hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الحركة الإسلامية بين المشددين والمبشرين.. دراسة عميقة

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الحركة الإسلامية بين المشددين والمبشرين.. دراسة عميقة

    مُساهمة  Admin في الخميس 14 يوليو 2011 - 20:44

    الحركة الإسلامية بين المشددين والمبشرين.. دراسة عميقة
    فتحي يكن


    السؤال :
    كما تعلمون أن الأمة الإسلامية تمر بتحديات كبيرة على المستوى المحلي، وكذلك على المستوى العالمي والدولي، وذلك يستوجب من الحركة الإسلامية التأمل الفاحص للمشكلات التي تعصف بها، ووضع البرامج العملية لحلها حتى لا تتعطل المصالح وتفوت بعض الفرص.
    بناءً على ذلك لدي مشاهدة لواقع الحركة الإسلامية ألا وهي أن هناك بوادر لظهور مدرستين في داخل الحركة المدرسة الأولى وهي:
    المدرسة الانتقائية، والتشديد في الانتقاء بحكم فترة الفتن التي تعصف بالأمة بصفة عامة وأن القاعدة لابد أن تكون أكثر صلابة في هذه الفترة، وكذلك بناءً على التراجع النوعي في أبناء الحركة.
    والمدرسة الثانية هي مدرسة التبشير، أو ما يسمى في فقه المراحل بالمرحلة الجماهيرية، والتي تقوم على مبدأ أنه لابد من أبناء الحركة أن ينطلقوا ويقودوا الجماهير في هذه الفترة التي كثر فيها الناعقون باسم الدين.
    إخواني الأعزاء؛ ما أريد أن أصل إليه هو، أي المدرستين أولى بالتطبيق في هذا الوقت؟ وهل هناك آلية معينة لسير المدرستين في خطين متوازيين؟


    المستشار : د. فتحي يكن
    الأخ الكريم هاني؛
    أخي الكريم ... حفظك الله..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛
    فقد كنت وضعت -منذ فترةٍ قصيرة- دراسةً ذات صلةٍ مباشرةٍ بالإشكالية التي طرحتها في رسالتك.. آمل أن يكون فيها ما يفي بالغرض ويحقق المأمول بعون الله تعالى.

    تتجاذب الساحة الإسلامية مدارس وتيارات كثيرة، ولسنا نريد أن نتناول هذه المدارس والتيارات إلا من زاوية موقعها وحدود قربها وبعدها، من نهجَي "النخبوية والجماهيرية"، كما لا تدخل في إطار هذا البحث المدارس والتيارات التي لا تحمل مشروعًا تغييريًا كاملاً.

    وفي ضوء كل ذلك يمكن تحديد ثلاثة محاور أساسية، تمثل ثلاث مدارس حركية تتقاسم ساحة العمل الإسلامي على امتداد العالم.

    * المدرسة الأولى:

    تجمع بين النخبوية والبنيوية والجماهيرية، ولقد أسس هذه المدرسة الإمام الشهيد حسن البنا في الأربعينيات في أعقاب عدد من المدارس الإسلامية الإصلاحية، كانت أبرزها مدارس الأفغاني وعبده والسيد رشيد رضا.

    * والمدرسة الثانية:

    اصطفائية المنحى، نخبوية التشكيل، أسسها الفكر المثالي الذي طرحه الشهيد سيد قطب في الستينيات، حيث كانت الحركة الإسلامية تتعرض لمحنة ضارية جاوزت في بشاعتها كل التصورات، وتكاتفت على تنفيذها السلطة الحاكمة في مصر آنذاك وقتها والأجهزة العسكرية البريطانية المتحكمة فيها.

    * أما المدرسة الثالثة:

    فهي عُلمائية جماهيرية، شكلتها أفكار وطروحات الثورة الإسلامية في إيران، وبخاصة أفكار قائد هذه الثورة الإمام الخميني، وهذه المدرسة تقضي بوجوب اشتراك الجماهير بدور أساسي وفعال في نطاق التغيير الإسلامي، وأن العلماء يجب أن يضطلعوا بقيادة هذه الجماهير وبقيادة العملية التغييرية برمّتها.

    كان الإمام البنا يؤمن بوجوب "التغيير الإسلامي" ويخطط له ويدعو إليه، ولكنه كان يرى أن عملية التغيير لا بد أن تمرّ أولاً بمرحلةٍ يتحقق فيها تكوين جيلٍ مسلمٍ قادرٍ على تحمّل تبعات التغيير من قبل ومن بعد.

    كان يؤكد على أهمية "النوع" في عملية التصدي لحالة البعد عن شريعة الله، ويشترط فيمن يرشح لهذه المهمة صفات محددة لا تساهل فيها ولا مناص منها.. ولقد بدا ذلك جليًا من خلال تصويره لهذه الطليعة النوعية، حيث يقول مخاطبًا الجيل الأول من أبناء الحركة: "إنكم روحٌ جديدٌ يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونورٌ جديدٌ يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوتٌ داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم".

    بل إنه يشترط للقيام بعملية التغيير شروطًا محدودةً وواضحة، تتمثل في قيام كيانٍ حركيٍّ على مستوى عالٍ من الأهلية الإيمانية والفكرية والخلقية والبدنية، حيث يقول: "وفي الوقت الذي يكون منكم ثلاثمائة كتيبة، قد جهّزت كل كتيبة نفسها: روحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعلم والثقافة وجسميًّا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحر، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل جبارٍ عنيد، فإني فاعلٌ إن شاء الله.

    إن هذا النهج الموغل في إعداد طليعة التغيير إعدادًا متميزًا ليس بالطريق السهل أو الميسور، إذ تكتنفه الصعاب على كل صعيد، وقد تدخله الظروف المختلفة في دوامة من الانغلاق ومن ثم التآكل.. وهذا ما جعله نهج الخاصة، بل خاصة الخاصة، حيث لا يطيقه عامة الناس، ولا يصبر عليه إلا ذو حظ عظيم.

    ومن ميزات هذا النهج أنه ثابت المنحى، وئيد الخطى، لا تستثيره الأحداث العابرة، ولا تخرج به عن مرسوماته العواطف الثائرة.. وهذه الصفة -وإن كانت إيجابية في كثير من الأحيان- إلا أنها قد تكون معيقة في أحيان أخرى، حيث يتوجب التفاعل مع الحدث، وتجاوز الروتين، وتخطي ما هو مرسوم، من أجل اهتبال فرصة واغتنام سانحة، وبخاصة حين تكون الظروف المحيطة المحلية والإقليمية والدولية تمرّ بحالة من المتغيرات كالحالة التي يعيشها العالم اليوم.

    ولقناعة الإمام البنا بهذا النهج نسمعه يخاطب شباب الحركة في المؤتمر الخامس فيقول: "أيها الإخوة، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم: اسمعوها مني كلمةً عاليةً داوية، من فوق هذا المنبر، في مؤتمركم هذا الجامع.. إن طريقكم هذا مرسومةٌ خطواته، موضوعةٌ حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها.. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة، والجد والعمل الدائب؛ فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرةً قبل نُضجها، أو يقطف زهرةً قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخيرٌ له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات؛ ومن صبر معي حتى تثمر البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف، فأجره على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة".

    * نهج البنا اصطفائي جماهيري:

    وبالرغم من الموقف المتشدد والثابت الذي يسجّله البنا في بداية التأسيس حيث صياغة البنية التحتية للحركة، فإن النهج الذي اعتمده رحمه الله كان يجمع بين الاصطفائية والجماهيرية، ولكن مرورًا بالتنظيم، فلم يكن اصطفائيًا بلا حدود، ولا جماهيريًا بلا قيود.

    إلا أن استشهاد البنا قبل اكتمال المشروع التغييري للحركة، ثم تعرّض الحركة من بعده لمحن ضارية تفوق كل وصف، أوغل بها في عمق الاصطفائية، بل جعلها اصطفائية بلا حدود، وبخاصة في بلد المنشأ، الأمر الذي دفع بالحركة في بعض الأقطار باتجاه النهج الجماهيري، ولو بشكل منفرد كالسودان على سبيل المثال.

    وقبل أن نوغل في التأكيد على أن نهج الإمام البنا كان جماهيريًا إلى جانب الاصطفائية، كان لا بد من استكشاف الأسباب التي دفعت بهذا النهج إلى ذروة الاصطفائية.

    * القطبية خلفية النهج الاصطفائية:

    لقد كان للفكر الذي طرحه الشهيد سيد قطب الأثر الأكبر في دفع الحركة الإسلامية باتجاه النهج الاصطفائي في الستينيات، فالحركة في تلك الفترة كانت في مواجهة محنةٍ عاتية.. قادتها يساقون إلى المشانق، وشبابها يرسفون في الأغلال، حيث تمتلئ بهم السجون والمعتقلات؛ كل ذلك كان قائمًا دون أدنى استنكار من خاصةٍ أو عامة، بل إن السلطة تمكنت من تعبئة الجماهير ضد الحركة.

    في هذا المناخ بالذات ولد الفكر الاصطفائي لدى سيد قطب كتعبير وجداني عن الظلامات التي تعاني منها الحركة، وكإشارةٍ إلى عدم جدوى "الكم" في عملية التغيير الإسلامي، وإلى ضرورة الاهتمام بالنوع.

    ومن هنا توالدت التيارات والاجتهادات القطبية والجهادية والتكفيرية.. الخ، وتباينت وتعددت المذاهب الحركية المتطرفة سلبًا وإيجابًا.. فهذا فريقٌ يدعو إلى عدم التعايش مع المجتمع "الجاهلي" وإلى مقاطعته، وآخرٌ يدعو إلى العزلة المكانية أو العزلة الشعورية ويعتبر أن عملية التربية لا يمكن أن تكون ناجحة ما لم تمارس بعيدًا عن هذا المجتمع وآثاره وضغوطه الفكرية والنفسية.

    والحق يقال: إن هذه الفترة شهدت ولادة ونموّ وترعرع النهج الاصطفائي على امتداد الساحة الإسلامية وفي معظم الأقطار، بالرغم من المحاولات التي بذلت لإعادة الأمور إلى نصابها، والتذكير بالثوابت التي تركها الشهيد البنا، وبأن الفكر الجديد إنما هو وليد ظروف قاسيةٍ وردةٍ فعلٍ نفسيةٍ على ضراوة التحدي والاضطهاد الذي واجهته الحركة الإسلامية وواجهه أصحابها، وقد يكون منسجمًا مع القاعدة التي لا تنكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، أو ما يسمى بفقه المرحلة.

    * من حصاد النهج الاصطفائي:

    والحقيقة أن النهج الاصطفائي –أيًّا كانت خلفياته وأسباب ومبررات نشأته– تسبب بوقوع الكثير من السلبيات، وبروز العديد من الظواهر المرضيّة في ساحة العمل الإسلامي، من ذلك:

    - أدى إلى عزل الحركة عن الشارع بذريعة الاستبراء والتنزه والتنظف وعدم التأثر بلوثاته وأجوائه الموبوءة، مما جعل جماهير هذا الشارع بعيدةً عن الإسلام منفعلةً بأطروحات خصومه، وبالتالي أدى إلى إبعادها أكثر فأكثر عن دائرة الحياة الإسلامية نظريًّا وعمليًّا.

    - أدى إلى دوران أصحاب هذا النهج حول أنفسهم ضمن أفق تربوي تقليدي تراتبي، ليست له أبعاد وأهداف عامة أو مشاريع وخطط تغييرية، أو علاقةٍ يوميةٍ بالأحداث والقضايا والهموم اليومية التي تعيشها الأمة.

    - أدى إلى نشوء تيارات إسلامية لملء الفراغ الجماهيري الكائن على ساحة العمل الإسلامي، كانت في معظمها رِدات فعلٍ غير مدروسة، ما لبثت أن تراجعت وانحسرت، مخلّفة وراءها كثيرًا من الآثار السلبية والظواهر المرضية، على مجمل الساحة الإسلامية.

    - أدى كذلك إلى انشغال رجال الصفوة ببعضهم البعض بدل أن ينشغلوا جميعًا بمن يكيد لهم ويتآمر عليهم، بذريعة استخلاص الصف وتصفيته من العناصر المريضة والعليلة، وهذه قضية إن بدأت فإنها لا يمكن أن تتوقف أو تنتهي، ففي كل يوم يمكن العثور -في المنطق الاصطفائي- على مجموعةٍ من الأفراد كانت إلى فترةٍ قريبةٍ في المستوى المطلوب، واليوم لم تعد كذلك، لاعتباراتٍ وظروف جعلتها اليوم غير مقبولة، وهي يمكن أن تجعل المقبولين اليوم مرفوضين غدًا، وهكذا دواليك.

    - وأدى أيضًا إلى وقوع أصحاب النهج الاصطفائي في أخطاء نوعية، قد لا تكون مألوفة لدى العامة والجماهير، ومن يتتبع ما وقعت فيه بعض هذه الفئات كفئة "التكفير والهجرة" في مصر يرى العجب العجاب.

    * التحدي الأعزل:

    هذا النهج الاصطفائي الذي نشأ في الخمسينات كان صراعيًّا مثاليًّا يؤمن بالقوة، ويدعو أصحابه إلى التحدي ومواجهة طواغيت الأمة وجلاديها، ولكن بالموقف النوعي.. باستعلاء الإيمان، ولا مانع أن يكون كل ذلك فرديًّا، كموقف صالح سرية و كارم الأناضولي و خالد الإسلامبولي ونحوهم.

    لم يكن هذا النهج ليعوّل على جماهير الأمة في شيء.. لم يكن ليشركها في عملية التحدي ومواجهة الطغيان وتحقيق التغيير الإسلامي.

    كان المطلوب الموقف النوعي الجريء ولو لم يتحقق نتيجة ذلك شيء.. كان المطلوب ترجمة المقولة النبوية: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله) رواه الحاكم وصححه الألباني.

    كل هذا جيد، إنما الأجود من ذلك أن يكون التحدي وأن تكون التضحية ضمن مشروع متكامل، وفي نطاق خطة يتحقق بنتيجتها بلوغ الأهداف المنشودة والآمال المعقودة.

    والأجود من كل هذا وذاك أن تكون للحركة جماهيرها المتفاعلة معها، الواثقة بها، المتفانية في سبيلها، التي تشكل سورًا منيعًا من حولها، سدًّا يقف في وجه أعدائها.

    إنه لا يجوز بحال أن تكون الحركة معزولة عن الشعب، وقوتها الذاتية –مهما بلغت– لا يمكن أن تكون كافية لحمايتها، بل يجب أن تكون محاطةً ومحميَّةً من قواعد شعبيَّة، تشكل حاجزًا منيعًا دون وصول القوى المضادة إليها والنيل منها.

    إن استيعاب الحركة الإسلامية للجماهير الشعبية يجب أن يكون في حساباتها وحسبانها منذ البداية.. تلاحظه وهي تفكر وتخطط وتنظم وتربي، وفي كل خطوة من خطواتها.

    يجب أن يتوالد الشعور في التنظيم الاصطفائي بأنه جزء من الأمة، وأن أيّ جهد يقدم لها سيناله منه نصيبٌ من الخير وفير.. وأن التنظيم الاصطفائي، بالغ ما بلغ من القوة الذاتية، لا يمكن أن يحقق عملية التغيير ما لم يصبح هذا التنظيم حيًّا في وجدان الأمة وواقعها، وما لم يتمثل حركةً يوميَّةً في حياة الجماهير المسلمة وواقعها.

    ومن أخطر المسالك على الحركة الإسلامية –أية حركة إسلامية– انطواؤها على نفسها، وانقطاعها عن محيطها، وانشغالها بالجزئيات والهوامش عن قضايا المسلمين المختلفة، ابتداءً من لقمة العيش إلى تحرير الأوطان ومجاهدة العدو.

    بل إن باطل ما يتذرع به المتذرعون في هذا المجال هو اعتبار العزلة أدعى إلى نجاح العملية التربوية واستكمال الخصائص الإيمانية، والحقيقة أنهم في كل ذلك واهمون، وأنهم لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم جاهلون.

    إن الجيل الإسلامي الأول كانت تربيته في ميدان الصراع، وفي زحمة الحركة اليومية، وفي وسط التدافع والاندفاع والتحدي.. والشخصية التي تربيها التجارب أقدر على العطاء وأنجح في مخاطبة الناس واستقطابهم وقيادتهم، وهي أقدر على مواجهة المشكلات وتجاوز المصاعب والعقبات.

    * ملامح النهج الاصطفائي:

    للنهج الاصطفائي ملامح كثيرة، إلا أننا سنتناول في هذا المقام أهمها وأبرزها:

    1- علانية العمل وسرية التنظيم:

    فالنهج الاصطفائي يحرص حرصًا شديدًا على إحاطة كوادره التنظيمية والإدارية بالسرّية، متذرّعًا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية، وبأحاديث نبوية، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان) رواه الطبراني وصححه الألباني، ومتذرعًا كذلك بالظروف الأمنيّة التي تحيط بالساحة الإسلامية، وهي لا تخفى على أحد.

    وهذه الصفة - بالرغم من كونها مفيدةٌ جدًّا في دفع الضرِّ عن الحركة وأبنائها إلا أنها -من جانبٍ آخر- مضرّةٌ وقاتلة، لأنها تؤدي إلى عزل الحركة وأفرادها عن حركة الجماهير اليومية، كما إن من شأنها أن تغيّب مرجعيّة الحركة عن قيادة الأمة الميدانيّة.

    إن الحركة الإسلامية كي تأخذ دورها في قيادة الجماهير، لا بدّ لها من مرجعيَّةٍ بشريَّةٍ وعناصر قياديَّةٍ تعيش مع الناس، متحسّسة قضاياهم، متبنّية شؤونهم، حاملة همومهم؛ وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالحضور القيادي الدائم ومواكبة الأحداث اليومية وتلبية متطلباتها.

    صحيحٌ أن المحافظة على أمن الحركة وأمن أفرادها هو مطلب شرعي، إلا أن حمل الدعوة والمجاهرة بها وخوض الصراع من أجلها وتحمّل العنت والبلاء في سبيلها، هو المطلب الشرعي الراجح وغيره المرجوح.

    وإذا كان من شأن السرّية المطبقة أن تحبط العمل وتغيّب العاملين، بحيث تتوقف الدعوة وتنعدم الحركة ويؤول مقاد الجماهير إلى القوى المعادية والتنظيمات والقيادات المنحرفة، يصبح الأمر هروبًا من الزحف وانكفاءً عن الموقع الأصيل للحركة.

    وثمة نقطة هامة في هذا النطاق، وهي أن المعاناة جزءٌ من المنهج التربوي القرآني، واللازمة التي تكررت على طريق النبوات والدعوات على امتداد التاريخ، وصدق الله تعالى حيث يقول: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب)، ويقول: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين).

    إن الإيغال في السرّية كالإيغال في العلنيّة سواءً بسواء، والمطلوب فعل ما يتوجب فعله وكشف ما يتوجب كشفه، والحكمة ضالة المؤمن.

    أعرف حركةً إسلاميَّةً في بلدٍ اعتمدت السرّيَّة حتى غدت بلا مرجعيَّةٍ ومن غير دعاةٍ يعيشون بين الناس، ينقلون أفكارها ومواقفها ويجمعون الناس حولها.. هذه الحركة عاشت في وجدان الناس ولم تعش في واقعهم، في وقت كانوا بمسيس الحاجة إلى من يملأ واقعهم ويقود بالإسلام حياتهم، ويوم عزفت هذه الحركة عن قيادة الجماهير بالإسلام، تصدّى للقيادة أناس ليسوا على شيءٍ من الإسلام، فساءوا وأساءوا، وفي غفلة أهل الحق يرتع أهل الباطل.

    2- سلبية التعامل مع المبادرة الفردية:

    إن ارتباط الفرد بالحركة الإسلامية يجب أن لا يعطّل لديه المبادرات الفردية، بل يجب أن يفعلها ويرشدها ويسددها، والواقع يشهد خلاف ذلك تمامًا في إطار الحركات الاصطفائية، فبينما يكون الفرد خارج إطار التنظيم الاصطفائي معطاءً، يصبح بعد انتظامه معطَّل الطاقة، عقيم الإنتاج، معدوم الأثر والعطاء.

    وهذا إن دل على شيءٍ فإنما يدل على المحاصرة الحركية، وقسوة الروتين، وتراكمية الواجبات التنظيميَّة التي تواجه الفرد.

    إن الحركة التي لا تطلق لأفرادها المبادرات الذاتية –أخطأوا أو أصابوا– وتمارس الحجر عليهم والتضييق بألف ذريعةٍ وذريعة، لا يمكن أن تنجب جيلاً قويًّا قادرًا على مواجهة مشكلات الحياة بقوةٍ وخبرةٍ وحنكة، بل لا يمكن أن تهيئ النماذج القياديَّة المتكافئة مع المسؤوليات الضخمة التي تحتاجها ساحة العمل الإسلامي.

    نحن وإن كنا مع التخطيط الجماعي، والعمل الواعي، والتنظيم الضابط للأفراد، إلا أننا كذلك مع إطلاق يد الفرد ضمن إطار دائرته ومسؤوليته وصلاحيته، لأنه من هنا تبدأ دورة تخريج القادة، حيث يستشعر الجميع المسؤولية، ويمارسون أدوارًا معيّنةً من أدوار القيادة، ومن هنا ينمو العمل ويكبر، وتتعاظم الخبرات والتجارب.

    والحركة التي لا تمنح أفرادها هذه الثقة تنظيميًّا تدفعهم دفعًا إلى تجارب فرديَّةٍ غير تنظيميَّة، في محاولةٍ منهم غريزيَّة لإثبات الذات والجدارة.

    ولكَم تعدّدت على ساحة العمل الإسلامي الاصطفائي هذه الظواهر، من خلال مبادرات ومشاريع فردية دفع بها ضيق التنظيم بأفراده وبما لديهم من إمكانات وطموحات خارج التنظيم.. ولكَم كانت قاتلة بعض تلكم المبادرات الفردية.

    3- غلوّ التدخل في تفصيلات حياة الفرد:

    ومن ملامح النهج الاصطفائي تدخّله في تفصيلات حياة أفراده وملاحقته لهم بالمراقبة والمحاسبة، وهذا إن بدا للوهلة الأولى أنه إيجابيٌّ ومفيد، إلا أنه على إطلاقه سلبيّ ومعيق، ومسبّب لكثير من الإشكالات والخلافات على كل صعيد.

    إن مجتمع الدعوة الأول لم يشهد هذه الظاهرة إطلاقاً.. كان المطلوب من المسلمين عدم تتبع عورات بعضهم البعض، وعدم استكشاف تفصيلات حياة بعضهم البعض؛ كان المطلوب التماس الأعذار لا العيوب؛ بل كان المطلوب النصح لا التشهير، والبناء لا التهشيم والتدمير؛ كانت سياسة السلف لا تخرج بحالٍ عما قاله أحدهم: "ألتمس لأخي من عذرٍ إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرًا آخر لا أعرفه".

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن دائمًا أن: (كل بني آدم خطاء) رواه ابن ماجه، وقال الألباني حديث حسن، وأن المجتمع الإسلامي مجتمع يتطلع إلى الأمثل والأفضل، ولكن لا يمكن أن تنعدم فيه المعصية ويبرأ من الخطيئة.

    إن الحركة الإسلامية حركة تربوية رسالية جهادية وليست محكمة قضائية أو جهازًا استخباراتيًّا، وأعضاء الحركة والذين يتصدّرون صفوفها يجب أن يكونوا دعاة لا قضاة ومجاهدين لا فلاسفة.

    4- الانشغال بقضايا التنظيم عن شؤون المسلمين:

    ومن الظواهر التي أصبحت ماثلة للعيان في العمل الاصطفائي، الانشغال بقضايا التنظيم ولو كانت قضايا الأمة وشؤون المسلمين خطيرة وهامة وجوهرية، إن هذه الظاهرة من شأنها أن تحوّل فاعلية التنظيم الاصطفائي إلى الداخل بدل أن تحوّلها إلى الخارج، دعوة للمسلمين ومواجهة لأعدائهم؛ كما أنها تصيب الحس العام بالشلل، وهذا ما يتناقض بالكلية مع النهج الإسلامي الأصيل الذي يجعل الاهتمام بالمسلمين من مقوّمات القربى إلى الله: (الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إليه أنفعهم لعياله) قال الألباني حديثٌ ضعيفٌ بالاتفاق، والذي يبرأ من أولئك الذين لا يحملون شيئًا من هموم المسلمين: (من أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم) رواه الحاكم، وضعَّفه الألباني.

    إن التنظيم وسيلةٌ لا غاية.. وسيلة لتوجيه وتنظيم العمل بين المسلمين وليس فقط بين المنتظمين؛ إن هذه الوسيلة يجب أن تحقق انفتاح الحركة على الجماهير وحبها لهم، واهتمامها بهم، وسهرها على مصالحهم وقضاياهم.. وكل تحول عن هذا المسار لا يعني إلا إضاعة الهدف، واستنزاف الجهد، والدوران الدائم في دوامة من الانغلاق ومن ثم التآكل، والبقاء على هامش حياة الأمة، وعدم الوصول إلى قيادتها بحال.

    5- عدم استيعاب كل الأحجام:

    وثمة ظاهرة تفعل فعلها السلبي في إطار العمل الاصطفائي، هي ظاهرة انتقاء الأفراد ضمن مقاس واحد، وحجم واحد، وقالب واحد.. وقد يصل الأمر أحيانًا إلى درجة من الحرفيّة يصبح من الصعب بل من المستحيل التساهل في ذلك زيادةً أو انقصانًا.

    فبدل أن يكون لدى الحركة القدرة على استيعاب جميع المقاسات والأحجام والقوالب ما دام الحد الأدنى المطلوب متوفرًا، يصبح من المتعذر التعامل وبصورة خاصة مع من كبرت مقاساتهم، سواء على الصعيد الفكري والثقافي أو الاجتماعي والاقتصادي، أو السياسي والشعبي ولو كانوا صالحين، في حين يبقى التعامل مع المحدودين ولو كانوا أقل صلاحًا.

    ومن هنا يبدأ مسلسل خسارة الطاقات والإمكانات تحت ألف ذريعة وذريعة، على اعتبار أنها طاقات تجاوزت الحد المطلوب والقياس المحدد.

    فكم من أناس خسرهم التنظيم لمظنّة أنهم أصبحوا أكبر من التنظيم، نجحوا في العمل السياسي حيث أخفق الآخرون، وحلّقوا في مجالات العلم والتخصص حيث توقف الآخرون، أو التفّ حولهم الناس وأصبحوا في موقع الصدارة في حين فشل الآخرون.

    إن قوة التنظيم إنما تظهر من خلال القدرة على استيعاب كل الناس، وكل المستويات وكل الأحجام، ومن خلال توظيف هؤلاء جميعًا في مشروع واحد وضمن خطة واحدة.. مع حفظ مكاناتهم وإنزالهم ما يستحقون من منازل، وما أجمل ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله علية وسلم أن ننزل الناس منازلهم) رواه مسلم، وهذا ما جعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحفظون حق الناس ويقدّرونهم قدرهم فيقولون: "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا".

    والحركة لا يمكن أن تنمو وتكبر إلا عندما يقوى ويكبر أفرادها، وستبقى بالتالي صغيرة وضعيفة إن لم يمكنها المحافظة إلا على الضعفاء والصغار والمحدودين في كل شيء، ومن هنا كان دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة كما روي في بعض كتب السيرة: (اللهم أعزّ الإسلام بأحد العمرين)، بل من هنا كان تركيز الدعوة في بداية العهد المدني من قبل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ رضي الله عنهما، وهو زعيم من زعماء المدينة، وفي ذلك إشارة واضحة إلى الاهتمام بالنوع قبل الكم من اختبار الناس والاعتماد عليهم.

    6- ثقافة النخبة:

    وقد يكون من نافلة القول الإشارة إلى أن الثقافة التي يعتمدها النهج الاصطفائي هي ثقافة النخبة، وهذا ما كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى شيئين اثنين:

    الأول: ابتعاد النخبة عن العامة بدعوى الاستبراء والتطهر لما في مجتمع العامة من عيوب وانحرافات.

    الثاني: عدم قدرة النخبة على مخاطبة العامة لافتقار النخبة إلى مفردات الخطاب السياسي والاجتماعي والحكمة التي تحتاجها العامة.

    ينتج عن ذلك انعزال النخبة عن الجماهير وعدم الإطلالة عليهم والاحتكاك بهم إلا من خلال المناسبات والمقولات ذات الأبعاد الوجدانية والتاريخية والنظرية، والتي قد لا تلامس الواقع المعاش والمشاكل القائمة بشكل من الأشكال، والتي لا تؤثر في أصحاب الكفاءة والنوعية والفاعلية في المجتمع.

    إنه إن كان لا بدّ من طليعةٍ ونخبةٍ في العمل الإسلامي، فلكي تأخذ دورها في قيادة الجماهير واستيعاب الناس والتصدي لمشاكلهم، وإلا كانت طليعة من غير دورٍ ونخبةٍ لا شأن لها أو فاعلية في ساحة الصراع.

    7- الصنمية الجديدة:

    وثمة ظاهرة جديدة يفرزها النهج الاصطفائي في أفراده من غير قصد، هي ظاهرة الخلط بين الولاء لله والولاء للتنظيم وبين الدعوة للإسلام والدعوة للحركة.

    إن عملية التربية يجب أن تكون دقيقة ووفق مفاهيم شرعية تبيّن حدود كل ولاء، وأبعاد كل دعوة وانتماء، وكل تداخل بين الأمرين له عواقب وخيمة على العقيدة والفكرة والحركة، من ذلك:

    - أنه يدخل الفرد مداخل الشرك الأصغر، مما يحبط العمل ويذهب الأجر ويلحق الوزر، ولذلك لزم النظر مليًّا في قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا).

    - أنه يؤدي إلى ضعف البنية الحركيّة، حيث تكون مفرداتها قد التقت على الفروع لا الأصول، وخلطت بين الوسائل والأهداف، وتعلقت بالمظهر لا بالجوهر وبالقشور لا باللباب.

    - أنه يؤدي إلى إقامة الحواجز النفسيّة بين الحركة وبين غيرها، وبينها وبين سائر المسلمين ممن يجب أن تعتبرهم منها وفيها، وأن لهم ما لها وعليهم ما عليها.

    - إن الدعوة يجب أن تكون إلى الإسلام أساسًا، وإن التربية ينبغي أن تكون وفق أحكام الشريعة، والتربية الحركية والتنظيمية يجب أن تبنى لاحقًا على هذه الأسس حتى لا يصبح التنظيم مذهبًا والحركة صنمًا، كما هو قائم اليوم فوق مساحات واسعة من الساحة الإسلامية.

    8- ضمور الحس الاجتماعي:

    ومن الظواهر المرضيّة للنهج الاصطفائي ضمور الحس الاجتماعي لدى الأفراد، حيث إن التربية الفكرية والروحية تحتل المساحة الأكبر والأوسع لدى التنظيم وتدفع بشكل لا شعوري إلى العزلة الاجتماعية، لذلك كان لا بد من تربية اجتماعية توقظ الحس الاجتماعي وتفعّله وتجعل الداعية إنسانًا يعيش مع الناس ويعيش مشاكلهم وهمومهم، وإن من واجبه أن يكون منهم وإليهم، وهذا ما عبّر عنه الحديث الشريف أدق تعبير فيما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إليه أنفعهم لعياله) قال الألباني حديثٌ ضعيفٌ بالاتفاق.

    إن قيادة المجتمع بالإسلام واجتذاب الناس إلى الدعوة، لا يمكن أن يتحقق من خلال الوعظ والإرشاد وإيقاظ الوعي السياسي والفكري فحسب، بل لا بد لذلك –كذلك– من تفاعل اجتماعي بين الدعوة والجماهير، من شأنه أن يربط بينهما ربطًا مصيريًّا، من خلال الهموم الحياتية القائمة والمعايشة الصراعية معها.

    من هنا كانت التوجهات القرآنية الحاضّة على رعاية شؤون الأمة وتبنّي مشكلات الناس مقدّمة على غيرها من الاهتمامات: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)، (ليس البر أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين)، وهذا ما يجعل الشؤون الحياتية التي يعاني منها الناس على كاهل الحركة هماً من همومها.

    ** حركة البنا جماهيرية القاعدة اصطفائية القيادة:

    إن الذين يزعمون ويظنون بأن الحركة الإسلامية التي أنشأها الإمام حسن البنا حركة اصطفائية غير جماهيرية ولا عامة، جاهلون أولاً بطبيعة تلك الحركة أو ليسوا منصفين، بل هم مجانبون للحقيقة والواقع لأكثر من دليل، منها:

    - يرى الإمام البنا أن دعوته دعوة عامة وليست خاصة، فيقول في رسالة "دعوتنا": "نحب أن نصارح الناس بغايتنا، وأن نجلي أمامهم مناهجنا، وأن نوجه إليهم دعوتنا"، وليس في تعبير البنا وكلامه ما يشير إلى أن هذه الدعوة هي لفئة مختارة من الناس، وإنما هي لكل الناس بدون استثناء.

    - ويذهب الإمام البنا إلى أبعد من ذلك للتأكيد على أن دعوته لكل الفئات والمستويات والطبقات، على تنوّع مواقعها وأوضاعها الاجتماعية والأخلاقية والثقافية، ما دام لديها الاستعداد للتلقّي والانفعال بالخطاب الدعوي، فيقول: "بناءً على ما تقدم، ترى الجماعة أن دعوتها عامة لجميع الناس وليست خاصة بصفوة معينة من المجتمع، فهي لا تتحرج من ضم المقصرين في الطاعات، المقبلين على بعض المعاصي الخسيسة ما دامت تعرف منهم خوف الله واحترام النظام وحسن الطاعة، فهي تأمل في تربيتهم بداخلها".

    - والإمام البنا إلى جانب إعلانه أن دعوته لكل جماهير الأمة وقطاعات وصنوف الناس، يعلن أن الحركة مطلوب منها تحويل هذا الكم إلى نوع، وهذا بالتالي لا يلغي المنحى الجماهيري للحركة، وإنما يهيئ لهذا المنحى ما يحتاجه من ضبط وتوجيه واستيعاب.. فالعمل الجماهيري العام ما لم تتولّ قيادته صفوة من الخلق، لديها المقومات الفكرية والخلقية والعملية، يكون عملاً محكومًا عليه بالفشل الذريع، والشواهد من الواقع الإسلامي كثيرة، وبخاصة أن السنوات العشر الأخيرة كشفت بروز واختفاء تيارات إسلامية جماهيرية متعددة لافتقارها إلى نسبة مقبولة من النخبوية على مستوى القاعدة وعلى مستوى القيادة.

    - ومن هنا يفهم القصد في قول البنا رحمه الله: "ومن مهمة الجماعة تحويل عناصرها إلى صفوة بين الناس، لأنه لا يصلح لهذه الدعوة إلا من أحاطها من كل جوانبها ووهب لها ما تكلّفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته"، "على تفاوت بين العناصر في استعدادهم وإمكاناتهم والتزاماتهم".

    - والإمام البنا الذي يتوجّه إلى الجماهير كافة بدعوتها إلى العمل، ولأخذ مواقعها وتأدية أدوارها وتحمّل مسؤولياتها، لا ينسى أن يتوجّه إلى الخاصة من أصحاب المواقع والمسؤوليات الرسمية والنوعية وغيرها.. فإصلاح هؤلاء وصلاحهم يختصر الطريق إلى إصلاح الناس والمجتمع والأمة؛ وهو دليل على مدى عموميّة الدعوة وجماهيريتها لدى مؤسسها فيقول: "نتوجّه بدعوتنا إلى المسؤولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وندعوهم إلى مناهجنا، ونضع بين أيديهم برامجنا، ونطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم من غير مواربة أو مراوغة، فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم، وإن لجأوا إلى المواربة والروغان، وتستّروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة، فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها، حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحيين".

    - وفي الوقت الذي يدعو فيه الإمام البنا قادة الأمة وجماهيرها وأحزابها ونوابها وكل قطاعاتها ولا يغفل عن التنبيه دومًا إلى النسبة الاصطفائية التي يجب أن تستمر وتنمو ما دام العمل يتسع ويكبر ويتعاظم.. كان حريصًا –وللغاية– على حفظ التوازن بين دائرة الاتساع الجماهيري ودائرة التأصيل الاصطفائي، وكان في كثير من الأحيان يركز على أهمية دور النخبة في تحويل الكم إلى نوع، ومن ذلك قوله: "أنتم روح جديد يسري في جسم هذه الأمة فيحييه بالإسلام..".

    - وفي كثير من الأحيان نرى الإمام البنا رحمه الله يركز على ضرورة أن تكون الدعوة وأن يكون الدعاة مع الناس والجماهير والشعب، يتحسسون قضاياهم ومشاكلهم ويعيشون آلامهم وآمالهم، فيقول: "سنربّي شبابنا ليكونوا مع الشعب المسلم، وسنكون من بين هذا الشعب المسلم، وسنسير بخطوات ثابتة إلى تمام الشوط".

    - وحتى لا يترك الإمام البنا مجالاً للشك في أنه يعتزم إقامة حركة تقود الأمة وجماهيرها بالإسلام يقول: "يخطئ من يظن أننا (جماعة دراويش) قد حصروا أنفسهم في دائرة ضيقة من العبادات الإسلامية، كل همّهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح؛ فالمسلمون الأولون لم يعرفوا الإسلام بهذه الصورة ولم يؤمنوا على هذا النحو، ولكنهم آمنوا به عقيدة وعبادة، ووطنًا وجنسية، وخلقًا ومادة، وقانونًا وثقافةً وسماحةً وقوة، ونظامًا كاملاً يفرض نفسه على كل مظاهر الحياة، وينظم أمر الدنيا كما ينظم أمر الآخرة".

    - بل إن البنا يخرج بتوجّهه من عموميات الهمّ الإسلامي إلى مفرداته وتفصيلاته، فيقول: "اذكروا أيها الإخوة أن أكثر من 60 % من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان، ولا يحصلون على القوت إلا بشق الأنفس، وأن مصر مهدّدة بمجاعة ومعرّضة لكثير من المشكلات الاقتصادية، وأن في مصر أكثر من 320 شركة أجنبية تحتكر كل المرافق العامة وكل المنافع الهامة، وأن دولاب التجارة والصناعة والمنشآت الاقتصادية كلها في أيدي الأجانب المرابين، وأن مصر أكثر بلاد العالم المتمدن أمراضًا وأوبئةً وعاهات، وأن 90 % من الشعب المصري مهدّدٌ بضعف البنية وفقد الحواس، ومختلف العلل والأمراض، وأن المتعلمين لم يصل عددهم إلى الخمس.. وأن الجرائم تتضاعف وتتكاثر، وأن السجون تخرِّج أكثر مما تخرِّج المدارس، وأن مصر لم تستطع أن تجهّز فرقةً واحدةً من الجيش كاملة المعددات، وأن هذه الصور تتكرر في كل بلد من بلدان العالم الإسلامي، فمن أهدافكم أن تعملوا لإصلاح كل ذلك وتكوين مجتمع نموذجي يستحق أن ينتسب إلى شريعة الإسلام".

    - والإمام البنا -بعكس ما يذهب إليه الكثيرون ممن يعتبرون أنفسهم ملتزمين بخطه ونهجه- يدعو المرأة لتأخذ دورها كاملاً في إطار دعوته، متجاوزًا كثيرًا من العادات والتقاليد التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، فهو يعلن أن: "دعوته تعنى بالرجل عنايتها بالمرأة، وتعنى بالطفولة عنايتها بالشباب"، وأن الإسلام يسمح للمرأة بالمساهمة في النشاط الاجتماعي إذ كان العمل خيريًّا والوسط نسائيًّا، كما يسمح لها بالعمل في الوظائف إذا كانت هنالك ضرورة، كما يعترف بحقوق المرأة السياسية.

    ** خاتمة:

    إن اعتماد حركاتٍ إسلاميَّةٍ النمطَ الجماهيري، وصولاً إلى خلق تيارٍ إسلاميٍّ عام، وبتعبيرٍ خاص "نقل العمل الإسلامي من الحالة التنظيمية وجعله حالة شعبية"، قد يحمل من المخاطر ما يفوق المكاسب.. ولقد كان هذا المنحى قاسمًا مشتركًا بين حركاتٍ وليدةٍ وقريبة عهد بالتجربة الإسلامية، حيث كانت تأخذ على "الحركة الإسلامية" تشبّثها بالقيود التنظيمية، أو ما يسمى سياسة "التضعيف والتوثيق"، وبالتالي تمحور العمل في إطار التنظيم، علمًا بأن هذه الفئات تحوّلت بعد فترة قصيرة من قيامها إلى صيغة تنظيمية وبنية حزبية جديدة.

    والحقيقة أن اعتماد السياسة الجماهيرية منذ اللحظة الأولى لنشأة هذه الفئات لم يترك لها مجالاً لتكوين بنيتها التنظيمية وأجهزتها القيادية القادرة على ضبط وتوجيه الشرائح الشعبية الملتحقة بها.. والعمل الجماهيري يمكن أن يكون ناجحًا إذا أمكن ضبطه وترشيده واستيعابه.

    ولقد تسبب العمل الجماهيري –لدى هذه الفئات– إلى ولوج عناصر شتى إلى صفها، بل إلى مواقع مهمة وخطيرة فيها..

    - من هؤلاء من ليس لديه أدنى فهم للإسلام، حتى ما ينبغي أن يعرف من الدين بالضرورة.

    - ومنهم من دخل الساحة لغاية في نفسه، مادية أو سياسية أو أمنية.. إلخ.

    - ومنهم من كان عينًا عليها يرصد تحركاتها ويستطلع أسرارها ويسبر أغوارها.. وهكذا أصبح جمهور الساحة الإسلامية في فترة من الفترات، خليطًا متناقضًا متفاوتًا في ولائه للإسلام وللحركة، مما جعل "الجماهيرية" عبئًا على الحركة وعامل إيذاء يومي لها ولسمعتها، بل خطرًا على مصيرها.

    - إنه لابدّ للعمل الجماهيري من إمساك نخبوي للمواقع القيادية والتربوية والتنظيمية والمالية والسياسية، وإلا ضاعت الحركة وسهل اختراقها وتعثر سيرها وغدت بلا مكابح.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 8:42