hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الثورة العربية والمزاج العالمي

    شاطر
    avatar
    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الثورة العربية والمزاج العالمي

    مُساهمة  alhdhd45 في الإثنين 11 يوليو 2011 - 16:32

    الثورة العربية والمزاج العالمي
    يجهد المحللون السياسيون والمفكرون والاقتصاديون ومنجمو المستقبليات والخبراء الأمنيون أنفسهم في دراسة أسباب الثورة العربية ومظاهرها ومستقبلها ومدى تأثيرها الاقليمي والعالمي بعدما فاتهم التنبؤ بها وفاجأهم حدوثها.

    سنحاول في هذه الورقة أن نستطلع سياق الثورة العربية وحاجة العالم للتغيير وما هي الإمكانيات الذاتية للثورة وما هو الدور التاريخي للمسلمين – وللعرب خاصة- في تلبية حاجات الانسانية؟ وسنستكشف ذلك كله في إطار عام حضاري فلسفي أخلاقي فكري دون الدخول في جزئيات السياسة الميدانية الآنية أو المعطيات الاقتصادية الراهنة .


    . الاسلام في ميدان التحرير!

    ثورتان في العصر الحديث كان لأولاهما الأثر البارز في تغيير مجرى التاريخ، وسيكون للثانية نفس الأثر وربما بدرجة أكبر نظرا للظروف التي قامت فيها كل واحدة منهما. الأولى هي الثورة الفرنسية التي ألهمت أجيالا وقرونا بأفكار وعقائد غيرت وجه العالم، فتحت تاريخا له وجهان :وجه إنجازات استفاد منها الأقوياء وساعدتهم على التحكم في مصادر رزق وقرار الضعفاء، إنجازات أشعل بها الأقوياء حروبا أشد قسوة على البشرية لم تكن معهودة من قبل.ووجه إحباطات بحيث لم تقض على الظلم والاستبداد الذي قامت ضده، لم تقض على الفقر والفوارق الطبقية، مبادئ العدالة التي نادت بها كانت حكرا على العالم الغربي دون غيره.

    الثانية هي "الثورة العربية" - وهي بدأت ولم تنته بعد!- سيكون لها الأثر البالغ في تغيير وجه العالم إلى أحسن، في تصحيح الاختلالات في ميزان القوة بين الأقوياء والضعفاء ! كل هذا إن هي استفادت من إخفاقات الثورة الفرنسية؛إن كانت ثورة إنسانية تلهم الجميع وذات ابعاد انسانية، ولم تنحصر في دين بعينه أو في حضارة بعينها أو في قومية أو في ثقافة أو في طائفة.. بل تحتوي الجميع في إطار التعددية والتنوع والتعاون واستفادة الجميع .

    ولاشك أن الإسلام سيكون له دور كبير في توجيه هذه القاطرة وتحفيزها لما يملك من خصوصيات التعددية والتنوع ولما يملك من قوى روحية مليئة بالمحبة والعلاقات الدافئة بين الناس.

    قامت الثورة الفرنسية على شعار "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، كانت الكنيسة مدانة بتواطئها مع الاستبداد والإقطاعية، كانت شريكا في إذلال الشعوب أنذاك لذلك كان المطلب هو وضع الدين والاستبداد في سلة المهملات.

    على العكس من ذلك، شكل الاسلام حافزا وموجها لهذه الجماهير العربية التي خرجت لتطالب بإسقاط الاستبداد ؛فمن ثورة البوعزيزي في تونس إلى ثورة ميدان التحرير في مصر إلى ثورة العزة في ليبيا إلى ثورة ميدان التغيير في اليمن إلى ثورة الغضب في البحرين إلى ثورة الحرية في سوريا إلى ثورة الكرامة في المغرب إلى أن تتحرر كامل الاقطار العربية والاسلامية من ذل الاستبداد. فكل هذه الثورات المباركة كان الاسلام هو المطلب، هو الأخلاق وهو الممثل الجامع لكل الأطياف.

    • الإسلام – المطلب :كان الاسلام دائما مطلب الجماهير منذ مقاومة الاستعمار إلى مقاومة الاستبداد ؛عبرت عنه في مناسبات عدة بشكل مباشر من خلال تصويتها لصالح الحركة الإسلامية في الانتخابات أو في وقفاتها التضامنية مع القضايا الاسلامية والإقليمية أو في استنكارها الشديد للحملة المغرضة ضد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وعبرت عنه بشكل غير مباشر من خلال استعصائها على محاولات التغريب والتطويع والتطبيع.لذلك لم يكن غريبا أن يكون الاسلام في قلب ميدان التحرير؛ لم تخرج الجماهير لتطالب ببعض الكتاب وتكفر ببعض!كما أريد لها، بل خرجت لتؤمن بالكتاب كله ولتدحض زعما طالما حاول خصوم الاسلام خندقة الاسلام فيه أي في قطع يد السارق ورجم المحصن وما إلى ذلك من نوازل فقهية محدودة متعلقة بالأسرة، وللأسف انجر وراء هذا الافتراء كثير من أبناء الحركة الإسلامية إما دفاعا وإما لعدم قدرتهم على خوض غمار الاجتهاد العام الذي يولد مشروعا مجتمعيا يخرج الامة من حالة الهوان إلى العزة والكرامة والعيش الكريم.

    فجاءت الثورات العربية لتدحض زعمهم وتبين أن الإسلام هو الشورى هو العدل هو الكرامة هو الاستقلال هوالسيادة الشعبية.

    • الإسلام- الجامع : في ميدان التحرير - كما في الميادين الأخرى-، شارك الشعب بأكمله، غابت الشعارات الحزبية والقومية والانتماءات والاختلافات ؛ تنوعت مشاربهم وافكارهم وحيثياتهم وتوحد مطلبهم هو سقوط الاستبداد ! ذلك هو تاريخ الاسلام وسمْتُه : التنوع في إطار الوحدة، كانت المساجد تحتضن المنتفضين، كانت نقطة إلهام وانطلاق! شارك القبطي المسيحي أخاه المسلم صلواته ودعواته وأمّن عليها وشارك المسلم أخاه المسيحي صلواته ودعواته وأمّن عليها! صلى المسلم على الشهيد المسلم والمسيحي على السواء وصلى المسيحي على الشهيد المسلم والمسيحي على السواء! هذه هي روح الإسلام وتاريخه وحضارته.

    لذلك كان الإسلام هو الجامع لكل الأطياف، ليس الاسلام - كما يفهمه ضيقو النظر- في عقائد وحدود، بل الاسلام في معناه الأوسع الذي جسدته صحيفة المدينة التي خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم كدستور ينظم البلاد والعباد (مسلمين ويهود ومسيحيين ومشركين) جاء في الحديث سنوا عليهم بسنة أهل الكتاب على أن لاتاكلوا لحومهم ولاتنكحوا نساءهم، الاسلام كتاريخ ساهم الجميع في صناعة مجده.

    • الإسلام- الأخلاق : في ميدان التحرير – كما في الميادين الأخرى- أبان الشعب عن نضج أخلاقي، أخلاق التضامن والتكافل، أخلاق العفة عند اختلاط الرجال بالنساء - وقد أبلت المرأة البلاء الحسن!-، أخلاق التضحية والبذل وحب الاستشهاد، أخلاق الحب والسماحة والسلم والعفو حتى مع مناوئيهم.

    عادة الثورات هي الانتقام ودحر الثورة المضادة وبداية الصفحة بالقلم الأحمر كما شهدنا أعلاه من خلال شعار الثورة الفرنسية.

    لكن ثورة ميدان التحرير كانت بأخلاق إسلامية سامية



    . التنوع في اطار الوحدة

    كان المطلب الاول في الثورة الفرنسية هو التحرر، من قبضة الاقطاع والاستبداد ومن سيطرة الاساطير والخرافات التي خلفها الوصال الأنكد بين الديكتاتوية ورجال الدين.

    كان المطلب الثاني للثورة الفرنسية هو المساواة الاجتماعية وتمكين الطبقات الفقيرة وعموم الشعب من الاستفادة المتوازنة.

    المطلب الثالث هو الإخاء بين كل فئات المجتمع وتمتيع كل بني الانسان بنفس الحقوق .كان انجازا كبيرا في تشييد فلسفة "حقوق الانسان" التي أصبحت مطلبا عصريا يتجند له الخيرون في العالم بأسره.

    أكيد تحقق الكثير من شعارات الثورة الفرنسية خاصة مطلبي الحرية والمساواة حيث استطاعت الشعوب الغربية أن تنعم بحرية وعدالة اجتماعية معتبرة، أما مطلب الإخاء فلم ير النور بعد مادامت الانانية الغربية والاستئثار بخيرات الارض واستهلاك أضعاف أضعاف ما يستهلكه أهل الأرض مجتمعين هي الواقع!

    مطالب الحرية والمساواة والإخاء والكرامة هي نفس المطالب التي قامت عليها الثورة العربية – ولازالت قائمة- لكن بنفس مختلف ووسط مزاج مختلف وبظروف وشروط ووسائل مختلفة.

    مطالب مشروعة وسط عالم مفتوح يؤمن بمبادئ التعددية والتنوع ووحدة الرحم الإنسانية، مبادئ تؤسس للتعايش والعدالة الاجتماعية والمساواة العالمية.

    لا معنى إطلاقا لمطالب أن تبقى حكرا على البعض دون البعض ! لايمكن أن نتحدث عن مطالب دون مبادئ !

    لذلك " فالثورة العربية " إما أن تستحضر المبادئ الانسانية والشروط الانسانية والمطالب الانسانية فتحدث تغييرا فعليا في التاريخ الانساني أو تكون استمرارية لما بعد الثورة الفرنسية.



    مركزية العالم العربي:

    ما اشبه التاريخ بالتاريخ!وما أشبه اليوم بالأمس!

    في القرن السادس الميلادي كان العرب يعيشون حالة الذل والهوان أمام القوى العالمية أنذاك (الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية الفارسية) والقوى الاقليمية (الحبشة)، وكانت حالتهم الداخلية أدهى وأمر: حروب وصراعات قبلية وفتك وغارات وثأر وظلم لا حد له. شبيهة حالهم تلك بحالهم هذه!

    ووسط هذا الظلام القاتم كانت فيهم علامات خير امتازوا بها : مكارم الاخلاق، الكرم، الاطعام، حسن الجوار، الوفاء بالعهد وحفظ الود، نصرة المظلوم... أخلاق وفضائل كانت تحمي تعايشهم في حده الادنى حين غابت القوانين والسلطة الحاكمة التي تنظم العلاقات الاجتماعية .

    لأهمية هذه الأخلاق ولأن الرسائل لا تحملها إلا الأخلاق، اختارهم الله عزوجل لرسالته فبعث فيهم رسولا منهم بقرآن عربي مبين إلى الناس جميعا. وكانوا أحق بها وأهلها ! وحدهم الاسلام وجعل لهم شأنا وهيبة ومكانة عالمية في سرعة قياسية عبر عن ذلك الفاروق رضي الله عنه حين قال: كنا أذل قوم فاعزنا الله بهذا الدين فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله!

    وعبر عنه الجندي المتواضع ربعي بن عامر رضي الله عنه أمام أبهة كسرى وعرشه الفاخر:

    نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإِسلام !

    أخرج الاسلام العرب من عصبيتهم وقوميتهم إلى فضاء السعة الانسانية والوحدة البشرية فبنوا عمرانا إنسانيا شارك الجميع في بنائه في جو من الحرية والتعايش والانفتاح(المسلمون، اليهود، المسيحيون، البوذيون – في المناطق التي حكمها الاسلام -، جميع الاجناس...)، على اتساع رقعة العالم الاسلامي امتزجت المنطقية اليونانية الغربية و الترابطية الصينية الهندية الشرقية والدينامية العربية وتعايشت في ظل التنوع العرقي والثقافي والديني تحت جامعة الوسطية الإسلامية(العقل البياني/البرهاني/العرفاني بحسب تصنيف محمد عابد الجابري)؛ بالرغم من انحراف الطبقة الحاكمة واستبدادها بالحكم واستئثارها بالرزق على مر العصور إلا أن المجتمع المدني أنذاك (علماء، فلاسفة، أمة، )حاول محاصرة الاستبداد في نطاقه السياسي .

    اسوق هنا نصا يبين طبيعة الحضارة الاسلامية ومدى التنوع والتعددية التي امتازت بها :"العنصر الاكثر حيوية في تطور العلم الاسلامي كان هو هذا الطابع الكوزموبوليتاني(الكوني) للثقافة التي خلقها العرب.فالحضارة الاسلامية بامتدادها في اتساع العالم القديم من نهر النهانج إلى المحيط الاطلنطي، وحدت داخل مجالها التقاليد الثقافية للهند، وبلاد فارس وما بين النهرين ومصر واجزاء كبيرة من بيزنطة، ومن الميراث الاغريقي- الروماني الذي طورته الامبراطورية الرومانية في غرب البحر المتوسط.واثبت العرب أنهم أساتذة في نسج كل هذه الخيوط المختلفة في نسيج ثقافي جديد.وتماسكت الحضارة الجديدة بواسطة لغتهم المشتركة وايمانهم المشترك وطريقة حياتهم المشتركة لكنها كانت عامة بما يكفي، في ذروتها، لتحمل التبادل الحر لكل هذه التنوعات الاصلية."(1)

    ترى أن هذه الاخلاق لازالت قائمة أم اندرست مع التقادم والهوان والذل الذي خلفه الاستبداد القروني والاستعمار والسيطرة الاستكبارية؟

    على مدار عقود والعالم العربي يعتبر ميدان التجربة لجميع الأنظمة العالمية، نظرا لمركزيته الحيوية جغرافيا وسياسيا واستراتيجيا واقتصاديا ونظرا لأنه القلب النابض للإسلام وللعالم الاسلامي.زرع الاستعمار الغربي دولة إسرائيل في قلب العالم العربي سعيا منهم في ضمان التفوق والسيطرة الابدية على المنطقة العربية المتوسطية، ثم أشعلوا حروبا بين العرب فيما بينهم وفيما بينهم و بين جيرانهم ساهم في ذلك تخاذل الأنظمة الاستبدادية التي خلفت الاستعمار.

    بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين وتسلط النظام القطبي الواحد بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، كان الوطء اشد ضراوة على العالم العربي.خلال عشرين سنة الماضية لم تنل منطقة من العالم ما نالته المنطقة العربية من صنوف الذل والهوان:حرب على العراق، على لبنان، الحرب على ما يسمى الارهاب، حصار الضفة الغربية وقطاع غزة، تواطؤ امبريالي مع الانظمة الديكتاتورية الفاسدة...

    فجاءت هذه الثورات العربية نتيجة مباشرة لهذا الظلم والمهانة والاذلال الذي اكتوت بناره الشعوب العربية. وستفتح هذه الثورات أملا كبيرا ومستقبلا واعدا لشعوب المنطقة ولجيرانهم وللعالم اجمع يتسم بالتعاون والانفتاح والتنوع والتعددية والقبول المتبادل.

    فأخلاق الشعوب العربية لا زالت قائمة، هم أكثر شعوب الأرض كرما وحسن استقبال وضيافة وبذل وعفو وتسامح، هذه الاخلاق التي يحملها الاسلام ويشيعها ستبوئ العرب مركزية كبرى ليس في العالم الاسلامي فحسب بل في العالم أجمع.

    ثلاثة شروط تأهل العرب للدور المحوري في التاريخ الانساني :

    • الأخلاق الإنسانية التي يدعو اليها الاسلام

    • الاسلام كمشروع مجتمعي تغييري منفتح

    • تقدير العطاء الانساني بكل تلاوينه ونبذ كل اشكال الاصولية (الفلسفية، العلمية، الدينية، الثقافية..)




    المزاج العالمي

    ولدت الثورة العربية الحالية في ظل ظروف عالمية مواتية يمكن أن تساعدها في إحداث تغييري جذري في مسار التاريخ أن هي وعت طبيعة المرحلة.

    لقد خرج النظام العالمي القديم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي من رحم المؤسسات العالمية الرسمية ( النظام الامريكي، الاتحاد السوفياتي، اوربا، اليابان، هيئة الامم المتحدة، مجلس الامن، التكتلات الاقليمية الرسمية ...)

    ثم أعقبه النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وكان كذلك ذا طابع رسمي من خلال تسخير امريكا لمجلس الامن وضغطها على حلفائها الاوربيين والزعامات التقليدية من أجل تزكية القطبية الاحادية والاعمال الانفرادية التي قامت بها امريكـا( تحرير الكويت، الحرب على العراق، الحرب على الارهاب، احتلال افغانستان والعراق...) .

    لكن هذا النظام العالمي الذي كانوا الى وقت قريب يسمونه بالجديد يوشك ان يتفكك أو بامكاننا ان نقول إنه في آخر مراحل الانهيار وقد دقت الازمة الاقتصادية العالمية مسمارا كبيرا جدا في نعشه.

    والى ان يتشكل نظام عالمي آخر، يمكننا الآن ان نتكلم عن مزاج عالمي تكمن خاصيته الاساسية التي تبدو انها تميزه عن "النظام العالمي الجديد " في انه يولد من رحم المجتمع المدني وفاعلياته غير الحكومية أي ان الطابع الرسمي هو في تقلص بينما قوة الرأي العام والمجتمع المدني والشبكات غيرالحكومية تزداد يوما بعد يوم واصبح بامكانها قلب الطاولة على سياسات الدول والحكومات . و سنعرض هنا مظهرين أساسيين - ليسا الوحيدين- لهذا التبلور الجديد :

    أ‌. حلف "الجياع":

    ب‌. سقوط الاصوليات

    سنشرح هذين المظهرين من خلال ثلاث عوامل أساسية تساهم في تكوين هذا الحلف و في تعجيل هذا السقوط:

    أولا - "دين السوق"

    ثانيا - الثورة التواصلية والتعددية الثقافية

    ثالثا - عالم النفوذ بدل عالم السلطة

    أولا - "دين السوق"

    بعد انهيار الشيوعية بشر "كهنة السوق" العالم بالرخاء الاقتصادي الذي ستحققه السوق المتحررة من القيود للناس جميعا، وخيلوا للناس أن الاستبداد لصيق التأميم وأن الديموقراطية لا يمكن أن تذوقها الشعوب المقهورة بدون السوق، بل أصبحت الديموقراطية سوقا تباع بأرخص الاثمان لمن آمن بالسوق وصدق به وتمنع عن من كفر بالسوق وكذب به!

    انبرى كهنة السوق وسحرتها ورجال دينها إلى حشد أرقام ونظريات و تحليلات وأوهام حفلت بها معابدهم ( المصارف، الابناك، البورصات، مراكز دراسات، جامعات) وسحروا بها أعين الناس واسترهبوهم من خلال إعلام موجه شريك .

    أصبح السوق دينا بكل المقاييس، له طقوس، له معتقدات، له نمط حياة، له أخلاق !

    قرأت كتابا للإقتصادي الأماني أولريش شيفر ( نهاية الرأسمالية :اسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود) كشف فيه عن حقيقة السوق وعن أخلاق السوق وطقوسه، عن تاريخ مليء بالنصب والاحتيال والقماروالكذب وسوء الاخلاق !

    ركنان أساسيان من أركان هذا الدين:

    الاعتقاد أن مزيدا من التنمية هو الحل الأمثل لمشاكل العالم، ولمزيد من التنمية لابد من تشجيع ثقافة الاستهلاك !

    الاعتقاد بأن الديموقراطية قرينة التنمية ولا يمكن أن تنعم الشعوب بالحرية إلا في معابد السوق وبإذن أهل السوق!

    كشف معهد الأبحاث التابع لبنك “كريدي سويس” في أول تقرير من نوعه بعنوان “تقرير ثروة العالم”، أن ثروة العالم ارتفعت بنسبة 72 في المئة منذ عام 2000 لتصل إلى 195 تريليون دولار حالياً و أن هرم الثروة العالمية يتربع عليه أكثر من ألف ملياردير، منهم 500 في أمريكا الشمالية، و245 في منطقة آسيا المحيط الهادي، و230 في أوروبا . وفي مرتبة أدنى يوجد 80 ألف شخص من واسعي الثراء، والذين يصل متوسط ثروة الواحد منهم إلى أكثر من 50 مليون دولار. وأن هذه الثروة قابلة للنمو بنسبة 62℅ بحلول 2015.

    هذه هي معتقدات السوق مزيد من التنمية من أجل تكديس الثروة في يد ثلة من أثرياء العالم! والحقيقة أن العالم يحتاج إلى العدالة لا إلى التنمية!

    حيث أن عدد سكان العالم بلغ حوالي 7 ملايير نسمة وإذا قمنا بتقسيم هذه الثروة بالتساوي سيكون نصيب كل واحد حوالي 3 ملايين دولار للفرد الواحد سواءا كان صغيرا او بالغا أو مسنا !!

    شكلت الازمة الاقتصادية نهاية مرحلة وبداية اخرى هي في طور التشكل ؛ فدور شرطي العالم الذي مثلته أمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لم يعمر طويلا، وظهر أن القوة الاقتصادية الامريكية التي كانت قادرة على حماية العالم من كبوة محتملة للرأسمالية في القرن الماضي (في زمن الاقتصاد التقليدي) لم تعد قادرة على حماية حتى نفسها في الوقت الراهن وظهر على أن مشاكل العالم أكثر من الولايات المتحدة.

    ولعل هذه هي سنة الرأسمالية، عندما تعصف الأزمة بالكل ولا أحد عنده القدرة على المقاومة وانقاذ الجميع، أنذاك يلجأ كل واحد لتكتله الاقليمي إن أمكن وإلا لجأ كل واحد لحيلته . وهذا هو حال الدول الأوربية بالخصوص.

    بعبارة أخرى لقد سببت الأزمة الاقتصادية للدول الكبرى "انكفاءا على الذات" أو "عزلة شعورية" واصبح لسان حالها يقول : يكفينا ما فينا! . ولم تعد قادرة على تحمل حماقات حلفائها التقليديين : حكام العرب واسرائيل مثلا!

    خلاصة هذا الأمر أن الأزمة الاقتصادية لها تأثير كبير فيما يجري في المنطقة العربية وسيكون لها تأثير أكبر في حراك اجتماعي عالمي من أجل تغيير نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

    لقد وحدت الليبرالية الجديدة أو ما يسمى بالداروينية الاجتماعية العالم تحت راية الحرمان والاقصاء الاجتماعيين للجميع، في حين استأثرت قلة متنفذة (ارباب البنوك والمضاربون الماليون ومصاصو الدماء) بخيرات الارض كلها .

    بتاريخ 01 مايو2011 تم الاعلان عن إجماع برشلونة(2)، مشروع تجند له أكثر من 300 خبير من شتى بقاع العالم ومن مختلف الديانات والثقافات ونصفهم نساء، هدفهم هو إيجاد عالم بديل لعالم الليبرالية الجديدة المتوحشة، أراد له المشاركون أن يناضل ضد إجماع واشنطن، وهم جادون الآن في عرضه على العالم وجمع الانصار والحلفاء من المتضررين عبر العالم – وما أكثرهم!- .

    مبادرة سبقتها مبادرات مناهضي العولمة والمنتدى الاجتماعي العالمي الذي كانت آخر دورة له في دكار- فبراير2011 .

    في 15 مايو 2011 قام المئات من آلاف الشبان الاسبان باعتصام مفتوح إلى 22 مايو 2011 وهو موعد الانتخابات البلدية في اسبانيا ؛ فيما أصبح يطلق عليه في الاعلام الاسباني : حركة 15 مايو على غرار ما يقع في العالم العربي ( حركة 17 دسمبر في تونس، 25 يناير في مصر، 17 فبراير في ليبيا، 20 فبراير في المغرب....) أو حركة "الغاضبون". خرج هؤلاء الشباب في اكثر من 50 مدينة إسبانية بينها مدريد وبرشلونة.

    هدفهم هو تغيير الديموقراطية المزيفة والمطالبة "بالديموقراطية الحقيقية " كما سموها، الغريب أنهم حاكوا النموذج الثوري المصري في كل شيء، في أخلاقياتهم، في تضامنهم وتكافلهم بل ورفعوا لافتات ميدان التحرير. واللائحة لازالت مفتوحة فقد نشهد ذلك في فرنسا وفي بريطانيا وفي أمريكا ذاتها وفي الصين وقد بدأ النموذج العربي يستهوي دول القوقاز وقد ينتقل إلى الاقرب فالأقرب.

    لقد أبانت شعوب العالم عن طبيعة النظام العالمي الذي تريده من خلال تقمص الشخصية العالمية المنفتحة المتسامحة ومن خلال مفهوم "المواطنة العالمية" كمفهوم جديد لفقه دستوري جديد .

    إننا نعيش تحالفا عالميا جديدا، إنه تحالف الشعوب والجياع والمهمشين و المطالبين بالكرامة في كل مكان، طبيعته ثورية سلمية مدنية غير عسكرية.تحالف يرتكز على الاخلاق والمبادئ الانسانية والعدالة الاجتماعية ويكفر بمعتقدات "دين السوق" التي أوصلت العالم إلى الباب المسدود وفتحت أبواب كل شر على الكوكب الأرضي وعلى الكون بأكمله!

    ترى هل من لائيكية ثانية تفصل بين السوق والديموقراطية، بين السياسة والاقتصاد وتستنقذ المبادئ والاخلاق الانسانية من استغلال هذا الدين الجديد على غرار ما فعلت اللائيكية الأولى في عهد الثورة الفرنسية ؟

    ثانيا - الثورة التواصلية والتعددية الثقافية:

    طالما شكل الاعلام في شكله القديم نوعا من انواع السيطرة والقوة التي تمتلكها الدولة في توجيه وضبط المواطنين وامتلاك الحقيقة دونهم واخفائها عنهم وتسييرهم وفق النموذج السائد الحاكم .

    هذه السمة التقليدية كانت شبه مشتركة بين الأنظمة السياسية، فالأنظمة المغلقة الديكتاتورية كان تدخلها في توجيه المعلومة سواءا عن طريق الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب والثقافة تدخلا مباشرا إما عن طريق تأميم وسائل الإعلام أو التضييق على الإعلام المستقل تارة بالقوانين وتارة بالتعليمات.

    أما الأنظمة الديموقراطية فهي توجه بشكل غير مباشر الرأي العام وتتحكم في المعلومة بشكل ذكي يوحي إلى الناس أنهم يتمتعون بحرية التعبير وشفافية المعلومة وقدرة الاختيار الحر لكن هم يتمتعون في جو الحرية والشفافية والقدرة على الفعل التي يخلقها النظام ولا يستطيعون الخروج عنها، ويبقى للفئة التي حطمت جدار "اسطورة الإطار" كما يسميها الفيلسوف كارل بوبر هامش ضئيل لمغالبة التيار.

    لكن مع الثورة المعلوماتية وانتشار شبكة الانترنيت وتقوية "الرأي الآخر" يوما بعد يوم وقوة شبكة العلاقات العابرة للدول بين الافراد والمؤسسات والجمعيات أصبحنا نشهد سيلا من انتشار المعلومات وتوفرها لدى طالبيها بشكل غير مسبوق ؛ حتى يمكن أن ننعتها ببداية "لمشاعية المعلومة" .

    بالإضافة إلى وفرة المعلومة هذه ومشاعيتها نشهد ثورة تواصلية منقطعة النظير بين الأفراد والجمعيات في الوطن الواحد بل و من وطن إلى آخر، من خلالها يتبادلون التجارب والمعلومات والمشاعر والآمال والثقافات والحقائق...وأصبح لهم قدرة كبيرة على التنظيم وعلى الفعل الاجتماعي من خارج المنظومة السياسية التقليدية ( احزاب، نقابات، نخب، برلمان، حكومة، ...).

    هذه الثورة التواصلية ساعدت في بث روح التفاهم الثقافي الحضاري لدى شرائح واسعة من المجتمع الانساني وأصبحت مشاكل الناس وهمومهم تأخذ طابعها العالمي بسرعة محمولة على شبكة الانترنيت أو عبر القنوات الفضائية .

    إذن هذه المشاعية وهذه الثورة التواصلية أضعفتا قدرة الدول والانظمة على التحكم والسيطرة في حرية الافراد وحركاتهم، وفقدت الدولة جزءا من "سيادتها" ( حسب الفقه السياسي التقليدي) وربما شكلتا بداية لفقه سياسي جديد يعيد صياغة مفاهيم: الدولة، المجتمع المدني، السيادة، الشعب في حد ذاته، المواطنة، الشرعية.....




    • التعددية الثقافية وسقوط الأصوليات

    منذ أمد والحقيقة مصدرها الغرب : الفلسفة الغربية والثقافة الغربية والإعلام الغربي ؛ فالغرب لم يتحكم في مصدر الرزق والأمن فقط بل تحكم حتى في الحقيقة !

    ولكن ما نشهده الآن هو أن الغرب لم يعد مصدرا للحقيقة بل مستقبلا للحقائق التي تعج بها الثقافات الأخرى . لقد تكهن فوكوياما بنهاية التاريخ بعد سقوط الشيوعية وقد صدق ! فالتاريخ الذي انتهى هو تاريخ "الاسطورة الغربية " التي تمتلك الحقيقة دون غيرها، اسطورة الإطار التي وضع فيها الفكر الغربي نفسه وحاول جاهدا ان يفرضها على الجميع!بالفعل انتهى تاريخ وبدأ تاريخ آخر!

    لم تعد الثقافة واحدة كما كان سائدا في الغرب، بل اصبحت هناك ثقافات متعددة كما كانت بالفعل ودائما! هل كان الغرب متخلفا بهذه النظرة الأحادية؟ أم أن "اسطورة الإطار" المدعومة بالتقدم التكنولوجي وبالسلاح التدميري وبالآلة الرأسمالية شكلت غشاوة على عقول - لقرون خلت-، كانت تنتظر الثورة التواصلية وهجرة شعوب - طالما جوعتهم الآلة الرأسمالية ونهبت خيراتهم- حتى تدرك هذه الحقائق؟

    الغريب أن هناك قوى تقليدية لازالت تسبح ضد التيار وتعض بالنواجد على الثقافة ذات البعد الواحد، و على ما سموه بالهوية الثقافية! في حين أن العالم تغير واصبحنا نعيش في قرية واحدة تتواصل فيها الافكار والثقافات المتعددة .

    ورغم أن هذه القوى التقليدية لا زال لها نفوذ قوي في المجتمعات الغربية فإن الغرب – كما عهدناه- قادر على المراجعة وعلى الاستفادة من الحكمة العالمية كما استفاد منها ابان نهضته الاولى وننتظر أن يكون المفكرون والفلاسفة ورجال الإعلام والمربون الغربيون رواد هذه الحركة التصحيحية العالمية؛ يقول عمرو بن العاص في وصفه للروم : (وأسرعهم إفـاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة).

    "الأصولية الغربية" التي اشعل زنادها اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية وبلغت ذروتها مع صعود الرئيس جورج بوش الإبن، وتناغم معها – للأسف – اليمين في أوربا ( بريطانيا، فرنسا، اسبانيا..) وأمدتها نظرية "صدام الحضارات" بالإطار المرجعي الايديولوجي، هذه الاصولية خلقت أصولية مضادة متطرفة في باقي أطراف العالم المتضرر وكان أشدها أصولية تنظيم القاعدة والحركات "الجهادية" العنيفة.

    أكثر من عشر سنوات ذاق العالم الويلات من خلال ما سمي بسياسة "الحرب على الارهاب" وما هي إلا حرب بين أصوليات. دمر العراق وأفغانستان واحتلت أراضيهما، وعاش المواطنون الغربيون والمسلمون والعالم ككل على السواء صنوف الخوف واللا أمن من خلال تصرفات أصوليات شوفينية ساذجة!

    الآن لم يعد المزاج العالمي يحتمل حماقات من هذا النوع، لاسيما بعد سقوط نظرية "صدام الحضارات" وتراجع اليمين المتطرف بعد ما خلف من أضرار بالغة بالسياسة الأمريكية وبعد الأزمة الاقتصادية.

    إذن مع روح التعددية الثقافية والتنوع الانساني وتبلور مفهوم "المواطنة العالمية" ستسقط "الايديولوجية"- كما تنبأ لها فوكوياما- التي كانت رديفة الأصوليات المنغلقة بجميع أشكالها وفي كل مكان، وبإمكان الجميع أن يستفيد من الجميع في مناخ التوافق والتسامح.

    ثالثا - عالم النفوذ بدل عالم السلطة:

    كما يسميه بيير بيتجيرو (وزير التجارة الدولية الكندي سابقا) بعالم النفوذ مقابل عالم السلطة.

    تعمل المنظمات غير الحكومية في كل المجالات : من قياس نجاعة الأداء السياسي للحكومات وللمسؤولين إلى خدمة المواطن البسيط في شؤونه الخاصة به او بمنطقته او بحيه الذي يسكن فيه– بل هناك جمعيات تتبع الرعاة في الصحارى و الافراد في الاماكن النائية التي تعجز الدولة عن الوصول اليهم- ؛ فهي الآن حاضرة بقوة ابتداءا من الحي إلى المنطقة، إلى المدينة، إلى الجهة، إلى الدولة، إلى العالم .

    حققت نتائج كبيرة جدا في انجاز مشاريع تنموية، وفي الدفاع عن حقوق الانسان والمرأة والطفل وغيرها من القضايا التي تشغل بال المواطنين واظهرت قدرة فائقة على التنسيق بينها محليا وعالميا؛اذ تتعاون الجمعيات غير الحكومية من دول الشمال مع نظيراتها من دول الجنوب بدون تكاليف او ديون تثقل كاهل المستفيدين من مشاريعها على عكس آلة التنمية الرسمية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) التي تثقل كاهل دول الجنوب بديون وشروط مذلة .

    عمل هذه المنظمات ساهم في بلورة مزاج عالمي جديد حول مفاهيم التنمية والاستعمار وارادة الافراد والشعوب والامن والديموقراطية وحقوق الانسان .نحن الآن نعيش بداية قطيعة ابستيمولوجية على كل المستويات.

    ولعل اجواء الديمقراطية وحرية التعبير في المنطقة الاوربية اعطى دفعة قوية لعمل هذه المنظمات وربما كانت اكثر نشاطا من غيرها ؛فما شهدناه من ضغط لهذه المنظمات على المواقف الرسمية لبلدانها تجاه محرقة غزة وتوج هذا الضغط بقافلة الحرية وبمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين وقبلها قضية العراق وافغنستان وغيرها شكل نقلة نوعية في القرار السياسي الدولي.




    الشعب يريد إسقاط النظام"

    لهذا الشعار الذي رفعته الجماهير العربية دلالات عميقة نفسية و تاريخية وسياسية وحضارية . وبقراءة تفكيكية لمفرداته يتبين ذلك:

    * "الشعب" تحمل أكثر من معنى :

    * وحدة الشعب : لقد خرجت جل شرائح المجتمع (الاغنياء، الفقراء، الشباب، الشيوخ، الاطفال، النساء...) إلى الشارع والساحات والميادين لتقول بلسان واحد :الشعب يريد ... ثم ما لبثت أن واجهتها آلة القمع فسقط الشهداء فألهم دم الشهداء عزائم المحتجين وأبانوا عن روح التضامن والوحدة.

    * فشل خيار النخبة : حيث يكاد يجمع الدارسون أن دور النخبة العربية كان باهتا وفاشلا في الالتحام بقضايا الشعوب وأن موقفها تباين بين تبريرتسلط الحاكمين والدفاع عن خياراتهم وبين الصمت وإيثار العافية وموقف المتفرج.

    * قدرة الشعوب : على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي وأنها لازالت الرقم الصعب في التغيير على عكس الأفكار التقليدية التي تصور الشعوب في خانة اللامبالاة والهامشية.

    * "الشعب يريد": تحررت الارادة الشعبية ونزعت أوهام الخوف وأخذت زمام المبادرة بعدما أضنتها وعود الزعيم وخيبت ظنها تخاذل النخبة!

    * "إسقاط النظام": "النظام" له تصورات وله اساطير وله أساليب يسيطر بها .نحاول أن نرصد بعضها من ثلاث زوايا شكلت الفكر السياسي لهذا "النظام":

    * إضفاء القدسية على شخص الزعيم أو القائد أو الرئيس أو الملك من خلال مسميات عدة تبحث لها عن مرجعية في الدين أو في الوطنية أو في الايديولوجية أو في القبلية؛ والأمثلة على ذلك كثيرة فما من زعيم عربي إلا ويلقب بلقب يليق بسحر زمانه ومكانه ويحاط بهالة من الطقوس والتبجيلات والأساطير!

    هذه القدسية سرعان ما تختصر النظام في شخصه المبجل ولا أمر إلا أمره ولا نهي إلا نهيه ! بل واختصرت البلاد في شخصه فالثروة ثروته وموارد البلاد مواره ينفق منها كيف يشاء ولمن يشاء ويمنع منها من يشاء! لذلك كانت الشعوب واعية تمام الوعي حينما عمدت إلى رأس المنكر وطالبت برحيله!

    * "النظام" أو الفتنة : كل زعيم عربي صور للناس أن أمنهم ووحدتهم واستقلالهم رهن ببقاء نظامه وأنهم إن هم حاولوا تغيير "النظام" فليستعدوا للحرب الأهلية وللإستعمار الخارجي ولن تجتمع لهم كلمة بعده!

    وانتهج أسلوب الفتنة ذاته ليحارب "الفتنة" في زعمه إذ حاول كل زعيم عربي أن يفرق الشعب شيعا وقبائل ويشيع بينهم الضغائن من خلال تقريب قوم وإبعاد آخرين أو نشر ثقافة الفرقة وإشاعة الفتنة بين الديانات أو بين اللغات أو بين العادات .

    * "النظام العربي" هو التجزئة العربية : من معاني النظام الذي ارادت الشعوب أن تسقطه هو التجزئة بين البلدان العربية.قامت الجامعة العربية في أساسها على تنسيق الموقف ودعم سياسة الوحدة وإذا بها تصطدم بإرادة الزعيم وبمزاج الزعيم –لأن الزعيم في الحقيقة لا عقل له !- وإذا جلسات الجامعة تهارش وتنابزبالألقاب ولعن بعضهم بعضا!

    على مدار أكثرمن نصف قرن كان بأس العرب على العرب أشد من بأسهم على غير العرب (إسرائيل بالتحديد)، نزاعات حدودية، نزوات شخصية، ...




    إجمالا نستخلص من دلالات هذا الشعار أمرين اثنين :

    أ‌. تصحيح في التاريخ : بعد الانكسار التاريخي الذي وقع في تاريخ المسلمين باستيلاء معاوية بن ابي سفيان على الحكم والانقلاب على الخلافة الراشدة، بدأ تاريخ مرير للاستبداد السياسي وتغييب لإرادة الشعوب صبرت عليه الأمة قرونا ثمنا لوحدتها وللحفاظ على شوكة الاسلام، في ظل هذا الصبر فقدت الأمة كثيرا من مقوماتها وتعرضت لأبشع صور التنكيل الداخلي والخارجي؛ في ظل هذا الصبر نمت العلوم الاسلامية والفقه الاسلامي وترعرع وتأقلم مع "الواقع الذي لا يرتفع"!

    فقه سياسي اعترف بإمارة الاستبداد وبرر وجودها وحاول محاصرتها في كثير من المجالات، كما حاولت هي محاصرته في الاهتمام بالشأن العام.

    لكن تأتي الثورة العربية لتصحح المسار وترفع الواقع وتعيد حكم الشعب وسيادة الشعب كما كانت في عهد النبوة والخلافة الراشدة.

    ب‌. الاستقلال الثاني :

    قادت الشعوب العربية المعارك بزعامة المجاهدين الوطنيين الذين كانوا تشربوا أخلاق وثقافة الجهاد في المساجد وفي الزوايا ضد المستعمر، فألجأوا المستعمر للتفاوض قصد الرحيل حيث دخل طرف ثالث - شرب من فلسفة الاستعمار وتربى في مدارسه وتعلم خبثه- على الخط وسرق ثورة التحريرمن المجاهدين البسطاء الذين خدعوا بأبناء الاستعمار( سمى المجاهد الامازيغي المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله هذا "الاستقلال" بالإحتقلال").(3)

    لم يكتمل التحرير ولم يكتمل الاستقلال، ورحل الاستعمار العسكري وبقي الاستعمار الاقتصادي والثقافي وبقي وكلاء الاستعمار أذاقوا الشعوب مرارة التسلط والفقر والحرمان والفشل.

    لذلك فالثورة العربية تشكل استكمالا لمشروع الاستقلال الذي بدأه المجاهدون أبطال التحرير رحمهم الله، وحلقة وصل بين الماضي والمستقبل.



    * سليمان بن الريشة‏: كاتب مغربي



    الهوامش:

    (1) المقدمات التاريخية للعلم الحديث (من الاغريق القدامى إلى عصر النهضة) .توماس جولدشتاين ص 114 سلسلة عالم المعرفة ع296 ترجمة أحمد حسان عبد الواحد

    (2) للاطلاع على إجماع برشلونة :
    http://consensus.nova.cat
    (3) نقلا عن كتاب حوار الماضي والمستقبل للأستاذ المغربي عبد السلام ياسين ص 309 - 310

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 23 يوليو 2017 - 9:39