hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ”

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ”

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 17:28

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 1 ).



    بقلم: بدر محمد بدر







    مقدمة


    سيظل الإمام الشهيد حسن البنا نبعاً فياضاً, وكنزا ثميناً, مهما طالت الأزمان واختلفت الأمكنة, يتأمل في حياته الباحثون, ويتعمق في نظراته الدارسون, ويناقش منهجه العارفون.. لقد نجح هذا الرجل العظيم في إحداث التغيير الإيجابي, الذي كانت الأمة الإسلامية في أشد الاحتياج إليه, على أساس من الفهم الشامل للإسلام, والمنهج الوسطي الرشيد, ولا يزال هذا التغيير مؤثراً في حياة الأمة.

    وبالرغم من استشهاده قبل أكثر من ستين عاما, لا تزال دعوته ملء السمع والبصر, ولا تزال جماعته الأكثر حضوراً في الساحات: السياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية في كل بلاد المسلمين, ولا يزال منهجه يقرب الناس من دينهم, ويردهم إلى مقاعد المجد الأولى.

    وفي الذكرى المئوية لميلاد الإمام الشهيد المجدد حسن البنا (2006), أحببت أن أشارك بهذه السطور, عسى أن يكتبني الله في زمرة السائرين على منهجه.. منهج الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم, وقد حاولت أن ألتزم ـ وأنا أكتب هذه السطور ـ بالحقائق الناصعة, وبسهولة العبارة وبساطتها لتناسب إيقاع العصر, فهي تتوجه خاصة للشباب والفتيات, آملاً أن أكون موفقاً في عرض هذه السيرة الزكية, لهذا الرجل العظيم, والله أسال أن ينفع بهذا الجهد, وأن يتقبله مني, والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..




    ميلاده


    ولد حسن أحمد عبد الرحمن البنا في أسرة ريفية بسيطة , بساطة أبناء الريف المصري, كانت تعمل بالزراعة في قرية " شمشيرة" وهي إحدى قرى دلتا نهر النيل, وتقع بالقرب من مدينة رشيد (محافظة البحيرة), وتطل على نهر النيل في مواجهة بلدة "إدفينا" الأكثر شهرة, وكانت "شمشيرة" تتبع مركز فوة, أحد مراكز محافظة "كفر الشيخ" حالياً, وكان جد حسن البنا ـ رحمه الله ـ فلاحاً من صغار الملاك بالقرية, معروفاً بين الناس بالصلاح والتقوى وحب الخير.

    نشأ الابن الأصغر "أحمد عبد الرحمن" ـ والد حسن البنا ـ بعيداً عن حرفة والده (الزراعة) والتحق بكُتاب القرية القرآن الكريم, كعادة أبناء الريف, ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة الإسكندرية ليدرس العلوم الشرعية المتخصصة, حيث التحق بجامع القائد "إبراهيم باشا" ـ وهو في الإسكندرية في ذلك الوقت, كالأزهر الشريف في القاهرة ـ في دراسة علوم الدين والشريعة والفقه واللغة العربية, وفي أثناء الدراسة بحث الشيخ "أحمد" عن وسيلة لكسب الرزق ليستعين بها على استكمال دراسته, ويخفف من عبئه المادي على والده, حتى التحق بأحد أكبر المحلات المتخصصة في إصلاح وبيع الساعات في مدينة الإسكندرية, وسرعان ما أتقن الصنعة وبرع فيها, حتى أصبحت بعد ذلك حرفته في الحياة, التي يرزقه الله من خلالها, ومن هنا جاءت شهرته بـ "الساعاتي" وبعد أن انتهت رحلته في طلب العلم, عاد الشيخ أحمد عبد الرحمن من الإسكندرية إلى قريته "شمشيرة" عالماً وفقيهاً وواعظاً, وخبيراً كذلك في صيانة وإصلاح الساعات, ثم تزوج من ابنة أحد كبار تجار المواشي بالقرية , وبعد أن تزوج, فكر في أن يغير من طريقة حياته وظروفه وأحواله, فعزم على الرحيل, وانتقل ـ ومعه والده وزوجته ـ إلى قرية "المحمودية" وافتتح فيها محلاً لصيانة وإصلاح وتجارة الساعات, بعد أن تنازل لشقيقه الأكبر "محمد" عن حصته في الأرض الزراعية, التي تركها له الوالد, ولم يتوقف عن تحصيل ونشر العلم الشرعي.

    وفي العام نفسه الذي انتقل فيه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا, إلى قرية "المحمودية", التي تحولت الآن إلى مدينة تتبع محافظة البحيرة شمال الدلتا, ولد ابنة الأكبر "حسن" في يوم الأحد 25 من شهر شعبان عام 1324 هـ ـ الموافق 14 من شهر أكتوبر عام 1906, فسعد به الشيخ أحمد أيما سعادة, كما سعد به الزمان وأمة الإسلام, وأذن في أذنه اليمنى, وأقام الصلاة في أذنه اليسرى عملاً بالسنة النبوية الشريفة, ليكون أول ما يسمعه المولود: الأذان والإقامة وشهادة التوحيد.

    استقر الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا في القرية, وكان يخطب الجمعة ويؤم المصلين في المساجد, ويصلح بين المتخاصمين والمتنازعين, وتم اختياره مأذوناً شرعياً, وظل يعمل بالمأذونية حتى بعد أن انتقل إلى القاهرة مع نجله الأكبر "حسن" عندما التحق بمدرسة دار العلوم (كلية دار العلوم الآن), مأذوناً شرعياً لمنطقة "الصليبية" بحي السيدة زينب, أحد أحياء القاهرة القديمة.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 2 ).

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 18:39

    في هذا المحضن الإيماني والعلمي والفقهي الرباني, نشأ "حسن البنا" وتأثر بوالده, وتطبع بالكثير من طباعه وخصاله, وتعلم على يديه حرفة إصلاح الساعات, بل وشاركه بالعمل في محله, حتى أنه افتتح محلاً خاصاً به, في إحدى مراحل حياته المبكرة, كما أتقن أيضاً صناعة تجليد الكتب.

    وهو في الثامنة من عمره (13333 هـ ـ 1915 م) التحق حسن البنا بمدرسة الرشاد الدينية, واستمر فيها لمدة أربع سنوات, وكان صاحب المدرسة هو العالم الجليل الشيخ محمد محمد زهران, الذي تأثر به "الشبل" حسن أعظم التأثر من كثرة ملازمته والتلقي على يديه, حتى أنه وصفه في " مذكرات الدعوة والداعية " بأنه الرجل الذكي الألمعي, العالم التقي, الفطن اللقن الظريف, الذي كان بين الناس سراجاً مشرقاً بنور العلم والفضل, يضئ في كل مكان.. " .. ويصف مدرسة الرشاد بأنها "كانت كالمعاهد الرائعة, التي تعتبر دار علم ومعهد تربية على السواء, ممتازة في مادتها وطريقتها.."، وعن أسلوب صاحب المدرسة في التدريس والتربية يقول حسن البنا: "كان للرجل أسلوب في التدريس والتربية مؤثر ومنتج, رغم أنه لم يدرس علوم التربية, ولم يتلق قواعد علم النفس, فكان يعتمد ـ أكثر ما يعتمد ـ على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته, وكان يحاسبهم على تصرفاتهم حساباً دقيقاً, مشرباً بإشعارهم بالثقة بهم والاعتماد عليهم, ويجازيهم على الإحسان أو الإساءة جزاءً أدبياً, يبعث في النفس نشوة الرضا والسرور مع الإحسان, كما يذيقها قوارص الألم والحزن مع الإساءة..".

    كان العالم الجليل الشيخ محمد محمد زهران, أحد الرجال المخلصين الذين وضعهم الله في طريق "حسن البنا" في تلك السن المبكرة, فساهم في تكوين البنية الإيمانية والثقافية والسلوكية لهذا الشبل, التي أورقت وأزهرت وأثمرت الكثير والكثير.. يقول "حسن البنا" عن الشيخ "زهران" في مذكراته: " لقد كنا نحب أستاذنا حباً جماً, رغم ما كان يكلفنا من مرهقات الأعمال, ولعلي أفدت منه ـ رحمه الله ـ مع تلك العاطفة الروحية, حب الاطلاع وكثرة القراءة, إذ كثيراً ما كان يصحبني إلى مكتبه, وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجع له, وأقرأ عليه (فقد كان كفيفاً) ما يحتاج إليه من مسائل, وكثيراً ما يكون معه بعض جلسائه من أهل العلم, فيتناولون الموضوع بالبحث والنظر والنقاش, وأنا أسمع..".

    وتأمل معي ـ عزيزي القارئ ـ وقارن بين هذا الأسلوب البديع الذي يتحدث به "حسن البنا" عن أساتذته ومعلميه في هذه المرحلة من العمر, وكيف أنه يحمل لهم كل هذا الحب والتقدير والإعزاز, وبين موقف الدكتور طه حسين في كتابه "الأيام" وهو أيضاً يتحدث عن أساتذته ومعلميه من علماء الأزهر الشريف, وكيف أنه قدم لهم صورة سلبية منفرة.. لا تليق بمن علموه العلم الشرعي.

    في المدرسة الإعدادية:

    وعندما بلغ "حسن" الثانية عشرة من عمره, ترك مدرسة الرشاد الدينية, بعد أن أتم حفظ نصف القرآن الكريم تقريباً (من أول سورة البقرة وحتى سورة الإسراء), وطلب من والده أن يلتحق بالمدرسة الإعدادية (وهي تعادل منهج المدارس الابتدائية الآن), ورغم معارضة والده, الذي كان حريصاً على أن يحفظ ولده كتاب الله تعالى, إلا أنه وافق بعد أن تعهد له " حسن " بأن يتم حفظ القرآن الكريم من منزله, وبالفعل التحق بالمدرسة الإعدادية, وواظب على حفظ القرآن الكريم, كما حرص على الذهاب إلى محل والده لتصليح الساعات, لمساعدته في مهنته.

    انتظم "حسن" في الدراسة وبدأت ثمار مدرسة الرشاد الدينية تظهر في سلوك هذا الشبل الواعد, فأسس مع زملائه في المدرسة الإعدادية "جمعية الأخلاق الأدبية" باقتراح من محمد أفندي عبد الخالق مدرس الحساب والرياضة بالمدرسة, ورأس "حسن" مجلس إدارتها, وكان أعضاؤها يتواصون فيما بينهم بالتمسك بآداب الدين وأداء الصلوات في أوقاتها, والحرص على طاعة الله والوالدين, واحترام من هم أكبر سناً ومقاماً, ولا شك في أن تربية " مدرسة الرشاد الدينية " كان لها أثرها الواضح في أن يتبوأ "حسن" هذه المنزلة الرفيعة بين زملائه, حتى أنه في نفس الفترة, اشترك في تأسيس جمعية أخرى تحت اسم " جمعية منع المحرمات " التي استمرت تؤدي عملها في " النصح والتوجيه والإرشاد, والتحذير من ارتكاب الآثام والمعاصي والذنوب "لمدة ستة أشهر, حتى اكتشفها الناس وبدأوا يضايقونها ـ في هذه المرحلة ـ أمرين, الأول: أنه استقر في وعي "حسن البنا" وفي وجدانه منذ تلك المرحلة المبكرة من حياته, ضرورة العمل للإسلام, وتوعية الناس ونصحهم وإرشادهم وتحذيرهم من المعاصي والآثام والذنوب.. الأمر الثاني: ضرورة العمل الجماعي, وأن الجماعة مهما كانت صغيرة, وعدد أفرادها قلائل, فهي أفضل من الجهد الفردي مهما كانت صغيرة, وعدد أفرادها قلائل, فهي أفضل من الجهد الفردي مهما كان كبيراً .. وهي المعاني التي نمت في داخله بعد ذلك, وشكلت أساس منهجه وحركته..

    وبعد عام ونصف العام من الدراسة, قرر مجلس مديرية "محافظة البحيرة", إلغاء نظام المدارس الإعدادية, وتحويلها إلى مدارس ابتدائية, وكان "حسن" قد بلغ الثالثة عشرة والنصف من عمره, وأتم حفظ الربع الثالث من القرآن الكريم حتى سورة "يس".. وكان أمامه أحد طريقين: إما أن يتقدم إلى التعليم الديني الأزهري, فيلتحق بالمعهد الأزهري بمدينة الإسكندرية, وإما أن يتقدم إلى مدرسة المعلمين الأولية بمدينة دمنهور, ليختصر الطريق ويكون ـ بعد ثلاث سنوات ـ معلماً في المدارس الأولية (تعادل الابتدائية الآن), فاختار الطريق الأخير, وقيض الله له من تغاضى عن شرط السن (كان أقل بستة أشهر من سن القبول), وقبلت الإدارة منه تعهده بحفظ الربع الرابع للقرآن الكريم, وصرحت له بأداء الامتحان التحريري والشفهي فأداهما بنجاح..

    قضى "حسن البنا" ثلاث سنوات في مدرسة المعلمين الأولية بمدينة دمنهور من عام (38 إلى 1341 هـ) الموافق (20 ـ 1923 م) وهي الفترة التي أعقبت ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني, وشهدت تلاحماً وطنياً رائعاً في مواجهة الإنجليز, وشارك "حسن البنا" في الواجبات الوطنية التي ألقيت على كواهل الطلاب وقتها من مسيرات ومظاهرات وغيرها, إلا أن عاطفة التصوف والعبادة كانت أكثر إشعاعاً في نفسه ووجدانه.

    كانت "حلقة الذكر" في المسجد الصغير بقرية "المحمودية" التي يقيمها "الإخوان الحصافية", وهي إحدى الطرق الصوفية التي تنتشرـ وأمثالها ـ كثيراً في القرى المصرية, قد اجتذب "حسن" وأعجب "بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة, وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين, توطدت الصلة بينه وبينهم, وازداد تعلقه بهم وبشيخهم مؤسس الطريقة الشيخ حسنين الحصافي, خصوصاً بعد أن قرأ كتاب "المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي" .. يقول عنه في "مذكرات الدعوة والداعية": كان عالماً أزهرياً, تفقه على مذهب الإمام الشافعي ودرس علوم الدين دراسة واسعة, وامتلأ منها وتضلع فيها, ثم تلقي بعد ذلك الطريق على كثير من شيوخ عصره, وجد واجتهد في العبادة والذكر والمداومة على الطاعات, وكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم والفقه والعبادة والطاعة والذكر, ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق, والانتصار للكتاب والسنة على أية حال..

    هذه ـ إذن ـ هي الصوفية الصحيحة التي تعلم منها "حسن البنا" رقة القلب وصدق العاطفة وحسن الصلة بالله, وروحانية العبادة وأدب الخشية من الله, وليست تلك التي تعيش على الخرافات الكاذبة والبدع والانحرافات العقيدية, والذين ينتقدون "صوفية" حسن البنا عليهم أولاً أن يقرءوا ويعرفوا ما هي صوفية حسن البنا.

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 3 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 18:50

    وفي الرابع من شهر رمضان عام 1341هـ ـ 1923م, التقى حسن البنا وهو في السابعة عشرة من عمره, بالشيخ عبد الوهاب بالتزام الطريقة وإذنه بأدوارها ووظائفها, واستمرت صلته بشيخه على أحسن حال, حتى أنشئت جمعيات الإخوان المسلمين وانتشرت في ربوع مصر.. وفي تلك الفترة ـ وهو في السابعة عشرة من عمره ـ أسس "البنا" مع بعض إخوانه في "المحمودية" "جمعية الحصافية الخيرية" واختير سكرتيراً لها, وزاولت الجمعية عملها في ميدانين : الفاشية في تلك الفترة, كالخمر والقمار وبدع المآتم, والثاني مقاومة الإرساليات الإنجيلية التبشيرية التي استقرت في بلدته "المحمودية" وكان قوامها ثلاث فتيات يبشرن بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز, وإيواء الصبية من بنين وبنات!

    في القاهرة لأول مرة

    أنهى "حسن البنا" دراسته في مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور, ثم تقدم إلى القسم العالي المؤقت في مدرسة (كلية الآن) دار العلوم في العام الدراسي (41 ـ 1342 هـ) (23 ـ 1924 م) وسافر ـ لأول مرة في حياته ـ إلى قاهرة المعز, عاصمة الثقافة والفكر, ومدينة الألف مئذنة, واتخذ مسكناً في حي السيدة زينب, أحد أحياء القاهرة القديمة, في المنزل رقم 18 بشارع مراسينه, وتقدم لامتحان القبول, وبتوفيق الله نجح رغم صغر سنه, وتم قيده طالباً بالسنة الأولى بمدرسة دار العلوم, ليبدأ في القاهرة مرحلة جديدة من الاحتكاك والتأمل والدراسة والنقاش حول قضايا ومشكلات المجتمع والأمة, وبدأ في حضور الندوات ومجالس العلم, والقراءة في أمهات الكتب ومتابعة الصحف والمجلات الأكثر انتشاراً في القاهرة عنها في الريف.

    نجح "حسن البنا" في السنة الأولى في دار العلوم, وكان ترتيبه الثالث بين الناجحين, وإثر تعرضه لحادث من زميل له في الدراسة كان يسكن معه, أعماه الحقد على تفوق "حسن" رغم صغر سنه, فألقى على وجهة وعنقه وهو نائم زجاجة بها "صبغة اليود" المركزة!, فقام "حسن" من نومه فزعاً واتجه إلى دورة المياه, وأزال ما استطاع من اليود قبل أن يسبب كارثة في جسمه ومظهره, وعندما علم زملاؤه, المقيمون معه في نفس الشقة, أوسعوا الفاعل ضرباً وطردوه من الشقة وقذفوا بأمتعته في الشارع,وعندما وصل الخبر إلى والدة "حسن" تأثرت بشدة, وخيرته بين أمرين: إما أن ينقطع عن العلم ويعود إلى الوظيفة (حيث كان وصلة خطاب التعيين في سلك التدريس من مديرية البحيرة) وإما أن تنتقل الأم (والأسرة بالطبع) معه إلى القاهرة حتى لا يتكرر معه ما حدث, وانتصر الخيار الثاني, وحضر والده إلى القاهرة, واختار مسكناً للأسرة, ومحلاً لتصليح الساعات, وانتقلت الأسرة معه من بلدة "المحمودية" إلى "القاهرة" لتستقر في حي "السيدة زينب" رضي الله عنها, وتتغير أمور كثيرة في حياة الشاب النابه وأسرته, بل في حياة وطنه وأمته والدنيا كلها بعد ذلك..

    كانت "القاهرة" بالنسبة لحسن البنا عالما جديداً لم يألفه, فهو نشأ في بيئة ريفية هادئة, حيث العادات والتقاليد والأخلاق والآداب والسلوكيات العامة والخاصة, لا تزال الأقرب إلى روح الإسلام بالرغم من نقص الوعي وقلة العلم وانتشار الأمية.. بينما في القاهرة ـ كما كتب في مذكراته ـ "مجتمع غريب تزداد فيه مظاهر الانحلال الخلقي, والتحلل القيمي, وتكثر فيه الدعاوى الإلحادية والمادية المنحرفة".. وشاركت الصحف والمجلات ـ التي كانت تصدر في تلك الفترة رغم قلتها ـ بل وتبارت في نشر ما يتعارض مع الإسلام من أفكار وأخلاق وسلوكيات ورأى حسن البنا, وهو لا يزال طالباً في دار العلوم, أن الخطر شديد وراء هذا الطوفان العاتي, وزاد من عمق إحساسه بهذا الخطر, تكوينه الديني وتربيته الإيمانية والسلوكية, التي تحدثنا عنها من قبل, وتيقن أن المساجد وحدها لا تكفي في صد هذه الهجمة الشرسة, وغرس الأخلاق والقيم النبيلة وآداب الإسلام في سلوكيات الناس .

    فكر "حسن البنا" في مواجهة "عملية" لهذا الواقع المؤلم الذي رآه في القاهرة.. واقع الانحلال والانحراف والإلحاد وغياب الروح الإسلامية, وساهمت طريقة تربيته واشتراكه في أكثر من عمل جماعي لخدمة الإسلام في تشكيل ملامح هذه المواجهة العملية, فاهتدي إلى ضرورة دعوة فريق من زملائه الطلاب الأزهريين, وطلاب دار العلوم الذين يعرفهم, للتدريب على الوعظ والإرشاد, ليس فقط في المساجد, ولكن أيضاً ـ وهذا هو الجديد غير المألوف ـ في المقاهي والمجتمعات العامة, بل ويذهبون إلى الريف والمدن المهمة لنشر الدعوة الإسلامية, وبالفعل دعا عدداً من زملائه وأصدقائه, واجتمعوا في مسجد "شيخون" بمنطقة الصليبية في حي "السيدة زينب" وتحدث معهم عن الواقع المؤلم وأهمية تغييره, وعن جلال هذه المهمة وضرورة الاستعداد العلمي والعملي لها, وخصص البنا جزءاً من مكتبته الخاصة, لتكوين مكتبة دورية خاصة بهذا المشروع, تمر على "الوعاظ الجدد" للتثقيف والتوجيه.. فهل نجح هذا المشروع غير المألوف؟ وكيف تقبله مجتمع القاهرة في ذلك الوقت؟

    كانت فكرة الوعظ في المقاهي والمنتديات العامة, خروجا على ما ألفه الناس من أن مكان ذلك هو المسجد, والفكرة الغالبة أن هذا الجمهور, الجالس في المقاهي. هم قوم بسطاء منصرفون إلى اللهو والترويح عن النفس, وبالتالي فالوعظ ثقيل عليهم, إنهم يجلسون للترويح عن أنفسهم واحتساء المشروبات التي تهدئ وتخفف من متاعبهم, وأيضاً فإن أصحاب المقاهي, ربما يجدون في هذا العمل ـ الوعظ ـ نوعاً من تعطيل مصالحهم, ومضايقتهم, وربما تنفير زبائنهم, لكن "حسن البنا" كان له رأى آخر..

    كان يرى أن "هذا الجمهور أكثر استعداداً لسماع العظات من أي جمهور آخر, حتى جمهور المسجد نفسه! .. لأن هذا شئ طريف وجديد عليه والعبرة بـ "حسن اختيار الموضوع" فلا نتعرض لما يجرح شعورهم, وبـ "طريقة العرض" فيعرض الوعظ بأسلوب شائق جذاب, وبـ "الوقت" فلا نطيل عليهم القول.قدرته على الإبداع :

    ونلحظ هنا أمرين, الأول: قدرة حسن البنا ـ في هذه السن على الابتكار وابتداع الوسائل غير التقليدية وغير المألوفة, لتنفيذ فكرته وإقناع الآخرين بها, والثاني: حرصه على أن تكون الوسائل التي يستخدمها لدعم فكرته ونشر دعوته "عملية" و "إيجابية" و "واقعية " واهتمامه بالمدعو وطريقة تقبله لما يدعو إليه, والنزول إلى مستواه الثقافي دون ابتذال, وبالتالي القدرة على التأثير فيه.. وهكذا كان دائماً.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 4 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 18:52

    وبعد نقاش وجدال, احتكم الجميع إلى التجربة العملية, فبدأوا بالوعظ في المقاهي الواقعة بميدان صلاح الدين وأول منطقة السيدة عائشة, ثم في أحياء السيدة زينب وطولون, ويذكر الأستاذ البنا في مذكراته أنه "ربما ألقى في تلك الليلة أكثر من عشرين خطبة في أكثر من عشرين مقهى, تستغرق الواحدة ما بين خمس وعشر دقائق" ويصف ردود الفعل على هذه التجربة الفريدة فيقول: " .. كان شعور السامعين عجيباً, وكانوا ينصتون في إصغاء, ويستمعون في شوق, وكان أصحاب المقاهي ينظرون في غرابة أول القول, ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك, وكان هؤلاء يقسمون بعد الخطبة أننا لابد أن نشرب شيئاً أو نطلب طلبات (شاي.. قهوة.. ينسون .. إلخ ) فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت, وبأننا نذرنا هذا الوقت لله, فلا نريد أن نضيعه في شئ, وكان هذا المعني يؤثر في أنفسهم كثيراً.. لقد نجحت التجربة مائة في المائة, وعدنا إلى مقرنا في "مسجد" شيخون, ونحن سعداء بهذا النجاح, وعزمنا على استمرار الكفاح في هذه الناحية, وكنا نتعهد الناس بالموعظة العملية على هذه الطريقة في كثير من الأحيان…".

    لم تكن تلك الجهود البسيطة, التي يقوم بها شباب متحمسون قليلو العدد, قادرة على مواجهة هذا التيار الجارف, من التحلل في النفوس والآراء والأفكار, والذي تنامى وتزايد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1332 ـ 1336 هـ) ـ (1914 ـ 1918م), فكانت موجة الإلحاد والإباحية والتغريب والمادية, قوية جارفة طاغية, لا يكاد يقف في وجهها شئ, تزيدها وتساعد عليها الحوادث والظروف الصعبة التي تمر بها مصر والبلدان العربية والإسلامية, ففي تركيا مثلاً أعلن الطاغية مصطفى كمال إلغاء الخلافة, رمز المسلمين السياسي, وكذلك فصل الدين عن الدولة لأول مرة في تاريخ المسلمين, واندفعت تركيا تتنصل من الدين في كل مظاهر الحياة, وأصبحت العلمانية كأنها الدين الجديد الذي يخضع له كل شئ, أما في مصر, فقد تزايدت مظاهر التغريب والتحلل من الدين, وتحولت الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) من معهد أهلي يدرس العلوم الدنيوية بعيداً عن منهج الدين, إلى جامعة حكومية تديرها الدولة وتحظى باهتمامها ورعايتها, واندفعت الجامعة الجديدة الوليدة وراء التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره, وعرف أساتذتها وطلابها بالتحلل والانفلات من القيود والتقاليد الاجتماعية والدينية.

    كان طبيعياً إذن أن تجد هذه الموجه العاتية رد فعل قوياً في الأوساط الإسلامية, وعلى رأسها الأزهر الشريف, حصن الإسلام, ومنارة العلم الشرعي, وكذلك بعض الدوائر الإسلامية الأخرى ـ على قلتها ـ لكن عامة الناس في ذلك الوقت كانوا إما من الشباب المتعلم, وهو معجب بالجديد الذي يسمعه من التيار المادي التغريبي, وإما من العامة الذين انصرفوا عن التفكير في هذه الأمور, لقلة الوعي, وقلة الحيلة!.

    صورة مؤلمة وواقع مرير:

    عاش "حسن البنا" هذه الصورة بكل مرارتها, وتألم لهذا الواقع المذري أشد الألم, واختلطت أنفاسه ونبضاته بهذا الشعور الرهيب, وتململ في نومه وفي يقظته أشد التململ.. كان يرى معسكر الإباحية والتحلل والتغريب في قوة وفتوة, ونشاط وحيوية, ومعسكر الإسلامية الفاضلة في تقلص وضعف وانكماش, وفي خمول وهزال, واشتد به القلق حتى أنه قضى نحواً من نصف شهر رمضان في ذلك العام (1344 هـ ـ 1926 م), في حالة أرق شديد, لا يجد النوم إليه سبيلاً.

    كان يخفف من ألمه بعض الشئ, أن يفضي بهذا الشعور الذي ملأ عليه نفسه وقلبه وعقله وكيانه, إلى كثير من أصدقائه وزملائه, من طلاب الأزهر الشريف ودار العلوم, والمثقفين من "الإخوان الحصافية" التي لم يكن قد انقطع عنها بعد.. كان هؤلاء جميعا يسمعون منه, ويتحدثون معه في وجوب القيام بعمل إسلامي كبير مضاد لهذا التيار القوى, وكان يخفف ألمه أيضاً تردده على المكتبة السلفية, حيث يلتقي بالكاتب الإسلامي الكبير (سوري الأصل) السيد محب الدين الخطيب, ويلتقي عنده بجمهرة من أعلام العلماء والفضلاء, المعروفين بغيرتهم الإسلامية, وحميتهم الدينية, وعلى رأسهم العالم الجليل فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين (تونسي الأصل) ـ شيخ الأزهر فيما بعد ـ وأيضاً كان "حسن البنا" يتردد على مجالس العالم الكبير الشيخ محمد رشيد رضا, صاحب المنار وتلميذ الإمام محمد عبده, وأيضاً الشيخ يوسف الدجوي والأستاذ محمد فريد وجدي وغيرهم من العلماء الفضلاء.

    لم يهدأ الشاب الثائر "حسن البنا", وما كان لهذه الطاقة الإيمانية المتوقدة, وهذه العاطفة الإسلامية الحية, وهذا البركان الذي يغلي, وهذه الثورة ضد الانحلال والإلحاد, لأن تنطفئ حماستها أو أن تخمد ثورتها, أو أن تخور قواها, حتى توصل إلى فكرة إيجابية: لماذا لا يحمل هؤلاء القادة من علماء المسلمين ودعاتهم ومصلحيهم هذه التبعة؟! لماذا لا يدعوهم في قوة إلى أن يتكاتفوا ويتعاونوا على صد هذه الهجمة؟ وأن يتفقوا على أسلوب أمثل للمواجهة؟.. فهؤلاء هم علماء الأمة العاملون, وأملها الأخير للخروج من هذه الأزمة, وهم المكلفون بالعمل والتوجيه والنصح والإرشاد, فإذا لم يتحركوا لخدمة دينهم, والدفاع عن إسلامهم, فمن يتحرك؟!.. وبالفعل بدأ الشاب الثائر بزيارة العالم الجليل الشيخ يوسف الدجوي ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ وكانت بينه وبين الشيخ صلة روحية وعلمية, بحكم النشأة الصوفية, والسبب في اختياره أن له صلات واسعة بكثير من رجال المعسكر الإسلامي, من علماء ووجهاء, وأن هؤلاء يحبونه ويقدرونه.

    تحدث الشاب الثائر إلى الشيخ يوسف الدجوي في أحوال الأمة الإسلامية, وما يمر بها من أزمات عنيفة, وتيارات منحرفة, وأفكار غريبة, فأظهر الشيخ الجليل الألم والأسف, وأخذ يعدد له مظاهر الداء, والآثار السيئة المترتبة على انتتشار هذه الموجة في الأمة, وانتهى من حديثه إلى ضعف الجانب الإسلامي أمام المتآمرين عليه, وكيف أن الأزهر الشريف حاول كثيراً أن يصد هذا التيار الجارف فلم يستطع, حتى جمعية "نهضة الإسلام" التي ألفها الشيخ الدجوي نفسه, ومعه لفيف من العلماء لتساعد في المواجهة ـ كما يقول الشيخ ـ لم تجد نفعا, وانتهى الشيخ ـ بعد حديث طويل ـ إلى أنه لا فائدة من كل هذه الجهود المبذولة, وحسب الإنسان أن يعمل لنفسه, وأن ينجو بها من هذا البلاء!
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 5 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 18:54

    كيف وصل الشيخ الدجوي, وهو من أكبر وأجل العلماء في ذلك الوقت, إلى هذه الحالة من الإحباط واليأس وعدم القدرة على فعل شئ؟! وكيف استسلم لهذا الواقع المؤلم دون أن يبحث عن حل ينقذ هذه الأمة من براثن التغريب والمادية والانحلال والفوضى الفكرية؟.. وهل كان الشيخ الدجوي وحده في هذا الميدان؟.. بالطبع لا.. لكن "حسنالبنا", الذي يبحث عن عمل كبير لدى من بيدهم مقاليد الأمور, وهم في طليعة الأمة, رفض جواب الشيخ يوسف الدجوي, وتخيل أن هذا الرد سيكون رد من يلقى من العلماء والدعاة والقادة, فقال في قوة: " إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول, وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفاً فقط, وقعوداً عن العمل, وهروباً من التبعات.. من أي شئ تخافون؟!.. من الحكومة أو الأزهر ؟!.. يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام, فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه, لأنه شعب مسلم, وقد عرفته في القهاوي وفي المساجد وفي الشوارع, فرأيته يفيض إيماناً, ولكنه قوة مهملة.. هؤلاء الملحدون والإباحيون, وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم؟ لو تنبهتم لدخلوا جحورهم.. يا أستاذ: إن لم تريدوا أن تعملوا لله, فاعملوا للدنيا, وللرغيف الذي تأكلون, فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة, ضاع الأزهر وضاع العلماء, فلا تجدون ما تأكلون ولا ما تنفقون, فدافعوا عن كيانكم, إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام, واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة, وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء..!"

    البحث عن حل:

    كان الأسى الذي ملأ قلب "حسنالبنا" ـ ابن العشرين عاماً ـ على أحوال المسلمين, والمرارة التي أرقته الليالي الطوال في ذلك الشهر الكريم ـ شهر رمضان المبارك ـ هي التي تنطلق من أعماق فؤاده, ويترجمها لسانه, ممزوجة بحماس الشباب وقوة الإيمان, وانقسم الحضور في مجلس الشيخ الدجوي إلى مؤيد للشيخ, مدافع عن آرائه وضعفه وقلة حيلته, وبين مؤيد للشاب التحمس, مدافع عن ضرورة البحث عن حل, وفعل ما يجب فعله لاستنهاض الأمة, وأنهى الشيخ الدجوي المجلس بسبب حرصه على زيارة منزل أحد مريديه, وربما تخلصاً من هذا المأزق الصعب, لكن "حسنالبنا" الذي يفور قلبه كالمرجل, وتضيق نفسه بهذا الواقع الأليم, حرص على مرافقة الشيخ في زيارته, وعلى أن يجلس بجواره, ومازال يحدثه حتى أبكاه بدمع غزير, بلل لحيته, وبكى معه بعض من حضر من شدة التأثر.. ثم تساءل الشيخ الجليل: وماذا أصنع؟!.. فقال "حسنالبنا" لا أريد إلا أن تحصر لي أسماء من نتوسم فيهم الغيرة على الدين, من ذوي العلم والوجاهة والمنزلة, ليفكروا فيما يجب أن يعملوه: يصدرون ولو مجلة أسبوعية, أمام جرائد الإلحاد والإباحية, ويكتبون ردوداً وكتباً على هذه الكتب, ويؤلفون جمعيات يأوي إليها الشباب, وينشطون حركة الوعظ والإرشاد.. وهكذا من هذه الأعمال, فاستراح الشيخ لهذا الرأي, وأملى عليه أسماء العلماء والدعاة والوجهاء, وكان منهم أصحاب الفضيلة : الشيخ محمد الخضر حسين, والشيخ عبد العزيز جاويش, والشيخ عبد الوهاب النجار, والشيخ عبد العزيز الخولي, والسيد محمد رشيد رضا, ومن الوجهاء أحمد باشا تيمور, ونسيم باشا, وأبو بكر يحيى باشا, ومتولي بك غنيم, وعبد العزيز بك محمد, وعبد الحميد بك سعيد, وغيرهم كثيرون, واتفق الشيخ الدجوي مع الشاب الواعد حسنالبنا على أن يمر كل واحد منهما على من يعرف, ثم يكون اللقاء بعد أسبوع.

    ومن هذه النخبة الطيبة تكونت نواة "جمعيات الشبان المسلمين" بعد ذلك, وعقب الاجتماعات ـ بعد عيد الفطر من ذلك العام (1344 هـ ـ 1926 م) ـ صدرت مجلة "الفتح" الإسلامية تحت رئاسة الشيخ عبد الباقي سرور, ورأس تحريرها السيد محب الدين الخطيب, الذي تولى إدارتها وتحريرها بعد ذلك, فنهض بها خير نهوض, وكانت مشعل الهداية والنور لذلك الجيل من شباب الإسلام المثقف الغيور, وصدر العدد الأول منها يوم الخميس 29 من ذي القعدة عام 1344 هـ ـ الموافق 10 من يونيو 1926 هـ, واستمرت تؤدي رسالتها لمدة 24 عاماً حتى توقفت عام 1368 هـ ـ 1949م, بعد وفاة الكاتب الإسلامي الكبير السيد محب الدين الخطيب, واستشهاد الشاب الثائر والإمام المجدد حسنالبنا برصاص الغدر في الثاني عشر من فبراير عام 1949م.

    ونتوقف هنا عند أربع نقاط مهمة, الأولى: أن "حسنالبنا" حول الحماسة التي تفور داخله, والعاطفة المتوقدة في نفسه ووجدانه, إلى طاقة إيجابية فاعلة, ولم يجلس يبكي على الواقع المر دون أن يفعل شيئاً, والثانية: أنه اتجه بهذه الطاقة الإيجابية الفاعلة, ليضعها أمام الرجل المسئول, المؤثر في أوساط الإسلاميين, والذي له صلات بغالبيتهم, وله مكانته وقدره بينهم, ولم يتجاهل صاحب الشأن في طرق بابه وحثه على العمل والحركة, والثالثة: أنه لم يتوقف عن وصف الواقع المؤلم للأمة, ولكنه قدم اقتراحات عملية, يمكن تنفيذها, وبالتالي لم ينته اللقاء إلا وكان هناك اتفاق واضح على عمل محدد, وهو ما أثمر عن بدء تأسيس "جمعيات الشبان المسلمين" التي مازالت تعمل في الساحة الإسلامية حتى الآن, وكذلك صدور مجلة "الفتح" الإسلامية, والرابعة: أن الشيخ الجليل يوسف الدجوي تلقى حماسة "حسنالبنا", وربما قسوته في بعض ألفاظه وكشف الحقيقة كما يراها, بقبول حسن, ولم يعنفه على جرأته في الكلام, أو يكابر في وصف الواقع بدعوى أن الشاب لا يزال صغيراً قليل التجربة, أو .. الخ هذه الردود السلبية, لكن الشيخ الجليل كان شجاعاً في قبول الرأي الآخر, وكان صادقاً في التفاعل معه, وهكذا العلماء الأجلاء.




    سطور مضيئة:

    كانت شخصية "

    حسنالبنا" في تلك المرحلة, قد تكشفت عن إرادة قوية, وعزيمة فتية, وإيمان لا يتزعزع, بوجوب البحث عن مخرج للأزمة التي تعيش فيها الأمة الإسلامية, وعن حل عملي وواقعي وعاجل لمواجهة هذه الموجه الإلحادية والإباحية, التي تكاد تعصف بمصر, قلب الأمة الإسلامية النابض, وقلب الأمة العربية وأملها في النهضة والتقدم.. كانت ملامح المستقبل الطموح تختمر في ذهن الشاب الثائر, وهذا الحلم الذي ملك عليه حياته, يتبلور في مخيلته.. لقد تحول هذا الأرق العنيف, الذي حرمه النوم, وهذا السهاد الطويل, إلى سطور مضيئة في موضوع "إنشاء" كتبه كواجب دراسي, قبيل تخرجه من دار العلوم (1345 هـ 1927), وبعد شهور قليلة من لقائه الساخن والتاريخي مع العالم الجليل الشيخ يوسف الدجوي ـ رحمه الله ـ واجتماعات تأسيس مجلة "الفتح" ثم "جمعيات الشبان المسلمين".. كان موضوع الإنشاء هو إجابة عن سؤال: "اشرح أعظم آمالك, بعد إتمام دراستك, وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها".. وكأن واضع السؤال, كان يبحث عن "حسنالبنا

    "!!.. وكان الجواب حاضراً في ذهن وعقل ووجدان هذا الشاب النابه, فسطره في ورقة الإجابة.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 6 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 18:56




    كتب "حسن البنا" يقول: أعتقد أن خير النفوس, تلك النفس الطيبة, التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم, وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم, وذود المكروه عنهم, وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة, والجهاد في الحق والهداية ـ على توعر طريقهما, وما فيه من مصاعب ومتاعب ـ راحة ولذة, وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها, وتتغلغل في مظاهر المجتمع, فتتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم, ومسرة حياتهم, وما يزيد في هذا الصفاء, ويضاعف تلك المسرة, لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان, وعطف عليهم, ورغبة شريفة في خيرهم, فتحاول أن تبرئ هذه القلوب المريضة, وتشرح تلك الصدور الحرجة, وتسر هذه النفوس المنقبضة, لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنفذ فيها مخلوقاً من هوة الشقاء الأبدي أو المادي, وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة..".

    "وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه, ولا تتجاوز فائدته عامله, قاصر ضئيل, وخير الأعمال وأجلها, ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره, من أسرته وبني جنسه, وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره, وعلى هذه العقيدة سلكت سبيل المعلمين, لأني أراهم نوراً ساطعاً, يستنير به الجمع الكثير, ويجري في هذا الجمع الغفير, وإن كان كنور الشمعة التي تضئ للناس باحتراقها.."

    موضوع الإنشاء الذي يصلح كمادة للتدريس والتوجيه في الجامعات مازال موصولاً, يقول حسن البنا.. "وأعتقد أن أجل غاية, يجب أن يرمي الإنسان إليها, وأعظم ربح يربحه, أن يحوز رضا الله عنه, فيدخله حظيرة قدسه, ويخلع عليه جلابيب أنسه, ويزحزحه عن جحيم عذابه, وعذاب غضبه, والذي يقصد إلى هذه الغاية, يعترضه مفرق طريقين, لكل خواصه ومميزاته, يسلك أيهما شاء؛ أولهما: طريق التصوف الصادق, الذي يتلخص في الإخلاص والعمل وصرف القلب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم, وهو أقرب وأسلم. والثاني: طريق التعليم والإرشاد, الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل, ويفارقه في الاختلاط بالناس, ودرس أحوالهم, وغشيان مجامعهم, ووصف العلاج الناجح لعللهم, وهذا أشرف عند الله وأعظم, ندب إليه القرآن العظيم, ونادى بفضله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقد رجح الثاني ـ بعد أن نهجت الأول ـ لتعدد نفعه, وعظم فضله, ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم, وأجملهما بمن فقه شيئاً (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة 122.

    "وأعتقد أن قومي ـ بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها, والمؤثرات الاجتماعية التي مرت بهم, وبتأثير المدنية الغربية, والشبه الأوروبية, والفلسفة المادية, والتقليد الإفرنجي ـ بعدوا عن مقاصد دينهم, ومرامي كتابهم, ونسوا مجد آبائهم, وآثار أسلافهم, والتبس عليهم هذا الدين الصحيح, بما نسب إليه ظلماً وجهلاً, وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء, وتعاليمه الحقيقة السمحة, بحجب من الأوهام, يحسر دونها البصر, وتقف أمامها الفكر, فوقع العوام في ظلمة الجهالة, وتاه الشبان والمتعلمون في بيداء حيرة وشك, أورثا العقيدة فساداً, وبدلا الإيمان إلحاداً..!".

    ".. وأعتقد كذلك أن النفس الإنسانية محبة بطبعها, وأنه لابد من جهة تصرف إليها عاطفة حبها, فلم أر أحداً أولى بعاطفة حبي من صديق, امتزجت روحه بروحي, فأوليته محبتي, وآثرته بصداقتي (وهو الأستاذ أحمد السكري وكيل الإخوان المسلمين فيما بعد), كل ذلك أعتقده, عقيدة تأصلت في نفسي جذوتها, وطالت فروعها, واخضرت أوراقها, وما بقى إلا أن تثمر, فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان, خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي, والوفاء لذلك الصديق المحبوب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً, وإلى أكبر حد تسمح به حالتي ويقدرني الله عليه. وعام: وهو أن أكون مرشداً معلماً, إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار, ومعظم العام, قضيت ليلي في تعليم الآباء, هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم, تارة بالخطابة والمحاورة وأخرى بالتأليف والكتابة, وثالثة بالتجول والسياحة".

    ".. وقد أعددت لتحقيق الأول معرفة بالجميل, وتقديراً للإحسان و(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) }الرحمن : 60,{, ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية: الثبات والتضحية, وهما ألزم للمصلح من ظله, وسر نجاحه كله, وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقاً يزري به أو يشينه, ومن الوسائل العملية: درساً طويلاً سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية, وتعرفاً بالذين يعتنقون هذا المبدأ, ويعطفون على أهله, وجسماً تعود الخشونة على ضآلته, وألف المشقة على نحافته, ونفساً بعتها لله صفقة رابحة, وتجارة بمشيئته منجية, راجياً منه قبولها, سائله إتمامها, ولكليهما عرفانا بالواجب, وعوناً من الله سبحانه, أقرؤه في قوله (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) } محمد : 7 {, ذلك عهد بيني وبين ربي, أسجله على نفسي, وأشهد عليه أستاذي, في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير, وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير, (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) } الفتح : 10 {,.




    أركان التصور الصحيح:


    انتهى موضوع "الإنشاء" الذي كتبه "حسن البنا" رداً على سؤال: اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك, وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها. وهو بالغ الدلالة على أن هذا الشاب النابه, كان قد استكمل أركان التصور الصحيح لرسالته في الحياة كداعية, وغايته التي عاش من أجلها, ثم استشهد في سبيلها.. وتجدر الإشارة هنا إلى عدد من النقاط المهمة حول موضوع "الإنشاء" وهي: أولاً: بدا "حسن البنا" وكأنه كان في انتظار طرح مثل هذه القضية المهمة, وربما في لهفة وشوق, كي يفرغ ما في جعبته, بعد أن استبان له الطريق, واكتمل لديه التصور نحو بلوغ هدفه ورسالته وغايته, ثانياً: أن كاتب "الموضوع" كان قد حسم اختياره واستقرت نفسه بين الاستمرار في طريق التصوف, وبين الانخراط في طريق الدعوة إلى الله والاختلاط بالناس, فاقتنع بالطريق الثاني, وربما زاد من إيمانه وقناعته, قيامه بالخطابة في المقاهي والمنتديات, واحتكاكه بالجماهير وعوام الناس, وتأملاته في حركة المجتمع ومراكز التأثير. ثالثاً: أن موضوع الإنشاء يعبر عن فقه عميق ودقيق لرسالة الداعية إلى الله, الذي يجب أن يكرس حياته ووقته وجهده لخدمة الناس وإسعادهم بالإسلام, وهو دليل واضح على مكانة الناس عند "حسن البنا", واعتبارهم الهدف الأسمى الذي يؤدي إلى رضا الله سبحانه ونيل مثوبته.

    رابعاً: أن الموضوع حوى ألفاظاً ومعاني لها دلالات مهمة في حياة الأستاذ "البنا" وفي تاريخ الجماعة والفكر الإسلامي, ومنها: (الإخلاص ـ العمل ـ التضحية ـ الثبات ـ الأخوة ـ الوفاء ـ الشمول ـ الإرشاد.. الخ).

    وهي ألفاظ ومعان وردت في أركان البيعة وفي ركن الفهم في رسالة التعاليم, أحد أهم وأبرز رسائل الإمام الشهيد رحمة الله.

    ولا شك في أن من يقرأ موضوع الإنشاء, الذي كتبه هذا الشاب, المتوهج إيمانياً ودعوياً, سوف يجد فيه ما يمكن إضافته من معان وإشارات ودلالات, فتاريخ الإمام المجدد لم يخرج عن هذا المنهج الذي سطره في موضوع الإنشاء, وغايته التي رسمها وانحاز إليها في حياته, واستشهد في سبيل الدفاع عنها.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 7 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 18:58

    في شهر ذي الحجة 1345 هـ ـ يونيه 1927 م, حصل "حسن البنا" على دبلوم دار العلوم, وكان ترتيبه الأول على دفعته, ولم يشغله هذا الهم المقيم عن أن يتفوق في تحصيل العلم, وفكر بعض أصدقائه في أن يتقدم بطلب الترشيح للبعثة لاستكمال الدراسة في الخارج, باعتبار أن ذلك من حق الطالب الأول في الدبلوم دائماً, ولكنه كان متردداً بين حب الاستفادة والاستزادة من العلم, مهما تباعدت أراضيه وتناءت دياره, وبين العزوف عن تلك المظاهر, والرغبة في سرعة العمل والحركة لتحقيق الفكرة, التي يقول عنها في مذكراته: إنها "ملكت علي نفسي, وهي فكرة الدعوة إلى الرجوع إلى تعاليم الإسلام, والتنفير من هذا التقليد الغربي الأعمى, ومن مفاسد قشور المدنية الغربية".. غير أن "دار العلوم" لم ترشح أحداً للسفر إلى الخارج في ذلك العام, فاستراح, وصدر قرار تعيينه مدرساً "الإسماعيلية الابتدائية الأميرية" وهي تعادل المرحلة الإعدادية الآن.

    وشاء الله أن تكون مدينة "الإسماعيلية", وهي إحدى مدن منطقة قناة السويس, وتقع إلى الشمال الشرقي من مدينة القاهرة, وتبعد عنها حوالي 100 كم, هي البداية لهذه الدعوة الفريدة, وهذا البناء الضخم, وهذا الصرح العملاق, الذي انطلق من مصر, وامتد تأثيره وتنامى في كل البلاد العربية والإسلامية, بل في العالم أجمع, ولم يتوقف هذا الصرح الكبير عن النمو والامتداد والتأثير, حتى في أحلك الظروف وأصعب الأجواء, منذ أن بدأت أولى الخطوات المباركة, في تلك المدينة الهادئة, وعلى يد هذا الإمام المجاهد, ومعه ثلة من إخوانه الكرام, خير الرجال, ورجال الخير, جزاهم الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء.

    حسن البنا في الإسماعيلية

    ظهور دعوة الإخوان المسلمين

    (ربيع الأول 1346 هـ جمادي الآخرة 1351هـ )

    (سبتمبر 1927م ـ أكتوبر 1932م )

    استقل "حسن أفندي" ـ هكذا أصبح اسمه بعد أن اشتغل بالتدريس ـ القطار, متجهاً إلى مدينة الإسماعيلية في أول العام الدراسي الجديد لاستلام عمله في "مدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية", حيث وصلها ظهراً, كان ذلك في ضحى يوم الاثنين 23 من ربيع الأول 1346هـ الموافق 19 من سبتمبر 1927م, وبدت له المدينة من فوق قنطرة (كوبري) محطة السكة الحديد, رائعة الجمال, أخذت بلبه, وسحرت بصره, فوقف برهة من الوقت, يحاول أن يقرأ في لوح الغيب المستور, ما كتب له في هذا البلد الطيب, ويسأل الله تبارك وتعالى في حرارة, وصفاء مناجاة, أن يقدر له ما فيه الخير, وأن يجنبه ما فيه الشرور والآثام, وشعر من أعماق قلبه, أنه لابد له في هذا البلد من شأن آخر, غير شأن هؤلاء الغادين الرائحين من أهله وزائريه, وقد كان.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    وصل "المدرس" الجديد إلى الفندق, وترك حقيبته وذهب إلى المدرسة ليقابل الناظر والمدرسين كي يتسلم عمله, وهناك تعرف على أحد أصدقائه القدامى من مدرسي المدرسة؛ حيث نزلا سوياً في "بنسيون" (بيت مكون من مجموعة من الغرف, يتم تأجيرها لطالبي السكن, يوفر لهم المبيت دون الطعام, ولا يحتاج إلى إدارة كبيرة مثل الفندق، وبالتالي يكون أرخص في التكلفة لطالبي السكن), وكان "البنسيون" الأول الذي نزلا فيه لسيدة إنجليزية, ثم إلى آخر تملكه سيدة إيطالية.

    وظل "حسن البنا" مدة أربعين يوماً كاملة, يقضي وقته بين المدرسة والمسجد العباسي والمنزل, لا يحاول أن يختلط بأحد, ولا يحاول أن يتعرف إلى بيئة غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل, وقسم وقت فراغه بين المطالعة أو تلاوة القرآن, وبين التعرف على البلدة الجديدة (مدينة الإسماعيلية) ودراستها دراسة فاحصة, وهو ـ في كل ذلك ـ لم ينس أبداً كلمة صديقه "محمد أفندي الشرنوبي" الذي جاء يودعه قبيل سفره إلى "الإسماعيلية" مع وفد من أصدقائه وزملائه: "إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً في كل مكان ينزل فيه, وإنا لنرجو أن يترك صديقنا (أي حسن البنا) أثراً صالحاً في هذا البلد الجديد عليه..".

    وبعد فترة استأجر "حسن أفندي" وصديقه منزلاً بدل "البنسيون", ومن طرائف المصادفات أن هذا المنزل الجديد كان مكوناً من ثلاثة أدوار, استأجر مجموعة من اليهود الطابق السفلي, واتخذوا منه ناديا وكنيساً، واستأجر الطابق الأوسط مجموعة من المسيحيين، واتخذوا منه نادياً وكنيسة, واستأجر هو وصديقه الطابق العلوي, وجعلوا منه مسكناً ومصلى, وبالتالي اجتمع في هذا المنزل أتباع الرسالات السماوية الثلاث, دون أن تحدث بينهم مشكلات!..

    كانت "مدينة الإسماعيلية" في ذلك الوقت, لها وضع فريد, ففي غربها يقع المعسكر الإنجليزي, ببأسه وسلطانه, وهيله وهيلمانه, يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف والمرارة, ويدفعه دفعاً إلى مراجعة هذا الاحتلال البغيض, وما جره على مصر من نكبات ومصائب جسام, وما أضاع عليها من فرص مادية أدبية, وكيف كان الحاجز الوحيد دون نهوضها ورقيها, والمانع الأول من وحدة العرب واجتماع كلمة المسلمين.. وفي شرق المدينة يقع نوع آخر من الاحتلال, حيث مكتب إدارة "شركة قناة السويس الفرنسية" بروعته وسطوته, والذي كان يستأثر بالإشراف على كل المرافق العامة في المدينة, مثل النور والمياه والنظافة, وكل ما هو من اختصاص المجالس البلدية, تتولى الشركة مسئوليته, حتى الطرق والمداخل التي تربط "الإسماعيلية" بغيرها من المدن المصرية, في أيدي الشركة الفرنسية!.. فلا دخول إلا بإذنها ولا خروج إلا بموافقتها, بالإضافة إلى المنازل الفخمة المنتشرة في حي "الإفرنج" بأكمله, ويسكنها موظفو الشركة الأجانب, بينما تقابلها مساكن العمال المصريين في ضحالتها وصغر شأنها, حتى الشوارع الأنيقة في حي العرب كانت كلها تحمل لوحات مكتوبة باللغة الفرنسية, لغة الاحتلال الاقتصادي لتلك المدينة!..

    لم يكن "بالإسماعيلية" سوى مسجد واحد هو المسجد العباسي, وهو يمتلئ فقط يوم الجمعة بكبار السن, أما بقية أيام الأسبوع, فعدد رواد المسجد قليل جداً, وكان تعداد المدينة في تلك الفترة لا يتجاوز 35 ألف نسمة, يعملون في الأعمال والحرف البسيطة, ولا أحد منهم يستطيع أن يرفع رأسه أمام الأجانب المحتلين, من الإنجليز والفرنسيين!

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 8 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:00

    كانت المدينة بالنسبة لـ "حسن البنا" مليئة بالكثير والكثير من المعاني والدلالات والإيحاءات, التي ساهمت ـ بشكل كبير ـ في تشكيل وتكييف وبلورة ماهية الدعوة الجديدة, بل والداعية نفسه, حيث أدرك بحاسته وفراسته, أنه رغم الطابع الأوروبي, والتقاليد الغربية الواضحة فيها ـ ومنها مثلاً أن الإجازة الأسبوعية كانت يوم الأحد, بينما الجمعة يوم عمل ـ إلا أن هناك شعوراً إسلامياً قوياً في أعماق قلوب أهلها, الذين يلتفون حول العلماء, ويقدرون ما يقولون..

    أكبر مشكلات المسلمين:

    فكر "حسن البنا" طويلاً في الاختلافات التي مزقت البلدة, ولم يكن يريد أن يضعه أحد في صف أتباع هذا المذهب أو ذاك.. إنها أكبر مشكلات المسلمين طوال تاريخهم… الفرقة والاختلاف والانقسام والتشرذم الذي يؤدي إلى العداوة والبغضاء والشحناء.. كانت هذه أول مشكلة يواجهها "حسن البنا".. إنه يريد أن يتصل بالجميع, وأن يخاطب الكافة, ويلم شتات الأهل, وقرر أن يبتعد ـ ما استطاع ـ عن الحديث إلى الناس في المساجد, فجمهور المسجد هم الذين مازالوا يذكرون موضوعات الخلاف الفقهي, ويثيرونها في كل مناسبة, وبالتالي لا جدوى من التحدث إليهم وهم على هذا الحال.

    لم يكن أمامه إذن من طريق, سوى ما سلكه من قبل .. طريق الدعوة إلى الله في المقاهي والمنتديات العامة, وبالفعل اختار ثلاث مقاه كبيرة, تجمع ألوفاً من الناس, ورتب في كل مقهى درسين في الأسبوع, أي ستة دروس في الأسبوع, وواصل التدريس والوعظ بانتظام, وكما حدث في "القاهرة" حدث في "الإسماعيلية" فقد بدا الدرس غريباً على الناس في أول الأمر, ولكن سرعان ما ألفوه وأقبلوا عليه بعد ذلك..

    كانت التجربة السابقة في القاهرة, قد أفادته بشكل كبير ـ كما يقول في مذكراته ـ "يتحرى الموضوع الذي يتحدث فيه جيداً, بحيث لا يتعدى أن يكون وعظاً عاماً, تذكيراً بالله واليوم الآخر, وترغيباً وترهيباً, فلا يعرض لتجريح أو تعريض, ولا يتناول المنكرات والآثام, التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون, بلوم أو تعنيف, ولكنه يقنع بأن يدع شيئاً من التأثير في هذه النفوس وكفي.. وهو كذلك يتحرى الأسلوب, فيجعله سهلاً جذاباً مشوقاً, خليطاً بين الفصحى والعامية أحياناً, ويمزجه بالمحسات (الأشياء الملموسة) والأمثال والحكايات, ويحاول أن يجعله خطابياً مؤثراً في كثير من الأحيان. وهو ـ بعد هذا ـ لا يطيل, حتى لا يمل الناس, فلا يزيد الدرس على عشر دقائق, فإذا أطال فربع الساعة, مع حرصه التام على أن يوفي, في هذا الوقت القصير معنى خاصاً, يهدف إليه, ويتركه وافياً واضحاً في نفوس السامعين.. يقرأ القرآن قراءة خاشعة مؤثرة, ويكتفي بتوضيح المعنى الإجمالي دون تفصيل..".

    استطاع "حسن البنا" ـ بهذا الأسلوب ـ أن يؤثر في مستمعيه, حتى أنهم أقبلوا على تلك المقاهي ينتظرون موعد الدرس! وأخذوا يفيقون ويفكرون, ثم بدأوا يسألونه عما يجب عليهم أن يفعلوه, ليقوموا بحق الله عليهم.. لكن الداعية الجديد الواعي الحكيم, لا يتعجل الطريق, ولا يستعجل قطف الثمار, انتظاراً للفرصة السانحة, ومزيداً من التهيئة للنفوس العطشى التي بدأت تستيقظ, فكان يجيبهم إجابات غير قاطعة, جذباً لانتباههم, وتشويقاً لأسماعهم..ونجح الأسلوب, وحدث ما توقع وتمنى.. ازداد إلحاح الأسئلة عما يجب أن يفعلوه, فأشار عليهم باختيار مكان خاص, يجتمعون فيه, بعد دروس المقهى أو قبلها, ليتدارسوا هذه الأحكام.. وتم له ذلك, ووقع الاختيار على زاوية نائية (مصلى صغير) في أطراف المدينة, ولكنها في حاجة إلى شئ من الترميم والإصلاح, كي تصلح للاجتماع وإقامة الشعائر والاستماع إلى الدرس.

    وهنا تتجلى بركات النية الخالصة لوجه الله, وتتعانق مع روعة الأسلوب وصدق الحديث, لتظهر النتيجة المشرقة.. لقد أسرع هؤلاء الرجال البسطاء إلى الزاوية المهدمة, فرمموها, واستكملوا أدواتها في ليلتين فقط, فقد كان منهم البناء والنقاش وغيرهم, وانعقد بهذه الزاوية الصغيرة أول لقاء.. وحرص الداعية الحكيم على أن يسلك بهم مسلكاً عملياً خالصاً, فعلمهم الوضوء, ثم ذكر لهم فضائله الروحية والبدنية والدنيوية, من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم انتقل بهم بعد ذلك إلى تعلم الصلاة, شارحاً أعمالها, مطالباً إياهم بأدائها عملياً أمامه, ذاكراً فضلها ومخوفاً من تركها وإهمالها, وهكذا.. وفي أثناء ذلك يستظهر معهم سورة الفاتحة واحداً واحداً, ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور..

    سورة سورة, وفوق كل ذلك لا ينسى أن يذكرهم بالعقيدة الصحيحة, ينميها ويقويها ويثبتها في النفوس الظمأى, والقلوب الحيرى, بما ورد في القرآن الكريم من آيات الذكر الحكيم, وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وسير الصالحين من صحابته الكرام, ومسالك المؤمنين الموحدين, لا يحاول هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صالحة, فما أسهل الهدم بعد البناء وما أشقه قبل ذلك..

    ونقف هنا وقفة أمام هذا الجهد الكبير والصبر الجميل لهذا الداعية النابه, لينزل من المستوى الثقافي والعلمي والدعوي, الذي يناسب شاباً متحمساً تخرج من الجامعة, إلى المستوى البسيط: لغة وفهماً وثقافة ومعيشة, لأناس من قاع المجتمع, لا يعرفون الوضوء أو الصلاة أو قراءة القرآن أو حفظ بعض آياته، وفي نفس الوقت ربما تسيطر على عقولهم بعض الخرافات أو الاعتقادات الفاسدة, هذا الجهد الكبير الذي بذله الداعية الواعي حتى نجح في أن يتفاعل معهم وأن يحركهم ويوجههم, لابد من لفت الانتباه إليه, حتى يدرك الدعاة, من الشباب خصوصاً, ضرورة النزول إلى مستوى المدعوين, ثم الارتفاع بهم رويداً رويداً, بالحب والصدق والرفق إلى آفاق الدعوة الرحبة..

    هواة الجدل ومحبو الخلاف:

    استمر اللقاء في تلك الزاوية, فترة من الزمن, ثم انتقل إلى زاوية أخرى يملكها الحاج "مصطفى" بحي العراقية.. كان الدرس يستغرق ما بين المغرب والعشاء, ثم ينتقل إلى المقاهي التي بدأت فيها الدعوة, ليستمر توافد الناس إلى الزاوية, يستمعون أكثر, وينفذون ما يسمعون ويتجاوبون عملياً لتوجيهات الداعية الناجح، لكن هواة الجدل, ومحبي الخلاف بدأوا يتسللون إلى تلك الدروس لإفسادها, وإطفاء الروح المشرقة التي تغمرها, لكن الداعية الحكيم, الذي درس وتأمل وعاش الليالي الطوال يفكر في كيفية الابتعاد عن هذه الفتنة, كان موفقاً غاية التوفيق في مواجهة هذه الأزمة, بل والاستفادة منها ببراعة فائقة..
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 9 ) .

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:02

    لم يدع " حسن البنا " أنه عالم أو فقيه, ولكنه اختار وصف المدرس الذي درس بعض الأحكام الشرعية, ويريد أن ينشرها بين الناس, فلا محل إذن لجدال عقيم, أو نقاش سقيم, أو سفسطه لا طائل من ورائها, ومن أقواله في هذا المقام:

    " .. إن هذه المسائل اختلف فيها المسلمون مئات السنين, ولازالوا مختلفين, والله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة, ويكره منا الخلاف والفرقة, فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن, وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده, ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة, وإرشاداته المجمع عليها, ونؤدي الفرائض والينن, وندع التكلف والتعمق, حتى تصفو النفوس, ويكون غرضنا جميعاً معرفة الحق, لا مجرد الانتصار للرأي, وحينئذ نتدارس هذه الشئون كلها معاً, في ظل الحب والثقة والوحدة والإخلاص"..

    أرأيت هذا العمق في فهم الدين وأصوله ومقاصده؟! وهذا الوضوح في الهدف, والبساطة في الأسلوب, والبراعة في الاستفادة من المشكلة؟!.. إن الداعية الواعي وضع الأمور في نصابها الصحيح, ووعد بالرجوع إلى البحث في الأمور الخلافية, ولكن على قاعدة : الحب والأخوة والانتصار للحق وحده, وهو ما كان له تأثيره العجيب في النفوس والقلوب, فتعاهد الحضور في الدرس على ذلك. واستمر اللقاء في تلك الزاوية بعد ذلك. بعيداً عن جو الخلاف والجدال والشحناء والانتصار للرأي. وواصل الداعية الحكيم طرقة لمعاني الأخوة والحب, ولطبيعة التسامح عند الخلاف ووجوب احترام الآراء الخلافية بين المسلمين, تحقيقاً لهدف أسمى هو : وحدة الصف المسلم, وبالتالي قوة وعزة وازدهار المجتمع والأمة الإسلامية.. لا يكاد يترك لقاءً دون أن يتحدث عن هذه العاطفة المؤثرة, بل إنه استمر ـ إلى أن لقى ربه ـ يذكر إخوانه في كل لقاء بالحب والأخوة في الله.

    مرت قرابة خمسة أشهر منذ أن بدأ " حسن أفندي " أولى خطواته في مقاهي مدينة الإسماعيلية, خطيباً وواعظاً ومذكراً ودارساً لأحوال الناس وظروفهم وأشربتهم المتعددة, أي مدة ما بقى عام 1927 وأوائل عام 1928 ( من نوفمبر إلى مارس ) ( جمادي الأولى .. إلى شوال 1346هـ ) وكان يضع نصب عينيه في تلك الأشهر الخمسة, الاستمرار في دراسة أحوال الناس والمجتمع والأوضاع العامة دراسة دقيقة, وبالتالي التوصل إلى معرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد, الذي لم يألفه, وخرج من الدراسة والتأمل بأن هناك أربعة عوامل مهمة, تؤثر بقوة في هذه المدينة, وتحدد وجهتها والرأي فيها, الأول : العلماء, والثاني شيوخ الطرق الصوفية, والثالث : الأعيان, والرابع : نادي العمال التابع لجمعية التعاون.

    وهنا تتجلى حكمة الداعية, الذي يريد لدعوته أن تنجح, ولغرسه أن ينبت ولهدفه أن يتحقق.. أنه يسعى لفهم أدوات التأثير في الواقع المحيط به, وبالتالي يستخدمها الاستخدام الأمثل, ليحقق أفضل النتائج في أقل وقت ممكن, ويتفادى الفشل أو المعوقات
    أو الأخطاء المؤثرة.

    وقد كان .. فمع العلماء .. حرص على أن يسلك مسلك الصداقة والتوفير والإجلال التام, وحرص على ألا يتقدم أحداً منهم في درس أو محاضرة أو خطبة, وإذا كان يتحدث لأو يلقي درساً, وقدم أحدهم , تنحى له وقدمه إلى الناس.. وكانت نتيجة هذا السلوك أن لقى منهم حسن الذكر, وطيب الكلام, والداعية الناجح لم يكن يفعل ذلك إلا وهو صادق مع نفسه ومع دينه ومع دعوته ومع الناس كذلك.

    ومع رجال الطرق الصوفية, وقد كانوا كثرة كثيرة, كان يتأدب بأدب الطريق, وهو الخبير بها, ويخاطبهم بلسانها, ويقدمهم إلى الناس, ثم هو بعد ذلك يذكرهم بالتبعة الملقاه على كاهلهم لهؤلاء الأتباع البسطاء, الذين وثقوا بهم وأسلموهم قيادهم, ليدلوهم على طريق الله, ويرشدوهم إلى الخير, ثم يطلب إليهم في النهاية أن يوجهوا كل جهودهم إلى إثارة الأذهان, وتوجيه العقول لهؤلاء الناس بالعلم والمعرفة, وإلى التربية الإسلامية الصحيحة, وجمع كلمتهم على عزة الإسلام, والعمل على إعادة مجده..

    وقد نجحت هذه الطريقة مع كثير مع دعاة الصوفية, خصوصاً من الشباب المتعلم, الذي كان يفد إلى المدينة, ليعقد حلقات الذكر, ويخطب في الأتباع والمريدين, حتى أن بعضهم أخذ عهداً على نفسه, أن ينفذ ما يصبو إليه " حسن البنا " وكانوا يزورونه كلما نزلوا مدينة الإسماعيلية..

    ومع الأعيان, كان هناك, إثر الخلافات الفقهية المذهبية المنتشرة في المدينة وقتذاك, فريقان متصارعان, كل فريق متمسك برأيه, لايرى حقاً أو صواباً إلا فيه, فكان حرص الداعية الحكيم على أن يتصل بالطرفين, وأن يكون هذا الاتصال في وضوح وجلاء, وألا يصنفه أحد مع هذا أو ضد ذاك, فإذا دخل بيت زعيم أحد الفريقين, تعمد أن يقول شيئاً عن منافسه فلان, وأنه لا يضمر له إلا الخير, ويذكره بالخير كذلك, وأنه من واجبهما أن يتعاونا على مافيه مصلحة بلدهما, وأن الإسلام يأمر بهذا..

    وبهذا الأسلوب الحكيم, استطاع أن يظفر بصداقة واحترام الطرفين, وكان لهذه الطريقة أيضاً أثرها الطيب في اجتماع الطبقات المختلفة على دعوة الإخوان المسلمين, حين نشأت بعد ذلك..

    أما العامل الرابع المؤثر في أهل المدينة فكان نادى العمال, حيث فيه نخبة من الشباب المثقف, الذي يريد أن يستمع ويتعلم, وكذلك هناك فرع لجمعية منع المسكرات, تلقي فيه المحاضرات حول هذا الموضوع, فاتصل " حسن أفندي " بهما, وألقى فيهما بعض المحاضرات الدينية والاجتماعية والتاريخية, كانت سبباً, بعد ذلك في تهيئة النفوس والقلوب والعقول بين المثقفين في المدينة, لتقبل الدعوة الجديدة..
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 10 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:04



    وقبل الحديث عن هذا الاجتماع المبارك.. اجتماع تأسيس الإخوان المسلمين, نشير إلى أن هذه الجهود التي استغرقت "حسن البنا" استغراقاً كاملاً, لم تحل بينه وبين متابعته الدائبة لحركة التيار الإسلامي واتجاهاته في القاهرة, على ضعفها، فكان على صلة تامة بمجلة "الفتح" التي شارك في تأسيسها, وحرص على التعريف بها ونشرها في مدينة الإسماعيلية, والإكثار من مشتركيها باعتبارها شعاع النور الأول, الذي يسير العاملون للحركة الإسلامية في ضوئه، وشارك بالكتابة فيها لأول مرة في العدد رقم 100, الصادر في يوم 25 من ذي الحجة 1346هـ ـ الموافق 14 من يونيه 1928م تحت عنوان "الدعوة إلى الله"، أي بعد عاملين كاملين من صدورها.

    أيضا كان "حسن البنا" على صلة تامة بمجموعة الشباب، التي تعرف إليها في القاهرة، وتعاهد معها على العمل للدعوة الإسلامية، وكان شديد الإحساس بالسعادة والفرح حينما قرأ في أحد الأيام، نبأ الاجتماع الأول لتكوين جمعية "الشبان المسلمين" واختيار عبد الحميد بك سعيد –رحمه الله- رئيسا لها، فكتب فورا إلى رئيس الجمعية الجديد مهنئاً، ومعلنا اشتراكه فيها، وواظب على دفع الاشتراك ومتابعة خطواتها بعد ذلك، وألقى فيها أول محاضرة مهمة له في القاهرة، في نادي الشبان المسلمين بشارع مجلس النواب (مجلس الشعب الآن) تحت عنوان "بين حضارتين".. وظل يكن تقديراً لرجالها المؤسسين, والعاملين فيها طوال حياته, بل إنها كانت آخر مكان وطئته قدماه, قبيل استشهاده في 12 من فبراير عام 1949, بعد اجتماع سياسي لحل الأزمة بين الحكومة والإخوان.

    تأسيس وانطلاق:

    في إحدى الليالي المباركة, زار "حسن البنا" في بيته, ستة من شباب مدينة الإسماعيلية, الذين تأثروا بدروسه ومحاضراته وخواطره الإيمانية, التي كان يلقيها في المقاهي والنوادي والزوايا, وجلسوا يتحدثون إليه في قوة وفتوة وحماسة وصدق.. لم يكن هؤلاء الشباب من طبقة المثقفين, الذين حصلوا على شهادات عليا, أو درسوا في مراحل متقدمة, ولم يكونوا من طبقة الأعيان والكبراء والوجهاء, أو من أصحاب السلطة والمال والنفوذ, بل كانوا من بسطاء الناس ومن أعماق المجتمع, يحترفون المهن المتواضعة.. هؤلاء الستة هم: حافظ عبد الحميد ويعمل نجاراً, وأحمد الحصري ويعمل حلاقاً, وفؤاد إبراهيم ويعمل كواءً (مكوجياً), وعبد الرحمن حسب الله ويعمل سائقاً, وإسماعيل عز ويعمل بستانياً (فلاحاً), أما آخرهم فكان زكي المغربي ويعمل في إصلاح وتأجير الدراجات الهوائية (عجلاتي).. لكن جذوة الإيمان إذا خالطت القلوب, وامتلأت بها الجوانح, واستسلمت لها النفوس, صنعت الأعاجيب.. ولعل هذا المعنى هو أحد الخصائص التي تميزت بها دعوة الإخوان المسلمين, على طول تاريخها المديد, وشاء الله سبحانه أنه تكون اللبنة الأولى في هذا البناء السامق من تلك النوعية البسيطة, الأقرب إلى حياة الفطرة السليمة..

    لقد نجحت دعوة الإخوان المسلمين منذ البداية في أن تصل إلى عمق المجتمع, وأن تحتويه وأن تتمدد في داخل طبقاته كلها، وكل فرد له فيها دوره ورسالته ومكانته, وليس المثقف بمتقدم على الأمي, ولا أستاذ الجامعة بمتقدم على الفلاح, إلا بتقواه لله, والتزامه وصدقه وبذله وعطائه, وهي إحدى خصائص دعوة الإسلام العظيم, حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعربي فضل على أعجمي, ولا لأبيض على أسود, إلا بالتقوى".

    تحدث الشباب الستة في جلستهم المباركة, يخاطبون الداعية الحكيم: "لقد سمعنا ووعينا وتأثرنا, ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين, ولقد سئمنا هذه الحياة, حياة الذلة والقيود, وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد, لا حظ لهم من منزلة أو كرامة, وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب, ونحن لا نملك إلا هذه الدماء, تجري حارة بالعزة في عروقنا, وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا, وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا, ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك, أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف, وكل الذي نريده الآن, أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله, وتكون أنت المسئول بين يديه عنا, وعما يجب أن نعمل, وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه وتموت في سبيله, لا تبغي بذلك إلا وجهه, لجديرة أن تنتصر, وإن قل عددها وضعفت عدتها.. ".

    يا الله..! خمسة أشهر من جهد الداعية المخلص, وصبره ودعائه صنع الله بها كل هذا العمق في الفهم والإدراك، لهذه المجموعة من بسطاء الناس, وهذا الإحساس العميق بثقل الأمانة الملقاة على عاتق المسلم, مهما كان وضعه في المجتمع, وضرورة البحث عن طريق النجاة, وهذه الحماسة المتدفقة والإرادة القوية التي يحمل أصحابها أرواحهم, ويتركونها أمانة عند هذا الداعية الصادق, يفعل بها ما يرضي الله!.

    إن المتأمل في سياق الأحداث, يدرك أن هذا اللقاء لم يكن وليد صدفة, ولم يأت عرضاً, أو أوجدته لحظة حماس أو تدفق إيماني مؤقت, بل هو تطور طبيعي وتدرج منطقي, كان حسن البنا يخطط له ويتمناه, ويدرك أنه لابد واقع.. دعوة عامة يتفاعل معها الناس بشكل كبير, لابد أن يتداعى منهم نفر للبحث عن مخرج أو القيام بعمل إيجابي, يتحملون فيه الأمانة, نيابة عن ألوف وملايين الناس..

    وكانت جلسة روحية عاطفية نورانية, يقول عنها حسن البنا في مذكراته.. "كان لهذا القول المخلص, أثره البالغ في نفسي, ولم أستطع أن أتنصل من حمل ما حملت, وهو ما أدعو له, وأحاول جمع الناس عليه, فقلت لهم في تأثر عميق: شكر الله لكم, وبارك هذه النية الصالحة, ووفقنا إلى عمل صالح, يرضي الله, وينفع الناس, وعلينا العمل وعلى الله النجاح, فلنبايع الله على أن نكون لدعوة الإسلام جنداً, وفيها حياة الوطن وعزة الأمة", وأخذ "حسن البنا" أيديهم فوضعها فوق يده, ثم تلا قول الله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) (الفتح: 10).

    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 11 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:05

    متى تأسست الجماعة؟

    ولكن متى كانت هذه الليلة المباركة, التي تشكلت فيها اللبنة الأولى للإخوان المسلمين؟.. يقول الإمام "البنا" في مذكراته: إنها في شهر ذي القعدة 1347 هـ ـ مارس 1928م, ويضيف إليها عبارة: "فيما أذكر", دليل على أن التاريخ ليس دقيقاً, فإذا كان التاريخ الهجري دقيقاً من ناحية الشهر وليس السنة, فإن التاريخ الميلادي يجب أن يكون أبريل أو مايو 1928 هـ, لأن العشر الأوائل من ذي القعدة, تتوافق مع العشر الأواخر من أبريل, ومنتصف ذي القعدة يتوافق مع بداية شهر مايو, أما إذا اعتمدنا صحة التاريخ الميلادي, فإن العشر الأواخر من مارس تتوافق مع العشر الأوائل من شوال 1346هـ وهذا معناه أن هذه الجلسة كانت في الأسبوع التالي لعيد الفطر المبارك من ذلك العام، ولا أظن ذلك صحيحا، والذي أميل إليه أن هذه الليلة كانت في العشر الأوائل من شهر ذي القعدة 1346 ـ وليس عام 1347هـ, الموافق للعشر الأواخر من شهر أبريل 1928هـ.

    يقول الشيخ عبد الرحمن حسب الله ـ رحمه الله ـ وهو آخر من توفى من هؤلاء الرجال الستة الذين حضروا تلك الليلة المباركة (توفى في أوائل التسعينيات من القرن الماضي), في لقاء صحفي لي معه في عام 1988, نشرته مجلة المجتمع الكويتية بمناسبة مرور 60 عاماً على تأسيس الإخوان.. يقول عن هذه الليلة: "كنت أحد ستة من الشباب الذين يحضرون دروس الأستاذ "حسن البنا" وأخذت من نفوسنا كل مأخذ, مما جعلنا نقبل عليه بعد انتهاء أحد الدروس, مصافحين ومعجبين ومستفسرين منه.. من هو؟ وأين يعمل؟ وأين يقطن؟ وهل يمكن أن يسمح لنا بزيارة خاصة, نتحدث معه فيها, في شأن هذا البلد المحروم من معرفة الإسلام؟.. فتهلل وجهه سروراً وبشراً, واصطحبنا معه إلى حيث يقطن, وهناك كانت جلسة ربانية, وأسئلة وأجوبة شرح فيها مهمة المسلم في الحياة, وماهو المطلوب منه أمام الله (سبحانه وتعالى), وما الواجب عليه أن يعلمه, فاقتنعنا كل الاقتناع, وتهيأت نفوسنا واستعدت لمواصلة اللقاء والاستزادة من المعرفة بواقع الإسلام والمسلمين, وكان "حسن البنا" يتحدث بتأثر عجيب, وكانت دموعه تسيل على لحيته.. واستمرت هذه الجلسة المباركة حتى قرب منتصف الليل..

    كانت هذه بيعة مع الله, على العمل من أجل نصرة الإسلام, والالتزام بتعاليمه, وأن يعيشوا إخواناً متحابين, يعملون للإسلام ويجاهدون في سبيله, وتساءل أحدهم: بم نسمى أنفسنا؟.. وهل نكون جمعية أو نادياً أو طريقة, أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي؟… فرد حسن البنا قائلاً: لا هذا ولا ذاك.. دعونا من الشكليات ومن الرسميات, وليكن أول اجتماعنا وأساسه: الفكرة والمعنويات (أي الجوانب المعنوية الإيمانية والجوانب المادية العملية).. نحن إخوة في خدمة الإسلام, فنحن إذن "الإخوان المسلمون".. وهكذا ولدت أول تشكيلة للإخوان المسلمين من هؤلاء الشباب الستة, حول هذه الفكرة وعلى هذه الصورة, وهكذا ظهر اسم "الإخوان المسلمون" بهذه البساطة, وبهذا الصدق والوضوح.

    كان عدة اللبنة الأولى في صرح "الإخوان المسلمين": الشباب الواعد, وأساسها: الإخلاص العميق, ووسيلتها: التضحية والعطاء, وغايتها: إرضاء الله تبارك وتعالى والجهاد في سبيله..

    وانتهى الاجتماع ـ التاريخي ـ بالاتفاق على اللقاء ثانية, وتشاوروا في مكانه وماذا يعملون فيه, واتفقوا على أن يستأجروا حجرة متواضعة في شارع فاروق في مكتب الشيخ على الشريف (وكان مكتباً لتحفيظ القرآن الكريم) بمبلغ 60 قرشاً شهرياً يجتمعون فيه, ويضعون أدواتهم وأغراضهم, على أن ينتفعوا من أدوات مكتب التحفيظ بعد انصراف التلاميذ, ابتداءً من العصر إلى الليل, وأطلقوا على هذا المكان اسم "مدرسة التهذيب للإخوان المسلمين" واتفقوا على دفع اشتراك شهري قدره خمسة قروش ـ لمن أراد أن يدفع ـ حتى يتسنى لهم دفع الإيجار وبعض النفقات المطلوبة, فكانت هذه القروش القليلة, تسد حاجة "الجماعة" في ذلك الوقت ..

    وكان للمنتسب إلى هذه المدرسة, منهج دراسي يهدف إلى تصحيح تلاوة القرآن الكريم, وفق أحكام التجويد, ثم حفظ آيات وسور, وشرح هذه الآيات والسور وتفسيرها تفسيراً مناسباً لمستوى المنتسبين, ثم حفظ بعض الأحاديث النبوية الشريفة وشرحها كذلك, وتصحيح العقائد والعبادات, والتعرف على أسرار التشريع وآداب الإسلام العامة ودراسة التاريخ الإسلامي وسيرة السلف الصالح والسيرة النبوية بصورة مبسطة, تهدف إلى إبراز النواحي العملية والروحية, ثم تدريب القادرين على الخطابة والدعوة تدريباً عملياً, بحفظ ما يمكن حفظه من الشعر والنثر ومادة الدعوة والوعظ, وبتكليفهم بالتدريس والمحاضرة في المحيط الإخواني أولاً, ثم المحيط العام بعد ذلك.

    أول عمل مؤسسي:

    كان هذا أول عمل "مؤسسي" في تاريخ الإخوان, ولم يكن هذا المنهج الثقافي والعملي الأول, الذي تربت عليه المجموعات الأولى من الإخوان المسلمين هو كل شئ, فقد كانت معاني التربية العملية والسلوكية, التي تتفاعل في نفوسهم بالمخالطة والتصرفات الواقعية والود والمحبة والأخوة فيما بينهم, من أقوى العوامل المؤثرة في تكوين هذه الجماعة الجديدة, ولعل ما ذكره الإمام الشهيد في "مذكرات الدعوة والداعية" عن نماذج عملية لبعض التصرفات والسلوكيات والقيم الرفيعة والمعاني النبيلة, التي كان يتحلى بها هؤلاء الكرام الأوائل, ما يؤكد عمق الأثر, الذي تركته هذه الدعوة الوليدة في نفوس أصحابها, وشدة تعلقهم بأهدافها وتفانيهم في الالتزام بها, وحاجتهم الماسة إلى الداعية الناجح, الذي يوظف طاقاتهم الإيمانية والسلوكية, توظيفاً صحيحاً, ويكشف عن مكنون مشاعرهم وعواطفهم الإنسانية.

    وفي نهاية العام الهجري 1346 هـ, الذي يوافق نهاية العام الدراسي الميلادي (27 ـ 1928 م), وبعد قرابة الشهرين فقط من تلك الجلسة الإيمانية المباركة في بيت "حسن البنا" كان عدد المنتسبين إلى "جمعية الإخوان المسلمين" في مدينة "الإسماعيلية" سبعين فرداً, أو أكثر قليلاً, وهذا عدد كبير في هذه المدة القصيرة, ولكنه الإخلاص والعطاء يصنعان الأعاجيب.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 12 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:06

    انتهى إذن العام الدراسي, وفي الإجازة الصيفية, مارس "حسن البنا" لوناً جديداً من وسائل نشر الدعوة, وهو الكتابة في المجلات الإسلامية, مثل مجلة "الفتح" التي أدارها ورأس تحريرها الكاتب الإسلامي السيد "محب الدين الخطيب", ونشر فيها أول مقالاته في العدد رقم 100 الصادر في 25 من ذي الحجة 1346 هـ ـ 14 من يونيو 1928 م, وكان تحت عنوان: "الدعوة إلى الله", ثم تصدر مقاله الثاني الصفحة الأولى من العدد رقم 103 بعنوان: "الدعوة إلى الله.. على من تجب؟" ثم استكمل الموضوع في مقاله الثالث المنشور في العدد رقم 111, والذي صدر في 15 من ربيع الأول 1347 هـ ـ 30 أغسطس 1928م, تحت عنوان "الدعوة إلى الله: سبيل الدعوة".

    وقد تناول في هذه المقالات الثلاث: منزلة الدعاة في الأمم, وحاجة الأمم في دور انتقالها إلى قادة حكماء ومرشدين أدلاء, ثم تحدث عن وجوب القيام بالدعوة وتعميمها, وأوضح أن الدعوة إلى الله فريضة واجبة معلقة بأعناقنا.. ونلمح ـ في هذا المقال ـ آثار حركته في الإسماعيلية, من تفاؤله بنهضة الشباب, التي خلقت منهم دعاة صادقين, كما تحدث "حسن البنا" في مقاله عن أهم الطبقات المكلفة بالدعوة والقادرة عليها, كما تحدث عن وسائل الدعوة الخاصة وكيفيتها, وعن مكتبه المنزل, واقترح خمسين كتاباً تصلح أن تكون نواة لها.. كما نشرت له "الفتح" أيضاً محاضرة, كان قد ألقاها في نادي "جمعية الشبان المسلمين" بعنوان "أضرار المقامرة ومشروع ساحل الفيروز" ويستنكر فيها الدعوة إلى إقامة ملهى ليلي "كازينو" عالمي للقمار على أطلال مدينة قديمة, بالقرب من "أبو صوير" بالإسماعيلية, وذلك في أعدادها أرقام: 105, 106 , 107, ثم واصل الكتابة فيها بعد ذلك على فترات متباعدة نوعاً ما.

    ومع بداية العام الدراسي الجديد (28 ـ 1929)م انشغل "حسن أفندي" قليلاً بموضوع جديد, كان يمكن أن يؤدي ـ لو تحقق ـ إلى احتمال وفاة الدعوة في مهدها, أو تمزيقها وتشتيتها في أحسن الأحوال, وهو سفره إلى الأراضي الحجازية للتدريس في مدارسها, على سبيل الإعارة من وزارة المعارف المصرية.. كانت الأراضي الحجازية قد خضعت في ذلك الوقت لحكومة جديدة, وهي حكومة الملك عبد العزيز آل سعود, مؤسس المملكة العربية السعودية, وكان "حسن البنا" يرى نفسه صاحب فكرة, يرجو لها أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة, هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين, شعارها العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وتحرى سيرة السلف الصالح وهي حكومة السعودية.. لكن حكمة الله اقتضت ـ ولله الفضل والمنة ـ أن ترفض الحكومة المصرية طلب الإعارة, بالرغم من تدخل بعض أصدقاء الأستاذ البنا, بدعوى أنها لم تعترف بالحكومة السعودية الجديدة, وربما كان الغرس الجديد في مدينة الإسماعيلية, في حاجة أكثر إلى الرعاية والحماية والصقل, حتى ينمو ويكبر ويشتد عوده, ويقوى على مواجهة الصعاب والعراقيل, وما أكثرها في تلك الفترة, وربما كان سفر "حسن البنا" نهاية لمرحلة ودعوة لم تزل في خطواتها الأولى..

    أول دار للإخوان:

    ضاق مكتب الشيخ على الشريف بالعدد المتزايد من الإخوان المسلمين, فبحثوا عن مكان أوسع, واستأجروا شقة مكونة من ثلاث غرف, وصالة بمبلغ 120 قرشاً, في الشهر, بشارع "فاروق" وكتب عليها أول لافتة تحمل اسم "دار الإخوان المسلمين", لكن الآمال والمطوحات كانت أكبر من ذلك.. وانطلقت التساؤلات: لماذا لا يكون للإخوان دارهم ومسجدهم؟! وتحمس الجميع لهذا الهدف, وبدأوا بجمع التبرعات من أنفسهم, وكانوا قرابة العشرين في تلك الجلسة, وبعد أسبوع واحد بلغت التبرعات خمسين جنيهاً من جيوبهم (وهو رقم كبير في تلك الفترة). واعتبر "حسن البنا" هذا المبلغ فألاً حسناً في جدية هذا المشروع الضخم, وبدأ هؤلاء المتحمسون, يتحدثون مع الناس عن هذا المشروع, وبحثوا عن قطعة أرض مناسبة, حتى وجدوها ملك الشيخ على عبد الكريم, ووقعوا معه عقداً ابتدائياً بتنازله عن الأرض للمسجد والدار.. لكن العراقيل بدأت تظهر, وأشاع البعض أن أتباع هذه الجمعية الوليدة, يدعون إلى "مذهب خامس" غير المذاهب الأربعة, وأنهم "شباب طائش" وأنهم.. وذهبوا إلى الشيخ على عبد الكريم صاحب الأرض, وملأوا نفسه بالوشايات والدسائس, حتى تراجع الرجل عن الاتفاق, لكن هؤلاء الشباب المتحمسين انتهزوها فرصة, واستفادوا من تنبه الأذهان إلى هذا المشروع, الذي أذاع المغرضون فشله, فأخذوا يشرحون أهدافهم, وغايتهم من ورائه, والناس يستمعون ويتأثرون, ويتبرعون!

    وفي تلك الفترة, كانت "جمعية الإخوان المسلمين" قد تشكلت, وحصلت على الوضع القانوني, وأصبح لها نظام أساسي ولائحة داخلية ومجلس إدارة وجمعية عمومية, وأوراق ومستندات واشتراكات وأنشطة وقرارات.. الخ, واختير الشاب النابه "عبد الرحمن حسب الله" السائق وأحد الستة الأوائل, كأول سكرتير لجمعية "الإخوان المسلمين".

    واستمرت المعاكسات والشكاوى الكيدية في حق الجمعية الناشئة, وفي حق العاملين بها, ومنهم الشيخ حامد عسكرية, الواعظ الأزهري الذي عينته إدارة الوعظ والإرشاد بالأزهر الشريف, واعظاً للإسماعيلية, وهو أحد الأصدقاء القدامى للأستاذ "حسن البنا", وأحد أكبر المناصرين للدعوة والفكرة بكل ما يستطيع, وكان له دوره الكبير في تعريف أهل المدينة بالمشروع الجديد وبالدعوة نفسها, ومع الأسف نجحت هذه الشكاوى الكيدية في نقل الشيخ حامد إلى مركز شبراخيت التابع لمحافظة البحيرة.. ورغم أن هذا الانتقال ـ كما يصفه "حسن البنا" ـ كان فجيعة لإخوان الإسماعيلية, إلا أنه ـ ويا للمفارقة ـ كان خيراً وبركة على الدعوة, إذ تأسست أول شعبة للإخوان المسلمين خارج الإسماعيلية, بل وأقامت هذه الشعبة الوليدة, مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم, وأقامت مسجداً فخماً وعمارة ضخمة, أوقفت على المسجد والمدرسة!
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 13 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:15


    حسن البنا شاعراً:

    وعندما حان وقت مغادرة الشيخ حامد عسكرية مدينة الإسماعيلية لتسلم عمله الجديد في "شبراخيت" أقام إخوان الإسماعيلية حفلاً لوداعه، حضره حشد كبير من الإخوان والمناصرين, وتحدث فيه عدد من الإخوان, كما خطب فيهم الأستاذ حسن البنا, ويذكر الشيخ عبد الرحمن حسب الله, في مقابلته الصحفية في عام 1988, أن الأستاذ البنا قدم إليه قصيدة من الشعر من تأليفه, كي يلقيها في الحفل, وكان من عادة الأستاذ البنا ـ كما يقول الشيخ عبد الرحمن ـ أن يكتب الخطب لبعض المتحدثين في اللقاءات والمؤتمرات, ورغم تقدم سن الشيخ عبد الرحمن عند إجراء الحوار الصحفي (تعدى الثمانين), ورغم أن الحفل مر عليه قرابة الستين عاماً, إلا أنه كان يحفظ الشعر في ذاكرته القوية, وربما كانت هذه الأبيات النادرة هي الوحيدة التي تعرف "حسن البنا" بأنه كان شاعراًَ, ولم أجد ـ من بين من كتبوا عن الإمام ـ من تطرق إلى قرضه للشعر, تقول الأبيات متحدثة عن الجو العام وقتها:

    أخي هل رأيت الخطب كيف ينوب وكيف بنا هذا الزمان يهيــب

    تنقلنا الأيام حتى كأنـــــــما على رقعة الشطرنج نحن كعوب

    أمنا من الأيام غضبة حــــانق ولله فينا قدرة وغيـــــوب

    وشوا ما وشوا, يا خيب الله سعيهم وإن مساعي السوء سوف تخيب

    وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا مخلص وأديب

    دعوت لدين الله أكرم دعـــوة تسدد سهم الحق فهو يصيــب

    وكنت إذا ما تســمو يوماً لمنبر هززت نفوساً وارتعتك قلـوب

    فسر في حمى الرحمن لا تخش لومة ومهما تكن بعد, فأنت قريــب

    انتهى حفل وداع الشيخ حامد عسكرية, وازدادت حماسة "الإخوان" لتنفيذ مشروع بناء المسجد والدار, ويسر الله للمشروع أحد وجهاء الإسماعيلية وهو الشيخ محمد أبو حسين الزملوط ـ شقيق والدة المهندس عثمان أحمد عثمان مؤسس المقاولون العرب ـ الذي تبرع بمبلغ كبير في ذلك الوقت (500 جنيه) وتولى أيضاً أمانة الصندوق الذي يجمع التبرعات, مما أعطى الثقة والاطمئنان في نفوس المتبرعين, وبحث الإخوان عن قطعة أرض أخرى, فلم يجدوا إلا قطعة في آخر حي العرب, يملكها محمد أفندي سليمان, حيث أكرم الإخوان في ثمنها, لكن الشهور مرت, دون أن يرى الناس أثراً للبناء فوقها, وبدأ الكلام يكثر حول أسباب تأخر البناء, وعندما تيسر بعض المال, أعلن الإخوان عن إقامة حفل لوضع حجر الأساس يوم 5 من المحرم 1348 هـ ـ الموافق 12 من يونيو 1929م, أي بعد 14 شهراً من انطلاق هذه الدعوة المباركة, وفي الموعد المحدد أقام الإخوان سرادقاً فخماً, حضره الجميع على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم, وكان اجتماعاً حاشداً, وتفاءل الإخوان خيراً, وأعلنوا أنه لن يمضي شهر رمضان من ذلك العام (1348 هـ) حتى ينعم الله عليهم بافتتاح المسجد والدار.

    الإنجليز ومسجد الإخوان:

    وقبيل الانتهاء من بناء المسجد, تصادف أن مر البارون "دي بنوا" مدير شركة قناة السويس, فرأى البناء وأخذ بعض المعلومات عنه, ثم أرسل لحسن البنا, يدعوه لمقابلته في مكتبه, فذهب إليه, وعلم منه أن الشركة تود تقديم المساعدة المالية للمشروع, ولهذا تحتاج إلى رسم هندسي ومذكرة عنه, فشكره حسن البنا وانصرف, وبعد عدة شهور دعاه ثانية, وأخبره أن الشركة اعتمدت مبلغ (500 جنيه مصري), فشكره وأفهمه ـ كما يقول البنا في مذكراته ـ أن هذا المبلغ قليل جداً, ولم يكن منتظراً من الشركة تقديره, لأنها في الوقت الذي تبني فيه على نفقتها كنيسة نموذجية تكلفها خمسمائة ألف جنيه مصري، أي نصف مليون جنيه, تعطى المسجد خمسمائة جنيه فقط (أي واحد على ألف)"!

    وانطلقت شائعات المغرضين ـ حين علموا بهذه المقابلة ـ قائلين: إن الإخوان يبنون المسجد بمال الخواجات!, وتساءل البعض: كيف تصح الصلاة في هذا المسجد الذي سيبنى بهذا المال؟!.. وكان رد "حسن البنا" على هذه الأقاويل حاسماً: إن هذا مالنا لا مال الخواجات, والقناة قناتنا, والبحر بحرنا, والأرض أرضنا, وهؤلاء غاصبون في غفلة من الزمن.. وشاء الله ـ جلت حكمته ـ أن يكون بناء المسجد قد تم, فوضع التبرع في دار الإخوان المسلمين التي بنيت فوق المسجد, فسكنت الشائعات وهدأت النفوس بعض الوقت!

    وهذا هو "فقه" حسن البنا, الذي يرى أن إدارة شركة قناة السويس, هي إدارة محتلة, وبالتالي فهي تعطي من "مالنا" لا "مالها", ولا يزال العلمانيون واليساريون والشيوعيون, الذين يأكلون على كل الموائد, يروجون لمقولة: إن الإخوان تلقوا تمويلاً أجنبياً, وبالتالي فهم عملاء للإنجليز! رغم وضوح هذا الموضوع ـ موضوع التبرع ـ ووضوح "الفقه" الذي تم قبوله على أساسه, لكنه الخلط والتزييف والتزوير, الذي يمارسه البعض, ممن يقبلون بل ويطلبون التمويل من أي جهة!.. ورغم ذلك فإن كانت هناك "شبهة" في إدخال هذا المال, الذي تبرعت به إدارة شركة قناة السويس, في بناء المسجد, فإن المسجد كان قد اكتمل, ودخل التبرع في بناء دار الإخوان المسلمين.

    وتم افتتاح المسجد ودار الإخوان المسلمين ليلة السابع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1348هـ ـ الموافق 14 من فبراير 1930م, وكان افتتاحه في حفل ضخم, حضره إخوان شبراخيت (كانت شُعبتهم, التي يرأسها الشيخ حامد عسكرية, قد افتتحت في شهر المحرم من نفس العام, في حفل بهيج حضره "حسن البنا" ومعه عدد من إخوان الإسماعيلية). بالإضافة إلى أهل البلدة, وفاجأ الأستاذ البنا الجميع, بتقديم أخيه وصفيه الشيخ حامد عسكرية, ليكون إماماً لأول صلاة جماعة في مسجد "الإخوان المسلمين", كما قص الشيخ أحمد السكري, أخوه وصفيه أيضاً, شريط الافتتاح إيذاناً ببدء الاحتفال المبارك, وهنا نتأمل في سلوك هذا الداعية المخلص, الذي ذابت نفسه في دعوته فلم ير لها حظاً في مقدمة أو شهرة أو في مشهد أمام الناس!
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 14 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:19

    وقد بعث افتتاح هذا المسجد, همة أهل الخير من أبناء الإسماعيلية, لإنشاء المساجد, فازداد عددها, وكثر روادها, وهكذا كان مسجد الإخوان ودارهم, بداية مشروعات طيبة, في هذا البلد الطيب, وكان اهتمام الإخوان ـ في تلك الفترة ـ ببناء المساجد وأداء الصلوات فيها, وإقامة الدروس والحلقات واللقاءات, هو جزء من سعيهم إلى إحداث تغيير حقيقي في نفوس الناس وفي سلوكهم, وبالتالي كان "معهد حراء الإسلامي" الذي أنشأه الإخوان مع افتتاحهم للدار, فرصة للتربية, والتوجيه والتعليم والتأثير, ولا شك في أن التعرف على أهداف هذا المعهد التعليمي الجديد, سوف يلقي الضوء على مفاهيم وتوجهات الإخوان المسلمين منذ بدايتهم, ونظرتهم إلى وسائل هذا التغيير.

    معهد متميز:

    كان هذا المعهد, الذي بُني أعلى المسجد, متميزاً عن المعاهد الأهلية في ثلاث نقاط وهي: الشكل والجوهر والأسلوب.. فمن حيث الشكل: اشترطت الإدارة زياً خاصاً, عبارة عن جلباب ومعطف (جاكت) وطربوش أبيض وصندل (حذاء خفيف) وكل ذلك من الصناعة الوطنية وحدها, أما الدراسة فتبدأ في وقت مبكر من النهار, وتتوافق إلى حد كبير مع أوقات الصلاة, فتنتهي الفترة الأولى قبيل صلاة الظهر, حتى يؤدي التلاميذ جميعاً الصلاة في جماعة في المسجد, ثم يعودون بعد الغداء وقبيل العصر ليؤدوا الصلاة في جماعة كذلك.. ومن حيث الجوهر: انقسم منهج الدراسة إلى ثلاثة أقسام: الأول: يتوافق مع منهج المدارس الأولية (أقرب إلى المدارس الابتدائية الآن), ليعد التلميذ للأزهر أو المعاهد الدينية, والثاني: أقرب إلى المدارس التأهيلية (التعليم الفني الآن), فهو تعليم أولي في النهار, وفي آخره تعليم صناعي عملي في المصانع والورش الأهلية, التي يديرها منتمون إلى الإخوان, والثالث: يتوافق مع منهاج المدارس الابتدائية الأميرية (أقرب إلى المدارس الإعدادية والمتوسطة الآن), ليجهز التلميذ للمدارس الثانوية ثم العالية.. واهتم الإخوان بالعملية التعليمية اهتماماً كبيراً, فأحضروا لها نخبة من المدرسين المؤهلين تأهيلاً عالياً, أما من حيث الأسلوب, فقد كانت طريقة التعليم في المعهد مبتكرة, تتوافق مع أحدث نظريات التربية في تلك الفترة, حيث كان "حسن البنا" حديث عهد بدراسة مناهج التربية في "دار العلوم", فكثير من الدروس والمحاضرات كان يلقي في الهواء الطلق, في حدائق الإسماعيلية الغناء (مازالت الإسماعيلية إلى الآن تشتهر بكثرة الحدائق، ويقصدها الزوار من مختلف الأماكن للاستمتاع بجوها وحدائقها), والحروف الهجائية ومبادئ الحساب يدرسها التلاميذ بالمواد المحسوسة من الطين أو الصلصال, وكان للتلاميذ حرية واسعة في أن يصارحوا المدرسين, بما يدور في أذهانهم من تعب أو إرهاق أو سوء فهم, وبالتالي كانت العلاقة بين التلاميذ والأستاذ, وبين المدرسة والمنزل على أفضل ما تكون, من التعاون والتكامل والتوجيه.

    كان "معهد حراء الإسلامي" بمصروفات دراسية مناسبة, ليس فيها إرهاق لأولياء الأمور, وزيدت نسبة المجانية بحسب ظروف الآباء (كان التعليم في مصر في تلك الفترة بمصروفات), لكن العقبة الأساسية التي قللت ـ بعض الشئ ـ من نجاح المعهد نجاحاً كاملاً ـ كما يأمل الإخوان ـ أن المدرس الذي يعتبر نفسه صاحب رسالة, لا طالب وظيفة, كان نادراً, وبالتالي أدرك الأستاذ "حسن البنا" أهمية التربية الإيمانية والدعوية للأفراد, كي تؤدي المؤسسة ـ أي مؤسسة ـ رسالتها بنجاح كما يرجو ويتمنى..

    وقد استمر معهد حراء الإسلامي عامين دراسيين أو ثلاثة, ثم تحول إلى مدرسة ابتدائية تتبع وزارة المعارف العمومية المصرية, بعد فترة قصيرة من انتقال الأستاذ البنا إلى القاهرة.

    وبعد أن انتظمت الدراسة في "معهد حراء الإسلامي" للبنين, استأجر الإخوان داراً فسيحة مناسبة, وأطلقوا عليها اسم "مدرسة أمهات المؤمنين" ووضع لها "حسن البنا" منهجاً دراسياً عصرياً إسلامياً, يجمع بين أدب الإسلام, وتوجيهه السامي للفتيات والأمهات والزوجات, وبين مقتضيات العصر ومطالبه من العلوم النظرية والعملية, واختار لها مدرسات من فتيات الإسماعيلية اللاتي تخصصن في التدريس, كما تولي الشيخ أحمد عبد الحميد إدارتها, وقد أدت المدرسة رسالتها, حتى تسلمتها ـ بعد فترة أيضاً ـ وزارة المعارف العمومية, وكان قد التحق بها ـ في فترة عملها ـ أكثر من خمسمائة فتاة.. وكانت "مدرسة أمهات المؤمنين" هي الأساس, بعد ذلك لقسم "الأخوات المسلمات", والذي تألف من زوجات الإخوان وقريباتهم, وكان يعرف هذا القسم ـ الذي ظل تحت الإشراف المباشر للأستاذ البنا ـ باسم "فرقة الأخوات المسلمات" ووضع له لائحة داخلية خاصة به.

    ويتجلى حرص الإخوان المسلمين على الإسراع بافتتاح "مدرسة أمهات المؤمنين" بعد أن انتظمت الدراسة في معهد حراء, كدليل على موقع المرأة من اهتمام هذه الدعوة الوليدة, بل إن دعوة الإخوان تكاد تنفرد, بين الدعوات الحديثة, باهتمامها بالمرأة منذ بواكير نشاطها وخطواتها الأولى, فرسالة الإسلام ـ كما فهمها الإخوان ـ هي للرجل والمرأة معاً, والأوامر والنواهي والتكاليف الشرعية, والحقوق والواجبات, كل ذلك نزل للرجل والمرأة، وهي مسئولة مثل الرجل تماماً عن تقدم الأمة أو تخلفها, وعن نهضتها أو ضعفها, وتأتي أهمية هذه النظرة الإخوانية للمرأة في تلك الفترة, إذا علمنا أن الفتاة لم تكن قد حصلت على حقها الطبيعي في تلقي العلم، والدراسة في المدارس والمعاهد المختلفة, حتى إن بعض شيوخ الأزهر الشريف, كانوا يرفضون مبدأ تعليم الفتاة في المدارس..

    ملجأ التائبات:

    لكن جهود الإخوان في مجال توعية وتوجيه وتربية وتهذيب المرأة المسلمة, لم تقف عند هذا الحد, بل امتدت لتشمل إيجاد حل عملي لإحدى مشكلات المجتمع المصري وقتها, وهي بيوت الدعارة (البغاء) الذي كان مسموحاً به من الناحية الرسمية, فافتتح الإخوان "ملجأ التائبات" واستأجروا مبنى مستقلاً, تلتحق به كل من تتوب إلى الله تعالى من النساء المخطئات, وبالفعل توافد عليه كثيرات ممن تاب الله عليهن, وقد وفق الله الكثيرات منهن في حياتهن بعد ذلك, فتزوجن, وأصبحن ربات بيوت صالحات, أو احترفن مهناً كالخياطة والطهي وتربية الأولاد, وكان لهذا العمل الجليل أكبر الأثر في نفوس أبناء الإسماعيلية جميعاً, وكان الشيخ على الجداوي ـ رحمه الله ـ هو الذي يتولى شئون الملجأ والإنفاق عليه, وترتيب الدروس الدينية فيه.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد “حسن البنا” ( 15 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:20

    وفي الأربعينيات تقدم نواب في البرلمان بطلب إلغاء بيوت البغاء, واستجابت الحكومة للإرادة الشعبية, وألغت التراخيص الممنوحة لها, وبالتالي انتهت المشكلة التي كانت وصمة عار في مصر الأزهر, وساهمت جهود الإخوان المسلمين حتى ذلك التاريخ, في الحد من آثارها المدمرة في المجتمع المصري.

    استقرت الدعوة نوعاً ما في مدينة الإسماعيلية, ورأينا كيف أن مدينة "شبراخيت" التي نقل إليها الشيخ حامد عسكرية, باعتباره واعظاً في الأزهر الشريف, كانت أول مدينة تصلها دعوة "الإخوان المسلمين" بعد الإسماعيلية, وكيف أن "حسن البنا" رغم حزنه على فراق أخيه وصديقه وساعده الأيمن الشيخ حامد, استبشر خيراً بخروج الدعوة إلى منطقة أخرى, واعتبرها مرحلة جديدة لابد منها, وبالفعل بدأت الدعوة تنمو وتنتشر وتتمدد وتؤتي ثمارها هنا وهناك, ورغم الصعوبات والعراقيل التي واجهتها في الإسماعيلية منذ يومها الأول, إلا أن إيمان وطموح "حسن البنا" لم يكن له حدود, حتى أنه كان يبشر إخوانه ومحبيه ومريديه, بأن هذه الدعوة سوف تنتشر وتزدهر ليس في مصر فقط, بل في كل بلاد الدنيا, لأنها دعوة عالمية, وكأنه ـ في تلك المرحلة المبكرة من عمر الدعوة ـ كان يقرأ في لوح الغيب المستور, وما كتبه الله لهذه الدعوة المباركة من الذيوع والانتشار والتأثير في كل بلاد الدنيا.

    كانت قرية "أبو صوير" هي أولى المحطات الدعوية بعد ذلك, وتبعد عن مدينة الإسماعيلية خمسة عشر كيلو متراً, ويسكنها عدد كبير من العمال, الذين يعملون في معسكرات الجيش الإنجليزي ومدرسة الطيران, بالإضافة إلى بعض التجار والمزارعين, ويبدو أن "حسن البنا" ـ بعد أن استقرت الدعوة إلى حد ما في مدينة الإسماعيلية ـ كان شديد الحرص على الانطلاق بها إلى خارجها, إلى الدرجة التي جعلته يزور القرية مرات عديدة, يتجول في شوارعها وطرقاتها, ويتفرس في وجوه الناس, ويذهب إلى أحد المقاهي الذي يتجمع فيه الناس, ويلقي درساً مؤثراً, ثم يواصل زياراته إلى "أبو صرير" حتى يتمكن من افتتاح شعبتها, واختيار الشيخ عبد الله سليم ناظر المدرسة الأولية بالبلدة رئيساً لها, ثم يرسل لها الشيخ عيد الأزهري, الذي يقرأ القرآن ويحسن الصلاة والخطابة, دعما وتثبيتا للفكرة, على أن يأخذ راتبه من الإسماعيلية باعتبارها مهد الدعوة, لفترة حتى تستقر الدعوة في نفوس أهالي "أبو صوير", وكانت هذه هي القاعدة عند افتتاح فروع أو شعب جديدة, ألا يحملها الإخوان أية تكاليف مادية, حتى تستقر ويقوى عودها.

    الدعوة في بورسعيد:

    مدينة "بورسعيد" كانت هي المحطة التالية للدعوة, بعد أن قيض الله أحد شباب المدينة وهو الأخ أحمد المصري, الذي عمل لفترة في الإسماعيلية وتأثر بدعوة الإخوان وآمن بها, ثم عاد إلى بلدته وتجمع حوله نفر من أصدقائه, وتأثروا به, وشرح صدورهم, ورغبوا في زيارة "حسن البنا" لهم, فاستجاب لهذه الرغبة, وفي إحدى الزوايا الصغيرة المتواضعة, تمت البيعة من شباب "بورسعيد" على الجهاد في سبيل نصرة هذه الدعوة, ثم استأجر الإخوان بعد ذلك, شقة متواضعة في شارع "المنيا" كانت مقراً لأول شعبة "بورسعيدية", وفي غرة المحرم 1349هـ ـ الموافق 28 من مايو 1930م, أقام الإخوان أول احتفالاتهم العامة, ووجهوا الدعوة للأستاذ "البنا" لحضور الحفل وافتتاح الشعبة, لكنه أصيب فجأة بحالة احتقان شديد في اللوزتين, حذره طبيب المدرسة على إثرها من السفر إلى بورسعيد والمشاركة في الاحتفال, لكن صاحب الرسالة صمم على السفر, بعد أن استعرض موقف الإخوان وانتظارهم له, وسعادتهم إذا شاركهم حفلهم, وما بذلوه من أجل ذلك, ودعا الله سبحانه أن يفرج ما به من ألم, وأن يصرف عنه الاحتقان ـ الذي يمنعه بالطبع من الكلام ـ وسافر مضطجعاً من الإعياء, ووصل إلى مقر الاحتفال وصلى المغرب قاعداً, حتى إذا جاء وقت العشاء, شعر ببعض التحسن وشيء من النشاط, ووقف في الحفل خطيباً لا يكاد يسمع نفسه, وسرعان ما شعر بقوة ونشاط ونقاء في الصوت, وانتهى الحفل على خير حال, بعد أن تحدث لأكثر من ساعتين بفضل الله ورحمته، ثم بفضل صدقه وإخلاصه, وإخلاص الداعين له.

    كان وصول دعوة "الإخوان المسلمين" إلى "بورسعيد" بداية لانتشارها في مناطق أخرى, ففي إحدى الحفلات العامة لإخوان "بورسعيد" حضر أفراد من منطقة "البحر الصغير" من "الجمالية" و"المنزلة" دقهلية, من باب حب الاستطلاع, لكنهم سرعان ما تأثروا بالدعوة, وبعد فترة تأسست أول شعبة هناك برئاسة الطالب الأزهري ـ وقتها ـ الشيخ مصطفى محمد الطير, وكان ذلك على الأرجح في عام 1349 هـ ـ 1930م, كما تأسست شعبة أخرى في "ميت مرجا سلسيل" بعد ذلك بفترة قصيرة برئاسة الشيخ أحمد المدني, وقبيل انتهاء فترة تواجده بالإسماعيلية زار "حسن البنا" شعبة المنزلة, ثم توالت زياراته بعد ذلك إلى المنطقة, وافتتح فيها الكثير من الشعب منها: المطرية وميت خضير وميت البصراط وميت سلسيل وبرمبال القديمة وميت عاصم والكفر الجديد وغيرها.

    وفي أحد الأيام زار الأستاذ "البنا" مدينة السويس زيارة عابرة, لمقابلة بعض الأصدقاء والزملاء, وتكررت زياراته ولقاءاته وجلساته التي يشرح فيها أهدافه وأسلوبه, حتى تكونت أول شعبة للإخوان المسلمين في حي الأربعين, ورأسها الشيخ عفيفي الشافعي عطوة, المأذون الشرعي لحي الأربعين, ثم تكونت شعبة أخرى في المدينة نفسها ورأسها الشيخ عبد الرزاق البحيري باشكاتب المحكمة الشرعية, وكانت "السويس" تحظى في نفس "حسن البنا" بمكانة خاصة وذكريات طيبة..

    ونلحظ هنا أن قرية "أبو صرير" ومدينة "السويس" كانتا المنطقتان الوحيدتان في تلك الفترة, اللتان ذهب إليهما "حسن البنا" بنفسه, يبحث عن الأنصار والأعوان, وينشر رسالته وفكرته, أما بقية المناطق (بورسعيد ـ البحر الصغير ـ جباسات البلاح بالإسماعيلية ـ ثم القاهرة بعد ذلك), فقد ذهب إليها الأستاذ البنا, بناء على دعوات من أنصار, وصلتهم الفكرة وتأثروا بها, ويحتاجون إلى إعلانها للناس, وإقامة مؤسستها (الشعبة) وكذلك اعتمادها من قبل القيادة في الإسماعيلية, وهذا يعني أن دعوة "الإخوان المسلمين" لم تكن في حاجة إلى وقت طويل, حتى بدأ الناس يعرفونها في المناطق المجاورة, وتنتشر من خلال النشاط العام لها في مدينة "الإسماعيلية".
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ”

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:24


    بدر محمد بدر



    وفي منطقة "جباسات البلاح" في صحراء "الإسماعيلية", تكونت شعبة أخرى, بعد أن حمل عمال الجباسات الفكرة عن "إخوان" الإسماعيلية, وزارها "حسن البنا" وبايع الإخوان هناك على العمل من أجل نصرة الإسلام, ولا تذكر جباسات البلاح.. إلا ويذكر معها المجاهد الشيخ الشهيد محمد فرغلي, العالم الأزهري المعروف بـ "الشيخ الجنرال" الذي تمثلت فيه شخصية الأخ المسلم المنتسب لهذه الدعوة في تلك الفترة المبكرة, من قوة في الحق, وعزة في النفس, ووضوح في الهدف, واعتزاز بالدين, وثبات على المبدأ, وتضحية في سبيله, وثقة فيما عند الله تعالى, وقد أفرد له الأستاذ "البنا" في "مذكرات الدعوة والداعية" مساحة مهمة أشار فيها إلى تفاصيل شخصيته ومواقفه, ليبرهن على مدى تمكن الدعوة الوليدة من نفوس أبنائها الأوفياء, وما أحدثته من أثر, وما غيرته من سلوكيات.

    عقبات وعقبات:

    وبالرغم من أن مفهوم الأخوة والحب في الله والعمل في سبيل الله, كان هو السمة الغالبة, التي تميز المنتمين إلى "الإخوان المسلمين", وهناك عشرات الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى, في تلك المرحلة المبكرة, إلا أن الدعوة والداعية واجها معوقات كثيرة, ومتاعب جمة, وبالرغم من نجاح الأستاذ "البنا" في أن يشق طريقه, وسط الخلافات والنزاعات الفقهية الصعبة وقتئذ, وهو دليل نجاح ولا شك, إلا أن الابتلاءات والفتن التي واجهته كانت كبيرة, منذ أن بدأ يخطو خطواته الأولى, نحو بناء مسجد ودار للإخوان, وأدت إلى تراجع صاحب الأرض عن بيعها, كما أسلفنا, لكن الإخوان تجاوزوا هذه العقبة باختيار أرض بديلة حققوا بها هدفهم, وهناك أمثلة أخرى على كثرة العقبات, أما الاتهامات الشخصية التي تعرض لها الداعية الشاب فكانت كثيرة وغريبة ومضحكة في آن واحد..

    منها أن البعض أرسل عرائض مجهولة إلى السلطات المحلية بمدينة الإسماعيلية, بل وصل بعضهما إلى إسماعيل صدقي نفسه, وكان رئيس الوزراء آنذاك, متهمين الأستاذ البنا بأنه "شيوعي متصل بموسكو, ويستمد المال من هناك, لأنه يبني مسجداً وداراً, ويصرف على جمعية ودعوة, ولا يكلف الناس مالاً, فمن أين له هذا؟!".. وكانت "بدعة" الشيوعية في ذلك الوقت "موضة جديدة" في مصر والمنطقة العربية, بالإضافة إلى اتهامات أخرى منها أنه "وفدي" يعمل ضد النظام الحاضر (الحكومة الوفدية), وأنه يتفوه ضد الملك فؤاد ـ والد الملك فاروق ـ بألفاظ يستحى من ذكرها".. حتى بلغت هذه الاتهامات اثنتي عشرة تهمة!.. ونجحت هذه العرائض والشكاوى الكيدية, في إثارة الغبار حول الداعية الشاب, وحول رئيس الوزراء الشكاوى إلى وزارة المعارف العمومية ـ التي يتبعها حسن البنا ـ حيث كلفت ناظر المدرسة بالتحقيق فيها وإبلاغ الحكومة, وانتهى الأمر في النهاية بحفظ التحقيق, بل وتأثر مدير التعليم الابتدائي في ذلك الوقت, وكان اسمه "على بك الكيلاني", الذي زار "الإسماعيلية" خصيصاً لرؤية هذا الرجل "الخطير" وأعرب عن امتنانه لهذه الدعوة, ولمؤسسها, وطلب أن يكون عضواً بها..!

    ومن بين الاتهامات أيضاً, تلك العريضة التي وقعها "مسيحي" يقول فيها: إنه مدرس متعصب, يرأس جمعية متعصبة اسمها "الإخوان المسلمون" يفرق بين أبناء العنصرين في الفصل الدراسي, فيتعمد إهانة التلاميذ من المسيحيين, وإهمالهم وعدم العناية بهم.. وما إن وصل الأمر إلى المسيحيين بالإسماعيلية, حتى استنكروا هذا العمل أشد الاستنكار, وزار وفد من أعيان المسيحيين, وعلى رأسهم راعي الكنيسة الأرثوذكسية, المدرسة التي يعمل بها "حسن البنا", لإعلان استنكارهم لهذا الاتهام الكيدي.

    لكن أشد صور الفتن والمتاعب, التي واجهت دعوة الإخوان المسلمين في تلك المرحلة المبكرة, كانت فتنة التطلع إلى المناصب!.. هي إذن فتنة من داخل الصف, يتحرك صاحبها يميناً وشمالاً, يتحدث ويؤثر ويقنع, دون أن يواجه مباشرة.. والصف لم يكتسب بعد من الخبرة, بما يؤهله لمواجهة هذا النوع من المشاكل.. وأيضاً هذا النوع يأخذ وقتاً طويلاً حتى يتم اكتشافه واستئصال وعلاج آثاره..

    والموضوع هنا يبدأ من أن "الإخوان" في الإسماعيلية, كانوا يخشون من انتقال الأستاذ "حسن البنا" مرشد الجماعة, إلى مدينة أخرى (حيث تقوم وزارة المعارف العمومية كل فترة بنقل المدرسين من منطقة إلى أخرى), وأدرك "حسن البنا" هذا المعنى, وربما كان يفكر أيضاً في أنه قد أدى دوره في هذه المدينة, وأن بقاءه فيها لم يعد مفيداً للدعوة, بالصورة التي يرجوها لها, فرشح خليفة له يقوم بمسئولياته تجاه إخوانه, ورحب الإخوان بذلك, وما أن طرح الأستاذ المرشد اسم الشيخ علي الجداوي, وهو رجل بسيط وصفه "حسن البنا" بأنه "من أفضل الإخوان خلقاً وديناً, وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة وحسن التلاوة لكتاب الله، جيد المشاركة في البحث, دائم الدرس والقراءة, إضافة إلى أنه من أسبق الناس استجابة للدعوة, ومن أقربهم إلى قلوب الإخوان, وأحبهم إليهم.. "

    والمتأمل للفقرة السابقة, يمكنه أن يتعرف على صورة المسئول أو القائد, كما يراها حسن البنا, وكما تراها حركة الإخوان المسلمين، وما أن طرح الأستاذ المرشد اسمه حتى وافق عليه الإخوان بالإجماع "في فرح شامل وسرور عجيب بهذا الاختيار" واقترح بعضهم أن يترك الشيخ الجداوي عمله ـ وقد كان نجاراً له دكان خاص به ـ وأن يعين إماماً لمسجد الإخوان, وتصرف له مكافأة تكفيه من مال الدعوة, حتى يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه.

    ووافق الإخوان على هذا العرض, واستحسنه الأستاذ البنا, لأنه "يؤمن بفائدة التفرغ للعمل (الدعوي)".. ونتوقف هنا أمام هذا الفهم العالي, الذي أدركه مؤسس هذه الدعوة, وآمن به منذ خطواته الأولى, فإذا كان طبيعياً أن يهب غالبية الإخوان فضول أوقاتهم أو أكثر قليلاً للدعوة, إلا أنه لابد من وجود البعض ممن يهب وقته وجهده كله للدعوة, وينفق عليه من مالها في غير إسراف أو تقتير, والتفرغ للعمل الدعوي ـ إذا أحسن الاستفادة منه وتوظيفه ـ يؤدي إلى نتائج باهرة في وقت قصير, ويعالج مشكلات في مهدها, ويحمي الجماعة من التقصير في بعض واجباتها, والقيادة التي لا تؤمن بالتفرغ, أو التي لا تحسن توظيفه, تخسر الكثير والكثير.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد ” حسن البنا ” ( 17 ).

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:25

    المهم أن الشيخ علي الجداوي قبل المهمة, بمكافأة ضئيلة, على رضى منه وطيب نفس, لكن التطلع إلى المنصب, والتوق إلى الرئاسة, غلب على سلوك أحد مدرسي "معهد حراء الإسلامي", الذي كان يرى نفسه أحق بهذا المنصب, وأن فيه من "المؤهلات" التي ترشحه لهذا الموقع.. يقول عنه الأستاذ البنا في مذكراته إنه "شيخ أريب, أديب, عالم, فقيه, لبق, ذلق اللسان, واضح البيان" وباقي القصة أدعو القراء الكرام إلى متابعتها في "مذكرات الدعوة والداعية" للاستفادة من دروسها, وكيف عالجها الأستاذ المرشد بحصافته وحكمته وسعة أفقه, وكيف يمكن تجنب مثيلاتها بعد ذلك.

    حسن البنا والقاهرة

    لم تنقطع صلة "حسن البنا" بالقاهرة, طوال فترة إقامته بالإسماعيلية, فهو كثير الزيارة لها, وفيها يقضي إجازته الصيفية السنوية, ولا عجب.. ففيها أسرته, وزملاء الدراسة في دار العلوم, وفيها العلم والعلماء والدعاة وفيها الأزهر الشريف و"جمعية الشبان المسلمين" وفيها مجلة "الفتح" ومجلة "المنار", وفيها رجال الصحافة والسياسة والفكر والحركة الوطنية بشكل عام.. وكان يشارك في ندواتها وأنشطتها كلما سافر إليها, ومنها احتفال "جمعية الشبان المسلمين" بالهجرة النبوية الشريفة في غرة المحرم 1348هـ ـ يونيو 1929م, وألقى كلمة في الاحتفال تحت عنوان "ذكرى يوم الهجرة, والدعوة الإسلامية وأثرها" ونشرتها رسالة "المنتقى من محاضرات جمعية الشبان المسلمين", كما كتب في تلك الفترة العديد من المقالات, منها مقال تحت عنوان "حياتنا التهذيبية" نشر في العدد من مجلة "الشبان المسلمين" الصادر في (جمادي الآخرة 1348 هـ ـ نوفمبر 1929م), وكتب مقالاً في العدد الثالث (رجب 1348هـ ـ ديسمبر 1929م) بعنوان "ملاحظات حول منهج التعليم", ومن عناوين مقالاته الأخرى في مجلة الشبان المسلمين: "أنجع الوسائل في تربية النشء, تربية إسلامية خالصة" (جمادي الآخرة 1349هـ ـ نوفمبر 1930م) و "أثر التربية في حياة الأفراد والأمم" (رجب 1349 هـ ـ ديسمبر 1930م).

    وفي مرحلة الإسماعيلية أيضاً كتب الأستاذ البنا العديد من المقالات في مجلة "الفتح" منها: السبيل إلى الإصلاح في الشرق" العدد 145 (15 من ذي القعدة 1347هـ ـ 25 من أبريل 1929م), ومنها: "هل نسير في مدارسنا وراء الغرب؟!" العدد 165, ومنها: "واجب العالم الإسلامي أمام ما نزل به: ما هي الوسائل العملية الممكنة؟" العدد 255 (2 من صفر 1350هـ ـ 18 من يونيو 1931م) ونلاحظ من مجمل هذه المقالات والمحاضرات أن اهتمامات الأستاذ "حسن البنا" قد تركزت على أسس الإصلاح وتربية المجتمع من خلال المنظور الإسلامي, وأن نظرته كانت تمتد لتشمل هموم الأمة الإسلامية بأسرها لتشخيص الداء ووصف الدواء..

    وفي القاهرة أسس الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي ـ شقيق حسن البنا ـ هو وزميله الأستاذ محمد أسعد الحكيم, جمعية دينية تحت اسم "جمعية الحضارة الإسلامية" وقد باشرت نشاطها العام بإلقاء الدروس الدينية والدعوة إلى الله, وانضم إليها عدد من الشيوخ الأجلاء, والشباب الغيور على دينه, منهم الشيخ محمد أحمد شريت والأستاذ حامد شريت والأستاذ محمود البراوي والشيخ محمد فرغلي, والشيخ جميل العقاد السوري الحلبي وغيرهم, ورأت "جمعية الحضارة" نشاط "جمعية الإخوان" بالإسماعيلية, فتدارس أصحابها الأمر, وبعد مناقشات واتصالات ومداولات اقتنع القائمون عليها بأن "التوحد خير من الفرقة, وبأن انضمام الجهود أولى وأفضل" فاتصلوا بالإسماعيلية, وتم ضم "جمعية الحضارة الإسلامية" إلى "جمعية الإخوان المسلمين" وأصبحت شعبة من شعبها, واستأجرت مقراً أوسع, بشارع سوق السلاح, وتكفل إخوان الإسماعيلية, بالمساعدة المالية ـ إلى حين ـ وعندما انتقل الأستاذ المرشد إلى القاهرة, كانت هذه الشعبة هي أول مقر للمركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، ابتداءً من شهر جمادي الآخرة 1351هـ ـ أكتوبر 1932م.

    عاش "حسن البنا" في مدينة الإسماعيلية ظروفاً صعبة, ليس فقط باعتباره راعياً لهذه الدعوة الوليدة, متحملاً مسئوليتها, أو بسبب رعونة بعض الخصوم, الذين ناصبوها العداء, وشوهوا صورتها, وأثاروا الغبار حول أهدافها وغايتها, ولكن أيضاً بسبب بعض الذين انخرطوا في صفوفها, وحملوا رايتها, ويتحدثون باسمها, لكنها لم تصل إلى قلوبهم بعد, ولم ينصهروا في بوتقتها, أو تصبغهم مفاهيمها العظيمة, وكان هذا الأمر الأخير يشق على الأستاذ المرشد كثيراً, فإذا كان قدره أن ينافح عن هذه الدعوة, مجلياً مفاهيمها, موضحاً أهدافها, مبينا وسائلها أمام الناس, وفي مواجهة الخصوم والأعداء, فكيف به يواجه بعض الذين يحملون الراية, لكنهم يضعفون الجسد, وينخرون في البناء من الداخل؟!.. أضف إلى ذلك أنه يعيش في هذه المدينة وحيداً, بعيداً عن أسرته, التي تقويه نفسياً ومعنوياً وترعاه مادياً, وهو لا يزال في سن الشباب الذي يحتاج إلى المساندة.

    زواج المرشد العام:

    وشاءت إرادة الله, أن يخفف عنه ما هو فيه, فأتاح له فرصة الزواج من أسرة من كرام الأسر في الإسماعيلية, حيث خطب ابنة الحاج حسين الصولي, وهو أحد أعيان البلدة, وكانت هذه الأسرة متدينة بطبيعتها, زارتها والدة "حسن البنا" ذات مرة, فسمعت في إحدى الليالي, صوتاً جميلاً يتلو القرآن, فسألت عن مصدر هذا الصوت, فقيل لها إنها ابنتنا "فلانة" تصلى العشاء, فلما عادت الأم إلى منزلها, أخبرت نجلها بما كان في زيارتها, وألمحت إلى أن مثل هذه الفتاة الصالحة جديرة بأن تكون زوجة له, وكان ما أشارت به, فذهب "حسن البنا" إلى والدها, وكان من المناصرين له ولدعوته, فخطب ابنته, وتم الأمر ـ كما يقول ـ "في سهولة ويسر وبساطة غريبة : خطوبة في غرة رمضان تقريباً (1350هـ ـ يناير 1932م), فعقد في المسجد في ليلة السابع والعشرين منه، فزفاف في العاشر من ذي القعدة (1350 هـ ـ 17 من مارس 1932م) وهو في عامه السادس والعشرين.

    وعقب زواجه شعر بأن رسالته في الإسماعيلية قد انتهت, فالدعوة قد تأسست ولها منشآتها, وأبناء المدينة يحتضنونها ويلتفون حولها, وقد اختار من يخلفه فيها, أما هو فقد تزوج وأكمل نصف دينه, وخامره شعور عجيب, بأنه سينقل إلى مكان آخر, خارج الإسماعيلية, وشاء الله له ذلك, عندما حدث الشيخ عبد الوهاب النجار,عن رغبته في الانتقال إلى القاهرة, وتحققت رغبته بالفعل في أكتوبر 1932 ـ جمادي الآخرة 1351هـ, وانتهت بذلك "مرحلة الإسماعيلية" لتبدأ مرحلة أخرى في القاهرة, بكل حيويتها وصخبها وتفاعلاتها وقضاياها ورموزها ومشكلاتها.. ولهذا حديث آخر, أسال الله عز وجل أن يعنني على الوفاء به, إنه صاحب الفضل والمنة.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد "حسن البنا" (18

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:26

    من وثائق "مرحلة الإسماعيلية"

    مرحلة الإسماعيلية (ذو القعدة 1346هـ ـ جمادي الآخرة 1351هـ) (أبريل 1928م ـ أكتوبر 1932م) هي مرحلة التأسيس لدعوة الإخوان المسلمين, وقد حفلت بالعديد من الوثائق والأوراق المهمة, مثلما حفلت بالعديد من المواقف والأعمال الجليلة, ويعتبر "القانون الأساسي للإخوان المسلمين" هو أول وأهم وثائق الجماعة في مرحلة الإسماعيلية, وليس معروفاً على وجه الدقة تاريخ صدوره, وأغلب الظن أنه صدر في عام 1348هـ ـ 1929م, ولا شك في أن قراءة القانون الأساسي, وكذلك اللائحة الداخلية, تكشف بوضوح عن الموهبة الإدارية والتنظيمية والدعوية للأستاذ "حسن البنا" المرشد العام للإخوان المسلمين, والتي تأكدت بعد ذلك في تنظيم جماعته وحركته تنظيمياً فريداً, ليس فقط قياساً إلى المرحلة التي ظهر فيها, ولكن إلى الآن, فمازال الإطار التنظيمي في هيكله العام, هو الإطار المعمول به, ليس في مصر وحدها، بل في مختلف فروع الجماعة المنتشرة في جميع أنحاء العالم.. وهو إطار يتكون من الشعبة والمنطقة والمكتب الإداري ومجلس الشورى ومكتب الإرشاد العام, والأقسام الفنية المتخصصة التي تتبع مكتب الإرشاد (نشر الدعوة ـ التربية ـ الأخوات ... الخ), دون أن يكون هناك أي تدخل أو اشتباك في المسئوليات والاختصاصات والمهام والصلاحيات, رغم المحن التي واجهت الجماعة ـ ولا تزال ـ وقد كان القانون الأساسي من المرونة والبساطة بحيث استوعب النمو المتزايد دائماً, لفروع الجماعة وأقسامها وهياكلها الإدارية, ثم خضع بعد فترة, لتعديلات وإضافات كلما استدعى الأمر ذلك.

    ومن وثائق المرحلة أيضاً رسالة "عقيدتنا" التي كتبها الأستاذ البنا كأول رسالة عقيدية فكرية تربوية, وصدرت مطبوعة في عام 1350م ـ 1931م, وكان هدفها تحديد غاية الإخوان وتوضيح وسائلهم, كما تناولت أبعاد الدعوة الإسلامية واتساعها وشمولها, وصاغها الأستاذ المرشد في سبع نقاط على هيئة: "أعتقد.. وأتعهد", وهي نقاط أٍساسية تربوية وإيمانية وعملية في آن واحد، يقول في البند الخامس "أعتقد أن من واجب المسلم إحياء مجد الإسلام, بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه, وأن راية الإسلام يجب أن تسود البشر, وأن مهمة كل مسلم تربية العالم على قواعد الإسلام, وأتعهد بأن أجاهد في سبيل أداء هذه الرسالة ما حييت, وأضحي في سبيلها بكل ما أملك"، وفي البند السابع يقول "أعتقد أن السر في تأخر المسلمين, ابتعادهم عن دينهم, وأن أساس الإصلاح, العودة إلى تعاليم الإسلام وأحكامه, وأن ذلك ممكن لو عمل له المسلمون, وأن فكرة الإخوان المسلمين تحقق هذه الغاية, وأتعهد بالثبات على مبادئها والإخلاص لكل من عمل لها, وأن أظل جندياً في خدمتها أو أموت في سبيلها"..

    وقد علق "أرنست رينان" المستشرق الفرنسي وأستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة السوربون بفرنسا على هذه الرسالة بقوله: "إن هذه الكلمات عميقة المبحث والقصد, وهي ـ لا شك ـ مستمدة من نفس المنهج الذي رسمه محمد (صلى الله عليه وسلم) ونجح في تنفيذه, فأسس به أمة ودولة ودنيا, وقد زيد فيها بما يناسب روح العصر, مع التقيد بروح الإسلام.

    آمن "حسن البنا" بالشورى منذ بواكير حياته, وكان حريصاً على الاستماع إلى الآراء المختلفة واحترامها، حتى وإن اختلف معها, وبالرغم من أنه كان يمتلك من الصفات والمواهب والخبرات والبصيرة التي تؤهله للقيادة بمفرده, إلا أنه اختار طريق الشورى وإشراك الآخرين في القيادة واتخاذ القرار, تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالمنهج القرآني الذي طالب رسول الله بمشاورة أصحابه (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) (آل عمران: 159).

    يقول الشيخ عبد الرحمن حسب الله ـ رحمه الله ـ أحد الستة الأوائل الذين أسسوا دعوة الإخوان المسلمين, في حواره السابق الإشارة إليه: "كان الأستاذ البنا ـ رحمه الله ـ لا يقطع أمراً دون أن يجمعنا ويستشيرنا, وكان من عادته الشورى في كل صغيرة وكبيرة، وكان يحب أن يسأله الأخ منا في كل شئ.."، فإذا كانت الشورى بهذه المنزلة عند شخص في وزن "حسن البنا" فكيف بمن يدانيه علماً وخلقاً ومواهب وخبرات وبصيرة؟!.

    المؤتمر العام الأول للإخوان:

    ومن هذا المنطلق, وبمجرد أن استكمل البناء التنظيمي للإخوان المسلمين أولى خطواته, دعا فضيلة المرشد العام "حضرات نواب فروع (شُعب) الإخوان المسلمين بالقطر المصري, إلى الاجتماع بمدينة الإسماعيلية, يوم الخميس الموافق 22 من صفر 1350هـ، 9 من يوليو 1931م, للنظر في شئون الجمعية, وتم بالفعل عقد الاجتماع بنادي الإخوان المسلمين, عقب صلاة العشاء, وانتهى مع صلاة فجر اليوم التالي, وفي صلاة الجمعة خطب كل نائب من نواب فروع الإخوان الحاضرين خطبة الجمعة, ووعظ الناس بعدها بمسجد من مساجد الإسماعيلية, وكانت حفاوة أهل الإسماعيلية بالمشاركين كبيرة, وبعد صلاة العصر من يوم الجمعة, أقامت إدارة الإخوان بالإسماعيلية, حفلاً لتكريم المشاركين, بفناء مدرسة أمهات المؤمنين للبنات, توالى فيه الخطباء من أعضاء الجمعية ومن النواب, في جو من الفرح والسرور.

    وقد امتد الاجتماع قرابة ست ساعات (من العاشرة مساءً وحتى الرابعة من صباح اليوم التالي) وشارك فيه خمسة عشر فرعاً من فروع الإخوان المسلمين, ولأهمية هذا المؤتمر العام الأول نذكر أسماء المشاركين فيه وهم: الأستاذ عبد الرحمن أفندي الساعاتي (نائباً عن القاهرة) ـ الأستاذ على أحمد الجداوي (نائباً عن الإسماعيلية), الأستاذ محمد أفندي مصطفى طيرة (نائباً عن بورسعيد), الشيخ محمد فرغلي وفا (نائباً عن جباسات البلاح), الشيخ حامد عسكرية (نائباً عن شبراخيت والأسمنية ومنشأة جديد), الأستاذ أحمد أفندي السكري (نائباً عن المحمودية ـ بحيرة), السيخ مصطفي محمد الطير (نائباً عن المنزلة وميت خضر ـ دقهلية), الأخ المجاهد محمود أفندي عيد اللطيف (نائباً عن الجمالية ـ دقهلية), الشيخ أحمد محمد المدني (نائبا عن ميت مرجا سلسيل ـ دقهلية), الشيخ عبد الفتاح عبد السلام فايد (نائباً عن شبلنجة ـ قليوبية), الشيخ محمد أفندي الجعار (نائباً عن شعبة طنطا ـ تحت التكوين), الشيخ عبد الرزاق البحيري (نائباً عن شعبة السويس), الشيخ عفيفي الشافعي عطوة (نائباً عن حي الأربعين), الأستاذ مصطفى أفندي حسن الموافي (نائباً عن شعبة دمياط ـ تحت التكوين), الحاج محمد إسماعيل العسلوجي (نائباً عن شعبة "أبو حماد" شرقية ـ تحت التكوين)، بالإضافة إلى عبد الله أفندي حسين على نور اليماني (ممثلاً لشعبة "جيبوتي")!
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سطور من حياة الإمام المجدد "حسن البنا" ( 19 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 2 نوفمبر 2011 - 19:28

    ومن عجائب الأقدار أن يشارك فرع "جيبوتي" (إحدى دول جنوب شرق أفريقيا) في أول اجتماع لمجلس شورى الإخوان المسلمين, بعد قرابة الثلاث سنوات من النشاط, ليؤكد أن هذه الدعوة المباركة, وهي لا تزال في مرحلة الإسماعيلية, عاشت عالمية التنظيم, مثلما آمنت بعالمية الدعوة وشمولية الفكرة!

    وكان من نتائج هذا المؤتمر العام الأول, تشكيل أول مكتب للإرشاد في تاريخ الجماعة, ويتكون من عشرة أعضاء, بالإضافة إلى المرشد العام وهم كالتالي:

    1 ـ فضيلة الأستاذ مصطفى محمد الطير ـ المدرس بالمعهد الأزهري.

    2 ـ فضيلة الشيخ عبد الحفيظ فرغلي ـ المدرس بالمعهد الأزهري.

    3 ـ فضيلة الأستاذ الشيخ حامد عسكرية ـ من علماء الأزهر الشريف.

    4 ـ فضيلة الأستاذ الشيخ عفيفي الشافعي عطوة ـ من علماء الأزهر الشريف.

    5 ـ الأستاذ أحمد أفندي السكري ـ (عضواً منتدباً).

    6 ـ الأستاذ خالد عبد اللطيف أفندي ـ (عضواً منتدباً).

    7ـ الأستاذ محمد أفندي فتح الله درويش ـ بالقاهرة.

    8 ـ الأستاذ عبد الرحمن أفندي الساعاتي ـ بالقاهرة.

    9 ـ الأستاذ محمد أسعد الحكيم أفندي ـ بالقاهرة.

    10ـ الأستاذ محمد أفندي حلمي نور الدين ـ بالقاهرة

    وقد اختير الأستاذ محمد أسعد الحكيم سكرتيراً لمكتب الإرشاد, كما اختير الأستاذ محمد أفندي حلمي نور الدين أميناً لصندوق المكتب, والأستاذ عبد الرحمن الساعاتي أفندي لإدارة شئون الجريدة.

    ونتوقف هنا عند عدد من الملاحظات المهمة, أولها: أن أول تشكيل لمكتب الإرشاد في تاريخ الجماعة, ضم أربعة من الأقاليم وستة من القاهرة, بالرغم من أن انتشار الدعوة في الأقاليم كان أكبر (14 نائباً من 15), وربما يعود ذلك إلى رغبة المرشد العام وقيادات الدعوة في أن تكون القاهرة (العاصمة) هي نقطة الانطلاق بهذه الدعوة إلى مختلف أنحاء القطر المصري, والتي انطلقت منها معظم الحركات الوطنية والسياسية والدينية, وبالتالي كان القرار باتخاذ القاهرة مقراً رسمياً للدعوة ـ بعد ذلك بنحو عام ـ طبيعياً, وكذلك انتقال "حسن البنا" إليها.

    وثانيها: أن أربعة من أعضاء مكتب الإرشاد العشرة كانوا من علماء وشيوخ الأزهر الشريف, بما يؤكد أن الأزهر كان ـ منذ البداية ـ أحد أركان البنيان الدعوي, ومن أكبر مناصري الجماعة, ونلاحظ أيضاً أن ترتيب أسماء هؤلاء العلماء الأجلاء جاء في المقدمة, في تشكيل مكتب الإرشاد العام, وتلاهم "الأفندية"..

    وثالثها : أن مكتب الإرشاد كلف الأستاذ عبد الرحمن أفندي الساعاتي ـ شقيق المرشد العام ـ بشئون الجريدة, وبما أن صحف الإخوان لم تكن قد صدرت بعد, بل صدرت بعد ذلك بنحو عامين كاملين, إذن فقد كان المؤتمر الأول للإخوان, ومكتب الإرشاد أداته التنفيذية, مشغولاً بالإعلام والصحافة إلى الدرجة التي يكلف فيها أحد أعضائه, بالمسئولية عن إدارة هذا الملف الإعلامي المؤثر.

    ومن الواضح أن قضية التبشير (التنصير) والمبشرين, قد احتلت اهتماماً خاصاً في مناقشات ومداولات المؤتمر العام الأول للإخوان المسلمين, إلى الدرجة التي يقرر فيها المجتمعون "تكوين لجان فرعية في كل دوائر الجمعية (جمعية الإخوان) للعمل على تحذير الشعب من الوقوع في حبائل المبشرين, بالطرق السليمة المشروعة..".

    ومن الوثائق التي تمخض عنها المؤتمر الأول بهذا الخصوص, العريضة التي رفعها إلى جلالة الملك فؤاد ـ ملك مصر في ذلك الوقت ـ وجاء فيها: "يتقدم أعضاء مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين.. إلى جلالتكم, راجين حماية شعبكم المخلص الأمين من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده وأبنائه وفلذات كبده, بتكفيرهم وتشريدهم وإخفائهم وتزويجهم من غير أبناء دينهم, الأمر الذي حظره الإسلام وحرمه, وتوعد فاعليه أشد الوعيد.."، ".. لهذا لجأنا إلى سدتكم العلية, راجين أن يصدر أمر جلالتكم الكريم, إلى حكومتكم الموفقة, بالضرب على أيدي هذه الفئة, وإنقاذ الأمة من شرها, والوصول إلى هذه الغابة بكل وسيلة ممكنة.." وذكرت الوثيقة عدداً من الوسائل التي تراها كفيلة برأب الصدع وإنقاذ الأمة من أيدي المعتدين، ووقع على العريضة جميع المندوبين، وأرسلت إلى جلالة الملك وأصحاب المعالي رئيس الوزراء بالإنابة ووزراء: الداخلية والمعارف والأوقاف, ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ.

    وتعتبر هذه "العريضة" أول اتصال وتفاعل بين "جمعية الإخوان المسلمين" وبين السلطات الرسمية الحكومية, وتؤكد العريضة كذلك أن غاية الإخوان ليست الإصلاح الجزئي أو المحلي, ولكنه الإصلاح العام وفي كل المجالات, وأنها لا تتهيب أن تخاطب ملك البلاد في أمر تراه شديد الأهمية, ولمصلحة الأمة بأسرها.. كما قامت فروع الجمعية ـ في تلك الفترة ـ بجهود كبيرة لمقاومة النشاط التنصيري, الذي استغل سوء الأوضاع الاقتصادية وبساطة الإنسان المصري, ليحاول تغيير عقيدته, وتبديل دينه, ولكن هيهات.

    المؤتمر الثاني:

    وبعد حوالي سبعة أشهر من تاريخ عقد المؤتمر العام الأول, استضافت مدينة "بورسعيد" الباسلة "المؤتمر العام الثاني للإخوان المسلمين" أو "اجتماع مجلس الشورى العام"، وذلك في اليوم الثاني من شهر شوال 1350هـ ، الموافق 10 من فبراير 1932 هـ ، وأغلب الظن أن المؤتمر العام الأول هو الذي تأخر انعقاده, لأن باقي المؤتمرات التي عقدت بعد ذلك كانت ـ عادة ـ تعقد في شهر ذي الحجة، وقد تم توجيه الدعوة إلى المؤتمر, إلى نواب ونقباء وسكرتيري الشُعب, وكذلك من صرح له بذلك من أعضاء مكتب الإرشاد العام, وقد نجح هذا المؤتمر, وكان أهم قراراته: تكوين شركة صغيرة, لإنشاء مطبعة للإخوان المسلمين, على أن يقسم رأس مالها إلى أسهم, قيمة كل سهم "عشرون قرشاً", وأعد مكتب الإرشاد العام, قانون ولائحة شركة المطبعة المساهمة, ووزعه على جميع الشُعب في أنحاء القطر المختلفة, وحدد مكتب الإرشاد شهراً تقريباً, كآخر موعد للاشتراك في هذه الشركة.. وخلص المؤتمر العام الثاني إلى أن "المطابع للجماعات التي تعمل لنشر فكرة عامة, هي الدعامة التي ترتكز عليها في أعمالها ونشر دعايتها..".

    ويبدو أن ضيق الفترة الزمنية بين المؤتمرين: الأول والثاني, كان سبباً في اقتصار المؤتمر الثاني على متابعة تنفيذ توصيات المؤتمر الأول, بالإضافة إلى مناقشة إنشاء شركة مساهمة, تهدف إلى إقامة مطبعة قادرة على طباعة الصحف والمجلات، التي تفكر جمعية الإخوان في إصدارها ونشرها.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 20 أكتوبر 2017 - 17:12