hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    تجديد فقه السياسة الشرعية الدكتور عبدالمجيد النجار

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تجديد فقه السياسة الشرعية الدكتور عبدالمجيد النجار

    مُساهمة  Admin في الإثنين 27 يونيو 2011 - 16:23


    تمهيد
    إنّ التراث الفقهي الإسلامي ضلّ على الدوام حاضرا في حياة المسلمين، مؤثّرا في توجيهها تأثيرا بالغا، ومهما يحدث من اجتهاد في الفقه وتجديد في الدين، فإنّ التراث تبقى له مكانته المرموقة في صياغة تديّن المسلمين في مختلف العصور، ومن بينها العصر الحاضر، بل كثيرا ما يتمّ الاجتهاد والتجديد في نطاقه، نظرا فيه بالتخيّر والترجيح حسبما تتطلّبه مقتضيات الظروف، أو تطويرا لبعض الاجتهادات فيه وفق ما تكشف عنه مستجدّات العلوم الكونية والإنسانية؛ ولذلك فإنّ المراجع الفقهية لكبار الأئمّة تكون دوما هي المنطلق الأساسي لكلّ نظر اجتهادي فقهي، فيكون التراث الفقهي إذن عاملا مؤثّر إن لم يكن الأكبر تأثيرا في توجيه حركة التديّن، وهو واقع الحال في الواقع الراهن للمسلمين.
    وبالرغم من أنّ الفقه السياسي من بين التراث الفقهي هو الحلقة الأضعف فيه من حيث التوسّع والشرح والتفصيل لأسباب سنشرحها لاحقا، إلا أنّه هو أيضا ضلّ يؤثّر في العقلية السياسية الإسلامية عبر الأجيال إلى يومنا هذا، وربما كان بعض من هذا التأثير حاصلا بصفة تلقائية غير مقصودة، وذلك بطريق الترسّب الثقافي العامّ، وهكذا نجد على سبيل المثال كيف أنّ مؤسّسة الرئاسة تستولي على سلطات واسعة تعلو بها عن المحاسبة، سواء كانت متمثّلة في رئاسة الدولة أو في رئاسة المنظّمات والمؤسّسات، فذلك إنما نحسب أنه من تأثير ما منحه الفقه السياسي الإسلامي لهذه المؤسّسة من نفوذ واسع، وما جرى عليه الواقع بذلك عبر حقب متطاولة من الزمن.
    لقد بقي الفقه السياسي الإسلامي أقلّ أبواب الفقه تطوّرا وتجديدا، فهو يكاد يكون قد حافظ على ما أنتجه فقهاء السياسة الشرعية في القرن الرابع للهجرة، إذ قد ظلّت المؤلّفات بعد ذلك تراوح ما ألّفه أولئك الفقهاء مع إضافات قليلة، والباحثون المحدثون في هذا الشأن لئن طوّروا أسلوب العرض وبعض المصطلحات في السياسة الشرعية، وراجعوا بعض الأحكام بنظر اجتهادي، فإنهم لم يتناولوا جوهر القضايا السياسية باجتهاد يبني هذا العلم بناء جديدا سوى محاولات قليلة في هذا الشأن، وإذن فإنّ تأثير التراث الفقهي السياسي في المسلمين اليوم كان تأثيرا بمفاهيم واجتهادات أُنتجت قبل ألف عام بما تحمله من خضوع سلبي للواقع السياسي الذي أُنتجت فيه، بل بما تحمله في بعض القضايا من مجافاة للأصول الدينية من قرآن وسنّة، فإذا هي تؤدّي في حالات كثيرة إلى مسالك سياسية بيّنة الخطل، سيّئة النتائج، بالرغم من أنّها مسالك يسلكها متديّنون يحملون راية التجديد في الدين، وذلك سواء كانوا حركات إسلامية أو كانوا حكومات تحكم باسم الدين.
    والمسلمون في أوروبا بحكم تنامي حجمهم العددي وأيلولة أوضاعهم إلى حال المواطنة فإنهم أصبحوا ينزعون إلى المشاركة السياسية مثل سائر المواطنين، وبما أنّهم يحملون في وضعهم هذا شطرا مهمّا من المفاهيم والمبادئ المترسّبة من إرثهم الثقافي القائم على أساس فقهي فإنهم مرشّحون مثل سائر المسلمين لأن تكون تصوّراتهم السياسية موصولة هي أيضا بالموروث من فقه السياسة الشرعية بما يتخلّله من ضعف، وما بني عليه من أحكام تجاوزها الزمن فانتهت صلاحيتها، وحينئذ فإنّ هذه المشاركة السياسية في مجتمع قطع في الفقه السياسي الوضعي مراحل متقدّمة جدا في الكثير من القضايا الكبرى سوف تكون مشاركة تحمل في ذاتها بذور فشلها، فضلا عن أن تكون مشاركة حضارية تحمل أنموذجا يضيف جديدا نافعا وفق ما أصبح الوجود الإسلامي يطرحه من شعار له في المرحلة المقبلة.
    ولهذا السبب فإنّ البحث في المشاركة السياسية للأقليات المسلمة في المجتمع الأوروبي ينبغي فيما نحسب أن يتأسّس على مراجعة للكثير من القضايا في الفقه السياسي الإسلامي مراجعة يقع فيها نخل تلك القضايا لتستبين فيها الحقيقة التي أسّستها نصوص الدين، وتتحرّر من الملابسات التي أحاطت بها تحت ضغوط الواقع زمن نشأة الفقه السياسي، ثم لتستفيد من الكسب الإنساني في هذا المجال حيث شهد علم السياسة تطوّرا كبيرا خلال القرن الماضي. وهذا ما نحاول التطرّق إليه في هذه الورقة، بدء بتقييم عامّ سريع للفقه السياسي الإسلامي، ومرورا بوضع أسس لمراجعة هذا الفقه، وانتهاء بنماذج لجملة من القضايا في هذا الفقه السياسي نقترح فيها طريقة للمراجعة. وسنعرض ذلك من خلال مبحثين، يتناول أولهما وصف الفقه السياسي، ويتناول الثاني نماذج من قضايا فقهية سياسية معروضة للمراجعة.

    المبحث الأول
    الفقه السياسي وضرورة المراجعة

    ظلّت العلوم الإسلامية طيلة تاريخها تخضع للمراجعة من قِبل المتخصصين فيها من العلماء، وهي تلك المراجعة التي ينظر فيها اللاحق فيما أنتجه السابق، فيتناوله بالتمحيص، ويلائم بينه وبين مقتضيات ما استجدّ من أوضاع المسلمين، لينتهي إلى تعديل ما ينبغي تعديله، وإضافة ما ينبغي إضافته، وربّما إسقاط ما ينبغي إسقاطه، وبسبب ذلك نرى هذه العلوم تتطوّر باطّراد في كمّها وفي كيفها، ومهما يأتي عليها من زمن تخلد فيه إلى الركود، فإنها لا تلبث أن تنبعث فيها الحياة من جديد، وذلك بفعل هذه الفلسفة التي انبت عليها الثقافة الإسلامية في تطوّر العلوم، وهي فلسفة المراجعة المستمرّة من أجل التطوير والتنمية لمجابهة ابتلاءات الواقع.
    ولذلك فإنّ الدعوة إلى مراجعة علم فقه السياسة الشرعية على النحو الذي نبيّنه في هذه الورقة هي دعوة تندرج ضمن السياق العامّ لفلسفة العلوم الإسلامية، إذ لما حفّت بهذا الفقه ظروف تاريخية حالت دون أن يندرج ضمن سياق المراجعة مثل سائر العلوم الأخرى، فإنّ الوضع السياسي للمسلمين بصفة عامّة، والوضع السياسي للأقليات المسلمة بصفة خاصّة يقتضي أن تأخذ تلك المراجعة مجراها ليصبح فقه السياسة الشرعية مسهما إسهاما حقيقيا في تطوير الحياة السياسية للمسلمين، ومرشّدا للأقلّيات المسلمة فيما هي مقبلة عليه من المشاركة السياسية في المجتمع الأوروبي.

    1 ـ واقع الفقه السياسي الإسلامي.
    إنما المطلوب من الفقه عامّة والفقه السياسي ضمن ذلك هو أن يكون هذا الفقه مرشدا للحياة الواقعية للمسلمين كي تتوجّه بما تقتضيه الأحكام الدينية، وبما أنّ الحياة بصفة عامّة والحياة السياسية بصفة خاصّة متطوّرة أحوالها مستأنفة ابتلاءاتها، فإنّ الفقه السياسي مطلوب منه أن يكون مواكبا لتلك التطورات، مجيبا على تلك الابتلاءات، خاصّة وأنّ النصوص القطعية في هذا الشأن محدودة جدا، وهو ما يقتضي أن يكون مجال المتابعة الفقهية لمتجدّدات الأوضاع مجالا واسعا. ولكنّ الناظر في الفقه السياسي الإسلامي كما وصلتنا صورته التراثية، وكما هو معروض اليوم يجد أنّ هذا الفقه يستقرّ على واقع لا يقدر به على متابعة التطورات السياسية للمسلمين، والإجابة على ما تطرحه تلك التطورات من الأسئلة، وهو ما يقتضي نظرا تجديديا في هذا الفقه يعدّل وضعه ليكون فاعلا في مسايرة الحياة السياسية للمسلمين وتوجيهها نحو سمتها الديني الصحيح.
    أ ـ الفقه السياسي والواقع
    إذا كان الفقه الإسلامي بصفة عامّة قد أصابه بعد فترة من ازدهاره حال من الجمود تعطّل فيه الاجتهاد وتوقّف التجديد لزمن غير قصير، فإنّ الفقه السياسي بصفة خاصّة قد أصابه من ذلك الحظّ الأوفر، سواء من حيث الفترة الزمنية التي استمرّ فيها الجمود، أو من حيث شدّة التجمّد وتعطّل الاجتهاد، حتى ليمكن القول إنّ هذا الفقه ما يزال إلى حدّ الآن في شطر كبير منه يرسف في قيود الماضي دون أن تناله حركة الاجتهاد بما يتّجه به إلى التجديد الفاعل سوى استثناءت قليلة، في حين حرّك الاجتهاد فروعا عديدة من فروع الفقه الأخرى ممّا أفضى إلى تجديد مثمر في تلك الفروع.
    إنّ ما جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردني من أحكام فقهية في السياسة الشرعية يُعتبر هو المؤسّس الأكبر للفقه السياسي الشرعي، وهو عين ما جاء ترديده في المؤلفات المتعلقة بهذا الشأن فيما عرف بالمؤلفات في فقه السياسة الشرعية مع اختلافات غير جوهرية تتعلق بهذه المسألة أو تلك من المسائل الفقهية السياسية، وقد ظلّ ذلك مستصحبا إلى عصرنا هذا . وإذا كانت قد ظهرت منذ بعض الزمن بحوث ودراسات فقهية شرعية تنحو منحى تجديديا يسعى إلى أن يتصدّى للجواب على الأسئلة المطروحة اليوم على المسلمين في الشأن السياسي إلاّ أن ذلك لم تصبح بعد منحى عامّا لفقه السياسة الشرعية، حتى ليمكن أن يقال إنّ هذا الفقه بصفة عامّة ما زال يعاني من القصور في أداء مهمّته، وفي معالجة المشاكل الواقعية، وذلك جرّاء انشداده إلى الماضي أكثر من تفاعله مع الواقع واستشرافه للمستقبل.
    إن الواقع الراهن للفقه السياسي عدا بعض الاستثناءات التي أشرنا إليها يردّد نفس المقولات التي نشأت منذ أكثر من ألف عام، سواء من حيث المحتوى أو من حيث التعابير والمصطلحات، فإذا الهوّة بينه وبين الواقع السياسي الذي يجري عليه حال الأمّة تزداد اتّساعا، وإذا التأثير الذي من المفروض أن يكون هذا الفقه في ذلك الواقع يكاد يكون معدوما، وهو ما نشأ عنه خلل كبير في الحياة السياسية للأمّة يفوق في حجمه وسلبيته ما يصيب الجوانب الأخرى في حياتها من الأخلال.
    إنّ الحياة السياسية للمسلمين تجري في عمومها منذ قيام الدولة الحديثة على نمط من المبادئ السياسية للثقافة الغربية، فقد شهدت هذه الثقافة تطورا كبيرا في العلوم السياسية، سواء من حيث المبادئ والقيم، أو من حيث الآليات والإجراءات. وإذا كانت هذه العلوم السياسية تشتمل على أفكار كثيرة لا تتعارض مع الفلسفة السياسية الإسلامية وخاصة فيما يتعلّق منها بالآليات، فإن أفكارا أخرى تطرح في العلوم لا تتلاءم مع هذه الفلسفة، ومع ذلك فقد فرضت نفسها على ما تجري به السياسة في الواقع.
    لقد ظلّ التأليف في الفقه السياسي الإسلامي ينحو منحى التقرير النظري الذي لا يتفاعل مع مجريات الحياة السياسية الفعلية، إذ انفصل علم السياسة الشرعية عن السياسة الواقعية في الثقافة الإسلامية منذ وقت مبكّر، ونأى فقهاء السياسة عمّا يجري به واقع الحكم تهيّبا للسلطان خوفا أو تعفّفا، وذلك خلافا للفروع الفقهية الأخرى التي ظلّت متفاعلة مع الواقع، عاملة من أجل تسديده بحسب المقتضيات الدينية، فإذا التقريرات الفقهية السياسية تفقد حيويتها وتجدّدها بهذا الانفصال، وتسقط مبكّرا في الجمود وترسف فيه طويلا.
    وقد ورث عصرنا الراهن هذا الوضع، الذي انحسرت فيه السياسة الشرعية من ساحة الفعل السياسي في حياة المسلمين، وبقيت حبيسة التراث، الذي بقي هو بدوره مستصحبا للمفاهيم التي نشأ عليها علم السياسة الشرعية، وحتى تلك الأحكام التي وقع فيها اجتهاد بقيت حبيسة النظر المجرد، ولم تتفاعل مع الواقع، إذ كان هذا الواقع خاضعا للمنظومة السياسية المستجلبة من الثقافة الغربية، وهكذا انتهى الأمر في علم السياسة الشرعية إلى كونه في مجمله علما تراثيا، لا يؤثر في الواقع، ولكنه يؤثّر في عقول كثير من الدارسين للعلوم الشرعية بصفة مباشرة، وفي عقول الكثير من عامّة المسلمين بصفة غير مباشرة عبر تأثير الثقافة الإسلامية المترسّبة في أذهان المسلمين، وهو ما يجعل أولئك وهؤلاء يطالبون بتوجيه العمل السياسي وفق ذلك التراث، أو يتصرفون في ممارساتهم السياسية وشبه السياسية وفق ذلك، والحال أنّ الواقع الذي تقدّم من أجله تلك المطالب وتمارس تلك التصرفات هو واقع لا تتناسب معه كثير من الأحكام التي يتضمّنها التراث الفقهي السياسي، وهو ما يستلزم مراجعة تلك الأحكام ليكون تنزيلها على الواقع الراهن محقّقا للمقاصد الشرعية منها..
    ب ـ ضرورة المراجعة.
    إنّ مراجعة الفقه السياسي الإسلامي يقتضيها الوضع الذي عليه هذا الفقه، وذلك من حيث نسبته من مجريات الواقع السياسي الراهن، ومدى ما يمكن أن تحقّق الأحكام الواردة فيه من المقاصد المطلوب تحقيقها،كما يقتضيها أيضا ما بُني عليه كثير من تلك الأحكام الشرعية من أدلّة يبدو أنّها مرجوحة من حيث ذاتها، وتأكّدت مرجوحيتها باعتبار تطوّر الأوضاع التي قامت من أجل معالجتها. ويمكن تلخيص هذه المبرّرات لضرورة المراجعة في الفقه السياسي فيما يلي:
    أولا ـ قلّة المؤلّفات في الفقه السياسي، ومحدودية الآراء والاجتهادات فيه، إذ المؤلّفات في هذا الفقه تكاد لا تتجاوز على مدى تاريخ الثقافة الإسلامية بضع عشرات، في حين تعدّ المؤلّفات في الفروع الفقهية الأخرى بالآلاف، والاجتهادات الواردة في هذه المؤلّفات يكاد يكون المتقدّم منها مستصحبا في المتأخّر على وجه التكرار، فخلت إذن من الثراء في الآراء، والتعدّد والتنوّع فيها، ولا جرم فإنّ ثراء الاجتهادات إنما يلده التفاعل مع الواقع، وتفاعل الفقه السياسي مع الواقع كان محدودا جدا كما أشرنا إليه آنفا.
    وهذا الفقر في المؤلفات والمحدودية في الاجتهادات تجعل الناظر اليوم في التراث الفقهي السياسي لا يجد نفسه أمام خيارات متعدّدة من الاجتهادات فيتخيّر منها ما هو مناسب للوضع السياسي الراهن ليعالج به ما يتطلّبه ذلك الوضع من أحكام تتحقّق بها مقاصد الشريعة في الشأن السياسي، وذلك مثل ما عليه الحال في الفقه الاقتصادي أو فقه الأحوال الشخصية فيما يزخر به كلّ منهما من اجتهادات كثيرة يفزع إليها الفقيه في معالجة الأوضاع المستجدّة، فيجد طلبته في هذا الاجتهاد أو ذاك، حتى وإن كان على عهده مرجوحا أو مغمورا ما دام يقوم على سند معتبر من الدلائل؛ ولذلك فإنّ الفروع الفقهية الأخرى إذا كانت تستدعي هي أيضا النظر التجديدي مع ثرائها، فإنّ فقه السياسة الشرعية يستدعي نظرا تجديديا أوكد، واجتهادا في الأحكام أوسع من أجل معالجة القضايا السياسية الراهنة.
    ثانيا ـ إنّ الخطاب الديني في الشأن السياسي جاء خطابا يتّصف بالكلّية والعمومية، ويكاد يخلو من التفصيل والجزئية، فالأحكام الشرعية المنصوص عليها في هذا الشأن تكاد لا تتجاوز بضعة مبادئ كلّية عامّة، مثل مبدإ الشورى، وقيام الدولة على الدين، وسيادة الشريعة في الحكم، وإسناد السلطة للأمّة ، وما عدا ذلك من الأحكام المتعلّقة بتفاصيل الحياة السياسية وإجراءاتها العملية تُرك الأمر فيه للاجتهاد حسبما يقتضيه تغيّر الأحوال وتبدّل الأوضاع عبر الزمن.
    وهذا الوضع اقتضى أن يكون التراث الفقهي السياسي مبنيا في معظمه على الاجتهاد فيما هو عفو غير منصوص عليه من الأحوال المتعلقة بشؤون الحكم، وذلك وفق ما تراءى للمجتهدين من فقهاء السياسة أنّه يحقّق مصلحة الأمّة في الظروف التي كانت على عهدهم، أما وقد تغيّرت تلك الظروف تغيّرا كبيرا، فإنّ الأمر يدعو إلى نظر اجتهادي جديد يتأطّر بإطار تلك المبادئ الكلّية المنصوص عليها، ويستنبط أحكاما تعالج الواقع السياسي المتجدّد، وذلك في مراجعة لتلك الأحكام التراثية قد تكون مراجعة جذرية في البعض منها إذا ما دعت إليها المصلحة التي هي غاية الأحكام الشرعية كلّها.
    ثالثا ـ لقد كان الواقع السياسي على تلك العهود التي ألّفت فيها المصادر المؤسّسة للفقه السياسي شديد السطوة على أولئك المؤلفين، وذلك بما زخر به من الفتن السياسية البالغة التأثير في الأمّة، ابتداء من الفتنة الكبرى وما تلاها بعد ذلك من الفتن التي يكاد لم يخل منها عهد من العهود في الحكم الإسلامي، وقد كان لهذه السطوة الواقعية أثر بالغ في الاجتهاد الفقهي الذي دوّن في مؤلّفات السياسة الشرعية، وبقي بعد ذلك مستصحبا في المؤلّفات اللاحقة حتى وإن تغيّرت أحوال الواقع وزالت منه تلك السطوة التي كانت مؤثّرة فيه سابقا، والتي كانت سببا في توجيه الأحكام على النحو الذي استقرّت عليه.
    وقد أدّى هذا الوضع الذي انتهى إليه الفقه السياسي إلى تأثير سلبي لبعض الاجتهادات من الموروث الفقهي حينما أُريد أن تدرج في مجريات الواقع السياسي الإسلامي الراهن على أساس توجيهه بحسبها، وذلك ما قد يفضي أو لعلّه قد أفضى إلى أزمات في ذلك الواقع، ويعوق عن التطوّر الإيجابي فيه، وذلك ما يستلزم مراجعات اجتهادية نقدية عميقة لتعديل تلك الآراء وإبطال مفعولها السلبي في الشأن السياسي الراهن، وقد يكون هذا التأثير السلبي أكثر استفحالا، وتكون المراجعة في شأنه أكثر ضرورة فيما يتعلّق بأوضاع الأقلّية المسلمة بأوروبا، إذ الوضع السياسي لهذه الأقلّية أكثر تعقيدا وأقلّ وضوحامن الوضع السياسي للمسلمين في البلاد الإسلامية.
    وعلى سبيل المثال فإنّ الفقه السياسي الموروث يعطي لرئيس الدولة من الأساليب في التنصيب ومن الصلاحيات في التصرّف ما يغري بالاستبداد، وهو ما أفضى فعلا في واقع الدولة الإسلامية إلى ذلك، وقد استصحبت رئاسة الدولة في الواقع الإسلامي اليوم هذا الموروث عن طريق الانتهازية حينا، وعن طريق الاستبطان الثقافي حينا آخر، وأفضى الأمر في كلا الحالين إلى السقوط في غواية الاستبداد بشكل واسع.
    وممّا يدلّ على استحكام هذه الظاهرة أنّ الأغلب من المجدّدين في الشأن الإسلامي، المخلصين في الدعوة إلى الإصلاح وفي إحياء الدين ليكون حاكما على الحياة تراهم ينادون بالحرّية والديموقراطية بندا أساسيا من بنود حركاتهم الإصلاحية، فإذا ما انتهى بهم الأمر إلى الرئاسة الفعلية للحركات والمنظّمات قبل رئاسة الدولة سقطوا في غواية الاستبداد، وإذا ما انتهى الأمر إلى رئاسة الدولة كان الاستبداد متناسبا في سطوته وفي آثاره مع قوّة ذلك المنصب، وهو ما يفصح عن أنّ أزمة حادّة تعاني منها الثقافة السياسية الإسلامية متأثّرة على نحو من الأنحاء بالموروث الفقهي السياسي، ممّا يستلزم مراجعة اجتهادية تجديدية عميقة للكثير من القضايا والآراء في ذلك الموروث.
    2 ـ أسس المراجعة في الفقه السياسي
    من الضروري أن تتأسّس تلك المراجعة الاجتهادية للفقه السياسي على جملة من الأسس التي تضمن أن تكون مراجعة سديدة، وأن تحول دون الوقوع في تحكّمات تنأى عن التوجيه النصّي في الشأن السياسي، أو تخضع لما هو مناقض لذلك التوجيه مما قد يغري به الفقه السياسي الوضعي بما بلغه من تطوّر كبير تطابقت فيه الفلسفة النظرية بالمجريات الفعلية، أو تسقط في مقابل ذلك في موقف الرفض المطلق لذلك الفقه الذي يشتمل على تجربة ثريّة كثير منها محقّق لمقاصد الشريعة فيمكن اقتباسه والانتفاع به. ولعلّ من أهمّ تلك الأسس التي ينبغي أن تُبتى عليها المراجعة ما يلي:
    أ ـ التأصيل.
    ومعناه الرجوع إلى نصوص القرآن والسنّة وما انعقد عليه إجماع قطعي بصفة مباشرة في تقرير الأحكام الفقهية السياسية، واتّخاذها المرجعية الحاكمة على كلّ ما سواها من الاجتهادات والآراء، سواء ما تمثّل منها في نصوص قولية، أو ما تمثّل في تصرّفات نبوية فعلية تتعلّق بالممارسة السياسية، فهذه الأصول هي التي يجب أن تكون منطلقا تتأسّس عليه أحكام الفقه السياسي، وهي التي يجب أن تكون مقياسا لمراجعة تلك الأحكام كما وردت في التراث.
    وإنما نؤكّد على ذلك لأنّ الكثير من الأحكام في السياسة الشرعية انبنت على الاجتهاد، ولكنّها لثباتها في مؤلّفات هذا العلم، وتناقلها جيلا عن جيل اكتسبت في الثقافة الإسلامية ما يشبه المصدرية التي تعلو بها على المراجعة والتغيير، والحال أنّها باعتبارها اجتهادا مرتبطا بظروف معيّنة تحمل قابلية التغيير ليكون النصّ هو المرجع الذي تنبني على أساسه المراجعة لكلّ اجتهاد.
    ب ـ التأسّي بالخلافة الراشدة
    وذلك بالرجوع إلى الخلافة الراشدة فيما مارسته من شؤون الحكم والسياسة، فقد كانت تمثّل الانطلاقة الإسلامية الصحيحة في هذا الشأن، وقد رسمت من التوجّهات النظرية والعملية في الفقه السياسي ما ظلّ كثير منه محجوبا عن أنظار فقهاء السياسة في الأزمنة اللاحقة؛ وذلك لما حدث من انتكاس في التاريخ اللاحق للدولة الإسلامية أفضى إلى انتكاس أيضا في فقه أولئك الفقهاء، خضوعا لسطوة الواقع الذي جرت عليه الحالة السياسية للدولة الإسلامية.
    والرجوع إلى هذا الميراث السياسي الراشد يمثّل إذن موردا ثريّا لمراجعة ما استقرّ في التراث الفقهي من أجل التجديد، وليس مقتضى هذا الرجوع إلى الخلافة الراشدة أن تكون التصرّفات السياسية التي مارستها هذه الخلافة ملزمة في الاجتهاد الفقهي، فالملزم إنما هو النصّ وما انبنى عليه من إجماع، وإنما يكون الرجوع إليها على معنى التأسّي بها والاستئناس بتقريراتها الفقهية، فقد كانت أقرب التصرّفات السياسية إلى روح الدين وفلسفته في الشأن السياسي، كما كانت تتّصف بالإضافة إلى ذلك بالتعدّدية والثراء، وهو ما يرشّحها إلى أن تكون مرجعا معتبرا في مراجعة الفقه السياسي.

    ج ـ التأسيس المقاصدي
    ويعني ذلك مراجعة الفقه السياسي مراجعة مقاصدية، تقوم في بناء الأحكام على مراعاة ما تتحقّق به مقاصد الشريعة، وذلك بأن تُحرّر هذه المقاصد من الأحكام المتعلّقة بالسياسة والحكم وفق المنهجية المتّبعة في استكشاف مقاصد الشريعة، فيكون لها حضور بيّن متميّز ضمن المقاصد الدينية العامّة، ثمّ تُجعل تلك المقاصد هي الموجّه لكلّ اجتهاد يروم استنباط الأحكام السياسية التفصيلية من المبادئ الكلّية العامّة، ضمانا في ذلك لأن تكون تلك الأحكام محقّقة لما وضعت لأجله من المقاصد.
    ومن الجدير بالملاحظة أنّ الفقه السياسي الموروث لم تتأسّس بعض آرائه وأحكامه على مقاصد شرعية بيّنة في هذا الشأن، وإنّما خضعت لظروف طارئة وأحوال جزئيّة، وكان لمجريات الواقع تأثير فيها، فجانبت الصواب كما سنشير إلى بعضه لاحقا، ولمّا كان من أهمّ أسباب ذلك كما نقدّر غياب المقاصد الشرعية في الشأن السياسي أن تكون هي الموجّه الأساسي لتلك الأحكام، فإنه يكون من المتحتّم مراجعة الفقه السياسي بصفة عامّة مراجعة مقاصدية.
    د ـ الاستفادة من الفقه السياسي الوضعي
    لقد شهد الفقه السياسي الوضعي تطوّرا كبيرا في مبادئه النظرية الفلسفية وفي إجراءاته العملية على حدّ سواء، وأصبحت الحياة السياسية تدار بحسب ذلك الفقه في الواقع، فأثرت النظريات السياسية بالتجربة، وأثرت التجربة بتلك النظريات، وقد تحقّقت من ذلك أقدار كبيرة من النجاح في إدارة الشأن السياسي، كما يبدو ذلك على سبيل المثال في الطرق التي يتمّ بها تداول السلطة، والتي تتمّ بها المراقبة والمحاسبة لمن تكون بيده تلك السلطة.
    وإذ كان كثير من الأحكام القانونية الواردة في هذا الفقه السياسي الوضعي متعلّقا بالآليات التي تُدار بها الحياة السياسية، وهي آليات تخلو في كثير منها من الحمولة الإيديولوجية، وإذ كانت بعض المبادئ النظرية في هذا الفقه لا تتناقض مع المبادئ الإسلامية، فإنّ كثيرا من القوانين في الفقه السياسي الوضعي يمكن أن يُدرج بصفة مباشرة أو بشيء من المعالجة الاجتهادية ضمن الفقه السياسي الإسلامي، إذ هو يشبه أن يكون تفصيلا للمبادئ والأحكام العامّة في ذلك الفقه رشّدته التجربة الواقعية المتراكمة عبر قرون من الزمن، فالنظر في ذلك الكسب يمكن أن يكون عونا على الانطلاقة التجديدية في الفقه السياسي الإسلامي.
    هـ ـ مراعاة تطوّر العلاقات الإنسانية.
    لقد شهدت العلاقات الإنسانية على مستوى النظام الدولي تغيّرات جذرية بالنسبة للوضع الذي نشأ فيه الفقه السياسي الموروث، فقد تشابكت هذه العلاقات وتوسّعت بحيث أصبح لا يمكن أن تعيش أية دولة أو مجموعة من الناس بمعزل عن الأخرين، وأصبحت العلاقات الدولية تنتظم وفق قانون يحدّد كيفيات التعامل بين الدول، في حال السلم التي هي الحال الأصلية، وحال الحرب التي قد تطرأ على تلك الحال الأصلية، وتلك أوضاع لم يتناول الكثير منها الفقه السياسي الموروث.
    وهذا الوضع الجديد للعلاقات بين بني الإنسان ينبغي أن يؤدّي إلى أن يأخذ الفقه السياسي الشرعي بعين الاعتبار هذا التطوّر العالمي في العلاقات بين بني الإنسان أفرادا وفئاتٍ ودولا، فقد أصبح المسلمون في علاقاتهم بغير المسلمين من التوسّع والتعقيد والتشابك سواء في ذات المجتمع الإسلامي أو مع غيره من المجتمعات على وضع يستلزم اجتهادا لاستنباط أحكام سياسية تسع عناصره وتفاصيله، إذ ما في الفقه السياسي الموروث غير موف بذلك لعدم عهديته بهذه الأطوار الجديدة في العلاقات الإنسانية.
    المبحث الثاني
    قضايا للمرادجعة في فقه السياسة الشرعية
    بناء على ما تقرّر من ضرورة لمراجعة الفقه السياسي، وبناء على الأسس الاجتهادية التي شرحنا بعضا منها آنفا يمكن مراجعة الكثير من القضايا التي تضمّنها الفقه السياسي وخاصّة منها تلك القضايا الأصول التي تشكّل البناء الأساسي لهذا الفقه، والتي تتفرّع عنها جملة كبيرة من التفاصيل والفروع. وإذ لا يسمح المجال في هذه الورقة بتفصيل ما ينبغي مراجعته من قضايا هذا الفقه السياسي، فإننا نعرض تاليا بعض النماذج من القضايا الهامّة التي يتعيّن فيما نقدّر البدء بمراجعتها لما تمثّله من أهمّية في البناء السياسي بصفة عامّة، وما تمثّله من أهمّية بالنسبة للواقع السياسي الذي عليه المسلمون اليوم بصفة خاصّة. وسنكتفي في هذه القضايا بالإشارة إلى أهمّ المفاصل فيها التي نراها جديرة بالمراجعة بحسب ما تقتضيه الأوضاع السياسية الراهنة.
    1 ـ رئاسة الدولة
    في الموروث من الفقه السياسي تضخيم كبير لمؤسّسة رئاسة الدولة، سواء من حيث المواصفات التي يُشترط توفّرها في الرئيس، أو من حيث الصلاحيات التي تفوّض إليه، ويكاد يكون تاريخ الدولة الإسلامية قد بني في الواقع على ذلك. وإذا كان الشرع قد أحاط منصب الإمامة أو الخلافة بقسط مقدّر من المهابة بما كلّفه به من مهمّة حراسة الدين، وما فرض في حقّه من الطاعة، فإنّ الفقه السياسي كما يبدو لنا قد ضخّم من ذلك المنصب بما تجاوز به مقصد استتباب وحدة الأمّة على أساس العدل المنتج للعمران إلى ما يغري الرئيس بأن يمارس الاستبداد.
    ففي الفقه السياسي تشترط في الترشّح لمنصب الرئاسة شروط كثيرة تنحو في مجملها المنحى الإيماني والأخلاقي والعلمي كما هو معلوم، وهو ما لخصه عضد الدين الإيجي مجاريا فيه من جاء قبله بقوله: " الجمهور على أنّ أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين، ذو رأي ليقوم بأمور الملك، شجاع ليقوى على الذبّ عن الحوزة" ، وقد ظلّت هذه الشروط تتردّد في مؤلّفات السياسة الشرعية منذ الماوردي إلى عصرنا الحاضر .
    ولقد كان لهذه الشروط التي ينبغي أن تتوفّر في رئيس الدولة أثر بالغ في حجم الصلاحيات التي أوكلت إليه، وفي الطريقة التي يمارس بها الحكم، إذ بناء عليها فيما تتضمّنه من نقاء أخلاقي وقدرات ذاتية وعلمية تنزع منزع المثال الذي قد لا يكون متحقّقا في الواقع قد أوكل إليه التصرّف في شؤون الأمّة باجتهاده تصرّفا يشبه أن يكون مطلقا في نطاق ما هو مسموح به في الشرع، وليس في هذا الفقه من أحكام الشورى المقيّدة لتصرّف الرئاسة قدر ذو بال، وإن وُجد شيء من ذلك فإنّ الشورى المعلمة لا الملزمة كانت هي الصوت الأعلى فيه ، وهو ما جرى الأمر عليه في واقع الحكم في الدولة الإسلامية طيلة تاريخها إلاّ في الأقلّ.
    ويبدو أنّ الفقه السياسي الإسلامي كان ينحو في هذا الشأن المنحى المثالي المجرّد من جهة، ومنحى اتّقاء الفتنة والسطوة من جهة أخرى، إذ كأنّ الشروط الإيمانية والأخلاقية المشروطة في الإمام اتُّخذت مبرّرا لتوسيع سلطته، واعتبرت ضمانا للالتزام بالعدل والابتعاد عن الاستبداد، فأُوكل الإمام إذن في تصرّفاته إلى تقواه وعلمه وقوّته، وانحسرت بذلك الأحكام الشرعية المقيّدة لتلك التصرّفات من خارج ذات الإمام مثل أحكام الشورى وما في حكمها.
    وفي هذا الصدد يمكن في سبيل المراجعة العودة إلى نصوص الشرع وإلى واقع ما جرى به التاريخ، فقد جاءت الآيات القرآنية المقيّدة لتصرّفات الإمام بالشورى صريحة بيّنة كما في قوله تعالى:" وشاورهم في الأمر " آل عمران / 159) وفي قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" ( الشورى / 38)، وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي، إذ لم يكن صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلاّ عن مشورة من أصحابه، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم، ثمّ بيّن التاريخ أنّ الإمام حينما يُوكل إلى شروط التقوى والعلم حتى وإن كانت متحقّقة فيه بالفعل دون الرقابة الخارجية من الأمّة فإنّ شهوة السلطان سريعا ما تسقط بالكثير من الرؤساء في مهاوي الاستبداد.
    إنّ هذا التأصيل من جهة، وهذه العبرة التاريخية من جهة أخرى يدفعان إلى ضرورة أن يتّجه الفقه السياسي في شأن الرئاسة وجهة التأسيس للأحكام الشرعية التي تضمن أن يتصرّف رئيس الدولة في شؤون الأمّة تصرّفا شوريا، وذلك ابتداء من إضافة شرط من شروط اختياره متمثّلا في أن يكونالمرشّح للرئاسة مؤمنا بالشورى معروفا بممارسته الفعلية لها، ومرورا باستحداث المؤسّسات الأهلية التي يكون لها دور الشورى الملزمة له، والرقابة الدقيقة عليه، وانتهاء إلى أن يكون إخلاله بالشورى سببا كافيا لعزله عن منصب الرئاسة، وهو الأمر الذي لم يرد له ذكر في أحكام الفقه السياسي، سواء فيما يتعلّق بشروط التولية أو بأسباب العزل ، والحال أنّ الاستبداد بالرأي هو السبب الأكبر لجلّ المفاسد التي تنشأ في ممارسة الحكم .
    وكما كان لمنصب رئيس الدولة في الفقه السياسي من صلاحيات واسعة تميل إلى أن يكون مستبدّا بها دون مشورة الأمّة، فإنّ مبدأ الرقابة عليه في تصرّفاته ومحاسبته على أداء مهمّته لم يكن لها حظّ يذكر في هذا الفقه، وإذا ما كان لها ذكر فإنها تكاد تقتصر على المناصحة الوعظية التي تخلو من معنى الإلزام، فضلا عن أن تُختطّ لتلك المراقبة خطّة منظمة من هيئة معلومة أو مجلس محدّد، وإنما تُركت هذه المناصحة مرسلة في الأمّة، وإن تكن متّجهة إلى العلماء بالدرجة الأولى. ولمّا كان وضع الرقابة على هذا النحو من الضعف في الفقه السياسي، فإنّها لم يكن لها في الواقع تحقّق فعلي سوى بعض المأثورات من النصائح والمواعظ لهذا الإمام أو ذاك من رؤساء الدول الإسلامية .
    وقد كان الأمر كذلك أيضا بالنسبة لعزل الإمام، فهو أمر جرى فيه الفقه السياسي مجرى التضييق البالغ، واشترطت فيه اشتراطات مشدّدة أوشكت أن تضفي على هذا المنصب صفة القداسة، حتى لقد ذهب الماوردي إلى أنّ الإمام إذا أصابه مرض يُفقده عقله بصفة ملازمة كالجنون والخبل فإنه لكي يصبح سببا كافيا لعزله عن الإمامة ينبغي أن يكون غيابَ عقل مستديما لا تتخلّله إفاقة، أما إذا كان غيابا تتخلله إفاقة " فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يُمنع من عقد الإمامة واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل ... فقيل يُمنع من استدامتها .. وقيل لا يُمنع من استدامة الإمامة" ، ومعنى هذا الكلام أنّ الإمام إذا كان يغيب عقله بجنون عشر ساعات في اليوم والليلة يمكن فإنه يمكن أن يبقى مع ذلك إماما، ولا يعزل ليُستعاض عنه بغيره، وذلك رأي في منتهى الفساد فيما نقدّر.
    ومن مظاهر التشدّد في عزل الإمام أنّ العزل لا يتمّ إذا ما جُرحت عدالته، أو انحرفت عقيدته بتأويل، وهو ما رواه الفراء ويبدو أنّه يوافق عليه، إذ يقول:" فإن كان جرحا في عدالته وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات، اتباعا لشهوته، أو كان متعلقا بالاعتقاد، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ" . ولا يفوت في هذا المقام التذكير برأي القرطبي الآنف الذكر، الذي يجعل إخلال الإمام بالشورى مبررا لعزله، فهو رأي متقدّم جدا بالنسبة لما ساد في هذا الشأن في الفقه الشرعي.
    ويبدو أنّ التشدّد في عزل الإمام على النحو الذي وصفنا من أهمّ أسبابه التحسّب لما قد يحدث عن العزل من الفتنة التي تضرّ بمصلحة المسلمين عموما؛ ولهذا فقد صيغ للعزل مقياس دقيق يطبق عليه، وهو أن العزل يتمّ ميزان المصلحة والمفسدة، فإذا ما كان يستجمع أسبابه، وكانت الفتنة الحاصلة منه أشدّ ضررا من ضرر إخلال الإمام بالأمانة فإنه لا يجوز، وإذا كان العزل يسبّب فتنة ضررها أقلّ مما يسببه البقاء على الإمامة، فإن العزل يكون جائزا. ولكنّ هذا المقياس على مشروعيته فإنّه آل أمره إلى شيء من التناسي، ويكاد يكون قد استقرّ الحال في الفقه السياسي على التشدّد في العزل إلى ما يقارب المنع.
    وقد كان لهذا التضخّم في رئاسة الدولة من جميع أطرافها أثر في الثقافة السياسية للمسلمين، بل امتدّ هذا الأثر من رئاسة الدولة إلى كلّ رئاسة في المؤسسات الاجتماعية، وهو الأثر المتمثّل في الاستبداد بالرأي، وفي التشبّث بموقع الرئاسة، ويكاد يستوي في ذلك حملة الفكرة الإسلامية مع العلمانيين الذين لم تستطع العلمانية أن تحمل إليهم مع قيمها القيم السياسية التي أقرّها الفقه السياسي الغربي فيما يتعلّق برئاسة الدولة من حيث النيابة عن الشعب والتداول على السلطة والرقابة والمحاسبة، وهي القيم التي يلتقي فيها الفقه السياسي الوضعي مع المبادئ السياسية الإسلامية، ولكنّ الفقه السياسي الموروث فيما أحدثه من تشكيل ثقافي سياسي للعقول أدّى إلى هذا الوضع الذي عليه المسلمون في واقعهم السياسي، ولا إخال هذا الوضع يتغيّر إلا بمراجعة للفقه السياسي تؤدّي إلى تغيّر في الثقافة السياسية ليعود تصوّر مؤسّسة رئاسة الدولة إلى ما تقتضيه المبادئ الإسلامية من كون الرئيس نائبا عن الأمّة تختاره بمحض إرادتها ليقوم بتطبيق مرئياتها في شؤون الحياة، وتراقبه في أداء هذه الأمانة، وتحاسبه عليها، وتعزله عنها إذا أخلّ بشروط النيابة .
    2 ـ سلطان الأمّة
    مما يؤسف منه أشدّ الأسف أنّ الأمّة في الفقه السياسي الإسلامي لا تحظى بمقام مرموق من حيث ما يكون لها من حرّية في الاختيار، ومن سلطان في تنفيذ ما ترتئيه من الخيارات إن تيسّر لها الاختيار، بل إنّ شطرا كبيرا من الأمّة إن لم يكن الأكبر من حيث العدد يُعامل في هذا الفقه بالاستبعاد من مواقع الاختيار والقرار، بل يعامل أحيانا بشيء من الاستنقاص، ويُنعت بنعوت تحمل شيئا من الدونية التي تبررالحيللولة دون حقّ الاختيار، وذلك من مثل مصطلحات العامّة والغوغاء والدهماء وأمثالها . وإذا كانت بعض الآراء في هذا الفقه تكيّف الإمامة بما يظهرها على أنّها نيابة من تلقاء الأمّة للإمام كي ينفّذ إرادتها السياسية، إلاّ أنّ ذلك التكييف سرعان ما تتلاشى مقتضياته بما تمُنع منه الأمّة من حقوق الاختيار والتنفيذ لصالح الإمام.
    وعلى سبيل المثال فإنّه إذا كان أوسع ما يشمل الأمّة من حقوق الاختيار أن تختار الرئيس الذي يُولّى عليها فإنّ الرأي الشائع في الفقه السياسي أنّ هذا الحقّ ليس بحقّ لأكثر أفرادها، بل هو حقّ محجوب عن عامّة الناس، ومخوّل للعدد القليل من الأفراد قد ينتهي أحيانا إلى الفرد الواحد كما أشار إليه إمام الحرمين في قوله:"فإذا لم يُشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد" .
    لقد ورد في فقه السياسة الشرعية تقرير لحكم البيعة، وهي عقد بالتراضي بين الإمام المختار وبين المبايعين له من الأمّة على حقوق وواجبات تترتّب على كلّ منهما، وأُسندت هذه البيعة إلى مجموع الأمّة في بعض المدوّنات الفقهية، ولكنّها تُلفَى عند التأمّل مفرغة مما يقتضيه عنوانها من مضمون الاختيار الشعبي، وتكاد تنحصر في تزكية ملزمة للاختيار الذي تقوم به القلّة من الأفراد والذي يكون هو العاقد الحقيقي بالإمامة للإمام، وهو ما أوضحه الماوردي وتابعه فيه من جاء بعده من أغلب فقهاء السياسة الشرعية، إذ يقول متحدّثا عن أهل الحلّ والعقد: " فإذا تبيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت بيعته له الإمامة، فلزم كافّة الأمّة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته" .
    وإذا كان الأمر على هذا النحو من استبعاد الأمّة عن ممارسة حقّها في اختيار رئيس الدولة الذي هو أمر يهمّ كلّ فرد من أفرادها، فإنّ استبعادها عن ممارسة حقوقها في الاختيار الحرّ فيما هو أدنى من ذلك قد كان أوسع وأشمل، حتى أصبحت الأمّة في مجملها تكاد لا تظفر بحقّ في أن يكون لها رأي تختار به الرؤية التي تريدها منهجا لحياتها، وقد حُوّلت تلك الصلاحية لرئيس الدولة، أو لقلّة قليلة من أفراد المجتمع الإسلامي. وقد استحدث الفقه السياسي لتضييق سلطان الأمّة في إنفاذ إرادتها ثلاث وسائل فعّالة هي: أهل الحلّ والعقد، وتولية العهد، والشوكة.
    أ ـ أهل الحلّ والعقد.
    تقرّر في الفقه السياسي أنّ أمور الأمّة في الاختيار موكول إلى فئة قليلة من أفرادها تسمّى بأهل الحلّ والعقد، وهو مصطلح غير محدّد المعالم، وقد ينتهي مدلوله في بعض الأحيان إلى الرجل الواحد كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين في موضع آخر من كتابه الغياثي حينما جعل الإمامة قد تنعقد للإمام بمبايعة رجل واحد إذا كان مطاعا في قومه قادرا على نصرة الإمام وحمايته، وفي ذلك يقول: " إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع مطاع في قومه، وكانت منعته تفيد ما أشرنا إليه [ من نصرة الإمام وحمايته ] انعقدت الإمامة" .
    وقد ظلّ هذا الرأي سائدا في فقه السياسة الشرعية إلى هذا العهد، متسرّبا إلى العقول ضمن الثقافة السياسية المتشكّلة بفكرة استبعاد الأمّة وحلول أهل الحلّ والعقد محلّها، ولو كان عددهم قد ينتهي إلى الفرد الواحد. وقد كنت أقوم بتجربة شخصية في هذا الشأن تتمثّل في اختبار أجريه على طلبتي في جامعات عربية وإسلامية مختلفة ومتباعدة في المكان، وذلك بأن ألقي عليهم بصدد تدريس مادّة النظام السياسي في الإسلام سؤالا عمّن هو صاحب الحقّ في اختيار رئيس الدولة، وقد كان الجواب في الغالب الأعمّ يأتي بأنّ صاحب هذا الحقّ في ذلك هم أهل الحلّ والعقد وليس عموم الأمّة، وذلك ما يدلّ على عمق التأثير للفقه السياسي الموروث في الثقافة السياسية للمسلمين.
    وأما تأويل أهل الحلّ والعقد بأنهم ممثلون لمجموع أفراد الأمّة، وكلاء لهم أو نوّاب عنهم، فهو تأويل من قِبل بعض الفقهاء السياسيين المحدثين يندرج ضمن المراجعة التي ندعو إليها ، ولم نعثر له على أثر في التراث الفقهي. وحينما يتمحّض معنى أهل الحلّ والعقد للدلالة على عدد محدود من أفراد الأمّة قد ينتهي إلى الفرد الواحد، وحينما يخلو من أيّ معنى للنيابة الحقيقية عن مجموع الأمّة، فإنّ الأمر ينتهي إلى استبعاد الشطر الأعظم من الأمّة من مواقع الاختيار فيما هو شأن يهمّ جميع أفرادها مثل شأن اختيار رئيس الدولة وعقد البيعة له.
    وقد كان الأمر كذلك بالفعل كما قرّره أغلب فقهاء السياسة الإسلامية، ومن ذلك ما ذهب إليه الماوردي في بيان أهل المسؤولية في عقد الإمامة حيث قال:" خرج من الناس فريقان: أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمّة، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريفين من الأمّة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم" ، وذلك أيضا ما انتهى إليه إمام الحرمين إذ يقول:" ما نعلمه قطعا أنّ النسوة لا مدخل لهنّ في تخيّر الإمام وعقد الإمامة ... ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنّه ما كان لهنّ في هذا المجال مجال في منقرض العصور ومرّ الدهور ... ولا تعلّق له بالعوامّ الذين لا يُعدّون من العلماء وذوي الأحلام، ولا مدخل لأهل الذمّة في نصب الأيمّة" . وهكذا فإنّنا نكاد ننتهي في تقدير مؤسّسة أهل الحلّ والعقد وما أُنيط بها من دور في الفقه السياسي إلى تقرير أنّها ليست إلاّ مؤسّسة استحدثها هذا الفقه ليسحب من الأمّة سلطانها في اختيار رؤاها واختيار من تعهد له بتنفيذها.
    ب ـ ولاية العهد.
    تقرّر في الفقه السياسي منذ وقت مبكّر شرعية أن تنعقد الإمامة بعهد من الإمام يعهد فيه بالإمامة لرجل يخلفه من بعده، وجُعلت هذه الآلية هي الطريقة الشرعية الثانية التي تنعقد بها الإمامة بعد طريقة الاختيار من أهل الحلّ والعقد، بل أصبحت هذه الطريقة في زمن متأخّر هي الطريقة الأولى في التولية على معنى أنّها الأكثر شرعية حتى من اختيار أهل الحلّ والعقد كما يوحي به قول الإيجي مقرّرا ما تثبت به الإمامة:" إنها تثبت بالنصّ من الرسول ومن الإمام السابق بالإجماع، وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد" ، فقد استدلّ على شرعية ولاية العهد بالإجماع مقدّما ذلك على بيعة أهل الحلّ والعقد. وهذا القول من الإيجي هو تلخيص لما تواتر عند أسلافه من فقهاء السياسة منذ الماوردي الذي يقول: "أما انعقاد الإمامة [ لرجل ] بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتّفاق على صحته" . وهكذا أصبح هذا الأمر مستقرّا في الفقه السياسي منذ نشأته، ولا يزال يتبنّاه اليوم بعض الفقهاء .
    وقد ذهب بعض الفقهاء في ولاية العهد مذهبا يخفّف من غلوائها في الاستبداد بعقد الإمامة، وذلك بأن اشترطوا في شرعيتها لأن تكون طريقا لهذا العقد أن لا يكون لها نفاذ في التولية إلا بتزكيتها من أهل الحلّ والعقد، بل إنّ بعض الفقهاء ذهب في تأويل ولاية العهد على أنها لا تعدو أن تكون اقتراحا لا تنعقد به إمامة، وإنما تنعقد الإمامة بناء على هذا الاقتراح برضى المسلمين به، وهو ما قرّره الفرّاء في قوله:" ويجوز أن يعهد [ الإمام] إلى من ينتسب إليه بأبوة أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأيمّة؛ لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين" ، ولكنّ هذا المذهب ظلّ خافتا في مدوّنات الفقه السياسي، والصوت الأعلى فيها إنما كان للرأي القائل بأنّ ولاية العهد مكتملة الشرعية بذاتها في عقد الإمامة، غير محتاجة لتزكية من أحد، وهذا ما عبّر عنه الماوردي في قوله مناقشا شرط رضى أهل الاختيار في نفاذ ولاية العهد: " ذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أنّ رضى أهل الاختيار لبيعته [ أي بيعة العاهد للمعهود إليه] شرط في لزومها للأمّة، لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضى أهل الاختيار منهم، والصحيح أن بيعته منعقدة، وأن الرضى بها غير معتبر" .
    وقد أصبح هذا الحكم هو الأشهر في فقه السياسة الشرعية من حيث أصل التقرير الفقهي، وإذا كان قد انتشر فيه رأي ينتقد الحكم بشرعية ولاية العهد، فإنه يتبيّن عند التمحيص أنّه رأي لا يتّجه بالنقد إلى أصل الحكم، وإنما يتعلّق بأحداث جرى بها الواقع، وحصل فيها عقد ولايات للعهد جرت على إخلال بشروط الإمامة في العاهد بها أو في المعهود إليه، وهو ما يظهر جليا في تقرير إمام الحرمين حينما حكم بشرعية ولاية العهد في الأصل ثم قال:" ولم أر التمسّك بما جرى في العهود من الخلفاء إلى بنيهم؛ لأن الخلافة بعد منقرض الأربعةالراشدين شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق في الإمامة مرفوضا، وصارت الإمامة ملكا عضوضا" .
    وحينما يُسند حقّ اختيار رئيس الدولة المستقبلي، وعقد البيعة له إلى رئيس الدولة الحالي، فإنّ ذلك معناه أنّ هذا الحقّ سُلب من الأمّة جمعاء وأُسند إلى شخص واحد منها، وهو الإمام العاهد، وحينما يكون أهل الحلّ والعقد غير مخوّلين لتزكية هذا الاختيار، وغير مطلوب رضاهم عنه كما هو الرأي الغالب، فإنّه مهما يكن من كونهم لا يمثّلون الأمّة حقّ التمثيل كما شرحناه آنفا إلا أنّه يُعتبر إيغالا في سلبها سلطانها في هذا الأمر الذي يكاد يتوقّف عليه كلّ سلطان لها في أيّ أمر من أمور حياتها، باعتبار أنّ الحقّ في اختيار الإمام تكاد تتوقّف عليه كلّ الحقوق السياسية الأخرى.
    ج ـ الغلبة بالشوكة
    المقصود بالشوكة القوّة العسكرية التي تكون بها الغلبة، وهي في هذا المقام الغلبة التي تمكّن من تنصيب الإمام، وهي آلية أضحت عند الكثير من الفقهاء وسيلة لإهدار سلطة الأمّة في اختيار رئيس الدولة، والاستعاضة عنها بالقوّة العسكرية الغالبة، بحيث يصبح الإمام منتصبا في موقع الإمامة، ومتصرّفا في شؤون الأمّة لا عن إرادة منها، بل عن غلبة قهرية بقوّة السلاح، وقد كان لإمام الحرمين تفصيل مهمّ في هذا الشأن .
    هذه الآلية لتولية رئيس الدولة، والمتمثّلة في القوّة العسكرية المعبّر عنها بالشوكة تنزّلت في أغلب مدوّنات الفقه السياسي الإسلامي منزلة مرموقة، وأُسبغت عليها الصبغة الشرعية، حيث أجاز عامّة فقهاء السياسة ولا ية المتغلّب، أي المنتصب للإمامة بالقوّة العسكرية، ومهما يكن من أنّ هذه الشرعية قد أُضفيت عليها في زمن متأخّر من تاريخ الفقه السياسي حيث لم يرد لها ذكر عند الماوردي، ومهما يكن من أنّ التشريع لولاية الغلبة كان فيه تفصيل بين المتغلّب الجامع لشروط الإمامة، والمتغلّب غير الجامع لها، ومهما يكن من أنّ هذا التشريع كان يميل في أغلب الأحيان إلى أن يشرع للتغلّب بعد وقوعه لا قبله، فإنّ هذه الآلية في تنصيب رئيس الدولة أصبحت في عموم الفقه السياسي الإسلا

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 23 أبريل 2017 - 14:58