hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    ينبــــوع القصـــــص للدعاة

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    ينبــــوع القصـــــص للدعاة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:29

    حين حكم القاضي بقطع يد السلطان

    أمر السلطان (محمد الفاتح) ببناء أحد الجوامع في مدينة (اسطنبول) ،وكلف أحد المعمارين الروم واسمه (إبسلانتي) بالإشراف على بناء هذا الجامع، إذ كان هذا الرومي معمارياً بارعاً.

    وكان من بين أوامر السلطان: أن تكون أعمدة هذا الجامع من المرمر ، وأن تكون هذه الأعمدة مرتفعة ليبدو الجامع فخماً، وحدد هذا الارتفاع لهذا المعماري.

    ولكن هذا المعماري الرومي - لسبب من الأسباب - أمر بقص هذه الأعمدة ، وتقصير طولها دون أن يخبر السلطان ، أو يستشيره في ذلك ، وعندما سمع السلطان (محمد الفاتح) بذلك ، استشاط غضباً ، إذ أن هذه الأعمدة التي جلبت من مكان بعيد ، لم تعد ذات فائدة في نظره ، وفي ثورة غضبه هذا ، أمر بقطع يد هذا المعماري .. ومع أنه ندم على ذلك إلا أنه كان ندماً بعد فوات الأوان.

    لم يسكت المعماري عن الظلم الذي لحقه ، بل راجع قاضي اسطنبول الشيخ ( صاري خضر جلبي) الذي كان صيت عدالته قد ذاع وانتشر في جميع أنحاء الإمبراطورية ، واشتكى إليه ما لحقه من ظلم من قبل

    السلطان (محمد الفاتح). ولم يتردد القاضي في قبول هذه الشكوى ، بل أرسل من فوره رسولاً إلى السلطان يستدعيه للمثول أمامه في المحكمة ، لوجود شكوى ضده من أحد الرعايا.

    ولم يتردد السلطان كذلك في قبول دعوة القاضي ، فالحق والعدل يجب أن يكون فوق كل سلطان. وفي اليوم المحدد حضر السلطان إلى المحكمة ، وتوجه للجلوس على المقعد قال له القاضي : لا يجوز لك الجلوس يا سيدي ... بل عليك الوقوف بجانب خصمك.

    وقف السلطان (محمد الفاتح) بجانب خصمه الرومي، الذي شرح مظلمته للقاضي، وعندما جاء دور السلطان في الكلام، أيد ما قاله الرومي.

    وبعد انتهاء كلامه وقف ينتظر حكم القاضي، الذي فكر برهة ثم توجه إليه قائلاًَ: حسب الأوامر الشرعية ، يجب قطع يدك أيها السلطان قصاصاً لك !!

    ذهل المعماري الرومي ، وارتجف دهشة من هذا الحكم الذي نطق به القاضي ، والذي ما كان يدور بخلده ، أو بخياله لا من قريب ولا من بعيد ، فقد كان أقصى ما يتوقعه أن يحكم له القاضي بتعويض مالي.

    أما أن يحكم له القاضي بقطع يد السلطان (محمد الفاتح) فاتح (القسطنطينية) الذي كانت دول أوروبا كلها ترتجف منه رعباً، فكان أمراً وراء الخيال ... وبصوت ذاهل ، وبعبارات متعثرة قال الرومي

    للقاضي ، بأنه يتنازل عن دعواه ، وأن ما يرجوه منه هو الحكم له بتعويض مالي فقط ، لأن قطع يد السلطان لن يفيده شيئاً ، فحكم له القاضي بعشر قطع نقدية ، لكل يوم طوال حياته ، تعويضاً له عن الضرر البالغ الذي لحق به. ولكن السلطان (محمد الفاتح) قرر أن يعطيه عشرين قطعة نقدية ، كل يوم تعبيراً عن فرحه لخلاصه من حكم

    القصاص ، وتعبيراً عن ندمه كذلك.

    _________________________________

    من كتاب روائع من التاريخ العثماني
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    لا يدخل الجنة نمام

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:30

    هذه قصة لأخوين كانا متحابين كثيراً، يعيشان فى توافق تام بمزرعتهما ..يزرعان معاً ويحصدان معاً . كل شىء مشترك بينهما ..حتى جاء يوم، اندلع خلاف بينهما .. بدأ الخلاف بسوء تفاهم لكن رويدا رويدا، اتسعت الهوة .. واحتد النقاش ..ثم تبعه صمت أليم استمر عدة أسابيع .وذات يوم، طرق شخص ما على باب الأخ الأكبر . كان عاملا ماهراً يبحث عن عمل .

    - نعم ... أجابه الأخ الأكبر، لدى عمل لك .

    هل ترى الجانب الآخر من المزرعة حيث يقطن أخى؟

    لقد أساء إلي وآلمنى، وانقطعت الصلة بيننا .أريد أن أثبت له أننى قادر على الانتقام منه .هل ترى قطع الحجارة تلك التى بجوار المنزل؟

    أريدك أن تبنى بها سورا عالياً،لأننى لا أرغب فى رؤيته ثانيةً .أجابه العامل : أعتقد بأننى قد فهمت الوضع !أعطى الأخ الأكبر للعامل كل الأدوات اللازمة للعمل ..ثم سافر تاركاً إياه يعمل أسبوعاً كاملاً .عند عودته من المدينة، كان العامل قد أنهى العمل ..

    ولكن يا لها من مفاجأة !فبدلاً من إنشاء سور، بنى جسراً بديعاً .فى تلك اللحظة، خرج الأخ الأصغر من منزله وجرى صوب أخيه

    قائلاً : يا لك من أخ رائع ! تبنى جسراً بيننا رغم كل ما بدر منى ! إننى حقاً فخور بك .

    وبينما كان الأخوان يحتفلان بالصلح، أخذ العامل فى جمع أدواته استعداداً للرحيل . قال له الأخوان فى صوت واحد : لا تذهب ! انتظر ! يوجد هنا عمل لك .

    ولكنه أجابهما : كنت أود البقاء للعمل معكما، ولكننى ذاهب لبناء جسور أخرى ! فلنكن بنائين جسوراً بين الناس وألا نبنى أسواراً تفرق بينهما أبداً .

    فلنكن من الرجال والنساء الذين يعملون للسلام والوحدة بين الناس وليبارككم الله على كل الجسور التى تشيّدونها .

    وتذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة نمام ) ، وماذا سيكون حال الأخوين إذا قام ذلك العامل بنقل الكلام بينهما !!
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أشياء لا يمكن اصلاحها

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:31

    سيدة شابة كانت تنتظر طائرتها فى مطار دولى كبير ولأنها كانت ستنتظر كثيرا -إشترت كتابا ً لتقرأ فيه وإشترت أيضا علبة بسكويت…

    بدأت تقرأ كتابها أثناء إنتظارها للطائرة وكان يجلس بجانبها رجل يقرأ فى كتابه عندما بدأت فى قضم أول قطعة بسكويت التى كانت موضوعة على الكرسى بينها وبين الرجل فوجئت بأن الرجل بدأ فى قضم قطعة بسكويت من نفس العلبة التى كانت هى تأكل منها بدأت هى بعصبية تفكر أن تلكمه لكمة فى وجهه لقلة ذوقه كل قضمة كانت تأكلها هى من علبة البسكويت كان الرجل يأكل قضمة أيضا ً زادت عصبيتها لكنها كتمت فى نفسها عندما بقى فى كيس البسكويت قطعة واحدة فقط نظرت إليها وقالت فى نفسها "ماذا سيفعل هذا الرجل قليل الذوق الآن"

    لدهشتها قسم الرجل القطعة إلى نصفين ثم أكل النصف وترك لها النصف قالت فى نفسها "هذا لا يحتمل"كظمت غيظها أخذت كتابها وبدأت بالصعود إلى الطائرة عندما جلست فى مقعدها بالطائرة فتحت حقيبتها لتأخذ نظارتها وفوجئت بوجود علبة البسكويت الخاصة بها كما هى مغلفة بالحقيبة !!

    صـُدمت وشعرت بالخجل الشديد أدركت فقط الآن بأن علبتها كانت معها أدركت متأخرة بأن الرجل كان كريما جدا معها وقاسمها فى علبة البسكويت الخاصة به بدون أن يتذمر أو يشتكى !!وإزداد شعورها بالعار والخجل أثناء شعورها بالخجل لم تجد وقت أو كلمات مناسبة لتعتذر للرجل عما حدث من قله ذوقه

    هناك دائما 4 أشياء لا يمكن إصلاحها

    1-لا يمكنك إسترجاع الحجر بعد إلقائه

    2-لا يمكنك إسترجاع الكلمات بعد نطقها

    3-لا يمكن إسترجاع الفرصة بعد ضياعها

    4-لا يمكن إسترجاع الشباب أو الوقت بعد أن يمضى

    لذلك اعرف كيف تتصرف ولا تُضع الفرص من يديك ولا تتسرع بإصدار القرارات الأحكام على الآخرين!

    ____________________

    مجلة زين
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مصانع الرجولة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:32

    آثر (فروخ) أن يستقر بعد أن صحب سيّده أمير خراسان في معاركه، اشترى بيتًا وتزوج مكتفيًا بالعيش على ما بقي لديه من مال الغنائم، لكن حنينه إلى غبار المعارك ورايات النصر وصليل السيوف، لا يزال يداعب شغاف قلبه.

    انتهز يومًا نداء خطيب المسجد النبوي، يحض الناس على الجهاد، أعلن عن عزيمته وودَّع زوجته التي بادرته قائلة: ولمن تتركنا يرحمك الله أنا وجنيني هنا؟

    فقال لها: لله ورسوله، لديك ما جمعته من الغنائم، أنفقي منها حتى أعود أو أرزق الشهادة.

    وضعت الزوجة مولودها، مليح الوجه وضَّاء الجبين، وسمته (ربيعة)، بدت على مخايل الطفل علامات الذكاء فقررت الأم أن تسلم طفلها للمؤدبين، حفظ الفتى كتاب الله وأحاديث رسوله وكلما رأت الأم تفوّق ابنها أغدقت على المعلمين المال، لكن الحسرة تشعل القلب وهي ترى الأيام تُباعد بينها وبين زوجها الذي طالت غربته فقيل إنه أسير مرة، وشهيد أخرى فاحتسبته عند الله.

    يواصل (ربيعة) علمه، مقبلًا على حلقات العلم في مسجد مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومازال الطالب يجتهد وذكره يرتفع حتى أصبحت له حلقة يُدرِّس فيها.

    في ليلة صيف عليلة النسمات، دخل المدينة فارس يلملم بقايا عقده السادس، في عينيه تساؤل وفي نظراته بحث، يُحدِّث نفسه: هل بقيت داره قائمة بعد هذا الغياب؟ ماذا حلَّ بالزوجة! هل وضعت مولودها أم حدث لهم من أحداث الزمان حادث!! ثلاثون عامًا كافية لتغيير الملامح والمشاعر والمعالم.

    الوقت مازال مبكرًا، بقايا المصلين من صلاة العشاء يغادرون المسجد النبوي وتزدحم بهم الطرقات، لماذا يمر الناس به ولا يلتفتون؟ هل نسيه الناس بهذه السرعة؟

    يسير الشيخ، يجتر أفكاره، سارحًا مع خيالاته حتى وجد نفسه أمام داره... دق قلبه شوقًا ورهبة من مفاجأة اللقاء. دخل من باب بيته الموارب، يدفعه شوق عارم لملاقاة الأهل.

    عندما سمع صاحب البيت صرير الباب، أطلَّ من نافذته، هاله أن يرى غريبًا يجوس في صحن الدار، ركبه الغضب وتقدم من الشيخ ممسكًا بتلابيبه.

    أتقتحم عليَّ منزلي يا عدوَّ الله؟

    علا صياحهما، واجتمع الجيران.

    قال فروخ: ما أنا بعدو الله، هوِّن عليك إنما هذا بيتي، استدار يحدِّث الناس من حوله، هذا بيتي يا قوم، اشتريته بمالي، ألا تعرفونني!! أنا (فرّوخ) هل نسيتم فروخًا.

    استيقظت الأم، أطلت فرأت زوجها، أمعقول ما أُشاهد وأرى؟! هالتها المفاجأة، هل أنا في حلم؟ عقدت الدهشة لسانها وما لبثت أن نادت ابنها بصوت مرتجف. دعه يا ربيعة، إنه أبوك يا ولدي وحذار يا عبد الرحمن أن تمسه بسوء، إن من يقف أمامك ابنك.

    أقبل الولد على أبيه والوالد على ابنه يضم أحدهما الآخر ويقبّله ونزلت (أم ربيعة) تسلم على ما احتسبته عند الله شهيدًا لانقطاع أخباره.

    التمَّ شمل الأسرة، شمل الفرح الوالد والولد، ولم يشمل (أم ربيعة) إذ كيف تفسر لزوجها ضياع أمواله وكيف تبرر له ذلك؟ هل يصدقها أم تذهب به الظنون بعيدًا؟!

    قطع فروّخ على زوجته شرودها قائلًا: جئتك بأربعة آلاف درهم، هات ما لديك حتى نضيف إليه هذا المبلغ ولنبحث لنا عن بستان نشتريه ونعتاش من غلته ما بقي لنا من عمر. لكن الزوجة تشاغلت عن سؤال زوجها ولاذت بالصمت.

    كرر (فرّوخ) طلبه: أين المال يا أم ربيعة! هاتيه نضمه لبعضه بعضًا.

    ردت أم ربيعة بارتباك: في مكان آمن، سآتيك به بعد أيام إن شاء الله.

    علا صوت المؤذن، نهض (فرّوخ) يتوضأ، سأل عن ابنه فأجيب سبقك إلى المسجد. وصل (فرّوخ) إلى المسجد، وجد الصلاة انتهت، صلى المكتوبة، وبعض النوافل قبل أن يغادر المسجد.

    استوقف (فرّوخ) في طريقه مجلسًا للعلم في صحن المسجد لم ير له مثيلًا. رأى الناس يتحلّقون حول الشيخ منصتين. حاول أن يتعرف إلى صاحب الحلقة فلم يستطع لبعده عنه، وما لبث أن أنهى الشيخ درسه ونهض الناس يتدافعون من حوله، يوصلونه خارج المسجد، فما كان من (فرّوخ) إلا أن استوقف أحدهم يسأله: من الشيخ أيها الأخ؟!

    رد الرجل مستغربًا: ألا تعرف صاحب الحلقة؟ ألست من أهل المدينة يا هذا؟

    قال فروخ: بلى من أهلها ولكني غادرتها من زمان بعيد.

    قال الرجل: لا بأس عليك إذًا، إنه أحد سادات التابعين، فقيه المدينة ومحدِّثها، ومن تلاميذه مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان، و...

    قال فروخ: لكنك لم تقل لي من يكون الشيخ.

    قال الرجل: إنه ربيعة الرأي.

    فروخ: ربيعة الرأي؟!!!

    الرجل: نعم، اسمه ربيعة، وكناه علماء المدينة بربيعة الرأي لسداد رأيه.

    فروخ: انسبه لي يرحمك الله فقد شوقتني...

    الرجل: إنه ربيعة بن (فرّوخ) المكنى بأبي عبد الرحمن، ولد بعد أن ذهب والده للجهاد وعمدت أمه تعليمه وتربيته.

    فاضت عيون (فرّوخ) شكرًا وفرحًا وتدحرجت دمعتان ساخنتان على خديه ثم انطلق مسرعًا تجاه بيته لا يلوي...

    استقبلته زوجته وبقايا الدموع مازالت عالقة في عينيه، تسأله مدهوشة: مابك يا أبا عبد الرحمن، أحدث مكروه لا قدّر الله؟ خيرًا؟!!

    فروخ: خيرًا والحمد لله، لقد شاهدت ولدنا في مقام لم أحلم أن أراه به وهذه الدموع دموع فرح والحمد لله رب العالمين.

    هنا أضاءت عيون أم ربيعة وقالت باسمة: أيهما أحب إليك يا أبا ربيعة: الدراهم، أما ما رأيت عليه ولدنا؟

    رد فرّوخ بلا تردد: ما رأيت عليه ولدنا يعدل كل أموال الدنيا.

    قالت أم ربيعة: لقد أنفقت المال على ما رأيت فهل طابت نفسك؟

    قال فروخ: نعم، والحمد لله على أن رزقني زوجة تحرص على العلم وتربي أولادها عليه، هكذا تكون الأمهات، وجزاك الله خيرًا يا أمّة الله.

    _______________________

    الشبكة الإسلامية
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مُـتَّـكَـأ

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:32

    لم تكن المرة الأولى.. و "سلمى" على يقين أنها لن تكون الأخيرة! "ماذا عليّ أن أفعل؟" "كيف لي أن أثنيه عن المضي قدمًا في هذا الدرب الطويل الشَّاق!" "لا أدري كيف يستعذب الألم! وكيف يرَى شوك الطريق أزهارًا فواحة الأرائج!"

    كانت كل تلك الأسئلة تمور داخلها، لكنها لا تقوى على الإفصاح عنها، لأنها تحبّه، وتحبّ فيه صدقه.. عَزمَه.. جرأته في قول كلمة الحق.. عزَّته.. ثباته.. وقلبه الرَّحيم! نظر إليها بصمت، والعين تفشي سـرَّ القلب، ثمّ مضى نحو غرفة مكتبه بخطوات هادئة مُثقلة.

    ما زالت تلك الغرفة عالمه الخاص الذي يأوي إليه كلما شعر أنّه بحاجة إلى مُـتَّـكـأ ، وما زالت مَلاذه الوحيد ساعةَ شُعوره بتهالك قواه! يَصعُب عليه أن يُظهِر ضَعفه قبالتها.. قبالتها هي بالذَّات! ولَـجَ غرفته وأغلق بابها، ثم مـدَّ يده إلى مفتاح الضوء لكنه تراجع: ما الذي جَـنَيْـتُهُ مِن رؤية الأشياء على حقيقتها؟ الظلام سُكون وراحة، الظلام سُكون وراحة..!

    استقبلَ الأرض بكفيه ثم استوى جالسًا، أسند ظهره إلى مكتبته، ألقى رأسه المُثخن على أحد رفوفها، ضـمّ يديه إلى صدره، وتنفَّس الصعداء زافِرًا الآه تلو الآه! راح يضرب الأرض بباطن قدميه ضربات خفيفة هامِسًا: منكِ وإليكِ، فالموت مقدَّر، ومن ثم إما الجـنَّـة أبدًا، أو الـنَّـار أبدًا.. فاخْـتَرْ لنفسك يا هُمام!

    ألصق ظهره بمكتبته أكثر وأكثر: أي جنون يسكنني يا أنتِ! فها أنا ذا أعود إليكِ في كل مرة ساندًا ظهري على الرغم مِن كونك سبب كل مَتاعبي! سال دمعه هادئًا كهدوء الكون من حوله، مالِحًا كملوحة أيامه ولياليه في المعتقل، لاذِعًا كلذع الحق الذي يناضل من أجله! فتحت "سلمى" باب صومعته، وبيدها قنديلها الصغير ـ الذي تستجير به دومًا في مثل هذا الموقف ـ فوقع بصرها على تلك البطاقات الملونة المُلصقة على جدار الغرفة قبالتها..

    لطالما تأمَّلتْ ما كُتِب عليها محاولةً سبر أغوار هذا الرجل الذي لا تنكسر شوكته ولا تَلين له قناة، وإن اعترته لحظات ضعف! عبارات منوَّعة، لكل منها نبض خاص، وقع خاص.. هي زاد مختلف لا يصلح قوتًا إلا له ولأمثاله ممَّن أدركوا أن للحياة معنى آخر!

    بطاقات تبدو للـنَّاظر ـ من أول وهلة ـ أنها قد نُـثِرَت عشوائـيًّا، لكنه إن عادَ إلى الوراء قليلا، ثم أطلق لبصره العِنان فسَيَرَى ذلك النَّقش الجميل لكلمة: لا إلـه إلا الله! سَرَتْ أشعَّة قنديلها مُبدِّدة العتمة، فبدت لها بعض العبارات واضحة مقروءة:

    " متى اسْتَعبدتم الناس وقد ولدتهم أمَّهاتهم أحـرارًا! "

    "يا جنود الله صبرًا = إن بعد العسر يسرًا

    لا تظنوا السجن قهرًا = ربَّ سجن قادَ نصرًا"

    "إن لم تكن للحـقِّ = أنتَ فمَن يكـون؟!"

    "سأثأر لكن لربٍّ ودين = وأمضي على سنَّتي في يقين"

    "عرفتُ قصَّة الطريق كلّها المـوت أول المطـاف لكن خضرة الطريق لا يصيبها الجفاف! قـادم.. وقـادم.. وقـادمُ" " فلا بديل للإقـدام.. غير سَحقة الأقـدام!" غضَّت "سلمى" طرفها، ثم اقتربتْ مِنه فجفّف دمعه وابتسم: تأتين فيأتي الـنُّـور والفـرح!

    بسطَ كفَّـيْه، فقد اعتاد منها أن تقدم له ورقة وقلمًا رجاءَ أن يحفظ هذه اللحظة وأحاسيسها بين السُّطور، فوضعت في كفه اليُمنى ظَرفًا، ثم سلَّطتْ عليه ضوء قنديلها وترقَّبت!

    - ما هذا؟!

    - خَبر سعيد!

    فتح الظرف على عَجَل، أخرج الورقة المطويَّة، رجفت يداه: لا أرى سوى كتلة بيضاء تسبح في السَّواد!

    - بل نُطفة من صلبكَ استقرَّت في رَحِمي، أراه أمامي طفلا جميلا.. أملا مُـنيرًا.. وتحـدٍّ جَـديـد! انتفضَ، هبَّ واقفًا، ثم خـرَّ لله ـ تعالى ـ شاكرًا.. طال سجوده فانهمر دمعها! رفع هامَته، امتدَّت يده إلى مفتاح الضَّوء، أشعله، فغشيه النور.. اقترب مِن رفيقة دربه احتضنها بحنان، وقـبَّل جبينها بحـبٍّ، ثم اتجه نحو مكتبه، تناول ملف قضاياه وأضاف إلى القائمة: مستقبل الأجيال القـادمة.. أمـانة في أعناقـنا!

    ــــــــــ

    - العبارات المذكورة من مجموعة أناشيد للمنشد "أبو مازن".
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    ومضة أمل

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:33

    القصة من إبداع الأخت ذكرى

    كانت تلك الفترة فترة امتحانات الثانوية العامة .. وكانت الساعة تقارب الثانية عشرة مساء .. وكنت حينها كتبي وأوراقي المبعثرة في الغرفة وأستعد لامتحان اليوم قبل الأخير وكنت أظن بأني قد أبليت بلاء حسناً في الامتحان السابق .. وبينما كنت أقلب الأفكار في رأسي لحل مسألة استعصى علي حلها رن جرس الهاتف .. كنت منغمسة في حل المسألة ولم أسمع الهاتف وهو يرن .. وفجأة تنبهت إلى الهاتف .. يا إلهي .. من المتصل في هذا الوقت ؟!؟ لأنني لم أعهد استقبال أية اتصالات في هذه الساعة المتأخرة من الليل .. ترددت في الرد .. ولكن القدر ساقني إلى أن أرفع سماعة الهاتف .. أجبت وكانت المفاجأة .. صوت مر على سماعي إياه لآخر مرة ما يقارب الأربع سنوات تقريبا .. ولكنني لم أنس نبرة الصوت أبدا .. اندهشت كثيراً وسرحت وأفكار كثيرة كانت تراودني .. ما الذي ذكرها بي ؟‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. من أين حصلت على رقم هاتفي وبعد كل تلك السنوات؟ .. ثم وعيت إلى أنها تقول لي هل أنت معي ؟ قلت عفوا.. سرحت قليلا .. لا أدري ما سبب اتصالها .. سمعت منها بعض الكلمات التشجيعية اللي قد اعتدت على سماعها من أقرب الناس إلي بشأن النجاح والطموح وما شابه .. لكن كلماتها لم تكن ككل الكلمات ، كلمات كانت مشحونة بكل معاني الإرادة والثقة .. " عزيزتي : تأكدي بأنه ليس أقوى من الذي يدافع من أجل قضية وهدف وليس أضعف من مخلوق يقف متسكعا على هامش الحياة والتاريخ لا يكتب إلا بسواعد الأقوياء" .. كانت كلماتها كالسهام أصابت هدفها في القلب .. ثم انتهت المكالمة .. ظننت أنها ستكون مكالمة عابرة لن تتكرر ، ولم أدرك أنها مكالمة ستكون وراءها نقطة تحول عظيمة في حياتي ..

    انتهت الإمتحانات وظهرت النتائج .. ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال ، تحطمت أحلامي ساعة سماع النتيجة .. انهار كل شيء أمامي ، شعرت أنني كنت أتسلق برجاً شاهقاً وفجأة وقعت بعد كل ذلك التعب ، ظننت أنها النهاية .. قررت اعتزال العالم ، اتصالات كثيرة ولكنني لم أستطع الرد على أي اتصال ، هل أسميه يوما أسوداً في حياتي غاب شمسه ؟ لا أظن هذا الوصف مناسبا لما حدث في نهاية ذلك اليوم ... وجدت نفسي وحيدة التفت حولي أبحث عمن يخفف عني لوعتي و وحشتي فلم أجد .. وفي الوقت ذاته من الساعة الثانية عشرة رن جرس الهاتف .... لا أدري ما الذي قاد قدمي نحو الهاتف لأرد ولكنها تدابير القدر ..فإذا بها صاحبة الصوت .. لكأنها كانت تشعر بمعاناتي .. لكأنها كانت تسمع أنيني وآهاتي ..

    " ألو عزيزتي ..إن الحياة لا تستحق منا أن نعيشها في عزلة بعيدا عن الناس "

    وما أدراها أنني قررت اعتزال العالم .. فليس نهاية العالم أن نفشل مرة فاكتساب القوة من الضعف وتحويل الفشل إلى نجاح إنجاز يفوق بوضوح إبقاء الحال على ما هي عليه أو التراجع للوراء خطوة أو خطوتين أو حتى ميلا كاملا .. لا تيأسي فرب عثرة كانت مفتاحا لإنجازات عظيمة .. وانتهت المكالمة ..

    كأنها كلمات ذكرى .. صديقتي الحبيبة التي رحلت منذ سنوات إلى الحياة الأخرى وواراها الثرى .. نعم هي كلماتها المعبرة عن كل معاني الأمل والتفاؤل .. ما الذي أخرج الذكريات من أدراج الحياة .. ما الذي قلب الصفحات الصفراء المطوية .. ما الذي جمع الأوراق المبعثرة .. أفكار غريبة .. أحسست مشاعري كالأمواج المتلاطمة بداخلي لا سبيل إلى إيقاف ثورتها وهيجانها ..

    بعد تلك المكالمة ذهبت في نوم عميق .. وبعدها أفقت .. وفي خضم الحياة كدت أنسى ولكن جملتها الأخيرة دلتني على أن ذلك لم يكن حلما .. وبدأت أتساءل لماذا هذا الظهور المفاجئ في حياتي ؟ كلماتها القوية أثرت فيني بعمق وصحتني من غفوتي .. وأشعلت الأمل بداخلي .. تعلقت بها بالرغم من كوني لا أعرف عنها شيئا ومنذ تلك المكالمة وأنا أنتظر اتصالها التالي بشوق و لكنها جعلت اليأس يتسرب إلى قلبي من كونها ستتصل حتى ظننت أنها أخطأت العنوان .. وتمر الشهور وبدأنا نحضر لحياة جامعية .. بعد أن ظهرت نتائج القبول في صفحة الجريدة .. إذا بها تتصل وفي الوقت ذاته ، جريت هذه المرة نحو الهاتف بسرعة وكان شعوراً قوياً يقول لي بأنها هي ... ما كان يدهشني ظهورها في أوقات حاسمة أكون فيها بأمس الحاجة إلى من يأخذ بيدي فتكون أول من تبسط يدها لي برقة وحنان .. وقررت في ذلك الاتصال حسم الموقف و وضع النقاط على الحروف ، وبعد حديث طويل دام ما يقارب الساعتين انتهينا إلى أنني طلبت منها موعدا للقاء .. وليتني لم أطلب وليتها لم تتصل ..

    جاء موعد اللقاء .. لا أحد يتصور كيف كان اللقاء حاراً وصادقاً .. كان لقائي مع تلك الإنسانة الحنونة التي شعرت بدفء حنانها في وقت كنت فيه بأمس الحاجة إلى من يداوي جراحي فكانت بلسماً للروح مرهماً للجراح .. لم أتصور اللقاء بهذه الطريقة أبدأً فعلاقتي بها لم تكن عميقة .. فقط هي شخص ظهر في لحظات صعبة مظلمة من حياتي .. أزالت الظلمة عن عيني و زرعت الورود في طريقي .. ولكن شيء ما راودني حينما ذهبت إلى ذلك اللقاء كنت ذاهبة لأوطد علاقتي بها ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .. شعرت من طريقة مصافحتها أنها تصافح مصافحة مودع ولكن لم أسال عن ذلك .. حوار طويل دار بيننا تقول لي أنها كنت خلال تلك السنوات تراقبني عن كثب وتسال عنك دون إشعاري بذلك إلى أن أدركت ضرورة الإتصال بي لأسباب عدة أهمها أنها سنتها الأخيرة وسترحل بعدها إلى بلد آخر حيث نقلت أوراقها من هذا البلد وقريباً ستغادر .. !!

    كان وقع هذا الخبر علي الصاعقة .. اهتزت مشاعري الجميلة .. جلست أبكي و أبكي ..احتضنتها بحرارة لم أصدق ذلك الخبر ..إلا أن الواقع هو الواقع .. ودعتني حينها بحرارة .. ودعتني بكلمات جميلة .. رقيقة حيث قالت :

    " حينما يموت الأمل في رؤية ما نتمناه وما نرغب في تحقيقه فلابد من أن نوهم أنفسنا بأمل كاذب لكي نعيش " ..

    ودعتها بدموع حارة لا أدري كيف السبيل إلى إيقافها .. ودعت معلمتي الغالية بعد أن ظهرت في حياتي كطيف ذكرى .. و وميض من الأمل أعادت لي ثقتي بنفسي وغرست فيني روح الطموح والإرادة من جديد وشحنتني بمزيد من الأمل والتفاؤل نحو مستقبل مشرق .. ودعتها بعد أن قلت لها قد أنسى من آلمني .. وقد أنسى من أسعدني .. ولكن من المستحيل أن أنسى من علمني !!

    _________________

    موقع الشامسي
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    لنراجع أنفسنا حتى نعيش

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:34

    جلال الاصفر

    قبل أيام كنت على اتصال بصديق حميم سألته عن أخباره وأسفاره الكثيرة، يقول صديقي تصدق لم أر والدي منذ شهر، ولم أقض يوماً كاملاً مع عائلتي منذ أشهر، حتى زوجتي أصبحت جزءاً من أثاث البيت، *و*في عطلة نهاية الأسبوع أتجه في رحلة ترفيهية مع أصدقائي لأرفه عن نفسي..

    ثم أخبرني انه عاد للتو من رحلة عمل شاقة في دولة آسيوية، جل وقته اجتماعات في اجتماعات..

    وتحدث عن موقف حصل له فأردف قالاً أقمت شراكة عمل مع أحد الشركاء وكنا نجتمع يومياً من الساعة التاسعة حتى الساعة الخامسة مساءً، وهو وقت العمل الرسمي، بعد ذلك الكل يحمل حاجاته وينصرف إلى بيته ما عدا أنا أبقى ساعات في صالة الاجتماع كي أراجع بعض الأعمال و أحياناً أتصل بشريكي لاستيضاح بعض بنود الشركة وتعاملاتها التي غابت عني أثناء الاجتماع..

    في بادئ الأمر تقبل اتصالاتي المتكررة وربما استحي مني لأني ضيف عنده، لكن بعد أيام قال لي عفواً منك وبدون مجاملة أنا وقتي معك من التاسعة وحتى الخامسة لتقول ما تريد، بعد هذا الوقت أرجو منك عدم الاتصال بي فهذا الوقت هو وقت راحتي وهو ملك لعائلتي فقط..

    قلت لصديقي أعجبني موقفه الرجل لأنه يحترم وقته ووقت غيره، ففي مجتمعنا أصبحنا كالآلة نعمل صباح مساء دون كلل أو تعب ولا يوقفنا عن العمل إلا صلاتنا أو أكلنا أو نومنا، وسنظل نعمل على مدار الساعة حتى انتهاء تاريخ صلاحيتنا..

    لم تسول لك أنفسك أخذ قسط من الراحة، فهل نسينا أننا بشر من لحم ودم ونحتاج وقتاً للراحة والاستجمام ونملك روحاً تحتاج منا أن نغذيها بمشاعر وأحاسيس الحب والتواصل مع من نحب ولنا معارف وعائلة وأصدقاء يحتاجون أن نمضي شيئاً من وقتنا معهم، وهل العمل من أجل تنمية قدراتك أم من أجل الإنجاز، أم من أجل العمل فقط..

    أتساءل دائماً هل على الإنسان أن يستميت في عمله ويضحي بصحته ووقته ووقت عائلته وأصدقائه، لكي يكون إنساناً ناجحاً ومميزاً ويملك ثروة لتذهب في نهاية المطاف لغيره بعد مماته؟

    أليس النجاح والمال الذي نسعى له ونتغنى بمفرداته هي من أجل ذلك الإنسان وهو أنت؟

    أي من أجلك أنت فقط ولمن هم حولك، أم لا ناقة لك ولا جمل؟

    أتساءل لو أصيب أحدنا بمرض عضال، قد يتهاوى كل عمل قمت به أمامك، وترى الدنيا كلّها تتوقف أمام عينيك وأنت تراجع فيها حساباتك التي تظهر لك في النهاية أنه لا تنفع تلك الثروة التي جمعتها ويتمنى بعد ذلك أن تفدي نفسك وصحتك بكل ثرواتك التي جمعتها طول عمرك، لأنك تركت الأهم وهي صحتك ووقتك وعائلتك إلى المهم وهو جمع المال فقط..

    أقول لنفسي فما قيمة كل ما أبذله من جهد أمام حياة خالية من العاطفة، خاوية من الشعور بمن حولي؟

    ثم أقول لصديقي لماذا؟ تمضي وقتك مع أصدقائك فقط، أليست لك عائلة تمضي وقت راحتك وأجمل أيام حياتك، ثم من الجميل أن يكون لديك هواية أو رياضة تمارسها بانتظام كل أسبوع على الأقل؟*

    *كلّنا بحاجة إلى جسر خاص للنظر من فوقه نظرة على جمال الحياة، وروعة الدنيا،جسر نلتقط من فوقه أنفاسنا، ونتنهد منه مرة واحدة على الأقل في الأسبوع تنهيدة السعادة لأنها قد تكون آخر تنهيدة في حياتك..

    يقول أبو الفتح البُسْتي :

    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتَطلُبَ الرِّبح في ما فيه خُسرانُ

    أقْبِلْ على النفس واسْتَكْمِل فضائلَها ... فأنتَ بالنفس لا بالجسمِ إنسانُ

    *ومضة : *

    *ليكن جسرك هو بيتك، أو حديقتك، أو كتابك، أو** فنجان قهوتك الصباحي، أو كرسي صغير مطل على البحر، أو كثيّب رمل تراجع من على قمّته** حياتك..** لنراجع أنفسنا حتى نعيش..*
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    السهم الخامس

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:35

    يد الله مع الجماعة هل قرأ الحاج عبدالله شيئاً عن المدينة الفاضلة ؟ أم أنه كان رجلاً فاضلاً عرف كيف يستن بسنة الحبيب فعلاً وقولاً عندما قرأ قوله : كان الله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه كانت البداية فكرة اكتملت فى زهن صاحبنا ، عرضها على أربعة من رفاقه ، فاتفقت رؤاهم وقرروا خوض التجربة متوكلين على خير وكيل ، عندها تحرروا من إسار الوظيفة الحكومية ، وانطلقوا إلى عالم الرزق الحلال المبارك .

    تسلموا مستحقاتهم من شركة السجاد التى يعملون فيها ، واستثمروها فى مشروعهم الجديد ، أقاموا فى قريتهم الصغيرة مصنعاً للكليم والسجاد اليدوى ، كان أهم ما أكد عليه الحاج عبد الله لشركائه هو ضرورة أن يكون للفقراء فى أرباحهم نصيب ، وليكن رأس مال الشركة مقسم على أسهم سته ، لكل منهم سهماً ولله السهم السادس ، فلم يماتع منهم أحد ، وهكذا توافقوا على أن يكون فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم .

    كانت القرية متعطشة لمشروع ينقذ أبنائها من غول البطالة ، ويستوعب المتسربين من التعليم ، من بنين وبنات لمساعدة عائلاتهم ، مشروع يرحم العمال من شغل التراحيل والسفر الزليل ، أما صاحبنا الحاج عبد الله ، فكان متعطشاً إلى دور اجتماعى خيرى ، يلقى به وجه الله عز وجل وهو عنه راض ، أما شركائه فكانوا مطمئنين إلى حكمته وأمانته ، وكذلك كانت دراسات الجدوى تنبئ بنجاح المشروع .

    الإفتتاح اليوم هو موعد الإفتتاح الكبير للمصنع الصغير ، لقد اكتملت بفضل الله عناصر الإنتاج ، فهذه هى الأنوال وتلك الخيوط ، وهؤلاء هم العمال والفنيون ، ما أحلى الفرحة باكتمال الحلم ، وما أجمل أن ترى حلمك مجسداً أمام عينيك ، بسم الله وعلى بركة الله نفتتح المصنع وما التوفيق إلا من عند الله عليه توكلنا وبه نستعين ، هكذا نطق الحاج عبد الله وما أن أنتهى الجميع عمال وعاملات ، من تناول طبق الأرز باللبن الذى أعد احتفالاً بهذه المناسبة حتى بدأوا العمل فى همة ونشاط ، وتحركت الأنواال فى حركة منتظمة دائبة.

    شئ مهم أصبح يجمع الجميع ، هو التراحم والتآذر والإحساس أن كل منهم يعمل فى عمله الخاص ، كان العمل فى المصنع يسير كالساعة ، أو قل كخلية النحل ، لا صوت إلا خبط الأنوال ، ولا وجود للغيبة والنميمة ، ولا مبرر للحسد والتباغض ، فالكل إخوة يعملون ويعود عليهم عملهم على هيئة يسر فى الحياه ورخاء فى العيش .

    حين يؤذن للصلاة تتوقف كل الأنوال ، ويتوافد الجميع لإقامتها خلف الشيخ عبد الله فى قاعة مخصصة لذلك ، كان لديهم نصف ساعة يومية مخصصة لتناول وحبة غداء ، تعدها عاملات مخصصات لذلك .

    تجارة مع الله فى الإجتماع الشهرى لمجلس الإدارة ، قال مسؤل حسابات المصنع : إن أرباح كل سهم ألفين من الجنيهات ، وهذه هى الألفين التى تخص السهم الخامس فماذا تقترحون بشأنها ؟ قال الحاج عبد الله : أرى أن نشترى بها مواد غذائية أساسية ، ونوزعها على الفقراء فما رأيكم ؟ وافق الجميع ، وانفضوا عن اجتماعهم ممتنين لما أفاء الله به عليهم من الرزق والعمل الصالح .

    وفى الشهر الذى تلاه وجدوا أن الإيراد قد زاد ، فقرروا أن يزيدوا مرتبات العاملين وأن يعطوهم مكافأة عن تفانيهم فى العمل ، وأن تتحول أرباح السهم الخامس إلى معاشات شهرية ، تدفع إلى بعض الأسر التى ليس لها عائل .

    وهكذا كانت الأيام تمر والإقبال يزيد على إنتاج المصنع ، وكان المصنع يتوسع والعاملين فيه يزيدون ، وكلما زادت الأرباح كلما زادت المرتبات وزاد عدد المستفيدين من السهم الخامس ، وكأنك تستطيع أن ترى البركة فى هذا المال رأى العين ، فلا تملك إلا أن تعجب من أمر الله الرزاق الكريم وفى المساء وقبل أن يضع الحاج عبد الله رأسه على الوسادة ، كان يسترجع أحداث اليوم ، فيشعر براحة عجيبة واطمئنان نفسى هائل ، فيعلم أن الله معه فيستمر فيما خطه لنفسه لما يرى من تأييد الله له .

    احتفال حركة غير عادية ونشاط زائد فى المصنع ، وفتاتان تتهامسان تقول إحداهن : سمعت أنهم سوف يزيدون مرتباتنا مرة أخرى ، وستكون وجبة الغذاء ساخنة بداية من هذا الشهر ... تقول الأخرى : ربنا يبارك لهم ... أنا ولله الحمد كدت أن انتهى من شراء كل جهازى ، تقول الأولى : وأناأيضاً سوف أشترى ... (يأتى المشرف فيقول لهما : هيا انتهيا من عملكما بسرعة حتى تلتحقا بالإحتفال ) تبتسمان لبعضهما وتتبادلان نظرات ذات مغزى ثم تنهمكان فى العمل .

    بعد صلاة الظهر فوجئ العاملين بأحد الشركاء يوزع عليهم وجبات مغلفه ، تناولها كل منهم بفرحة ، منتوياً أن يبذل كل جهده فى خدمة هذا المصنع وأصحابه ، بعد الإنتهاء من الطعام ترأس الحاج عبدالله الاجتماع وبعد الحمد والثناء على الله قال:

    أولاً : سوف نقيم مصنع آخر للتريكو ونستعين للعمل فيه بخريجات المدرسة الثانوية الصناعية .

    ثانياً : سوف نستمر بفضل الله فى تقديم وجبة الغذاء الساخنة يومياً فأنتم تستحقون التكريم ، فبمجهودكم استطعنا التقدم والتوسع فى نشاطنا .

    ثالثاً : سوف تزيد مرتباتكم مرة أخرى بمقدار 10% ...!! صفق الجميع وانتابتهم فرحة غامرة ، وأصبح كل منهم يفكر فى طموحاته الخاصة ، فمنهم من يجهز لزواجه ... ومنهم من قرر إعادة بناء بيته القديم .... ومنهم من يستعد لزواج إبنه أو ابنته ، بعد الإجتماع تفرق الجميع كل إلى عمله بجد وهمة .

    مالم يقله الحاج عبد الله فى الإجتماع ، أنه قرر مع شركاؤه أن يكون السهم الخامس ربع ناتج المصنع ، حيث أصبحوا يستحون أن يتساوى سهمهم مع سهم الله ، كان الحاج عبد الله هو صاحب الإقتراح وهوأيضاً من اقترح فى العام الذى تلاه أن يكون السهم الخامس نصف عائد رأس المال ، على أن ينشئون به مصنع للملابس الجاهزة ينفق ريعه كله فى سبيل الله .

    هل كانت موافقة الشركاء حينئذ من قبيل الرضوخ للأمر الواقع ، أم أنها كانت استحياء من الحاج عبد الله ، أم من الله الذى منَ عليهم بما هم فيه ؟ هل كان بودهم لو أنهم رفضوا هذا الإقتراح مع الإكتفاء بالسهم الخامس فقط ؟ الله أعلم . ولكن الأحداث أثبتت أنهم لم يكونوا مرتاحين تماماً لهذا الإقتراح ....!! بركات من السماء ولكن ماذا حدث للقرية فى ظل هذه التحولات ؟

    الواقع أن الله أراد لها أن تودع عدواً لدوداً طالما قهرها ، وهل الفقر إلا ذلك ....!! فعندما عم الخير ولم يعد هناك فقير عم الحب بين الناس ، فتراحموا وتوادوا ، وانعدمت الجرائم أو كادت ، ولم يجد مركز الشرطة ما يفعله ، فحين يعم العدل يسود الرخاء بين الناس ، ويرتاح رجال الأمن ، لم يعد أيضاً فى القرية من فاته قطار الزواج ، بينما لم تجد المقاهى رواداً لها فتحول معظم أصحابها إلى مهن أخرى ، وعاد المسافرون للعمل فى أنحاء العالم إلى القرية ، فحصلوا على عمل مجزى فى المصنع ، وأتيحت لهم فرصة الاستقرار بجوار نسائهم وأولادهم ، فاستقرت الأسر واطمئن الأطفال وحسنت الأخلاق وسادت مكارمها ، وانتظمت الحياة فى القرية وكأنها الساعة ، وامتلأت المساجد بالمصلين الحامدين ، وأقيمت حلقات الدرس وتحفيظ القرآن بعد صلاتى الفجر والمغرب ، يقوم عليها شباب من خريجى الأزهر عينهم الحاج عبد الله لهذا الغرض ، وأجرى عليهم المرتبات المجزية من حصيلة السهم الخامس .

    القرار الصعب ودائماً ما يجد الشيطان مداخله ، ومدخله هذه المرة هو أحد الشركاء الذى لم يعجبه أن يصبح السهم الخامس نصف الريع ، وأن يخصص مصنع الملابس الجاهزة الجديد كله لله ، فأخذ يحرض باقى الشركاء على رفض الإقتراح ، وصار ينتقل من هذا إلى ذاك ، محاولاً كسب تأييد الاثنان الآخران ، حتى نجح بمساعدة الشيطان فى مسعاه .

    وفى لحظه فارقة قرر الثلاثة مواجهة الحاج عبد الله بما انتووه ، وكانت جلسة عاصفة ...!! أصر فيها الحاج عبد الله على موقفه ، وأصر باقى الشركاء على ما أرادوه ، أو أن يتخارجوا من الشركة ، ولما طال الإجتماع ولم يجد الحاج عبد الله بداً من إثنائهم عن قرارهم ، إنكفأ على مكتبه وندت من عينه عبرة ، حجزها جاهداً ثم رفع رأسه وقال : لكم ما أردتم ولنفض الشركة بالمعروف ، مروا مراقب الحسابات فليجنب سهمى ، ويجنب أسهمكم كل فى ناحية ، وكان لهم ما أرادوا وتم التقسيم ، وتراضوا على أن يتولى الحاج عبد الله متابعة مشروعات السهم السادس القرية الفاضلة ياللدهشة ما أسرع ما عمل الشيطان عمله بين الشركاء ، بعد أن تفانوا فى عملهم وتحابوا فى الله فبارك لهم ، حتى إذا وجد الملعون فرجة دلف منها ليفعل فعله .

    وياأسفاه على بلدة طيبة حين يتفرق من كانوا سبباً فى جمع شملها ، لقد كان فراقهم للقرية مأتماً كما كان اجتماعهم من قبل لها فرحاً ، بكت الفتيات والنساء ، وكاد أن يتقبل الرجال العزاء ، أما صاحبنا ... الأب الروحى للمشروع المبارك ... فجلس فى بيته مهموماً مأزوماً يفكر ، أخذت تحدثه نفسه بينما قلبه يعتصر ألماً ، هل أخطأ باتخاذه لهذا القرار ؟

    هل كان يجب أن يحمل شركاؤه على ما يكرهون ، هل .. هل .. وماذا بعد ذلك ؟

    ماذا أفعل من أجل المساكين الذين رتبوا حياتهم على ما يصلهم من إعانات السهم الخامس بعد انخفاض حصته إلى الربع ؟

    فجأة برقت فى عقله فكرة إلتمعت لها عيناه .. لماذا لا يكون المال كله لله ؟

    أخذ يحدث نفسه ، ما أقلنى تأدباً مع الله ،أيرزقنى فأقول هذا لى وهذا لك ؟

    أليس المال ماله والبركة منه ؟

    أليس هو المعطى وأنا خليفته فى أرضه ؟

    أليس هو الوارث وله الملك وأنا الفانى وعلىَ الوزر؟

    أليس هو صاحب الخزائن التى لا تنفذ وما أنا إلا عبد لا يبغى إلا وجهه وجنته ورضاه ؟

    فمالى أتجرأ على مقامه وأشاركه فى ماله وما أنا إلا نطفة حقيرة كرمها الله بالوجود وبالعقل ؟

    وكيف يانفسى تطاولى مقام العلى العظيم وتبوئين بإثم سوء إدارته ؟

    إن من الحكمة أن يكون المال كله لله ....!! نعم المال كله لله.. ولكن أأترك عيالى فقراء يتكففون الناس ؟

    وأجاب قلبه الحافظ قائلاً : ( وليخش الذين لو تركوا ذريةً ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليعملوا عملاً صالحاً ) فلأقدم لهم تقوى الله إذن ، ولأشترى ما عند الله بما أعطانيه الله ولأترك لأولادى الله ولن يضيعهم إن شاء ، فما الحياة الدنيا إلا جسر نعبر عليه للحياة الأبدية بحسب ما قدمنا فيها .

    أرسل فى طلب خطاط القرية ، وأمره بأن يخط الآية السابقة على لوحة كبيرة ، ثم وضعها فى مدخل المصنع ، وعقد العزم على تنفيذ ما انتواه . توجه إلى العاملين فى مصنعه ومصنع السهم الخامس بقراره : إن المال كله لله ....!فمن أحب أن يتاجر مع الله فليساهم فى السهم الخامس ، فتدافع أهل القرية كلُ يقدم مافاض عن حاجته راضياً مستبشراً .

    دارت الأيام دورتها فإذا بالمال يفيض والخير يعم ، فقرر الحاج عبدالله أن يكون للفلاحين فى القرية نصيباً فى مشاريع السهم الخامس ، فاشترى أرضاً واستعمل منهم من يزرعها ، وأراد أن تجد نساء القرية اللاتى لا تتيح لهن ظروفهن العمل فى المصانع أن يجدن مصدراً لزيادة دخلهن ، فألحق بالأرض مزرعة للأبقار وأخرى للدواجن ، تُسمد الأرض من مخلفاتها وتنتج الأرض أعلافها وتقوم النساء بحلبها ، وتصنع المنتجات من ألبانها ، وتمد القرية من لحومها .

    ثم أنشأ بعد ذلك صندوق يسمى بيت مال المسلمين ، يقرض قروضاً حسنة للشباب المقدم على الزواج ، أو لمن أراد أن يعيد بناء بيته ، أو ما شاكل ذلك من مشاريع أسرية .

    وتلفت الحاج عبدالله بعد ذلك حوله ، فوجد طلبة العلم فى القرية يذهبون إلى المدينة لتلقى العلم ومنهم من يذهب إلى العاصمة ، ورأى كيف يضيع وقت الطلبة فى السفر ذهاباً وإياباً ، مع ما قد يتعرضون له من آفات الصحبة الفاسدة ، وقد تسرقهم المدنية المزيفة وأضواء المدينة الكاذبة فتفسدهم .

    فقرر أن يكون المشروع القادم للسهم الخامس هو إقامة معهد دينى إبتدائى وإعدادى وثانوى ، فإذا بكل أبناء القرية يتسابقون للمساهمة فى المشروع ، وإذا بالأيدى التى تعودت على الأخذ تمتد للمساعدة والعطاء فهذا يساهم بماله وهذا بجهده وذاك بالإشراف على تنفيذه ، وهكذا تم البناء وانتظم الطلاب يدرسون سنةَ وحديثا ، ويحفظون آيات الله شرحاً وتفسيراً ، ثم أتبعه بعد عامين بكلية شريعة تابعة للأزهر ، ما لبثت أن تكاثرت حتى غدت عدة كليات أزهرية ببركة من الله وفضل .

    إذن تجاوزت القرية محنة الإنفصال ، وأصبحت يداً واحدة بل أنها ازدادت حباً وترابط وصلابة ، علموا أن الله معهم فاطمأنوا وساد الأمن والأمان ، وأيقنوا أن يده فوق أيديهم فوثقوا فيما عنده ، وقنع كل منهم بما لديه ثقة فيما عند الله ، تلاحموا وتساندوا وكان لهم فى الحاج عبد الله قدوة قريبة وفى النبى وصحابتة أسوة ومرجع .

    إقترح أحدهم أن تسمى قريتهم قرية السهم الخامس ، ووافق باقى أهل القرية فى اجتماعهم السنوى على هذا المسمى الميمون ، وتسامع الناس بالتحول الكبير الذى حدث فى قرية السهم الخامس ، فانطلقت الوفود من القرى المجاورة زائرة ، لترى التجربة المزهلة عن كثب ، وتستعين بخبرة الحاج عبدالله فى إقامة مشروعات خيرية مماثلة فى قراهم ، فكان يذهب معهم ويقيمون له سرادقات كبيرة ، يجمعون فيها أهل تلك القرى فى احتفالات كبيرة ، فيتنافسون على التبرع للمشروع الذى توافقوا على أن يقام فى قريتهم حسب أولوية حاجتهم إليه .

    كانت للحاج عبد الله طريقة طريفة فى استخراج الأموال من أشد الناس حرصاً عليها ، فكان يجلس أولاً مع مقاول البناء والنخبة التى سوف تتولى الإشراف على إقامة المشروع إلى أن يرى النور ، كى يتعرف تفصيلياً على مفردات ما يحتاجونه ، ثم يتكلم فى الإحتفال عن أهمية البذل وثواب العطاء وفضل التصدق فى سبيل الله ، ثم يفتتح التبرع بتبرعات وجوه الناس وخصوصاَ الوفد الذى أتى إليه أولاَ ، ثم يتحول إلى الناس ، بالقول مثلاً (عاوزين ميت ألف طوبة مين هيشترى طوب ربنا ) حتى إذا اكتمل ثمن الطوب انتقل للأسمنت ( عاوزين خمسين طن اسمنت مين يشترى اسمنت ربنا ) وهكذا فى الحديد والرمل والمكاتب وحتى مقابض الأبواب والدهانات ولافتة المشروع ، حتى إذا بقى جزء يسير دفعه هو من بيت مال قرية السهم الخامس ، إلى أن يكتمل المبلغ المطلوب للمشروع .

    هذه قصة رجل فاضل ، أجرى الله على يديه الخير ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول ( إن لله رجال اختصهم بقضاء حوائج الناس ) .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    جمعية تحرير المرأة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:35

    خاص ينابيع تربوية

    تسرع الخطى...تعبر الطريق...تحمل رضيعتها على كتفها ، بينما يتشبث الآخر بذيل جلبابها العتيق،تصطدم رأس الرضيعة من فرط استعجال من تحملها بسلة الخوص التي على رأس بائعة خضار في طريقها إلى السوق ، تحمل أيضاً وليدها ، كادت أن تعثر بينما صرخت الطفلة من الألم ، تماسكت بشحذ مزيد من القوه... ثم أسرعت بينما هي تهدهد طفلتها الباكية.

    ها هي أخيراً قد وصلت ، دعت الله أن تلحق التوقيع في دفتر الحضور قبل أن يرفعه المدير، الوقت يجرى بسرعة وعقارب السا ها قد جاء الباص، ينسلت كيس السندوتشات وزجاجة الحليب من يدها وهي تصعد إليه ، يتطوع شخص بمناولتها إياه تشكره ..تندهش من وجود مقعد خالى في هذا الصباح، ترتمى عليه ..استقرت أنفاسها قليلاً بعد طول لهاث..(شارع هدى شعراوي يا أسطى) ،تحاول إقناع طفليها بالكف عن البكاء ، وخصوصاً بعد أن أبدى أحد الركاب تذمره من ذلك، يقف الباص أمام مدرسه ، تجمع طفليها وكيس الطعام والحفاضات وحقيبة يدها إلى أكتافها وتنزل مسرعه، وأمام باب مدرسة(قاسم أمين الابتدائية)، تودع طفلها وتكمل الهرولة قاصده المؤسسة التي تعمل بها.

    آه الساعة تشير إلى الثامنة والثلث.. (فقط لو أن هذا المدير يستبدل هذه التكشيرة المخيفة) . دلفت إلى مكتب قريب من الباب ، تركت طفلتها لدى زميلاتها ريثما تذهب للتوقيع لدى المدير، لم تأبه لبكائها..( آه .. لم يعد لدي المزيد من الأجازات العارضة) .

    ألقت السلام على الأستاذ مسعد... ثم انتظرت في حرج كى يسمح لها بالتوقيع ، عقد الأستاذ مسعد ما بين حاجبيه وناولها الدفتر على مضض (معذرةً يا سيادة المدير لقد كان طفلي يرفض الاستيقاظ من النوم يبدو أنه كان دافئاً من أثر التهاب في حلقه)، يضغط المدير على شفتيه من فرط غيظه لتأخرها اليومي ، يتمنى لو ينفجر فيها معنفاً كمعظم الأيام ، ولكنه اليوم يشفق على نفسه من ارتفاعالضغط ، يعطيها الدفتر فتوقع ثم يشير إليها في تأفف بالانصراف إلى العمل.

    ترتمي على مقعدها الخشبي ... تضع طفلتها على ساقيها وتعيد رأسها إلى الوراء ... تأخذ نفساً عميقاً ... تنظر إلى كومة من الدوسيهات التي على المكتب... تغمض عينيها وتسترخي ، راحت الطفلة أيضاً في سبات عميق ، مرت فتره قبل أن تستعيد الموظفة بعض توازنها ، وتقوى على أن تسند كيس السندوتشات والحليب والحفاضات على أحد الأرفف ، تخرج من درج المكتب بطانية صغيره... تفردها على رف آخر وتضع طفلتها عليه برفق ...تدير ظهر كرسي خشبي آخر إلى الرف حتى يحجز خلفه الرضيعة فلا تسقط ... يستدعيها رئيسها المباشر ويعنفها على تباطؤها في إنجاز العمل ،وينبهها إلى أنه فرغ صبره ، وسيطلب من المدير عدم تجديد عقدها مع المؤسسة إذا ااستمر تراكم العمل المكلفة به.

    تتعثر في باب الخروج.... فتندفع كأنما قذفها أحد ....تكاد تسقط ....تتشبث بالنافذة .. تستعيد توازنها .. تصطدم عينيها عبر النافذة بلافته على العمارة المقابلة ، مكتوب عليها (جمعية تحرير المرأة وحمايتها من العنف).تسيل دمعتان طالما حجزتهما طويلاً، تجرى إلى مكتبها وصوت بكاء الطفلة يصل بصداه إلى اللافتة ثم يعود.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سأترك ماءكم من دون ورد

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:36

    في قديم الزمان يحكى أن ملك وهو فوق سطح داره فإذا به يرى امراءة بهية في حسنها فائقة الجمال فسال جاريته عن تلك الحسناء من تكون أجابته الجارية قائلة أنها ملكك يا مولاي فهي زوجة غلامك فيروز فآمر الملك وفي الحال أن يحضروا له غلامه فيروز فلما جاء أليه قال لبيك يا مولاي

    قال له الملك خذ كتابي هذا إلى الملك فلآن وااتني بالرد أجابه السمع والطاعة :توجه فيروز إلى داره فوضع الكتاب تحت وسادته

    وفي الصباح الباكر قام فجهز نفسه للذهاب لتنفيذ ما طلب منه ولكنة نسي الكتاب تحت الوسادة آما الملك فاتجه مسرعا إلى دار غلامه طرق الباب طرقا خفيفا سالت زوجة فيروز من بالباب أجاب الملك أني سيد زوجك فيروز أجابته أرى مولانا عندنا اليوم قال الملك قد جئت زأرا فردت أعوذ بالله من هذه الزيارة فقال لها ويحكِ الم تعرفينني أنني الملك

    فقالت بل عرفتك يا مولا ي ومن في هذه الديار كلها لا يعرفك يا مولاي ولكن سبقك الأوائل في قولهم

    سأترك ماءكم من دون وردوذاك لـكـثـرة الـــوارد فـيــه

    إذا سقط الذبـاب علـى طعـامرفعت يدي و نفسي تشتهيـه

    وتجنبت الأسود ورود ماءإذا كـان الكـلاب ولغـن فـيـه

    ويرتجع الكريم خميص بطنولا يرضى مساهمة السفيه



    ثم قالت أيها الملك تأتي إلى موضع شرب كلبك تشرب منه فهم الملك كلامها فخجل من نفسه وارتبك في الخروج مذلولا ونسي حذاءه من شدة ارتباكه بعدها بوقت قصير رجع الغلام إلى داره حيث اكتشف انه نسي الكتاب في الدار وعند دخوله إلى الدار وجد حذاء الملك في بيته فطاش عقله و أدرك أن الملك لم يرسله في هذا السفر ألا لغاية في نفسه فسكت ولم يبدي كلاما واخذ الكتاب وسار إلى ما أمره الملك فقضاها وبعد عودته أكرمه الملك فوهبه مائة دينار

    فمضى فيروز إلى السوق فاشترى لزوجته ما يليق بالنساء من هدايا لها و لاهلها ففرحت زوجته بما أتى به فقال لها قومي إلى زيارة بيت أبيك قالت لماذا أجابها أن الملك وهبني وأريد أن تظهري لأهلك ذالك فقامت متوجهة إلى بيت أبيها ففرحوا بها وبما جاءت به معها فأقامت عندهم قرابة الشهر ولكن زوجها لم يسأل عليها

    فقدم أليه أخوها متسائلا إياه عن سبب غضبه من زوجته أو يحاكمه بحضورالملك فقال فيروز أن شئتم الحكم فأفعلو فما تركت لها علي من حق فطلبوه إلى الحكم فلما حضر إلى القاضي وكان القاضي جالسا إلى جوار الملك فقال اخو الزوجة مولانا قاضي القضاة أني أجرت هذا الرجل بستانا سالم الحيطان ببئر ماء معين عامرة وأشجارها مثمرة فأكل ثمرها وهدم حيطانها وخرب بئرها فسأل القاضي الغلام قائلا لفيروز ماقولك أجاب قد تسلمت البستان وسلمته إليه أحسن مما كان فقال القاضي لأخو الزوجة هل سلمك البستان كما يقول أجاب نعم ولكن أريد إن اعرف سبب رده إلي البستان قال القاضي ماذا أنت قائل يا فيروز

    أجاب والله يا مولاي ما ردت البستان كراهية فيه وإنما جئت يوما فوجدت فيه اثر الأسد فخفت إن يغتالني الأسد فحرمت على نفسي دخول البستان أكراما للأسد وكان الملك متكأ فاستوى وقال يا غلام ارجع إلى بستانك أمنا مطمأنا فوالله إن الأسد دخل البستان ولم يؤثر فيه من اثر ولا التمس منه ورقا ولا سمرا ولا شيئا ولم يلبس فيه غير لحظة يسيرا وخرج من غير باس و والله ما راى الاسد مثل بستانك ولا اشد احترازا من حيطانه على شجره فرد الغلام اليه زوجته وعادا الى الدار ولم يعلم القاضي و الحضور بشي مما جرى

    __________________________

    منتديات ينابيع تربوية
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بر الوالدين ... فأردت أن أفعله بوالدي !!

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:37

    بر الوالدين ... فأردت أن أفعله بوالدي !!



    هاهي عقارب الساعة تزحف ببطء لتصل إلى السادسة مساء في منزل زوجة الفقيد أبي محمد ،التي تقضي اليوم الأول بعد رحيل زوجها الشاب إلى جوار ربه ، ولسان حالها تجاهه وهي ترمق صخب الدنيا :

    جاورتُ أعدائي وجاور ربه ....... شتان بين جواره وجواري



    غصَّ البيت بالمعزين رجالا ونساء صغارا وكبارا ...اصبري يا أم محمد واحتسبي ، وعسى الله أن يريك في محمد ذي الثلاثة أعوام خير خلف لأبيه ...وهكذا قضى الله أن يقضي محمد طفولته يتيم الأب ، غير أن رحمة الله أدركت هذا الغلام فحنن عليه قلب أمه فكانت له أما وأبا ..



    تمر السنون ويكبر الصغير وينتظم دارسا في المرحلة الابتدائية ..ولما كُرِّم متفوقا في نهاية السنة السادسة أقامت له أمه حفلا رسم البسمة في وجوه من حضر .. ولما أسدل الليل ستاره وأسبل الكون دثاره ،،



    سارَّتْه أمه أن يا بني ليس بخاف عليك قلة ذات اليد عندنا ، لكني عزمت أن أعمل في نسج الثياب وبيعها ، وكل مناي أن تكمل الدراسة حتى الجامعة وأنت في خير حال ..بكى الطفل وهو يحضن أمه قائلا ببراءة الأطفال Sad ماما إذا دخلت الجنة إن شاء الله سأخبر أبي بمعروفك الكبير معي ) ..

    تغالب الأم دموعها مبتسمة لوليدها ..



    وتمر السنون ويدخل محمد الجامعة ولا تزال أمه تنسج الثياب وتبيعها حتى كان ذلك اليوم ...دخل محمد البيت عائدا من أحد أصدقائه فأبكاه المشهد ..وجد أمه وقد رسم الزمن على وجهها تجاعيد السنين .. وجدها نائمة وهي تخيط ،لا يزال الثوب بيدها ..كم تعبت لأجل محمد ! كم سهرت لأجل محمد !



    لم ينم محمد ليلته تلك ولم يذهب للجامعة صباحا ..عزم أن ينتسب في الجامعة ويجد له عملا ليريح أمه من هذا العناء ..

    غضبت أمه وقالت : إن رضاي يا محمد أن تكمل الجامعة منتظما وأعدك أن أترك الخياطة إذا توظفت بعد الجامعة ..وهذا ما حصل فعلا ..



    هاهو محمد يتهيأ لحفل التخرج ممنيا نفسه بوظيفة مرموقة يُسعد بها والدته وهذا ما حصل فعلا ..محمد في الشهر الأول من وظيفته وأمه تلملم أدوات الخياطة لتهديها لجارتها المحتاجة ،محمد يعد الأيام لاستلام أول راتب وقد غرق في التفكير : كيف يرد جميل أمه ! أيسافر بها ! أيسربلها ذهبا !



    لم يقطع عليه هذا التفكير إلا دخول والدته عليه وقد اصفر وجهها من التعب ، قالت يا بني أشعر بتعب في داخلي لا أعلم له سببا ،هب محمد لإسعافها ، حال أمه يتردى ، أمه تدخل في غيبوبة ، نسي محمد نفسه .. نسي عمله .. ترك قلبه عند أمه لا يكاد يفارقها ، لسان حاله :

    فداك النفس يا أمي .... فداك المال والولد



    وكان ما لم يدر في حسبان محمد .. هاهي الساعة تشير إلى العاشرة صباحا ،،محمد يخرج من عمله إلى المستشفى ، ممنيا نفسه بوجه أمه الصبوح ريانا بالعافية ، وعند باب القسم الخاص بأمه استوقفه موظف الاستقبال وحثه على الصبر والاحتساب .. صعق محمد مكانه ! فقد توازنه ! وكان أمر الله قدرا مقدورا .



    شيع أمه المناضلة لأجله ، ودفن معها أجمل أيامه ، ولحقت بزوجها بعد طول غياب ، وعاد محمد يتيم الأبوين ..انتهى الشهر الأول وادخل الراتب الأول لحساب محمد .. لم تطب نفسه به ، ما قيمة المال بلا أم !هكذا كان يفكر حتى اهتدى لطريق من طرق البر عظيم ، وعزم على نفسه أن يرد جميل أمه حتى وهي تحت التراب .



    عزم محمد أن يقتطع ربع راتبه شهريا ويجعله صدقة جارية لوالدته ، وهذا ما حصل فعلا .. حفر ها عشرات الآبار وسقى الماء وبالغ في البر والمعروف ، ولم يقطع هذا الصنيع أبدا حتى شاب عارضاه وكبر ولده ولا يزال الربع مُوقفاً لأمه .



    كانت أكثر صدقاته في برادات الماء عند أبواب المساجد .. وفي يوم من الأيام وجد عاملا يقوم بتركيب برادة عند المسجد الذي يصلي فيه محمد .. عجب محمد من نفسه ! كيف غفلت عن مسجد حينا حتى فاز به هذا المحسن !! فرح للمحسن وندم على نفسه ! حتى بادره إمام المسجد من الغد شاكرا وذاكرا معروفه في السقيا !



    قال محمد لكني لم أفعل ذلك في هذا المسجد ! قال بلى جاءني ابنك عبد الله – وهو شاب في المرحلة الثانوية - وأعطاني المبلغ قائلا : هذا سأوقفه صدقة جارية لأبي ، ضعها في برادة ماء ، عاد الكهل محمد لابنه عبد الله مسرورا بصنيعه !

    سأله كيف جئت بالمبلغ ! ليفاجأ بأن ابنه مضى عليه خمس سنوات يجمع الريال إلى الريال حتى استوفى قيمة البرادة !

    وقال : رأيتك يا أبي منذ خرجتُ إلى الدنيا تفعل هذا بوالدتك .. فأردت أن أفعله بوالدي ..



    ثم بكى عبد الله وبكى محمد ولو نطقت تلك الدمعات لقالت :

    إن بركة بر الوالدين تُرى في الدنيا قبل الآخرة !



    وبعد .. فيا أيها الأبناء ..

    بروا آباءكم .. ولو ماتوا .. يبركم أبناؤكم

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    قصص عن الأمانة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:38

    قصص عن الأمانة

    1- قال صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لأصحابه رضي الله عنهم : " اشترى رجل من رجل عقاراً له ، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب ، فقال له الذي اشترى العقار : خذ ذهبك مني ، إنما اشتريت منك الأرض ، ولم ابتع منك الذهب ، فقال الذي شرى الأرض ( أي : الذي باعها ) : إنما بعتك الأرض وما فيها ، قال : فتحاكما إلى رجل ، فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ فقال أحدهما : لي غلام ، وقال الآخر : لي جارية ، قال : أنكحوا الغلام بالجارية ، وأنفقوا على أنفسكما منه ، وتصدقا "

    2- ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل من بني إسرائيل أنه سأل رجلاً من بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم ، فقال : كفى بالله شهيدا ، قال : فائتني بالكفيل ، قال : كفى بالله كفيلا ، قال : صدقت ، فدفعها إليه على أجل مسمى ، فخرج في البحر ، فقضى حاجته ، ثم التمس مركباً يركبها ، يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركباً ، فأخذ خشبة ونقرها ، فأدخل فيها ألف دينار ، وصحيفة منه إلى صحابه ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها البحر ، فقال : اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلا ، فقلت : كفى بالله كفيلا ، فرضي بك ، وسألني شهيداً فقلت : كفى بالله شهيداً ، فرضي بذلك ، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر ، وإني استودعكها ، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف ، وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده .

    فخرج الرجل الذي كان أسلفه ، ينظر لعل مركباً قد جاء بماله ، فإذا بالخشية التي فيها المال ، فأخذها لأهله حطباً ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة . ثم أقدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار ، فقال : والله ما زلت جاهداً في طلب مركبة لآتيك بمالك ، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه ، قال : هل كنت بعثت إلي شيء ؟ قال : أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه ‍‍‍‍‍‍‍. قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشية ، فانصرف بالألف دينار راشداً

    3.في القادسية ماذا فعل سعد ابن أبي وقاص بكنوز كسرى

    ولما فتح المسلمون القادسية ونصرهم الله، ورفعوا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القادسية سلم لـسعد بن أبي وقاص ذهب وفضة، واستولى على خزائن كسرى، ولما رآها دمعت عيناه وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ )[الدخان:25-29].

    فجمع الجيش وقال: هذه أمانة فما رأيكم؟

    قالوا: نرى أن تدفعها لـعمر بن الخطاب الخليفة فما أخذوا منها درهماً ولا ديناراً.

    هذا رأي العرب الذين آمنوا بالإسلام فتغيرت أحوالهم من حال الفقر إلى القناعة ، هم العرب الذين كانوا فقراء يطلبون المال من كسرى وقيصر ويقفون بأبوابهم هم الذي غير الإسلام أحوالهم فأبدلهم غنى القلب والقناعة وطلب النعيم في الجنة مع أنهم فقراء لكنه الإيمان الذي جعلهم يدفعون الأموال لـعمر ابن الخطاب ، فلما رآها بكى وقال: والله الذي لا إله إلا هو إن قوماً دفعوها إليَّ لأمناء.

    4. معاذ في اليمن

    ولما جاء معاذاً من اليمن كان معه بغال أتى ببغال معه وأتى ببعض المال -والقصة صحيحة- فقال عمر : سلم ما عندك من مال أحاسبك، قال: أنت الخليفة، أو أبو بكر ، قال: أبو بكر الخليفة ولكن أنا هو وهو إياي، يعني أنا أقول بلسانه وهو يقول بلساني.

    فقال معاذ : والله ما أخذت هذا المال إلا متاجرة وما أخذته من أموال المسلمين، فتركه عمر ونام معاذ تلك الليلة، فرأى في المنام أنه يريد أن يهوي إلى نار عميقة، وأن عمر يسحبه بثيابه على شفى حفرة من النار أي يرى أنه يكاد يهوي على وجهه في نار، وعمر يجره -فذهب معاذ إلى عمر في الصباح، قال: أحسنت، أصاب بك الله الخير، رأيت كيت وكيت، قال عمر : هيا بنا إلى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن أحلك في مالك فهنيئاً مريئاً، وإلا فرده، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبره، قال: أحللته لك خذه هنيئاً مريئاً.

    إن عبادتهم كانت أمانة، ومراقبتهم لله عز وجل لا تفارقهم ليل نهار، وهم الذي بلغوا درجة الإحسان.......

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    متابعات
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حكاية الست ساعات

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:39

    حكاية الست ساعات



    كان هناك صياد سمك.. جاد في عمله ، كان يصيد في اليوم سمكة فتبقى في بيته .. ما شاء الله أن تبقى

    حتى إذا انتهت .. ذهب إلى الشاطئ .. ليصطاد سمكة أخرى .

    في ذات يوم ..

    وبينما كانت زوجة الصياد تقطع ما اصطاده زوجها إذ بها ترى أمرا عجبا !!

    رأت .. في داخل بطن تلك السمكة لؤلؤة !!!

    تعجبت !! لؤلؤة .. في بطن سمكة ..؟؟

    سبحان الله ..

    * زوجي .. زوجي .. انظر ماذا وجدت ..؟؟

    * ماذا ؟؟

    * إنها لؤلؤة

    * ما هي ؟؟

    * لؤلؤة .. ف ف في ب ب بطن السم م مكة ؟؟!!!

    * يا لك من زوجة رائعة .. أحضريها .. علنا أن نقتات بها يومنا هذا .. ونأكل شيئا غير السمك

    أخذ الصياد اللؤلؤة ..

    وذهب بها إلى بائع اللؤلؤ الذي يسكن في المنزل المجاور

    * السلام عليكم.

    * وعليكم السلام .

    * القصة هي أننا وجدنا لؤلؤة في بطن السمكة .. وهذه هي اللؤلؤة .

    * أعطني أنظر إليها ..

    يااااااااه .. إنها لا تقدر بثمن .. !!

    ولكنني لا أستطيع شراءها ..

    لو بعت دكاني .. وبيت جاري وجار جاري .. ما أحضرت لك ثمنها .. !!

    لكن .. اذهب إلى شيخ الباعة في المدينة المجاورة ..

    عله يستطيع أن يشتريها منك ..!!! وفقك الله .

    أخذ صاحبنا لؤلؤته .. وذهب بها إلى البائع الكبير .. في المدينة المجاورة

    * وعرض عليه القصة .

    * دعني أنظر إليها ..

    الله .. والله يا أخي .. إن ما تملكه لا يقدر بثمن .. !!

    لكني وجدت لك حلا .. اذهب إلى والي هذه المدينة ..

    فهو القادر على شراء مثل هذه اللؤلؤة !!

    * أشكرك على مساعدتك .

    وعند باب قصر الوالي ..

    وقف صاحبنا .. ومعه كنزه الثمين .. ينتظر الإذن له بالدخول .

    وعند الوالي:

    * سيدي .. وعرض عليه القصة .. وهذا ما وجدته في بطنها ..

    * الله .. إن مثل هذه اللآلئ هو ما أبحث عنه .. لا أعرف كيف أقدر لك ثمنها ..

    لكن سأسمح لك بدخول خزنتي الخاصة ..

    ستبقى فيها لمدة ست ساعات .. خذ منها ما تشاء .. وهذا هو ثمن هذه اللؤلؤة !!!

    * سيدي .. علك تجعلها ساعتان .. فست ساعات كثير على صياد مثلي .

    * فلتكن ست ساعات .. خذ من الخزنة ما تشاء

    دخل صاحبنا خزنة الوالي .. وإذا به يرى منظرا مهولا .. !!

    غرفة كبيرة جدا .. مقسمة إلى ثلاث أقسام .. !!

    قسم مليء بالجواهر والذهب واللآلئ .. !!

    وقسم به فراش وثير .. لو نظر إليه نظرة نام من الراحة .. !!

    وقسم به جميع ما يشتهي من الأكل والشرب ..

    الصياد محدثا نفسه

    * ست ساعات ؟؟

    إنها كثيرة فعلا على صياد بسيط الحال مثلي أنا ..؟؟

    ماذا سأفعل في ست ساعات ..

    حسنا .. سأبدأ بالطعام الموجود في القسم الثالث ..

    سآكل حتى أملأ بطني ..

    حتى أستزيد بالطاقة التي تمكنني من جمع أكبر قدر من الذهب !

    ذهب صاحبنا إلى القسم الثالث ..

    وقضى ساعتان من المكافأة .. يأكل ويأكل .. حتى إذا انتهى .. ذهب إلى القسم الأول ..

    وفي طريقه إلى ذلك القسم .. رأى ذلك الفراش الوثير .. فحدث نفسه :

    * الآن .. أكلت حتى شبعت ..

    فمالي لا أستزيد بالنوم الذي يمنحني الطاقة التي تمكنني من جمع أكبر قدر ممكن ..

    هي فرصة لن تتكرر .. فأي غباء يجعلني أضيعها !!

    ذهب الصياد إلى الفراش .. استلقى .. وغط في نوم عمييييييييييييييييييييييييييييق

    وبعد برهة من الزمن ..

    * قم .. قم أيها الصياد الأحمق .. لقد انتهت المهلة !

    * هاه .. ماذا ؟؟

    * نعم .. هيا إلى الخارج .

    * أرجوكم .. ما أخذت الفرصة الكافية

    * هاه .. هاه .. ست ساعات وأنت في هذه الخزنة .. والآن أفقت من غفلتك .. !

    تريد الاستزادة من الجواهر .. ؟؟

    أما كان لك أن تشتغل بجمع كل هذه الجواهر ..

    حتى تخرج إلى الخارج .. فتشتري لك أفضل الطعام وأجوده ..

    وتصنع لك أروع الفرش وأنعمها ..

    لكنك أحمق غافل ..

    لا تفكر إلا في المحيط الذي أنت فيه .. خذوه إلى الخارج !!

    * لا .. لا .. أرجوكم .. أرجوكم ... لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

    (( انتهت قصتنا ))

    لكن العبرة لم تنتهي .أرأيتم تلك الجوهرة ، هي روحك أيها المخلوق الضعيف ، إنها كنز لا يقدر بثمن .. لكنك لا تعرف قدر ذلك الكنز .

    أرأيت تلك الخزنة ..؟؟

    إنها الدنيا ، أنظر إلى عظمتها ، وانظر إلى استغلالنا لها .

    أما عن الجواهر.

    فهي الأعمال الصالحة .

    وأما عن الفراش الوثير .

    فهو الغفلة .

    وأما عن الطعام والشراب ،

    فهي الشهوات

    والآن .. أخي وأختى في الله..

    أما آن لك أن تستيقظ من نومك .. وتترك الفراش الوثير ..

    وتجمع الجواهر الموجودة بين يديك ..

    قبل أن تنتهي تلك الست ..

    فتتحسر والجنود يخرجونك من هذه النعمة التي تنعم بها ؟؟

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    متابعات
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    قراءة في قصة فرعون

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:39

    حسن الكنزلي

    خاص ينابيع تربوية

    فرعون الطاغية حقيقة معروفة في التاريخ البشري والأديان السماوية ، تجبر في الأرض وأصابه جنون العظمة وهوسها حتى ادعى الربوبية {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ـ النازعات24 ـ الربوبية التي تعني تدبير شؤون الكون والتكفل برزق العباد وتوفير أسباب الرزق وإزالة موانعها ، فلا فقر في زمانه ولا بطالة ، كيف لا وهو يملك مصر وشعبها وثرواتها وكل مقدراتها {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} ـ الزخرف51 ـ قال ذلك مستخفا بهم ويبدو أنهم كانوا مجموعة ممن رباهم على الجهل ، أو ممن يتملقون له مقابل تحقيق مصالح ضيقة أو تمرير مشاريع صغيره فسايروه في ذلك وأطاعوه ، يظنون أن ذلك يعفيهم من المسؤولية ، فكانت النتيجة أنهم صاروا في حكم الله فاسقون {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} ـ الزخرف54 ـ ، وهم ليسوا فاسقين حكما ؛ بل عملا حينما جعلوه يمرر مشروعه الأناني الكبير قياسا إلى مشاريعهم الحقيرة والتي لتحقيقها باعوا وطنهم وشعبهم وقضاياه... ولما رآهم كذلك ازداد استخفافه بهم وتمادى في كذبه فادعى الألوهية ، ليس هذا وحسب بل ادعى أن ليس غيره يتصف بها {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي..} ـ القصص38 ـ ؛ الألوهية التي تعني تعبيد الخلق للخالق بطاعة أمره واجتناب نهيه (تشريع) ، وقد صدق نفسه فشرع لهم فعلا وسن القوانين ؛ لا التي تحقق مصالح العباد والبلاد ، وإنما التي تجعله عاليا مسرفا جبار في الأرض ، وزعم بذلك أنه يهديهم إلى ما هو أصلح لهم وأرشد {.. قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ـ غافر29 ـ.

    ولقد كانت له بطانة سيئة من الوزراء ـ كهامان ـ ، ومن المستأثرين بثروات البلاد والعباد ـ كقارون ـ وكانت له بطانة ـ أيضا ـ من علماء زمانه المغلوب على أمرهم ـ كسحرة فرعون ـ وكان له جنود تطيع أمره باعتباره ربها الذي لا يجوز ـ في شريعته المستبدة ـ أن يعصى... وهكذا علا في الأرض.

    ولضمان جبروته جعل الناس فرقا (فرق تسد) وبذلك شتت جهدهم وفرق كلمتهم واستضعفهم وفعل بهم الأفاعيل {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ـ القصص4 ـ.

    لكن هذا الجبروت والاستبداد في الأرض والصمت عليه لم يدم ؛ فقد سلط الله لفرعون وزبانيته رجلا ضعيفا طريدا ، وسلط الله لهذا الضعيف جنوده {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} ـ المدثر31 ـ ؛ فاليم خبأه وقلب زوجة فرعون أحبه ، وعقل فرعون استهونه ، وفي بيت فرعون نشأ... ، وهيأ الله أساب منته على المستضعفين ليجعل قادتهم منهم ويمكن لهم في بلدهم ويجعل الدائرة على فرعون وأعوانه وأركانه {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)} ـ القصص ـ.

    أُرْسِلَ موسى ـ عليه السلام ـ إلى فرعون وبطانته بمشروعه الحضاري التحرري ؛ التحرر من عبودية فرعون واستبداد وظلمه وظلماته إلى عبودية رب العالمين ، ونور الله وعدله وسعة رحمته في قضائه وشرعه... ؛ لكن فرعون وأركان فساده رفضوا هذا المشروع التحرري ، وردوا على قائد المشروع بحملة إعلامية تكذب المشروع وتشكك فيه ، وبدأوا بحملة قمعية ضد المؤمنين بالقضية التي يناضل موسى ـ عليه السلام ـ من أجلها واتبعوا كل أساليب القمع بذريعة الخوف على مصلحة البلاد وتحت مسمى محاربة تبديل الدين (شريعة فرعون المستبدة) ومكافحة الفساد الذي رٌمِىَ به موسى ـ عليه السلام ـ كذبا وزورا {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(24) فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ(26)} ـ غافر ـ. ويبدو أن فرعون طلب مناظرة موسى فجمع سحرته ـ علماء زمانه ـ لتنفيذ هذه المهمة أمام جمع كبير من الناس ولخبرتهم ولاتضاح الحقائق ولاحترامهم الحق ، سلموا لموسى وأعلنوا عن انطوائهم تحت لوائه وقالوا : لا لفرعون ولم يلقوا بالا لوعيده وفضلوا الموت أحرارا على الحياة عبيدا له {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى(70) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى(71) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)} ـ طه ـ. لقد قتلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم وكأنهم هم المفسدون.

    لقد كانت هبة شعبية بقيادة موسى من أجل أن يحيا شعب مصر بعد الموت تحت وطأة فرعون ومن أجل أن يذوقوا طعم الحرية التي هي حق إلهي منحه عباده لا يجوز لأحد أن يسلبه ، ويبدو أن من قوم فرعون من عرف الحق وأدى واجبه وأبرأ ذمته ونصح {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(28)} ـ غافر ـ. لكن فرعون عاند وتكبر ولم يرعوي ؛ وكان كبره وغروره جند من جنود الله المسلطة عليه فساقه الله به إلى حتفه وحتف جنده معه وهو لا يدري {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} ـ القصص40 ـ ليس (ظالما) فقط ؛ بل (ظالمين) هو وجنوده الذي أطاعوه في الباطل ؛ ساقه الله ببغيه وعدوه إلى غياهب البحر الأحمر آخر جنود الله المسلطة عليه ، وأخيرا أدرك مدى ضعفه وخطأه وعرف عدالة قضية شعبه المستضعف ، فأعلن فهمه لها واعترافه بها لكن في وقت متأخر جدا! ؛ فلم يقبل اعتذاره {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91)} ـ يونس ـ.

    لقد حصل فرعون على فرصة كافية ليتوب بمحض اختياره ؛ لكنه تأخر عن وقت الاختيار إلى وقت الإجبار فلم تقبل منه ، وكذلك كل مستبد مفسد في الأرض لا يعفى قبل قدرة الحق عليه بل يؤخذ بذنبه إلا إذا كان ذلك من قبل {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(34)} ـ المائدة.

    لقد كانت قصة سقوط فرعون الظالم الطاغية المستبد واعتلاء قضايا المظلومين حقيقة ثابتة في التاريخ وفي الكتب السماوية وصارت رمزا لسقوط الطغيان واعتلاء الحق وما زالت تتكرر وستتكرر ، فالتاريخ يعيد نفسه ، ولله في الوجود وفي حياة البشر قوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مهما تغير المكان والزمان والأشخاص الفاعلة والحيثيات الدائرة فيهما {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} ـ الأحزاب62ـ ، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) فيهم أو في غيرهم من بعدهم ، فهل نأخذ العبر؟! {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ـ القمر17ـ.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    خطبة ام المؤمنين

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:40

    عائشة بنت أبي بكر الصديق - هكذا كانت خطبتها وهكذا كان عرسها

    أينا لا يعرف هذا الاسم العظيم، وأينا لم يسمع به من قبل؟ أغلب الظن أن أكثرنا، إن لم نكن جميعًا، نعرفه... هذا الاسم الكريم الذي تحمله حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأثيرة عنده، أفقه نساء الإسلام، المبرأة من فوق سبع سماوات... في بيت الصدق والإيمان ولدت، وفي أحضان والدين كريمين من خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تربت، وعلى فضائل الدين العظيم وتعاليمه السمحة نشأت وترعرعت.. هذه هي عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها. وحسبها أن تكون ابنة أبي بكر الصديق ليُنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلبه وبيته أعز مكان.. تلك العظيمة التي أثارت بذكائها وغزارة علمها وفقهها وسمو أخلاقها إعجاب السلف والخلف فعلموا يقينًا لماذا تبوأت تلك المكانة الكبيرة عند رسول الله عليه الصلاة والسلام... ومن ثم لن نعجب من كثرة ما سيمر بنا من مواقف تربوية رائعة وفوائد دعوية عظيمة استقيناها من حياة أم المؤمنين الصديقة الحبيبة عائشة رضي الله عنها.

    هي عائشة بنت أبي بكر الصديق، أما أبوها فعبد الله بن أبي قحافة، أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب الخلق إليه، وصاحبه وخليله ورفيقه في الغار، وخليفته من بعده.. وأمها أم رومان تلك الصحابية الجليلة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان'.

    ولعائشة إخوة وأخوات أسلموا جميعًا وحسن إسلامهم وهاجروا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. هذه هي أسرة السيدة عائشة: أسرة مؤمنة مهاجرة ضحت من أجل الإسلام أعظم التضحيات، وأبلت في سبيل الدعوة أحسن البلاء، وقدمت لرسول الله عليه الصلاة والسلام أعظم الخدمات لتيسير هجرته ونشر دعوته.. وقد ولدت السيدة عائشة في أحضان هذه الأسرة الكريمة وكانت نشأتها في الإسلام فقد روي عنها: 'لم أعقل أبوي إلا وهما يديننا الدين' فنشأت رضي الله عنها منذ نعومة أظفارها في ظل تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وشهدت في طفولتها أشد المراحل التي مرت بالدعوة الإسلامية وما تعرض له المسلمون من أذى واضطهاد.

    ولقد كانت عائشة ـ كغيرها من الأطفال ـ كثيرة اللعب والحركة، لها صويحبات تلعب معهن، كما أن لها أرجوحة تلعب عليها..وقد تمت خطبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت سبع سنين وتزوجها وهي بنت تسع.. ونظرًا لحداثة سنها فقد بقيت تلعب.. بعد زواجها فترة من الزمن..

    روي عنها أنها قالت: 'دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب بالبنات، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فلت: خيل سليمان.. فضحك'... كما روي عنها أنها قالت: 'تزوجني رسول الله وكنت أعلب بالبنات وكن جواري يأتينني فإذا رأين رسول الله عليه الصلاة واللام ينقمعن منه وكان النبي يسربهن إلي'.

    ولذا كانت السيدة عائشة تنصح الآباء والأمهات أن يعطوا الأطفال حقهم في اللعب والحركة فتقول: 'فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو'، فللطفل حاجات نفسية لا يتم إشباعها إلا باللعب واللهو والمرح وهذا يساعد على النمو السليم المتكامل.

    وقد ذكرت لنا رضي الله عنها كيف تمت هذه الخطوبة المباركة، بل إنها تذكر أدق ما فيها من تفاصيل؛ وما ذاك إلا لأنها تمثل لها أجمل وأحلى ذكرياتها التي تحن إليها، كيف لا وهي ذكريات لقائها بزوجها الحبيب الذي أحبته أعظم الحب، وعاشت معه أسعد السنوات، فإذن لتلك الذكريات في قلبها أعظم مكان وأربحه؛ فنستمع إليها وهي تروي لنا هذه الخطبة المباركة فتقول: 'لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم فقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا؟ قال: مَن البكر ومَن الثيب؟ قالت: أما البكر فعائشة بنت أحب خلق الله إليك، وأما الثيب فسودة بنت زمعة وقد آمنت بك واتبعتك. فقال: اذكريهما علي. قالت: فأتيت أم رومان فقلت: يا أم رومان ما أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: رسول الله يذكر عائشة. قالت: انتظري فإن أبا بكر آت. فجاء أبو بكر فذكرت ذلك له فقال لها: قولي لرسول الله فليأت فجاء فملكها..، ثم إنها تعرض لنا رضي الله عنها الخطوة الثانية في هذه الخطبة فتقول: 'فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة ومعي صواحبي فصرخت بي فأتيتها وما أدري ما تريد بي؛ فأخذت بيدي فأوقفتني على الباب.. فقلت: هه هه حتى ذهب نفسي؛ فأدخلتني بيتًا فإذا نسوة من الأنصار فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر'.

    وهكذا نلاحظ رواية عائشة لأدق تفاصيل تلك الخطبة الكريمة: خطبتها لرسول الله عليه الصلاة والسلام حتى إنها لتذكر أنها كانت تلعب قبلها على الأرجوحة، بل إنها تذكر أنها قد لهثت وتتابعت أنفاسها بسبب جريها وسرعتها في تلبية نداء أمها، وإننا لنستشف من ذلك عظم مكانة تلك الذكريات عندها وتقديرها البالغ لأمها ـ رغم حداثة سنها ـ وذلك بترك اللعب مع الصويحبات والاستجابة للنداء، وهذا ما ينبغي أن تربي الأمهات أطفالهن عليه فللأم مكانة عظيمة واحترام كبير ينبغي أن يربى الطفل وينشأ عليه منذ نعومة أظفاره لتعظم في نفسه مكانة الأم، ولترسخ في ذهنه حقوقها عليه وواجبه تجاهها. ولكن هل كان ما روته السيدة عائشة هو أول مراحل هذه الخطبة؟ لقد كان هذا ما تعتقده أم المؤمنين رضي الله عنها حتى حدثها رسول الله أن خطبته لها كانت وحيًا من الله تعالى.. فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: 'أُريتك في المنام ثلاث ليال، فجاءني لك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك.. فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول: إن يكُ هذا من عند الله يُمْضِه'.

    فلم يتزوج رسول الله بعائشة فور خطبتها؛ ولعل ذلك يرجع إلى صغر سنها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرض أن ينتزع الصبية اللطيفة من ملاهي صباها أو يثقل كاهلها بمسؤوليات الزوج وأعبائه، كما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً بالمصاعب الجمة التي مرت به.. وقد أحب رسول الله عليه الصلاة والسلام خطيبته الصغيرة كثيرًا فكان يوصي بها أمها أم رومان قائلاً: 'يا أم رومان استوصي بعائشة خيرًا واحفظيني فيها'، وكان يسعده كثيرًا أن يذهب إليها كلما اشتدت به الخطوب وينسى همومه في غمرة دعابتها ومرحها وقد أحبت السيدة زيارات رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وأسعدها 'ألا يخطئ رسول الله أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية'.. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر مع رفيقه أبي بكر الصديق إلى المدينة وخلفوا وراءهم في مكة آل النبي عليه الصلاة والسلام وآل أبي بكر. ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة أرسل من يحضر أهله وأهل أبي بكر. وقد تعرضت الأسرتان في طريق الهجرة لمصاعب كثيرة وأخطار عديدة أنقذتهم منها العناية الربانية. من ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها: 'قدمنا مهاجرين فسلكنا في ثنية ضعينة ـ اسم مكان ـ فنفر جمل كنت عليه نفورًا منكرًا فوالله ما أنسى قول أمي: يا عُريسة. فركب بي رأسه ـ كناية عن استمرار نفوره ـ فسمعت قائلاً يقول: ألقي خطامه. فألقيته فقام يستدير كأنما إنسان قائم تحته'.

    وقد صبروا رضي الله عنهم وتحملوا مصاعب تلك الهجرة وأخطارها تاركين خلفهم الأهل والوطن ومرابع الصبا مُضحين بذلك كله في سبيل هذا الدين العظيم مبتغين أجرهم عند الله، وهذا خير ما ينبغي أن يتربى عليه الجيل المؤمن، فالمسلم الحق مستعد بكل نفس راضية مطمئنة أن يضحي بكل غالب ونفيس في سبيل ما يعتنقه من دين عظيم ومبادئ سامية غير مبالٍ بما قد تؤدي إليه هذه التضحية من أخطار أو خسائر مادام قلبه عامرًا بهذا الدين العظيم ونفسه مطمئنة بتعاليم ربه الكريم.

    وصلت العروس المهاجرة إلى المدينة المنورة، وهناك اجتمع الحبيبان، وعمت البهجة أرجاء المدينة المنورة وأهلت الفرحة من كل مكان، فالمسلمون مبتهجون لانتصارهم في غزوة بدر الكبرى، واكتملت فرحتهم بزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة.. وقد تم هذا الزواج الميمون في شوال سنة اثنتين للهجرة وانتقلت عروسنا إلى بيت النبوة، ولقد كانت هذا النقلة من أجمل ذكريات عائشة وأغلاها وكون هذه النقلة في شهر شوال فقد أحبت أم المؤمنين هذا الشهر واستحبت أن يُبنى بننائها في شهر شوال فهو عندها شهر الخير والبركات.. وتروي لنا رضي الله عنها استعدادها للزفاف وتجهيز أمها لها فتقول: 'كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء للرطب فسمنت كأحسن سمنة' ثم تصف لنا وليمة العرس فتقول: 'والله ما نحرت علي من جزور ولا ذبحت من شاة ولكن جفنة كان يبعث بها سعد بن عبادة إلى رسول الله يجعلها إذ ذاك بين نسائه فقد علمت أنه بعث بها'. ولقد كانت أسماء بنت يزيد ممن جهزت عائشة وزفتها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي تحكي لنا عن تقديمه عليه الصلاة والسلام اللبن إلى ضيوفه وإلى عروسه فتقول أسماء رضي الله عنها: 'زينت عائشة لرسول الله ثم جئته فدعوته لجلوتها فجاء فجلس إلى جنبها فأتي بلبن فشرب ثم ناوله عائشة فاستحيت وخفضت رأسها. قالت أسماء: فانتهرتها وقلت لها: خذي من يد النبي. فأخذت وشربت شيئًا، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: أعطي أترابك'.

    وتُسأل رضي الله عنها عن مهرها فتقول: 'كان صداق رسول الله لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا ـ والنش: نصف أوقية ـ فتلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله لأزواجه' ثم إنها رضي الله عنها تصف جهاز حجرتها فتقول: 'إنما كان فراش رسول الله الذي ينام عليه أدمًا حشوه ليف'.. ولم يكن في حجرة السيدة العروس مصباح تستضيء به، دل على ذلك حديثها: 'كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. فسئلت: لماذا لم يكن فيها مصابيح؟ فقالت: لو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه'.

    وقد وصف الحسن رضي الله عنه بيوت أزواج النبي فقال: 'كنت أدخل بيوت أزواج النبي في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي'.. ولقد كانت بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام قصيرة البناء، بعضها مبني من جريد وطين وبعضها من حجارة مرصوصة وسقفها من جريد. وقد أضيفت هذه البيوت إلى المسجد بعد موت أزواج النبي في زمن عبد الملك.. تلك هي الحجرة التي عاشت فيها السيدة قرابة خمسين عامًا ولم تدخل عليها أي تغيير سوى القبور الثلاثة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

    وبعد فهذا هو وصف العروس المباركة لحفل زواجها ومهرها ومنزلها وجهازها، وبتأملنا لوصفها السابق يتبين لنا بجلاء يسر حفلة زواج رسول الله عليه الصلاة والسلام بعائشة وتواضعها وزهد مهر العروس وقلّته: مع أن العريس هو نبي الله وخير خلقه وأحبهم إليه، والعروس هي عائشة وأبوها الصديق نسابة قريش وخير مَن وطئت قدمه الثرى بعد الأنبياء، ومع ذلك كله كان التواضع البليغ والبساطة الواضحة هما السمة البارزة على الحفل والمهر بل وعلى بيت العروسين وجهازهما كذلك. وهذا على عكس ما يحدث في عصرنا هذا الذي انتشرت فيه المغالاة في المهور، وارتفاع تكاليف الزواج، والبذخ والإسراف البالغ في تأثيث بيت العروسين وجهازهما. وهذا الأمر لا يساعد على النكاح بل إنه أثر سلبًا في أفراد المجتمع.. تلك المظاهر الجوفاء أثقلت كاهل الغني فضلاً عن الفقير الذي حاول مجاراة الغني نزولاً على التقاليد فركبه الدَيْن، والدين ذل في النهار وهمّ في الليل، إن كان ما زاد على النفقة المشروعة في النكاح فهو ما لا يقره الشرع..وقد ظهرت ثمرة هذه المغالاة وهذا السرف، وهي إما عزوف الشباب عن النكاح وإما خروج المرأة من سترها الذي فرضه الله عليها لتستطيع الإسهام في تحقيق أوهام النفوس التي لا تمت إلى مقاصد النكاح بصلة من الصلات فيكون الفساد الكبير.

    هكذا اجتمع الحبيبان يبعث بعضهما لبعض مشاعر الحب والمودة، ويبنيان بيت الزوجية السعيد.. وقد كانت عائشة صغيرة السن لكنها كانت متفهمة للحياة المقبلة عليها، مدركة للمهمة الملقاة على عاتقها؛ فهي ليست زوجة عادية بل زوجة نبي، وعليها أن تساعده على نشر الرسالة السماوية وبناء أسس الدعوة الإسلامية.. فكيف سارت الحياة الزوجية عند عائشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما مدى اهتمام عائشة ببيتها ونفسها وزوجها؟ وكيف وازنت رضي الله عنها بين حياتها البيتية واهتمامها بأحوال المسلمين؟ هذا كله وغيره نتعرفه معًا في حلقتنا المقبلة فكونوا معنا.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    مفكرة البيت السعيد
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أبو هريرة وقعب اللبن

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:41

    أبو هريرة وقعب اللبن

    عبدالله الأهدل

    خاص ينابيع تربوية

    روى مُجَاهِد ٌأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كان يقول آلله الذي لَا إِلَهَ إلا هو إن كنت لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي على الأرض من الْجُوعِ وَإِنْ كنت لَأَشُدُّ الْحَجَرَ على بَطْنِي من الْجُوعِ.

    وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا على طَرِيقِهِمْ الذي يَخْرُجُونَ منه فَمَرَّ أبو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عن آيَةٍ من كِتَابِ اللَّهِ ما سَأَلْتُهُ إلا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ ولم يَفْعَلْ ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عن آيَةٍ من كِتَابِ اللَّهِ ما سَأَلْتُهُ إلا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ ولم يَفْعَلْ.

    ثُمَّ مَرَّ بِي أبو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم فَتَبَسَّمَ حين رَآنِي وَعَرَفَ ما في نَفْسِي وما في وَجْهِي ثُمَّ قال يا أَبَا هِرٍّ! قلت: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال (الْحَقْ) وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فأستأذن فَأَذِنَ لي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا في قَدَحٍ، فقال من أَيْنَ هذا اللَّبَنُ قالوا أَهْدَاهُ لك فُلَانٌ أو فُلَانَة.

    قال (أَبَا هِرٍّ)! قلت: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال (الْحَقْ إلى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لي قال وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ على أَهْلٍ ولا مَالٍ ولا على أَحَدٍ، إذا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بها إِلَيْهِمْ ولم يَتَنَاوَلْ منها شيئا، وإذا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ منها وَأَشْرَكَهُمْ فيها.

    فَسَاءَنِي ذلك فقلت وما هذا اللَّبَنُ في أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كنت أَحَقُّ أنا أَنْ أُصِيبَ من هذا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بها، فإذا جاء أَمَرَنِي فَكُنْتُ أنا أُعْطِيهِمْ وما عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي من هذا اللَّبَنِ ولم يَكُنْ من طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بُدٌّ.

    فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لهم، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ من الْبَيْتِ، قال: (يا أَبَا هِرٍّ) قلت: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: (خُذْ فَأَعْطِهِمْ) قال فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حتى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حتى، يروي ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حتى يروي، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حتى انْتَهَيْتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي الْقَوْمُ كلهم.

    فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ على يَدِهِ، فَنَظَرَ إلي فَتَبَسَّمَ، فقال: (أَبَا هِرٍّ) قلت: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: (بَقِيتُ أنا وَأَنْتَ) قلت: صَدَقْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: (اقْعُدْ فَاشْرَبْ) فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فقال: (اشْرَبْ) فَشَرِبْتُ، فما زَالَ يقول: (اشْرَبْ) حتى قلت: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ما أَجِدُ له مَسْلَكًا، قال: (فَأَرِنِي) فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ" [صحيح البخاري]

    في هذه القصة من الفوائد:

    1- ما كان يعانيه الرعيل الأول مع حبيبهم صلى الله عليه وسلم في شظف من العيش.

    2- تعرض المحتاج بالسؤال عن العلم لمن يظن أنه سيقضي حاجته، دون إفصاح عن ذلك، وهم داخلون في قوله تعالى: { لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)} [البقرة]

    وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: « لَيْسَ المِسْكِينُ الذي يطُوفُ علَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمةُ واللُّقْمتَان، وَالتَّمْرةُ وَالتَّمْرتَانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الذي لا يَجِدُ غِنًى يُغنْيِه، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فيُتصدَّقَ عَلَيهِ، وَلا يَقُومُ فَيسْأَلَ النَّاسَ ». [متفق عليه]

    3- عدم تفطن بعض الأساتذة لحاجة طلابهم، كما حصل لأبي هريرة من بعض كبار الصحابة، رضي الله عنهم.

    4- إدراك المعلم الأول صلى الله عليه وسلم لتلك الحاجة التي جعلت أبا هريرة يقف سائلا عن مسألة من العلم ، وهو يتوسل بها إلى سد خلته،ومحاولته صلى الله عليه وسلم قضاء حاجته.

    5- أمر الرسول صلى الله عليه أبا هريرة الذي تعاني معدته من شدة الجوع بدعوة أهل الصفة الذين يعرف أبو هريرة شدة حاجتهم مثله، وظنه أن الرسول سيقدمهم في الشرب من القعب الذي كان يتوق إلى شرب ما تيسر له من لبنه، وخوفه من تقديمهم عليه في الشرب فلا يبقى له منه شيء.

    6- تدريب الرسول أبا هريرة على الصبر مع معرفته بحاله، و تقديم أصحاب الصفة عليه كما تصور.

    7- تعليمه صلى الله عليه وسلم أصحابه على الإيثار حيث أخر نفسه، فكان آخرهم شربا بعد أبي هريرة.

    8- معجزته صلى الله عليه وسلم بتكثير اللبن في ذلك القعب الذي وسع الجميع . صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الأمانة - روائع القصص

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:42

    قصة الإسلام

    - دخل أبو مسلم الخَوْلاَنِيُّ على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير.

    فقالوا: قُلِ السلام عليك أيها الأمير.

    فقال: السلام عليك أيها الأجير.

    فقالوا: قُلْ أيها الأمير.

    فقال: السلام عليك أيها الأجير.

    فقالوا: قُلِ الأمير.

    فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول.

    فقال: إنما أنت أجير استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هَنَأْتَ جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبست أُولاها على أُخراها، وفَّاك سيِّدُها أجرها، وإن أنت لم تهنأ جرباها، ولم تداوِ مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها، عاقبك سيِّدُها.

    - قام أعرابيٌّ إلى سليمان بن عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني مكلِّمك بكلامٍ فاحتَمْلُه إنْ كرهته، فإنَّ من ورائه ما تحبُّه إنْ قَبلْتَه.

    قال: هات يا أعرابي.

    قال: فإني سأطلق لساني بما خَرِسَتْ عنه الألسن من عظتك بحق الله ، وحقِّ إمامتك، إنه قد اكتنفك رجالٌ أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حربُ الآخرة سِلْمُ الدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لم يألوا الأمانة إلاَّ تضييعًا، والأُمَّة إلاَّ عسفًا، والقرى إلا خسفًا، وأنت مسئول عمَّا اجترحوا، وليسوا مسئولين عمَّا اجترحتَ، فلا تُصْلح دنياهم بفساد آخرتك، فأعظم الناس غبنًا يوم القيامة مَنْ باع آخرته بدنيا غيره.

    فقال له سليمان: أمَّا أنت يا أعرابي فقد نصحت، وأرجو أن الله يُعِينُ على ما تقلَّدْنَا.

    - عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني، إنه لا يُقْتَلُ اليومَ إلاَّ ظالم أو مظلوم، وإني لا أُرَانِي إلاَّ سأُقْتَلُ اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همِّي لَدَيْنِي، أفترى يُبْقِي دَيْنَنَا من مالنا شيئًا؟ فقال: يا بني، بع ما لنا فاقضِ دَيْنِي. وأَوْصَى بالثُلُثِ وثُلُثِهِ لبَنِيهِ -يعني بني عبد الله بن الزبير- يقول: ثلث الثلث فإن فَضَلَ من مالنا فَضْلٌ بعد قضاء الدَّيْنِ فثُلُثُه لِوَلَدِكَ. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بِدَيْنِه، ويقول: يا بني، إنْ عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريتُ ما أراد، حتى قلتُ: يا أبتِ، مَنْ مولاك؟ قال: الله.

    قال: فوالله ما وقعت في كربة من دَيْنِهِ إلاَّ قلتُ: يا مولى الزبير، اقض عنه دَيْنَهُ. فيقضيه، فَقُتِلَ الزبير t، ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلاَّ أَرَضِينَ منها الغابة، وإحدى عَشْرَةَ دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر، قال: إنما كان دَيْنُهُ الذي عليه أنَّ الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إيَّاه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سَلَفٌ، فإني أخشى عليه الضَّيْعَةَ، وما وَلِيَ إمارة قطُّ، ولا جباية خراج، ولا شيئًا إلاَّ أن يكون في غزوة مع النبي ، أو مع أبي بكر، وعمر، وعثمان ، قال عبد الله بن الزبير: فحَسَبْتُ ما عليه من الدَّيْنِ فوجدتُه ألفي ألفٍ ومائتي ألفٍ.

    قال: فلَقِيَ حَكِيمُ بن حِزَام عبدَ الله بنَ الزبير، فقال: يابن أخي، كم على أخي من الدَّيْنِ؟ فكتمه، فقال: مائة ألفٍ. فقال حكيم: والله ما أُرَى أموالكم تَسَعُ لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أُرَاكُم تُطِيقُونَ هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام، فقال: مَنْ كان له على الزبير حقٌّ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتُها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخِّرون إن أخَّرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا. قال: فباع منها، فقضى دينه فأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقَدِمَ على معاوية وعنده عمرو بن عثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قُوِّمَتِ الغابة؟ قال: كلُّ سهم مائةَ ألفٍ. قال: فكم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. قال المنذر بن الزبير: قد أخذتُ سهمًا بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان: قد أخذتُ سهمًا بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذتُ سهمًا بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: أخذتُه بخمسين ومائة ألف.

    قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله، لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنينَ ألاَ مَنْ كان له على الزبير دَيْنٌ فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلمَّا مضى أربع سنين قسم بينهم، قال: فكان للزبير أربع نسوة، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فأصاب كلَّ امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.

    - قال أبو حنيفة: كنتُ مجتازًا فأشارتْ إليَّ امرأة إلى شيء مطروح في الطريق، فتوهَّمْتُ أنها خرساء وأنَّ الشيء لها، فلمَّا رفعتُهُ إليها، قالت: احفظه، حتى تُسَلِّمَهُ لصاحبه.

    - لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين، بعد قتل عبد الله بن الزبير استحضر إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقرَّبه في المنزلة فلم يزل على حاله عنده، حتى خرج إلى عبد الملك زائرًا له فخرج معه فعادله لا يترك في برِّه وإجلاله وتعظيمه شيئًا، فلما حضر باب عبد الملك حضر به معه، فدخل على عبد الملك فلم يبدأ بشيء بعد السلام، إلاَّ أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع له -والله- فيها نظيرًا في كمال المروءة والأدب والديانة، ومن الستر وحُسْن المذهب والطاعة والنصيحة، مع القرابة ووجوب الحق: إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقد أحضرته بابك؛ لتسهل عليه إذنك، وتلقاه ببشرك، وتفعل ما تفعل بمثله، ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه.

    فقال عبد الملك: ذكرتنا حقًّا واجبًا ورَحِمًا قريبًا، يا غلام، ائذن لإبراهيم بن طلحة. فلما دخل عليه قرَّبه حتى أجلسه على فرشه، ثم قال له: يابن طلحة، إنَّ أبا محمد أذكرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب وحسن المذهب، مع قرابة الرحم ووجوب الحقِّ، فلا تدعنَّ حاجة في خاصِّ أمرك ولا عامَّته إلاَّ ذكرتها. قال: يا أمير المؤمنين، إنَّ أَوْلَى الأمور أن تُفْتَتَحَ بها حوائج، وتُرْجَى بها الزُّلَف ما كان لله رضًا، ولحقِّ نبيه أداء، ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وإن عندي نصيحة لا أجد بُدًّا من ذكرها، ولا يكون البوح بها إلاَّ وأنا خالٍ، فأخلني تَرِدْ عليك نصيحتي. قال: دون أبي محمد؟ قال: نعم. قال: قُمْ يا حجاج. فلمَّا جاوز الستر قال: قُلْ يابن طلحة نصيحتك.

    قال: اللهَ، أمير المؤمنين، أمير المؤمنين. قال: الله. قال: إنك عمدت إلى الحجاج مع تغطرسه وتعترسه، وتعجرفه وبُعْدِهِ عن الحقِّ وركونه إلى الباطل، فولَّيْتَهُ الحرمين، وفيهما مَنْ فيهما، وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار والموالي المنتسبة الأخيار، أصحاب رسول الله ، وأبناء الصحابة، يسومهم الخسف، ويقودهم بالعسف، ويحكم فيهم بغير السنة، ويطؤهم بطغام أهل الشام، ورعاع لا رويَّة لهم في إقامة حقٍّ، ولا إزاحة باطل، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله يُنْجِيكَ، وفيما بينك وبين رسول الله يخلصك إذا جَاثَاك للخصومة في أُمَّتِهِ، أَمَا والله لا تنجو إلاَّ بحُجَّة تقيمنَّ لك النجاة، فأَبْقِ على نفسك أو دَعْ، فقد قال رسول الله : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

    فاستوى عبد الملك جالسًا، وكان متَّكِئًا، فقال: كذبت -لعمرو الله- ومِنْتَ ولؤمت فيما جئت به، قد ظنَّ بك الحجاج ما لم يجد فيك، وربما ظنَّ الخير بغير أهله، قُمْ فأنت الكاذب المائن الحاسد. قال: فقمت، والله ما أُبْصِرُ طريقًا، فلمَّا خلفت الستر لحقني لاحق من قِبَلِهِ، فقال للحاجب: احبس هذا، أَدْخِل أبا محمد للحجاج. فلبثتُ مليًّا لا أشكُّ أنهما في أمري، ثم خرج الآذن، فقال: قُمْ يابن طلحة، فادخل. فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وأنا داخل وهو خارج، فاعتنقني وقَبَّل ما بين عيني، ثم قال: إذا جزى الله المتحابِّين بفضل تواصُلِهم فجازاك الله أفضل ما جزى به أخًا، فوالله لئن سلمتُ لك لأرفعنَّ ناظرك، ولأُعْلِيَنَّ كَعْبَكَ، ولأتبعنَّ الرجال غبار قدمك. قال: فقلت: يهزأ بي.

    فلما وصلتُ إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني مجلسي الأول، ثم قال: يابن طلحة، لعلَّ أحدًا من الناس شاركك في نصيحتك؟ قال: قلت: لا والله، ولا أعلم أحدًا كان أظهر عندي معروفًا ولا أوضح يدًا من الحجاج، ولو كنت محابيًا أحدًا بديني لكان هو، ولكن آثرتُ الله ورسوله والمسلمين. فقال: قد علمتُ أنك آثرتَ الله ، ولو أردتَ الدنيا لكان لك بالحجاج أملٌ، وقد أزلتُ الحجاج عن الحرمين لِمَا كرهتَ من ولايته عليهما، وأعلمتُه أنك استنزلتني له عنهما استصغارًا لهما، وولَّيْتُه العراقين لما هنا من الأمور التي لا يَرْحَضُهَا إلاَّ مثلُه، وأعلمتُه أنَّك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادة له؛ ليلزمه من ذمامك ما يُؤَدِّي به عنِّي إليك أجر نصيحتك، فاخرج معه فإنك غير ذامٍّ صحبته مع تقريظه إيَّاك ويدك عنده. قال: فخرجت على هذه الجملة.

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    (شعيا) عليه السلام

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:43

    من قصص القرآن (شعيا) عليه السلام

    بعد وفاة نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام أصبح تولي أمر بني إسرائيل ملك يصرف شئونهم الدنيوية ويتولي أمر تنظيم الجيش والدفاع عن مملكتهم ضد أعدائهم ..

    ويرسل الله لهم أنبياء ,ليوضحوا لهم أمور دينهم فيأمروهم بإتباع أوامر التوراة والابتعاد عما فيها من نواه .. ويذكروهم بأحكام التوراة وماتركوه من الطاعة وغيرها من أمور الدين

    وكان الله إذا ملك عليهم ملكاً , بعث إليهم نبياً ليرشده وينصحه فى أمور الدين فيكون هذا النبي رسولاً بينه وبين الله ..

    وقد جاء علي بني إسرائيل يوم تولي أمرهم فيه ملك يدعي حزقيا..

    فلما تولى حزقيا ملك بني إسرائيل بعث الله تعالي لهم نبياً هو شعيا بن أمصا وكان ذلك الملك سامعاً مطيعاً للنبي شعيا فيما يأمره به من أمر الله تعالي , وما ينهاه عنه وكان حريصاً على مصالح بني إسرائيل ..

    وكان بنو إسرائيل في ذلك الوقت وقد كثرت فيهم الذنوب وعظمت المعاصي ..ومرض الملك حزقيا مرضاً شديداً وظهرت في رجله قرحة فلزم فراشه , وقد شعر باقتراب أجله وفى ذلك

    الوقت قرر سنحاريب ملك مملكة بابل غزو مملكة اليهود في بيت المقدس , فحشد جيشاً مكوناً من ستمائة ألف مقاتل وسار على رأسهم قاصداً بيت المقدس ..

    فلما وصل سنحاريب بجيشه إلي مملكة اليهود ونزل حول بيت المقدس ذهب النبي شعيا إلى الملك حزقيا وهو مريض وقال له :ياملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل قد نزل بنا هو وجنوده

    فى ستمائه ألف راية وقد هابهم الناس وأصيبوا بالذعر منهم ..

    فحزن الملك أشد الحزن وسأل النبي شعيا قائلا:يانبي الله هل أتاك وحي الله فيما حدث فتخبرنا به ماذا سيفعل الله بنا وبعدونا سنحاريب وجنوده ..؟

    فقال له شعيا عليه السلام : لم يأتني وحي حدث إلي فى شانك ..

    وبينما هما على ذلك أوحي الله تعالي إلي نبيه عليه السلام أن يذهب إلي حزقيا , ويأمره أن يوصي بوصيته ويستخلف علي ملكه من يشاء من أهل بيته ..

    فذهب النبي شعيا إلي الملك حزقيا,قال له: إن ربك قد أوحي إلي أن آمرك بأن توصي وصيتك وتستخلف من شئت من أهل بيتك , فإنك ميت .. فلما أخبره بذلك توجه الملك إلي القبلة

    فصلي وسبح لله ثم دعا وأخذ يتضرع إلي الله باكيا بقلب مخلص وظن صادق بالله قائلاً :اللهم رب الأرباب وإله الآلهه القدوس المتقدس يارحمن يارحيم يامن لا تأخذه سنه ولا نوم اذكرني

    بعملي وفعلي وحسن قضائي علي بني إسرائيل وذلك كله منك فأنت أعلم به من نفسي وسري وعلانيتي لك ..

    ويقال إن الله تعالي قد استجاب له لأنه كان ملكاً صالحاً فأوحي الله إلي شعيا وأمره أن يخبر الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه وقد رأي بكاءه وقد أخر أجله خمسة عشر عاماً ،وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل جنوده ..

    فلما أخبره شعيا عليه السلام بذلك ذهب عنه الوجع وزال عنه الخوف والحزن فخر ساجداً لله تعالي وقال:

    يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت لك كرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر

    والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي .. فلما رفع الملك حزقيا رأسه من سجوده ,أوحي الله تعالي إلي نبيه شعيا عليه السلام

    أن يقول للملك أن يأمر عبداً من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفي من مرضه ..

    ففعل الملك حزقيا ما أمره به النبي شعيا عليه السلام فشفي من مرضه ..

    وقال الملك للنبي شعيا عليه السلام : سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعدونا هذا .. فلما سأل شعيا عليه السلام ربه ما طلبه الملك حزقيا أوحي إليه سبحانه أن يقول للملك :

    إني قد كفيتك عدوك و أنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتي كلهم إلا سنحاريب وخمسة من أصحابة ..

    فلما أصبح الصباح جاءه مناد فنادي على باب المدينة قائلاً : ياملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا ..

    فخرج الملك فرأي جيش سنحاريب قد هلك عن آخره وأن وعد الله تعالى له قد تحقق ..

    وبحث الملك ومن معه بين الجثث عن سنحاريب فلم يعثروا له على أثر فعرفوا أنه قد هرب ..

    وأرسل حزقيا من يبحث عن سنحاريب فعثروا عليه مختبئاً فى مغارة مع خمسة من أصحابه كان أحدهم يدعي بختنصر وهو القائد البابلي الذي سيكون علي يديه خراب بيت المقدس وتدمير مملكة اليهود ..

    قبض أتباع الملك حزقبا علي سنحاريب والخمسة الذين نجوا من الهلاليك معه وأحضروهم إلي الملك حزقيا مكبلين بالقيود فلما رآهم حزقيا ، خر لله تعالي ساجداً ، فلما انتهي سجوده تحدث

    إلي سنحاريب قائلاً : كيف رأيت فعل ربنا بكم ؟ ألم يقتلكم ؟ بحوله وقوته ، ونحن وأنتم غافلون ..؟

    فقال له سنحاريب : قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها ، وذلك قبل أن أخرج من بلادي فلم استمع لنصح من نصحني ، ولم يلقني فى الشقوة والهلاك إلا قلة عقلي

    فلو أنني سمعت أو عقلت ما غزوتكم ، ولكن الشقوة غلبت علي وعلي من معي ..

    فقال الملك حزقيا: الحمد لله رب العزة الذي كفانا إياكم بما شاء إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه ولكنه إنما أبقاك ومن معك لما هو شر لك ولمن معك لتزدادوا شقوة فى الدنيا ،

    وعذاباً فى الآخرة ، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا ، ولتنذروا من بعدكم ،ولولا ذلك ماأبقاكم إن دمك ودم من معك أهون على الله من قراد لو قتلته ..

    يقصد أن قتله وقتل من معه كان أسهل علي من قتل الإنسان حشرة صغيرة ..

    وبعد ان انتهي الملك حزقيا من كلامه أمر رئيس حرسه ، فوضع في رقبة سنحاريب ومن معه القيود وأخذ يطوف بهم حول بيت المقدس وفى مملكة بني إسرائيل سبعين يوماً ليعذبهم ويذيقهم

    الهوان والذل وكان يطعمهم كل يوم رغيفين من شعير ..

    فقال سنحاريب لحزقيا : القتل أفضل لنا مما تفعله بنا ..

    فأمر حزقيا بإيداعهم في السجن وأوحي الله تعالي إلي النبي شعيا عليه السلام أن يأمر الملك حزقيا أن يرسل سنحاريب ومن معه إلي بلادهم فى مملكه بابل لينذروا قومهم بما قد حل بهم ،

    وأمره أن يكرمهم ويحملهم إلي حدود بلادهم ..

    فلما بلغ النبي شعيا عليه السلام أمر ربه إلي الملك حزقيا أطلق سراح سنحاريب ومن معه، فوصلوا بلادهم ..وفى بابل جمع سنحاريب الناس وأخبرهم بما فعله الله به وبجنوده ، فقال

    سحرة وكهنة بابل : ياملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر أنبيائهم ووحي الله إلي أنبيائهم فلم تطعنا ...

    ثم توفي حزقيا ملك إسرائيل ، فكثر الفساد بينهم وكثرت المعاصي فأوحي الله تعالي إلي نبيه شعيا عليه السلام فقام فيهم خطيباًُ فوعظهم وذكرهم وحدثهم عن الله وأنذرهم بأسه وعقابه

    إن هم خالفوه وكذبوه واستمروا فى معاصيهم وحاولوا قتله ، فهرب منهم ..

    ويقال إنه مر بشجره فنادته وانفتحت فدخل فيها ، ثم أغلقت الشجرة عليه ، فرآه أبليس فجذب طرف ردائه ، فرأوه ونشروا الشجرة وبداخلها شعيا عليه السلام فتوفاه الله تعالي .. وكان

    ذلك إيذانا بخراب مملكة بني إسرائيل ...

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أبرار الجنة
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    قصة الهجرة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:44

    لما علم كفار قريش أن رسول الله صلى عليه وسلم صارت له شيعة وأنصار من غيرهم، ورأوا مهاجرة أصحابه إلى أولئك الأنصار الذين بايعوه على المدافعة عنه حتى الموت، اجتمع رؤساؤهم وكبارهم في دار الندوة، وهي دار بناها قصي بن كلاب، كانوا يجتمعون فيها عند ما ينزل بهم حادث مهم، اجتمعوا ليتشاوروا فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    فقال قائل منهم: نحبسه مكبلا بالحديد حتى يموت، وقال آخر: نخرجه وننفيه من بلادنا، فقال أحد كبرائهم: ما هذا ولا ذاك برأي؛ لأنه إن حُبس ظهر خبره فيأتي أصحابه وينتزعونه من بين أيديكم، وإن نُفي لم تأمنوا أن يتغلب على من يحل بحيهم من العرب؛ بحسن حديثه وحلاوة منطقه حتى يتبعوه فيسير بهم إليكم، فقال الطاغية أبو جهل: الرأي أن نختار من كل قبيلة فتى جلداً ثم يضربه أولئك الفتيان ضربة رجل واحد؛ فيتفرق دمه في القبائل جميعاً؛ فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميع القبائل.

    فأعجبهم هذا الرأي واتفقوا جميعاً وعينوا الفتيان والليلة التي أرادوا تنفيذ هذا الأمر في سَحَرها، فأعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بما أجمع عليه أعداؤه، وأذنه سبحانه وتعالى بالهجرة إلى يثرب (المدينة المنورة)، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه وأخبره وأذن له أن يصحبه، واتفقا على إعداد الراحلتين اللتين هيأهما أبو بكر الصديق لذلك، واختارا دليلا يسلك بهما أقرب الطرق، وتواعدا على أن يبتدئا السير في الليلة التي اتفقت قريش عليها.

    وفي تلك الليلة أمر عليه الصلاة والسلام ابن عمه على ابن أبي طالب أن ينام في مكانه ويتغطى بغطائه حتى لا يشعر أحد بمبارحته بيته.

    ثم خرج صلى الله عليه وسلم، وفتيان قريش متجمهرون على باب بيته وهو يتلو سورة (يس)، فلم يكد يصل إليهم حتى بلغ قوله تعالى: ( فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ )، فجعل يكررها حتى ألقى الله تعالى عليهم النوم وعميت أبصارهم فلم يبصروه ولم يشعروا به، وتوجه إلى دار أبي بكر وخرجا معاً من خوخة في ظهر البيت، وتوجها إلى جبل ثور بأسفل مكة فدخلا في غاره.

    وأصبحت فتيان قريش تنتظر خروجه صلى الله عليه وسلم، فلما تبين لقريش أن فتيانهم إنما باتوا يحرسون على بن أبي طالب لا محمداً صلى الله عليه وسلم هاجت عواطفهم، وارتبكوا في أمرهم، ثم أرسلوا رسلهم في طلبه والبحث عنه من جميع الجهات، وجعلوا لمن يأتيهم به مائة ناقة، فذهبت رسلهم تقتفي أثره، وقد وصل بعضهم إلى ذلك الغار الصغير الذي لو التفت فيه قليلا لرأى من فيه.

    فحزن أبو بكر الصديق رضى الله عنه لظنه أنهم قد أدركوهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)، فصرف الله تعالى أبصار هؤلاء القوم وبصائرهم حتى لم يلتفت إلى داخل ذلك الغار أحد منهم، بل جزم طاغيتهم أمية بن خلف بأنه لا يمكن اختفاؤهما به لِمَا رأوه من نسج العنكبوت وتعشيش الحمام على بابه.

    وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالغار ثلاث ليال حتى ينقطع طلب القوم عنهما، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ثم يصبح في القوم ويستمع منهم الأخبار عن رسول الله وصاحبه فيأتيهما كل ليلة بما سمع، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام في كل ليلة من هذه الليالي، وقد أمر عبد الله بن أبي بكر غلامه بأن يرعى الغنم ويأتي بها إلى ذلك الغار ليختفي أثره وأثر أسماء.

    وفي صبيحة الليلة الثالثة من مبيت رسول الله عليه وسلم وصاحبه بالغار، وهي صبيحة يوم الاثنين في الأسبوع الأول من ربيع الأول سنة الهجرة (وهي سنة ثلاث وخمسين من مولده صلى الله عليه وسلم، وسنة ثلاث عشرة من البعثة الحمدية) جاءهما بالراحلتين عامر بن فهيرة مولى أبي بكر؛ وعبد الله بن أريقط الذي استأجراه ليدلهما على الطريق، فركبا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة ليخدمهما، وسلك بهما الدليل أسفل مكة، ثم مضى بهما في طريق الساحل.

    وبينما هم في الطريق إذ لحقهم سراقة بن مالك المدلجى؛ لأنه سمع في أحد مجالس قريش قائلا يقول: إني رأيت أسودة بالساحل أظنها محمدا وأصحابه

    فلما قرب منهم عثرت فرسه حتى سقط عنها، ثم ركبها وسار حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبوبكر يكثر الالتفات، فساخت قوائم فرس سراقة في الأرض فسقط عنها، ولم تنهض إلا بعد أن استغاث صاحبها بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد شاهد غباراً يتصاعد كالدخان من آثار خروج قوائم فرسه من الأرض، فداخله رعب شديد ونادى بطلب الأمان، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى جاءهم وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يقبلا منه شيئاً؛ وإنما قالا له: اكتم عنا، فسألهم كتاب أمن؛ فكتب له أبو بكر ما طلب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاد سراقة من حيث أتى كاتما ما رأى، وقد أخبر أبا جهل فيما بعد، وقد أسلم سراقة يوم فتح مكة وحسن إسلامه.

    واستمر رسول الله وصاحبه في طريقهما حتى وصلا قُباء، من ضواحي المدينة، في يوم الاثنين من ربيع الأول، فنزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني عمرو بن عوف ونزل أبو بكر رضي الله عنه بالسُّنْح (محلة بالمدينة أيضا) على خارجة بن زيد، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ليالي؛ أنشأ فيها مسجداً، هو الموصوف في القرآن الكريم بأنه أسس على التقوى من أول يوم، وصلى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار، وقد أدركه صلى الله عليه وسلم بقباء على بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن أقام بمكة بعده بضعة أيام ليؤدى ما كان عنده من الودائع إلى أربابها

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    متابعات
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    بر أباه فماذا وجد

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:45

    قصة رائعة

    يقول أحد الدعاة:

    كان هناك رجل عليه دين ,

    وفي يوم من الأيام جاءه صاحب الدين وطرق عليه الباب

    ففتح له أحد الأبناء فاندفع الرجل بدون سلام ولا احترام

    وأمسك بتلابيب صاحب الدار وقال له :

    اتق الله وسدد ما عليك من الديون فقد صبرت عليك أكثر من اللازم

    ونفذ صبري ماذا تراني فاعل بك يا رجل؟!.

    وهنا تدخل الابن ودمعة في عينيه وهو يرى والده في هذا الموقف

    وقال للرجل

    كم على والدي لك من الديون ,

    قال

    أكثر من تسعين ألف ريال.

    فقال الابن :

    اترك والدي واسترح وأبشر بالخير،

    ودخل الشاب إلى غرفته حيث كان قد جمع مبلغا من المال

    قدره سبعة وعشرون ألف ريال من راتبه ليوم زواجه الذي ينتظره

    ولكنه آثر أن يفك به ضائقة والده ودينه على أن يبقيه في دولاب ملابسه.

    دخل إلى المجلس وقال للرجل:

    هذه دفعة من دين الوالد قدرها سبعة وعشرون ألف ريال



    وسوف يأتي الخير ونسدد لك الباقي في القريب العاجل إن شاء الله.

    هنا بكى الأب وطلب من الرجل أن يعيد المبلغ إلى ابنه فهو محتاج له

    ولا ذنب له في ذلك فأصرّ الشاب على أن يأخذ الرجل المبلغ.

    وودعه عند الباب طالبا ًمنه عدم التعرض لوالده و أن يطالبه هو شخصياً ببقية المبلغ.

    ثم تقدم الشاب إلى والده وقبل جبينه وقال يا والدي قدرك أكبر من ذلك المبلغ

    وكل شيء يعوض إذا أمد الله عمرنا ومتعنا بالصحة والعافية

    فأنا لم أستطع أن أتحمل ذلك الموقف ,

    ولو كنت أملك كل ما عليك من دين لدفعته له

    ولا أرى دمعة تسقط من عينيك على لحيتك الطاهرة.

    وهنا احتضن الشيخ ابنه و أجهش بالبكاء و أخذ يقبله ويقول

    الله يرضى عليك يا ابني

    ويوفقك ويحقق لك كل طموحاتك.

    وفي اليوم التالي وبينما كان الابن منهمكاً في أداء عمله الوظيفي

    زاره أحد الأصدقاء الذين لم يرهم منذ مدة

    وبعد سلام وسؤال عن الحال والأحوال قال له ذلك الصديق:

    يا أخي أمس كنت مع أحد كبار رجال الأعمال

    وطلب مني أن أبحث له عن رجل مخلص وأمين وذو أخلاق عالية

    ولديه طموح وقدرة على إدارة العمل

    وأنا لم أجد شخصاً أعرفه تنطبق عليه هذه الصفات إلا أنت

    فما رأيك أن نذهب سوياً لتقابله هذا المساء.

    فتهلل وجه الابن بالبشرى وقال:

    لعلها دعوة والدي وقد أجابها الله فحمد الله كثيراً ,

    وفي المساء كان الموعد فما أن شاهده رجل الأعمال حتى شعر بارتياح شديد تجاهه وقال :

    هذا الرجل الذي أبحث عنه وسأله كم راتبك؟

    فقال:

    ما يقارب الخمسة ألاف ريال.

    فقال له:

    اذهب غداً وقدم استقالتك وراتبك خمسة عشر ألف ريال،

    وعمولة من الأرباح 10% وراتبين بدل سكن وسيارة ,

    وراتب ستة أشهر تصرف لك لتحسين أوضاعك.

    وما أن سمع الشاب ذلك حتى بكى وهو يقول

    ابشر بالخير يا والدي.

    فسأله رجل الأعمال عن سبب بكائه فحدثه بما حصل له قبل يومين،

    فأمر رجل الأعمال فوراً بتسديد ديون والده،

    وكانت محصلة أرباحه من العام الأول لا تقل عن نصف مليون ريال.

    وقفة

    بر الوالدين من أعظم الطاعات وأجل القربات وببرهما تتنزل الرحمات وتنكشف الكربات ,

    فقد قرن الله برهما بالتوحيد فقال تعالى:

    ** (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما ) الإسراء .

    وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

    سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    أي الأعمال أحب إلى الله؟

    قال:

    (الصلاة على وقتها،

    قلت:

    ثم أي؟

    قال:

    ثم بر الوالدين،

    قلت:

    ثم أي؟

    قال:

    ثم الجهاد في سبيل الله ).

    وعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول:

    (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن،

    كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم،

    له والدةٌ هو بارٌ بها،

    لو أقسم على الله لأبرّه،

    فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل )

    صحيح مسلم.

    وهذا حيوة بن شريح

    وهو أحد أئمة المسلمين والعلماء المشهورين

    يقعد في حلقته يعلم الناس ويأتيه الطلاب من كل مكان ليسمعوا عنه،

    فتقول له أمه وهو بين طلابه:

    قم يا حيوة فاعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.

    واعلم أخي الحبيب أن من أبواب الجنة الثمانية

    ( باب برالوالدين )

    فلا يفوتك هذا الباب واجتهد في طاعة والديك

    فو الله برك بهما من أعظم أسباب سعادتك في الدنيا والآخرة .

    أسال الله جلا وعلا أن يوفقني وجميع المسلمين لبر الوالدين والإحسان إليهما ...

    ــــــــــــــــــــــــــــ

    منتديات الأحبة في الله
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من مشاهد العظمة في الهجرة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:46

    بقلم: د. عبد الرحمن البر

    لم تكن الهجرةُ حَدَثًا عاديًّا، أو مجرَّدَ انتقالٍ من دارٍ إلى دار، وإنما كانت عملاً مُضْنِيًا في غايةِ المشقَّةِ، وتضحيةً نادرةً بكل شيءٍ في سبيل الله، وإنًّ فيها لمَشَاهدَ يندهشُ لها بصرُ التاريخ وسمعُه، تُفْصِح عن عَزْمة الإيمانِ التي بعثَها محمدٌ صلى الله عليه وسلم في النفوس، فشَرَتْ أنفسَها ابتغاءَ مَرْضَاتِ الله.

    لقد سعتْ قريشٌ إلى عرقلةِ هجرة المؤمنين بكل وسيلةٍ، وأثارت المشاكلَ الكثيرةَ أمامَهم، ودبَّرت الحِيَل لمنعهم، عساها تُثْنِيهم عن الهجرةِ، فمرةً تغتصبُ وتحتجز أموالَهم، وتارةً تُمنع منهم زوجاتِهم، وثالثةً تحتال لإعادتهم إلى مكة.

    غير أنَّ ذلك كلَّه لم يَفُتَّ في عَضُدِ المؤمنين المهاجرين، ولم يَعُقْهم عن متابعة رحلتِهم المباركةِ، إذْ كانوا على أتمِّ الاستعداد للتخلِّي عن أي شيء في سبيل الله.

    رأينا- فيما سبق- مواقفَ علي وأبي بكر رضي الله عنهما، وفيها من قوةِ الإيمان وعُمْقِ اليقينِ ومَضَاءِ العزيمةِ ما لا يكاد يُوجَد إلا في الرجُل بعد الرجل، وعلى قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ. غيرَ أن هذه المواقفَ الرائعةَ لم تكن هي كلَّ مواقفِ العظمةِ والشموخِ في الهجرةِ المباركة، بل امتلأ هذا الحدَثُ العظيمُ بكثيرٍ من مشاهد العظمةِ والتجرُّدِ والتضحيةِ، التي تُعطِي الأمةُ دروسًا بليغةً في بناءِ المجدِ وتحصيلِ العزة.

    وهاك بعضَ هذه المشاهد- كما هي- بلا تزويقٍ ولا ترويقٍ، ولْيُحَاوِلْ كلُّ مسلمٍ أن يستنبطَ الدروسَ ويتلمَّس العِبَر من هذه المشاهد العظيمة.

    ا- هجرة صهيب بن سنان:

    كان صهيبُ بنُ سِنَانٍ النَّمِري من النِّمِر بن قاسطٍ، أغارتْ عليهم الرومُ، فسُبِي وهو صغير، وأخذ لسانَ أولئك الذين سَبَوْه، ثم تقلَّبَ في الرِّقِّ، حتى ابتاعه عبدُ الله بن جُدْعان، ثم أعتقه، ودخل الإسلام هو وعمار بن ياسر رضي الله عنهما في يومٍ واحدٍ.

    وكانت هجرة صهيب رضي الله عنه عملاً تتجلَّى فيه روعةُ الإيمان، وعظمةُ التجرد للّه؛ حيث ضحَّى بكل ما يملك في سبيل الله ورسوله واللحوق بكتيبة التوحيد والإيمان.

    فعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرَ، أَوْ تَكُونَ يَثْرِبَ".

    قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وَكُنْتُ قَدْ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ، وَصَدَّنِي فَتَيَانٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَعَلْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ أَقُومُ لا أَقْعُدُ، فَقَالُوا: قَدْ شَغَلَهُ الله عَنْكُمْ بِبَطْنِهِ- وَلَمْ أَكُنْ شَاكِيًا- فَنَامُوا، فَخَرَجْتُ، فَلَحِقَنِي مِنْهُمْ نَاسٌ بَعْدَمَا سِرْتُ يُرِيدُونَ رَدِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقًا مِنْ ذَهَبٍ وَسِيَرَا لِي بِمَكَّةَ، وَتُخَلُّونَ سَبِيلِي، وَتَوْثُقُونَ لِي، فَفَعَلُوا، فَتَبِعْتُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَقُلْتُ: احْفُرُوا تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، فَإِنَّ تَحْتَهَا الأَوَاقِ، فَاذْهَبُوا إِلَى فُلانَةَ بِآيَةِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذُوا الْحُلْيَتَيْنِ.

    وَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهَا، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: "يَا أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ" ثَلاثًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ إِلا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامْ.

    وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النّهْدِيّ أَنّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنّ صُهَيْبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُك عِنْدَنَا، وَبَلَغْت الّذِي بَلَغْت، ثُمّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِك وَنَفْسِك، وَاَللّهِ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْت لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ.

    قَالَ: فَإِنّي جَعَلْت لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ("رَبِحَ صُهَيْبٌ، رَبِحَ صُهَيْبٌ".

    وعن عكرمة رحمه الله قال: "لمَّا خَرَجَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا تَبِعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ، فَنَثَلَ كِنَانَتَهُ، فأَخْرَجَ مِنْهَا أَرْبَعِينَ سَهْمًا، فَقَالَ: لا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَضَعَ فِي كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ سَهْمًا، ثُمَّ أَصِيرُ بَعْدُ إِلَى السَّيْفِ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَجُلٌ، وَقَدْ خَلَّفْتُ بِمَكَّةَ قَيْنَتَيْنِ، فَهُمَا لَكُمْ".

    وعن أنس رضي الله عنه نحو حديث عكرمة، وقال: "وَنَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتغَاءَ مَرْضَاتِ الله﴾ (البقرة: من الآية 207)، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ". قال: وتلا عليه الآية ، كما روى نحو ذلك عن سعيد بن المسيب رحمه الله.

    تلك كانت القصةَ بطرقها المختلفة، ورواياتها المتعددة، وهي روايات يكمل بعضها بعضًا.

    لَكَأني بصهيب رضي الله عنه يُقدِّم الدليلَ القاطعَ على فسادِ عقلِ أولئك المادِّيِّين، الذين يزِنون حركاتِ التاريخِ وأحداثَه كلَّها بميزان المادة. فأين هي المادة التي سوف يكسِبُها صهيب رضي الله عنه في هجرته، والتي ضحَّى من أجلها بكل ما يملك؟!

    هل تراه ينتظر أن يعطيَه محمدٌ صلى الله عليه وسلم منصبًا يعوِّضه عما فقده؟ أم هل ترى محمدًا صلى الله عليه وسلم يُمنّيه بالعيش الفاخر في جوارِ أهل يثرب؟!

    اللهم إنا نُشهِدُك- ولا نزكِّي عليك إلا ما زكَّيْتَ- أنَّ صهيبًا ما فعل ذلك، وما انحاز إلى الفئة المؤمنة إلا ابتغاءَ مرضاتِك، بالغًا ما بلغ الثمنُ، ليضربَ لشباب الإسلام مثلاً في التضحية عزيزَ المنال، عساهم يسيرون على الدرب، ويقتفون الأثر.

    2- هجرة آل أبي سلمة:

    هذا مشهدٌ آخر يضارع المشهدَ السابقَ عظمةً وجلالاً؛ إنها أسرةٌ مؤمنةٌ باعتْ نفسَها لله، تتكون من أبٍ وأمٍّ وطفلٍ، أصابهم في سبيلِ الهجرة إلى الله ورسوله ما أصابهم، فتحمَّلوا صابرين، وهاجروا مؤمنين، وجاهدوا مُثَابِرين.

    وهذا ابن إسحاق ينقل لنا القصة على لسان تلك الأم، فيقول:

    حَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَدّتِهِ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: لَمّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ، ثُمّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُك غَلَبْتنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْت صَاحِبَتَك هَذِهِ، عَلامَ نَتْرُكُك تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذُونِي مِنْهُ.

    قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالُوا: لا وَاَللّهِ لاَ نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بُنَيَّ سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ.

    قَالَتْ: فَفَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي.

    قَالَتْ: فَكُنْت أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أُمْسِي، سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ؟ فَرّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِك إنْ شِئْتِ. قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي.

    قَالَتْ: فَارْتَحَلْت بَعِيرِي، ثُمّ أَخَذْت ابْنِي فَوَضَعْته فِي حِجْرِي، ثُمّ خَرَجْت أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللّهِ. قَالَتْ: فَقُلْت: أَتَبَلّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتّى أَقْدَمَ عَلَى زَوْجِي، حَتّى إذَا كُنْت بِالتّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ، فَقَالَ لِي: إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْت: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَوَ مَا مَعَك أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْت: لا وَاَللّهِ إلاَّ اللّهُ وَبُنَيّ هَذَا. قَالَ: وَاَللّهِ مَا لَك مِنْ مَتْرَكٍ.

    فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي، فَوَ اَللّهِ مَا صَحِبْت رَجُلاً مِنْ الْعَرَبِ قَطّ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمّ اسْتَأْخَرَ عَنّي، حَتّى إذَا نَزَلْت اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطّ عَنْهُ ثُمّ قَيّدَهُ فِي الشّجَرَةِ، ثُمّ تَنَحّى وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْت وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ حَتّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ قَالَ: زَوْجُك فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ- وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلاً- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ. ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكّةَ.

    قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ وَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلاَمِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْت صَاحِبًا قَطّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَة .

    الله أكبر الله أكبر! أرأيتم أثر الإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب؟!

    هذه أسرة فُرِّق شملها، وامرأة تبكي شدة مصابها، وطفل خُلعت يده وحُرِم من أبويه، وزوجٌ وأبٌ يُسَجِّلُ أَرْوَعَ صُورِ التضحيةِ والتجرد؛ ليكون أولَّ مهاجرٍ يصل أرضَ الهجرةِ، محتسبين في سبيلِ الله ما يَلْقَوْنَ، مُصمِّمين على المُضيِّ في طريقِ الإيمان، والانحيازِ إلى كتيبة الهدى، فماذا عَسَى أن ينالَ الكفرُ وصناديدُه من أمثال هؤلاء؟!

    ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ (ق).

    على أنه لا ينبغي أن أغادرَ هذا المشهدَ قبل أن أتوقَّف قليلاً أمام صنيع عثمان بن طلحة رضي الله عنه، فقد كان يومئذٍ كافرًا (وأسلم قبل الفتح)، ومع ذلك تشهدُ له أم سلمة رضي الله عنها بكرم الصُّحْبة، على النحو المذكور في القصة، وذلك شاهدُ صدقٍ على نفاسة معدِن العرب، وكمالِ مُرُوءتِهم، وحمايتِهم للضعيف، "فقد أَبَتْ عليه مروءتُه وخُلُقُه العربيُّ الأصيلُ أن يَدعَ امرأةً شريفةً تسيرُ وحدها في هذه الصحراء الموحشة، وإنْ كانت على غير دينه، وهو يعلم أنها بهجرتها تراغمه وأمثالَه من كفار قريش.

    فأين من هذه الأخلاق- يا قومي المسلمين والعرب- أخلاقُ الحضارة في القرن العشرين، من سطوٍ على الحُرِّيَّات، واغتصابٍ للأعراض، بل وعلى قارعة الطريق، وما تطالعُنا به الصحافةُ كلَّ يومٍ من أحداث يَنْدَى لها جبينُ الإنسانية، ومن تَفَنُّنٍ في وسائل الاغتصاب، وانتهاك الأعراض، والسطو على الأموال.

    إن هذه القصةَ- ولها مُثُلٌ ونظائرُ- لَتَشْهَدُ أنَّ ما كان للعربِ من رصيدٍ في الفضائل كان أكثرَ من مَثَالبهم ورذائلهم، فمن ثَمَّ اختار الله منهم خاتَمَ أنبيائه ورسله، وكانوا أهلاً لحمل الرسالة، وتبليغها للناس كافة".

    3- هجرة ضَمُرَة بن جُندب:

    ثالثُ هذه المشاهد يُرِينا ما كان عليه هذا الجيلُ الكريمُ من سرعةٍ في امتثال الأمر، وتنفيذه في النشاطِ والشدة، كائنةً ما كانت ظروفُهم، فلا يلتمسون لأنفسهم المعاذير، ولا يطلبون الرُّخَص.

    فقد فرض الله الهجرة على المؤمنين بحيث أنَّ "كل مَن أقام بين ظهرانَيْ المشركين وهو قادرٌ على الهجرة، وليس متمكِّنًا من إقامةِ الدين، فهو ظالمٌ مرتكبٌ حرامًا بالإجماع..." ، لكن الله أعفي من هذا الفرض المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المحبوسين بعذرٍ أو مرض ولا حيلةَ لهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوًا غَفُورًا﴾ (النساء).

    وقد كان ضَمُرَةُ بن جُندب مريضًا ذا عذر، لكنه أراد أن يلحقَ برَكْبِ التوحيد إلى أرض الإيمان، بالغةً ما بلغت المشقة.

    فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لأَهْلِهِ: احْمِلُونِي، فَأَخْرِجُوني مِنْ أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ الْوَحْيُ: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ الله يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا (100)﴾ (النساء) (18).

    وفي رواية: "كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ضَمُرَةَ، مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَكَانَ مَرِيضًا، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَخْرِجُونِي مِنْ مَكَّةَ، فَإِنِّي أَجِدُ الْحَرَّ. فَقَالُوا: أَيْنَ نُخْرِجُكَ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ.

    فَخَرَجُوا بِهِ، فَمَاتَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ".

    وفي بعض طرقه: أن الرجلَ كان مصاب البصر، وكان موسرًا، فقال: لئن كان ذهابُ بصري؛ إني لأستطيعُ الحيلة، لي مالٌ ورقيقٌ، احملوني. فحُمِل ودبَّ وهو مريضٌ، فأدركه الموت عند التنعيم.

    فهذا الرجلُ قد رأى أنه ما دام له مالٌ يستعينُ به ويُحْمَلُ به إلى المدينة، فقد انتفي عذرُه. وهذا فِقْهٌ أَمْلاَهُ الإيمانُ، وزكَّاه الإخلاصُ واليقين.

    4- ذكاءُ أسماءَ بنتِ أبي بكر الصديق رضي الله عنها وشجاعتها:

    أسماءُ رضي الله عنها، هي ذلك النجمُ اللامعُ الذي يتوهَّج لمعانًا إذا ذُكرت الهجرةُ، فهي تلك التي صنعتْ زادَ أعظم مهاجرَيْن، وربطتْه بنِطَاقِهَا، فصارتْ مشتهرةً بذات النطاق ، وبذات النطاقين:

    فعَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها: صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَا الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبُطُهُ إِلاَّ نِطَاقِي. قَالَ: فَشُقِّيهِ. فَفَعَلْتُ، فَسُمِّيتُ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ .

    ولها في الهجرة مواقف أخرى تستبِدُّ بالإعجاب، وتنضح بالذَّكاء، وصدق الإيمان.

    وهناك موقفان لها يدلان على غايةِ الشجاعةِ والقوةِ، وكمالِ الذكاءِ والفِطنةِ، وعمقِ اليقينِ والثقة بالله:

    (أ) أما الموقف الأول، فيحكيه عنها ابْنُ إسْحَاقَ فيقول:

    حُدّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنّهَا قَالَتْ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوك يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْت: لاَ أَدْرِي وَاَللّهِ أَيْنَ أَبِي. قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي.قَالَتْ: ثُمّ انْصَرَفُوا.

    فَمَكَثْنَا ثَلاَثَ لَيَالٍ، وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ، يَتَغَنّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنّ النّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكّةَ وَهُوَ يَقُولُ:

    جَزَى الله رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ

    رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ

    هُمَا نَزَلاَ بِالْبَرّ ثُمّ تَرَوّحَا

    فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدٍ

    لِيَهِنْ بني كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ

    وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

    قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: فَلَمّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رضي الله عنه، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَرْقَطَ دَلِيلُهُمَا.

    لك الله يا بنتَ الصديق، وزوجَ الحوارى، وأمَّ الأبطال والعلماء! لكأني أراك تمسحين عن وجهك الكريم أَثَرَ لطمةِ الفاحشِ الخبيثِ، وقلبُك من أعماقِه يفيض سُخريةً من هذا الباطل التافِهِ المتهافِت، وضحكًا على أولئك الصناديد التافهين الفارغين، فقد انتصرتِ عليهم بشجاعتكِ وثباتِكِ وذكائك.

    فأَدْبَروا ووُجوهُ الأرضِ تلعنُهم كباطلٍ من جلالِ الحق منهزم

    (ب) وأما الموقف الثاني، فيرويه كذلك ابْنُ إسْحَاقَ، فيقول:

    حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ، أَنّ أَبَاهُ عَبّادًا حَدّثَهُ، عَنْ جَدّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلّهُ، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتّةُ آلاَفٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ.

    قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدّي أَبُو قُحَافَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: وَاَللّهِ إنّي لا أَرَاهُ إِلاَ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْت: كَلّا يَا أَبَتِ، إنّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْت أَحْجَارًا، فَوَضَعْتهَا فِي كُوّةٍ فِي الْبَيْتِ الّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمّ وَضَعْت عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمّ أَخَذْت بِيَدِهِ فَقُلْت: يَا أَبَتِ ضَعْ يَدَك عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلاَغٌ لَكُمْ.

    وَلاَ وَاَللّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا، وَلَكِنّي أَرَدْت أَنْ أُسَكّنَ الشّيْخَ بِذَلِكَ.

    وبهذه الفِطْنة والحِكْمة سترتْ أسماءُ أباها، وسكَّنَتْ قلبَ جدِّها الشيخِ الضَّريرِ، من غير أن تكذبَ، فإن أباها قد ترك لهم حقًّا هذه الأحجار التي كوّمتها لتُطَمْئِنَ بها نفسَ الشيخ، إلا أنه قد ترك لهم معها إيمانًا بالله لا يتزلزلُ إن تزلزلت الجبالُ، ولا تُحَرِّكُه العواصفُ الهُوْج، ولا يتأثر بقلةٍ أو كثرةٍ في المال، وورَّثهم يقينًا بالله وثقةً في جنابه لا حدَّ لها، وغرس فيهم هِمَّةً تتعلَّق بمعالي الأمور، ولا تلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيتِ المسلمِ مثالاً عزَّ أن يتكرَّر، وقلّ أن يُوجَد نظيره.

    لقد ضربتْ أسماءُ رضي الله عنها بهذه المواقف لنساءِ وبناتِ المجاهدين مثالاً هُنَّ في أمسِّ الحاجةِ إلى الاقتداءِ به، والنَّسْج على مِنْوَالِه.

    وظلَّتْ أسماءُ مع إخوتها في مكة، لا تشكو ضِيقًا ولا تُظهِرُ حاجةً، حتى بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم زيدَ بنَ حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، وأعطاهما بعيرَيْن وخمسَمائة درهمٍ، فقَدِمَا عليه بفاطمةَ وأمِّ كُلثوم ابنتيْه، وسودةَ بنتِ زَمْعَةَ زوجِه، وأسامةَ بنِ زيدٍ، وأمِّه بَرَكَةَ المُكَنَّاةِ بأم أيمن، وخرج معهما عبدُ الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، فيهم عائشة وأسماء، فقَدِمُوا المدينةَ، فأَنْزَلَهم في بيت حارثةَ بنِ النُّعْمان .

    5- هجرة عمر وقصة عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص:

    هذا مشهدٌ آخرُ يبيِّن مدى الجهدِ والحيلةِ التي كانت تبذلُها قريشٌ لفتنة المؤمنين، ومدى حرصِ المؤمنين بعضهم على بعض، وتحذيرِهم بعضَهم بعضًا من حِيَلِ وأَلاَعِيبِ المشركين، ثم مدى حرصِهم على إعادةِ المفتونين من إخوانهم إلى الصفِّ المسلمِ مرةً أخرى.

    فقد استغلتْ قريشٌ سطوتَها لمنع هجرةِ هشامِ بنِ العاصِ أخي عمرو بن العاص، وأَوعَزَتْ إلى أهلِه فحبسوه، وفتنوه فافتُتِن، كما استغلتْ قريشٌ سلامةَ فطرةِ عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ وشدةَ بِرِّه بأمِّه، في استعادته إلى مكة، ثم فتنوه فافتُتِن، ومع ذلك ظلَّ إخوانُهم المسلمون يَأْمَلُون فَيْأهم إليهم، وعودَتهم إلى صفوفهم، حتى أَذِن الله بذلك.

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيّ، حَتّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ. فَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، قَالَ: اتّعَدْتُ لَمّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السّهْمِيّ التّناضِبَ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِفٍ ، وَقُلْنَا : أَيّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَأَصْبَحْت أَنَا وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التّنَاضُبِ، وَحُبِسَ عَنّا هِشَامٌ، وَفُتِنَ فَافْتُتِنَ.

    فَلَمّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمّهِمَا، حَتّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ، فَكَلّمَاهُ وَقَالاَ: إنّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لاَ يَمَسَّ رَأْسَهَا مُشْطٌ حَتّى تَرَاك، وَلاَ تَسْتَظِلّ مِنْ شَمْسٍ حَتّى تَرَاك. فَرَقّ لَهَا، فَقُلْت لَهُ: يَا عَيّاشُ، إنّهُ وَاَللّهِ إنْ يُرِيدَك الْقَوْمُ إلّا لِيَفْتِنُوك عَنْ دِينِك، فَاحْذَرْهُمْ، فَوَاَللّهِ لَوْ قَدْ آذَى أُمَّكَ الْقَمْلُ لاَمْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدّ عَلَيْهَا حَرُّ مَكّةَ لاَسْتَظَلّتْ.

    قَالَ: فَقَالَ أَبَرُّ قَسَمَ أُمّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ. قَالَ: فَقُلْت: وَاَللّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالاً، فَلَك نِصْفُ مَالِي وَلاَ تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيَّ إلّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا، فَلَمّا أَبَى إلّا ذَلِكَ قَالَ: قُلْت لَهُ: أَمَّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْت، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ؛ فَإِنّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ ، فَالْزَمْ ظَهْرَهَا، فَإِنْ رَابَك مِنْ الْقَوْمِ رَيْبٌ فَانْجُ عَلَيْهَا.

    فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاَللّهِ لَقَدْ اسْتَغْلَظْتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلاَ تُعْقِبَنِي عَلَى نَاقَتِك هَذِهِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَنَاخَ وَأَنَاخَا لِيَتَحَوّلَ عَلَيْهَا، فَلَمّا اسْتَوَوْا بِالْأَرْضِ عَدَوْا عَلَيْهِ فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ، ثُمّ دَخَلاَ بِهِ مَكّةَ، وَفَتَنَاهُ فَافْتُتِنَ.

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بِهِ بَعْضُ آلِ عَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنّهُمَا حَيْنَ دَخَلاَ بِهِ مَكّةَ دَخَلاَ بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا، ثُمّ قَالاَ: يَا أَهْلَ مَكّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا.

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: فَكُنّا نَقُولُ: مَا اللّهُ بِقَابِلٍ مِمّنْ اُفْتُتِنَ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً وَلاَ تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللّهَ ثُمّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلاَءٍ أَصَابَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ.

    فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعًا إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمّ لاَ تُنْصَرُونَ (54) وَاتّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ (55)﴾ (الزمر).

    قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: فَكَتَبْتهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثْت بِهَا إلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي.

    قَالَ: فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِي: فَلَمّا أَتَتْنِي جَعَلْت أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوًى ، أُصَعِّدُ بِهَا فِيهِ وَأُصَوِّبُ، وَلاَ أَفْهَمُهَا، حَتّى قُلْت: اللّهُمّ فَهّمْنِيهَا. قَالَ: فَأَلْقَى اللّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنّهَا إنّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا، وَيُقَالُ فِينَا. قَالَ: فَرَجَعْت إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْت عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.

    تلك كانت بعضَ مشاهد العظمة في معركة الهجرة المباركة، وهي تؤكد طبيعةَ أولئك الرجالِ والنساءِ الذين ربَّاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بنفسِه، وصنعهم على عينه، فنضَّرَ بهم وجْهَ الدنيا، وبَيَّضَ بهم وجْه الحياة، فلم تكن هجرتُهم إلا طلبًا لما عند الله، ولم يكن خروجُهم إلا ابتغاءَ وجهه، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

    عن أبي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: عُدْنَا خَبَّابًا (يعني ابنَ الْأَرَتِّ) فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نُرِيدُ وَجْهَ الله، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى الله، فَمِنَّا مَنْ مَضَى، لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نُغَطِّىَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذْخِرٍ. وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدِبُهَا.

    أجل، خرجوا يريدون وجهَ الله، لا ينتظرون أجرًا ممن سواه، وشهد لهم بذلك ربُّ العزة جلّ وعلا، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (Cool﴾ (الحشر).

    فهم يبتغُون فضلَ الله، ورضوانَه، ويسعَوْن بهجرتِهم إلى نصرِ الله ورسولِه، مجاهدين لأهوائِهم، معاندين لشياطينِهم، صادقين في أغراضِهم وأهدافِهم، وهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يشرح طرفًا من هذه المجاهدة، ثم يذكر نتيجتها المحتومة.

    فعَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلاَمِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ! فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ".

    فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ" .

    وقد سجَّل هذه المعانيَ الشاعرُ المهاجر أبو أحمد عبدُ بنُ جحشٍ رضي الله عنه، حين هاجر أهلُ بيته أجمعون، رجالاً ونساءً، وغُلِّقت دار بني جحشٍ في مكة، فقال رضي الله عنه: سيرة ابن هشام(ص 472).

    لَمّا رَأَتْنِي أُمّ أَحْمَدَ غَادِيًا

    بِذِمّةِ مَنْ أَخْشَى بِغَيْبٍ وَأَرْهَبُ

    تَقُولُ فَإِمّا كُنْتَ لاَ بُدّ فَاعِلاً

    فَيَمّمْ بِنَا الْبُلْدَانَ ولتَنْأَ يَثْرِبُ

    فَقُلْت لَهَا : بَلْ يَثْرِبُ الْيَوْمَ وَجْهُنَا

    وَمَا يَشإِ الرّحْمَنُ فَالْعَبْدُ يَرْكَبُ

    إلَى اللّهِ وَجْهِي وَالرّسُولِ وَمَنْ يُقِمْ

    إلَى اللّهِ يَوْمًا وَجْهَهُ لاَ يُخَيّبُ

    فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حَمِيمٍ مُنَاصِحٍ

    وَنَاصِحَةٍ تَبْكِي بِدَمْعٍ وَتَنْدُبُ

    تَرَى أَنّ وِتْرًا نَأْيُنَا عَنْ بِلاَدِنَا

    وَنَحْنُ نَرَى أَنّ الرّغَائِبَ نَطْلُبُ

    دَعَوْت بَنِي غَنْمٍ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ

    وَلِلْحَقّ لَمّا لاَحَ لِلنّاسِ مَلْحَبُ

    أَجَابُوا بِحَمْدِ اللّهِ لَمّا دَعَاهُمْ

    إلَى الْحَقّ دَاعٍ وَالنّجَاحُ فَأَوْعَبُوا

    وَكُنّا وَأَصْحَابًا لَنَا فَارَقُوا الْهُدَى

    أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسّلاَحِ وأجْلَبوا

    كَفَوْجَيْنِ أَمّا مِنْهُمَا فَمُوَفّقٌ

    عَلَى الْحَقّ مَهْدِيّ، وَفَوْجٌ مُعَذّبُ

    طَغَوْا وَتَمَنّوْا كِذْبَةً وَأَزَلّهُمْ

    عَنْ الْحَقّ إبْلِيسُ فَخَابُوا وَخُيّبُوا

    وَرِعْنَا إلَى قَوْلِ النّبِيّ مُحَمّدٍ

    فَطَابَ وُلاَةُ الْحَقّ مِنّا وطُيّبوا

    نَمُتّ بِأَرْحَامٍ إلَيْهِمْ قَرِيبَةٍ

    وَلاَ قُرْبَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لاَ نُقَرّبُ

    فَأَيّ ابْنِ أُخْتٍ بَعْدَنَا يَأْمَنَنّكُمْ

    وَأَيّةُ صِهْرٍ بَعْدَ صِهْرِي تُرْقَبُ

    سَتَعْلَمُ يَوْمًا أَيّنَا إذْ تُزَايِلُوا

    وَزُيّلَ أَمْرُ النّاسِ لِلْحَقّ أَصْوَبُ

    وبهذا الإخلاص وهذه التضحية استحقَّ أولئكم النفرُ الكريمُ الفضيلةَ التي خصَّهم الله بها، والدعاءَ الذي دعا لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يتقبَّل الله هجرتَهم، وأن يُمضيَ أجرَهم.

    ففي الحديث عن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال وهو يعوده من مرضٍ ألمَّ به: "اللهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ..." الحديث.

    إخوان الدقهلية
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    قصص عن بر الوالدين وعقوقهما

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:47

    (( رب اغفر لي ولوالدي ))

    أمي أم ابني --- أيهما أختار

    عمارة كان أسفلها مستودعات وفي أعلاها شقق سكنية، وفي إحدى الشقق ترقد في جوف الليل امرأة غاب عنها زوجها في تلك الليلة ، وهي تحضن بين يديها طفلها الرضيع وقد نام بجوارها طفلتيها الصغيرتين ، وأمـــــــها الطاعنة في السن وفي جوف الليل تستيقظ تلك المرأة على صياح وضوضاء ،

    أبصرت ..وإذا بحريق شب في أسفل تلك العمارة وإذا برجال الإطفاء يطلبون من الجميع إخلاء العمارة إلى السطح

    قامت تلك المرأة وأيقظت صغيرتيها ، وصعدت الصغيرتان إلى أعلى العمارة ، ثم بقيت تلك الأم في موقف لاتحسد عليه ، لقد بقيت تنظر إلى صغيرها الرضيع الذي لا يستطيع حِراكا ،

    والى أمها الطاعنة في السن العاجزة عن الحركة والنيران تضطرب في العمارة ...

    وقفت متحيرة ،،،، أتقدم البر ؟؟؟ أم تقدم الأمومة ؟؟؟

    وبسرعة قررت بأن تبدأ بأمها قبل كل شيء وتترك صغيرها ،

    حملت أمها وصعدت بها إلى سطح العمارة وما إن سارت في درج تلك العمارة

    إلا وإذا بالنيران تداهم شقتها وتدخل على صغيرها وتلتهم تلك الشقة وما فيها .....

    تفطر قلبها وسالت مدامعها وصعدت إلى سطح العمارة لتضع أمها ، وتتجرع غصص ذلك الابن الذي داهــمته النيران على صغره .

    أصبح الصباح وأخمد الحريق وفرح الجميع إلا تلك الأم المكلومة ، لكن مع بزوغ الفجر

    إذا برجال الإنقاذ يعلنون عن طفل حي تحت الأنقاض بفضل الله .

    إنه البر وإنه عاقبة البـارين ، فيا عباد الله أين نحن من بر الآباء والأمهات ؟؟؟

    أين نحن من ذلك الباب من أبواب الجنة

    تحدث أحد الآباء ..أنه قبل خمسين عاماً حج مع والده .. بصحبة قافلة على الجمال ..

    وعندما تجاوزوا منطقة عفيف .. و قبل الوصول إلي ظلم .. رغب الأب - أكرمكم الله - أن يقضي حاجته..فأنزله الابن من البعير .. و مضى الأب إلي حاجته ..

    وقال للابن : انطلق مع القافلة أنت و سوف ألحق بكم ..

    مضى الابن .. وبعد برهة من الزمن التفت ووجد أن القافلة بعدت عن والده فعاد جارياً على قدميه ليحمل والده على كتفه .. ثم أنطلق يجري به ..

    يقول الابن : و بينما هو كذلك أحسست برطوبة تنزل على وجهي و تبين لي أنها دموع والدي ..

    فقلت لأبي : و الله أنك أخف علي كتفي من الريشة

    فقال الأب : ليس لهذا بكيت .. و لكن في هذا المكان حملت أنا والدي..

    إلى من والديه على قيد الحياة ..... اغتنم الفرصة !!

    فوائد بر الوالـدين:

    بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله

    رضا الله في رضا الوالدين

    الوالدين أحق الناس بالمعاملة الحسنة

    بر الوالدين أفضل من الجهاد

    إذا كنت باراً فأنت حاج ومعتمر ومجاهد

    الجنة تحت أقدام الأمهات

    بر الوالدين يُطيل العمر ويوسع الرزق

    من بر والديه فقد قرب نفسه من الجنة

    من بر والديه بره أولاده جزاء وفاقا

    بر الوالدين يجعل لك بابين مفتوحين من الجنة

    وعاهد نفسك من الآن على البر بهما ونيل رضا الله تعالى

    من قصص العقوق

    يقول الشيخ الفاضل عبد الملك القاسم :

    حدثني من أثق به عن ولد عاق لأمه .. أودعها في إحدى دور العجزة ولم يزرها إطلاقا حتى تردت حالتها .. وعندها طلبت من مسؤول الدار الاتصال على ابنها لتراه وتقبله قبل أن تموت .. وسبقتها الدموع وهي تنادي باسمه أن يحضر ولكن العاق العاصي ـ والعياذ بالله ـ رفض ذلك وادعى ضيق الوقت .. فلما توفيت الأم تم الاتصال بالابن العاق فكان جوابه : اكملوا الإجراءات الرسمية وادفنوها في قبرها ...

    ((يقول صاحب القصة ))

    كنا في احد المجالس فإذا بالجوال يرن على أحد الحاضرين

    رد على الجوال بوجه مكتئب:ايه ايه ايه ماهو بالحين

    قلتك خلاص ماهو بالحين بعدين

    هكذا توالت الكلمات قلنا لعله يخاطب إحدى قريباته

    ثم أغلق الجوال وقال : أزعجتنا العجوز!!

    يقصد أمه

    سكت وسكت الحاضرون ثم سمعنا صوت بكاء خفي فإذا أحد الزملاء تدمع عينه

    نظرنا إليه بدهشة لأن دمع الرجال ليس هينا

    فلما علم أننا حولنا النظر إليه قال : ليتني رأيت أمي وليتها حية لتزعجني

    كي أقول لها : سمي الذي يرضيك

    صاحبنا الأول صار في إحراج وحاول الدفاع عن نفسه

    فتكلم المجلس كله دفعة واحدة وقالوا :

    لا تتكلم ولا بكلمة ما لك أي عذر اذهب لأمك وقبل رأسها واسترضها

    صديقنا الذي بكى توفيت أمه وهو صغير بعد ولادته فورا

    يعيش حياته كئيبا لأنه يظن أنه سبب وفاة أمه

    نشأ وهو صغير يسمع من الأطفال :

    أمي قالت

    أمي تقول

    بروح لأمي

    ولكنه لا يستطيع أن يقول هذه الكلمات

    بركان داخله يتفجر فينزوي في إحدى زوايا البيت ليبكي بكاء مرا

    كبر وكبرت معه همومه

    يسمع زملاءه العقلاء هم يقولون ردا على أمهاتهم

    امري امر

    الله يحييك على طاعته

    إذا اتصلت ترك الدنيا من أجلها

    عندها يتنفس صاحبنا الصعداء

    ويكاد ينفجر من البكاء

    ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

    أختي..... أخي قارئ هذه السطور

    إذا كانت أمك حية ترزق ، فاترك الآن النت بسرعة ، وتوجه إلى أمك

    وقبل رأسها وقل لها:

    هل أنت راضية عني؟

    فإن قالت : نعم فأنت أسعد الناس!

    وإن قالت : لا

    فاذهب إلى زاوية في البيت : وابك بكاء على غضب والدتك عليك

    وإن كانت أمك ميتة : فارفع الآن يديك إلى السماء وقل :

    ((اللهم اجعلها في الفردوس الأعلى ))

    (((اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرا)))

    ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    منتديات نور عمان
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    لوط " عليه السلام "

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:48



    لوط " عليه السلام "

    أرسله الله ليهدي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله، وكانوا قوما ظالمين يأتون الفواحش ويعتدون على الغرباء وكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء فلما دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن يخرجوه هو وقومه فلم يؤمن به غير بعض من آل بيته، أما امرأته فلم تؤمن ولما يئس لوط دعا الله أن ينجيهم ويهلك المفسدين فجاءت له الملائكة وأخرجوا لوط ومن آمن به وأهلكوا الآخرين بحجارة مسومة.

    حال قوم لوط:

    دعا لوط قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن كسب السيئات والفواحش. واصطدمت دعوته بقلوب قاسية وأهواء مريضة ورفض متكبر. وحكموا على لوط وأهله بالطرد من القرية. فقد كان القوم الذين بعث إليهم لوط يرتكبون عددا كبيرا من الجرائم البشعة. كانوا يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويتواصون بالإثم، ولا يتناهون عن منكر، وقد زادوا في سجل جرائمهم جريمة لم يسبقهم بها أحد من العالمين. كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء.

    لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط.. فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء، وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد.. كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه.. ولقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط.. كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم.. وكانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف لم ينقذه من أيديهم أحد.. وكانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال.. واستطارت شهرتهم الوبيلة، وجاهدهم لوط جهادا عظيما، وأقام عليهم حجته، ومرت الأيام والشهور والسنوات، وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد.. لم يؤمن به غير أهل بيته.. حتى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعا. كانت زوجته كافرة.

    وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط عليه السلام، فكانوا يقولون: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). فيئس لوط منهم، ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين.

    ذهاب الملائكة لقوم لوط:

    خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط.. بلغوا أسوار سدوم.. وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر.. رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أحد الملائكة: يا جارية.. هل من منزل؟

    قالت [وهي تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبي وآتيكم.. أسرعت نحو أبيها فأخبرته. فهرع لوط يجري نحو الغرباء. فلم يكد يراهم حتى (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) سألهم: من أين جاءوا؟ .. وما هي وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته. وسألوه أن يضيفهم.. استحى منهم وسار أمامهم قليلا ثم توقف والتفت إليهم يقول: لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.

    قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية، غير أنهم غضوا النظر عن قوله ولم يعلقوا عليه، وعاد يسير معهم ويلوي عنق الحديث ويقسره قسرا ويمضي به إلى أهل القرية - حدثهم أنهم خبثاء.. أنهم يخزون ضيوفهم.. حدثهم أنهم يفسدون في الأرض. وكان الصراع يجري داخله محاولا التوفيق بين أمرين.. صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إحراجهم، وبغير إخلال بكرم الضيافة.. عبثا حاول إفهامهم والتلميح لهم أن يستمروا في رحلتهم، دون نزول بهذه القرية.

    سقط الليل على المدينة.. صحب لوط ضيوفه إلى بيته.. لم يرهم من أهل المدينة أحد.. لم تكد زوجته تشهد الضيوف حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره. أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر.. وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم. وجاء قوم لوط له مسرعين.. تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟.. وقف القوم على باب البيت.. خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير، وبدأ بوعظهم:

    (هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).. قال لهم: أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية.. كما أن الخالق -جلّ في علاه- قد هيّئهن لهذا الأمر.

    (فَاتَّقُواْ اللّهَ).. يلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة.. اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى.. ويغضب ويعاقب وأجدر بالعقلاء اتقاء غضبه.

    (وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي).. هي محاولة يائسة لِلَمْس نخوتهم وتقاليدهم. و ينبغي عليهم إكرام الضيف لا فضحه.

    (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ).. أليس فيكم رجل عاقل؟.. إن ما تريدونه -لو تحقق- هو عين الجنون.

    إلا أن كلمات لوط عليه السلام لم تلمس الفطرة المنحرفة المريضة، ولا القلب الجامد الميت، ولا العقل المريض الأحمق.. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها.

    أحس لوط بضعفه وهو غريب بين القوم.. نازح إليهم من بعيد بغير عشيرة تحميه، ولا أولاد ذكور يدافعون عنه.. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته.. كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين.. فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب.. وصرخ لوط في لحظة يأس خانق: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه.. وتمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه ويأوي إليه.. غاب عن لوط في شدته وكربته أنه يأوي إلى ركن شديد.. ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية: "رحمة الله على لوط.. كان يأوي إلى ركن شديد".

    هلاك قوم لوط:

    عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته.. تحرك ضيوفه ونهضوا فجأة.. أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد.. فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف.. نحن ملائكة.. ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل، عليه السلام، وأشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم.

    التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج.. سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. لا يلتفت منهم أحد.. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟.. هو عذاب من نوع غريب، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه.. أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم.

    سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح.. (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)؟

    خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل وغذوا السير.. واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى.. قال العلماء: اقتلع جبريل، عليه السلام، بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعيد.. رفعها جميعا إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، قلب المدن السبع وهوى بها في الأرض.. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحيم.. حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا، ومعلمة بأسمائهم، ومقدرة عليهم.. استمر الجحيم يمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماما.. لم يعد هناك أحد.. نكست المدن على رؤوسها، وغارت في الأرض، حتى انفجر الماء من الأرض.. هلك قوم لوط ومحيت مدنهم.

    كان لوط يسمع أصوات مروعة.. وكان يحاذر أن يلتفت خلفه.. نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من الملح.

    قال العلماء: إن مكان المدن السبع.. بحيرة غريبة.. ماؤها أجاج.. وكثافة الماء أعظم من كثافة مياه البحر الملحة.. وفي هذه البحيرة صخور معدنية ذائبة.. توحي بأن هذه الحجارة التي ضرب بها قوم لوط كانت شهبا مشعلة. يقال إن البحيرة الحالية التي نعرفها باسم "البحر الميت" في فلسطين.. هي مدن قوم لوط السابقة.

    انطوت صفحة قوم لوط.. انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض.. سقطوا من ذاكرة الحياة والأحياء.. وطويت صفحة من صفحات الفساد.. وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه.. وأدهشه أن إبراهيم كان يعلم.. ومضى لوط في دعوته إلى الله.. مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله.. مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    قصيمي نت
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    عمر بن الخطاب مع جبلة ابن ألأيهم الذي تنصر

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:49

    قصة عمر رضي الله عنه وجبلة بن الأيهم من الأمثلة التاريخية الهامة التي يستدل بها المؤلفون على عدم الهوادة في تطبيق المساواة، ما فعله عمر مع جبلة بن الأيهم وهذه هي القصة:كان جبلة آخر أمراء بني غسان من قبل هرقل وكان الغساسنة يعيشون في الشام تحت إمرة دولة الروم، وكان الروم يحرضونهم دائما على غزو الجزيرة العربية، وخاصة بعد نزول الإسلام. ولما انتشرت الفتوحات الإسلامية، وتوالت انتصارات المسلمين على الروم، أخذت القبائل العربية في الشام تعلن إسلامها فبدا للأمير الغساني أن يدخل الإسلام هو أيضا، فأسلم وأسلم ذووه معه. وكتب إلى الفاروق يستأذنه في القدوم إلى المدينة، ففرح عمر بإسلامه وقدومه، فجاء إلى المدينة وأقام بها زمنا والفاروق يرعاه ويرحب به، ثم بدا له أن يخرج إلى الحج، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام وطئ إزاره رجل من بني فزارة فحله، وغضب الأمير الغساني لذلك- وهو حديث عهد بالإسلام- فلطمه لطمة قاسية هشمت أنفه، فأسرع الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ما حل به، فأرسل الفاروق إلى جبلة يدعوه إليه، ثم سأله فأقر بما حدث، فقال له عمر: ماذا دعاك يا جبلة لأن تظلم أخاك هذا فتهشم أنفه؟ فأجاب بأنه قد ترفق كثيرا بهذا البدوي وأنه لولا حرمة البيت الحرام لقتله، فقال له عمر: لقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل، وإما أن أقتص له منك.وزادت دهشة جبلة بن الأيهم لكل هذا الذي يجري وقال: وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك.

    فقال عمر: إن الإسلام قد سوى بينكما.فقال الأمير الغساني: لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال الفاروق: دع عنك هذا فإنك إن لم تُرضِ الرجل اقتصصت له منك.فقال جبلة: إذا أتَنَصّر.فقال عمر: إذا تنصرت ضربت عنقك، لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك.وهنا أدرك جبلة أن الجدال لا فائدة منه، وأن المراوغة مع الفاروق لن تجدي، فطلب من الفاروق أن يمهله ليفكر في الأمر، فأذن له عمر بالانصراف، وفكر جبلة بن الأيهم ووصل إلى قرار، وكان غير موفق في قراره، فقد آثر أن يغادر مكة هو وقومه في جنح الظلام، وفر إلى القسطنطينية، فوصل إليها متنصرا، وندم بعد ذلك على هذا القرار أشد الندم فلما بعث عمر رسولًا إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام أجابه إلى المصالحة على غير الإسلام فلما أراد العود قال له هرقل: أَلَقِيتَ ابن عمك هذا الذي ببلدنا؟ يعني جبلة. قال: ما لقيته. قال: ألقه، ثم ائتني أعطك جوابك.فذهب رسول عمر إلى باب جبلة، فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل. قال الرسول: فدخلت عليه فرأيت رجلًا أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسود اللحية والرأس، فنظرت إليه فأنكرته فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرها في لحيته حتى عُدَّ أصهب، وهو قاعد على سرير قوائمه أربعة أسودٍ من ذهب، فلما عرفني رفعني معه على السرير، وجعل يسألني عن المسلمين فذكرت له خيرًا، وقلت له: قد تضاعفوا أضعافًا على ما تعرف. فقال: وكيف تركت عمر بن الخطاب؟ قلت له: بخير. فأغمه ذلك. وانحدرتُ عن السرير فقال: لِمَ تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا قال: نعم، صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال على ما قعدت. فلما صلى على النبي صلى الله عليه وسلم طمعت به فقلت: ويحك يا جبلة ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ فقال: أَبَعْدَ ما كان مني؟ قلت: نعم، فعل ذلك رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت ارتد عن الإسلام وضرب وجوه الإسلام بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام، فقُبل ذلك منه، وخلفته بالمدينة مسلمًا. قال: ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته، ويوليني الأمر بعده رجعت إلى الإسلام. فضمنت له التزويج، ولم أضمن الأمر، فأومأ إلى خادم بين يديه فذهب مسرعًا فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة، وقال لي: كل. فقبضت يدي وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة. قال: نعم، صلى الله عليه وسلم، ولكن نَقِ قلبك وكل فيما أحببت. فأكل في الذهب والفضة، وأكلت في الخلبخ، فلما رفع بالطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب. فقال: اغسل يدك. فأبيت، وغسل في الذهب والفضة، وغسلت في الصفر، ثم أومأ إلى خادم بين يديه، فمر مُسرعًا فسمعت حِسّا، فالتفت فإذا خدم معهم كراسٍ مرصعة بالجوهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، ثم سمعت حِسًّا، فالتفت فإذا عشر جوارٍ قد أقبلن مضمومات الشعور متكسرات في الحلي عليهن ثياب الديباج، ولم أر قط وجوهًا أحسن منهن، فأقعدهن على الكراسي، ثم سمعت حِسًّا فالتفت فإذا جارية كأنها الشمس حسنًا على رأسها تاج على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه وفي يدها اليمنى جام فيه مسك وعنبر فتيت، وفي يدها اليسرى جام فيه ماء وردٍ، فأومأت إلى الطائر- أو قال: صفرت بالطائر- فوقع في جام الماورد، فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه، فوقع في جام المسك والعنبر، فتمرغ فيه، ثم أومأت إليه- أو قال: صفرت به- فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه، فضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال لهن: بالله أضحكننا. فاندفعن يغنين بخفق عيدانهن ويقلن:-

    لله در عصابة نادمتهم***** يومًا بجلق في الزمان الأول

    يسقون من ورد البريص عليهم****** بردى يصفق بالرحيق السلسل

    لأولاد جفنة حول قبر أبيهم******قبر ابن مارية الجواد المفضل

    يغشون حتى ما تهر كلابهم*****لا يسألون عن السواد المقبل

    بيض الوجوه كريمةٌ أحسابهم******شم الأنوف من الطراز الأول

    قال: فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا. قال: قائله حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يساره، فقال لهن: أبكيننا. فاندفعن يغنين بخفق عيدانهن ويقلن:-

    لمن الدار أقفرت بمعان... بين أعلى اليرموك فالجم انذاك مغنى لآل جفنة في الدهر محلًا لحادثات الزمان

    قد أراني هناك دهرًا مكينًا... عند ذي التاج مقعدي ومكان

    قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته، ثم قال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ قلت: لا. قال: حسان بن ثابت.ثم أنشأ يقول:-

    تنصرت الأشراف من أجل لطمةٍ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

    تكنفني منها لجاجٌ ونخوةٌ... وبعت لها العين الصحيحة بالعور

    فيا ليت أمي لم تلدني وليتني... رجعت إلى القول الذي قاله عمر

    و يا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍ... وكنت أسيرًا في ربيعة أو مضر

    (الوافي في الوفيات جزء 1- صفحة 1503)

    ويعود الرسول إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم يرجع إلى جبلة فيجد الناس قد فرغوا من جنازته فيعلم أنه قد كتب عليه الشقاء.وفي هذه القصة نرى حرص الفاروق على مبدأ المساواة أمام الشرع، فالإسلام قد سوى بين الملك والسوقة، ولا بد لهذه المساواة أن تكون واقعا حيا وليس مجرد كلمات توضع على الورق أو شعار تردده الألسنة.

    _______________________

    منتدى الاحساء
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أرزاق

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 16:49

    بقلم: محسن العبيدي

    خرج الطبيب الجراح الشهير سعيد من البيت على عجل كي يذهب إلى المطار للمشاركة في المؤتمر العلمي الدولي الذي سيلقي بحثا فيه وسيلقى تكريما من أكاديمية الجراحين العالمية على انجازاته الفريدة في علم الطب كان متحمسا جدا ولم يصدق انه وصل إلى المطار دون عوائق في الطريق وصعد إلى الطائرة وأقلعت وهو يمني النفس بالتكريم الكبير الذي حلم به طوال حياته المهنية , وفجأة وبعد ساعة من الطيران جاء صوت مضيفة الطيران ليعلن أن الطائرة أصابها عطل بسبب صاعقِة وستهبط اضطراريا في أقرب مطار .

    نزل جميع الركاب من الطائرة واتجهوا نحو صالة المطار حيث تم إبلاغهم بأن طائرة أخرى ستأتي غدا لاصطحابهم إلى وجهتهم , لم يصدق سعيد هذا الأمر ورأى أحلامه بالتكريم تتلاشى أمام عينيه فتوجه إلى مكتب المطار قائلا :

    - أنا طبيب عالمي كل دقيقة من وقتي تساوي أرواح ناس وأنتم تريدون أن أبقى 16 ساعة بانتظار طائرة ؟ هناك مؤتمر عالمي يجب أن أصل إليه .

    أجابه الموظف دون اكتراث :

    - يادكتور لست أنا من يقرر مواعيد الطائرات ولكن إذا كنت مستعجل لهذا الحد فيمكنك استئجار سيارة والذهاب بها فالمدينة التي تقصدها لا تبعد عن هنا سوى 3 ساعات بالسيارة .

    رضي سعيد على مضض فهو لا يحب القيادة لمسافات طويلة واخذ السيارة وظل يسوق وفجأة تغير الجو وبدأ المطر يهطل مدرارا و أصبح من العسير أن يرى أي شيء أمامه ولم يتنبه إلى المنعطف على يمينه وظل مستمرا بالسير إلى الأمام وبعد ساعتين من السير المتواصل أيقن انه قد ظل طريقه وأحس بالجوع والتعب فرأى أمامه بيتا صغيرا فتوقف عنده ودق الباب فسمع صوتا لامرأة عجوز يقول :

    - تفضل بالدخول كائنا من كنت فالباب مفتوح

    دخل سعيد وطلب من المرأة العجوز الجالسة على كرسي متحرك أن يستعمل تلفونها لان بطارية الهاتف النقال قد نفذت , ضحكت العجوز وقالت :

    - أي تلفون يا ولدي ؟ ألا ترى أين أنت ؟ هنا لا كهرباء ولا ماء حنفية ولا تلفونات , ولكن تفضل واسترح وصب لنفسك فنجان شاي ساخن وهناك طعام على الطاولة كل حتى تشبع وتسترد قوتك فأمامك طريق طويل يجب أن تعود منه .

    شكر سعيد المرأة وجلس يأكل بينما كانت العجوز تصلي وتدعي وانتبه فجأة إلى طفل صغير نائم بلا حراك على سرير قرب العجوز وهي تهزه بين كل صلاة وصلاة .

    استمرت العجوز بالصلاة والدعاء طويلا فتوجه سعيد لها قائلا :

    - يا أم والله لقد أخجلني كرمك ونبل أخلاقك وإغاثتك الملهوف وعسى الله أن يستجيب لكل دعواتك .

    قالت له العجوز :

    - يا ولدي أنت ابن سبيل أوصى بك الله كل من في قلبه إيمان, وأما دعواتي فقد أجابها الله سبحانه وتعالى كلها إلا واحدة ولا ادري ما السبب؟ ولعل ذلك بسبب قلة إيماني .

    قال لها سعيد :

    - وما هي تلك الدعوة يا أم ؟ ألك حاجة في نفسك فاقضيها لك ؟ فانا مثل ولدك .

    قالت العجوز :

    - بارك الله بك يا بني ولكني لست بحاجة لشيء لنفسي. أما هذا الطفل الذي تراه فهوى حفيدي وهو يتيم الأبوين، وقد أصابه مرض عضال عجز عنه كل الأطباء عندنا، وقيل لي إن جراحا واحدا قادر على علاجه يقال له سعيد، ولكنه يعيش على مسافة كبيرة من هنا ولا طاقة لي بأخذ هذا الطفل إلى هناك وأخشى أن يأخذ الله أمانته، ويبقى هذا المسكين بلا حول ولا قوة فدعوت الله كل يوم وليلة أن يسهل أمري، وأجد طريقة اعرض بها هذا اليتيم على الدكتور سعيد، عسى الله أن يجعل الشفاء على يديه .

    بكى سعيد وقال :

    - يا أم والله لقد طرت، وسرت، وعطلت الطائرات وضربت الصواعق، وأمطرت السماء كي تسوقني إليك سوقا فوالله ما أيقنت أن الله عز وجل يسبب الأسباب لعباده المؤمنين إلا في بيتك هذا سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 24 يونيو 2017 - 4:59