينهم بأخلاق الحوار والشورى والمسامحة، فيصنعون الأمن، وينشرون العدل، ويقيمون المحبة، وينتجون السلام، على منهج إمامهم وخليفة نبيهم - صلى الله عليه وسلم- الصديق رضي الله عنه الذي قال فيه القائل واصفاً سَبْقَهُ وتفرده:

    بـالله لا يـدرك أيـامـــه ذو مئزر حافٍ ولا ذو رداء

    من يسع كي يدرك أيامه مجتهد الشدّ بأرض فضاء([4]).



    ([1]) صحيح مسلم: (6332).

    ([2]) البيهقي: السنن الكبرى، ح (16990) النسائي: السنن الكبرى، ح (7117)

    ([3]) صحيح البخاري: فضائل أبي بكر، ح (3381) ح (447) صحيح مسلم: ح (4146).

    ([4]) ابن عساكر: تاريخ دمشق، 2/218، 30/444.


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 22 فبراير 2017 - 2:42