hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    ألكسيس دي توكفيل في رسالته الثانية عن الجزائر

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    ألكسيس دي توكفيل في رسالته الثانية عن الجزائر

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 10 أغسطس 2011 - 18:45

    بقلم: عفاف عنيبة (1)

    توطئة:

    عثرت فى "الرسالة الثانية عن الجزائر"(1) لألكسيس دي توكفيل علي الملامح البشعة للإحتلال الفرنسي عبر قلم و فكر رجل ينظر إليه أنه احد أكبر الشخصيات الفرنسية عبر القرون!! بعد شهور من مطالعتي للكتاب رأيت من واجبي أن أحرر مادة محاضرة حول الرؤية الإستعمارية لألكسيس دي توكفيل و مساهمته الفعلية في رسم معالم خطة إحتلال الجزائر. فالرجل إعتبر إستعمار الجزائر فرصة ذهبية لفرنسا لتقيم هناك مستعمرة نموذجية تحقق لبلده الإمتداد و النفوذ الضرورين لقوة فرنسا المتعاظمة.


    1- النظرة الإستعلائية لأكسيس دي توكفيل: أول ما يسترعي إنتباهنا عندما نقلب نظرنا في الفكر السائد في القرن التاسع عشر ميلادي في أرويا هي نظرة الإستعلاء التي تطبع الفكر الغربي. فمفكرون و أدباء مثل الأديب السياسي الفونس دي لامارتين أو فيكتور هوغو، أو ألكسيس دي توكفيل السياسي و المؤرخ و عالم الإجتماع نراهم يحللون و يفكرون وفق معايير تحقر من شأن الشعوب الغير الأروبية، معتبرين إياها خارجة عن السياق الحضاري و التاريخي لأروبا مسيحية متقدمة و متطورة في جميع المناحي الحياتية. ففكرة إحتلال الجزائر كانت تداعب مخيلة الكثيرين من رجال السياسة و الفكر الفرنسيين بإعتبارهم في حاجة الي إمتداد جغرافي و إقتصادي و ثقافي ليجلبوا ما سموه بالحضارة الي الشعوب المتوحشة و هكذا يمحون بجرة قلم الوجود الحضاري للدولة العثمانية و التي كانت آنذاك تعرف فترة انحطاط بالنظر الي تخلي السلاطين العثمانيين عن قيم العدل و الفضيلة و طلب العلم المستمدة من الشريعة الإسلامية. و لجوءهم الي محاولات إصلاح تارة رمزية و تارة أخري مأخوذة من الغرب المسيحي العلماني و التي لا تتلاءم و خصوصيات و مكونات و عقيدة المجتمعات المسلمة التي كانت تنضوي تحت لواء الدولة العثمانية.

    فالتباين علي مستوى التطور العلمي كان شاسعا بين أروبا النهضة و الرحلات الإستكشافية و الإصلاحات السياسية و بين عالم إسلامي إستبدت به الأهواء و تخليه عن سر إزدهاره لأكثر من 700 سنة ألا هو العمل بمبدأ الإجتهاد و التجديد وفق متغيرات العصر و تحكيم مبدأ العدل و طلب العلم . فذلك الإنحطاط الذي كان يسود ربوع العالم الإسلامي أتاح الفرصة لإستقواء أروبا المسيحية الصليبية التي لم تغفر للمسلمين و حضارتهم و دينهم أنهم هددوها في عقر دارها بحيث وصلوا الي اسوار فيينا و عبر البيريني الفرنسية الي بواتية حاملين معهم نظام و فلسفة حياة مخالفين لرسالة البابا و الكنيسة الكاثولوكية في روما.

    فقد كان هناك جماعتين تتنازعهما رغبة الإنتقام المجموعة الأولي هي ما يسمي برجال الدين و الكهنوت المسيحي التي أرفقت جيش فرنسا بجيش آخر من القسيسين و المبشرين المسيحين و المجموعة الثانية هي السياسيين و المفكرين الفرنسيين الذين كانوا ينظرون إلي ما وراء البحر و الأطماع تحدوهم في ضم أرض و دولة أزعجتهم سيطرتها البحرية علي البحر الأبيض المتوسط.. فالنظرة الإستعلائية التي قادت رجال مثل دي توكفيل الي تأليف رسائل حول كيفية مساعدة الدولة الفرنسية علي إحكام قبضتها علي الجزائر هي من كانت و لازالت وراء عدم إعتراف فرنسا بجرائمها و ماضيها الإستعماري البشع!! و كما جاء في مقولته المشهورة " لا نستطيع أن نحكم أمة لمجرد أننا هزمناها." فقد كلفت السلطات الفرنسية المفكر دي توكفيل بدراسة المجتمع الجزائري بغية تسهيل إدارة الدولة الفرنسية لشؤون مستعمرتها الجزائر. فدائما ما تسند مهمة دراسات المجتمعات المزمع إحتلالها لرجال مستعدين علي الدوس علي ضمائرهم و قيم الحق و العدل لينجزوا المهمة القذرة. و في معظم الأحيان يغلب علي هذه الدراسات طابع العنصرية بإعتبار أن الشرائح الإنسانية المدروسة ينظر لها كأنها جماعات لا إرادة لها و لا شخصية و حتي حينما يأخذ بعين الإعتبار عامل الهوية و الإرادة المستقلة، نري هذه الدراسات تدعو الي كسر هذه الإرادة و طمس معالم الهوية و هذا ما وقع في الجزائر. فالجيش الفرنسي إصطدم بقبائل جزائرية و بسكان عاصمة لم ينكسروا أمام الإنسحاب العثماني و ما بيعة الأمير عبد القادر الجزائري علي قيادة القبائل في وجه جيش الإحتلال إلا تعبير صارخ عن الإرادة الصلبة للجزائرين بعدم الإعتراف بالهزيمة أمام فرنسا و لأرد فقرة جاءت في كتاب " تاريخ الجزائر" : " و إن كانت الجيوش الفرنسية وجدت مقاومة عنيفة في ميناء سيدي فرج، فعندما دخلوا مدينة الجزائر وجدوها صامتة يسودها سكون رهيب ووجدوا أنها خالية و كانت دهشة الفرنسيين لهذه المقابلة عظيمة، إرتسمت أثارها علي وجوههم و ظهرت علي حركاتهم. و في هذا الصدد يقول المؤرخ الفرنسي الشهير كاميل روسيل( لم يحاول الفرنسيون أن يخفوا إنطباعات غريبة مع ان المدينة لم تكن خالية تماما فهنا تشهد تاجرا يقبع أمام دكانه المغلق، و هناك تلمح أشباح نساء إسرائيليات فوق سطوح المنازل، و في ملتقي الطرق، و كانت جماعات قليلة من الجزائرين و الأتراك تدخن في صمت ثقيل) و لئن كانت هذه المناظر كلها تمثل للفرنسيين مشاهد للفرجة إن الجزائرين لم يعيروا الفرنسيين أدني إهتمام، و كأنهم لم ينتبهوا فعلا لوجودهم. ثم قال كاميل روسيل: إن هذا الإحتقار الواضح الذي قوبل به جنود الإحتلال الفرنسي هو الذي جعل هؤلاء المنتصرين، يستغربون و يتعجبون من هذا الوضع. لقد كان هذا المنظر من مظاهر الإحتفاظ بالكرامة، و هذا الهدوء الرزين الذي لجأ إليه الجزائريون، هو الذي أقلق الفرنسيين إذ بدا لهم كأنه تحد جارح لإنتصارهم." (2)

    2- أوكوذبة المهمة الحضارية لفرنسا:

    و نبدأ بأول جملة تكشف القناع عن المهمة الحضارية لفرنسا فى الجزائر :" عندما نكون قد تعرفنا على اللغة، الأحكام المسبقة و تقاليد العرب، و بعد ما نكون قد ورثنا إحترام الرجال، الإحترام الذي يحملونه دائما نحو حكومة مستقرة، سيكون متاح لنا أن نعود شيئا فشيئا الى عاداتنا و فرنسة البلاد من حولنا." هذا ما كتبه ألكسيس دي توكفيل فرنسة البلاد! فرنسة الجزائر، فرنسة الشعب الجزائري و لا يفهم من الفرنسة فقط تثبيت اللغة الفرنسية علي اللسان الجزائري بل تتعدي مهمة الفرنسة الي التمسيح و هذه شهادة للسفير التركي المتقاعد السيد أونارت :" عندما زرت الجزائر، إسترعي إنتباهي و أنا أتجول فى طول و عرض هذا البلد حرص المحتلين الفرنسيين على تشويه معالم العمران الجزائري الأصيل بوضع أمام المساجد و البنايات ذات الطابع الإسلامي بنايات و عمران ذات طابع غربي فرنسي صرف و هذا فى محاولة منهم فى طمس معالم الشخصية الجزائرية المسلمة!" فالإحتلال الفرنسي كان أحد ابشع أنواع الإستعمار فقد هاجم منذ البداية أسباب تماسك و وحدة الشعب الجزائري و النتيجة كانت فظيعة بحيث كاد هذا الشعب تحت ضربات الفرنسة و التمسيح ان يفقد أسباب عزته و رموز هويته و مضامين إنتماءه الديني. غير أن القدر و إرادته الذاتية فى المقاومة نجحت في إنتشاله من الجب الذى أوقعته فيه سياسة فرنسا الرامية الي سلخه عن جذوره. إلا ان سياسة السلخ التي عملت فرنسا علي نهجها تجاه الشعب الجزائري بكل فئاته، تصدي لها كبار المفكرين و الأدباء الفرنسيين، ففيكتور هوغو كان ينظر الى الجزائر علي أنها أرض تقطنها مجموعة من المرتزقة و القرصان!! فكان يري هو الساخط على مستوي تدني الحريات فى بلده فرنسا، أقول كان يري فيكتور هوغو أن فرنسا لها دور تنويري فى الجزائر!! و من حق الشعب الجزائري على أمثاله من شعراء و كتاب و مفكري فرنسا أن يأخذوا بيده ليخرجوه من حالة التوحش الذي كان عليها ليصل الي بر الأمان بفضل علم و ثقافة فرنسا الراقية!! مدهش، نحن من إفتتنا بأشعار فيكتور هوغو بمصائب غفروش رمز الثورة الفرنسية و معاناة جان فال جان فى رائعته "الأشقياء" هذا الرجل الفرنسي لم يستطع إخفاء الوجه القبيح الخفي للإستعمار و العنصرية و الحقد الصليبي على الجزائر و شعبها. فما تكبدناه على مدي قرن و ثلاثة عقود من الإحتلال الوحشي لا نستطيع أن نستعرضه في بضعة صفحات، فأخطر ما نعانيه الى حد اليوم هو حالة الإستلاب التي تعيشها الشخصية الجزائرية، فنشأت أجيال الإستقلال مبتورة الجذور أو هكذا أريد لها. فهي لا تحسن الحديث باللغة العربية و لا تري في إنتماءها لدين الإسلام و حضارته إستردادا لمكونات شخصيتها التي عملت فرنسا الإحتلال علي إقتلاعها بقوة الحديد و النار تارة و بسياسة الحيلة و المكر تارة أخري. فصار الجزائري متغربا و غريبا علي ذاته و هذا بإرادة قسرية منه، فألكسيس دي توكفيل كان يري أن الجزائر أرض صالحة للإستغلال و لمد فرنسا بقوة عسكرية و سياسية ستسهل عليها مهمة الإستيلاء علي بقية أجزاء العالم الإسلامي الذي كان يعرف إنحطاطا رهيبا. و التنافس كان علي أشده بين فرنسا و الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بريطانيا العظمي!! فالرجل كان مقتنعا تماما بأنه بوسع فرنسا إستعمال وسائل أخري غير الحرب لكبح جماح الشعب الجزائري و إحكام قبضة الإحتلال عليه، فهو كعالم إجتماع و مفكر كان يري في تشريح المجتمع الجزائري بتسليط الضوء الشديد علي تركيبته الإجتماعية و علي منظومة قيمه و خصائص دينه، إمكانية ترويضه دون الحاجة الي سلاح العسكر الفرنسي. لهذا حرص دي توكفيل علي مساندة مهمة فرنسا الإستعمارية بدراسة المجتمع الدراسة العلمية التي سنكتشف فيما بعد أنها كانت أقوي سلاح في أيدي فرنسا الإستعمار لتتمكن من مواجهة عداء الجزائرين لوجودها و الذي عمل بعضهم علي الإلتفاف حول الأمير عبد القادر ضد فرنسا و البعض الآخر تمترس خلف الباي أحمد في قسنطينة و بعضهم فضل مواجهة جيوش الإحتلال بالرجوع الي إمكاناته الذاتية و خبراته و لنا في مقاومة البطلة لالاتسومر أفضل مثال علي ذلك.

    من بين الملاحظات الخطيرة التي دونها دي توكفيل في رسالته الثانية و هي تتعلق بجهل فرنسا لواقع الجزائر آنذاك، أرد لكم هذه الفقرة ( لم تكن لدينا أي فكرة واضحة عن مختلف الأعراق التي تقطن بها و لا أخلاقهم، لم نكن نعرف كلمة عن اللغات التي كانت تتكلمها شعوبها، البلد ذاته، ثرواته، أنهاره، مدنه و مناخه لم نكن نعرف شىء عن كل هذا...) ما يهمنا من هذه الفقرة حديث دي توكفيل عن إختلاف الأعراق و اللغات و الشعوب، ألا يتهيأ لكم أن الرجل لم يكن يتكلم عن الجزائر بل عن بلد كما كان يريد أن يراه هو؟منذ متي كان ينظر الشعب الجزائري فى 1830 الي نفسه أنه عدة أعراق و عدة شعوب و له عدة لغات في وقت واحد؟ فهذا محض خيال. نعم كانت هناك تعددية عرقية في الجزائر و لكن في ظل الإسلام كان الناس إخوة في الله و لا فضل علي بعضهم البعض إلا بالتقوي، و كيف يوصف شعب وحده الدين الي عدة شعوب؟؟؟ و كيف تعددت اللغات التي كان يتحدث بها بينما كانت العربية هي اللغة التي تربط بين كل الجزائرين علي إختلاف أعراقهم و مشاربهم. فاللغة العربية كانت لغة بلاط الأمير عبد القادر الجزائري و هو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، فكيف بهذا الفرنسي دي توكفيل يزعم أن للجزائر عدة شعوب و أعراق و عدة لغات؟ نحن نشهد عبر هذه الفقرة تصميم الإستعمار الفرنسي المبكر في تشتيت و تجزأة و تفرقة ما كان يمثل وحدة متماسكة. فمفتاح السيطرة لدي القوي الإستعمارية كان الإحتكام الي سياسة فرق تسد. فالمفكر السياسي الفرنسي تعمد تجاهل عامل جد مهم في الهوية الجزائرية، أن الحماية العثمانية للجزائر كانت مسلمة و أن غالبية السكان من بربر كانوا يدينون بالإسلام، و الخلافات التي كانت تنشب من حين الي آخر بين رموز الحماية العثمانية و بين رؤساء القبائل لم تتحول قط الي نزعة جماعية للجزائرين الي التخلص من الوجود العثماني. فإستنجاد الجزائرين بالعثمانيين في القرن الخامس عشر لمواجهة الإحتلال الإسباني عبر في الأساس عن الوعي التام للجزائرين بأن ما يهمهم قبل كل شيء هو أن تبقي أرضهم تحت راية الإسلام أمام الإعتداءات الصليبية الإسبانية المتكررة علي السواحل الجزائرية، و توجه الجزائرين الي قبطان عثماني ماهر كخير الدين عروج مكنهم من إنقاذ جزء كبير من اراضيهم و إنتزاعها من أيدي الإسبان. و لنعود الي محتوي الفقرة المذكورة في الأعلي لنستشف الإرادة المبيتة لدي توكفيل في خلق علي الأرض واقعا مختلفا عما كان عليه قبل الإحتلال الفرنسي للجزائر و لا ينبغي لنا ان ننسي أن الجيش الفرنسي في بداية غزوه للجزائر تمركز في المناطق الساحلية و جيوب ضيقة، مما جعله يستنجد بأمثال دي توكفيل ليرسم له الخطوات القادمة في توغله داخل الأراضي الجزائرية. أول ما عمل الرجل علي تبيانه هو معرفة خصائص و صفات سكان الجزائرين و أظهر عبر ما قاله آنفا الرغبة الدفينة في البحث عن نقاط القوة و الضعف لمختلف الجماعات البشرية و إظهار الكيفية التي ستسهل علي المحتلين عملية الإحتلال دون إراقة كبيرة لدماء جنودهم!! فقاريء الرسالة الثانية عن الجزائر سيصطدم بتشخيص مريب، منذ البداية كان التصنيف البشري لسكان الجزائر قائم علي نية غير بريئة، فهؤلاء بربر و أولئك عرب فنقرأ هذه الفقرات: "القبائلي إيجابي أكثر أقل إيمانا و أقل حماسة بكثير من العربي، فعند القبائل الإنسان هو تقريبا كل شيء و المجتمع تقريبا لا شيء و هما أبعد للإنصياع بشكل جماعي لقوانين حكومة واحدة شكلت منهم علي أن يتبنوا نظامنا." و هذا الوصف ظالم لإخواننا البربر لأن أهم المماليك التي توالت في الجزائر منذ الفتح الإسلامي كانت بربرية بالأساس، لماذا هذا الوصف الخبيث الذي يريد أن يوحي لنا صاحبه بأن أبناء جرجرة أسهل علي التطويع من بقية إخوانهم الجزائرين؟

    ثم إن الرجل أوهمنا بأن الدولة العثمانية تركت بلدا ضعيفا واهنا تعمه الفوضي و الأحقاد، كيف نفسر إذن تفكير الجزائرين في بحثهم عن زعيم يترأسهم لمواجهة الغزاة ؟ فالجزائريون لم يضيعوا وقتهم في محاسبة العثمانيين و تخلفهم عن ممثليهم في الجزائر الذين بذلوا ما بذلوه لصد العدوان، بادروا فورا الي لم صفوفهم و جمع الأنصار حول لواء المقاومة و الصمود. هذا ما كانت عليه الأوضاع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في وطننا. بل كان هناك إيثار فريد من نوعه، الم يتنازل والد الأمير عبد القادر لصالح إبنه وطالب قبيلته و بقية الوجهاء بمبايعة عبد القادر الجزائري؟ ألم يلتف سكان الشرق حول الباي أحمد ذو الجذور التركية الجزائرية؟ بل ذهب ألكسيس دي توكفيل الي نقد سياسة فرنسا في إعطاء الأمير و الباي سلطة علي أراضي و مساحات شاسعة في الغرب و الشرق و الصحراء، فهو لم يكن راضي علي هذه السياسة و كما قال" إذا ما تنازلنا لهم عن كل هذه الأراضي فنحن نقوي شوكتهم و هذا غير مقبول!" و هذه إحدي الأسباب الرئيسة في تقسيم و زرع بذور الفتنة وسط شعب واحد، فألبوا جزائرين ضد بعضهم البعض و عولوا بشكل كبير علي دور الخونة و العملاء و علي حفنة من المنبهرين بقوة فرنسا و تطورها.فأقترح توكفيل إنشاء دولة تعمل لحساب فرنسا في الجزائر، محذرا من فوضي القبائل و إنقلاباتها. تحصين الحدود هذا هم آخر عمل الرجل علي ضمانه. و في معرض حديثه عن الموضوع قال حرفيا:" علينا ان نعود هؤلاء العرب علي تدخلنا في شؤونهم فيألفوننا. لأنه بإستطاعتنا تخيل أن شعب متحضر مثل الشعب الفرنسي و درجة تقدمه قادر علي التأثير بشكل لا يقاوم علي علي تجمعات بشرية شبه وحشية و **فيجبرها علي الإندماج فيه علينا برعاية علاقات مستديمة معه!!" الشعب الذي سيطر علي حوض البحر البيض المتوسط و الذي أرغم الجيش الفرنسي عدة مرات علي التقدم و الإنسحاب و التراجع يوصف بأنه شبه وحشي! ووحدها أنوار فرنسا المتقدمة تفرض عليه الإندماج و الرضوخ للإنضمام الي فرنسا الحضارة. و هذا ينم عن تجاهل صارخ لتاريخ الجزائر و اسباب قوتها الداخلية و الخاريجية. فمهما إختلفت القبائل فيما بينها لم تكن مستعدة للسماح للأجنبي بالسيطرة علي البلاد. و الأرض التي كان يقتات من قمحها شعب فرنسا المتنور يستحيل عليها أن تنجب شعب من المهزومين و المتواكلين.و القروض الممنوحة للدولة الفرنسية ألم تكن تمثل وجه من وجوه الثراء و الإستقرار، كيف تختزل كل هذه العوامل ليلصق بالجزائر و شعبها وصف قبيح كهذا "تجمعات بشرية شبه متوحشة؟" هل هي ذهنية الغربي المتعالية و التي تري دائما في الآخر، مستوي متدني من الإنسانية؟

    عمد منذ البداية دي توكفيل الي الحط من شأن سكان الجزائر، بغية تسهيل عملية إخضاعهم. حذر من المخاطر التي تنجم عن تجاوز الواقع كما هو لكنه أعطي المبررات الكافية لجعل هذا الشعب سهل الإنقياد. فحلمه في أن يجعل الشعب الفرنسي و الشعب الجزائري شعبا واحدا يتماهي و فكرة ذوبان الثاني في الأول و هذا ما تطالب به فرنسا القرن الواحد و العشرون مهاجريها. هل إستساغ الجزائريون هذا المنطق الأخرق؟ أظهروا بما لا يدعو للشك مقاومتهم العنيفة لمثل هذا المنطق. فالجزائري سيظل جزائري و الفرنسي فرنسي. فهو في موضع يشنع بتنازلات فرنسا كما كان يتهيأ له و في موضع آخر يدعو للإستفادة من إختلاف الأمزجة و الطباع بين أبناء الشعب الواحد لإمتصاص غضبهم و إستغلال كل ما من شأنه أن يضاعف في قدرة فرنسا علي الهيمنة و السيطرة. و هو القائل في رسالته:" تقضي مصلحتنا أن تكون هناك حكومة واحدة عند العرب، مصلحتنا أكبر أن لا نتركهم تحت سلطة حاكم واحد. لأن الخطر سيفوق مصالحنا. فيهمنا كثيرا أن لا نترك العرب في فوضي، و الذي يهمنا أكثر أن لا نسمح لهم بأن يصطفوا في جبهة واحدة ضدنا." فعارض القضاء علي سيادة بعض القبائل المستقلة عن حكم الأمير عبد القادر بل شجع علي دفع القبائل الي المزيد من الإستقلال و الإنفصال عن بعضهم بعض، ففي التفرقة أمن لفرنسا و ضمان لمصالحها. فقبول دي توكفيل بمبدأ إحترام إستقلالية بعض الجماعات و التحكم فيها بشكل غير مباشر ما هو إلا طريقة ذكية في كسب ودهم و ولاءهم. فعن أي تقدم و أي حضارة نعم بها الشعب الجزائري في ظل الإستعمار الفرنسي البغيض؟ هل هي أوهام منتصرين متغطرسين أم أنها أحلام لمرضي بعقدة التفوق؟

    3- تناقضات ألكسيس دي توكفيل:

    حاول منذ البداية أن يشجب الحرب كوسيلة للإستيلاء علي الأراضي، واصفا ذلك بما يلي: "عدت من إفريقيا بإنطباع أننا نخوض حرب بشكل بربري أكثر من العرب أنفسهم! لم نكن في حاجة لنعوض الأتراك لنكرر ما جعل العالم يمقتهم. فهذا بالنظر الي المصلحة مضر غير مفيد. كثيرا ما سمعت في فرنسا رجال أحترمهم و لا أؤيدهم أدانوا حرق المحاصيل و سجن المجردين من السلاح من الرجال و النساء و الأطفال. فهذه أمور بالنسبة لي أشياء ضرورية و مقرفة. غير أنها لازمة لأي شعب يحارب العرب. أظن أن حق الحرب يجيز لنا حرق المحاصيل في مواسم الحصاد و في كل الأوقات علينا القيام بهجومات نستولي فيها علي الرجال و الماشية." (3) هذا الكلام لرجل يمقت الحرب و معارض للإستعباد و إبادة الهنود!! هذا التناقض العجيب بين قناعات متضادة دلالة علي الحكم بمقياسين و ميزانين. فما يصلح لهؤلاء لا يصلح لأولئك. أودت هذه الإزدواجية بمصداقية المؤسسة السياسية و العسكرية الغربية. فقد كان يري دي توكفيل أن الإستعمار الفرنسي يصطدم بثلاث عقبات رئيسية و هي علي التوالي:

    1- سيطرتهم علي الإنديجانا، حدود هذه السيطرة، وسائلها و مبادئها.
    2- إدارة الأروبيين، حدودها و ضوابطها.
    3- الإستيطان، مكانه، أشكاله و طرقه. فهو كان يري أنه كلما سنحت الفرصة لمعرفة البلاد و سكانها الأصليين ستظهر ملحة الفائدة و الحاجة الي إستقرار شعب أروبي في أرض إفريقيا و في هذا السياق لا خيار لهم و لا قرار!

    إرتبطت الرؤية الإستعمارية دائما بحاجة الغرب في إستغلال ثروات الآخرين. يعتقد الغرب المؤسساتي أن ليس هناك أفضل من الحضارة الغربية لقيادة و إدارة العالم هكذا دون إستشارة و تفويض من أحد! و الصدام الذي ينجر عن مثل هذه المواجهة الغير المتكافئة ولد حالة إختلال مستديمة. فمن جهة حضارة و دول و جيوش علي درجة عالية من التقدم و العنجهية و في الجهة المقابلة شعوب و حضارات مغلوبة علي أمرها متخلفة و متعطشة للحرية و المساواة. و يستحيل عندئذ أن تنمو علاقة طبيعية بينهما، هذا ما إنعكس علي شخص ألكسيس دي توكفيل. في سعيه للإستفادة من تجربة الديمقراطية الناشئة في الولايات المتحدة الأمريكية نراه يشيد بتجربة فذة في نظره هذا و عندما قرر الإستجابة لطلبات الحكومة الفرنسية لتقديم دراسة حول إمكانات نجاح الحملة الفرنسية علي الجزائر، قفز همه مباشرة الي إعتبارات أنانية تسحب الحضارة علي بني جنسه و تنفي علي الآخرين صفة النضج و الأهلية. قام فكره علي مقومات عنصرية شئنا ذلك أم أبينا. ففي نظره يصلح وحده مع العرب الحرق و السبي و المعاملة الإنسانية اللائقة حكر علي مساجين امريكا!! دي توكفيل إبن بيئته و فكره نابع عن إتجاهات فكرية و فلسفية سادت القرن السابع و الثامن و التاسع عشر في أروبا النهضة و الثورة الصناعية. بالرغم أنه كان بإمكانه أن يضع نفسه في منأي عن تأثيراتها إن أراد ذلك حقا. هنا يجدر بنا طرح أسئلة جادة: هل الحرية مفهوم إنتقائي ينطبق علي هذا الشعب دون الآخر، علي جنس دون آخر؟ هل فلسفة الأنوار وصفة ناقصة؟ هل مباديء المساواة و العدالة قيم نسبية تتعاطي مع الأوضاع و الشعوب بمزاجية؟ هل المطلق هو ثابت من ثوابت الفكر الإنساني أم أنه مطلوب وفق الحاجة إليه؟ هل التفوق الحضاري رخصة إمتياز لدول دون أخري؟ هل نجانب الحقيقة إذا ما قلنا أن التاريخ الإستعماري حول حقوق طبيعية و بديهية الي حقوق مكتسبة و مستحقة؟ تفتح لنا هذه الأسئلة آفاق واسعة و لا يسعنا الولوج إليها إلا بنهج الموضوعية و الإنصاف.

    أختم بهذا الإقرار أو الإعتراف لألكسيس دي توكفيل: " أصبح السكان المسلمون أكثر شقاءا و وحشية و فوضوية مما كانوا عليه قبل أن يتعرفوا علينا./.../ لا يجب أن نكره الإنديجان علي إرسال أبناءهم لمدارسنا. لنعينهم علي رفع مستوي مدارسهم. و علي مضاعفة عدد معلميهم، و علي تكوين رجال قانون و دين و التي لا تستغني عنهم الحضارة المسلمة كما هو الحال معنا." (4) هل هناك تناقض أكبر من هذا؟؟ !!

    (1) رسالة ثانية عن الجزائر لمؤلفها ألكسيس دي توكفيل منشورات زيرم
    (2) تاريخ الجزائر لمؤلفه مسعود مجاهد الجزائري منشورات مطابع دار الأيتام الإسلامية الصناعية القدس
    (3) فقرة مأخوذة من العمل في الجزائر في أعمال غير كاملة منشورات غاليمارد بلياد عام 1991 وردت في موقع www.wikipedia.fr
    (4) مأخوذ من تقرير 1841 أ.س صفحة 325

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 5 ديسمبر 2016 - 23:36