hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    حوار هادئ مع من يحرم المظاهرات السلمية مطلقا

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حوار هادئ مع من يحرم المظاهرات السلمية مطلقا

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 10 أغسطس 2011 - 16:26

    أبي أحمد بن أحمد المعسكري

    إن الحمد لله، نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له. و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله. أمّا بعد:

    فقد جاءني شاب إلى بيتي فسألني عن حكم المظاهرات الجارية في هذه الأيام في بعض الدول العربية فأجبته: بأنّه لا مانع منها ما داموا يبطلون باطلا أو يطالبون بحق سلميا فهي نوع من الأمر بالمعروف الجماعي. حينها أخرج لي رسالة صغيرة من جيبه للشيخ بن حنفية العابدين الجزائري و قال لي: هو يحرّمها فرُدَّ عليه،


    فقلت له: قبل الاشتغال بالرد عليه فلنتحقق مما كتبه فربما يكون هناك دليل يحرّمها لم أقف عليه فقرأتها فلم أجد فيها ما يحملني على تغيير رأيي بل تأكد لديّ أن لا دليل على تحريمها فقلت لذلك الشاب: لا يصعب على طالب علم نقض ما في هذه الرسالة كلمة كلمة فطلب مني أن أفعل وألحّ في الطلب ثمّ أخبرني أن جزائريا آخر كتب رسالة في نفس الموضوع و بنفس النتيجة هو المدعو عبد المالك رمضاني لمقيم بالسعودية فطلبت منه أن يحضرها إليّ لأنظر فيها لعلي أجد فيها شيئا لم يذكره الأول و بعد يومين جاءني بها غيره فقرأتها وتدبرت ما فيها فإذا بشك يساورني بل يغزوني أن الرجل لم يكتب ما كتبه انطلاقا من قناعة علمية بل رسالته أشبه ما تكون بالخطاب الديني الرسمي العلماني أو الإملاء السياسي لذا كان ينبغي الاشتغال بالرد عليها أولى، خاصة و أنّ كثيرا مما فيها فيه نظر، ولكن بعد تفكير فضلت الإعراض عنها إلى رسالة الشيخ العابدين- إلاّ عرضا- لأمور منا:

    أولا: الرجل معروف عند كثير من أبناء الصحوة بمجادلته عن الحكام فجلّ كتاباته و رسائله في الدفاع عن الأنظمة العربية عامة و النظام السعودي خاصة من خلال الهجوم على الجماعات الإسلامية المطالبة بتطبيق الشريعة السياسية منها والجهادية بل وحتى غيرها كجماعة التبليغ والصوفية.

    ثانيا : خلطه بين مسألة الخروج على الحكام بالسيف لخلعهم ومسألة المسيرات الشعبية السلمية لمطالبة الحكام أنفسهم بإحقاق حق أو دفع باطل و معلوم أنه لا تلازم بينها لا عقلا و لا عادة بدليل أن دساتير الأنظمة العربية-ولاة أمورهم- تضمن للمواطن حق التظاهر سلميا و تجرم الخروج على ولي الأمر، و معلوم أن للحاكم- متى كان شرعيا- في الإسلام الحق في التقنين في المسائل المصلحية و السياسية-كما هو حال مسألة المسيرات السلمية-بحيث تكون محالفته فيما قننه محالفة شرعية والقوم يرون من دون شك شرعية الأنظمة العربية فكان عليهم أن يلتزموا مبدأ التجويز الدستوري للمسيرات السلمية

    ثالثا: انعدام الموضوعية و الإنصاف في رسالته حيث اجتهد في ذكر الأحاديث الواردة في إيجاب السمع والطاعة للحكام من دون أن يذكر الأحاديث التي تقيّد هذا السمع وهذه الطاعة بكون الحاكم يقودنا بكتاب الله وبكونه يقيم الدين كما صحت بذلك الأحاديث و بكونه يقيم الصلاة بنفسه لا بمعنى أن يبيح للناس الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم "ما صلّوا" و معلوم أن كثيرا من حكام العرب لا يصلون فضلا أن يقودوا الأمة بكتاب الله أو يقيموا الدين، والأخذ بالمطلقات من دون التفات إلى النصوص المقيدة لها ليس بمنهج أهل السنة، و إليك بعض الأحاديث التي لم يذكرها و كان عليه أن يناقشها عنها إن لم يكن يرى حجيتها

    أخرج مسلم من رواية أم سلمة مرفوعا:"سيكون أمراء فتعرفون و تنكرون فمن عرف بريء و من أتكر سلم و لكن من رضي و تابع قالوا: أ فلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا".

    و أخرج أيضا من رواية أم حصين الأحمسية رضي الله عنها مرفوعا:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات وهو يقول:يا أيها الناس اتقوا الله و إن أُمّر عليكم عبد حبشي مجدّع فاسمعوا له و أطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله "

    وفي رواية عند مسلم:"...يقودكم بكتاب الله..." وفي رواية:"...ما أقام لكم كتاب الله"

    ثم إنه لم يلتفت إلى الواقع العملي في عهد الصحابة والسلف لتلك الأحاديث التي أوردها وهذا ما يعبرون عنه بفهم السلف فقد وجدناهم رضي الله عنهم لا يقنعون بالصبر والدعاء للحكام إذا ما انحرفوا في جزئية من الدين مهما صغرت وتأمل موقف أبي سعيد الخدري من الخليفة الأموي مروان بن الحكم حينما أراد أن يقدم خطبة العيد على الصلاة كما هو مدوّن في صحيح البخاري

    و تأمل قول ابن عمر للحجاج كما في طبقات ابن سعد لما اتهم ابن الزبير-المعارض السياسي- بتبديل كتاب الله :"كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله و لا أنت"

    وفي طبقات الحفاظ للذهبي أن ابن عمر قال للحجاج وهو يخطب:"عدو الله استحل حرم الله و خرب بيت الله و قتل أولياء الله فقال الحجاج: من هذا؟ فقالوا ابن عمر، فقال الحجاج: اسكت يا شيخا قد خرف" ثم دس له من يجعل له سما فمات ابن عمر رضي الله عنه به.

    ترى هل كان ابن عمر وأبو سعيد رضي الله عنهما من الخوارج و التكفيريين والحركيين والحزبيين أم نحن أفقه منهما؟ أم نحن أهدى منهما؟

    ولو أن علماء الأمة وعلى رأسهم السلف التزموا ما يريد رمضاني خاصة و السلفية الإرجائية عامة منّا أن نلتزمه أي الصبر على الحكام والدعاء لهم فقط ولا نتعرض إليهم حين يغيّرون الدين و يفسدون في الأرض اللهم إلا ناصحين سرّا كما يزعمون لما وصل الدين إلينا.

    رابعا : ساق جملة من أقوال الأئمة كنووي وابن تيمية رحمه الله و غيرهما الدالة على وجوب السمع للحكام مطلقا و لم يلتفت رمضاني إلى الفارق بين حكام زمان أولئك العلماء حيث كانت الشريعة في الجملة تعلو المجتمع و بين حكام زماننا حيث استبدلوا الشريعة بقوانين مناقضة لما ورد فيها كما لا يخفى على أعمى.

    ثم إنّ كثيرا من هؤلاء الأعلام الذين اعتمد أقوالهم المطلقة لهم أقوال تقيّد هذا الإطلاق فمثلا نقل عن النووي رحمه الله من شرح مسلم:"اسمعوا و أطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا....في دينهم و دنياهم"مع أنّ النووي رحمه الله يقول في شرح مسلم:"باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشّرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك" ثم قال النووي رحمه الله شارحا قوله صلى الله عليه وسلم" ما صلّوا":"أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم والفسق ما لم يغيّروا شيئا من قواعد الإسلام". فتأّمل شرطه في ترك قتالهم "ما صلّوا" يرحمك الله و قوله "ما لم يغيّروا شيئا من قواعد الإسلام".

    فإن قالوا: هم يصلّون و لم يغيّروا شيئا من الإسلام ؟

    قلت: نعم يصلّون الأعياد فقط لأن صلاة العيد بالنسبة للحاكم برتوكول رئاسي يأمر به القانون و أما تغييرهم لقواعد الدين فلست في حاجة إلى بيانه لوضوحه و عدم خفائه و إلاّ فانظر إلى المخمرات و بيوت الدعارة ذات الأبواب المشرعة باسم القانون و تأّمل في البنوك الربوية ثمّ قل إن شئت أنهم لم يغيروا شيئا.

    و هذا هو عين الاستحلال لما هو معلوم الحرمة بالضرورة في ديننا

    فلم يبق أمام رمضاني هذا إلا أن يرد الأحاديث الصحيحة أو يقول: الحكام زماننا لم يغيّروا شيئا من قواعد الإسلام و هم يقودوننا بكتاب الله وبهذا يسقط نفسه بنفسه أمام العقلاء والمجانين أو يقول عن النووي أنه "تكفيري من الخوارج حزبي حركي" بعد أن يقول "أشعري معطل جهمي مبتدع" خاصة أن الإمام النووي رحمه ممن يجيزون إعلان الإنكار على الحكام عند عدم القدرة على الإسرار كما هو الحال في زماننا بها فها هو يقول:"فإن لم يمكن الوعظ سرّا و الإنكار فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق".

    خامسا: قد تضمنت رسالة رمضاني كثيرا من السب و الشتم لمخالفيه -شنشانة معروفة عن السلفية بعامة والإرجائية بخاصة- و هذا أمر مناف للمباحث العلمية ، ومنهاج أهل السنّة والجماعة في مثل هذه المسألة قائم على عرض الحق بالحجة و إن كان لا بدّ من تعيير المخالف فبعد إقامة الحجة.

    أما رسالة الشيخ العابدين- وإن كنت أخالفه فيما توصل إليه من نتيجة- فهي أكثر موضوعية و ألصق بالمنهج العلمي لذا فضّلت مناقشتها على الأخرى و مع ذلك سيأتي معك أثناء المناقشة بعض المسائل من رسالة رمضاني ما يؤكد عدم نزاهته و قلة إنصافه وموضوعيته في البحث العلمي.

    و لا أخفي سرا إن قلت أنني ترددت كثيرا في كتابة هذه الرسالة لما في ذلك من تشكيك في المسلمات ا خاصة وأن جهات مشبوهة تريد أن ينشغل المسلمون بمناقشة لواضحات.

    والآن إليك ما وعدناك به-و الله المستعان-أي بعض مما فيه نظر في رسالة الشيخ العابدين

    أولا: قوله"ثمّ إنّ المسلمين قلّدوهم في هذه الوسيلة و اقتدوا بهم فيها ككثير مما قلّدوهم فيه لانبهارهم بحضارتهم،...ص4

    الجواب: هذا هو الدليل الأول على تحريم المظاهرات وخلاصته أن المسيرات والمظاهرات غير معروفة عند المسلمين وإنّما أخذها من أخذها عن الكفار و تقليد الكفار منهي عنه و هذا عين ما قاله الألباني رحمه الله وكل علماء السعودية الرسميين إلا من رحم الله وقليل ما هم، و القوم لا يمكنهم مخالفة الألباني وعلماء السعودية الرسميين لما في ذلك في نظرهم من خروج عن السلفية.

    و معلوم أن تقليد الكفار المنهي عنه شرعا لا يكون إلا فيما هو خاص بالكفار أي من حيث هم كفار لا مطلقا فإن هم فعلوا فعلا لا من هذه الحيثية كأن يفعلوه بمقتضى بشريتهم فلا منع في تقليدهم قال ابن العثيمين رحمه الله:"مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئا من خصائصهم أما ما انتشر بين المسلمين و صار لا يتميّز به الكفار فإنه لا يكون تشبها فلا يكون حراما....".

    ومعلوم أن المظاهرات الشعبية السلمية لمطالبة الحكام بالشرع أو بالحقوق المشروعة كالعدل في توزيع الثروات أو لدفع مظلمة ليست بدين فلا المسلم يعتقد أنها دين و لا المسيحي ولا يهودي ولا البوذي و لا غيرهم من أصحاب الأديان السماوية المحرفة يعتقدون ذلك، فضلا عن الملحدين الذين لا يؤمنون بدين، ولا هي تختص بقوم دون قوم، فمن هنا وجدنا المسيحي و اليهودي و وجدنا أيضا العلماني و الشيوعي و غيرهما من الملاحدة كلّهم يلجئون إليها طلبا لحقوقهم إذا ما اقتضتها الظروف.

    فالمظاهرات السلمية مرتبطة بالإنسان من حيث هو إنسان بغضّ النظر عن دينه و إيديولوجيته وتبرز في الغالب حينما لا يجد الناس وسيلة لوضع حدّ لطغيان الحاكم أو غيره فهي مظهر بشري، و اجتماع الناس إذا عجزوا عن تغيير المنكر فرادى أمر فطري، لذا كان الأصل في المسيرات والمظاهرات الإباحة وقد تعتريها بقية الأحكام فتكون واجبة و هذا إذا تعيّنت لتغيير منكر، وتحرم إذا كانت من أجل باطل، وهي بين الكراهة والندب في غير ذلك.

    وما سبق تقريره كاف في رد القول بحرمة المظاهرات مطلقا إلاّ أنّ تعصب الناس للرجال والشبه- التي لا ترقى إلى مستوى الشبهة- التي روّجوها في الضعفاء عن طريق المطويات و الأشرطة و الرسائل ذات الثمن الزهيد بل التي يتم توزيعها مجانا و الدورات العلمية والندوات في الجامعات وغيرها تمنعني من الوقوف عند هذا الحد فأقول وبالله التوفيق:

    كيف تكون المسيرات و المظاهرات من باب تقليد الكفار و حراما مطلقا وقد ورد في السنّة ما يدل على جوازها فقد أخرج أبو داود في سننه بسنده عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب - رضي الله عنه:قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:«لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم».

    وفي بعض الطرق الصحيحة لهذا الحديث "كن سبعين امرأة" و"أنّ هذا حدث ليلا" وعليه فنحن أمام مسيرة احتجاجية نسوية ليلية على مرأى ومسمع النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهن و لا أنكر ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم. بل أنكر-صلى الله عليه وسلم- على من تسبب في خروجهن ومسيرتهن فكان ينبغي على الدعاة أن ينكروا على من دفع بهؤلاء الشباب إلى التظاهر لا أن يحرّموا عليهم التظاهر ويحمّلونهم جريرة ما وقع وما لم يقع.

    و إن تعجب فاعجب كيف لم يعترض أحد ممن يحرّم و يجرّم المسيرات لهذا الدليل فيبين لنا وجه الرد عليه إن لم يكن يرى فيه حجة بل أطبقوا على عدم ذكره أصلا و أخوف ما أخافه أن تكون دلالته الصريحة أو القريبة من ذلك على جواز المسيرات هي التي منعتهم من ذكره، و الله أعلم. و لا استغرب خروج بعضهم بعد هذا بتأويل لهذا الحديث بما يعود عليه بالإبطال تعصبا لرأيهم أو خدمة للملوك والحكام وذلك لأنّه سيفٌ قاطعٌ لرقابهم وسهمٌ صائبٌ لقلب كلّ خادم الملوك و الحكام و معلوم أنه إذا تعارض النصّ والهوى، وكان الرجوع عن الهوى يحتاج إلى عظيم التقوى؛ فهم يحاولون الرجوع على النصّ بالتأويل أو بالإبطال، وعدم الثبوت، وأنّى لهم ذلك، ثم يريدون منا أن نعتقد فيهم أنهم أهل السنة وهم يتأولون النصوص التي لا تروقهم بعقولهم

    ثم كيف تكون المسيرات تقليدا للكفار والتاريخ الإسلامي طافح بالمسيرات الشعبية لمطالبة الحاكم بالحقوق أذكر من ذلك مسيرة أهل البصرة احتجاجا على قدوم الحجاج بن يوسف إليهم حتى تدكأت الطرق بهم كما هو ثابت في كتب التاريخ، ومعلوم أنّ هذا الزمان زمان السلف الصالح ولا منكر.

    وقال الحافظ الذهبي في سيّره و هو يترجم لأبي العاص الحكم بن هشام بن الداخل صاحب الأندلس قال:"تظاهر بالفسق والخمور فقامت الفقهاء والكبراء فخلعوه". و لا منكر و لا ساخط.

    و أورد الجبرتي أخبار ثورة الشعب على المماليك ما خلاصته: كثر ظلم المماليك و أتباعهم للشعب المصري فذهب الناس إلى الأزهر وشكوا ظلم المماليك إلى شيوخه فترك الشيوخ دروسهم وأغلق الأزهر و خرجوا على رأس الجماهير يطالبون المماليك برفع ظلمهم عن الناس،

    وتأمل كيف كانت الشعوب الإسلامية أيّام الاستعمار العسكري تخرج في مسيرات ومظاهرات عارمة تطالب الاستعمار بمغادرة الأوطان أو ببعض الحقوق، أو تأييدا لإخوانهم في البلدان الأخرى المستعمرة، واعتبرت الأمة عن بكرة أبيها قتلى الاستعمار في تلك المسيرات شهداء من غير نكير من أهل العلم آنذاك، كيف لا و علماء وأئمة ذلك الزمان كانوا يأمرون بها بل ويشاركون فيها.

    أخبرني الشيخ محمد الصالح الصدّيق حفظه الله-و هو من بقايا جمعية علماء المسلمين الجزائريين- في مكالمة هاتفية أنّ بعض علماء الجمعية شاركوا في بعض المسيرات الشعبية الاحتجاجية التي كان يلجأ إليه الشعب الجزائري آنذاك ولم ينكر البعض الآخر.

    فكيف يقال أنّ المسلمين لم يعرفوا المسيرات والمظاهرات في القديم و لا في الحديث كما قاله الفوزان يا أولي الألباب؟. بل تأمل جمهور علماء العصر- حتى لا أقول كلّ العلماء الأحرار- كيف هم على جوازها بل كثير منهم شارك فيها و لم يخالف إلاّ السلفية العلمية المعاصرة أو الموسومة عند البعض بمرجئة الحكام.

    فإن لم يكن قد ثبت بهذا الإجماع على مشروعية المسيرات والمظاهرات و أن القِلّة المخالفة أوالسلفية الإرجائية اليوم

    محجوجة بالإجماع السابق فلا معنى للكلام عن الإجماع بعد هذا، وبهذا تعلم مافي قول عبد المالك رمضاني:"ينكر العلماء المظاهرات المخترعة..." إذ ظاهره العموم والاستغراق إلاّ أن يكون مقصوده بعض العلماء أو القِلّة منهم ومثل هذا مما ينبغي أن يجتنب في المسائل العلمية اللهم إلاّ أن يكون لا يرى العلماء إلاّ في الألباني وابن باز و العثيمين رحمهم الله كما صرّح بذلك في غير ما موطن كما في "المدارك" مثلا، وهذا تعصب للرجال مناف لأصول أهل السنّة والجماعة بل هو أقرب إلى مذهب الشيعة القائم على مبدأ تعيين الأئمة المتبوعين أما نحن معاشر أهل السنّة فالعلماء لدينا أكثر من أن يحصرهم حاصر أو يعدّهم عادّ وهم كلّ من قال بالكتاب والسنّة والإجماع كما عرفهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله و ليس لدينا عالم كل أقواله حق بل كل يؤخذ منه و يرد عليه

    و إلاّ فالثابت أنّ جمهور علماء العصر على جواز المظاهرات إن لم نقل بوجوبها و يكفي أن تعلم أنّ اتحاد علماء المسلمين العالمي الذي يضم أكثر من ثلاثة آلاف عالم على جوازها بل منهم من أمر بها بل منهم من شارك فيها.

    وكيف لا يأمر بها العلماء ولا يشاركون فيها وهم يعلمون أنّ أئمة السلف الصالح كانوا يحثّون و يأمرون الجماهير على عدم السكوت على الحكام إذا ضيعوا الدين و بمراقبتهم وبحملهم على الجادّة إذا ما هم انحرفوا فقد أخرج ابن هشام في سيرته بسند صحيح على ما قاله الحافظ ابن كثير في تاريخه أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبة التولية:"فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت فقوّموني".

    قد يقول قائل: أي بالنصيحة و الدعاء لهم ؟

    قلت: هذا تخصيص لكلام أبي بكر رضي الله عنه من غير مخصِّص و إلاّ فهذا عمر رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري في تاريخه بسند صحيح قال وحوله الأنصار والمهاجرين:" أرأيتم لو ترّخصت في بعض الأمر ما كنتم فاعلين ؟ فقالوا:"لو فعلت قوّمناك تقويم القدح فقال عمر: أنتم إذاً أنتم".

    فيا ليت شعري هل خالف أبو بكر و عمر- وهما من هما: رأسا أهل السنّة و الجماعة- سنّة المصطفى وارتكبا الحرام و اتبعا منهج الخوارج حينما حرّضا الجماهير على مراقبتهما في تطبيق الشرع و تقويمهما و لو بالعنف كما هو صريح في جواب الصحابة الذين خاطبهم عمر؟

    و بناء على ما سبق لو قلنا أنّ الغرب قد اقتبس مبدأ المظاهرات والمسيرات لإجبار الحكام على أداء الحقوق أو على السير الحسن لما كنّا قد أبعدنا النجعة.

    و بالجملة فالمسيرات و المظاهرات اليوم هي محاولات لتقويم حكام أضاعوا الدين و استبدلوا أحكامه بزبالة عقولهم بل عقول غيرهم و زادوا فأفسدوا على الناس دنياهم.

    ومما استوقفني في هذا المقام هو خروج بعض من يدعو إلى تحريم المظاهرات اليوم لمسيرة دعا إليها بالأمس القريب النظام تأييدا لغزة -حينما هاجمتها إسرائيل- في الظاهر و امتصاصا لغضب الناس في حقيقة الأمر. فهل المسيرات تجوز إذا دعت إليها الأنظمة ؟

    ثانيا: قوله "شعورهم بالضعف و الهزيمة النفسية أمام ما حسبوه تقدما سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا"ص4

    جوابه: اتهام الناس- خاصة العلماء منهم-بضعف النفس والانهزامية أمام الغرب مما يجب تنـزيه المباحثة العلمية منه و كذلك قوله"بعض المنسوبين لأهل العلم" وقوله "كما كانوا هم و أسلافهم يدعون للاشتراكية لأنّ فيها العدالة الاجتماعية" و غير ذلك من الاتهامات التي لا مستند لها والتي برع المسلمون في التراشق بها خاصة إذا كان القائل سبق له أن دخل في شيء من ذلك كأن يكون قد دخل في حزب اشتراكي في فترة من حياته و مهما كانت للمرء مبررات فليسأل نفسه عن مبررات غيره قبل تعييره.

    لذا يجب على المسلم أن يجتنب مثل هذا التراشق بالألقاب في مباحثه العلمية خاصة إذا علمنا أنه جرأ الشباب على تجريح العلماء و أورث الصحوة تفرقا و تناحرا ثم لعدم عجز أحد عنه ولسهولة قلبه إذ قد يقول قائل تحريم المظاهرات نابع من الانهزامية أمام الحكام أو الحامل عليه المتاجرة بالدين و خدمة الملوك والأمراء.

    ثم لا سبيل لإنكار تقدّم الكفّار سياسيا واقتصاديا واجتماعيا إلا مكابرةً ولا كلام مع المكابر فمن تأمل التداول على السلطة عندهم في مقابلة الحكم المؤبد مع الفساد عندنا و تأمل التوريث للحكم في ظل النظام الجمهوري عندنا يجزم بتفوقهم السياسي، و من تأّمل العدالة الاجتماعية القائمة لديهم في مقابلة الظلم الاجتماعي المشهور عندنا لا يشك في هذا، و أما تفوقهم العسكري و الاقتصادي علينا فلا يخفى على أحد و لا يصح في العقول التدليل عليه.

    و أغرب من هذا قول رمضاني:"و جرّب الكفّار الكفر فوجدوا أنفسهم متحضرين أغنياء أقوياء فهل ينبغي للناس أن ينسلخوا..." إذ معلوم أنّهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بكفرهم حتّى نلزم الناس بالكفر إن أردنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه في المجالات المذكورة و إنما توصلوا إليه بالأخذ بالمبدأ القرآني: متابعة السنن التي لا تحابي و الأخذ بالأسباب ابتدأ من القضاء على الحكام الفاسدين والعلماء الفاسدين الذين يبرّرون لهم أعمالهم و يجادلون عنهم كما وقع في الثورة الفرنسية، و ما تأخرنا إلا بسبب الإعراض عن الأخذ بالقرآن والسنة تشريعا وأخلاقا و عقيدة عامة و تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة، بل بخضوع بعض أهل العلم للحاكم بعد ما افترق السلطان عن القرآن و وطأ السلطان على صماخ القرآن كما ورد الآثار فلا يبالي ذا من ذا.

    ثالثا: قوله " و سبب ذلك جهلهم بما في دينهم و تفريطهم في أحكامه"ص4

    جوابه: هذا اتهام للغالبية الساحقة من علماء المسلمين الذين أفتوا بالمظاهرات بالجهل بالدين وهم علماء في الدين وهذا مما ينبغي أن يجتنب في المسائل العلمية.

    خاصة و لا يصعب فلب هذا الكلام على قائله فيقال: لا شك أنّ الجهل بالدين ومقاصده يتجلى في تحريم ما لم يحرّمه الله ورسوله أو تحليل ما حرّمه الله ورسوله وتحريم المظاهرات عند جمهور علماء العصر هو تحريم لما لم يحرّمه الله ولا رسوله فالحامل عليه هو الجهل بالدين وأحكامه ومقاصده.

    ثم إنّ جهل العامة إن كان فهو مسبب عن فساد الحكام و لا علاج لآفة ما إلاّ بمعالجة أسبابها كما لا يخفى. ومن رام الإصلاح آفة ما مع بقاء أسبابها فقد رام المحال.

    ثمّ إنّ الجهل لا يمنع من المشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و إلاّ فهذا سيّد الهداة وسيّد المهديين رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج للجهاد في طائفة فطلبوا منه في الطريق أن يجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط فصحّح لهم العقيدة و علّمهم التوحيد ولكن أتمّ المسير معهم ولم يرجعهم ولا قال لهم أنتم تجهلون الضروري من الدين فكيف أطمع في المشركين؟.

    رابعا: قوله " إنّ كثيرا من المسلمين لا يعرفون الضروري من أمور الدين"ص14

    جوابه: كيف يكون الشيء معلوما بالضرورة و يجهله معظم المسلمين ؟ وهل سمّي معلوما بالضرورة إلاّ لكونه مدركا لكلّ أحد لعدم الاحتياج إلى نظر في إدراكه ؟

    وعلى فرض وجود مثل هذا المعلوم بالضرورة و المجهول لكثير من المسلمين فمن المسؤول عن تعليم الناس الدين ؟ بل من الذي يسعى في تجهيل المجتمعات الإسلامية ؟

    ثم هذا تكفير لكثير من المسلمين- ربما الملايين منهم-لأنه لا عذر بالجهل في المعلوم بالضرورة في دين الله خاصة إذا كان هؤلاء الجاهلين في مجتمع مسلم كما هو مقرر و معلوم في كتب العقيدة وفتاوى اللجنة الدائمة وعلماء نجد.

    خامسا: قوله "وتركهم الوسائل التي شرعها الله ورسوله للإصلاح...على ظهورها محمول"ص4

    الجواب: المسيرات و المظاهرات مما شرعه الله و قد سبق التدليل على ذلك و لو أدرك جمهور علماء المسلمين في عصرنا و كل العلماء قبلهم عدم جوازها لما دعوا إليها و لما فعلوها.

    ثم لم يـبيّن ما هي هذه الوسائل المشروعة في هذا المقام وإنما ذكر بعد ذلك من هذه الوسائل التعليم ومراسلة الحكام و هو في هذا تابع للشيخ ابن باز رحمه الله وبغضّ النظر عن الاستهزاء بالعقول الكامن في جعل- في زماننا- مراسلة الحكام طريقا لتقويمهم ففيه تقييد من دون دليل للوسيلة المشروعة قرآنا وسنةً و إجماعا وعقلا وفطرةً وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و هذا لأنّ أس الإصلاح الاجتماعي في نظر الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و الآيات و الأحاديث الدالة على هذا أكثر من أن تذكر.

    و تأّمل قوله تعالى:كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله آل عمران: 110 ، و كيف قدّم عز وجل صفة الأمر بالمعروف على الوصف بالإيمان في مقام وصف الأمة بالخيرية.

    و معلوم أنّ الأمر بالمعروف لم يرِد في القرآن إلاّ مطلقا من كل كيفية و صفة لعلم الله باختلاف أحوال الناس باختلاف الأمصار و الأعصار وما كان كذلك لا يجوز تقييده بكيفية أو صفة إلاّ بدليل، قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" 3/212 :"إنّ الأمر إذا تعلّق بالمأمور المتبوع من حيث الإطلاق ولم يرِد عنه أمر آخر يقتضي بعض الصفات أو الكيفيات التوابع فقد عرفنا عن قصد الشارع أنّ المشروع عمل مطلق لا يختص مدلول اللفظ بوجه دون وجه أو وصف دون وصف فالمخصِّص له بوجه دون وجه أو وصف دون وصف لم يوقعه على مقتضى الإطلاق فافتقر إلى دليل على ذلك التقييد أو صار مخالفا لمقصود الشارع".

    وقال أيضا:"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه أمر مشروع لأنه سبب إقامة الدين وإظهار شعائر الإسلام وإخماد للباطل على أي وجه كان" فتأّمل رحمك الله!

    و قال الحافظ السيوطي في "الأشباه" ص98:"قال الفقهاء: كلّ ما ورد به الشرع مطلقا و لا ضابط له فيه و لا في اللغة يرجع فيه إلى العرف". فتأمله بربّك ومعلوم أنّ المقصود بالضابط في هذا المقام الضابط التخصيصي أي الذي يخصّص كيفية دون كيفية أما الضوابط التي ترجع إلى خصائص التشريع العامة كالسماحة واليسر والعالمية و الفطرة وغير ذلك فهي غير مقصودة لوجوب مراعاتها في كلّ الأحكام التشريعية سواء كانت معقولة المعنى أم لا؟

    فإن قيل: ترك السلف لذلك الوجه أو تلك الكيفية دليل التقييد ؟

    قلت: عمل السلف بالمطلقات على وجه معين يكون مقيدا لتلك المطلقات إذا كانت في تعبدي غير معقول المعنى و الأصل فيه التوقيف و لا يكون مقيَّدا في غير التعبدي أي ما هو معقول المعنى الذي الأصل فيه التوقيف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "المجموع":" الأصل في هذا أنّه لا يحرّم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلّ الكتاب والسنّة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دلّ الكتاب والسنّة على شرعه".

    ومعلوم أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من معقول المعنى كما لا يخفى. فإذا أدركت هذا فاعلم أنّ عبث الحكام بمال الأمة وبكرامتها وقِيَمها و عقيدتها منكر وأيّ منكر إذ هو الذي جعل الأمة لقمة سائغة في أيدي بل في فم الاستعمار. و لما عجز العلماء عن تغيير هذا المنكر-بل منم من صار يدافع عن الحكام متظاهرا بالدفاع عن السنّة - قام الشباب دون مظلمتهم وضياع حقوقهم في العمل والمال بعد أن آل الأمر ببعضهم أن يفضل الانتحار المباشر و لو بالنار أو غير المباشر بركوب البحر للوصول إلى الغرب بحثا عن العمل على قوارب لا تصلح لذلك مما أدّى إلى موت كثير منهم في البحر.

    ويشهد لهم الحديث الصحيح: مَن رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" و لفظة "مَن" في هذا الحديث اسم موصول عام ينطبق على الواحد والاثنين والجماعة وعلى العاقل وغير العاقل في أصح الأقوال و الذكر والأنثى كما لا يخفى و المتظاهرون جماعة رأت منكرا وفساد الحكام فانتدبوا لتغييره حينما لم يحاول أحد تغييره.

    فإذا أدركت ما سبق أيقنت أن التعليم ومراسلة الحكام كوسيلة لتغيير من حال الأمة لا يمكن أن تفي بالغرض ولا هي كافية في تحقيقه و لو كانا كذلك لاقتصر عليهما سيّد الدعاة إلى الله رسول الله صلى عليه وسلم ثمّ أصحابه من بعده كيف و في الصحابة من كان يجاهر بإنكار ما يراه أنّه منكر الحكام كأبي ذر و أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما و غيرهما.

    سادسا: قوله " فإنّها غير مشروعة في الإسلام"ص5

    الجواب: هذا مصادرة على الحكم لأن هذا محل النزاع ولم يقم على دعواه هذه أي دليل إلا شبهة-على تسمح في التعبير- المفاسد وتقليد الكفار و قد علمت أنه غير وارد في مسألة المظاهرات...

    وقد استدل لتحريم تقليد الكفار بقوله تعالى:"و لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم البقرة: 120 ،وبحديث :"مَن تشبه بقوم فهو منهم".

    أما الآية فهي نص- و كذا الحديث فهو خارج محرجها فهو بمعناها- في النهي عن متابعة اليهود والنصارى في ملتهم كما قررناه لك لا مطلقا فهي حجة لنا إذ فيها نهي عن متابعة اليهود والنصارى من حيث هم يهود و نصارى أي في ملتهم أي فيما يخص يهوديتهم ومسيحيتهم لا من حيث هم بشر.

    فمتى فعلوا فعلا يختص بدينهم امتنع تقليدهم وإلاّ فلا، ألاّ ترى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس ما يصنعه النصارى وأنّ عمر اقتبس نظام الدواوين عن الفرس، لأنّ الثياب- إلاّ الثياب المختصة بالمظاهر الدينية عندهم كالزنار مثلا- وكذا الدواوين إنّما هي تجليات بشرية التي لا يمتنع أخذ الأمم بعضها عن بعض.

    وإذا مشينا على غير هذا فالواجب تحريم كل ما سبقنا إليه أهل الكفر كالسيارات والتلفاز وصنع الطرقات و البناء بالهندسة المعمارية الأوروبية والصعود للقمر و غير ذلك و لا قائل بهذا.

    سابعا: قوله "العارفون بالشرع الذين يضعون واقع الأمة ومنـزلتها من معرفة دينها واستعدادها لإقامته موقع الاعتبار".

    الجواب: هذه تزكية للنفس ولطائفة المانعين للمظاهرات وتعريض بالعلماء الذين أفتوا بجواز المظاهرات بأنّهم لا يعرفون الشرع ولا يدركون واقع الأمة أو أنّهم لا يأخذونه في الاعتبار والمباحثات العلمية يجب تجريدها عن مثل هذا لما سبق تقريره وإلاّ فلا يصعب على ناطق بفم أن يقول :"إنما يفتي بعدم جواز المظاهرات علماء السلطان الذين يضللون الأمة بعد تذليل الحكام لهم" أو يقال:"إنّما يفتي بهذا من لا يعرف حال الأمة ومدى استعدادها لتغيير أوضاعها" ويستشهد بما نشاهده في أيامنا هذه في العالم العربي خاصة إذا علمت أن هؤلاء العلماء المشار إليهم في كلامه معظمهم أفتى بجواز الاستعانة بالكفّار في حرب العراق و قد ناقشهم العلماء الذين عُرِّض بهم بأنهم لا يعرفون واقع الأمة ولا يضعونه في اعتبارهم طويلا ومنهم من أفتى بوجوب إخلاء الضفة الغربية في فلسطين من المسلمين لليهود و منهم من أفتى بجواز الصلح الدائم مع إسرائيل و منهم.....

    ثامنا: قوله " فالقول بمنعها يدخل أحيانا في كونها لا نفع فيها"

    الجواب: و هل حرّم الشرع كل ما لا نفع فيه حتى نحرّم على الناس أن يحتجوا على حاكم إحقاقا لحق أو ردّا لمظلمة متسلطة عليهم.

    ثمّ لقائل أن يقول: هي نافعة ولو لم تثمر لأنها تذهب بخوف الناس من الحكام وتعلّمهم أن يطالبوا بحقوقهم وتحمل الحاكم على مراعاة إرادة الشعب مستقبلا خاصة إذا علمت أنّه يجب أن تكون علاقة الحاكم والمحكوم هي الحب حتى تتمكن أمة من النهوض ومتى كانت علاقة الجماهير بالحكام هي البغض والكراهية والخوف فلا يرتجى خير أخرج مسلم في صحيحه من رواية عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و يصلون عليكم و تصلون عليهم و شرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنوهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أ فلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة"

    هذه بعض فوائد المظاهرات والمسيرات السلمية بعامة وفي خصوص مظاهرات مصر فقد أدرك كلّ العقلاء أنّ من ثمارها المباركة فتح معبر رفح، الباب الذي تمالأت الأنظمة العربية- إلاّ من رحمه الله- على غلقه بالفولاذ والحديد إخمادا للمقاومة الفلسطينية، كما أثمرت المصالحة بين الفلسطينيين، و أثمرت عودة المظاهر الإسلامية كالحجاب واللحية ورفع الحظر على الإسلام غير السلطوي بالنسبة لتونس، أما إذا أثمرت سقوط النظام الذي لا يحكم بما أنزل الله و جاءت بمن يحكم به فلا كلام، و كذا لو رفعت ظلم الحاكم وأعوانه على المستضعفين و مكنتهم من حقوقهم

    تاسعا: قوله "أو لأنّ ضررها أعظم من نفعها"

    الجواب: هذا تقدير- و من شأن الناس أن يختلفوا في التقديرات في الغالب - والمخالف له ليس مخالفا للشرع، ثمّ هو منظور فيه من وجوه، أذكر منها في هذا المقام أنّ غاية المفاسد المزعومة من المظاهرات هو قتل بعض الأفراد و تخريب بعض الأملاك بينما أدنى مفسدة تحصل بعلمانية النظام والحكم بغير ما أنزل الله هو الفتنة في الدين التي تأتي على الأبدان و الأديان.

    و قد بيّن أهل العلم مفاسد و أضرار العلمانية في المجتمعات الإسلامية فقال أحمد شاكر رحمه الله:"إنّ هذه القوانين الأجنبية كادت تقضي على ما بقي في أمّتكم من دين و خلق فأبيحت الأعراض وسفكت الدماء و لم تنه فاسقا و لم تزجر مجرما...و نزعت من الناس الغيرة والرجولة وامتلأ البلد بالمراقص والمواخير و شاع الاختلاط".

    و قال أيضا:"قد أجرمت هذه القوانين في حق الأمة و الدين أكبر الجرائم فبثّت في كثير من الناس روح الإلحاد و التمرد على الدين أو حمتها و ساعدت على بقائها و نمائها وحمت التبشير و ما وراءه من منكرات و مفاسد بما تدعيه من حرية الأديان"

    و هل هناك فتنة أعظم من الدعوة إلى التبرج و السفور و التشجيع عليه؟ و من إباحة الخمور بالنسبة للشباب المسلم ؟ بل هل هناك فتنة أشدّ من الدعوة إلى ما يعتبره بعضهم شركا كتشجيع بناء القباب وحماية أضرحة الأولياء وتمويل "الوعدة" لديها ؟ هل من فتنة أشدّ من تمكين المسيحية في المجتمع المسلم؟ هل من فتنة أعظم من علمنة التعليم ؟ هل من فساد أكبر من تكميم أفواه المصلحين وتمكين السفهاء و المنحرفين من وسائل الإعلام؟ هل من فتنة أعظم من أن تجد أبناء الحكام ونسائهم و عبيدهم يتمتعون بخيرات البلاد بعد أن أودعوها في بنوك يهودية و مسيحية والشعب يرزح تحت نير الفقر؟

    لا أظن أنّ هناك فتنة أعظم على المسلمين من علمانية الحكم وفساد الحكام خاصة أولئك الحكام الذين تحميهم أمريكا و الله تعالى يقول "والفتنة أشد من القتل" و رحم الله ابن حنبل لقوله:" أ تدري ما الفتنة ؟ الفتنة الكفر".

    فإن قال قائل: المظاهرات والمسيرات فتنة لأنها بين المسلمين أمّا مع الكفار فلا مانع؟

    قلت: الفتنة فتنة مع حاكم مسلم كان أم كافر بل هي مع الحاكم المدعي للإسلام أشدّ، ثمّ ليس كل اقتتال بين المسلمين فتنة لأن الله لا يأمر بالفتنة وهو قد قال:"فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله الحجرات: 9 ،

    و إنما يكون الاقتتال عند المحقّقين من أهل السنّة فتنة حينما لا يتضح المحق من المبطل قال الحافظ في "الفتح":"المراد بالفتنة ما ينشأ عن اختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل". وقال حذيفة رضي الله عنه:" إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل".

    ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه يقول إذا عاتبه معاتب على موقفه مما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم:"لا أدري مَن هي الفئة الباغية ولو علمتها ما سبقتني أنت ولا غيرك".

    ومعلوم أنّ الشعوب ما خرجت طالبة للملك و إنما خرجت إحقاقا لحق داسه الحكام أو دفعا لمظلمة طال أمدها و لا يشك عاقل في هذا و لا يشتبه على منصفٍ المحق و المبطل فيه.

    عاشرا: قوله " و يدخل أحيانا أخرى في باب سد الذرائع إلى الفساد....لكن الفساد لا يدفع بفساد أعظم منه"ص6،7

    الجواب: لا دخل لسد الذرائع إذا قلنا بحرمة المسيرات مطلفا لأن سد الذرائع إنما يكون إذا كانت الوسيلة مباحة إلا أتها تفضي إلى مفسدة لا إن كانت محرمة. ثم النـزاع في تعيين أعظم المفسدتين هل هي الاقتتال بين الناس على تسليم أنّ المظاهرات هي سبب فيه أو فتنة الناس في دينهم بتشريع ما لم يشرعه الله و قمع الفضيلة و فرض الديمقراطية ما لم تؤّد إلى الإسلام و يكفي أن أنقل ما ورد على لسانه من مفاسد العلمانية قال:" من تأمّل الديمقراطية في بُعدها وما يراد منها ألفاها لا تعدو أن تكون استبعادا لحكم الشرع من الحياة العامة وإقرارا بمنهج أهل الكفر في سياسة الأمة والإتيان بالبقية الباقية من الشرع المتمثلة في كون الشريعة هي المصدر الأول للقوانين....كقانون الأحوال الشخصية".

    فأي ضرر يُخشى على الأمة بعد هذا الضرر أو ليست كلية المحافظة على الدين بمقدَّمة على كلّ كلية ضرورية ؟

    ثمّ ينبغي أن يعلم أن مفاسد المسيرات والمظاهرات مظنونة لا مقطوع بوقوعها أي متوقعة لا محقَّقة بدليل المسيرات الكثيرة التي وقعت والتي ستقع في العالم العربي من دون تلك المفاسد بينما مفاسد العلمانية و فساد الحكام في المجتمعات العربية قطعية الثبوت بدليل عدم الانفكاك بينها في الواقع، فما الذي سوّغ تقديم في الاعتبار المفسدة الظنية على المفسدة القطعية وأصول شريعة الله قائمة على تقديم القطعية على الظنية.

    ثمّ إنّ مفسدة المظاهرات خاصة تمس المتظاهرين و من حولهم خاصة في الغالب الأعم بينما مفسدة العلمانية و فساد الحكام فهي عامة تمس جميع شرائح المجتمع، ومعلوم أن المفسدة العامة مقدَّمة في الاعتبار على المفسدة الخاصة.

    حادي عشر: قوله "كما هو الواقع في ليبيا....لا يسعه المقام"ص7

    الجواب: ظاهر هذا الكلام أن سبب تردي الأوضاع في كل من ليبيا وأفغانستان واليمن وغيرها من البلدان العربية و الإسلامية هو المظاهرات و المسيرات السلمية الشعبية و الحق الذي لا مرية فيه أن فساد الحكم هو السبب و في كل ما تعاني منه الأمة و هذا ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"و أول عرى الإسلام انتقاضا الحُكم"بعد قوله صلى الله عليه وسلم:"تنقض عرى الإسلام عروة عروة...". وبقوله صلى الله عليه و سلم"حب الدنيا و كراهية الموت" أي الموت في سبيل الله بدليل رواية أحمد "حب الدنيا و كراهية القتال" خاصة في أهل العلم هذا توصيف النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب ضعف و وهن المسلمين وذلك توصيف السياسيين

    ثم ما يجري في ليبيا لدليل آخر على فساد بعض الأنظمة العربية و خدمتها للاستعمار-بعد فسد الحكم القائم في ليبيا منذ أزيد من أربعين سنة-إذا تأملت كيف قامت تلك الأنظمة العربية الخائنة لله ولرسوله والخادمة لأمريكا وإسرائيل بقصف المسلمين الأبرياء و كيف جاء بعض الفاسدين من الليبيين -الذين جندهم الغرب استعدادا لهذا اليوم وكانوا مندسين في نظام القذّافي نفسه- بحلف الناتو.

    و بالجملة ما يجري اليوم في ليبيا ليس سببه المسيرات السلمية الشعبية للمطالبة بالحقوق المتنازع في جوازها وإنّما هي ثورة مسلحة بإشراف الغرب والعرب، بل هو عين ما جرى بالأمس القريب في العراق: حاكم عربي خرج من بيت الطاعة الأمريكية والغربية فيجب أن يسقط و من تأمل طريقة رعاة البقر التي تم إعدام صدام حسين رحمه الله تعالى بها لا يشك في شخصانية الحرب أي أن غزو العراق كان مسألة شخصية بين بوش و من معه من العرب و بين صدام رحمه الله خاصة وقد اتضح لكل من يدرك أن مبررات غزو العراق التي تذرعوا بها آنذاك لا أساس لها من الصحة كسلاح الدمار الشامل تماما كذريعتهم اليوم أي حماية المواطنين الأبرياء في تدمير ليبيا كما يدل عليه هجوم الناتوا على البنية التحتية الليبيا و محاولتهم اغتيال القذافي جهارا نهارا، وهل أصابهم العمى عن المواطنين الفلسطينيين الأبرياء العزّل و ما تفعله فيهم إسرائيل

    و هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على خيانة بقية الأنظمة العربية لله ولرسوله صلى الله عليه و سلّم بدخولها بيت طاعة أمريكا و إسرائيل إلاّ من رحم الله وقليل ما هم، وإن كنت في ريب من هذا فتذكر تأييد تلك الأنظمة لبوش و حلفائه لتدمير العراق آنذاك بل افتح عينيك وانظر ما يجري اليوم في ليبيا و كيف تموّل بعض الأنظمة العربية عامة و دول الخليج خاصة ما يفعله الناتو في ليبيا بل منهم من يشارك فعلا في تدمير ليبيا من أجل القضاء على القذّافي حتى لا يبقى أحد خارج بيت الطاعة الأمريكية ولا حول و لا قوة إلا بالله.

    هذه قراءتنا لواقع الأمة و ما يجري فيها و لا ألوم من كان يرى غير هذا وإن كنت ألوم من يرى هذا الرأي ولكنه يقول بغيره جلبا لمصلحة أو دفعا لمفسدة.

    وبالجملة لو لم يكن إلاّ ما يجري الآن في ليبيا كدليل على فساد حكام العرب لكفى للقيام عليهم و من باب أولى الخروج في مسيرة لمطالبهم بالعدل كيف و قد تكررت مثل هذه المهزلة في السودان و في الصومال حيث ساهمت بعض الأنظمة الخائنة لله وللرسول و الخادمة لأمريكا في إفساد أوضاعها حتى أن منها من كان يمد حركة التمرد المسيحية في السودان بالسلاح والمال. ولا أريد الكلام عن أفغانستان فخيانة الخونة لله وللرسول فيها أوضح وأقدم وقد علم الناس جميعا اليوم كيف استغلت أمريكا الشباب المسلم في حربها مع الدب الروسي عن طريق النظام السعودي وعلمائه و ما هي أول خيانة للأمة الإسلامية من هذا النظام إذا ما تذكرنا قتالهم و تكفيرهم للخلافة العثمانية و كيف كانوا يتلقون الدعم والسلاح من بريطانية لذلك بل ما فتح العالم العربي أمام الاستعمار الغربي إلا بعض الدول الخليجية بعد ضعف الخلافة العثمانية كما هو معروف تاريخيا

    ومن تأمل موقف هذه الدول اليوم من القضية الفلسطينية اليوم لا يشك في هذا.

    وبالجملة لا يدافع عن هذا النظام المتعفن الذي هو وراء المحن التي يتخبط فيه المسلمون إلا مغرور أو مأجور و ليس بخاف على أحد أنه قد جند بالأموال علماء ودعاة و أئمة في العالم الإسلامي لتلميع صورته عند الناس يدفع لهم أجورا تسلّم لهم حينما يذهبون إلى بيت الله الحرام أو تبعث إليهم من طرق غير رسمية.

    و إذا علمت هذا فاسمع ما يقوله رمضاني:"...من القيام على حكام بالمظاهرات للمطالبة بحقوقهم بل للمطالبة بسقوط الأنظمة الموجودة وقد أيّدهم- إن لم نقل حرّكها- على ذلك قوى عالمية كبرى لمآرب لا تخفى على الأذكياء".

    أولا: الغرب الاستعماري لا يؤيد كل الثورات الجارية في العالم العربي وإنما يؤيد الثوار في ليبيا و في سورية أما في اليمن أو في البحرين فهو مؤيد للنظام لا للشعب و ساعٍ قي تهدئة الأوضاع استبقاء للنظام و لو بتبديل الوجوه كما في مصر وتونس وسبب هذه الازدواجية من الغرب واضح وإن كان قد يخفى على الأغبياء وهو أن القذّافي اغتر و ظنّ أنه حر في بلاده يمكنه أن يفعل ما يريد- كما اغتر قبله صدام رحمه الله-فأشعر الغرب بالندية و التمرد عليهم، بالإضافة إلا بعض المواقف التي ضيع بها على فرنسا خصوصا بعض مصالحها في إفريقية فكان سقوطه لزاما حتى ينـزجر غيره.

    و أما النظام السوري فهو عضو في خط المقاومة لإسرائيل في نظرهم مع إيران وحزب الله فلا بدّ من إسقاطه، و إيران و حزب الله أعداء لهم

    أما النظام السعودي خاصة ودول الخليج بصفة عامة وكذا كثير من الأنظمة العربية فلا خوف عليهم من القوى الكبرى العالمية بل أمريكا هي لهم حامية لأنها تمثل خط الاعتدال وإسلام الخنوع و الخضوع لهم لا لربّ العالمين.

    ثاني عشر: قوله " من ذلك أنها من أسباب نشر الاضطرابات...و الأدلّة على حرمة ما ذكر لا تخفى"

    الجواب: أي استقرار عرفته الشعوب العربية وهي مستباحة البيضة ؟ مهدورة الكرامة ومسلوبة الحق و المال ؟ ثم هل الاستقرار في ظلِّ الحكم بغير ما أنزل الله استقرار معتبر شرعا؟ لا و الله ما هو إلا ركون للذين ظلموا والعياذ بالله وقد نهانا الله عنه.

    فإن قال قائل: صحيح، الأنظمة العربية فيها ظلم وجور و هي فتنة في الدين ولكن المظاهرات والمسيرات ربما تدخل الاستعمار الأجنبي مباشرة؟

    قلت: هذا قول من لا يعرف واقع الأمة وكأننا ننعم بالاستقلال و الحرية والسيادة في بلداننا و الغرب هو الذي بعين من يحكمنا و يعزل من لا يطيعه، و هو يحدد لنا سياستنا الخارجية واقتصادنا.

    وتأمل مقتل ابن لادن وكيف دخل جيش أمريكا إلى أراضي دولة إسلامية و نفّذ جريمته من دون دراية للحكومة الباكستانية واذكر مقتل "أبو جهاد" قديما في تونس على يد اليهود من دون دراية الدولة التونسية و ليس هناك من حكام العرب من يمكن التكلّم ؟ وماذا كان يحدث لو وقع مثل هذا في دولة أوروبية ثمّ قل بربّك أي سيادة نتمتع بها ؟ هذا واقع الأمة لمن أراد أن يعتبر. و مَن يتأمل ما يجري اليوم في الدول العربية يدرك على سبيل القطع أنّ أمريكا تنصّب من تشاء في الحكم و تنـزع من تشاء منه بالتدخل المباشر كما وقع في العراق أو غير المباشر كما هو جارٍ في ليبيا اليوم فأيّ سيادة هذه و أيّ استقرار هذا ؟

    ثمّ على تسليم صحة هذا الكلام أي أن المظاهرات تسبب الاضطرابات ففيه نظر لأن العالم العربي والإسلامي مضطرب قبل المظاهرات بسبب عجرفة حكامه و سوء تسييرهم وعبثهم بالقيم والمال والدين.

    ثمّ فيه- أي كلامه- نظر لأن الواقع يشهد أنّ المظاهرات غالبا ما تكون سلمية إلاّ أنّ الأنظمة هي التي تدفع بها نحو العنف بل و بعض الأحيان هي سلمية وإن حاول النظام دفعها للعنف كما جرى في مصر و يجري في اليمن إلى اليوم.

    ثمّ على تسليم أنّها تسبب الاضطرابات فقد جوّز لنا الشرع ارتكاب المفسدة الصغرى لإزالة المفسدة الكبرى بل أوجب إزالة الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر وهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء .

    ثالث عشر: قوله "فإن قيل يمكن أن تكون سلمية..."ص8

    الجواب: من السهل أن تكون المظاهرة سلمية متى كان العلماء يشرفون عليها ولا تتعذر سلميتها إلا حين يفر أهل العلم ويختبئون في بيوتهم، ورحم الله زمانا ليس عنا ببعيد كان العلماء يقودون المسيرات لمطالبة الحكام بحقوق الشعب المستضعف كما وقع في مصر على ما أورده المؤرخ الجبرتي عن ثورة الجماهير على المماليك حيث ذهب الناس إلى الأزهر وشكوا ظلم المماليك إل شيوخه فترك الشيوخ دروسهم وأغلق الأزهر و خرجوا على رأس الجماهير يطالبون المماليك

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 28 مايو 2017 - 7:53