hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الحجج الظاهرة في الاعتصام والإضراب والمظاهرة

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الحجج الظاهرة في الاعتصام والإضراب والمظاهرة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 18 مايو 2011 - 12:13

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)سورة يس آية 82
    ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
    صلى الله عليه وسلم وعلى آله القائل: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري
    أما بعد:
    فإن مطالبة الأمة حكامها بالعدل والشرع حق ثابت وأمر مقرر، فإن جاروا فواجب الأمة النصح ومنع الظلم ونصرة المظلوم بكل وسيلة ممكنة مشروعة تحقق المقصد وترفع الضرر وتدرأ الخطر بما لا يؤدي إلى منكر أكبر.
    وقد قرر علماء الشريعة وأساتذة القانون وصار عقدا بين الحاكم والمحكوم حق الأمة في التعبير عن حقها بالمظاهرة والإضراب والاعتصام وغيرها بالضوابط الشرعية فدعاني ذلك إلى جولة في إضاءات الوحي ومقررات الشرع تقريبا للماء العذب إلى الوارد المتعطش لكي يسير على بينة عن حكم الشرع في الوسائل السلمية المذكورة وبيانها في مقدمة وأربعة فصول :

    واقع مؤلم ( مقدمة )
    الفصل الأول: أصول وقواعد
    الفصل الثاني: نصوص كلية تتعلق بفقه السياسة
    الفصل الثالث: وسائل العمل السياسي
    المبحث الأول: المظاهرة
    المبحث الثاني: الإضراب
    المبحث الثالث: الاعتصام
    المبحث الرابع: المناظرة
    المبحث الخامس: المهرجانات واللقاءات
    الفصل الرابع: شبهات وردود
    المبحث الأول: تقليد للغرب
    المبحث الثاني: خروج على الحاكم
    المبحث الثالث: الأدلة على الكفار لا المسلمين
    وقد أبنت فيه الحجج والبراهين الظاهرة الدالة على مشروعية وإباحة وسائل العمل السياسي من المظاهرة والاعتصام والإضراب والمناظرة وأحببت أن اسميه على طريقة علماء الإسلام في اعتبار السجعة في العنوان مع المباشرة في الدلالة على الموضوع فسميت هذا المبحث ((الحجج الظاهرة في الاعتصام والإضراب والمظاهرة))
    وحيث والبحث من النوازل، ولا كلام فيه للأقدمين محرر ومباشر، والاجتهاد مقتصر فيه على علماء العصر الحاضر، فقد سلكت فيه طريقة الاجتهاد في البحث والاستدلال، وابتعدت عن النقل إلا في النادر، واعتمدت فيه على مخزوني الذهني العلمي من نصوص الوحي وسيرة خاتم الرسل وآثار السلف وتجارب الأمة.
    وكانت الحاجة داعية له، والزمن يسابقنا فيه، فعكفت عليه أسبوعا كاملا ليلا تقريبا اجمع شوارد الأفكار ونتائج الأنظار، ونصوص الشرع وإيرادات الخصم، وأطلقت لعنان القلم بما فتح الله حتى خرج كما تراه والكمال متعذر ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)).
    وقد تحريت الإصابة وتحرير العبارة وبيان الدلالة ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
    فأسأل الله أن يجعل عملي خالصا لوجهه وابتغاء مرضاته، وقربا لنيل جناته ((ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)) الفرقان 74
    فإليك أخي القارئ هذا البحث وسأبدأ فيه بالمقدمة ثم تلج فيه إلى الفصول والمباحث:

    المقدمة
    واقع سياسي مؤلم :
    إن رسول امة الإسلام الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسس دولة وأنشأ أمة وأوجد فكرة وحكم جزيرة العرب وأسقط أعظم دول الأرض، والخلفاء الراشدون المهديون بعده تلامذة المعلم الأول كانوا حكاما وأمراء ولايات وقضاة وعمالا ومجاهدين، وقبورهم المتناثرة في أصقاع البلدان تشهد أنهم حملة رسالة ورواد دعوة ورواحل قيادية، ولكن الخلافة والنبوة يؤول أمرها إلى ملك وقد وقع ذلك وأثره كما ورد في الأثر.
    فاستأثرت بالحكم قريش، وبعذر القرب النسبي انتزعوا حق الأمة في اختيار حكامها، وارتهنت الأمة في صلاحها أو استقامتها بحال ولي العهد أو سيف الإسلام. ولما أبى هذا الوضع الرعيل الأول من الصحابة دخلت الأمة في مخاض عسر جدا وفتن متلاحقة من بعد موت الخليفة الراشد عثمان بن عفان ثم علي ثم خلاف يزيد مع الحسين وعبد الملك بن مروان مع ابن الزبير0
    وهذا هدد استمرار نشر الدين الذي قام الحكم على أساسه وبسبب أثرة الملك المخالف لأصول الشرع وقعت النفرة والفجوة بين علماء الدين وساسة الحكم وكان لهذا الأمر ما بعده من انفراط العقد وتناثر حباته بين طيات الأجيال المتلاحقة حتى سقطت الدولة القائمة بأمر الدين المتمثلة في الحاكم العثماني، بعد أن فقدت الدولة مقومات البقاء بانفراط عقد القيم الإسلامية، وتكالب الأعداء المتآمر، وغفلة الأمة السادر عنه وكل هذا إنما هو بيان للحديث المشهور: ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم تكون خلافة على منهاج النبوة – وجاء في بعض الروايات أنها ثلاثون عاما وقد كان ذلك – ثم يكون ملكا عاضا – أي ظالما – ثم يكون حكما جبريا)) أي بالحديد والنار
    إن هذه الآثار خبر نبوة ووحي ناتجة عن علم إلهي محكم بما يحمله الزمن من أحداث, وما سيتولد في هذه الأمة من نتائج ووقائع.
    والحكم الجبري أصوله الاستبداد والقهر والحديد والنار وتشكيل نظام الحكم لا باعتبار الكفاءة والقدرة بل باعتبار الأسرية والقرب والولاء للأشخاص والمصالح، ولا شك لن يكون نظام الحكم مؤسسيا كنتيجة حتمية لهذا التوجه.
    وحيث لا خلود أبدي للحاكم، وخشية من انفراط البناء القائم سيتجه الأمر إلى توريث الحكم،
    وهذا بطبيعة الأمر المأخوذ من تجارب الممالك السابقة يؤدي إلى صراع داخلي وتصدع لمراكز القوى في السلطة القائمة ويشعل فتيل التآمر والكيد ويولد القناعة اليائسة ((عليَّ وعلى أعدائي)).
    فيترتب على ذلك نهب ثروات الأمة لترسيخ السلطة لأفراد مراكز القوى، وما يدور حول فلكهم من أفراد.
    وحيث والموارد قليلة في مقابل النهب المتهالك سيتجه الحكم الجبري لفرض الضرائب والإتاوات لتغطية العجز الحادث من تكالب مراكز القوى في السلطة.
    فينتشر الفقر والحاجة بين الشعب، ويتعرضون للمجاعة والمسألة وتحدث الفجوة بين الحاكم ورعيته وتغلي القلوب حقدا يمنعها العجز واليأس، فإذا ما نشأ قائد جماهيري من العامة تحركت الأمة فولدت الفتن والحروب فتزيد عجز الموازنة المالية رهقا واتجاه السلطة له طلبا، فتخضع لتلبية مصالح الخارج، وتنقص السيادة للدولة على الأمة، ويفشو الخوف والاغتصاب والقهر والكراهية،
    وتطلب الجهة الخارجية حرب الإرهاب ومحاربة التدين فتتعرض الفئة المؤمنة للخوف والتآمر، ويعين الحاكم الفاسد على تزوير إرادة الشعب، ويستعين على حرب دعاة الحق بجماعات تنسب إلى التدين يقودها ضعفاء فكر ورأي أو في قلبها دخن وحقد،
    وتختلط الأوراق على الناظر فيحجم عن القرار الحازم في الوقت المناسب حتى يفوت القطار ويتعذر الاستدراك،
    ويلبس رواد الحكم الجبري ثياب الديمقراطية استجابة لضغوط الغرب المحارب، فظاهره فيه الرحمة والعدالة والحقوق، وباطنه الاستبداد والقهر والفقر فإذا بثت الصحف أنفاس الشعب المنهك، توجهت أيادي البطش لإسكات اليراع النافث، وتعرض حملة الأقلام للاعتقال والحبس.

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تابع الحجج الطاهرة فى الاعتصام و الاضراب و المطاهرة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 18 مايو 2011 - 12:17

    الفصل الأول:
    أصول وقواعد
    قد علم كل ناظر في الشريعة أن أحكامها مبنية على المصلحة والمفسدة حتى قال الإمام ابن القيم: ((حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله)) ولكن أحكام الشريعة الإسلامية تنقسم إلى قسمين فمنها أحكام تعبدية محضة يقتصر فيها على النص إذ لا علة ظاهرة منضبطة يمكننا بها القياس السليم المستوفي الشروط المقررة في الأصول
    ومنها ما هي أحكام عادية معقولة يُدرك مرامي النص الوارد، مبناها على العلل والمقاصد فهذه الأصل فيها الالتفات إلى الأسرار والحكم والأصل في أحكامها الإباحة والجواز حتى يرد النص الصحيح الناقل غير المعارض.
    وما كان مباحا خادما لمقصد شرعي مرعي فإن له حكم ما هو وسيلة له إذ المقرر في القواعد: ((أن الوسائل لها حكم المقاصد)) حلاًّ وحرمة وحيث والدين كامل شامل فيه من السعة والمرونة ما يفي بأحكام الحوادث المستجدة النازلة.
    فإن في عمومات النصوص والعلل ما يفي بكل نازل حادث، وما لم نجد له نصا ظاهرا أو علة منضبطة فاستصحاب أصل الإباحة في العاديات هو ما دلت عليه الشريعة كما هو مقرر في أصول الفقه وقواعد الاستنباط والاستدلال.
    وولاية النبوة والخلافة الراشدة وإضاءات التجارب المشرقة في تاريخ هذه الأمة الحافل فيه رصيد كبير لرجال السياسة الإسلامية يستقون من معينه الفياض ما يقيهم من الإخفاقات والعثار والفصل بين الدين والسياسة علمانية تخالف شمولية الشريعة وتولي الرعيل الأول من سلف هذه الأمة سدة الحكم والولاية والقضاء والفتح.
    وبالتأمل المستبصر في نصوص الشرع يدرك الناظر الوفرة النصية والفجوة التنزيلية بسبب كف الملك العاض أنظار علماء الدين عن تأصيل وقائع السياسة المتغير إلا على طرف خفي.
    وهذا يستدعي تشجيع الاجتهاد والنظر لتأصيل الوقائع والصور في ميدان السياسة الحافل المتغير واغلب أحكام الكفاية في الشرع منوط قيامها بدولة راشدة وحكم عادل وساسة نصحاء ينطلقون في إدارتهم وتصوراتهم من روح الوحي ومقصد النص، وتعبيد الخلق للرب على مقتضى الشرع الحق.
    فإن نفر الحاكم عن جادة الدين، وجعل الوحي وراءه ظهريا وتولى أعداء الأمة يهودا ونصارى وحارب أولياء الله فقد آذن الله بالحرب وعرض نفسه وملكه للزوال والسقوط ((قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء))آل عمران 26
    ومفهوم ((ما أقام فيكم كتاب الله)) ((وأن لا ننازع الأمر أهله))شروط للسمع والطاعة يستدعي المتأمل للنهوض لأن الله ((لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).الرعد 11
    ونخلص من ذلك إلى القواعد الآتية:
    الأصل في الأشياء الإباحة.
    الوسائل تأخذ حكم المقاصد.
    الإسلام نظام شامل.
    الفقه السياسي منهج الخلافة الراشدة.
    فروض الكفاية منوط بالحكم الرشيد.
    مخالفة الجادة تستنهض رواد التغيير.

    الفصل الثاني
    نصوص كلية تتعلق بفقه السياسة:
    إن الناظر الفقيه لمدلولات النص، لا يكاد يعوقه حكم نازل والفقه السياسي المنضبط له أدلة كلية كافية قادرة على بيان كل أمر، ويخول تصور التفاصيل في ضوء الدلالة العامة لمجتهدي التنزيل بما يحقق مقصد الشرع، واليك أخي الكريم بعضا منها:
    اخرج أبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم)).
    قال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن غريب.
    ويؤخذ من هذا الحديث ما يلي:
    أولا: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولفظه: (لتأمرن، ولتنهون) صريحة في الدلالة على الوجوب ،لدخول لام الأمر على الفعل المضارع الظاهر في الطلب المقتضي للوجوب 0
    وقوله (بالمعروف، والمنكر) مفرد معرف بالألف واللام وهو من صيغ العموم الدال على وجوب إنكار كل منكر والأمر بكل معروف. فيدخل فيه إنكار المنكر المتعلق بالحاكم وغيره 0
    ثانيا: في قوله (لتأخذن على يد الظالم) ما يفيد الأمر المقتضى لوجوب التغيير باليد، ومنع يد الظالم من العبث بمقدرات الأمة ودينها. واليد هي تعبير مجازي للدلالة على القوة في اللغة. وفيها إعلان وإذن للأمة في التغيير باليد ومنع الظالم من الجور والتعسف ولو بالقوة والقهر0
    ويؤخذ من مفهوم النص أن الإمام العادل الذي هو عكس الظالم لا يجوز قسره بالقوة ويجب السمع له والطاعة.والصبر والنصح والألف واللام في لفظ (الظالم) تفيد العموم فتدل على وجوب الأخذ على يد كل ظالم كائنا من كان. ولفظه (على) حرف الجر المفيد للاستعلاء يشير أن الأخذ يكون عن علو وقوة.
    ثالثا: قوله (لتأطرنه، ولتقصرنه) فعل دخل عليه لام الأمر الدال على وجوب إجبار الظالم في هذا إشارة أن قصره وأطره يكون على ما يخالف إرادته ورغبته وهواه.
    ولذا قال (على الحق) وعليه فلا يجوز إعانته على الباطل أخذا بالمفهوم أو إقراره بالمنطوق.
    ولفظ الحق إنما يكون في المخالفة الشرعية الواضحة لا محل الخلاف والاجتهاد إذ لا إنكار في مسائل الإجتهاد0
    وتعريف الحق بالألف واللام ينادي بعموم قسره على كل حق دل عليه نصوص الشرع وثوابت الدين بلا استثناء.
    رابعا: التهديد بالضرب على القلوب عند التواني عن منع الظلم وترتب اللعن فيه دلالة واضحة أنه لا خيار للمكلف في التفرج على الظالم بل اللازم منعه وقصره لينجو من عذاب الله يوم القيامة.
    مع العلم أن الشرع جعل منع الظالم وقصره من أنواع الانتصار له يدل عليه الحديث الثابت: ((إن تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره)) وعليه فإجبار الظالم على الحق وقصره لا يعد خروجا محرما لأن في ذلك نصره ونصحه كما هو ظاهر عبارة هذا النص الثابت حتى مسألة الصحابي المتثبت انصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما
    2 - أخرج أبو داود والترمذي وصححه عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ((يا أيها الناس انتم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" المائدة (105) وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب"))
    ويؤخذ من هذا الحديث ما يلي:
    أولا: أنه لا يصح التعلق بهذه الآية في الخضوع والانفراد وترك الإنكار والأخذ بقوة. وأن ظاهرها المتبادر غير مراد لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المبين للقرآن قد أمر بالأخذ على يد كل ظالم وكلف بذلك كل مسلم عاقل قادر0
    وقول أبي بكر ظاهر في أن للآية معنى آخر وهو من الخلفاء المهديين ونحن مأمورون بالعض على هداهم بالنواجذ.
    ثانيا: فإن قلت ما معنى الآية إذن؟
    فالجواب: فيها توجيه للإنسان بإصلاح نفسه وأن لا يتعذر بضلال الناس في استمراره على الغواية لأن كثيرا من الناس حين يطالب بأحكام الشرع يحتج لضلالة على جهة التبرير أن الناس أكثرهم على ضلالة.
    والآية تنص على أن يهتم الإنسان بنفسه وهدايتها ولا يحتج بانحراف أكثر الناس وغوايتهم في امتناعه عن الهدى بل هو مطالب بقيادة نفسه الى طريق الهداية والفلاح
    وفهم الناس القاصر للآية في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعارض مفهوم قوله تعالى ((إن اهتديتم)).
    لأن المكلف لا يكون على هداية حتى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الثابت بنصوص الشرع، وهل يكون على هدى وهو تارك ما وجب؟
    ثالثا: في هذا الحديث جاء بلفظ (يديه) وفي الأول (يد الظالم) مما يؤكد إجبار الظالم ومنعه عن ممارسة المخالفة والمعصية ولو بالقوة.
    وتأمل في هذا الحديث والحديث السابق تلمح أن النص لم يبين آلية الأخذ على يد الظالم، ففيه دلالة على تفويض المكلف المجتهد في الآلية المناسبة المحققة لقصر الظالم ومنعه بما لا يخل بمقاصد الشرع.
    وطالما المظاهرات والاعتصامات والمهرجانات وسائل للقصر والأطر اقرها القانون المنبثق من الشرع بين الحاكم والمحكوم وأيدها أصل الإباحة المستصحب في الشرع وكونها وسيلة لمنع محرم والقيام بواجب تصبح الوسيلة لها حكم المقصد وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
    وعليه فهي داخلة في مسمى الأخذ على يد الظالم الثابت في هذين النصين السابقين.
    رابعا: إن قوله: ((أن يعمهم الله بعقاب)) لفظة ((العقاب)) مطلقة فتحمل على العقاب الدنيوي والأخروي وما حل بالبلد من حروب وفتن وقلاقل مخلة بالأمن إلا بالسكوت المتفرج على المخالفة ورفع العقاب واجب لكونه من رفع الضرر الحادث.
    الطريقة إلى رفع العقوبة الأخذ والقصر على يد الظالم المستبد بكل وسيلة ممكنة للمكلف بما لا يؤدي إلى فساد أعظم أو ضرر أشد.
    خامسا: إن تأكيد الأخذ بترتب العقوبة أو اللعن والطرد أو بتأكيد الأمر بالمصدر ((أطرا ، وقصرا))لفيها قطع لطرق وساوس التخاذل والخوف، ودفع للمكلف العاقل في الأخذ على يد الظالم ومنعه، وأن هذا الأخذ فيه مصلحته وفوزه ولو كان خارجا عن إرادة الظالم ورغبته وهواه.
    سادسا: في قوله ((إن الناس)) دلالة واضحة أن عموم الأخذ على يد الظالم منوط بجميع الخلق لأن لفظ ((الناس)) عام يشمل المسلم والكافر فيدل على وجوب الاجتماع للأخذ والقصر من الظالم على كل الناس،يشهد لذلك الرسول في حلف الفضول على نصرة المظلوم واجتماع الناس في ذلك سيكون صورته الواقعية عملا جماهيري شاملا بما يحقق القيام بالواجب وإلا استمر الوجوب حتى يشمل كل الأمة فتقوم به أو ينالها الإثم والمعصية بسبب التخاذل في نصرة المظلوم من الظالم.
    وقيام كل أفراد الأمة هو ثورة عارمة أو مسيرة حاشدة أو مهرجان حافل وهو المطلوب0
    أخرج أبو داود وحسنه الألباني عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل يوم القيامة)) وفي هذا الحديث دلالات شرعية مشابهة لما سبق في الأحاديث قبله لن أعرج عليها اكتفاء بما سبق وسأذكر هنا ما انفرد فيه من الدلالات وهي كالتالي:
    أولا: لفظة ((رجل)) في قوله: ((ما من رجل)) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم فتشمل الحاكم والمحكوم.
    و لفظة ((من)) تأكيد في استغراق العموم لكل رجل وظاهر لفظ ((رجل)) تخرج منه المرأة لأن الجناية العامة المعصية الكبيرة خطيرة الأثر إنما تأتي من جهة الولاية العامة كالملك وهو منصب مختص بالرجال عند جمهور أهل العلم ونقل فيه الإجماع.
    وقد يحمل لفظة ((رجل)) على معنى المكلف فتدخل فيه المرأة تبعا وإنما ذكر الرجل فقط لما علم في تصرفات الشريعة من دخول المرأة في الأحكام تبعا للرجال. أو أن المعصية الظاهرة التي تستدعي عامة الأمة إنكاره والأخذ على يد الظالم فيها إنما تكون غالبا من الرجال، وحدوثها من النساء نادر والشرع يعتبر الغالب في الأحكام فناسب ذكر الرجل دون المرأة على ان المرأة لو خاضت في الإثم لما عذر مكلف عن الإنكار لعمومات النصوص الأخرى0
    ثانيا: تأمل في قوله ((يعمل فيهم بالمعاصي)) فلفظة ((فيهم)) فيها إنذار للناس أن ما يعمله العاصي المخالف للشرع من الإثم إنما يوقعه فيهم، والذي يسكت عن وقوع الإثم فيه يعتبر مشاركا ومقارفا ولفظ ((المعاصي)) من صيغ العموم الشامل لكل معصية ترتكب سواء كانت صغيرة أم كبيرة مع القدرة على التغيير:
    ثالثا: في الحديث دليل ظاهر أن رفع الظلم وهو احد أنواع المعاصي المرتكبة في الأمة منوط إزالته بالقدرة فلا يأثم المكلف مع العجز ولكن ينتقل التكليف من التغيير الآني إلى وجوب إيجاد أسباب القدرة على التغيير للمنكر بما يؤول إلى إزالته مستقبلا، فإن لم يوجد المكلف الأسباب إثم لوجود القدرة في القيام ببعض أسباب إزالة المنكر والميسور لا يسقط بالمعسور
    فإذا استدعى إزالة المنكر أو المطالبة بالحق من الظالم حشد الأمة وتظاهرها كان هذا الفعل المقدور عليه من واجبات الأمة المطالبة بالقيام به. وكلما اتسعت القدرة اتسع الواجب تبعا حتى يزول المنكر ويقام المعروف وينصر المظلوم وينال كل ذي حق حقه.
    رابعا: في الحديث دلالة ظاهرة على ترتب العقوبة على المكلف المتخاذل في الدنيا قبل الآخرة ومفهوم الحصر بـ (ما أ، إلا) أن الأمة القادرة على تغيير المعصية والإثم إذا قامت بذلك الواجب
    فإنه لا يصيبها العقاب الدنيوي قبل الموت وفيه حث لكل عاقل إلى القيام بالواجب بكل وسيلة ممكنة محققة مستطاعة.
    اخرج الترمذي وحسنه الألباني عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))
    في الحديث دلالات ظاهرة على الأمر بالمعروف وإزالة المنكر أو يترتب العقاب الإلهي بالتواني وعدم استجابة الدعوة بسبب التواني عن القيام بالواجب كما دلت عليه الأحاديث السابقة وفيه هنا زيادة وهي: أن المسلمين المقصرين في القيام بالواجب المقدور ارتكانا على الدعاء حريٌ أن لا يُستجاب لهم وفي بعض الراويات: ((ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم)) لأن الخيرية الحقيقية في القيام بالواجب والمطالبة بالحق وانتصاف المظلوم والأخذ على يد الظالم وأطره وقصره.
    ثم إن ترتب منع استجابة الدعاء يدل على المخالفة والإثم وفي المقابل وجوب القيام بكل ما كان سببا لمنع الإجابة.
    أخرج أبو داود وحسنه الألباني عن العرس بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسم: ((إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها))
    وفي الحديث دلالات نجملها فيما يلي:
    أولا: أن لفظة ((الخطيئة)) لفظ عام لكل ما يقترف الإنسان ويدخل في دائرة الإثم والعصيان. وسواء عملها فرد أو جماعة أو حاكم أو محكوم فالواجب إنكارها ليسقط عنه الإثم بعد العلم بها فالمسلم لا يجوز له السكوت عن كل إثم أو خطيئة شهدها، والإنكار منوط بالقدرة وحسب الطاقة.
    ثانيا: أن الرضا بالمعصية ولو لم يشهدها إثم سيشارك فيه الراضي الفاعل، ولذا استحق أقوام الأمم المكذبة العقوبة مع أن الجاني على الناقة رهط أو شخص والسبب رضاهم بفعله مع غيابهم لمشهد جنايته.
    وعليه فلا يجوز علينا السكوت بعد الشهود، ولا الرضا بالإثم إن غبنا عنه حتى لا تعتبر في حكم المقترف والمشارك في نظر الشرع.
    عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
    إن كلمة الحق والعدل في موقف يروغ فيه الجبناء الأذلاء ويتقرب إلى الحكام ضعاف النفوس بغية المصالح والمناصب جعلها الإسلام أعظم أنواع الجهاد الفردي يرقى بها الفاعل إلى أعلى مراتب القرب في الجنة، ويستحق وسام سيد الشهداء فيما لو تعرض لسفك دمه.
    وفيما لو قامت امة بكلمة العدل أمام الجائر فإنها داخلة في معنى النص الوارد، فالكتابة الصحفية والنشرات النصحية، واللافتات الآمرة والناهية المكتسبة معنى كلمة العدل تنال مرتبة أعظم الجهاد الموسومة في النص.
    وعن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الدين النصيحة)) قلنا لمن يا رسول الله؟ فقال: ((لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
    إن بيان الخلل مع مراعاة الآداب بهدف التقويم هو النصح الوارد في النص. وتعريف ((الدين)) بالألف واللام وهو المبتدأ، وكذا تعريف الخبر وهو ((النصيحة)) من صيغ الحصر الدالة على المبالغة، المفيدة لوجوب النصح، وإثم من شاهد وسكت لكونه نوع خيانة وغدر.
    وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن النصح واجب لكل شيء لأنه لم يحدد في النص الأول جهة المنصوح.
    وأيد دلالة العموم بعموم التفصيل الوارد به النص ومنها النصح ((لأئمة المسلمين)) والتعبير باللام المفيدة للملك دلالة على أن هذا الحق واجب للمنصوح وليس على جهة التفضل من الناصح.
    إذا كان الخلل عاما ويتعلق بخلل تصوري شاع بين الناس ولم يراجع نفسه القائل به بعد النصح وجب بيان بالخلل بشكل عام بدون ذكر الاسم وإن فهمه الناس من الخطاب عملا بالأدب النبوي الوارد ما بال أقوام يفعلون كذا.
    أما إذا كان الحق بسبب ظلم وجور فإن الشرع أجاز للواقع عليه الجهر به وإعلانه لقوله صلى الله عليه وأله وسلم: ((إن لصاحب الحق مقالا) أي يجب أن يسمع له لأن الحق أكبر من الرجال.
    قال تعالى: ((لا يجب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)) فهذا استثناء متصل دال على جواز الجهر بالسوء على الظالم من قبل المظلوم إذ لا طريق للمطالبة بالحق وإرساء العدل إلا به.
    عن سويدي مقرن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من قتل دون مظلمة فهو شهيد)) أخرجه النسائي وصححه الألبان.
    إن لفظ ((مظلمة)) نكرة في سياق الشرط وهي من صيغ عموم اللفظ لكل ما يدخل تحت مسمى المظلمة وإن صَغُر، ولا يتعرض المطالب بالحق إلى القتل إلا بعد الجهر به وإعلانه مما يدفع الظالم المتجبر إلى السعي لإسكات المطالب ولو بإزهاق روحه وتَيَتَم أولاده.
    وعموم اسم الشرط ((من)) يستغرق كل شخص مات دون مظلمته وهنيئا له الشهادة ( فألئك مع الذين 0000
    ودين يدفع بأفراده إلى المطالبة ولو إلى درجة الهلاك حقيق أن ينال أفراده حقوقهم وحرياتهم الكاملة.
    نعم النص لا يستلزم الوجوب فيما إذا كان الظلم حقا شخصيا لكنه يدل على جواز بذل النفس إلى الوصول إلى الحق.
    أما إذا كان الواجب ولاحق عاما وهو جهة مفوضة بالمطالبة به من قبل أهله، فليس له حق التنازل والسكوت لأن الولاية منوطة بالمصلحة وليس من مصلحة الأمة الواقع عليها الظلم أن يسكت أصحاب الحق المفوضين بالمطالبة به.
    وعلى الباقي بذل كل ممكن لنيل الحق ما لم يترتب عليه فساد أكبر ومع ذلك لا يعفى الظالم من الإثم أو التهديد بالفساد الأكبر لمنع المطالبة بالحق المشروع
    إن لفظة ((شهيد)) مرتبة عالية في الإسلام والمطالبة بالحقوق ولو تعرض المسلم للهلاك طريق لنيل هذه المرتبة كما دل عليه النص الآنف الذكر ففيها اغراء للمكلف ببذل أقصى ما يمكن للوصول الى الحق او الدفاع عنه او ارتقاء صهوة جواد الإستشهاد والخلود0
    قد يقول قائل:
    إن حفظ النفس ضروري وحفظ المال كذلك ولكن المال دون النفس فإذا تعارضا قدم حفظ النفوس فلماذا قدم النص المؤخر في المقاصد؟
    والجواب: أن المال ضروري لقوام الحياة وحفظه مقصد كلي شرعي، والنص إنما أجاز المطالبة ولو تعرض للهلاك لأن الظلمة إذا علموا استبسال أصحاب الحق في الحصول عليه سيدفعهم توقي الصراع والخوف على المصالح إلى الامتناع عن أخذ أموال الناس بغير وجه حق.
    ولو افترضنا أن الإسلام منع المكلف من الدفاع على ماله إذا خشي تعرض نفسه للهلاك لدفع هذا الظلمة إلى أكل أموال الناس ظلما وجورا استغلالا لهذا التشريع المثبط المنافي لنخوة العرب في الإستبسال من أجل الحق يشهد لهذا موقف السعد بن السعد بن معاذ وسعد بن عبادة حين رفض التنازل عن ثلث أموال المدينة لغطفان في مقابل الإنسحاب ومزقا الوثيقة المكتوبة رغم الحالة الحرجة من الحصار القاسي الذي بلغت فيه القلوب الحناجر
    والإنسان لا يصبر أن يرى حقه يؤخذ وماله يسلب دون الدفاع والنضال فيسبب ذلك زيادة انتهاك الأموال والدماء.
    فلما عاد تقديم النفس على المال بالناس إلى زيادة الدماء كان مراعاة التقديم عائده على أصلها بالإلغاء فأباح الشرع بذل النفس من أجل المال.
    وكذا لكي لا يربى المسلم على الذل والخضوع المنافي لروح الجهاد والاستبسال لأجل الحق سواء كان دينا أو مالا أو نفسا أو عرضا.
    أخي القارئ الكريم إن النصوص في هذا الباب واسعة وفيما ذكرنا كفاية لمن كان له هداية.
    ويمكن أن نلخص مقاصد النصوص الشرعية الثابتة فيما يلي:
    ((إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق وواجب لا يجوز السكوت عنه والصدع بالحق حق في وجه الجائر ونصرة المظلوم بكل مسمى النصرة الشرعية واجب إخوة الدين إما بالإعانة على الظالم أو منع الظالم عن ظلمه للخلق ففيها منعه من ارتكاب الذنب وهو من أعظم النصح ودليل الحب.
    ومناصحة الحاكم والمطالبة بالحقوق السياسية ومنع الاستبداد والمطالبة بالعدالة في توزيع الثروة ===== أثره واجب على الأمة.
    وكل وسيلة تؤدي إلى هذه الواجبات الشرعية ستكون واجبة لأن الوسائل تحمل حكم المقاصد بشرط الإباحة في الوسيلة وبما لا يؤدي إلى ضرر أكبر أو منكر أشد)).

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تابع الحجج الطاهرة فى الاعتصام و الاضراب و المطاهرة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 18 مايو 2011 - 12:28

    الفصل الثالث
    وسائل العمل السياسي
    إن الناظر إلى أحداث السيرة وتاريخ الأمة سيجد تجارب كثيرة وممارسات عملية للمطالبة بالحق والنصح للخلق تؤكد مشروعية العمل السياسي ووسائله وسوف اعرض في هذا إلى ومضات دالة على مشروعية المظاهرة والإضراب والاعتصام والمهرجان والثورة والوجود أعظم دليل على الجواز المقرر لأصل الإباحة حتى يرد النص الحاضر الصحيح غير المعارض.
    وبيان ذلك في المباحث التالية:
    المبحث الأول
    المظاهرة:
    هي خروج إلى الأماكن العامة للمطالبة بالحق قولا بلا سلاح وحرب لإشهاد الخلق على ما يقع عليه من ظلم وجور.
    إن المتأمل في حديث الرجل الذي كان يظلمه جاره ويؤذيه وإرشاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بإخراج متاعه إلى قارعة الطريق ليسأل المارة ويلعن الناس الجار المؤذي حتى دفعه إلى القسم بعدم إيذائه في مقابل أن يترك بقاءه في الطريق.
    ما يشير بجلاء إلى مشروعية التعرض في الشوارع بشكل يستدعي السؤال لينقل شكواه إلى الخلق لينصفوه ممن ظلمه هذا في حق الجار المؤذي فالحاكم الظالم من باب أولى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب0
    وإن صياح اليهودي في المطالبة بالدين الذي كان لدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله بغليظ القول: ((يا بني عبد المطلب إنكم قوم مطل)) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أن اليهودي أخطأ في حقه لأن آخر يوم لوقت القضاء باقِ إلا أنه تعامل معه بالحسنى وهو في تلك الفترة في مقام الحاكم للدولة فلما أراد عمر أن يمنعه بالقوة عن المطالبة بالحق نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن فعل ذلك وقال صلى الله عليه وسلم هي: ((يا عمر أنا وهو أحق بغير هذا منك تأمره بحسن القضاء وتأمرني بحسن الأداء))
    إن أسلوب اليهودي في المطالبة كان بما يشبه المظاهرة في مطالبة الدين وهو حق له، لا يجوز منعه من المطالبة ولكن إحسان المطالبة من أدب الطلب فمتى أحسن المرء المطالبة بلا جرح أو قدح ولو بالإعلان فالواجب الوفاء بحقه، بل لو أساء الطلب فإن إساءته لا تجيز لذوي السلطة أو الولاية إنكار الحق الذي له.
    وجاء في بعض الروايات أنه قال له صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: ((دعه إن لصاحب الحق مقالا)) وإضافة النكرة (صاحب) إلى لفظ (الحق) المعرفة من النصوص الدالة على العموم المفيدة لمشروعية القول ولو برفع الصوت بين الخلق في المطالبة بالحق.
    إن إعلان ابن مسعود وأبي ذر وعمر بن الخطاب وغيرهم بإسلامهم في أسواق مكة وجوار الكعبة وتألب قريش المتكالب عليهم لمنعهم من كلمة الحق، وسكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن فعلهم وإن لم يكن واجبا عليهم في فترة السرية أو لعدم القدرة إلا أن فعلهم هذا يدل على مشروعية التصريح بكل رأي شرعي لا يخالف ثوابت الأمة وإن لم يرض الحكومات والدول.
    ولقد جاء في قصة إسلام عمر أنه جهر به عند الكعبة وتصارع مع قريش حتى وافاه الليل.
    بل قال ابن مسعود لم نستطع الصلاة عند الكعبة حتى اسلم عمر بن الخطاب.
    بل ورد في السيرة قصة أبي بكر حين كانوا في حدود الأربعين شخصا قبل إسلام عمر وحمزة أنه طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج لإعلان الدعوة عند الكعبة فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنا قليل)) فلما رأى إصرارهم خرج معهم مما أدى إلى ضرب أبي بكر الصديق من قبل بعض بني مخزوم بنعل حتى لم يميز وجهه من قفاه وكاد أبو بكر أن يتعرض للهلاك في قصة مشهورة.
    إننا لو تأملنا فيها لوجدناها صورة من المظاهرة للمطالبة بحق إظهار الدين ومنع تكميم الأفواه الحادث من سلطة قريش الجاهلية.
    إن من يقرأ قصة الإمام أحمد ومحنة خلق القرآن حين جاء بعض الفقهاء يقول له إنه يجوز لك أن تقول لهم ما يريدون فأنت مكره وقد أجاز الإسلام كلمة الكفر كما هو معروف مقرر لحفظ النفس في قوله: ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) فقال الإمام أحمد لذلك العالم انظر من النافذة إلى من خارج قصر الخليفة، فلما نظر وجد امة من الناس يقولون له: ((ماذا قال أحمد؟؟))
    جاء في بعض الروايات أنهم كانوا حوالي سبعين ألفا قد يكون فيها مبالغة ولكن المسلم به أن هؤلاء الذين كانوا ينتظرون ما سيقول أحمد ليكتبوه وهم من أنصاره يمثل أكبر تظاهرة كانت سببا في تثبيت أحمد على الرأي الحق. إن مثل هؤلاء كانت تفعل لهم ملوك العباسيين ألف حساب فيما لو حدث لأحمد أي شيء.
    إن لم يكن ما فعله أنصار أحمد مظاهرة فما هو إذن؟
    لقد نقل لنا التاريخ أن الإمام أحمد بن نصر الخزاعي بايع أهل بغداد وخرجت بغداد في شكل مظاهرة لم يشهد لها التاريخ مثيلا مما دفع بالعباسيين إلى قتل هذا الإمام. ورصد لنا التاريخ أن مسلما قتل يهوديا ومذهب الجمهور أن المسلم لا يقتل بالكافر وكان مذهب أبي حنيفة أنه يقتل به لعموم النفس بالنفس ((وكان القاضي أبو يوسف الذي يشغل منصب قاضي القضاة في الدولة العباسية حنفيا ويرى أنه يقتل به وحكم بذلك فانكر الناس عليه هذه الحكم وخرجوا إلى الشوارع احتجاجا واستنكارا وقال شاعرهم:
    يا قاتل المسلم بالكافر
    يا من ببغداد وأطرافها
    جار على الدين أبو يوسف
    فاسترجوا وابكوا على دينكم
    جرت وما العادل كالجائر
    من فقهاء الناس أو شاعر
    بقتله المسلم بالكافر
    واصطبروا فالأجر للصابرين

    ووصلت الرسالة إلى أبي يوسف وفيها أبيات الشعر المذكورة وكان آنذاك أبو يوسف قاضي قضاة الدولة العباسية، وفي مسألة خلافية مشهورة لقول أبي حنيفة مع ضعفه وجه معتبر معتبر وحجة ومع ذلك قام الناس بالاستنكار بما يمكن أن نسميه اليوم مظاهرة كما حكاها التاريخ دفع هذا أبا يوسف إلى الدخول على هارون الرشيد ليخبره الخبر وقرأ عليه أبيات الشعر فقال له الرشيد: تدارك هذه الأمر بحيلة لئلا تكون فتنة فخرج أبو يوسف مطالبا أولياء المقتول بالبينة على صحة الذمة وأداء الجزية فلم يأتوا بها فاسقط القود وحكم بالدية.
    إن هذا الصور المذكورة في التاريخ وغيرها كثير لتدل على ممارسة أمة الإسلام للمظاهرة في المطالبة بالحق وإنما اقتصرنا على المشهور، ومن يقرأ قصة شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ومناظرته لأصحاب المذاهب وحضور أهل دمشق حول دار المناظرة طوال الليل إلى الفجر لهو أعظم مظاهرة في مناصرة لهذا الإمام الجليل كانت سببا لسجنه خوفا من سلطان زمانه أن ينقلب عليهم لما له من جماهير واسعة.
    واعتبر يوم موته الذي جاء في قصته أنه أغلق الناس حوانيتهم وخلت الأسواق وحضر جنازته مئات الآلاف من الناس بل بعضهم حسبها بالملايين لهي اكبر مظاهرة ومناصرة لأراء شيخ الإسلام رحمه الله.
    إن لم تكن هذه من صور المظاهرة في المطالبة بالحق وحرية الرأي فما هي المظاهرة؟
    المبحث الثاني
    الإضراب
    إن الإضراب هو عدم تلبية الرعية لأوامر أميرها احتجاجا على حق يظنون أنه ضيعه.
    وقد ورد في البخاري عن المسور بن مخرمة في سرده لقصة صلح الحديبية واشتراط قريش أن من اسلم وهاجر يرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مدة الصلح. وكان هذا شرطا مجحفا عده عمر بن الخطاب وجمهور الصحابة دنية في الدين وقال: ((فلم نعطي الدنية في ديننا))
    وكانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخطأ في هذا الصلح وأن الرضا بهذا الشرط بعد البيعة على الموت تخاذل وجبن، وكانوا يظنون أن الوحي سيأتي لتسديد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيرجع عما صالح عليه وجاء في الرواية: ((فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ((قوموا فانحروا ثم احلقوا))
    قال الراوي: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.
    فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة....الخ)) إن هذا الفعل من الصحابة في حق الرسول الموحى إليه الذين كان يمثل رأس الدولة ما هو إلا نوع إضراب بالاصطلاح السياسي المعاصر.
    قد قول قائل: لكن فعل الصحابة هذا كان غير صائب والجواب: نعم هو كذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصدر رأيه عن وحي، وتبين بعد ذلك أن هذا الصلح كان فتحا ونصرا لما آل إليه من النتائج.
    ولكن الشاهد فيه: أن الصحابة مع حبهم الشديد لمقام النبوة إلا أنهم عبروا عن مخالفتهم للرأي بهذا الإضراب التاريخي غير المسبوق الدال على ما كان يتمتع به الصحابة من حرية الرأي والقول ولو كان مخالفا لشخص النبوة.
    ومع أن الإضراب لم يستمر طويلا إلا أنه دليل على وجود صورة الإضراب في عصر النبوة وفيه عارضوا أكمل شخصية عرفتها البشرية. ولم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن وبخهم أو قال إن هذا التصرف بدعة بل لما نزلت سورة الفتح قرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم وفيها تأييد السماء لما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عمر له: ((يا رسول الله أفتح هو؟)) فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيجاب.
    إن هذه الحادثة تعلمنا كيفية التعامل مع الأمة فيمإ إذا خالفت أمر الأمير لرأي رأته تعتقد أنه الحق.
    و جاء في التاريخ أن عمر كان يقول بعد ذلك أيها الناس اتهموا آراءكم فو الله ما كنت أظن في الحديبية إلا إني على الحق.
    إن المتأمل بشيء من الروية يلحظ من التعامل النبوي الثلة المؤمنة إقرارهم على الأسلوب من حيث الجملة وإن كانوا مخطئين من حيث الحقيقة0
    وعدم إنكاره عليهم تصرفهم هذا معه بعد استجابتهم له في متابعتهم لفعله، وحواره الراقي لعمر بن الخطاب الذي كان يمثل في هذه الحادثة إن جاز التعبير: زعيم المعارضة ما يستشف معه القارئ أن هذا الأسلوب في التعبير عن الرأي المعارض سائغ وإن كان غير صواب في الحقيقة لمعارضة مقام النبوة.
    آمل من يقرأ كلامي هذا أن يغوص في المعنى فسيجد ما استدل له واضحا بينا والله أعلم.
    المبحث الثالث
    الاعتصام
    إن الاعتصام هو اجتماع امة من الناس في مكان معين تسجيلا لاعتراض تصرف به الأمير أو الحاكم ومن يقرأ في السيرة والآثار المروية في قصة حنين حين نادى أصحاب بيعة الشجرة فعطف عليه الأنصار بعد أن ولّى الناس عنه الأدبار لما سمعوا صوت العباس يذكرهم بالعهد على الموت دون الفرار فلما انتهت المعركة بانتصار المسلمين وزّع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغنائم الكثيرة على مسلمة الفتح الفارين والمهاجرين دون الأنصار وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم الأثرة لعلمه أن قريش سوف تستأثر بالأمر بعده، فلو لم يؤثر حجم الأنصار لسبقهم في الدين لربما كان سببا للفرقة ولذا قال لهم: ((إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)).
    والشاهد: أن الأنصار تجمعوا وقال حدثاء الأسنان لقد وجد رسول الله أهله، وقال الآخر إن سيوفنا تقطر من دمائهم وغنائمنا ترد لهم إن هذا لهو العجب.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسعد بن عباده: ((وأين أنت من ذلك يا سعد؟))
    فأجاب بكل صراحة: ((إنما أنا امرئ من قومي)) ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأنصار في الخبر المشهور وحاورهم وأقنعهم بما ذهب إليه وبكوا حتى أخضلت لحاهم ورضوا برسول الله قسما وحظا.
    أيها الإخوة: تأملوا في هذه الصورة ستجدونها اعتصاما من الأنصار، وعبارات صدرت منهم دالة على احتجاج في نفوسهم، وانظروا كيف تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا الإعتصام والمعتصمين؟؟
    إن هذا أول اعتصام سجله التاريخ في هذه الأمة، وحدوثه من الأنصار في رأي رأوا أنهم هُضموا فيه من حامل الرسالة ليدل بجلاء على معرفة الرعيل الأول لأسلوب الاعتصام بصورة فطرية كآلية يسجلون فيه خلافهم في الرأي.
    وتعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم وحواره لهم وأدبهم معه ليدل على قمة الوعي والفكر في الحوار الراقي المثمر الذي وصل إليه ذلك الجيل الفريد استحق معه أن يكتسح كل ثقافة وفكر أمامه في تلك المرحلة من تاريخ العالم ويطأ بأقدام خيله أسوار الصين وماء المحيط الأطلنطي وجبال النيروز في فرنسا.
    ولو كان هناك شخص يستحق أن لا يعارض رأيه أو لا يمارس معه الإضراب والاعتصام لكان محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
    إن تسجيل التاريخ والسيرة للوسائل التي مارسها الأنصار للتعبير عن آرائهم فيما خالفوا فيه تصرفات النبوة من وجهات النظر المحتملة وتعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم بتلك الصورة الراقية لتدل بجلاء على إقرار الأسلوب وإن أخطئوا في وجهة النظر، مما يجعل مثل ذلك التصرف لا يأنف منه زعيم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يغضب من فعله، فإذا كان هذا الفعل مورس مع صاحب الرسالة فهو مع غيره أولى وأحرى من أئمة العدل وخلفاء الإسلام فضلا عن حكام الجور والظلم التي ابتليت بهم امة الإسلام في هذا العصر.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تابع الحجج الظاهرة في الاعتصام والإضراب والمظاهرة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 18 مايو 2011 - 12:31

    المبحث الرابع
    المناظرة
    المناظرة هي: استماع محايد لحجج وجهات نظر مختلفة يتبين معها الأصوب من الآراء. وما قصة مناظرة موسى للسحرة في يوم الزينة ببعيد عنا؟
    ومناظرة إبراهيم لطاغية عصره وقطع حجته بمسألة الشمس وإشراقها.
    وكذا مناظرته لقومه حين كسر أصنامهم وقال لهم متهكما ((بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون))
    ومناظرة جعفر الطيار لداهية العرب عمرو بن العاص أمام النجاشي في مسألة عقدية تتعلق بمريم البتول.
    ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصارى نجران إلى المباهلة بعد المناظرة وإدلاء الحجة.
    والتاريخ الإسلامي مليء بالمناظرات في المسائل الفقهية والعقدية والسياسية وألف العلماء كتبا مفردة ومارسوا ذلك عمليا بما لا يكاد ينكره عاقل عارف، ولذا لن أكثر من الكلام حول هذه المسألة ولكن أقول ينبغي اعتبار المناظرة كأسلوب لبيان أصوب الآراء وإقناع الأمة به بالضوابط الشرعية المعتبرة التي قررها أهل العلم في ذلك ومراعاة الآداب في الحديث والتسليم بالحجج وعدم الانتقال أو المكابرة واعتبار الأدلة ووجود المحكَّم وجدواها في بيان الحق وائتلاف الخلق مع سلامة الصدر وصلاح الأمر والأمن من الفتن.
    المبحث الخامس
    المهرجانات واللقاءات العامة
    والهدف من المهرجانات: بيان قضية لعامة الأمة لخطورتها وموفقهم تجاهها.
    إن من يقرأ الحديث الوارد في الصحيح عن ابن عباس ويطالع السيرة في المرحلة المكية حين صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصفا ونادى في قريش: ((وآآآآ صباحاه وآآآآ صباحاه!)) فلما اجتمعت قريش قال لهم: ((أرأيتم لو أن وراء هذا الجبل جيش مصبحكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي؟؟)) قالوا: ما جربنا عليك كذبا فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب أليم؟؟
    فسكت القوم ولم يدروا ما يجيبون فقال أبو لهب: تباً لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا.
    تأملوا قولهم: ((ألهذا جمعتنا؟؟)
    إن هذا المهرجان التاريخي لإعلان الدعوة جهرا في المرحلة المكية، يكاد الناظر الفقيه يخال هذه الكلمات الخالدة، افتتاحية مؤتمر صحفي أو مهرجان جماهيري يعلن فيه الرسول الخاتم عن فكرته ولو كانت لا تتوافق مع أهواء سلطة الملأ المكي.
    إن هذا الفعل ليدل على مشروعية هذا الأسلوب الجماهيري في إعلان الرأي أمام السلطات.
    إن لم تكن هذه فعالية جماهيرية مارسها الرسول الخاتم فيا ترى ما هي المهرجانات واللقاءات والندوات.
    وكذا حين جمع أبو جهل قريش ليعرض عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصة الإسراء والمعراج إنها لوسائل ظاهرة جماهيرية لإعلان الحق الذي تحمله الدعوات أمام طغاة العصور تعبيرا جليا لنصوص بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ((وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم))
    تأملوا معي قوله ((أينما كنا)) إنه إعلان للصدع بقول الحق في أي مكان فدلالة العموم المكاني مع عدم اعتبار أي لائم ينادي بها النص بجلي العبارة ومنطوق الدلالة.
    إن هذا النص النبوي الثابت يصلح لأن نختم به هذا الفصل البين، الدال بمنطوق لفظه على اعتبار القول الحق في أي مكان بلا خوف لوم من مسمى عهد الإنسان مع ربه يدخل فيه كل صور النضال السلمي السابقة من مظاهره فإضراب واعتصام فمناظرة فمهرجانات ولقاءات.
    المهم أن يستيقن الصارخ في وجه الباطل أو يغلب على ظنه في الأقل أنه على الحق يرجو رضاء الحق بما فيه صلاح الخلق وإقامة العدل وتحقيق الاستخلاف وإعمار الحياة ونشر الدين في عموم العالمين.

    الفصل الرابع
    شبهات وردود
    إن أهل الحق ما نادوا بالشرع إلا وشغب عليهم شياطين الإنس والجن، لبسوا على الناس بما يبثونه من شبهات ودعايات، وقد تكفل القرآن برد كل شبهة أوردتها ألسنة الباطل وكثيرا ما يتكئ المخالفون المنكرون لما دللنا عليه وبيناه على حجج هي أوهى من بيوت العنكبوت ولذا رأينا أن نعرض لأهمها وهناك رد إجمالي هو أن من تأمل فيما استدللنا به يعلم انما كان من باب قطع عرق الوهم إذ جواز ما ذُكر ثابت بأصل البراءة واستصحاب الإباحة والمقام غير داخل في أصل العبادة مما لا يعقل معناه، والمانع هو المطالب بالدليل لا المبيح، ولكن إمعانا في تقرير الحق المؤيد بالنص وحرصا على ثلاجة الصدر وطيب النفس دللنا لما ذهبنا إليه بما سبق براءة للذمة ونصحا للأمة وإقامة للحجة.
    وأما الجواب التفصيلي لبعض الاعتراضات فبيانها في المباحث الآتية:
    المبحث الأول
    أنه تقليد للغرب
    إن من أصول الدعوة وأصل الشريعة أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وإنما هذا في العاديات المعتبر فيها النظر في المعاني والأسرار والحكم دون التعبدات وما يتميزون به من العادات.
    ففكرة حفر الخندق أصلها فارسي وهم مجوس لم يمنع استيرادها منهم واختصاصهم بها وعدم معرفة العرب لها من الاستفادة منها في غزوة الأحزاب وكانت سببا في دفع كلاب الكفر الشاردة المتعطشة لاستباحة المدينة وإبادة خضراء الإسلام وأهله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
    ولما أراد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم مراسلة ملوك الأرض لإبلاغهم رسالة السماء، وكان برتوكول المكاتبات الملوكية المتعارف عليه أنهم لا يقرؤون إلا كتابا مختوما.
    إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل هذا من عادات أهل الكفر لا تقلدوهم فيها، إنما كان همه بلاغ الدعوة، والوسائل لم تكن على مدى تاريخ الأمة عائقا أمام إقامة الحجة إن لم يرد نص خاص بحظرها.
    إن تعلم لغة القوم الكفار تكاد تكون من أخص ما يتميزون به ومع ذلك فقد كلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن ثابت في تعلم لغة يهود حتى يقرأ له كتبهم ويراسلهم بما يعرفون.
    فهل قال صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا تقليد لليهود؟ لا يجوز محاكاتهم فيه.
    نعم لا ننكر ورود نصوص كثيرة علة المنع فيها مشابهة اليهود والنصارى، بما يحقق الاستقلالية الشخصية للفرد المسلم.
    على أنا بعد بيان نصوص عامة، وحوادث مفصلة دالة على مشروعية وسائل النضال السلمي من السنة والسيرة فلا وجه لدعوى تقليد اليهود والنصارى لأن صورها لها أصل في شرعنا وهي عادية ولا تختص بهم وفيها حكمة لا أظن عاقل يمنع الإفادة منها.
    المبحث الثاني
    فيها خروج على الحاكم
    قد يقول قائل: إن الوسائل التي ذكرتها صور للخروج على الحاكم وهو ممنوع في الشرع.
    والجواب عليه من وجوه:
    الوجه الأول: أن هذه الوسائل قد تم الاتفاق فيها مع الحاكم ودونت في القوانين كوثيقة بين الحاكم والمحكوم فكيف يقال أن فيها خروجا عليه وإقراراها قانونا كان برضاه؟؟
    الوجه الثاني: إنما منع العلماء الخروج المسلح المفضي للفتنة أما صور العمل السلمي فلا قتل فيها ولا صول فما وجه المنع؟
    وقد نص الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عند ترجمة الحسن بن صالح بن حي: ((أنه كان يرى الخروج بالسيف وهو مذهب للسلف قديم)).
    إذن الخروج مذهب سلفي بالسيف كما نص الحافظ ابن حجر أما نحن فلا نخرج بالسيف وإنما نطالب سلما بالحق، بوسائل اقرها القانون والدستور وإنما قلنا هذا من باب: ثبت عرشك ثم انقش فنحن لا نسلم الأصل المستند فضلا عن الفزع المخرج.
    أقول: ومع أنا في وسائلنا السلمية لم نخرج عما عليه جماهير فقهاء الأمة في منع الخروج بالسيف إنما نخرج بالكلمة والصوت والتعبير الحر عملا بالنص ((وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)).
    ولكن مع ذلك نعتبر القول الآخر الذي يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور رأيا شرعيا معتبرا ونؤيد قول الحافظ ابن حجر بما يلي:
    أولا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا وإن تؤمر عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله)) فالسمع والطاعة مشروط بإقامة العدل والحق المشار إليه في النص بالكتاب، والشرط يلزم من عدم العدم.
    ثانيا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أن لا تنازع الأمر أهله)) وأهله هم متوفروالشروط الشرعية في الإمارة قال الحافظ ابن كثير في تفسير ((إني جاعل في الأرض خليفة)): ((ويجب أن يكون – أي الخليفة – ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا مجتهدا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيا في الأصح)).
    فالأهل في الشرع المستوفي للشروط المذكورة وأين هو في زماننا؟؟
    والأمة قد صارت مزقا أوزاعا كل ناحية من ولايات الإسلام في الخلافة الراشدة قد صارت دولا مستقلة وأنظمة متباينة.
    ثالثا: قال تعالى مجيبا على إبراهيم حين قال له ((إني جاعلك للناس إماما)) قال إبراهيم ((ومن ذريتي)) فأجاب المولى سبحانه: ((لا ينال عهدي الظالمين)).
    فهذه الآية نافية أن يكون للظالم عهدا فالإمامة عهد من الله للخلق ينافي إكرامها مع متصف بالظلم ولو كان من ولد أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
    والخبر هنا في معنى الأمر: أي لا تجعلوا ظالما ينال الإمامة فيكم فلا عهد له عند الله بها وليس من أهلها ولا كرامة.
    رابعا: قول أبي بكر رضي الله عنه: ((أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)) إن طاعة مخلوق في الشرع منوط بإتباعه الحق، وطاعة الرب سبحانه إذ لا طاعة في معصية الله.
    خامسا: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
    ((إن رأيتم فيَّ اعوجاجا فقوموني))
    فأجابه رجل ممن كان حاضرا:
    ((لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا))
    فقال: ((الحمد لله الذي جعل في امة محمد من إذا اعوججت قوموني بسيوفهم)).
    ولما قام يخطب وعليه ثوبان فقال:
    ((اسمعوا وأطيعوا....))
    فقال احد الصحابة:
    ((لا سمع ولا طاعة))
    فقال: لمه؟
    فأجاب الصحابي: ((أعطيت الناس ثوبا واحدا ولك ثوبان))
    فقال الخليفة الراشد:
    ((يا عبد الله ابن عمر أليس هذا الثوب الآخر ثوبك أعطيتنيه؟؟))
    فقال: عبد الله: نعم
    فقال الصحابي: ((الآن نسمع ونطيع))
    عجبا ممن يسمع هذه الكلمات الخالدة الدالة على عمق التربية النبوية في الراعي والرعية ثم يقول أن محاسبة الحاكم وأطره وقصره على الحق يناقض نصوص الشرع ومقاصد الرسالة.
    سادسا: خروج طلحة والزبير لقتل قتلة عثمان لما شعروا بالذنب وأنبهم أصحاب الحج، وإن أخطئوا بخروجهم فالحق كان حليفا لعلي رضي الله عنه إلا أن مبدأ الخروج فيما يراه الإنسان حقا مبدأ غير منكور عند السلف.
    سابعا: خروج الحسين بن علي رضي الله عنه على يزيد بن معاوية.
    ثامنا: خروج عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان.
    إن هذه النقول المحررة تنادي بأعلى صوت أن ما قاله الحافظ ابن حجر أن الخروج هو مذهب للسلف قديم.
    ودعوى الإجماع على المنع بعد عصر الخلافة الراشدة غير مسلم به، والمتأمل في أقوال العلماء يعلم أنهم ذهبوا إلى ذلك لما غلب مفسدة الخروج على مصلحته وخشي تمزق الأمة بالفتنة والحكم يدور مع العلة، وحيث لا فتنة في أساليب النضال السلمي فلا وجه للمنع نظرا فعموم العلة المستنبطة والمنصوصة من كلام جماهير أهل العلم لمن حدق الفكر في النظر إلى مدلولات ألفاظهم المحررة، ومذاهبهم المقررة ظاهرة في جواز الخروج فالأمة ممزقة والفتن حاصلة والمسلمون بلا خلافة أو خليفة حتى يقال لا يجوز خروج الناس عليه بل الموجود دول متناثرة متناحرة فيا ترى الذي يمنع الخروج أين يعيش؟ ألايدري على من ينزل النصوص ؟ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
    الوجه الثالث: إن اعتبار النصح والأمر والنهي فيما يتعلق بالحاكم خروجا غلو في الدين ويعارض كل النصوص الدالة على ما ذكر، والأصل أن نصوص الشرع تتألف ولا تتخالف ولا تعارض واقع فالخروج محمول المنع فيه على حمل السيف وحيث لا سيف فلا منع وعليه فلا تعارض وكل نص يحمل على محاله الذي ورد الشرع فيه، ولا يلجأ الناظر إلى الترجح مع إمكان الجمع.
    المبحث الثالث:
    أن الأدلة في المطالبة بالحق مع الكفار لا مع المسلمين
    إن بعض من ينظر إلى الأدلة المسطرة، بنظرة ظاهرية قاصرة، يقول إنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الكفار ونحن مسلمون.
    والجواب: إن الرسالة وسائلها وفوائدها لعموم الزمان، وذكر الأسماء والأشخاص أوصاف طردية، وعموم معانيها معتبر اعتمادا على توجه القدوة والأسوة في الدعوة ووسائلها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنصوص الواردة عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كيف وفي بعض النصوص ما يدل على إسلام الوالي.
    كيف وقد كلفنا حمل الأمانة التي أبت حملها السموات والأرض والجبال؟
    وما الأمانة إلا الإمارة، ولذا جاء في الحديث الثابت:
    ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة))
    فقال: وكيف إضاعتها؟
    فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة))
    والواجب على المسلم أداء للأمانة وبراءة للذمة أن ينزع الأمانة من غير أهلها ويوسد الأمر إلى أهله.
    والأمر سيكون كذلك، والمستقبل لهذا الدين فنحن مبشرون بعد الحكم الجبري بخلافة على منهاج النبوة ما كان حديثا يفترى بل هو الحق من ربك فانتظر إنهم منتظرون ولتعلمن نبأه بعد حين والعاقبة للمتقين.


    إعداد
    محمد بن احمد بن احمد الوزير الو قشي

    ربيع الثاني سنة 1431هـ
    مع تحيات موقع الإصلاح نت


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 30 مارس 2017 - 7:46