hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    القصة الكاملة لمجزرة ساقية سيدي يوسف

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    القصة الكاملة لمجزرة ساقية سيدي يوسف

    مُساهمة  Admin في الإثنين 24 أكتوبر 2011 - 17:56

    هزيمة فرنسا في معركة جبل واسطة بالجزائر فجرت أزمة بين باريس وتونس

    سينمائي إنجليزي باع فيلما عن المجاهدين في ساقية سيدي يوسف للمخابرات الفرنسية

    شكّل انتصار جيش التحرير الوطني في معركة "جبل واسطة" بقيادة الرّائد الطّاهر زبيري ضربة قوية للجيش الفرنسي الذي حاول تبرير هذه الهزيمة المذّلة التي قتل له فيها 17 عسكريا ووقع 5 آخرين في الأسر، باتهام الحرس الوطني التونسي بمساندة جيش التحرير في هذه المعركة وهو ما لم يحدث تماما، بل استُغل كذريعة لقصف قرية "ساقية سيدي يوسف" التونسية معتبرا بأنّها مركز لجيش التحرير في الأراضي التونسية، غير أنّ زيارة العديد من الوفود الدبلوماسية والإعلامية لمكان الجريمة فضح كذب الإدعاءات الفرنسية ومدى وحشية هذه القوات التي استهدفت المدنيين العزل.
    كسبت القضية الجزائرية تعاطف الرأي العام الدولي، في الوقت الذي توالت الهزائم الدبلوماسية الفرنسية على عدة مستويات، وتدخلت كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف حدة الأزمة بين تونس وفرنسا، كما سعى الصليب الأحمر الدولي إلى التوسط لإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين لدى جيش التحرير، وهو ما وضع الجيش الفرنسي برمته في موقف ضعف وجعل الفرنسيين يعترفون ضمنيا بجبهة التحرير كممثل وحيد للشعب الجزائري، كما اضطروا إلى إيقاف تنفيذ أحكام الإعدام في حق المجاهدين الأسرى الذين يقعون بين أيديهم.

    11 جانفي 1958 .. والمعركة الأزمة:

    كان للفرنسيين مركز عسكري متقدم لا يبعد عن الحدود التونسية سوى بنحو 30 كيلومترا، واعتاد جنوده القيام بدوريات واعتقالات لأبناء الشعب واللاّجئين الجزائريين الهاربين من جحيم الحرب والذين بنوا أكواخا بين الحدود الجزائرية التونسية، ولم يكتف الجيش الفرنسي بتنغيص حياة اللاجئين الجزائريين على الحدود، بل كان يسلب منهم أرزاقهم وقوتهم اليومي الذي بالكاد يسدّ رمقهم، وعمل الفرنسيون على دس مخبرين في أوساط الشعب لجمع المعلومات حول تحركات جيش التحرير الوطني، وعدد أفراده ونوعية تسليحهم، خاصة أنّ الحدود كانت منطقة عبور للمجاهدين، وعندما يريد الجيش الفرنسي الاتصال بهم يقوم بحملة اعتقالات تضم هؤلاء المخبرين إلى جانب أبناء الشعب حتى لا يكتشف أمرهم، وازدادت شكاوي الناس من المداهمات الفرنسية والظلم والاضطهاد الممارس ضدهم وكان لابد على المجاهدين الرد على همجية الفرنسيين.
    وعيّن الرائد الطاهر زبيري نائبه موسى حواسنية قائدا للفيلق الثالث بعد أن رقي إلى رتبة رائد، وأصبح عضوا في مجلس قيادة القاعدة الشرقية، لكنّه بقي على اتصال دائم به، وعندما تزايدت شكاوي اللاّجئين من اعتداءات الجيش الفرنسي عليهم وعلى ممتلكاتهم، قرّر المجاهدون نصب كمين للكتيبة الفرنسية بالمركز المسمّى 28 وقال الرائد الطّاهر زبيري لقادة الفيلق الثالث: "لا بدّ من نصب كمين محكم وتوجيه ضربة قوية للفرنسيين"، وأضاف: "وهذا لا يعني ضرب الحيطان والهرب عند بورڤيبة" وكان "الزبيري" يقصد أنه يجب توجيه ضربة نوعية إلى القوات الفرنسية وليس مجرد محاصرتهم في مراكزهم المحصنة وإطلاق النار على العدو المختبئ وراء الحيطان التي لا يخترقها الرصاص، ومن ثم الانسحاب إلى الحدود التونسية للاحتماء بها من الهجومات المضادة التي تشنها القوات الفرنسية باستعمال الطيران والمدفعية، غير أن هناك من قادة الفيلق من تحفظ على هذا الأمر".
    إلاّ أن الرئيس التونسي "لحبيب بورڤيبة" ضغط مرارا على قادة الثورة لكي لا يقوم جيش التحرير بأي عمليات عسكرية ضد الفرنسيين على الحدود أو انطلاقا من الأراضي التونسية، خاصة وأن الفرنسيين هددوا "بورڤيبة" بمتابعة المجاهدين إلى داخل التراب التونسي، كما أنّ قادة الثورة ممثلين في لجنة التنسيق والتنفيذ أعطوا أوامرهم بتجنب القيام بعمليات عسكرية على الحدود.
    ومع ذلك قرر الرائد زبيري توجيه ضربة نوعية للقوات الفرنسية انطلاقا من الحدود التونسية التي كان متمركزا بها مع فيلقه فهيّأ ثلاثة فصائل مسلحة ودعّم قياداتها بثلاثة قادة آخرين، فالفصيل الأول بقيادة العياشي حواسنية ونائبه عبد السلام بغدوش، الفصيل الثاني بقيادة حمه لولو ونائبه بن علاله، أمّا الفصيل الثالث فبقيادة صالح مسادي المدعو "نهرو" ومعه نائبه مصطفى الوهراني، وتقوم الخطة التي وضعها الطاهر الزبيري على رصد تحركات الكتيبة الفرنسية التي اعتادت التنقل من المركز 28 (أصبح يسمى قرية "جبار اعمر") إلى المناطق الحدودية أين يتجمع اللاجئون، في حين يتمركز مجاهدو الفصائل الثلاثة في أماكن محصنة طبيعيا بجبل واسطة، وعند مرور الكتيبة الفرنسية وسط الغابة يتم إمطارهم بوابل من الرصاص وقصفهم بقذائف الهاون التي تعززت بها الثورة.
    أخذت كل فصيلة موقعها المحدد حسب الخطة ولم يكونوا يتوّقعون أن يقع الفرنسيون في الكمين بتلك السرعة، إذ أنهم وبمجرد أن شاهدوا قوات العدو حتى بدأوا في إطلاق النار من ثلاث جهات وقصفهم بقذائف الهاون التي شتت صفوف العدو وأوقعت بينهم الكثير من القتلى والجرحى، وأينما حاول العساكر الفرنسيون الهرب من ميدان المعركة، إلا ووجدوا نيران المجاهدين تصدهم بقوة، ولم يتركوا لهم سوى منفذ واحد للهروب منه أشبه بعنق الزجاجة، وذلك وفق خطة مدروسة، وما إن خرج الفرنسيون من الحصار وفروا عبر عنق الزجاجة حتى وقعوا أمام سدادته، حيث وجدوا فصيلة أخرى من المجاهدين في انتظارهم، وكان "الاستقبال" حارا، إذ فوجئوا بوابل من الرصاص يسدد باتجاههم، ومرت بالعساكر الفرنسيين لحظات قاتلة، وتعالت أصواتهم بالصراخ وطلب النجدة، ولولا تدخل الطيران الفرنسي وقدوم التعزيزات العسكرية من المراكز الفرنسية القريبة لتمت إبادة الكتيبة الفرنسية بكامل أفرادها، حيث قُتل في هذه المعركة 17 جنديا فرنسي، وأُصيب عشرة منهم بجراح، ووقع خمسة منهم أسرى بين أيدي المجاهدين الذين غنموا أسلحتهم، واستُشهد في هذه المعركة مجاهدين اثنين، أمّا الصّحف الفرنسية فأعلنت عن فقدان 22 عسكريا فرنسي.
    وعندما علم الرائد "الطاهر الزبيري" بأمر الكمين أخذ بعض الرجال وتوجه إلى ساحة المعركة لشدّ أزر المجاهدين، لكنّه وجد أنّ المعركة قد انتهت بعد تدخل الطيران الفرنسي، فقاد جيشه وأخذ الأسرى إلى داخل التراب التونسي لتجنب الوقوع في عملية عسكرية فرنسية محتملة.
    وحضر معركة "جبل واسطة" صحفي نمساوي يُدعى "كارل بريار" والذي كان بصدد إنجاز روبورتاج عن جيش التحرير الوطني في القاعدة الشرقية، فتعرف على بعض من انتصارات جيش التحرير الوطني على العدو الفرنسي، وتوجه بعد المعركة إلى باريس مباشرة وأنجز روبورتاجا حول حوادث المعركة، واتصل بمجلة "باري ماتش" واتفق مع رئيس تحريرها على منحه الروبورتاج مقابل خمسة ملايين فرنك فرنسي، وما إن نشر الروبورتاج حتى أحدث ضجة كبيرة وسط الرأي العام الفرنسي، الذي اكتشف أحد جوانب الهزيمة الفرنسية بالجزائر الثائرة.
    إخفاء قضية الأسرى لتجنب ضغوط الرئيس بورڤيبة
    انسحب المجاهدون من ساحة المعركة وأخذوا معهم الأسرى ثم ابتعدوا عن مركزهم وذهبوا إلى جبل "سيدي أحمد" على الحدود مع تونس وخشي الرائد زبيري أن يعلم التونسيون بأمر الأسرى فيضغط "بورڤيبة" على قادة الثورة لتسليم الأسرى إلى فرنسا لذلك التزم السرية، وخبّأهم عند أخيه الحاج بلقاسم الذي كان مسؤولا عن مركز عبور أصبح يسمى "مزرعة موسى حواسنية" الواقع داخل الأراضي التونسية، وفي نفس الليلة أحضر ثلاثة أطباء جزائريين تابعين لجيش التحرير من مدينة "الكاف التونسية" وهم: الدكتور "بشير منتوري" (طبيب جراح)، والدكتور "بوذراع"، والدكتور "إبراهيم غياط"، وقاموا بمعالجة الأسرى الأربعة المصابين، في حين لفظ الأسير الخامس أنفاسه في الطريق إلى الحدود التونسية.
    حاول الرائد الطاهر زبيري في البداية إخفاء حقيقة الأسرى حتى لا تتعرض قيادة الثورة لضغوطات الرئيس التونسي لحبيب بورڤيبة، خاصة بعد الاحتجاجات شديدة اللهجة التي تقدمت بها فرنسا إلى تونس، وقد استدعت لجنة التنسيق والتنفيذ سي الطّاهر، وكان من بين من التقاهم عبان رمضان المكلف بالإعلام ورضا مالك وعلي بومنجل ومحمد يزيد، وسألوه عن تفاصيل معركة "القوارد" وقاموا بتسجيل هذا الحديث ونشروه فيما بعد في إحدى الجرائد التابعة للثورة، ولكن لجنة التنسيق والتنفيذ لم تسأله عن معركة "جبل واسطة" ولم يطلبوا منه تسليم الأسرى، ولكن بعد ازدياد الضغوط الفرنسية والتونسية لتحرير الأسرى قرّر الرائد زبيري الدخول مع فصيلين من الجنود وعبور "خط موريس" حتى لا يصبح مطلوبا لدى السلطات التونسية أو لدى مسؤولي الثورة.
    مجزرة سيدي يوسف.. أو الانتقام من الفشل
    اتّهم النقيب "آلار" من فراشه في مستشفى سوق أهراس ـ بعد أن أُصيب بجراح في ساقه ـ التونسيين بدعم جيش التحرير في "معركة جبل واسطة" بقوله: "بورڤيبة متواطئ"، وادّعى أنّ شاحنات للحرس التونسي نقلت الجنود الجزائريين إلى قواعدهم جنوب القرية، غير أنّ "الطّاهر الزبيري" قائد هذه العملية ينفي مشاركة الحرس الوطني التونسي بأيّ شكل من الأشكال في هذه المعركة، ويُوضّح أنّ الحرس التونسي كان له مراكز بالقرب من الحدود الجزائرية وعادة ما يرابط بالقرب من هذه الحدود لمنع جنود جيش التحرير أو العساكر الفرنسيين من الدخول إلى تُرابه، خاصة عند وقوع معارك بالقرب من الحدود، لكنه لم يقدم أي نوع من الدعم لجيش التحرير في هذه المعركة.
    وتحركت الصحافة الفرنسية لتُؤكد أنّ الأسرى في تونس، ففي 16 جانفي 1958 سلم رئيس الحكومة الفرنسية "فليكس غايار" رسالة إلى بورڤيبة لا تخلو من التهديد والوعيد حملها إليه الجنرال "باشلي" و"جاك لارش" وبدأت الأزمة في التصعيد، وعاد المبعوثان رفقة سفير فرنسا في تونس "جورج غورس" إلى باريس، وتقرّر إرسال "دبروكس" مبعوث الصليب الأحمر الدولي لمعاينة مصير الأسرى في تونس والاتصال بجبهة التحرير والعمل على تحريرهم بسرعة، وفي 20 جانفي نشرت أسبوعية "العمل" صور الأسرى الأربعة على صفحاتها وهم: هونري روليا، جون جاكوب، فانسانت فيانارون، موتالاس، وفي 23 جانفي كتبت إحدى الصحف الفرنسية "تقدم ملحوظ وتواصل سير القضية في هدوء، ومن وقت لآخر تُعيد جبهة التحرير قولها بأن الأسرى لا يزالون في التراب الجزائري".
    وفي ظلّ فشل جميع الوسائل لإقناع جيش التحرير بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين، وشعور الجيش الفرنسي بالمهانة والإذلال على يد جيش التحرير، شرع جنرالات الاحتلال في التّفكير بطريقة لإعادة الاعتبار لكرامتهم والانتقام من الجزائريين والتونسيين على حد سواء، فاقترح جنرالات فرنسا في الجزائر إرسال قوات مظلية ودبابات وطائرات لقصف أهداف في مراكز جيش التحرير في مدن وقرى تونس، باجه، سوق الأربعاء، غار الدماء، تالة، الكاف، تاجروين، القصرين، تلابت، ساقية سيدي يوسف، غير أن باريس كانت تميل إلى عمل عسكري تستعمل فيه الطائرات دون تدخل القوات البرية أو المحمولة جوا.
    وكانت الصور المنقولة بالطائرات عن هذه المراكز قد أرسلت إلى وزارة الدفاع الفرنسية مرفوقة بمخطط يبين وجود "الفلاڤة" في داخل هذه القرى، وفي يوم 2 فيفري باع سنيمائي إنجليزي صور فيلم عن أماكن تمركز "المجاهدين"، وأعلنت فرنسا في 29 جانفي حقها في متابعة المجاهدين في أي مكان يتواجدون فيه، متهمة تونس بأنها أصبحت قاعدة خلفية لجيش التحرير.
    وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر بين فرنسا وتونس وجيش التحرير وقعت اشتباكات بين القوات الفرنسية ووحدات من جيش التحرير من الولاية الثانية (الشمال القسنطيني) التي كانت متمركزة على الحدود التونسية بالقرب من قرية ساقية سيدي يوسف، وغنم جيش التحرير الكثير من الأسلحة في هذا الاشتباك، حسبما رواه المجاهد عبد القادر العيفة المدعو سي المحجوب للعقيد علي كافي قائد الولاية الثانية الذي كان يهم بعبور الحدود.
    ولأن السلطات الاستعمارية كانت أقرت قانون حق التتبع فإن العقيد علي كافي حسبما جاء في مذكراته نبه المحجوب إلى خطورة الوضع وأن العدو لا ريب سيقوم برد عنيف، وبالتالي سيدخل التراب التونسي وكانت أقرب نقطة للحدود هي ساقية سيدي يوسف، مما جعله يعطي الأوامر بأن يحول جميع الجنود في الحين نحو ماطر وباجة ويفرغ جميع مزارع الجزائريين هناك ليلتجأ بها الجنود، والاستنجاد بمعتمد ساقية سيدي يوسف لوضع ما لديه من سيارات وشاحنات لنقل الجنود والتوغل داخل التراب التونسي حتى لا يترك أي حجة للعدو بأن الجنود الجزائريين متواجدون هناك وهم الذين قاموا بالعملية، وهذا ما حدث بالفعل، وبهذا التصرف الحكيم أنقذ العقيد علي كافي بحكمته وسرعة بديهته العشرات من المجاهدين من السقوط شهداء تحت رحمة الطائرات الفرنسية وتمكن أيضا من إحراج السلطات الفرنسية أمام الرأي العام الدولي عندما لم يجدوا بين جثث القتلى أي مقاتل من جيش التحرير.
    وبعد 28 يوما من أسر الجنود الفرنسيين وعجز المسؤولين الفرنسيين والتونسيين عن تحريرهم، قام الطّيران الفرنسي في 8 فيفري 1958بقصف وحشي لقرية "ساقية سيدي يوسف" التونسية التي كان يسكنها الكثير من اللاّجئين الجزائريين ويتردد عليها أفراد من المجاهدين لاقتناء بعض الحاجيات خاصة أن القرية كان بها سوق شعبي والقصف كان في ساعة الذروة، لذلك كان عدد الضحايا كبيرا سواء في أوساط الجزائريين أو في أوساط التونسيين قُدّر بمئات القتلى، فكانت مجزرة مروعة بحق.
    حيث قامت 27 طائرة حربية فرنسية من نوع "بي27 " تحمل قنابل تزن الواحدة منها ربع طن وصواريخ جو أرض بقَنْبَلة القرية بوحشية بداية من الساعة الحادية عشر وعشر دقائق ولمدة تفوق ساعة من الزمن، والتي ألقت فيها بأطنان من القنابل، ثمّ أصدرت قيادة الجيش الفرنسي بلاغا تقول فيه أن الطائرات الفرنسية دمّرت مراكز الثوار الجزائريين على بعد كيلومتر ونصف عن قرية "ساقية سيدي يوسف" بنسبة 50 بالمائة، فأسرع الصحافيون ومصورو السينما من التونسيين والفرنسيين والأجانب إلى عين المكان ووجدوا ما أذهلهم؛ قرية دمّرت بأكملها ودُفن أهلها بسبق الإصرار والترصد، وصار سوقها الأسبوعي في خبر كان، كما هُدّمت مدرسة القرية وتناثرت فوق أنقاضها أشلاء الأطفال وأدواتهم المدرسية، ولم يوجد أي أثر لأي مركز لجيش التحرير أو لجنوده أو سلاحه، وتأكّد حينها العالم من كذب البلاغات العسكرية الفرنسية واطّلع بدهشة على انفعالات الثورة الجزائرية على الأمن في المنطقة، وتبين للرأي العام العالمي ضرورة الإسراع بإيجاد حل للقضية الجزائرية.
    بورڤيبة يثور على الهمجية الفرنسية
    ثارث ثائرة "بورڤيبة" لهذه المجزرة وانتقد بشدة ما قامت به القوات الفرنسية، ورفعت "تونس" دعوى إلى مجلس الأمن الدولي في 12 فيفري 1958 تُطالبه بإدانة هذه الجريمة، ونظّم حزب "الدستور الجديد" مظاهرات في ربوع البلاد رافعا شعارا واحدا "الجلاء"، وحاصر المتظاهرون التونسيون الثكنات الفرنسية المتبقية على الأرض التونسية مطالبين بجلائها بشكل كامل عن أرضهم، وكانت للرئيس التونسي سُمعة دولية خاصة لدى المعسكر الغربي، لأنّه رفض تبني النمط الاشتراكي والدخول تحت نفوذ جمال عبد الناصر.
    وبعد وقوع المجزرة تدّخل نائب وزير الخارجية الأمريكي "ميرفي" الذي مازال على قيد الحياة إلى جانب المسؤول الدبلوماسي البريطاني "بيلي" للوساطة بين تونس وفرنسا، وقابلوا "بورڤيبة" والمسؤولين الفرنسيين لتهدئة الأمور، ورافق هذه التحركات الدبلوماسية ضجّة إعلامية عالمية ضخمة أربكت السلطات الفرنسية ووضعتها في قفص ضيق، وأخذت القضية أبعادا دولية، وكان ذلك في صالح الثورة الجزائرية.

    إنقاذ الرائد أحمد بن شريف من الإعدام

    عندما حاول الرّائد "أحمد بن شريف" عبور الحدود وتجاوز خطي شال وموريس المكهربين مُتوجها إلى الولاية الرابعة رفقة عدد من المجاهدين في أواخر 1959 ألقت القوات الفرنسية القبض عليهم وحكمت على "أحمد بن شريف" واثنين من رفقائه بالإعدام، وعندما وصل الخبر إلى الرائد الطّاهر زبيري قائد الفيلق الثالث سمح للأسرى الفرنسيين بكتابة رسائل إلى ذويهم ونشرت بعض الصحف الفرنسية هذه الرسائل وتم التأكد بأنهم لا زالوا على قيد الحياة، وبعدها وجّه الرّائد زبيري تحذيرا للسلطات الفرنسية من مغبة تنفيذ حكم الإعدام على "أحمد بن شريف" ورفاقه وهدّدهم بقتل أسراهم إن هم أعدموا الأسرى الجزائريين.
    ورغم أنه لم يحدث تبادل للأسرى إلا أنه في المقابل لم يتم تنفيذ حكم الإعدام على بن شريف، وأُطلق سراحه بعد الاستقلال، أمّا الأسرى الفرنسيين فبعد نحو أكثر من عام من أسرهم تم تسليمهم لممثلي الهلال الأحمر الجزائري بأمر من قيادة الثورة، حيث اتصل كل من النقاش، بلهوان، وتومي بصفتهم ممثلين عن الهلال الأحمر الجزائري بزبيري لاستلام الأسرى الفرنسيين ليتم إطلاق سراحهم فيما بعد في أوائل 1959


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 5 ديسمبر 2016 - 23:34