hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    أزمة الجنوب[1].. القديم الجديد في تقسيم اليمن

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أزمة الجنوب[1].. القديم الجديد في تقسيم اليمن

    مُساهمة  Admin في الخميس 14 يوليو 2011 - 20:20

    أزمة الجنوب[1].. القديم الجديد في تقسيم اليمن (1-3)




    أزمة الجنوب[1].. القديم الجديد في تقسيم اليمن (1-3)

    يعنى هذا التقرير الذي أعده مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث بتوصيف الأزمة الراهنة في جنوب اليمن، وهو يعطي:

    - خلفية تاريخية لمسألة الجنوب.

    - وتوصيف موضوعي لأزمة الجنوب الحالية.. من خلال مظاهرها وصورها.

    - كما يتطرق إلى أسباب الأزمة ودوافع الأطراف الفاعلة فيها.

    - كما يعرض لمستوى تعاطي الأطراف السياسية والقوى الدينية والاجتماعية مع الأزمة.

    - ثمَّ يعرض للتطور المحتمل للأزمة والاحتمالات المتوقعة لمجرياتها.

    - كما يستشرف الآثار التي قد تترتب على الأزمة على الصعيدين المحلي والإقليمي.

    - ويقترح التقرير جملة من الحلول التي يراها مناسبة لمواجهة هذه الأزمة.

    أولا: لمحة تاريخية:

    اليساريون تاريخ من التآمر والدموية:

    قامت الثورة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن في 14 أكتوبر 1963م، وبدعم من نظام الشمال وبمشاركة يمنيين شماليين. وعقب تضحيات كبيرة وجهاد متواصل نال الجنوب استقلاله في 30 نوفمبر 1967م، بعد احتلال بريطاني دام لأكثر من 120 عاما.

    مع إعلان الاستقلال الذي شاركت فيه قوى سياسية وفكرية مختلفة أعلن عن قيام "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" وعاصمتها عدن. إلا أن البلاد دخلت في صراعات دامية بين تياري الثورة: "الجبهة القومية"[2] و"جبهة التحرير"[3]، حُسمت لصالح الأولى، حيث عملت حكومة بريطانيا على تسلميها مقاليد الحكم وتهميش جبهة التحرير.

    أدارت "الجبهة القومية" البلاد بفكر يساري، لكن سرعان ما دبَّ الصراع داخلها وأطيح بأول رئيس للبلاد (قحطان الشعبي) في 22 يونيو 1969م، بقيادة سالم ربيع علي (سالمين). بعد ذلك بسنوات قُتل (سالمين) من قبل الرفاق في 26 يونيو 1978م؛ وهو العام ذاته الذي أعلن فيه عن قيام الحزب الاشتراكي اليمني. ولم ينته الصراع بين الرفاق على السلطة حتى توج بأحداث 13 يناير 1986م الدموية، والتي قُتل فيها الآلاف من قيادة الحزب وكوادره، في مقدمتهم عبدالفتاح إسماعيل وعلي عنتر وعلي شايع هادي، في حين غادر علي ناصر محمد وزمرته الجنوب نازحا مع كافة العناصر الموالية له إلى الشمال الذي استضافهم وقدم لهم التسهيلات[4]. وكانت التصفيات الدموية خلال الأحداث تتم وفق فرز مناطقي. ولا يزال أبناء الجنوب في عدن يحتفظون بصور في ذاكرتهم لهذه المجزرة الوحشية التي قتل فيها ما يزيد عن 12 ألف قتيل بمن فيهم المدنيين![5]

    ونجا في هذه المواجهات الدامية علي سالم البيض وحيدر أبو بكر العطاس وسالم صالح محمد[6]؛ وآخرون.

    لم يكن الصراع فقط على مستوى الداخل بل كان التيار اليساري يسعى إلى تصدير الثورة في المنطقة، من ذلك عُمان والسعودية، الأمر الذي وتَّر علاقة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بدول الجوار وعزز من قبول المملكة العربية السعودية بنظام صنعاء الجمهوري والاعتراف به.

    يقول سالم صالح محمد إن الاتحاد السوفيتي كان ينصح قيادات الحزب الاشتراكي اليسارية الراغبة في تصدير الثورة إلى السعودية بتحسين العلاقة معها، وأنهم كانوا يقولون لهم: "أنتم على مقربة من مكة.. فين رايحين بهذا التشدد وهذا التطرف؟!!".[7]

    الأمر ذاته لم يتوقف على دول الخليج بل توسع ليشمل نظام صنعاء الشمالي الذي تربطه بالجنوب عوامل بيئية واجتماعية وجغرافية مشتركة وتاريخ مشترك من النضال!

    فقد سعت قيادة الجنوب لدعم الثورة ضد النظام الجمهوري الذي تشكل في الشمال باعتباره عميلا لليبرالية الغربية بغية إسقاطه وضم الشمال إلى الجنوب في كيان يساري واحد؛ وهذه كانت نظرة قادة الحزب الاشتراكي للوحدة وحدة ضم وإلحاق. وهو ما ينتقدونه اليوم على حرب 1994م!

    بدأ الصراع منذ عام 1972م واستمر إلى منتصف الثمانينات، رغم محاولات الوساطة العربية في أكثر من مرة لحل الأزمة والعمل على لقاء النظامين في دولة واحدة. وعاشت المناطق الوسطى خلال تلك الفترة فصول صراع دموي راح –ويروح[8]- ضحيته عدد كبير من الأبرياء. حيث عملت القوى اليسارية في الشمال بدعم من النظام الجنوبي بأعمال تخريب وتفجير وقتل روعت الآمنين وقوضت استقرار الأمن وهددت في فترة من فترات عنفوانها العاصمة صنعاء ومن ثمَّ السلطة الحاكمة.[9]

    فقد بلغ الأمر أن هددت القوى اليسارية مدعومة بقوات جنوبية العاصمة صنعاء عام 1979م حيث استطاعت هذه الميليشيات والقوات المسلحة التوغل في عدد من المحافظات والوصول إلى قرب العاصمة، إلا أنَّ تدخل دول عربية وتوسطها حال دون ذلك، فجرى إيقاف الحرب واستضافة قيادة البلدين في الكويت عام 1981م، حيث وُقِّعَت اتفاقية على توحيد البلدين بين علي عبدالله صالح وعبدالفتاح إسماعيل. وهو الاتفاق الثاني عقب اتفاق طرابلس (1972م) بهذا الشأن.

    وكان البلدان قد شهدا محاولات تقارب بينهما في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي –وهو ناصري الانتماء- الذي وصل إلى الحكم بانقلاب أبيض عام 1974م. إلا أن الحمدي اغتيل في ملابسات غامضة، يشير البعض بأنَّ الدافع وراءها كان تقاربه مع الحزب الاشتراكي في الجنوب والقوى اليسارية في الشمال على حساب القوى القبلية والمحافظة. وقد ردَّ نظام الجنوب في حينه على اغتيال الحمدي باغتيال الرئيس أحمد الغشمي عبر حقيبة دبلوماسية مفخخة أرسلت له مع مبعوث خاص من عدن، عقب توليه السلطة بأشهر.

    لقد كان الحزب الاشتراكي اليمني يبشر بحراك ثوري على صعيد الجزيرة العربية، وبِقُربِ سقوط الأنظمة (الرجعية) (البائدة) المتمثلة في الإمارات والممالك والسلطنات، وقيام ثورات شعبية مسلحة هنا وهناك. وهذا ما حدا بالمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج بمساندة اليمن الشمالي في صراعه مع نظام الجنوب الاشتراكي والقوى اليسارية الشمالية الموالية له. خاصة مع ارتماء الحزب الاشتراكي في أحضان المعسكر الشرقي وإنشاء أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة في حينه قرب عدن (قاعدة العند)، والتي مثلت تهديدا لأمن الدول المجاورة.

    أما الأوضاع في الجنوب فقد كانت غاية في السوء من حيث البنى التحتية وحركة التنمية، فقد عمل الحزب الاشتراكي وفقا لمبادئه وفلسفته السياسية والاقتصادية على محاربة ما يوصف بالطبقة البرجوازية، والقضاء على رجال الدِّين ومشائخ القبائل باعتبارهم يمثلون زعامات "رجعية"، كما أمم الممتلكات الخاصة والعقارات والأراضي وحارب الملكية الخاصة. هذه الظروف دفعت بأبناء الجنوب للهروب والفرار باتجاه اليمن الشمالي الذي كان أفضل حالا فقد شهد نموا اقتصاديا وتغيرا في تطور البنى التحتية وحراكا اجتماعيا ودينيا وتنوعا في المناشط الاقتصادية لعوامل مختلفة كان من أبرزها مورد الحوالات المالية للمغتربين في دول الخليج؛ والبعض منهم باتجاه دول الخليج وفي مقدمتهم السعودية.

    ومع نهاية الثمانينات وسقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الشرقي وجد الحزب الاشتراكي نفسه مكشوفا في العراء، فهو منبوذ اجتماعيا وإقليميا ولا يمتلك الموارد الكافية لإدارة الدولة ومعالجة الأوضاع التي بدت متأخرة بالنسبة للشمال. كما أنه خرج من أحداث 1986م الدموية خائر القوى ومحملا بثارات قبلية واجتماعية نتيجة موجات الصراع التي أدارها في البلاد.

    هذا الحال عزز رغبة قيادة الحزب في التعجيل بوحدة سياسية مع الشمال الذي كانت قيادته السياسية ترغب في تحقيق منجز تاريخي ظل العرب يحلمون به ويُغَنُون له! فقد كان الشمال البيئة الملائمة للاندماج وجسر العبور إلى دول الخليج والمعسكر الغربي بقيادة واشنطن. وهو ما دفع بالقيادة السياسية في الشمال للتواصل مع واشنطن والرياض لتفهم مواقفهم ونقل رؤية الشمال لمستقبل اليمن الجديد –كما صرح بذلك الرئيس صالح.

    وقامت الوحدة في 22 مايو 1990م، في حين كانت القوى المحافظة والدينية والقبلية تمانع من قيام وحدة كهذه مع نظام دموي بحجم الحزب الاشتراكي اليمني دون أن يقدم أي تراجع عن أفكاره اليسارية ومبادئه الشيوعية ويبدي اعتذارا عن تاريخه، إلا أن الرئيس علي عبدالله صالح ضرب صفحا عن هذا الرأي.

    أقدم الحزب الاشتراكي اليمني على الوحدة بقرار سياسي ودون استفتاء شعبي –كما بدأ يصرح بهذا مؤخرا حيدر أبو بكر العطاس في مقابلات صحفية وتلفزيونية، في إشارة منه إلى أن الوحدة لم تكتسب شرعية شعبية، وبالتالي فللشعب الجنوبي حاليا حق تقرير مصيره! وقد صرح سالم صالح محمد أن الحزب الاشتراكي اليمني لم يكن يرى بالوحدة الاندماجية مباشرة بل بمرحلة تنسيق في الهيئات السياسية الخارجية تستمر من خمس إلى عشر سنوات، ثمَّ يتم إعلان وحدة فيدرالية بين الشطرين![10]

    إذن كانت الوحدة للحزب الاشتراكي بمثابة استراحة المحارب الذي لا تزال في جعبته بقايا تآمر وفي صدره تعطش للدماء؛ فلم تمض ثلاث سنوات على الوحدة حتى شهدت الساحة اليمنية مجددا صراعا بين أطراف الحكم، وأزمة سياسية حادة انتهت بمؤامرة للانفصال والعودة بالجنوب إلى قيادة الحزب، التي مثلت قوة علمانية بإمكانها الوقوف أمام المدِّ الإسلامي الأصولي الذي بات يتنامى في اليمن على خلاف قيادة الشمال التي ظهرت كحليف معه!

    "الوحدة أو الموت".. "الانفصال أو الموت"!

    جرت الوحدة على ضوء المطالب التي اشترطها الاشتراكيون، والتي كان منها:

    - علمانية الدولة واعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع.

    - اعتماد الديمقراطية والتعددية السياسية كمبدأ للحكم.

    وبقيت للحزب مطالب أخرى ظلت عالقة خلال المرحلة الانتقالية، منها: نزع السلاح من المواطنين، وتجريم حمله بنص القانون، وإخراج معسكرات الجيش والأجهزة الأمنية من المدن، وإيقاف التجنيد الإلزامي، وتقليص حجم القوات المسلحة، وعلى إغلاق ما كان يصفها بمعسكرات التدريب التابعة للمجاهدين العرب –بوصفهم إرهابيين ومتطرفين يجب تسليمهم إلى دولهم!

    تشكلت دولة الوحدة من:

    رئاسة الدولة: ممثلة في رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض.

    ومجلس الوزراء: مكونا من جميع أعضاء الحكومتين في شطري اليمن سابقا برئاسة حيدر أبو بكر العطاس.

    والمجلس التشريعي (البرلمان): مكونا من مجلسي التشريع في البلدين، برئاسة ياسين سعيد نعمان.

    في حين ظلت الأجهزة العسكرية والأمنية للنظامين غير مدموجتين كما هو الحال مع غالبية الأجهزة الحكومية.

    شهدت الفترة الانتقالية فوضى سياسية وانفلاتا أمنيا، وغلاء في الأسعار. وبرز على السطح خلاف سياسي بين شريكي السلطة المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني. فقد بدأ الحزب الاشتراكي باتهام المؤتمر الشعبي العام بتحالفه مع التيارات الإسلامية الأصولية المتطرفة التي يتهمها الحزب باغتيال كوادره القيادية في ظل غطاء القيادة السياسية له.

    وارتفعت وتيرة الخلاف بين الطرفين، إلا أن انتخابات 1993م والتي أفرزت القوى السياسية في الساحة على النحو التالي:

    في المرتبة الأولى المؤتمر الشعبي العام بحصوله على 122 مقعدا.

    في المرتبة الثانية التجمع اليمني للإصلاح بحصوله على 63 مقعدا.

    وفي المرتبة الثالثة الحزب الاشتراكي اليمني بحصوله على 56 مقعدا، جميعها في الجنوب!

    وهذا كان يعني تغير الخارطة السياسية لصالح القوى الإسلامية التي كان الحزب الاشتراكي يناصبها العداء. إلا أن حرص القيادة السياسية في الشمال على استمرار الوحدة دفع باتجاه التنازل من قبل المؤتمر والإصلاح –وكانا حليفين إستراتيجيين- لصالح الاشتراكي. فتمَّ تشكيل مجلس الرئاسة من قبل المؤتمر والاشتراكي والإصلاح بنسبة (2-2-1) على التوالي، كما تخلى الحزبين (المؤتمر والإصلاح) للاشتراكي عن رئاسة الحكومة وعن نسب المحاصصة التي تعكس قوة كل حزب في مجلس النواب. إلا أنَّ هذه التنازلات لم تقنع الاشتراكي فيما يبدو عقب تشكيل حكومة ائتلافية بين هذه الأحزاب. كما أنَّ قيادة الحزب شعرت بالغبن الواقع عليها وهي التي قدمت أكبر مساحة أرضية مع أكثر ثروة نفطية وأقل شعب لأقل مساحة أرضية مع أكثر شعب وأقل ثروة!

    هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن أطرافا دولية وإقليمية فيما يبدو دفعت باتجاه التراجع عن الوحدة والعودة إلى التقسيم. يقول سالم صالح محمد: "إن الانفصال كان تحت تأثير –أو تدخل- أطراف محلية وإقليمية ودولية".[11]

    ومن ثمَّ بدى الأمر يأخذ منحى تصاعديا، هيئ لها بمنافسة بين الاشتراكي والمؤتمر على المناصب الوظيفية ونهب خزينة الدولة وعسكرة المواقف –خاصة من قبل الحزب الاشتراكي الذي عمل على استقلال معسكراته وقواته المسلحة والأمنية. في هذه الأثناء تواصل الحزب الاشتراكي مع عدد من مشائخ القبائل ذوي الميول اليسارية أو المعارضة، وكذلك مع تيارات شيعية ناقمة على انحسار نفوذها وتأثيرها عن إدارة الحكم ومواقع السلطة، في سبيل إضعاف أداء الدولة وقدرتها على السيطرة، حيث كثرت الحوادث الأمنية وأعمال التخريب.

    وشيئا فشيئا باتت الأمور تنذر بانفجار الوضع، خاصة مع وقوع مواجهات محدودة بين الطرفين لم تلبث أن احتويت. وكان هناك شعور عام من قبل قيادات اجتماعية وحزبية باتجاه الأزمة نحو التصعيد والمواجهة[12]. فعملت عدة أطراف محلية وعربية على رأب الصدع وتقريب وجهات النظر والتوسط بين الأطراف لحل الأزمة.

    وبدأ الاشتراكيون بتقديم قائمة مطالب من أجل تجاوز الأزمة، حيث شهدت البلاد اعتكافا لنائب الرئيس علي سالم البيض عقب رحلة خارجية قام بها. ورغم جهود الوساطة المحلية والخارجية والاتصالات والزيارات الرسمية لعدد من الوفود إلا أن الأمور كانت تعود إلى ما هي عليه. وأصبح الحزب الاشتراكي –كما كان واضحا- يسعى إلى تأزيم الوضع بشكل أكبر.

    وعقب زيارة أخرى للبيض لدول عربية وذهابه للعلاج في نيويورك كما أعلن في حينه، عاد البيض إلى مدينة عدن ليعلن من هناك عن جملة من الشروط في سبيل عودته وعدد من القيادات الاشتراكية في الرئاسة والحكومة إلى صنعاء، حيث أعلنوا عن مقاطعتهم العودة إلى صنعاء.

    تدخلت أطراف عربية أخرى لحل الأزمة ولكن دون جدوى، فعقب توقيع طرفي الأزمة على ما عرف بـ"وثيقة العهد والاتفاق"[13]، وسط حضور عربي ودولي كبير في عمَّان برعاية الملك الحسين بن طلال، بتاريخ 20 فبراير 1994م، وعقب لقاء بين صالح والبيض في مدينة صلالة بعُمان لكنه لم يسفر عن شيء[14]، اندلعت المواجهات المسلحة بين قوات الطرفين واستمر التوتر حتى شهر أبريل 1994م حيث خاض الطرفان مواجهات عسكرية شاملة عُرفت بحرب الانفصال[15]. وقد وقف التجمع اليمني للإصلاح في هذه الحرب إلى جانب المؤتمر الشعبي العام ضد خصمه التقليدي.

    وفي 21 مايو 1994م أعلن علي سالم البيض من عدن عن انفصال الجنوب وقيام "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية". كما جرى الإعلان عن تشكيل مجلس رئاسة وحكومة مؤقتة.

    وقد سبق للبيض أن صرح في 15 فبراير لمجلة "الشروق" الإماراتية بأن: "الفيدرالية صيغة أرقى من الوحدة، من الناحية الحضارية، وإشاعة أوسع لروح الديمقراطية، وأنها تساعد على التنافس، وتقبل التنوع، وتعطي مجالاً للمبادرة، وأن الدول المتطورة في أوروبا، التي قطعت شوطاً طويلاً على النهج الديمقراطي والحداثة، مثل: ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، دول فيدرالية"!

    لقد شهدت الحرب شراسة في القتال، وعكست عن إرادة لدى الحزب الاشتراكي شعارها –غير المعلن: "الانفصال أو الموت"!

    لكن ورغم قرار الأمم المتحدة الذي اعتبر عدن خطا أحمر لقوات الشمال إلى أن القيادة السياسية التي أعلنت التزامها بالقرار علنا دفعت على أرض الواقع لحسم المعركة وإنهاء الانفصال لكي لا تظل القضية ورقة معلقة بيد أطراف خارجية يتم مقايضة النظام السياسي بها. وبالفعل استطاعت قوات الحكومة اليمنية، والتي عرفت حينها بقوات الشرعية، من دخول عدن ومن ثمَّ المكلا وإنهاء الانفصال كليا في يوليو 1994م. وبذلك عطلت مشروع الانفصال.. وربما أخرته!

    النظرة الإقليمية والدولية لليمن الموحد والانفصال:

    تأثير الأطراف الإقليمية والدولية لم يغب عن مجمل هذه التفاعلات، فقد جرى زيارة بعض دول الخليج من قبل قادة الحزب الاشتراكي أثناء أزمة 1993م وحتى عقب تفجر الأوضاع، كونها أرادت إقناع هذه الدول بالموقوف إلى جانبها خاصة وهي تحمل على قادة صنعاء بسبب موقفها من حرب الخليج الثانية.

    كما أن هذه الدول أجرت اتصالاتها مع الأطراف المختلفة مقدمة عددا من المقترحات ومحاولة أحيانا تقريب وجهات النظر أو تدعيم موقف بعض أطراف الأزمة تجاه مخالفيهم.

    كما أن واشنطن أعربت على لسان مسئول أمريكي عن أمل إدارة الرئيس "بيل كلينتون" أن يوقع الحزبين على وثيقة (العهد والاتفاق)، مشيرا بأن واشنطن شجعت اليمنيين بمختلف انتماءاتهم على المحافظة على وحدتهم الوطنية، وعملت مع كافة الأطراف عن كثب لتحقيق ذلك. كما أن اعتكاف علي سالم البيض جاء على خلفية زيارته للولايات المتحدة في حين انفجرت الحرب ورئيس الوزراء حيدر أبو بكر العطاس هناك!

    سوريا والأردن ومصر كانوا حاضرين في الأزمة من خلال عدد من التصريحات والجهود والمساعي واللقاءات.

    فقد استقبل الرئيس السوري حافظ الأسد نائب الرئيس اليمني علي سالم البيض، وتباحث الطرفان حول وثيقة (العهد والاتفاق) وتطورات الأزمة. كما زار وفد مشترك من مصر والإمارات العربية المتحدة، كلاً من صنعاء وعدن، في العاشر من أبريل، حاملاً مبادرة مشتركة من الرئيس المصري محمد حسني مبارك ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تقترح استبدال الوحدة الاندماجية بوحدة فيدرالية، وهو ما لم يقبل به المؤتمر الشعبي العام، الذي أكدَّ تمسكه بالوحدة. كما زار الرئيس المصري أبوظبي، للتشاور مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن عقد قمة رباعية في القاهرة، تضمهما إلى جانب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ونائبه علي سالم البيض، والذي هدد عقب توقيع وثيقة (العهد والاتفاق) بالانفصال من إحدى عواصم الدول الخليجية.

    بعد انفجار الحرب بدت المواقف العربية والدولية تتمحور حول عدة اتجاهات، في الوقت الذي ارتصت فيه جميع القوى الوطنية والإسلامية والاجتماعية إلى جانب القيادة السياسية التي خاضت الحرب باعتبارها تمردا على الدولة ومحاولة للانفصال، فظهرت الجبهة الداخلية أكثر تماسكا من خلال الرفض الشعبي وجسر المعونات الشعبية البري الذي كان يدعم قوات الحكومة الشرعية المقاتلة على خط النار. هذا الموقف امتد إلى الجنوب فقد لزم أبناء الجنوب الحياد في رسالة تتضمن تأييد موقف قوات الحكومة الشرعية، كما أن عددا من الوحدات العسكرية أعلنت عن تسليمها أو انضمامها إلى قوات الحكومة الشرعية، الأمر الذي سهل اجتياز مساحة وجغرافية الجنوب التي كان الاشتراكي يراهن عليها.

    ويمكن هنا رصد موقفين متباينين في التعامل مع الأزمة والصراع؛ موقف يرى أن الصراع القائم داخلي بين حكومة شرعية منتخبة ومؤيدة من قبل الشعب، وبين فئة متمردة تعمل من أجل العودة إلى السلطة بالتراجع عن الوحدة والرجوع إلى الماضي. ومن ثمَّ فجوهر الخلاف قائم بالأساس على مشروعين متغايرين: الوحدة في مواجهة الانفصال!

    وهذا الموقف يرى أن من حق الحكومة الشرعية التعامل مع هذه الفئة بكل الطرق المشروعة قانونا -بما في ذلك القوة العسكرية- للحفاظ على كيانها ووحدة أراضيها وبسط نفوذها وتحقيق سيادتها.

    والموقف الآخر يرى أن الصراع القائم هو صراع بين كيانين منفصلين، سعى أحدهما بعد شراكة ثنائية في إقامة وحدة اندماجية لإلغاء الآخر والانفراد بالسلطة والقرار، دون الاعتراف بالخصوصية وحق الوجود. فهو صراع بين إرادة تفرض بالقوة مشروعا (مسخا) وإرادة تتراجع عن خطوة ثبت فشلها! ومن حقها كما دخلت طوعا فيه أن تخرج منه طوعا!

    حكومة صنعاء واستنادا للموقف الأول رأت في أي محاولة للتدخل أو تدويل القضية أو حلها خارج إطار إنهاء التمرد والتزام الوحدة والشرعية اعتداء على سيادتها واستقلالها وشئونها الداخلية.

    إلا أن دول الموقف الآخر سعت جاهدة في تقديم دعم مادي ومعنوي للحزب الاشتراكي اليمني، ومن وقت مبكر، فقد أعلنت مصادر في حزب المؤتمر في الثاني من أبريل 1994م عن وجود جسرين: جوي وبحري، لتزويد الاشتراكي بأسلحة ومعدات وذخائر مختلفة تشير لاستعداد الحزب الاشتراكي للانفصال. وفي مؤتمر صحفي عقده الرئيس علي عبدالله صالح أثناء الحرب، صرَّح بأن الجيش تمكن من الاستيلاء على معدات حربية وذخائر ودبابات ومدافع ومدرعات كانت في طريقها إلى الجنوب. وأن هناك جهات دولية تقدم صفقات السلاح للحزب "بتمويل نعرف مصادره" –حسب تعبيره، في إشارة إلى جهات خارجية. رافضا قدوم أي قوات أممية لمراقبة الوضع، ومهددا أن قوات من هذا النوع سيكون مصيرها نفس المصير الذي لقيته في الصومال!

    بل إن هذه الدول دعت إلى وقف إطلاق النار والاقتتال مؤكدين بأن "الوحدة لا تفرض بالقوة"! وأعطى بعضها مؤشرات سياسية وإعلامية كنوع من الاعتراف الضمني بدولة الجنوب، المعلنة في 21 مايو 1994م من عدن، إلا أنها لم تجرؤ على تأييد الانفصال والاعتراف بالدولة الجديدة بلغة رسمية. والبعض منها حذر من (حرب أهلية لا نهاية لها)!

    هذا الموقف الذي اتخذته بعض الدول العربية والغربية تختلف دوافعه، ففي حين أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تثق بنظام صنعاء وتتخوف من المدِّ الإسلامي وهو ما استغله الاشتراكي لتسويق ذاته كحزب ذو خلفية عدائية أيديولوجية مع الإسلاميين، فقد أعلن مصدر مسئول في الخارجية الأمريكية أن العطاس أبلغ المسئولين الأمريكيين الذين التقاهم في واشنطن بالمخاطر التي ستترتب على استيلاء القوات الشمالية الموالية للرئيس اليمني علي عبدالله صالح على المحافظات الجنوبية. وأكد أن بلاده ستصبح موئلا لتصدير الإرهابيين والمتطرفين. وأنه حصل على وعد من "روبرت بليترو"، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستجدد دعمها للمساعي الرامية إلى تسوية النزاع سلمياً.[16]

    لقد ظلت اليمن ولا تزال –حسب بعض المراقبين- تمثل عامل قلق لبعض القوى الدولية للاعتقاد بأنه قد يأتي اليوم الذي يقيم فيه الإسلاميون عليها دولتهم المنشودة، تحقيقاً لوصف مؤسس الإخوان المسلمين -الإمام حسن البنا- لليمن بأنها بيئة صالحة للمشروع الإسلامي كونها لم تتلوث بالاستعمار ومخلفاته! خصوصا وهي تشهد تناميا مطردا للحراك الإسلامي.[17]

    لقد حاولت اليمن عبر التواصل المباشر أو إرسال موفدين لها والقيام بجولات متكررة لدول إقليمية لثنيها عن تبني رموز الانفصال وإقناعها بأن اليمن تمثل عمقا إستراتيجيا لهذه الدول وأنها لا تستهدفهم وأن في استقرارها استقرار لهم وللمنطقة، إلا نزعة الخلاف والموروث النفسي كان حاضرا في تعامل هذه الأطراف، والتي كان الحزب الاشتراكي فيما سبق يمثل تهديدا حقيقيا لها!

    هذه المواقف والجهود لم تستطع إقناع صنعاء بالتراجع ولا ثنيها عن مواصلة القتال، وفي أثناء ذلك أعلن عن قيام "جمهورية اليمن الديمقراطية"، في 21 مايو 1994م. وذكرت مصادر مسئولة في الحزب الاشتراكي -في حينه، من عدن- أن قادة الحزب عرضوا قيام دولة الانفصال على عدد من رؤساء الدول العربية، وتشاوروا مع بعض الدول الأوربية، وأنهم لمسوا تأييداً لقيام الدولة الجديدة، مما دفع بهم إلى إعلانها في ذكرى الوحدة اليمنية.

    الرئيس علي عبدالله صالح اعتبر أي اعتراف بالدولة المعلنة تدخلا بالشؤون الداخلية لليمن، كما اعتبر هذا الإعلان (خيانة عظمى)، وأعلن في مقابل ذلك عن شعار "الوحدة أو الموت"! كما اعتبر بيان مشترك لمجلس الرئاسة وهيئة رئاسة مجلس النواب ومجلس الوزراء أن أي تعامل أياً كان نوعه من أي جهة مع قيادة الانفصال يعتبر عملاً معادياً للشعب اليمني، وتدخلاً سافراً ومرفوضاً في الشؤون الداخلية للجمهورية اليمنية. وأن للسلطات الدستورية في البلاد الحق في التعامل معه بالأسلوب المناسب. وحذر وزير خارجية اليمن محمد سالم باسندوه سفراء الدول العربية والإسلامية في صنعاء من أي موقف يؤيد الانفصال.

    رفض الانفصال الأردن والعراق وإلى حدِّ ما السودان وقطر، بينما ظلت غالبية الدول العربية صامتة تجاه هذا الإعلان. ولم تستنكر إيران الانفصال وإن كانت قد أعربت عن أسفها لما حدث! ولم تستبعد بعض الدول إمكانية الاعتراف بالجنوب كدولة منفصلة!

    أما الولايات المتحدة الأمريكية فدعت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، أطراف النزاع اليمني إلى إعلان وقف نار دائم، والبدء بمحادثات للمصالحة السياسية، واعتبرت الولايات المتحدة أن الوحدة اليمنية، ليست هدفاً ينبغي السعي إلى تحقيقه بقوة السلاح. وجاء في البيان أن "الحلول العسكرية ليست الجواب لمشاكل اليمن، ولن تحقق الوحدة المفروضة بالقوة السلام لليمن"!

    لقد أريد لقضية الانفصال بفعل دول عربية وأجنبية أن تطرح للتدويل عبر تبني طرحها للناقش في مجلس الأمن، تحت إلحاح من قيادة الحزب للتدخل الدولي لإيقاف الحرب. إلا أن مسيرة الحرب التي كانت لصالح الحكومة الشرعية أثرت في طرح قرار دولي مؤيد للانفصال أو مجرم لصنعاء.

    إن اليمن الموحد بكثافته البشرية وأرضه الشاسعة وسواحله الممتدة لأكثر من 2.400كم على بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر وتنوع ثرواته وموقعه الجغرافي، وتنامي القوى الإسلامية فيه كما أسلفنا، لا يطمئن بعض القوى الدولية والإقليمية، كما أن مواقفه السياسية تجاه قضايا قومية وإسلامية لا تريح القوى الصهيونية والمعادية للأمة وترى فيها تجاوزا للحدود المرسومة للأنظمة. وعليه فإن الانفصال يمثل عامل إضعاف وإشغال وخطوة نحو تهديد دول أخرى لن تجد لها في ظل الدول المجاورة الضعيفة حليفا يقف إلى جانبها.

    الحراك الاشتراكي في الجنوب (1994م- 2004م):

    عقب الحرب هربت قيادة الانفصال الاشتراكية وكثير من كوادر الحزب المشاركة في الحرب إلى خارج الوطن، لتستضيفهم بعض دول الخليج وتشكل لهم ملجأ آمنا رغم الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعب اليمني. وبقيت كوادر الحزب في الداخل في حالة انكماش نتيجة انعكاس حرب الانفصال أمنيا وسياسيا واجتماعيا على المشهد العام.

    وتمثلت حالة الانكماش هذه في غياب الحزب عن المشاركة الجادة في الانتخابات –ومنها 1997م. إلا أن الحزب ظل متماسكا وممسكا بقيادته الانفصالية في هيئاته الحزبية العليا.

    ورغم تهديد المؤتمر عدة مرات بحظر نشاط الحزب الاشتراكي إلا أنه لم يقم بأي خطوة بهذا الاتجاه. فحظر نشاط الحزب قد يعني تحول نشاطه إلى عمل سري لن تسهل مراقبته، كما أنه استعداء لبقية أعضاء الحزب الذين رفضوا إعلان الانفصال في حرب 1994م، وربما يسهل ذلك للتجمع اليمني للإصلاح اكتساح الساحة السياسية ضد منافسة المؤتمر، وأخيرا فإن حظر الحزب داخليا قد يدفع باتجاه تبنيه كمعارضة خارجية من بعض القوى الإقليمية والدولية.

    هذا في الشق السياسي والحزبي أما في شق المشهد اليمني في الجنوب وعلى أرض الواقع فالصدمة لم تكن بالشيء السهل على قواعد الحزب وكوادره.

    فقد أعلن بعد الحرب عن تكوين (الجبهة الوطنية للمعارضة –موج)، وكان أبرز رموزها من أبناء الجنوب، لكنها ما لبثت أن تلاشت، نتيجة التفاهم الذي تمَّ بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية على الحدود وتوقيع اتفاقية جدة الحدودية عام 2002م.

    في عام 1998م بدأ الإعلان عن تشكيل (اللجان الشعبية)، وكان غالبية المنضوين فيها من الاشتراكيين أو موظفي الجنوب الذين سرحوا من أعمالهم أو أحيلوا على التقاعد نتيجة الحرب، كاحتياط أمني أو كجزء من العقاب![18]

    وهي لجان اتخذت طابع الحراك الشعبي دون أي غطاء قانوني.. إلا أن مواجهة الدولة لها بالقوة والإجراءات الأمنية أخمدها سريعا. ليظهر فيما بعد ما عُرف بـ(ملتقى أبناء المناطق الجنوبية)، وهي المرة الأولى التي يبرز فيها مسمى الجنوب عقب الحرب. وكان وراء إعلان هذا الملتقى شخصيات اشتراكية في الداخل والخارج.

    ظل الملتقى يراوح مكانه دون أي تأثير يذكر في توجيه قضية الجنوب، وساعد بروز (موج) في الخارج وتبنيها أعمال تفجير في الداخل في إفشال الملتقى وأي حراك باسم الجنوب في ظل أعمال التخريب والتفجير التي طالت عددا من المرافق. وتزعم حركة موج عبدالرحمن الجفري.

    بفترة قصيرة من الإعلان عن (موج) جرى الإعلان عن حركة أخرى جديدة، هي (حركة تقرير المصير- حتم)، وكان نشاطها مسلحا ومنطلقا من الداخل حيث تبنت عددا من العمليات التخريبية في الضالع وعدن.

    الحركتان –موج وحتم- لم تغيرا من واقع الأمر القائم شيئا، وعلى العكس من ذلك فقد تسببت الحركتان في دفع القيادة السياسية لممارسة مزيد من الإجراءات الأمنية وعسكرة المرافق الحكومية في الجنوب تحسبا لأي عمل مسلح، مع تعيين غالبية الكوادر القيادية في المحافظات الجنوبية من الشمال لضمان عدم العودة بالجنوب إلى مظلة الحزب تحت أي مسمى كان.

    انتهت حركة (حتم) هي الأخرى بتوقيع اتفاقية الحدود بين اليمن والسعودية. وظلَّ الملف الجنوبي هادئا إلى حدِّ ما. واستمر الأمر على ذلك حتى عام 2003م حيث جرى إسقاط نظام البعث العراقي من قبل قوى الاحتلال الإنجلو-أمريكية وبدا أن هناك حراكا جديدا كان يرتب له خلال الفترة الماضية، وهذه المرة بمسميات وأوجه جديدة ومن خارج المنطقة.

    فقد أُعلن عام 2004م في لندن عن تأسيس (التجمع الديمقراطي الجنوبي- تاج)، والذي نادى بعودة استقلال الجنوب مجددا عن (احتلال) الشمال. وهو ما أعطى مؤشرا باتجاه تخلي الأطراف الإقليمية عن ملف الجنوب وتسلم الأطراف الدولية الفاعلة والمباشرة له. فقد فُسِر الموقف السلبي من الحركة لبريطانيا والولايات المتحدة بأنه موقف داعم خاصة مع بروز حراك وتجاوب مع الحركة على صعيد قيادات حزبية وسياسية في البلدين.

    اعتمدت (تاج) على التحرك السياسي السلمي للمطالبة باستقلال الجنوب وعبر التواصل مع الدول المضيفة أوروبيا وفي الولايات المتحدة. محاولة تسليط الضوء على القضايا الحقوقية والمظالم والفساد في الجنوب باعتبارها بلدا محتلا من قبل الشماليين! وفي سبيل ذلك توجهت الحركة لزيارة عدد من المسئولين والنواب والمؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية للتعريف بـ(قضية الجنوب)، وأطلقت موقعا لمتابعة ملفات الجنوب وتناول أحداثه الدائرة، والحضور عبر وسائل الإعلام المختلفة: القنوات والإذاعات والصحف والمجلات.

    لقد مثلت تاج منعطفا مهما في أزمة الجنوب حيث تبنت فكرة (الجنوب اليمني المحتل من الشمال) وعلى ضوء ذلك جعلت هدفها (التحرير وتقرير مصير الجنوب)! وهو ما يعني دخول القضية في منعطف جديد. وبالفعل شهدت عواصم بعض الدول العربية والأجنبية نشاطا غير مسبوق بين أطراف مختلفة، بعضها غادر اليمن ليلتحق بالمعارضة في الخارج. غير أن الجامع الأغلب لهؤلاء هو انتماؤهم للحزب الاشتراكي أو مشاركتهم إياه في حرب الانفصال.

    والجديد في هذا الحراك هو محاولته الخروج من أزمة الخلافات الموروثة بين أبناء الجنوب ورغبته في تغييب صفة الاشتراكية عنه نظرا لسقوط شعبية الحزب تاريخيا وسياسيا. بل أصبح هذا التيار يتهم الحزب الاشتراكي بوضعه الراهن وبقيادته الحالية بأنه (بائع) للقضية الجنوبية و(منحاز) للسلطة!

    وفي حين تصاعد العمل في الخارج أخذ الحراك الداخلي يتبلور في جمعيات للمتقاعدين[19] من العسكريين والمدنيين والدبلوماسيين بالإضافة إلى جمعيات التصالح والتسامج وملتقيات مناطقية. وبالفعل ظهرت قضية الجنوب كمسألة سياسية باتت تفرض نفسها إعلاميا وشعبيا في الداخل والخارج.

    الحزب الاشتراكي اليمني –الذي خسر الحرب- أُصيب بانتكاسة كبيرة دفعته للمراجعة وترتيب أوراقه الداخلية، حيث بدأ بترميم تصدعاته الداخلية ومدِّ جسور التواصل مع الأحزاب الأخرى في سبيل تشكيل جبهة معارضة قوية، واستطاع إقناع "التجمع اليمني للإصلاح" –ذو التوجه الإسلامي، والذي تواجه مع المؤتمر منفردا في انتخابات 1997م- أن يكون أحد أقطابها. وفي إطار النظرة تجاه قضية الجنوب تشكل داخل الحزب تيار مطالب بتصحيح مسار الوحدة، وهو بهذا المعنى يرفض نتائج حرب 1994م ويطالب بتطبيق وثيقة (العهد والاتفاق)! أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه في عام 1990م!

    إن ما يميز هذه المرحلة هو التوجه بقضية الحزب (الخاسر) إلى قضية شعب كامل ووطن جغرافي كانت له دولة وسيادة، بحيث استطاع الاشتراكي ترسيخ ما عُرف بـ(قضية الجنوب) في الوعي الجماهيري لدى أبناء الجنوب.. وهذا لم يكن ليتم لولا عوامل أخرى ساعدت الحزب في ترسيخ هذا الهمّ كان من بينها أداء الدولة وممارساتها عقب الحرب.. وهو ما سنتطرق إليه لاحقا.


    [1] شارك في إعداد مادة التقرير باحثون لامسوا الأوضاع، وكانوا قريبين من بعض الأحداث، وجلسوا إلى شخصيات ذات علاقة بالموضوع، وسجلوا ملاحظاتهم، والمركز إذ يعترف لهم بالجهد والبذل يقدم لهم جزيل الشكر والامتنان.

    [2] وهي ذات توجه يساري متطرف.

    [3] يشير البعض أنها كانت مدعومة من قبل نظام جمال عبدالناصر.

    [4] علي ناصر محمد غادر صنعاء عقب قيام الوحدة بطلب من قيادة الحزب الاشتراكي في حينه. أما عناصره التي لم تستطع مغادرة عدن في أحداث 13 يناير 1986م فقد واجهات صنوف العذاب والتنكيل والقتل!

    [5] لا توجد إحصائيات رسمية معلنة حتى الآن وإنما هي تقديرات لبعض من شاركوا في هذه المجزرة أو حضروها. انظر: تصريح سالم صالح محمد لبرنامج زيارة خاصة، الجزيرة، في 13/1/2004م.

    [6] ويرى ياسين سعيد نعمان –الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني أن أحداث 13 يناير كانت نتاج "صراع بين رومانسية الفكرة وبراجماتية الدولة"! وأنها تمت في "ظروف غياب الديمقراطية وحرية الآخر"! (صحيفة النداء، في 25/1/2008م).

    كما يرى سالم صالح محمد أن "عدن دمرت تماما"! وأن الديكتاتورية المفرطة والعقلية التي تفكر دائما بهذا الشكل" كانت وراء هذه الأحداث! (برنامج زيارة خاصة، الجزيرة، في 13/1/2004م).

    [7] برنامج زيارة خاصة، الجزيرة، في 13/1/2004م.

    [8] عملت القوى اليسارية كما هي عادتها بزرع الألغام البشرية في غالبية مناطق الصراع ولا يزال الكثير منها موجودا وقد كلف اليمن –ولا يزال يكلفها- أعباء مالية ومادية وبشرية.

    [9] كان ذلك عام 1979م.

    [10] الجزيرة، مرجع سابق.

    [11] الجزيرة، مرجع سابق.

    [12] كان نائب رئيس الوزراء العميد مجاهد أبو شوارب من بين من صرح بذلك. (انظر: الدستور الأردنية، فبراير 1994م). وما أشار إليه أبو شوارب توقعه عدد غير قليل من المطلعين والمراقبين للشأن اليمني محليا وخارجيا.

    [13] الوثيقة بالأساس كانت نتيجة الاتفاق الذي توصلت إليه أحزاب الحكومة الائتلافية ولجنة الحوار الوطني في 18 يناير 1994م في مدينة عدن. وقد حاولت الوثيقة في حينه إيجاد دور ما للقوى الخارجية في شأن تنفيذها! بمعنى آخر تدويل الأزمة بصيغة سلمية! لذا جرى الدفع باتجاه توقيع الوثيقة خارج اليمن! فتم اختيار عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية عمَّان لتكون محطة التوقيع؛ بمشاركة كل من: مصر، والمملكة العربية السعودية، وجامعة الدول العربية، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي. وقد أبدى المؤتمر الشعبي العام تحفظه على هذا المقترح، هو والتجمع اليمني للإصلاح حليفه الإستراتيجي –في حينه! ونصت الوثيقة حسب مطالب الحزب الاشتراكي اليمني على تطبيق لا مركزية إدارية واسعة.

    [14] تقدمت سلطنة عُمان بمبادرة لإنهاء الأزمة القائمة، والغريب أن هذه المبادرات اقترحت أن تأخذ الوحدة طابع الكنفدرالية أو الفيدرالية بعد أن فشلت الوحدة الاندماجية وحتى لا يدخل اليمن في حرب أهلية!

    [15] وقعت الحرب بينما كان حيدر أبو بكر العطاس في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية.

    [16] العطاس، الذي بات رئيس الوزراء في "جمهورية اليمن الديمقراطية" التي أعلن عنها في عدن، دعا من القاهرة إلى إرسال مراقبين دوليين للأشراف على وقف النار؛ وصرح أن عدم احترام صنعاء لوقف إطلاق النار يعبر عن "تناقض فاضح في دائرة صنع القرار في اليمن الشمالي، بجميع عناصره العسكرية، والقبلية، والدينية المتطرفة"! وفي إطار التحامل والكذب اتهم الحزب الاشتراكي علماء الإصلاح بإصدار "فتوى دينية" تبيح قتل أبناء الجنوب! وتجيز أخذ ممتلكاتهم كـ"غنيمة حرب"! كما اتهم الشمال بارتكاب مجازر حرب وبالاعتداء على المدنيين وتدمير المصالح العامة والبنى التحتية، علما بأن الاشتراكي استخدم صواريخ "سكود" المحرمة دوليا على المدن الآهلة بالسكان وفي مقدمتها صنعاء.

    [17] بعد انتهاء حرب الانفصال 1994م، برز تيار الحركة الإسلامية أكثر قوة، بعد أن شارك في الحرب وكان له فيها دور فاعل ومؤثر، وأصبح أوسع نفوذاً بعد تقاسمه السلطة مع المؤتمر الشعبي العام، وهذا ما دفع الاشتراكيين لاتهام نظام علي عبدالله صالح بالتحالف مع الإسلاميين، بل بأن نظامه (أصولي) الجوهر وإن بدا في ظاهره علمانيا! ولإبعاد هذه التهمة التي بدأت تتردد في عواصم صنع القرار الغربية بتأكيدات عواصم عربية عمل علي عبدالله صالح على مواجهة الحركة في الانتخابات العامة عام 1997م، إلى حدِّ استخدام قوة السلاح! وإلغاء المعاهد العلمية، وتسريح الكوادر الحزبية من أجهزة الدولة. الأمر الذي دفع قادة التجمع اليمني للإصلاح للإعلان عن فك الارتباط الإستراتيجي بينهم وبين المؤتمر الشعبي العام والرئيس صالح؛ بعد اعتقادها أنها ستجني ثمرة مشاركتها في الحرب المزيد من الانتشار والقبول وتعاملت مع القيادة السياسية على هذا الأساس.

    %80 [18] من الذين فصلوا من أعمالهم عقب حرب 1994م هم من أعضاء الحزب الاشتراكي –حسب تصريح ياسين سعيد نعمان في حوار مع صحيفة النداء, في 25/1/2008م.80%

    [19] انطلقت فكرة جمعيات المتقاعدين في عام 2004م، إلا أن الدولة لم ترخص لهم في حينه، وتعاملت معها باعتبارها نشاطا انفصاليا. فبدأ الإعلان عن هذه الجمعيات انطلاقا من الضالع ثمَّ تبعتها كل من يافع وعدن وأبين وشبوة وحضرموت. وتأسس لاحقا مجلس تنسيق أعلى لكافة الجمعيات في المحافظات الجنوبية جميعا. وشيئا فشيئا بدأت المطالب الحقوقية تنعكس في مهرجانات ومظاهرات واعتصامات وحراك إعلامي وحقوقي.

    الحكومة بدورها لم تبد للموضوع بالا، وتعاملت مع بوادر الظاهرة باستهتار وحملة اتهامات؛ لكنها فيما بعد وجدت نفسها أمام حراك واسع وعريض أخذ طابع التهديد السياسي لدولة الوحدة والنظام الحاكم!

    جميع الحقوق محفوظة لموقع مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث ©










    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: أزمة الجنوب[1].. القديم الجديد في تقسيم اليمن

    مُساهمة  Admin في الخميس 14 يوليو 2011 - 20:21

    أزمة الجنوب.. القديم الجديد في تقسيم اليمن (2-3)




    توصيف أزمة الجنوب ومظاهرها:

    نقصد بـ(أزمة الجنوب) في هذا التقرير حالة الغليان التي بات يعيشها الجنوب اليمني وتتحدث عنها وسائل الإعلام المختلفة، وتعبر عن نفسها في قالب سياسي وإعلامي واجتماعي وجماهيري وعمل مسلح، على الصعيدين المحلي والخارجي.

    ولهذه الأزمة عدة مظاهر، منها:

    أولا: المظاهر السياسية:

    - تشكيل حركات معارضة جنوبية سياسية في الخارج، في كل من: بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، بعض دول الخليج، مصر.

    - اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بقضايا الجنوب واستضافتهما لطالبي اللجوء السياسي وفتح المجال لهم لتأسيس حركات معارضة وحراك سياسي معارض هناك.

    - وقوف أبناء الجنوب مع مرشح أحزاب اللقاء المشترك "فيصل بن شملان"، في صورة احتشاد جماهيري عريض.

    - عودة الحديث عن الجنوب والمطالبة بالعودة إلى الانفصال أو إصلاح مسار الوحدة على أساس وثيقة العهد والاتفاق، الموقعة بين شركاء الوحدة في عمان عام 1993م. وهذا الحديث أصبح يدار في عدة أطر: إطار الحزب الاشتراكي، إطار الحراك الجماهيري في الجنوب، إطار المعارضة في الخارج.

    - الحراك النشط بين قيادات الجنوب الاشتراكية في الداخل والخارج، مع محاولة بعض هذه القيادات التغطية على خلفيتها الاشتراكية وظهورها بمظهر اللا منتمي!

    - تفعيل منظمات حقوقية ومدنية: جمعيات المتقاعدين –برئاسة العقيد ناصر النوبة، جمعيات الشباب العاطلين عن العمل، حركة المتقاعدين العسكريين، ملتقيات المصالحة والتسامح ومنها كما في ردفان، ولقاءات الضالع ويافع وحضرموت وأبين والمهرة، وجمعية المتقاعدين الدبلوماسيين، وحركة المتضررين في قضايا الأراضي بعدن والمكلا.

    - القيام بالمظاهرات والاعتصامات وعقد الدواوين (المجالس) التي يعبر فيها عن قائمة المطالب والشعارات السياسية.

    - إبراز قيادات جديدة تدعو لانفصال الجنوب وتتبنى الحراك لهذا الشـأن خـارج إطـار الحـزب الاشتراكـي![20]

    ثانيا: المظاهر الإعلامية:

    - إنشاء مواقع إلكترونية خاصة بالجنوب وتطرح قضيته بهذا الوصف، وانتشار المواضيع الذي تتحدث عن وضع الجنوب ومطالب الجنوبيين، ناقدة نظام صنعاء وحكومة الشمال والشماليين بصفة عامة. ومن أمثلة هذه المواقع: صوت الجنوب (www.soutalgnoub.com)، تاج (www.tajaden.org)، الجنوب العربي (www.southarabia.net)، عدن برس (www.adenpress.com)، حضرموت برس (www.hadhramoutpress.com)، شبوة برس (www.shabwahpress.net)، يمن بورتال (www.yemenportal.net)، الضالع (www.aldhala.com) .... إلخ.

    - السعي لإنشاء قناة فضائية لخدمة الرموز المطالبة بالانفصال، فالدكتور/ عبدالله أحمد بن أحمد -رئيس التجمع الديمقراطي الجنوبي- يرى أن إنشاء قناة فضائية باسم الجنوب "الحلقة المركزية" في نشاط المعارضة "لأن قيامها سوف يحدث تحولا جذريا في عملنا وفي استيعاب العالم لقضية الجنوب العادلة.. أعطوني قناةً جنوبية أعطيكم وطناً جنوبيا محررا".[21]

    - الحديث في الصحف عن قضية الجنوب وأوضاع الجنوب ومساوئ الوحدة التي توصف بأنها (وحدة ضم وإلحاق) وآثار حرب 1994م (التي توصف بأنها احتلال شمالي)! وإثارة الموضوع بصورة أو بأخرى!

    - رفع شعارات مناوئة للوحدة المفروضة بقوة حرب 1994م، والدعوة للانفصال، وإخراج الشماليين، وعودة الجنوب للجنوبيين، وغيرها من اللافتات التي ترفع في المظاهرات والتجمعات العامة ضد الدولة!

    - رفع علم الجنوب العربي، أو علم دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، في المظاهرات والمسيرات والفعاليات الجماهيرية كتعبير عن الرغبة للعودة إلى الأوضاع السابقة.

    - التعبير بالمصطلحات التالية: "شعب الجنوب" و"دولة الجنوب" و"قضية الجنوب"[22] و"الجنوب المحتل".. بشكل يمحور الاهتمام حول جنوب اليمن، في الخطابات والتصريحات والمقالات الصحفية.

    ثالثا: المظاهر الاجتماعية:

    - الدعوة إلى تجمع قبائل الجنوب، والتي يتبناها مندعي العفيفي، وهي محاولة لرص صفوف أبناء الجنوب في إطار مناطقي.

    - أحاديث الجنوبيين التي تعبر عن تململهم من الأوضاع التي جاءت بها الوحدة وتمنيهم لعودة أيام الحزب والرجوع إلى سابق العهد!

    - تعبير الجنوبيين عن تذمرهم من هيمنة أبناء الشمال على المناصب الإدارية العليا وأغلب الوظائف المهمة في الدوائر الحكومية وانتشار الأيدي العاملة الشمالية في كافة المهن والأسواق، وهذا التعبير يأخذ عدة صور: منها النكت السياسية والاجتماعية الساخطة على الشماليين وعلى سلوكياتهم! ومنها القصائد والزوامل الشعبية! ومنها رفضهم لبقاء الشماليين في هذه الوظائف والمناصب والمهن والمطالبة بإعادتها إلى الجنوبيين، عوضا عن معاملتهم وفق سياسة (خليك في البيت)!

    - الحديث عن (الدحابشة)[23] كوصف منفر للشماليين والتندر بهم في المجالس.

    رابعا: المظاهر العسكرية:

    - بروز حركة سعيد بن شحتور، وهي حركة مسلحة تطالب بالانفصال والرجوع عن الوحدة وطرد الشماليين عن الجنوب، ولها وجودها وحراكها النشط في أوساط الجنوبيين! ولديها معسكراتها التي تديرها!

    - وجود حركة تسلح غير مبررة وتوزيع سلاح في الأوساط الاجتماعية الرافضة للواقع الراهن والمطالبة بالانفصال! إلى درجة أن هناك عروض على تيار الجهاد في هذا الشأن أيضا!

    - هناك حديث عن تشكيل لجان عسكرية وعمل سري مسلح (ميليشيات)!

    أسباب الأزمة ودوافعها:

    الأزمة الراهنة في الجنوب لها أسباب عدة، وهي تشكل تراكمات عدة عوامل سابقة أفرزت الواقع الذي يعاني منه الجنوبيون والذي لا يجدون منه مخرجا إلا بالانقلاب على هذا الواقع بالكلية!

    ومن هذه الأسباب:

    - اقتناع شريحة من أبناء الجنوب بأن حرب 1994م كانت حربا استأثر الشماليون بها على مقدرات الجنوب وممتلكاته، ومارسوا في ظل نتائجها سياسة الاحتلال بإقصاء أبناء الجنوب وإحلال أبناء الشمال في إدارة الجنوب واستثمار مقدراته. وهي قناعة أوجدتها ممارسات الحكومة تجاه الجنوب عقب حرب الانفصال (94) في سبيل إقصاء كوادر الحزب وتمكين الدولة من الأوضاع هناك بحيث لا يتم الرجوع بها مرة أخرى إلى رفض الوحدة. وهذه السياسات فيما يبدو غالت في التخوف وذهبت بعيدا في الإجراءات التعسفية ضد أبناء هذه المناطق بدافع القلق.

    - ذهاب أحلام الكثير من أبناء الجنوب بشأن تحسن الأوضاع بعد الوحدة وحرب 1994م اقتصاديا مع توقع عودة أراضيهم وممتلكاتهم التي أممت زمن الاشتراكي أدراج الرياح! فقد أثقلت الحرب كاهل الدولة، وأدت إلى تحملها نتائج ما دمرته الحرب على صعيد المؤسسة العسكرية والبنى التحتية والخدمات والمصالح الاقتصادية والتعويضات الاجتماعية، وكان من نتائج ذلك تدهور قيمة الريال اليمني إلى أكثر من 100 ريال مقابل الدولار، وإلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع الحراك الاقتصادي وهروب رؤوس الأموال وجمود الموارد الاستثمارية.

    - استهداف نظام صنعاء –حسب رؤية الجنوبيين- لقبائل الجنوب من خلال تهميشها وتفريقها وإشعال فتيل الصراع بينها. فقد حاولت القيادة السياسية تذكير أبناء الجنوب بالصراعات التي جرت في السبعينات والثمانينات في إطار التنافس على السلطة من خلال تنبيش بعض المقابر الجماعية التي اكتشفت وإعادة الحديث عن ملفات قديمة في وسائل الإعلام.

    - فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة أوضاع أبناء الجنوب في ظل التدهور الاقتصادي والمعيشي المستمر، بالإضافة إلى بطء وتيرة العمل في مجال تأسيس البنى التحتية وقيام المشاريع الاستثمارية وتوظيف عائدات البترول لصالح مناطق الاستخراج الجنوبية بالدرجة الأولى.

    - فقدان العديد من الرموز السياسية والاجتماعية والقبلية الجنوبية لمصالحها وتغييبها عن الشأن العام مقارنة برموز الشمال!

    - ضياع حقوق الجنوبيين والاعتداء على ممتلكاتهم والتعدي عليهم وممارسة المتنفذين الشماليين سلوكيات الإذلال والإهانة ضدهم – حسبما يردد العديد من أبناء الجنوب، وهو ما عكس انطباعا عن كون هذه الممارسات سياسة ممنهجة للحكومة ضد أبناء الجنوب.

    - إفراط الحكومة في قمع الحريات وغياب عامل الثقة عنهم والنظر إليهم بعين الريبة ومعاملتهم وفقا لهذا الأساس. وذلك نتيجة ارتباط أعلب العناصر المتحركة بالحزب الاشتراكي، كما أن ظهور (موج) و(حتم) و(تاج) وغيرها من الملتقيات والجمعيات لم تتوجه بخطاب حقوقي عام بل اصطبغت في معظمها في حدود جغرافية الجنوب، مؤكدة بذلك –وفقا لرؤى في السلطة- وجود نوايا حقيقية للانفصال تحت مبررات الحقوق والمطالب.

    - انفراد الشماليين بأغلب المناصب الحكومية ومجالات الاستثمار والمواقع السياسية، في حين يعاني الجنوبيون من التهميش والاستبعاد، فحضورهم على مستوى سلطات الدولة: الرئاسية والنيابية ومجالس الشورى والوزراء والمحليات والقضاء والدفاع الوطني ضعيف جدا أو مهمش –وفق رؤية الجنوبيين! في برنامج "ساعة حرة" عبر محمد عبدالرحمن العبادي -عضو اللجنة التنفيذية للتجمع الديمقراطي- عن أن "الجنوبيين من نائب رئيس الجمهورية الأستاذ عبدربه منصور.... إلى آخر موظف في الحكومة اليمنية ليسوا سوى ديكور، وصلاحياتهم وسلطاتهم أقل بكثير من المرؤوسين تحتهم"[24].

    - الحديث عن (عائلة حاكمة) ومسألة (التوريث) وغياب مشروع (نظام ديمقراطي) يأَّس الكثير من تغيير الأوضاع وتصحيح المسار، مع قيام الحكومة المتكرر بتزوير إرادة الناخبين ومقاومة جهود المعارضة والمستقلين للوصول للحكم أو المشاركة في السلطة.

    - التعبئة الإعلامية والسياسية لأحزاب المعارضة والذي دفع المجتمع اليمني -والجنوبيين خاصة- للتطلع إلى التغيير والبحث عن مخرج. فقد استطاع الاشتراكي ترسيخ رؤية مغايرة لحرب عام 1994م في أذهان الجنوب مستغلا أخطاء الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) وسياساته تجاه الجنوبيين.

    - فشل المؤتمر في كسب ثقة المجتمع الجنوبي وتفعيل نشاطه في مناطق الجنوب، بل على العكس من ذلك يعبر الجنوبيون عن امتعاضهم من لغة الخطاب الدونية التي يتخاطب بها المؤتمريون مع أبناء الجنوب، والتي يسودها لغة المنَّ والأذى! –حسب تعبيرهم.

    - سوء أداء الدوائر الحكومية في الجنوب وهيمنة الشماليين عليها! ورغم اعتماد حكومة المؤتمر على مبدأ انتخاب المحافظين ومديري المديريات كجزء من المعالجات، إلا أن ما جرى في هذا الجانب خيب آمال أبناء الجنوب.

    - إعلان القيادات الجنوبية في السلطة عن تذمرها من تعمد سياسة تهميش دورها في المشاركة بالقرار والتخطيط وإدارة البلاد في المحافل الخاصة مع أبناء الجنوب، وفقا لبعض التسريبات.

    - فشل القيادة السياسية في الحفاظ على حلفائها، وممارسة سياسة الإقصاء إزاءهم: إسلاميين[25]، قوميين، اشتراكيين، وطنيين[26]! والتفرد بالقرار؛ الأمر الذي أكسبها عداوة هؤلاء.

    - تعامل القيادة السياسية مع رموز وقيادات الجنوب وفق لغة الترغيب والترهيب للعمل لصالحها بعيدا عن دورها السياسي والاجتماعي لمناطقهم!

    - لعب بعض الأطراف الإقليمية والدولية بملف الجنوب، وهناك حديث عن مساهمة إقليمية وبريطانية وأمريكية في تحريك الأزمة وإبقائها فاعلة في الساحة.

    - فشل الدولة في مواجهة تمرد الحوثي والقضاء عليه حفز البعض لتبني العمل المسلح لنيل مطالبهم في الانفصال والعودة إلى حكم مستقل، خاصة مع وجود تبن خارجي للقضية كما أسلفنا في النقطة السابقة.

    - غياب رموز بديلة عن رموز الحزب الاشتراكي تتبنى هموم المواطنين في الجنوب وتعمل لحلها بحق مع الحفاظ على الوحدة الوطنية والألفة الاجتماعية، إسلاميين أو وطنيين!

    هذه الأسباب وفرت أرضية خصبة لبذر روح التمرد والثورة على الأوضاع في نفوس كثير من أبناء الجنوب، وهو ما دفع بتيار الانفصال في الحزب الاشتراكي للعمل على جني ثمار هذا الوضع من خلال إدارة وتوظيف الطاقات وتنظيم القدرات وتوفير الإمكانيات والاتصال مع قوى الداخل والخارج وترتيب الأدوار بين أطياف العمل الحالي، فالتيار الانفصالي يدفع بهذا الوضع باتجاه تحقيق أهدافه للعودة إلى السلطة من بوابة الثورة الأهلية، بعد أن خسر حرب 1994م نتيجة غياب الدعم الأهلي له في حينها![27]

    تعاطي الأطراف السياسية والقوى الدينية والاجتماعية مع الأزمة:

    موقف النظام الحاكم من الأزمة:

    القيادة السياسية حاولت أن تضع عددا من المعالجات نتيجة سياساتها الخاطئة التي أفقدتها القبول، وتحت ضغط الحراك الجنوبي وضغوط خارجية بهذا الشأن. فقد أعلن الرئيس عن عفو عام عن قيادات الحزب الاشتراكي التي شاركت في الانفصال، ودعا الفارين منهم خارج البلاد للعودة إلى بلادهم. كما سعى المؤتمر الشعبي العام لفتح حوار مع الحزب الاشتراكي وإعادة مقراته الرسمية وممتلكاته في سبيل إغلاق أي مطالب للحزب.

    كما عملت الحكومة على تعيين شخصيات جنوبية في مناصب قيادية في الوزارات والمحافظات وأجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة لإظهار حسن النوايا تجاه أبناء الجنوب.

    إلا أنها لم تهتم بشأن إصلاح أوضاع القاعدة العريضة من منسوبي الجيش والأجهزة الحكومية من المدنيين الذين سرحوا أو أحيلوا على التقاعد؛ ومعظمهم كان يعتمد بالأساس على المرتبات التي يتقاضونها من الدولة؛ وهم في مقابل ذلك لا يجدون مصدرا للدخل نتيجة ندرة الوظائف الحكومية وفي القطاعين العام والخاص، وعلاوة على ذلك فإن مناطقهم تعيش فقراً مدقعا وغيابا للبنى التحتية لأي تنمية اجتماعية.

    وعوضا عن حلِّ أوضاع هؤلاء ذهب المؤتمر الشعبي العام إلى استقطاب عدد من أبناء الجنوب للانضمام إليه! وإن كان ذلك غير مرحب به جنوبيا.

    إن من الملاحظ على هذه المعالجات غلبة طابع الأداء الارتجالي وغير المؤسسي والسطحي، واستبداد القيادة السياسية في إدارة أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

    ونرصد هنا بعض أساليب العلاج أو المواجهة التي اعتمدها النظام الحاكم تجاه أزمة الجنوب الراهنة:

    في المجال السياسي:

    لا يوجد أي خطة معلنة بهذا الشأن في المجال السياسي لمعالجة أزمة الجنوب، والقيادة السياسية تتحاشى الحديث عن الجنوب باعتباره كيانا مستقلا في إطار الوطن، ومن ثمَّ فهي تحاول طرح قضايا الجنوب في إطار الحديث عن أوضاع اليمن عامة، وهذا يجعل تعاطي الحكومة مع الوضع قاصرا كما أنه متأثر بنظرة التشكك والريبة لمطالب أبناء الجنوب على تنوع مشاربهم وفئاتهم وشرائحهم. ومن ثمَّ فقد فشل النظام الحاكم في توجيه خطاب سياسي متزن ومعتدل ومنصف لأبناء الجنوب، في حين فشل في تسكيت أصوات الخارج من خلال تقديم خطة عملية ورؤية واضحة لحل أزمات البلد، وعلى العكس من ذلك سعى النظام إلى الاتصال ببعض رموز الخارج المعارضة في سبيل الصلح من خلال التنازل عن خطابها السياسي وتحقيق مكاسب مادية لها ومقايضتها بذلك!

    كما أن النظام عمل على توزيع أموال وأراضي ووظائف حكومية في سبيل استقطاب عناصر المعارضة الداخلية وتغيير مواقفها.

    لقد بات لدى أبناء الجنوب شعور بأن خطابات ووعود رئيس الجمهورية بشأن حل قضاياهم ومعالجة أوضاعهم المحلية في أثناء زياراته إليهم ومن خلال حملاته الانتخابية شعارات لا تتحقق على أرض الواقع ولا تجد صدى في برامج الحكومة ومناشطها؛ كما أن تعيين بعض الشخصيات الجنوبية في مناصب قيادية لم يمثل لهم أي مكاسب حقيقة في ظل عجز هؤلاء عن خدمة الجنوب وتبني مطالب أبنائه.

    ومؤخرا حاول النظام الحاكم نبش جراحات الماضي بين أبناء الجنوب وتيارات الحزب الاشتراكي اليمني من خلال التذكير ببعض الأحداث والكشف عن مقابر جماعية، وهي محاولة فيما يبدو لزعزعة وحدة جبهة الجنوب، كما أنه يسعى حاليا لاستقطاب رموز وقيادات اجتماعية للوقوف إلى صفه للمساهمة في تسكين الحراك الجنوبي، وذلك من خلال تعيينها في لجان حكومية بهدف دراسة المشاكل المطروحة وتقديم اقتراحات بشأنها.

    كما أن الحزب الحاكم عمم على فروعه في المحافظات القيام بفعاليات جماهيرية تعبر عن تضامنها مع الوحدة ورفضها لدعوات الانفصال، إلا أنها لم تجد قبولا حافلا بين أبناء الجنوب فظهرت بشكل هزيل، وهو ما عكس ضآلة حجم القاعدة الجماهيرية للمؤتمر في الجنوب.

    ومن بين هذه اللجان لجنة حل مشاكل المتقاعدين برئاسة باصرة، ولجنة حل مشاكل متضرري الأراضي والعقارات، ولجان حل أوضاع المؤسسات الصناعية المتردية، وغيرها.

    كما أن محافظي المحافظات الجنوبية يعملون على التواصل مع شخصيات جنوبية مؤثرة: اجتماعية ودينية ورجال أعمال لاستقطابهم وتوجيههم لإطفاء ثورة الغضب لدى أبناء الجنوب.

    في المجال الاقتصادي:

    من الناحية الاقتصادية فقد ظل النظام الحاكم عاجزا أمام حل مشكلة البطالة والفقر التي يعاني منها كثير من أبناء الجنوب في ظل حركة الاستثمار البطيئة وغياب فرص العمل والبنى التحتية للإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي! وعوضا عن ذلك أضافت سياسة النظام بشأن تقاعد وفصل عدد من أبناء الجنوب أزمة أخرى لظروف العوائل الجنوبية في ظل الغلاء المعيشي وقصور قدرة العمل الخيري والتأمينات الاجتماعية عن استيعاب كافة الأسر المتضررة والفقيرة والمحتاجة.

    حاليا تعمل الدولة على تحسين البنى التحتية للكهرباء والهاتف والطرق والماء إلى حد ما، كما أنها تحث المانحين وصناديق التنمية لبناء المدارس والمستوصفات الصحية وحفر الآبار في المناطق الجنوبية، وإضافة إلى ذلك تمَّ فتح فروع عديدة للمؤسسة الاقتصادية في مدن ومناطق الجنوب لتوفير السلع الغذائية الضرورية.

    وتسعى الحكومة جاهدة على استقطاب الاستثمار الأجنبي إلى الجنوب لتشغيل وتوظيف القوى العاملة والكوادر الفنية والخبرات العلمية في المشاريع المقامة. إضافة إلى سعيها في حلِّ القضايا العالقة بشأن الممتلكات والأراضي والعقارات والأحكام القضائية المتعلقة بالخلافات القائمة في هذه القضايا.

    وبالرغم من ذلك فإن هذه الحلول لا تزال تعاني من البطء وبقائها حبرا على ورق وتلاعب المنفذين لها مما يؤدي إلى فشلها وخرابها!

    وقد وجه رئيس الجمهورية مؤخرا بإعادة كافة المتقاعدين والمنقطعين عن العمل منذ عام 1994م إذا كانوا قد أحيلوا إلى التقاعد أو انقطعوا عن العمل بطريقة غير قانونية، مع منحهم كافة مستحقاتهم المالية أو الترقية، والاستفادة من كافة التخصصات الفنية في إطار القوات المسلحة والأمن وبما يحقق المصلحة العامة. كما وجه بحل مشكلة الأراضي الخاصة بالعسكريين والأمنيين التي سبق منحها لهم من خلال تشكيل لجنة من الجهات المعنية وبمشاركة ممثلين عن المستفيدين من تلك الأراضي.

    في المجال القانوني والأمني:

    إن أي محاولة لرفض ظاهرة الفساد الإداري والمالي المتفشية في مرافق الدولة –بما في ذلك الجنوب- ينظر لها على أنها مكايدة سياسية ويتهم أهلها بالوقوف وراء دعاوى الانفصال، وكثيرا ما يشتكي أبناء الجنوب من غياب القانون وظلم القضاء والتلاعب بالأحكام رغم الحديث عن إصلاحات إدارية ومالية ورقابية وقضائية في الدولة.

    لقد خضع العديد من أبناء الجنوب –حسبما يذكر في الجنوب- لاعتقالات جائرة وتحقيقات خارج حدود القانون ووحشية في التعامل واتهامات كيدية، فأصبحت النظرة إلى هذه المؤسسات الأمنية والقضائية نظرة كره وعداء.

    ومما غذى حالة الغضب والعداء في الجنوب التعاطي الإعلامي لحزب المؤتمر الشعبي العام تجاه قضايا الجنوب في إطار الكيد السياسي، حيث يتم إنكار الحقائق وتزوير الواقع وتوجيه أصابع الاتهام لكل من يتحدث عن الحقوق والمظالم والأوضاع، فإعلام المؤتمر يتجاهل صوت أبناء الجنوب ويغيب قضاياهم بشكل مستهجن.

    ومن ثمَّ فإن التعاطي الأمني والإعلامي والاقتصادي للنظام الحاكم مع الأزمة لا يرقى إلى مستوى المعالجة والحل لها، بل على العكس من ذلك هناك قصور وخلل وتصعيد أحيانا لأسباب الأزمة.

    ويبقى أن نشير أن الحل المنظور للنظام الحاكم في الوقت الراهن في تسريب البعض هو الحل الأمني والعسكري! فهناك حضور قوي للجيش وأجهزة الأمن بصورة ظاهرة في مدن ومناطق الجنوب، وهناك إعادة لتمضوع المعسكرات في الجنوب وتعزيز لقدراتها وعتادها وذخائرها، كما هو حاصل في أبين والضالع وشبوة؛ وغالبا فإن القيادات المؤثرة في هذه المعسكرات والأجهزة الأمنية هي قيادات شمالية بالدرجة الأولى.

    كما أن هناك حالة انعقاد نشطة لمجالس الدفاع الوطني في المحافظات الجنوبية، وإن كانت الدولة لا تنوي المبادأة بالحراك العسكري والعمل المسلح، لكنها تصدت للتظاهرات والتجمعات التي وقفت خلفها رموز الأزمة بنزول الجيش وأجهزة الأمن في استعراض للقوة، وهو ما بدا جليا في مواجهتها لمظاهرات الضالع وعدن وغيرها! ويحرص المؤتمر حاليا على إقرار "قانون حماية الوحدة"، وهو قانون بحسب المعارضين له سيكون سيفا مصلتا على أي حراك حقوقي ونشاط شعبي مدني في الجنوب. فهو يجرم الإخلال بالوحدة الوطنية أو الخروج عن الثوابت "أو الدعوة إلى السلالية والمناطقية وإثارة النعرات"!

    ويتردد في الجنوب أن معسكرات الدولة تشهد حركة تنقل وإمداد وشراء للأسلحة وتخزينها في مقابل ما تقوم به مجاميع المعارضة المسلحة –كحركة سعيد بن شحتور[28]، وهذا ما يثير المخاوف من اشتعال شرارة المواجهة ودخول البلاد في حرب استنزافية مدمرة!

    عين الزائر للجنوب لا تخطئ تشديد إجراءات التفتيش في بعض النقاط الأمنية، وحالة الاستعداد والجاهزية التي تظهرها أجهزة الأمن في المدن؛ علما بأن الدولة حريصة أن يكون مجندي الشرطة في الشوارع من أبناء الجنوب غالبا.

    وهناك لغة تهديد من الأجهزة الأمنية لرموز الأزمة ومسيري الاعتصامات والمظاهرات.

    كما أن بعض عناصر التيار الجهادي تحدثت –في لقاء معها- عن اتصال الأجهزة الأمنية بها لتوظيفها ضد التيار الانفصالي، إلا أنها تفيد بأنها ردت سلبا بهذا الشأن نظرا لموقف الدولة من التيار الجهادي ومحاربتها له!

    ويتهم الجنوبيون الدولة بمحاولة اغتيال بن شحتور، وأنها تسعى لتصفيته وغيره من رموز الأزمة جسديا، إذا لم تتمكن من إقناعهم عن العدول عن مطالبهم أو اعتقالهم في حال رفضوا!

    البعض يتحدث عن وجود من يدفع القيادة السياسية والأوضاع للاشتعال، وأن هؤلاء يحققون من وراء ذلك إعادة هيكلة القوى التقليدية النافذة في الحكم والتي أعاقت مشروع التحديث واللبرلة في اليمن! وهم يتوزعون على مؤسسات الدولة ومفاصل الحزب الحاكم!

    موقف المؤتمر الشعبي العام:

    غالبية المنضوين تحت مظلة المؤتمر الشعبي العام هم من أبناء المحافظات الشمالية، وهناك القليل من أبناء الجنوب، وهذا ما يفسر الموقف الوحدوي البارز للحزب، في حين أن أبناء الجنوب لا يبدون حماسة ظاهرة ضد فكرة الانفصال باعتبار انتمائهم الاجتماعي والمناطقي، ومع هذا فهناك من يتحدث عن وجود شخصيات جنوبية انفصالية في المؤتمر لكنها لا تعلن عن موقفها إلا في أطر ضيقة بين أبناء الجنوب وذلك كونها معطلة عن مهامها وصلاحياتها في الحكومة والحزب!

    ويعتقد البعض بأن الجنوبيين المنضوين تحت مظلة المؤتمر في حال قيام حركة تمرد جنوبية لن يقفوا مع الوحدة لأنهم يعلمون سلفا بأنهم سيقفون مع قضية خاسرة في الجنوب، وهذا ما يفسر رفض بعضهم المشاركة في التصدي لتيار الانفصال الحالي والقيام بدور مناهض لمطالب أبناء الجنوب!

    وما يلفت الانتباه هو أن صحف المؤتمر تتخذ من مهاجمة رموز الحزب الاشتراكي في الداخل والخارج سياسة دائمة لها: فقد هاجمت علي ناصر محمد وحيدر أبو بكر العطاس وأحمد الحسني وغيرهم!

    موقف أحزاب المعارضة من الأزمة:

    الحزب الاشتراكي اليمني:

    يضم الحزب الاشتراكي في إطاره حاليا ثلاثة تيارات رئيسة:

    - تيار انفصالي: يدعو إلى الانفصال ويطالب بالرجوع عن الوحدة، ويترأسه الرموز الفارة منذ حرب 1994م والتي لا تزال ترفض العودة إلى الوطن. ويضاف إلى هذا التيار الداعين إلى إقامة الجنوب العربي والمدعومين من بريطانيا، وهم التيار الغالب في الحزب.

    - التيار المطالب بتصحيح مسار الوحدة وفق وثيقة العهد والاتفاق، ويرأسه حيدرة مسدوس وحسن باعوم.

    - التيار الوحدوي المعارض: والذي يرأسه ياسين سعيد نعمان، إلا أنه التيار الأضعف، كما أن أغلب رموزه شمالية في الأصل.

    وحاليا هناك خلافا بارزا بين هذين التيارين، فقد صرح ياسين سعيد نعمان –لقدس برس- بأن حزبه سيتصدى لـ"كل المشاريع الصغيرة، والصغار الذين يحملونها"، موضحا أن قصده بالصغار جناح الحزب الاشتراكي الذي ينتقد أداء قيادة نعمان للحزب، وأبرز رموزه حسن باعوم. وحمّل السلطة مسؤولية تنامي هذا التيار داخل الاشتراكيين؛ واصفا إياهم بأنهم "لا يدافعون إلا عن أنفسهم، ويأخذون من معاناة الناس وسيلة لتحقيق مصالحهم، وهم يبتزون السلطة، وهي للأسف تتعامل معهم، أما الحزب الاشتراكي فهو يدافع عن قضايا هؤلاء في إطار خياراته الوطنية". في المقابل سبق بحسن باعوم -عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني- أن اتهم في تصريحات خاصة لـ"قدس برس" قيادة ياسين سعيد نعمان ومن معه بما أسماه "اختطاف الحزب الاشتراكي"، مشيرا بأنه يعبر عن قطاع عريض داخل الحزب الاشتراكي، وأنهم يدعون "إلى حوار بين جمهورية اليمن الديمقراطية والجمهورية اليمنية في صنعاء"! وأن يأخذ هذا الحوار بعين الاعتبار قرارات الأمم المتحدة التي صدرت عشية الحرب. مشيرا إلى أن ياسين سعيد نعمان والقيادة التي حوله لا تمثل إلا نفسها، وأن "هناك قيادات شرعية للحزب، أما هؤلاء الذين هم في الواجهة فلا يمثلون إلا أنفسهم"!

    وهناك شخصيات ورموز اشتراكية أخرى في الداخل والخارج لها تأثيرها وحضورها في المشهد إلا أن موقفها من الانفصال غامض، فالرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر، والمقيم في دمشق، له صلة ببعض الرموز الداعية للانفصال في الغرب، إلا أنه لا يعلن موقفا واضحا من القضية! كما أن سالم صالح محمد، القيادي الاشتراكي البارز الذي عاد من الخارج وعين مستشارا للرئيس صالح، لا يزال يحتفظ بعضويته في الحزب وصلته بقياداته، وإن كان قريبا من النظام الحاكم وهو ما يفسره البعض بدور "الطابور الخامس" لصالح المعارضة!

    علي ناصر محمد صرح مؤخرا باتجاه تأييده للحراك الجنوبي رغم ما فيه من دعوات للانفصال: "ومع الأسف أن النظام يواجه المظاهرات والاحتجاجات السلمية التي تحدث منذ عام وحتى اليوم في المحافظات الجنوبية بالعنف والقتل والسجن والمطاردة وآخرها ما حصل في عدن ولحج وأبين واعتقال القيادي البارز في محافظة أبين حسين زيد بن يحيى ظهر يوم 6/4/2008م أكبر دليل على إرهاب الدولة وإصرارها على رفض كل الخيارات السلمية"![29]

    وبغض النظر عن هذا التفصيل يجب التذكير بأن الحزب هو من أشعل حرب الانفصال عام 1994م، وبأن غالبية رموز المعارضة في حركة موج وتاج وغيرها هم من كوادر الحزب السابقة، وبأن رموز الحراك الجماهيري والعمل المسلح اليوم هم أيضا من المنتسبين للحزب!

    فقيادات الحزب ورموزه لم تأت للوحدة طيعة مقتنعة، وهذا ما أشار إليه حيدر أبو بكر العطاس –رئيس الوزراء السابق والقيادي الاشتراكي البارز- في حواره مع قناة "الحرة"، وأعادت نشره صحيفة الثوري، حين أشار إلى أن الوحدة تمت بقرار سياسي لا باستفتاء شعبي! وأنه عارض الوحدة الاندماجية في حينه! وسبق أن كان العطاس عضوا في حركة "موج"، لكنه استقال من اللجنة التنفيذية لها عام 1995م.

    ومن هذا المنطلق يرى البعض أن هذا التباين في الحزب ناشئ عن اختلاف المصالح بين هذه التيارات، ويرى آخرون أن هذا التباين توزع للأدوار في إدارة الحزب الاشتراكي لمشروعه الانفصالي بعد أن خسر حرب 1994م وخسر على إثره مكاسبه ومواقعه السياسية! وأن ما يؤكد هذا بقاء هذه التيارات رغم تناقض أفكارها وآرائها لهذا الشأن في إطار حزبي واحد وتحت مظلة قيادة تنظيمية واحدة فيها كافة الأطياف!

    يقول أبو بكر باذيب -الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني: "الحزب الاشتراكي اليمني لم يدع أنه صاحب هذه الحركة لكن لا شك في أنه مؤثر أساسي في هذه الحركة مثله مثل غيره من الأحزاب، السمة الرئيسية في هذه الحركة هي السمة الجماهيرية وهذه ميزة تنفرد بها هذه الحركة منذ وقت طويل، فنحن لم نشهد مثل هذه الحركة، ونتمنى أن تستمر في هذا التوجه على أن ترشد من أهدافها وأساليبها مستقبلا"؛ ويضيف: "هذا المزاج الحاد موجود داخل الحزب الاشتراكي أيضا، لا أريد أن أغطي على هذا الأمر".[30]

    لقد سبق للحزب أن أبدى تأييده لملتقيات التسامح والتصالح، وهو اليوم حاضر بقياداته وكوادره وشعاراته ضمن حراك الاحتجاجات في الجنوب ظاهرا، كما أصبح الحديث عن قضية جنوبية وجنوب متأزم هو السمة الغالبة على عناصره.

    إن أقل ما يمكن أن يكسبه الحزب الاشتراكي اليمني من هذا الحراك هو بناء استحقاقات سياسية في ظل هذا الأزمة تحت ذريعة أن ما يجري اليوم في الجنوب هو انعكاس لنتائج حرب 1994م التي يصفها بالإقصائية، والتمييزية ضد المواطن الجنوبي الذي يشعر بأن التعامل معه يتم على أساس أنه مواطن (درجة ثانية)، والنظرة للجنوب على أنه أرض وثروة! وبالتالي فهو يحاول أن يحصد من وراء هذا الحراك مكاسب سياسية.

    ويرى ياسين سعيد نعمان أن احتجاجات الجنوب ينبغي أن تدعم، وأنه ينبغي ألا يفرض أشخاص أنفسهم أوصياء عليها حتى لا يقتلوها، كونها ستفرض زعامتها من داخلها، وأن على المشترك ألا يقف بعيداً عنها، بل عليه أن يدعمها، وبدلاً من قيادتها بشكل مباشر، لا بد من تنسيق فعاليات مختلفة شعبية واجتماعية يكون المشترك طرفاً فيها.

    ويضيف وهو يعبر عن اطمئنانه لـ"تماسك الحزب": "أين هي هذه الدولة (الجنوبية)؟ وما الذي جرى لها؟ حرب 94 أرادت أن تنهيها من الذاكرة التاريخية بشكل عام، وحولتها إلى مجرد جغرافيا. هذا ما دفع إلى طرح القضية الجنوبية من جديد، بمعنى أن الدولة الوطنية الديمقراطية اليمنية التي نتطلع إليها لا بد أن تقوم على جناحين، ولا تستطيع أن تقلع بجناح واحد".. ويضيف: "نحن في الاشتراكي والمشترك نرى اليوم أن حل القضية الجنوبية هو مفتاح الحل للإصلاح الشامل. وأن الجنوب هو البوابة التي يجب أن يبدأ منها الجميع لإصلاح أحوال البلاد".[31]

    التجمع اليمني للإصلاح:

    يتوزع التجمع اليمني للإصلاح على ثلاثة تيارات رئيسية:

    التيار السلفي: وهو تيار يقوده علماء ودعاة ملتزمون بمرجعية الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. وهذا التيار مع بقاء الوحدة، ولا يزال يتبنى التصدي لأي نية للانفصال، وقد كان حاضرا بفعالية في حرب 1994م، إلا أن هذا التيار لم يعد هو الموجه الحقيقي لفكر التجمع وقراره التنظيمي في الوقت الراهن.

    التيار القبلي: وهو يتخذ موقف المساندة للوحدة من منظور بقاء مصالح نفوذ هذه القبائل سياسيا واقتصاديا، وهو ما دفعها في حرب 1994م للوقوف إلى جانب نظام صنعاء، حيث تعاملت مع قضية الجنوب من منطلق (ثقافة الفيد)!

    التيار العقلاني والسياسي في التجمع: والذي تغيرت لديه النظرة الإسلامية للحكم والسياسة والاجتماع وأصبح يسود عليه منطق النظرة الغربية لهذه المسائل، فهو يحاول مسايرة الإرادة الدولية، وفي ظننا أن هذا التيار سوف يتنبى مواقف غير متصادمة معها، من باب إثبات حسن النوايا والتماشي مع مقررات المجتمع الدولي، وهو يتعاطى مع قضية الانفصال وفق سياسة الممكن! وهناك تسريبات تفيد بأن القيادة التنظيمية للإصلاح أوعزت لقيادة التنظيم في الجنوب لترتيب أوضاعها تهيئا لأي تغير في واقع البلاد وتوجهها إلى الانفصال! وهذا الترتيب يعني اتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع الانفصال كواقع قائم!

    حاليا تقف قيادة حزب "التجمع اليمني للإصلاح" إلى جانب بقية أحزاب اللقاء المشترك، وهي الحزب الاشتراكي اليمني وحزب الحق وحزب اتحاد القوى الشعبية والتنظيم الوحدوي الناصري، في موقفه من أزمة الجنوب.

    يقول الدكتور محمد السعدي -الأمين العام المساعد لحزب "التجمع اليمني للإصلاح": إن "أوضاع الجنوب الحالية هي نتيجة لتراكم سياسات الحكومات المتتالية للمؤتمر الشعبي العام".. ويضيف وآراء الحزب في هذا الشأن واضحة ومعلنة ولا تخرج عن موقف "اللقاء المشترك" الذي يمثل الإصلاح جزءا منه. وأن رؤية الحزب لتهدئة الاحتقان القائم في الجنوب تقوم على "الاعتراف من قبل النظام بوجود أزمة"، و"دعوة القوى السياسية المؤثرة لتشخيص هذه الأزمة، ووضع الحلول بشراكة وطنية بين كل القوى المؤثرة بما فيها الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية".[32]

    لكن الإصلاح بدون شك لا يقر الدعوات القائمة للانفصال، يقول الأستاذ عبدالوهاب الآنسي، الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح: "نحن في التجمع اليمني للإصلاح، وكأحزاب اللقاء المشترك للمعارضة، نجرم وندين وسنقف ضد أي تصرف تم في السابق أو تصرفات قد تتم لاحقاً قد تؤدي إلى إخراج هذه القضية من إطارها الوطني إلى إطار خارجي إقليمي كان أو دوليا".[33] لكنه في المقابل لن يكرر موقفه الذي أبداه في حرب 1994م بعد أن تنكر الرئيس صالح لدماء مقاتلي التجمع وجهود رموزه الدينية والاجتماعية لتجييش الشعب إلى جانبه! وقد يحدث في وسط الإصلاح تصدع جديد في حال كان لزاما عليه اتخاذ موقف محدد من الأزمة إذا ما بلغت حدَّ السعي إلى الانفصال.

    موقف الشيعة من الأزمة:[34]

    للتيار الشيعي في اليمن تاريخه في التحالف مع الحزب الاشتراكي، فقد تبادلوا التأييد والنصرة في قضاياهم، ففي حين ساند الاشتراكيون الملكيين في حربهم ضد الجمهورية وقف الشيعة إلى جانب الحزب الاشتراكي في أزمة عام 1993م وحرب 1994م، وحملوا راية الدفاع عن الحوثية في حربها مع الدولة!

    وعلى هذا الأساس فإن الشيعة يساندون الحزب الاشتراكي في مخطط الانفصال لعدة أسباب:

    - كونه سيضعف من قوة حكومة الرئيس علي عبدالله صالح، الأمر الذي يمدهم بقدرة على التمرد واستمرار مشروع الثورة الشيعية في اليمن.

    - كونه سيقلل من نسبة التعداد السكاني للسنة لصالح المد الشيعي، فالجنوبيون جميعهم سنة.

    - كونه سيعزز من مكانة حليفهم السياسي (الحزب الاشتراكي) ومن ثمَّ سيقوى من الحلف القائم بينهما.

    هذه الحقيقة يؤكدها مواقف الحزب الاشتراكي المدافعة عن تيار الحوثي ورؤيته للحرب في صعدة، وهي جميعا تعكس تلاحما بين هذين التيارين؛ كما يؤكدها دخول الحزب الاشتراكي اليمني (جنوبي يساري) مع حزب الحق (شمالي مذهبي) مع اتحاد القوى الشعبية (شمالي مذهبي ليبرالي) في مظلة "اللقاء المشترك"، واتفاق هذه الأحزاب في ظل أزمة 1993م على حكم اليمن بصيغة فدرالية أو كنفدرالية، وهذا الاتفاق قائم حتى اليوم، فقد أشار محمد عبدالملك المتوكل -نائب الأمين العام لاتحاد القوى الشعبية، في مقابلة له مع صحيفة "الشارع"، في 4/8/2007م، أن الحكم اللامركزي هو الطريق الأفضل لحماية وحدة اليمن من التمزق والتفتت.

    ---------------------------

    [20] في فبراير 2008م، وفي أثناء مهرجان لجمعية المتقاعدين، طالب العميد ناصر النوبة باستقلال الجنوب أسوة باستقلال إقليم كوسوفو! وتحدث في الوقت ذاته عن مشروع لفصل شبوة وحضرموت والمهرة! قائلا: "رهانهم خاسر.. فحضرموت وشبوة والمهرة مع الجنوب". ووعد عبده المعطري -رئيس جمعية المتقاعدين بالضالع- بـ"مرحلة جديدة من النضال جنبا إلى جنب، متقاعدين ومدنيين وشباب ومناضلين". في حين رفعت لافتات تندد بـ"احتلال الجنوب"! نيوزيمن، في 24/2/2008م.

    [21] رسالة رئيس (تاج) إلى التجار والميسورين الجنوبيين، موقع صوت الجنوب، في 15/1/2007م.

    [22] يقول الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني ياسين سعيد نعمان، في ندوة بعنوان "الحراك الشعبي في الجنوب، قراءة في الأسباب والتداعيات والحلول": إن على السلطة الاعتراف أولاً بالقضية الجنوبية كونها قضية سياسية وليست جهوية مناطقية. ويرى أن ما هو حاصل اليوم من حراك احتجاجي شعبي ناتج من غياب المشروع الوطني ومشروع الوحدة الطوعي الديمقراطي السلمي الذي دمر في حرب صيف 1994م.

    [23] وصف دحباشي مستقى من مسلسل يمني قدمته الفضائية اليمنية وكانت أبرز شخصية فيه (دحباش) وهي شخصية شمالية تدعو للسخرية!

    [24] قناة الحرة، في 4/4/2008م.

    [25] دخل المؤتمر في مواجهات مسلحة مع الإصلاح في انتخابات عام 1997م وعمل على إضعاف وجوده في الدولة وضرب أكبر معاقله (المعاهد العلمية) بقرار الإلغاء.

    [26] عبرت شخصيات ورموز عدة عن تهميش الرئيس لها وتغيبهم عن صنع القرار من بينهم: الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وسنان أبو لحوم، وغيرهم.

    [27] يقول عبدالله غانم- رئيس الدائرة السياسية للمؤتمر والعضو الاشتراكي السابق- في حوار مع صحيفة الخليج الإماراتية: "الحزب الاشتراكي يتصور أن فرصته للوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها معدومة عن طريق صناديق الاقتراع".. حسب رأي غانم لذلك فهو يريد أن يعود إلى سدة الحكم بورقة الجنوب. (الميثاق، في 11/4/2008م).

    [28] تشير بعض المصادر أن بن شحتور كان ضابطا متقاعدا، وسبق له أن التحق بجهاز أمن الدولة، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن بإيران على خلفية اختطاف طائرة سعودية إلى طهران إبان فترة حكم الشاه بحجة أن السلطات السعودية كانت قد صادرت عليه شحنة دجاج ولم تعوضه عنها! الميثاق نت، في 4/6/2007م.

    [29] علي ناصر محمد -الرئيس اليمني الجنوبي السابق، في حوار مع صحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلا عن www.sanaapress.net، في 10/4/2008م.

    [30] أبو بكر باذيب -الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، في حوار مع صحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلا عن www.alwatanye.net، في 10/4/2008م).

    [31] ياسين سعيد نعمان -الأمين العام للحزب الاشتراكي، في حوار مع صحيفة النداء, في 25/1/2008م.

    [32] الدكتور محمد السعدي -الأمين العام المساعد لحزب "التجمع اليمني للإصلاح"، في حوار لصحيفة "الخليج" الإماراتية، نقلا عن www.alwatanye.net، في 10/4/2008م).

    [33] عبدالوهاب الآنسي، الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح، في حوار مع صحيفة "الراية" القطرية، نقلا عن www.al-islah.net، في 27/04/2007م.

    [34] تجدر الإشارة هنا أن نظام الجنوب الاشتراكي كان يقف إلى جانب إيران في حربها ضد العراق في حين أنَّ نظام صنعاء كان يقف إلى جانب بغداد ويمدها بالمقاتلين

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: أزمة الجنوب[1].. القديم الجديد في تقسيم اليمن

    مُساهمة  Admin في الخميس 14 يوليو 2011 - 20:21

    أزمة الجنوب.. القديم الجديد في تقسيم اليمن (3-3)




    آلية عمل الأزمة ومراحلها:

    إن تفنن الحزب الاشتراكي في إدارة الأزمات أكسبه الخبرة والقدرة على تطوير أساليبه والتأني في قطف الثمرة، كما أنه تأكد له أن المراهنة على موقف القيادات الشمالية الحزبية والقبلية لن يجدي نفعا في إعادته إلى السلطة والحكم، وأن الرهان الحقيقي هو البقاء على خط الجنوب الساخن والذي يشكل أرضية حاضنة للحزب.

    وكأي أزمة دولية راهنة اليوم في الساحة العربية والإسلامية، تتخذ الأزمة طابعا دراماتيكيا لها الآليات والمراحل ذاتها، وهو ما يلاحظه المتابع لقضية دارفور مثلا في السودان!

    وأزمة الجنوب تعمل من خلال هذه المراحل تحديدا:

    - مرحلة الحراك السلمي: وتعتمد على آليات دستورية وقانونية وإعلامية، فالمظاهرات والاعتصامات والخطابات والبيانات وتشكيل الجمعيات واللجان الشعبية الداعية لنيل الحقوق والمطالبة بالحريات ونقد الأوضاع والحديث عن ممارسات الدولة في الجنوب.. شكلت خطوة أولى في حراك الجنوب منذ عام 1994م، وأصبحت أحزاب اللقاء المشترك والاشتراكي بشكل أخص يعتبر ما تقوم به الدولة ضد هذا الحراك بأنها مواجهة مسلحة لمطالب حقوقية وحراك سلمي! وقد اعتبر ياسين سعيد نعمان أن هذه الأساليب "باعث على اللجوء لخيارات أخرى لا تحتملها البلد التي تواجه تداعيات في كل مكان".[35]

    - مرحلة العصيان المدني: وهنا يتم إعلان حالة العصيان المدني العام ومهاجمة السلطة عبر وسائل الإعلام بنبرة أعلى ومطالب سياسية أكبر مع مخاطبة المجتمع الدولي بالتدخل. يقول الدكتور صالح باصرة -وزير التعليم العالي والبحث العلمي- لصحيفة الغد: "هناك اتجاه الآن يريد أن يحرف هذه المطالب ويحولها إلى شيء من العنف، فما حدث في الضالع والحبيلين وردفان وفي بعض المناطق في المحافظات الجنوبية والشرقية فيها أولاً: تعزيز للكراهية.. وهذا أمر خطير"، "الشيء الثاني: من يطالب بحقوق لا يحطم، لا يشعل النار في الشارع، لا يحرق دكاكين ولا سيارات، ولا يعتدي على ممتلكات عامة أو خاصة، ويبدو أن هناك من يريد أن يدفع بالوطن إلى أتون صراع، ومن ثم يتحول الصراع إلى حرب، بمعنى أن هذا الوطن سينتهي، وسيسقط في مستنقع الصراعات والتجزئة".[36]

    - مرحلة الحراك دوليا: وفيها ستنشط المعارضة الخارجية في تصوير أي قمع قد تقوم به الدولة ضد العصيان المدني على أنها حرب أو إبادة جماعية أو ما إلى هنالك من الأوصاف التي قد تدفع بالمجتمع الدولي للتدخل في الوضع واتخاذ قرارات أممية بشأنها! وقد يطرح الحكم المستقل كأحد الحلول وقد يطرح حل الاستفتاء وهو ما يراهن عليه رموز الأزمة[37]. وهذا ما هو جار بالفعل في لندن ونيويورك وواشنطن من قبل حركة "تاج" والمعارضة الموجودة هناك. بل هي تصف ما يجري في صعدة بأنه "جرائم حرب"! و"إبادة جماعية"!

    - مرحلة الحراك المسلح: وهي مرحلة قد تضطر إليها رموز الأزمة في حال لم يتم تدويل القضية[38] بمجرد العصيان المدني، أو في حال ما إذا دولت ولكن لم تستجب قيادة صنعاء للقرارات الدولية. وعندها بحسب عناصر في التيار الانفصالي سيعلن عن معسكرات وتشكيل مليشيات مسلحة وسيتم تنفيذ حرب عصابات والدخول في مواجهة شرسة مع معسكرات الدولة وأجهزتها الحكومية ومصالحها الرسمية.[39]

    ورموز الأزمة حاليا تجري استعدادها في هذا الشأن، فهناك ترتيب لوضع المعارضة الخارجية، وهناك تدفق للأموال لتحريك الناس للمطالبة بحقوقهم ونقد الأوضاع وتشكيل حراك جماهيري منظم كاللجان والجمعيات وغيرها، وكذلك يجري العمل على شراء الأسلحة وتوزيعها والتواصل مع الأطراف المحلية وجس مواقفهم من الانفصال[40]، ويجري حاليا فتح المواقع الإلكترونية والإعداد لإذاعة وقناة في الخارج، وكلها توحي بوجود إعداد نشط لمشروع الانفصال في المنظور القريب.

    يقول الأستاذ فيصل بن شملان –مرشح الانتخابات الرئاسية 2006م عن أحزاب اللقاء المشترك: "بالنسبة للجنوب، تعرف أن مجموعة في الاشتراكي تنشط تحت اسم (تيار إصلاح مسار الوحدة) أعلنت أن الانتخابات لا تعني لها شيئاً. هذا التيار موجود، والناس لم تقتنع بالنتائج، والمتقاعدون بدأوا بمطالب حقوقية، ثم أعلنوا مطالب سياسية. ولأن النظام سدَّ الطريقَ أمام التغيير بدأت حركة الاحتجاجات في الجنوب كنتيجة مباشرة لاهتزاز الثقة في الانتخابات".. ويضيف: "استمعت قبل يومين من قيادي في حركة الاحتجاجات عن تصورات قيد الإقرار، تمكن من تشكيل هيئة جنوبية عليا عبر تمثيل تصاعدي يبدأ من المديريات مروراً بالمحافظات وبلوغاً إلى هيئة قيادية عليا يناط بها تمثيل الجنوب".

    اللاعبين الدوليين:

    يحاول اليمنيون في مجمل خلافاتهم تعليق أخطائهم على الخارج، بحيث يظن السامع إلى أحاديثهم أن ما يجري في اليمن إنما هو (قدر الخارج)! وينسى الجميع أن تدخل الخارج ما كان ليكون لولا إرادة داخلية وبيئة قابلة!

    فاليمن كانت محل أطماع قوى إقليمية ودولية منذ عهد بعيد؛ لكن هذه القوى استطاعت تحقيق نفوذها ومخططاتها بأيد يمنية..

    يقول سالم صالح محمد[41]: "نحن في اليمن بيئة عجيبة في تقبل أية أفكار جديدة، خذ حتى الواقع الحالي.. الديمقراطية؛ نحن مع الديمقراطية، ما هي؟ وكيف هي؟ نحن نتبنى كل شعاراتها لكن ما هو الواقع؟!".. "اليمن تقبلت وتتقبل دائما الأفكار الجديدة وتتعامل معها، بعدين ما هو الذي ينطبق على الواقع هذا موضوع آخر"!

    وهذا ما عكسته قائمة الأحزاب التي تقدمت بطلب الترخيص لها عام 1990م والتي جاوزت الأربعين حزبا، من أقصى اليمين وحتى أقصى اليسار!

    وهنا يمكن أن نؤكد أن هذا التنوع في الأحزاب السياسية فتح المجال للقوى الخارجية للاصطياد في (الماء –السياسي- العكر). بما فيها بالطبع القوى الإقليمية؛ فإيران استطاعت أن تجد لها قدما عبر بوابة التشيع لـ(آل البيت).

    لذا فقد أشارت صحيفة "الشموع" شبه الرسمية، في 21/4/2007م، إلى حصولها على معلومات خاصة "تشير إلى وجود تحرك نشط لجهات إيرانية في الأوساط السياسية، وذلك من أجل إعادة فتح ملف الوحدة اليمنية عبر وسائل الإعلام، وتصوير الأوضاع الراهنة بأنها تمثل خطراً يهدد مستقبل الوحدة"، وأن هذا التوجه -حسب الصحيفة- يأتي في سياق "توافق عمل استخباراتي، وبتنسيق عالي المستوى بين الاستخبارات البريطانية والإيرانية من جهة والصهيو- أمريكية من جهة أخرى".. وأنه ورد إلى علم الصحيفة "من مصادر خاصة، أن السفير الإيراني عقد اجتماعاً هاماً بقيادي في تيار إصلاح مسار الوحدة احتضنته السفارة الليبية بصنعاء".

    كما ذكرت بتاريخ 4/8/2007م عن مصادر في كل من العاصمة البريطانية لندن ومدينة ديترويت في ولاية ميتشجن الأمريكية، قولها أن مجموعة من التجار الشيعة من دولة الكويت عقدوا سلسلة اجتماعات مع قيادات ما يسمى بالتجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج)، في لندن وديترويت وليبيا والبحرين وسوريا.. وأن تلك الاجتماعات صبت في سياق مضامينها على ضرورة تحريك ملف ما يسمى (القضية الجنوبية وأبناء الجنوب).

    وإذا صحت هذه الأخبار فإن إيران تهدف من وراء هذا الدعم التخفيف من الحملة العسكرية على المتمردين الحوثيين، كما تهدف إلى معاقبة نظام صنعاء على وقوفه إلى جانب العراق في حربه مع إيران، وأخيرا إلى إضعاف القوى السنية في المنطقة من خلال غياب الاستقرار عن مناطقهم الآمنة وإشغالهم بالصراعات البينية.

    ولم يستبعد عبدالله غانم -رئيس الدائرة السياسية للمؤتمر الشعبي العام، والعضو السابق في الحزب الاشتراكي، في حوار لصحيفة "الخليج" الإماراتية،[42] وجود قوى خارجية ترتمي كوادر الحزب الاشتراكي المنفصلة عنه في أحضانها لتحقيق عودة الأمور إلى ما قبل 22 مايو 1990م كما هي رغبة هذه القوى. مؤكدا أن نشاط المعارضة الخارجية مؤثر في توجيه الحراك الداخلي ومساندته بالمال؛ وأن هناك أدلة عديدة لا يريد المؤتمر الكشف عنها حاليا. لكنه لم ينف في المقابل ارتباط دول كبريطانيا بما يجري في الجنوب. رغم تأكيده على وجود "مخطط خارجي" لإبقاء اليمن تغلي تحت موقد الأحداث.

    إذن بريطاني هي المتهم الثاني في تحريك ملف الجنوب، فهي المستعمر السابق للجنوب، واليمنيون الشماليون ينظرون بعين الشك إليها، خاصة وأنها تستضيف حركة (تاج)، وتستضيف بعض قيادات الانفصال الهاربة، وترعى حاليا أبناء المناطق التي كانت تحتلها سابقا تحت غطاء تقديم الحقوق لعوائل وأبناء الأفراد الذين عملوا تحت ظل حكومة التاج الملكي في فترة الاستعمار بالجنوب! ورعاية شئونهم باعتبار الخدمات التي قدمها أجدادهم لحكومة جلالة الملكة!

    كما أنها لا تزال تطالب باستعادة نفوذها في عدن بشكل أو بآخر! فعدن لا تزال تملك بريقا جذابا نظرا لموقعها المتميز والذي يؤهلها أن تكون ميناء عالميا يجتذب إليه الاستثمارات ويشكل قاعدة متقدمة للاقتصاد البريطاني في المنطقة.

    في مايو 2008م صدر عن مركز أكسفورد ببريطانيا تقرير يؤكد بأن تكاثر الأزمات في اليمن يدل على أن هناك دولة تتجه نحو الفشل، وأن المحاولات الدولية لمنع حدوث ذلك الفشل بسيطة جدا ومتأخرة كثيرا. واعتبر التقرير الأحداث في المحافظات الجنوبية انعكاسا للاستياء والامتعاض من الطريقة التي يقوم بها الرئيس صالح لتوسيع نظام الرعاية ليشمل الجنوب من دون تحقيق أي مصالح ملموسة للجنوبيين الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء من مؤسسات الدولة، مؤكدا على أن السخط السائد في الجنوب يعتبر خطيرا.

    وأكد التقرير أن الرئيس ونظامه في عام 2008م يبدوان أضعف من أي وقت مضى في فترة الثلاثين السنة الماضية. وتحدث التقرير عن قيام الرئيس صالح ببناء سلطة الدولة من خلال توسيع الجيش والأجهزة الأمنية، واستبعد حصول انفجار داخلي في اليمن على المدى القصير والمتوسط لأن النظام الأمني لازال مرناً، لكنه توقع أن تدهور الدولة سيكون بديلا عن الانفجار فاليمن باتت أقل استقرارا وهذا سيتجلى في صورة مظاهرات أكثر وثورات محلية وتنافس متزايد وانتشار الفوضى القبلية والإرهاب.

    بريطانيا ليست الدولة الغربية الوحيدة اللاعبة باليمن، فقد صرح السفير الأمريكي السابق بصنعاء "أدموند هول" في إحدى زياراته لحضرموت وأثناء اجتماعه مع قيادات حزبية ووجاهات اجتماعية من المنطقة بأن حضرموت "تمتلك مقدرات دولة"! وهو ما اعتبره بعض المحللين ضوءا أخضر لانطلاق المراثون باتجاه تصعيد القضية والسير بها في هذا المنحى!

    سبق ذلك نشاط استخباراتي محموم للسفارة الأمريكية، وبصورة سافرة حيث نشرت أكثر من مرة إعلانا –في صحيفة (الأيام) الجنوبية- تدعو فيه الأشخاص الراغبين في التعاون معها للقبض على المطلوبين لها للاتصال بها وزيارة مقرها في صنعاء. كما عملت على فتح مكتب للـ(سي آي إيه) داخل مقرها في صنعاء.

    وهي تستضيف كذلك قيادات اشتراكية معارضة ونشاطا لحركة (تاج). وتنتقد عبر تقاريرها الدورية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، ممارسات اليمن في مجال حقوق الإنسان والتمييز ضد أبناء الجنوب!

    ولا ينس اليمنيون موقف الإدارة الأمريكية من حرب الانفصال، والذي كان يميل إلى إيقاف إطلاق النار والسعي إلى إجراء حوار بين الأطراف! وأن اشتعال الحرب أساسا كان بعد زيارة علي سالم البيض للولايات المتحدة الأمريكية وأن قرار الانفصال اتخذ بينما كان العطاس في واشنطن. وأن أمريكا لا تزال راغبة في إقامة قواعد عسكرية باليمن حيث تكررت مطالبها للقيادة السياسية بهذا الشأن لعدة مرات.

    إن نظرة بريطانيا والولايات المتحدة إلى الجنوب تأتي في إطار عدة ملامح:

    - الجنوب اليمني هو الأكثر مساحة والأقل سكانا والأوفر ثروة. فهو يمثل ثلثي مساحة اليمن تقريبا، في حين يمثل سكانه الربع تقريبا، ويمتلك مخزونا مجهولا من النفط ومقومات المنطقة الحرة بعدن!

    - يمثل أبناء الجنوب نهجا مختلفا باعتبار غياب مظاهر التسلح عنهم وضعف البنية القبلية؛ بالإضافة إلى ووجود أرضية اشتراكية (علمانية) صالحة لأن تكون شريكا فاعلا ضد الوجود الإسلامي أو للحدِّ من نموه وانتشاره.

    - يقع الجنوب على امتداد الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية وقريبا من باب المندب وهو ما قد يؤهله ليكون مستضيفا جيدا لقواعد عسكرية في المنطقة.. أمريكية أو بريطانية –تحت مسمى الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، والتي باتت الغطاء السياسي للاحتلال العسكري في الوقت الراهن.

    - فكفكة اليمن وعزل الجنوب عن الشمال سيضعف بنية التركيبة السكانية السنية التي باتت تمثل الغالبية العظمى في اليمن الموحد. ومن المعلوم أن المجتمعات السنية محضن خصب لحركات المقاومة بكافة أطيافها: السياسية، والدعوية، والعلمية، والمسلحة.

    ومن ثمَّ فإن فتح ملف الجنوب والدعوة للانفصال يهدف إلى عدة أمور منها:

    - زيادة الضغط على نظام صنعاء ودفعه إلى تقديم تنازلات أكبر في ملفات مختلفة: الحرب على الإرهاب، التطبيع مع إسرائيل، التغيير السياسي لصالح قوى أكثر ليبرالية، مكافحة القوى الإسلامية.

    - وضع السلطة في اليمن تحت التهديد الدائم، لتهميش أي دور إقليمي لليمن.

    - خلخلة البنى الاجتماعية بالمزيد من مظاهر الارتماء في أحضان الغرب والعمالة له.

    - إضعاف الدول المجاورة (خاصة السعودية) بما يسهل مستقبلا توجيه أي تهديد لها في ظل غياب الحلفاء الأقوياء لها.

    - مع ظروف الصراع مع إيران واحتمال إغلاق خليج عُمان إذا نشبت الحرب، سيبرز جنوب اليمن والبحر العربي باعتباره المنفذ الأنسب لنفط الخليج.

    ويذهب البعض إلى أن الجنوب لن ينفصل وأنه مجرد ورقة ضغط، يقول أحد قيادات اللقاء المشترك في معرض تحليله للأوضاع في البلاد: إن الجنوب لن ينفصل والحوثيون لن ينتصروا، فالقوى الخارجية التي تساند الطرفين ترغب في إبقاء الوضع ملتهبا داخل اليمن، لأن عدم استقراره يؤثر سلبا على المنطقة الإقليمية، كما أنه يحد من تصدير خلايا الداخل إلى الدول المحيطة.[43]

    وهنا تجب الإشارة إلى أن النظام الحاكم في شمال اليمن رغم تعامل كافة الأطراف الدولية معه إلا أنه غير مرغوب لعدة أسباب، منها:

    - بقاء هذا النظام متحالفا مع القوى الإسلامية –في أقل الأحوال حتى عام 1997م؛ وفي أقل تقدير غير معاديا لها بصورة سافرة.

    - بقاء القيادة السياسية في اليمن في صورة محافظة وذات طابع قبلي، وهو ما يعني استنادها لقاعدة شعبية تغنيها عن الارتماء المذل للغرب. لذا عملت السفارة الأمريكية جاهدة مؤخرا لتوتير هذه العلاقة بين الطرفين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا من خلال برامج مختلفة وخطط متنوعة.

    - أن مواقف هذا النظام قومية وإسلامية، ولو تسنى له امتلاك عوامل قوى سياسية واقتصادية واجتماعية فإنه سيكون مؤثرا بشكل إيجابي في توجيه سياسات المنطقة ومشاركا في صناعة مستقبلها.

    التقسيم كمطلب داخلي وخارجي:

    نص القراران المتعلقان بحرب الانفصال عام 1994م، واللذين صدرا عن مجلس الأمن (قرار رقم: 924 في 1 يونيو- و931 في 29 يونيو)، على استنكار ما وصفاه بـ"استخدام القوة"! في حل "الخلافات السياسية"! في حين وصف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المرفوع لمجلس الأمن في 27 يونيو قيادات الانفصال بـ"زعماء الجنوب"! وأشار إلى أن مواقف الدول المجاورة والإقليمية متفقة على "أن الخلافات السياسية لا يمكن أن تحل بالقوة"، وأن موقفهم من الصراع "يتوقف على الشعب اليمني وعلى زعمائه الذين هم أطراف في النزاع لكي يقرروا بأنفسهم عن طريق الحوار السلمي ما إذا كانوا سيعيشون في دولة موحدة أو يعودون إلى الحالة التي كانت قائمة قبل 22 مايو 1990م، عندما كانت هناك دولتان مستقلتان"!

    هذه العبارات في أعلى هيئة دولية ومن أمينها العام عكست رؤية دولية لليمن بفعل قوى كبرى ودول مؤثرة في صنع القرار. وهي رؤية ترسخها تصريحات عدة لقوى الانفصال في الخارج والداخل.

    فحيدر أبو بكر العطاس، وفي حوار مع قناة "الحرة" الأمريكية صرح أن فكرة الوحدة الاندماجية كانت من قبل نظام صنعاء، وأنه لم يكن طرحا للحزب الاشتراكي في الجنوب، وأن القرار كان من قبل أمين عام الحزب (علي سالم البيض)، دون الرجوع للجنة المركزية، التي ارتأت "وقف تبني الموضوع على أمل أن الفرصة تتاح لوحدة مشاركة وتعاون بين شطرين"![44] ثمَّ عاد العطاس ليقول في تصريحات أخرى أنَّ "أكبر خطأ ارتكبه الحزب أنه لم يستفت الشعب –أي على الوحدة!".. مشيرا أن الحزب تفرد بالقرار! وهو يستنكر رفض السلطة المطالبة بالفيدرالية كـ"نظام راق لأنظمة الحكم، معمول به في أكثر الأنظمة تقدما، وكانت ستفضي إليه وثيقة العهد والاتفاق" –حسب تعبيره!

    وفي بيان لحركة (تاج) بمناسبة الذكرى الأربعين للاستقلال الوطني للجنوب (30 نوفمبر 2007م)، الذي وجهه لأبناء الجنوب المحتل! أكد أن "الجنوب يقع تحت الاحتلال الكامل لنظام الجمهورية العربية اليمنية منذ 7 يوليو 1994م".. و"أن المهمة المباشرة التي تقف أمام أبناء الجنوب تتمثل في العمل بكل أشكال وأساليب النضال السلمي لتخليص وطننا من هذا الاحتلال وتحرير شعبنا منه واستعادة السيادة وإقامة الدولة الحرة المستقلة على أرض الجنوب وفقا لوثائق الاستقلال الأول عن بريطانيا في 30 نوفمبر 1967م". وأن (تاج) "تتعاطى مع أي مشاريع مقدمة من أي فصيل جنوبي طالما حافظ على استقلال الجنوب وهويته", و"أن المشاريع المطروحة حاليا أو في المستقبل كالفيدرالية وفيدرالية المحافظات أو القبول بالحكم المحلي في إطار الجمهورية اليمنية هي تفريط بالوطن وبحقوق شعبنا وحريته واستقلالنا وجريمة لا تغتفر". وأن "أي مفاوضات تتم مع نظام الاحتلال لابد أن تكون تحت إشراف دولي، وأن تضمن الحقوق الشرعية لشعبنا في الحرية والسيادة والاستقلال وفقا لمواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي".[45]

    ويقول أحمد مثنى علي[46]، مسئول فرع التجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج) في أمريكا، رافضا فكرة الوحدة مطلقا: "الوحدة التي أعلنت وقتلت في المهد قادها مشروع وطني عاطفي فرضته الظروف التي عاشتها المنطقة في ظل تصاعد المد القومي التحرري الذي آل هو أيضا إلى الفشل على كل المستويات وبمختلف تياراته الناصرية والبعثية والماركسية".. ويرى أن الوحدة فشلت "لأسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية، وليس بسبب عدم وطنية سلطات علي عبدالله صالح كما يروج لها البعض، وفشلت معها كل الحلول الممكنة خلال ما سمي بالمرحلة الانتقالية التي تلت إعلان قيام الوحدة، حيث مثلت وثيقة العهد والاتفاق التي التفت حولها كل القوى الوطنية في الجنوب واليمن والمسنودة عسكريا واقتصاديا وسياسيا من الجنوب دليلا قاطعا على عدم توافر الظروف والشروط لقيام أي نوع من الوحدة ولو بحدودها الدنيا.. لكن أن نطرح مشروع حل القضية الجنوبية عبر بوابة الحكم المحلي أو الفيدرالية بعد فشل كل المحاولات ومنها فشل مشروع إصلاح مسار الوحدة فإنه لن يحل المشكلة الجنوبية ولن يحقق لها أي مكاسب بل أنه سيعطي طوق النجاة لنظام الاحتلال ويمده بمزيد من العمر حتى يتمكن من هضم الجنوب وتذويبه وشطبه وإلى الأبد"..[47]

    هذا التماوج في طرح قضية الجنوب بين فصائل المعارضة الاشتراكية في الخارج يذكر بذات اللعبة التي مارسها الاشتراكيون في أزمة 1993-1994م؛ ففي الوقت الذي صرح فيه سالم صالح محمد -أمين مساعد الحزب الاشتراكي، في 14 أبريل 1994م، عن دعوة الحزب الاشتراكي إلى تطبيق نظام فيدرالي كحل للأزمة، كونه النموذج الأمثل، الذي يكفل حقوق كل الأفراد، نافيا أن تكون الفيدرالية خطوة على طريق الانفصال؛ انتهى الأمر بإعلان علي سالم البيض الانفصال في 21 مايو 1994م.

    واليوم هناك عدة شخصيات تدعو للعودة بالوحدة اليمنية إلى نظام الفيدرالية، فقد طالب عبدالله الأصنج، المقيم في السعودية والمطلوب أمنيا لليمن، في مقال له بصحيفة "الأيام" اليمنية بنظام فيدرالي يضمن حقوق أبناء الجنوب.[48]

    وأشار عبدالرحمن الجفري، رئيس رابطة أبناء اليمن (رأي)، في بلاغ صحفي صدر عنه في 11/4/2008م من مدينة هانوفر بألمانيا، إلى أنه اتفق مع الرئيس علي عبدالله صالح في 9/9/1428هـ على قضايا رئيسية من ضمن قضايا الإصلاحات الشاملة: اعتماد نظام الحكم الرئاسي الكامل- ونظام الحكم المحلي الكامل الصلاحيات- ونظام الانتخابات بالقائمة النسبية- ونظام السلطة التشريعية بمجلسين منتخبين- واستقلالية القضاء. وهو ما تقدم به حزب رابطة أبناء اليمن (رأي) -الذي يرأسه الجفري- كمقترح من شأنه حل الأزمة، عبر تقسيم اليمن إلى عدة مخاليف كحل للاحتقانات القائمة في البلد.

    كما أن عبدالله سلام الحكيمي، وهو سياسي كان في الحزب الناصري وترشح عام 2006م للرئاسة، صرح في حوار له مع صحيفة "البلاغ"[49] عن نيته لإقامة نظام اتحادي فدرالي في اليمن، بحيث يتم تقسيم اليمن لعدة أقاليم لكل منها برلمان وحكومة محلية!

    وفي ظل التهديد بالانفصال داخليا وخارجيا جاءت مبادرة رئيس الجمهورية لتعديل الدستور عام 2007م متضمنة وصفا لحكم محلي واسع الصلاحيات أشبه ما يكون بنظام فدرالي. ما يعني أن القيادة السياسية قد تقبل بأنصاف الحلول لكن من غير المعلوم ما إذا كانت ستقبل بحلول كاملة (انفصال)؟

    يقول العميد محمد صالح الحدي، قائد المليشيات اليسارية في المناطق الوسطى، وذو الخبرة التاريخية في قضايا الصراع: "اليمن تتعرض لموجات من التآمر داخلية وخارجية تستهدف النيل من وحدتها وأمنها واستقرارها. وما يقلقنا أن المطالب الحقوقية التي يقف معها كل أبناء شعبنا خرجت عن طورها إلى حد رفع شعارات انفصالية وترديد أن دم الجنوبي على الجنوبي حرام! علما أننا نبارك المصالحة وتصفية رواسب الماضي لا على مستوى شطري وإنما على مستوى اليمن الواحد. ليكن شعار الجميع أن دم اليمني على اليمني حرام. هناك مظلومون ومحرومون في مختلف المناطق ومنها المناطق الوسطى ومأرب والبيضاء وذمار وريمة وإب وتعز والضالع، حيث حرموا من أبسط حقوقهم المكتسبة وبتآمر من قبل البعض في صنعاء وعدن".[50]

    احتمالات سير الأزمة:

    بالرغم مما سبق هناك عدة احتمالات لسير الأزمة:

    الاحتمال الأول: بقاء هذه الأزمة بوتيرة واحدة قابلة للاشتعال والتصعيد أو الانطفاء والتراجع، بحسب إرادة اللاعبين الكبار فيها، وذلك من أجل التأثير على القرار اليمني وممارسة الضغوط على القيادة السياسية، ومن ثمَّ ستظل الدولة عاجزة عن حل الأزمة بصورة حاسمة لعلمها المسبق بوجود جهات خارجية داعمة ولاعبة في الموضوع، وهذا الواقع بحد ذاته كفيل بالتأثير على الوضع الاقتصادي والسياسي وسيحد من قدرة الحكومة على المناورة تجاه مطالب الخارج في شأن التغيير وقضايا الإرهاب!

    الاحتمال الثاني: تصعيد الأزمة إلى حدِّ المواجهة المسلحة، وقد ينشأ ذلك عن دعم خارجي أو فلتان داخلي من بعض الأطراف الموتورة في الجنوب سعيا وراء إبراز الأزمة وإحالتها إلى قضية حرب أهلية وجرائم إبادة أو نتيجة ثوران شعبي عفوي!

    وهذا الاحتمال له عدة سيناريوهات:

    - ترتيب عناصر من الحزب الاشتراكي لصفوفها في الداخل وتشكيل جبهة مسلحة مماثلة لجبهة الحوثي والبدء في مشروع تحرير الجنوب.

    - دخول الجنوب في حرب أهلية عارمة وفضى قتال داخلي خارجة عن السيطرة بفعل بعض الأطراف المتربصة بالوضع.

    وفي المقابل يتوقع أن:

    - يدخل النظام في مواجهة مسلحة جديدة مع التيار الانفصالي، والذي قد يجد له سندا ودعما شعبيا في محافظات الجنوب، ومن ثمَّ دخول البلاد في حرب استنزافية شمال وجنوبا. يقول محمد عبدالملك المتوكل -نائب الأمين العام لاتحاد القوى الشعبية، في مقابلة له مع صحيفة "الشارع"، في 4/8/2007م، إن "استخدام هذا الأسلوب ضد أبناء الجنوب سيقود إلى حرب عصابات كان لها دور في الماضي بهزيمة بريطانيا العظمى"، و"أن السلطة في عام 1994م واجهت ثلث أبناء الجنوب لكنها في أي مواجهات قادمة سوف تواجه الجنوب كله".[51]

    - يشكل النظام تحالفا جديدا وجبهة شعبية ضد حالة الحراك المسلح في الجنوب على غرار ما حدث في عام 1994م، وإن بصورة أضعف!

    - أن يسعى النظام إلى تسكين الأمر بحلول تبقي الجنوب في إطار الوحدة بحكم ذاتي! في حال شعر بوجود سند ودعم خارجي قوي لمشروع الانفصال! وهذا ما بدت بوادره تتجلى في قانون انتخاب المحافظين ومديري المديريات، وطرح تعديل الدستور وإعطاء صلاحيات أكبر للمحافظات.

    وهنا يمكن الإشارة إلى أن المواجهات بين الحراك الجماهيري في الجنوب وبين السلطة شملت في الأشهر الماضية عدة محافظات منها: الضالع وحضرموت وعدن ولحج وأبين وشبوة، وسقط نتيجتها عشرات من القتلى والجرحى المدنيين والعسكريين، كما جرى على إثرها اعتقال العشرات على ذمة التحقيق.

    وكان شهر أغسطس 2007م حافلا بالحراك الجماهيري والمسيرات والاعتصامات في لحج والضالع وعدن، ونتيجة مواجهة الدولة لهذه الفعاليات صرح العقيد ناصر النوبة –قُبيل اعتقاله- أن الحكومة أعلنت الحرب على نفسها وأن الخيار القادم هو الجبال والطرق التي تربط المحافظات! داعيا جميع المعتصمين إلى تشكيل قيادات لهم كل في محافظته للبدء بتفيذ هذا الخيار الذي أعلن عنه.[52]

    لكن الجدير ذكره أن هذه الفعاليات تضمنت ترديد شعارات مناهضة للوحدة ولنظام علي عبدالله صالح، ومؤيدة لابن شحتور -الذي أعلن تمردا بجبال أبين وتوعد بحرب عصابات ضد من أسماهم الغزاة الشماليين وطردهم من الجنوب.

    وفي أول رد فعل لجمعية المتقاعدين بالضالع للتوجيهات الصادرة عن رئيس الجمهورية، والقاضية بإعادة جميع المتقاعدين إلى العمل من جديد مع صرف جميع مستحقاتهم المالية والترقيات لرتبهم العسكرية والمدنية، اعتبرت الجمعية المتقاعدين من خلال بيان صادر عنها في ٨/٨/2007م أن مشكلة المتقاعدين لا تنحصر فقط بمطالب الرواتب أو قطعة الأرض أو السيارة بل "بالإحساس للإنتماء الوطني والناتج عن غياب المواطنة المتساوية"! مطالبين بإعادة جيش "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" الذي قضي عليه في حرب 1994م "بكافة تشكيلاته وكوادره"! وهذا لا يخرج عن مطالب العميد ناصر النوبة -رئيس مجلس تنسيق جمعيات المتقاعدين- في مهرجان الضالع الذي أقامته جمعية المتقاعدين بالضالع في 24/7/2007م بأن مطالبهم هي "حقوق مواطني جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بما فيها حقهم الشرعي والقانوني حسب اتفاقيات الوحدة أكتوبر 1972م بالقاهرة، ونوفمبر 1989م في عدن، والتي تنص على إجراء استفتاء لأبناء الجنوب عند الرغبة في إعلان الوحدة.

    وقد كشف العقيد المتقاعد سعيد بن شحتور عن وجود تنسيق عسكري مع كبار القادة العسكريين لدعم حركته، وأكد في حديثه له لموقع "عدن برس" عن طرحه لخيارين: إما صيغة جديدة للوحدة تعيد (حقنا وهويتنا كجنوبيين)، وإما خيار الكفاح المسلح! معتبرا أن شركات الشماليين –بما فيها شركات النفط- ستكون هدفا مشروعا ومباشرا (لنا كجنوبيين)! وأكد وجود اتصالات مع "قوى فاعلة ومسئولة ونشيطة في الداخل والخارج"، لكنه رفض تسميتهم![53]

    وهكذا أخذ الحراك الجنوبي ينحو نحو التطرف في الشعارات والمطالب ففي 1/12/2007م وأثناء مسيرة تشييع جثمان قتلى مواجهات منصة ردفان رُفعت أعلام لدولة الجنوب سابقا. وفي فبراير 2008م أقيم مهرجان جماهيري بمديرية الحصين شرق مدينة الضالع، ورُفعت فيه أعلام دولة الجنوب. وفي مارس 2008م قام متظاهرون في الضالع بوضع عدد من البراميل في منطقة (سناح) -حدود الشطرين سابقا- كناية عن نقاط التفتيش الحدودية، والشيء ذاته حدث في مهرجان مشابه في منطقة كرش بمحافظة لحج، حيث قامت مجموعة من المشاركين بوضع براميل في منطقة (الشريجة) –تحمل المدلول ذاته.

    وذكرت بعض المصادر أن هناك تجمعات مسلحة يتم إعدادها في معسكرات سرية، استعدادا للمواجهة وتحرير الجنوب –حسب تعبير المنتسبين لهذه المعسكرات! وقد جرى توزيع سيديهات تتضمن تصويرا حيا لبعض التدريبات الميدانية على الأسلحة لمجموعة من الأشخاص الذين يرفعون علم الجنوب اليمني.

    ويطالب هؤلاء أن يتم الحل عبر حوار مباشر بحضور مندوبين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة!

    فالحراك فيما يبدو يتجه نحو التصعيد والذهاب بالأوضاع إلى الانفجار والمواجهات المباشرة مع السلطة.

    الاحتمال الثالث: تراجع الأزمة وعودة الأمور إلى الاستقرار في حال تمَّ تلبية مطالب الخارج واستحقاقات الداخل وتقاسم المصالح مع القيادات الفاعلة في القضية.

    ولكل من هذه الاحتمالات حظ من الوجاهة وقدر من الواقعية، إلا أن الاحتمال الأقرب هو تصعيد الأزمة كونه يخدم مصالح عدد من اللاعبين داخليا وخارجيا.

    وهناك تخوف من أن ينهار النظام السياسي بصنعاء بشكل مفاجئ وبالتالي تتحول البلاد بصورة عامة إلى حالة من الفوضى والقتال وضياع الأمن وانهيار الاقتصاد، كما حصل في بعض الدول الأخرى!

    ختاما..

    فإن اللافت للناظر في أحوال اليمن غياب دور القوى الوطنية الحقيقية في تشخيص البلاء وتوصيف الواقع والخروج بحزمة من الحلول والمعالجات التي يجب أن تتبناها القيادات السياسية والدينية والاجتماعية وتحيلها إلى مشروع جماهيري يلتف حوله كافة أبناء الشعب اليمني، بحيث يراعي مصالحهم العامة ويدافع عن حقوقهم، ويرد المظالم إلى أهلها، ويفسح المجال لحياة كريمة آمنة ومجتمع متحد يسوده العدل وتحكمه الشريعة ويكون الأمر فيه شورى.

    إن جميع الأحزاب الحالية كانت جزءا من الأزمات المتتالية، قديما وحديثا، وهي التي أوصلت اليمن إلى هذا المستوى من التمزق والتشرذم الفكري والسياسي والمذهبي، وأضعفت أداء الدولة في ظل الكيد المتبادل، وأكلت مقدراتها في ظل التنافس المحموم بينها، وأفسدت عملية النمو والتطوير بصرف الطاقات البشرية إلى جهود عابثة وصراع لا نهاية له، وأدخلت البلاد في أزمات حصدها المجتمع كوارث وفقر ودماء.

    لذا فمن الضروري أن تبادر قوى جديدة حية ونقية وذات ولاء حقيقي لمجتمعها، أمينة على مصالحه، ووفية لمبادئه، تتحمل مسئولية الإصلاح والتغيير مهما كلفها الأمر من تضحيات وبذل.. وليس لدي شك في أنها ستجد في أهل اليمن قلوبا (لينة) وعقولا (حكيمة).

    -----------------------------------

    [35] مأرب برس، في 2/8/2007م، كما أنه اعتبر في حوار له مع قناة "دبي"، أن هناك خيرين لا ثالث لهما إما الحفاظ على الوحدة والنظر إليها "باعتبارها شراكة وطنية"، وإما مواجهة هذه الاحتجاجات ما يعني تعقيد المشكلة وإكثار اللاعبين. نقلا عن صحيفة "أخبار اليوم"، في 29/1/2008م.

    [36] صحيفة الغد، في 13/4/2008م.

    [37] في سبيل إقناع المجتمع الدولي بمسألة الاستفتاء على الوحدة، أعلن حيدر أبو بكر العطاس عن أن الاشتراكي أخطأ بإقدامه وتوقيعه على اتفاق الوحدة دون الرجوع إلى الشعب عبر استفتاء عام، وهو الشيء ذاته الذي أشار إليه سالم صالح محمد في برنامج (زيارة خاصة للجزيرة)، وتعلو حاليا تصريحات زعامات الحراك الجنوبي النابذة للوحدة باعتبارها وحدة بين حزبين لم تكن فيها الإرادة الشعبية متوفرة!

    [38] تطالب المعارضة الخارجية برعاية إقليمية ودولية لأي جهود لحل أزمة الجنوب، أو الحوار بشأنها مع السلطة، على غرار رعاية قطر للوساطة بين الدولة والحوثيين!

    [39] سبق للنائب صلاح الشنفرة –قيادي جنوبي- أن هدد -في اتصال هاتفي لأخبار الساعة- بإعلان الثورة والكفاح المسلح في كل جبال الضالع وردفان ويافع، في ظل الحصار الذي وقع عليها! انظر: www.soutalgnoub.com، في 4/4/2008م.

    [40] إن أكثر ما يتخوف له الحزب الاشتراكي موقف الحركات الإسلامية السلفية والجهادية من إعلان أي بوادر عمل مسلح باتجاه الانفصال، وقد تواصل مع عناصر مختلفة من هذه التيارات لاستبانة مواقفها من القضية.

    [41] سالم صالح محمد، لبرنامج زيارة خاصة، الجزيرة، في 13/1/2006م

    [42] صحيفة الميثاق، في 11/4/2008م.

    [43] موقع القناة، في 11/7/2008م.

    [44] صحيفة الأيام، في 18/7/2007م.

    [45] صوت الجنوب، في 25/11/2007م.

    [46] من مواليد 25 أكتوبر 1959م بمحافظة لحج. عمل دبلوماسيا في قسم الأمم المتحدة في وزارة الخارجية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ساند الانفصال وكان له دور مهم في قيادة العمل السياسي المعارض في الولايات المتحدة مع عدد من كوادر الحزب الاشتراكي هناك، في إطار المركز العدني الأمريكي وموج، واليوم يقود فرع التجمع الديمقراطي الجنوبي تاج.

    [47] في حوار مع منتديات "صوت الجنوب"، في 18/9/2007م.

    [48] اليمن ومعركة التمديد للرئيس... ثلاث رؤى تتصارع على المستقبل!، نقلا عن صحيفة الأهالي، في 23/10/2007م.

    [49] عدد 655، في 28/2/ 2006م.

    [50] صحيفة النداء، في 13/12/2007م.

    [51] الشورى نت، في 5/8/2007م.

    [52] المستقلة نت، في 2/8/2007م.

    [53] "عدن برس"، في 29/5/2007م.

    جميع الحقوق محفوظة لموقع مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث










      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 فبراير 2017 - 19:30