hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    زاد الداعية الربانى ( تجميع مقالات الشيخ حديبى المدنى )

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    زاد الداعية الربانى ( تجميع مقالات الشيخ حديبى المدنى )

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:02

    فلو داواك كل طبيب داءٍ… بغير كلام ليلى ما شفاكا..!



    (( أفلا يتدبرون القرآن ،أم على قلوب أقفالها )) :

    قال شهيد الظلال:

    ([COLOR="Purple"]تدبر القرآن: يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير، وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير!..)..

    .ويقول شاعر الإسلام : محمد إقبال : ( إنه ليس بكتاب فحسب،إنه أكثر من ذلك، إذا دخل في القلب تغير الإنسان، وإذا تغير الإنسان تغير العالم...!)


    نبي الهدى قد جفونا الكرى... وعفنا الشهي من المطعمِ
    نهضنا إلى الله نجلوا السُرى... بروعة قرآنهِ المحكمِ
    ونُشهد من دبَّ فوق الثرى... وتحت السما عزة المسلمِ



    (( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء )):

    يقول ابن القيم:

    ..لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر،فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين،وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب..!


    تلاوة القرآن بتدبر:


    أعظم وسيلة للتزكية والتطهير، وأقرب طريق لإحياء الربانية،وأقوى محرك للإيجابية والفورية،والعامل المؤثر الحاسم في التغيير الهادئ الهادي،وأنفع دواء لأمراض القلوب، وهو الحل الحتمي لمشاكل الأمة: (الحل القرآني:فريضة وضرورة)... لا يشبع منه العلماء،لا تفنى عجائبه،ولا تقلع سحائبه،ولا تنقضي آياته،ولا تختلف دلالاته،فهو نور البصائر من عماها،وشفاء الصدور من أدوائها وجواها،وحياة القلوب،ولذة النفوس،ورياض القلوب،وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح،..أنزله الله لنقرأه تدبرا،ونتأمله تبصرا،ونسعد به تذكرا..!


    ولأهميته العظمى داوم عليه الربانيون حتى في أصعب الأوقات وأحلك الظروف:


    1-قطعت رجل عروة بن الزبير-أصابها مرض الآكلة- بالمنشار وهو يسبح لم يمسكه أحد،فقال:لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا،ولم يدع ورده القرآني تلك الليلة..!


    2-وهذا سيد الطائفة الجنيد: لم يترك تلاوة ورده القرآني حتى في آخر لحظات حياته،وتشبث به وهو يودع الدنيا:..قال أبو محمد الجريري: كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته، وكان يوم جمعة وهو يقرأ القرآن..فقلت له: يا أبا القاسم..أرفق بنفسك..قال: يا أبا محمد.. ما رأيت أحوج إليه مني في هذا الوقت. .وهو ذا تطوى صحيفتي..!


    3- عندما رجع الجيش الإسلامي من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين, فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دمًا ., فجاء ليلاً وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين على الحراسة أثناء نومهم، وهما عباد بن بشر، وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا بسهم وهو قائم يصلي فنزعه، ولم يقطع صلاته، حتى رشقه بثلاثة سهام، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان الله، هل نبهتني؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك, وايمُ الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها!!..:
    ( فقد كان حبه للتلاوة قد أنساه آلام السهام التي كانت تنغرس في جسمه وتثج الدم منه بغزارة..) :


    ولقد ذكرتك والرماح نواهل... وبيض الهند تقطر من دمي..!


    4- وهذا الإمام الشهيد:حسن البنا:الملهم الموهوب...على رغم كثرة انشغالاته وتعدد واجباته..كان لا يترك أوراده الروحية:وخاصة الورد القرآني، مهما كانت ظروفه وأسفاره وأعماله:فيحكي عنه الشاعر الكبير الأميري:

    أنهما سافرا معا سفرا مضنيا، متعبا.. فلما أن أخلدت إلى النوم،قام يمشي على أطراف أصابع قدميه بهدوء لكي لا يوقظني..وأقبل على القيام وترتيل القرآن... بخشوع وتدبر..!


    قوة التأثير العجيبة:


    ((أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون.....فاسجدوا لله واعبدوا )):

    عندما وصل الشهيد سيد قطب( في الظلال) عند هذه الآية هزته هزا عنيفا..وأثرت فيه تأثيرا عجيبا فصرح قائلا:

    ثم جاءت الصيحة الأخيرة ، واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب : ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ [ النجم : 59-61 ].

    فلما سمعت : ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ .. كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقًا إلى أوصالي ، واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي لم أملك مقاومته ؛ فظل جسمي كله يختلج ، ولا أتمالك أن أثبته ، ولا أن أكفكف دموعا هاتنة ، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة! وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح ، وأن تعليله قريب ؛ إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن ، ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة ، لم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها ، ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع ، وكانت مني هذه الاستجابة ، وذلك سر القرآن ؛ فهناك لحظات خاصة موعودة غير مرقوبة تمس الآية أو السورة فيها موضع الاستجابة ، وتقع اللمسة التي تصل القلب بمصدر القوة فيها والتأثير ؛ فيكون منها ما يكون! " .


    وقد وجدت بدوري .. هذه المشاعر..أيام حصار غزة..فعبرت حينها بهذه الكلمات:

    لكأن القرآن يتنزل الآن !!..


    والله لقد قرأت سورة الفتح عشرات المرات.. لكن لم استشعر معانيها ولم أتذوق لطائفها إلا في أول ليلة من ليالي الهجوم البري على غزة في ظلال غبار المعركة البرية المتصاعد..فما هي بالسورة التي كنت اتلوها مرارا وتكرارا.. بل كأنها تتنزل اللحظة!!..


    في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال:


    سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية:أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟أم خلقوا السموات والأرض؟بل لا يوقنون.أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون؟ كاد قلبي أن يطير!


    يقول الشيخ الراشد في المنهجية:


    فانظر قوله: كاد قلبي أن يطير!!


    وتمثل لنفسك أنك في مثل موقعه وتسمع تلك الآيات أو غيرها،فإن عمق التخيل ومزيد التدبر والاهتمام والفكر ينقلك إلى شيء من الاندماج مع المعاني...

    يقول د. خالد أبوشادي:

    لذا لابد لك أخي .. أن تُعطي لهذا الكتاب قدره ، وتنظر إليه من اليوم نظرة مختلفة ، وتعامله بغير ما اعتدت عليه من قبل ، وحين ينير الله بصيرتك ويرفع الغشاوة عن قلبك ... عندها فحسب ترى ما رأى محمد إقبال من أن القرآن مفتاح تغيير العالم بأسره ، واسمعه حين يقول :

    " إنه ليس بكتاب فحسب ، إنه أكثر من ذلك ، إذا دخل في القلب تغيَّر الإنسان ، وإذا تغيَّر الإنسان تغيَّر العالم " .


    وحين تُحرَم هذه البصيرة تفقد مصدر قوتك وبوصلة هدايتك ويصبح " لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاة ، فتُقرأ عليك سورة يس لتموت بسهولة ، فواعجبا! قد أصبح الكتاب الذي أُنزل ليمنحك الحياة والقوة يُتلى الآن لتموت براحة وسهولة " .


    وسائل عملية فعالة لتدبر القرآن:


    أولا:الفهم...الفهم:


    التدبر في اللغة: هو تأمل دُبُر الأمر أي عاقبته ، وتدبر القرآن هو تحديق القلب في معانيه ، وجمع الفكر على معرفته وتفهمه ، وذوبان معانيه في الروح فتسري في الدم إلى القلب فتشفيه ، وهو الغرض من إنزاله. قال تعالى : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ ص : 29 ] ، وتدبر القرآن يقف في مقدمة أدوية علاج القلب بلا منازع ، كما ينص على ذلك صريح القرآن : ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلمُؤْمِنيْنَ ﴾ ( الإسراء : 82)

    القرآن:لا يُجنى جناه دون معرفة معناه ، فكم من الناس يقرأ ولا يزيد إيمانا ولا يتغير سلوكا ولا ينصلح بمقدار ذرة ، مع أن الآية الواحدة كانت تخلق من الصحابي خلقا آخر.

    إنك لتجد عشرات الملايين في رمضان بين أيديهم المصاحف يقرؤون القرآن ويسعون في ختمه مرة بعد مرة ، لكن هل تجد عُشرهم أو نصف العشر منهم يفهمون ما يقرؤون أو يتدبرون في ما يؤمرون؟!


    " ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل هذه الظروف التي واجهتها أول مرة ؛ هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور ، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة ، وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات ، وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها ؛ تنتفض خلائق حية موحية ، دافعة ، دافقة ، تعمل في واقع الحياة ، وتدفع بها إلى حركة حقيقية في عالم الواقع وعالم الضمير " .


    قال الحسن : " إن هذا القرآن قد قرأه عبيدٌ وصبيان لا علم لهم بتأويله ، لم يأتوا الأمر من قِبَلِ أوله. قال الله عز وجل : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ ص : 29 ] ، وما تدبر آياته إلا إتباعه ، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده ، حتى إن أحدهم ليقول : قد قرأتُ القرآن كله فما أُسْقِط منه حرفاً واحداً ، وقد والله أسقطه كله ، ما يرى له القرآن في خلُق ولا عمل ، حتى إن أحدهم ليقول : والله إني لأقرأ السورة في نَفَس ، لا والله ما هؤلاء بالقُرَّاءِ ولا بالعلماء ولا الحكماء ولا الورعة ، ومتى كانت القراءة هكذا؟! لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء " .


    ثانيا: لكأن القرآن يتنزل عليك الآن:أنت المخاطب والمعاتب:


    يقول الشهيد سيد قطب:

    الحياة في ظلال القرآن نعمة . نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها . نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه. والحمد لله . . لقد منَّ علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان ، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي . ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه . لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إلي بهذا القرآن . . أنا العبد القليل الصغير . . أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل ؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل ؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم !

    قال ابن أبي ذئب :

    " حدَّثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة وقرأ عنده رجل : ﴿ إِذا أُلْقُوْا مِنْهَا مَكَانَاً ضَيِّقَاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبوْرِاً ﴾ ] الفرقان : 31 ، فبكى عمر حتى غلبه البكاء وعلاه نشيجه .واسأل نفسك ثانية : لماذا بكى عمر حتى علا نشيجه؟! والجواب : لأنه استشعر أن المخاطب هو عمر ، والمُلقى في النار عمر ، والداعي في ثبور عمر ، والباكي في جهنم عمر ، وهذا المكان الضيِّق المذكور في الآية محجوزٌ باسم عمر ، بكيتَ يا خامس الخلفاء ودرة الأتقياء من آية ما أبكت أكثرنا ، ولو تدبرها المرء منا لتحول الضحك فيه إلى بكاء ، وامتلأت عينه دمعا من دماء ، ألا ما أعظم العقوبة التي ضُرِب بها القلب القاسي ، ألا ما أشد مصيبة غير المتدبِّرين ، يحسبون الله يخاطب غيرهم ولعل الله لا يعني بهذه الآية غيرهم... ولكن الناس بعدوا عن القرآن، وعن أسلوبه الخاص، وعن الحياة في ظلاله، عن ملابسة الأحداث والمقوّمات التي يشابه جوُّها الجوُّ الذي تنزّل فيه القرآن ‏.‏‏.‏ وملابسةُ هذه الأحداث والمقوّمات، وتَنسُّمُ جوها الواقعي، هو وحده الذي يجعل هذا القرآن مُدرَكاً وموحياً كذلك‏.‏


    فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقة، ومن معاناة هذا الأمر العسير وجرائره وتضحياته وآلامه، ومعاناة المشاعر المختلفة التي تصاحب تلك المكابدة في عالم الواقع، في مواجهة الجاهلية في أي زمان‏!‏... والذين يعانون اليوم وغداً مثل هذه الملابسات، هم الذين يدركون معاني القرآن وإيحاءاته‏.‏ وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامي كما جاء بها القرآن‏.‏ لأن لها رصيداً حاضراً في مشاعرهم وفي تجاربهم، يتلقونها به، ويدركونها على ضوئه‏.‏‏.‏ وهم قليل‏.‏‏.‏


    ...يتبع...

    المراجع:

    الظلال...و خصائص التصور الإسلامي ومقوماته :للشهيد سيد قطب.

    ورد إلي روحي: د. خالد أبو شادي



    (بدأت بهذه المقالة لقناعتى بأن القرآن هو منطلق الداعية الأول لإصلاح نفسه ودعوة غيره وهذا ما يؤكده عنوان هذه المقالة الرائعة )
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سلسلة فقه الدموع والخشوع

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:04

    لي لذة في ذلتي وخضوعي... وأحب بين يديك سفك دموعي..!

    فقه الدموع والخشوع (1):


    أول علم يرفع من الأرض: علم الدموع والخشوع: حتى أنك ترى الكثير من إخواننا يتلون القرآن لا يجاوز حناجرهم .. ويقرؤون المأثورات قراءة آلية ميكانيكية.. ويصلي بعضهم صلاة بتراء خالية من ذل الاستجداء والانكسار..!..وتتحول العبادات إلى نسيج خشبي وهيكل عظمي لا روح فيه ولا حياة..!


    فاز من سبح والناس هجوع
    يدفن الرغبة ما بين الضلوع
    و يغشيه سكون و خشوع
    ذاكراً لله والدمع هموع
    سوف يغدو ذلك الدمع شموع


    لتضيء الدرب يوم المحشر سجدة لله عند السَحَر
    هذه سلسلة من المقالات في فقه الدموع..فيها ما يشفي الغليل ويداوي العليل:

    تمهيدات:


    سجود المحراب ، واستغفار الأسحار ، و دموع المناجاة : هي معادلة النصر والإبداع والإيجابية والفورية


    نائح والليل ساج سادل **** يهجع الناس و دمعي هاطل
    تصطلي روحي بحزن وألم **** ورد ( يا قوم ) أنسي في الظلم
    أنا كالشمع دموعي غسلي **** في ظلام الليل أذكي شعلي
    محفل الناس بنوري يشرق **** أنشر النور و نفسي أحرق


    و كأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال ، نبيعه و نثبت لنا حقاً عاجلاً في الثمن.. من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همساً في الأسحار ، ولا الدمع المدرار ، و إنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الدموع والخشوع..

    مشوقات إلى البكاء:

    وليس الذي يجري من العين ماؤها... ولكنها روحي تذوب فتقطر..!

    مشوقات قرآنية:


    * قال تعالى : (( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ..))


    * (( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً..! ))

    * عَن ابن مَسعودٍ - رضي اللَّه عنه – قالَ : قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم :

    " اقْرَأْ علَّي القُرآنَ " قلتُ : يا رسُولَ اللَّه ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ ، قالَ : " إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي " فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء ، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية : (( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً )) ( قال : " حَسْبُكَ الآن " فَالْتَفَتَّ إِليْهِ ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ..!


    مشوقات من السنة:


    قال النبي صلى الله عليه وسلم :

    * (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع .. )


    * (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظلُّهُ : إِمامٌ عادِلٌ ، وشابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّه تَعالى ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّق بالمَسَاجِدِ ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه ، اجتَمَعا عَلَيهِ وتَفَرَّقَا عَلَيهِ ، وَرَجَلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ ، فَقَالَ : إِنّي أَخافُ اللَّه ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةَ فأَخْفاها حتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمالهُ ما تُنْفِقُ يَمِينهُ ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ..)


    * ( عينان لا تمسهما النار ، عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله..)


    * (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين : قطرة من دموع خشية الله ، وقطرة دم تهراق في سبيل الله ، وأما الأثران : فأثر في سبيل الله ، وأثر في فريضة من فرائض الله.. )


    مشوقات من قصص البكائين:


    1- فحين عوتب يزيد الرقاشى على كثرة بكائه ، وقيل له : لو كانت النار خُلِقتْ لك ما زدت على هذا ؟! قال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن و الإنس ؟ وحين سئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن ؟ قال : ويحك ، الموت في عنقي ، والقبر بيتي ، وفي القيامة موقفي ، وعلى جسر جهنم طريقي لا أدري ما يُصنَع بي .


    2- وكان فضالة بن صيفي كثير البكاء ، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته : ما شأنه ؟ قالت : زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد !...


    3- وانتبه الحسن ليلة فبكى ، فضج أهل الدار بالبكاء ، فسألوه عن حاله فقال : ذكرت ذنبا لي فبكيت .


    4- وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فجعل يرددها إلى الصباح ويبكي .


    5- وكان حذيفة رضي الله عنه يبكي بكاءً شديداً ، فقيل له : ما بكاؤك ؟ فقال: لا أدري على ما أقدم ، أعلى رضا أم على سخط ؟ .


    6- وقال سعد بن الأخرم : كنت أمشي مع ابن مسعود فمَّر بالحدَّادين وقد أخرجوا حديداً من النار فقام ينظر إلى الحديد المذاب ويبكي .


    7- قال ابن المبارك : " إذا نظرت إلى فضيل بن عياض جُدِّد لي الحزن ومقتُّ نفسي " ، ثم بكى .


    وكذلك كان الربيع بن خيثم يقارن نفسه دوما بمن هو أعلى وأتقى ، وهل هناك من هو أعلى من ذلك وأرقى؟! فيبكي حتى يبل لحيته من دموعه ويقول : " أدركنا قوما كنا في جنوبهم لصوصا " .


    درر وجواهر: قال أبو سليمان رحمه الله ": عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر...!"


    فقه الدموع والخشوع : " يسقي القلوب العطشى ويشفي من هزال الروح ويزكي النفوس.. "

    1- هو جنتك المعجلة : " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة..!"
    2- سعادة كاملة ولذة غامرة : " إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب..! "
    3- مراغمة...ومغايظة " :مساكين أهل الدنيا..خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب ما فيها..! "
    4- رقصة القلب: " إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا...! "
    5- تذوق القرآن " :لكأنه يتنزل الآن...!"
    6- فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع ، و الشجاعة تسقى بدموع الليل :


    يحيون ليلهم بطاعة ربهم **** بتلاوة ، وتضرع و سؤال
    وعيونهم تجري بفيض دموعهم **** مثل انهمال الوابل الهطال
    في الليل رهبان ، وعند جهادهم **** لعدوهم من أشجع الأبطال
    بوجوههم أثر السجود لربهم **** وبها أشعة نوره المتلالي


    7- أنه يورث القلب رقة ولينا..ويصبح أبيض: مثل الصفاء لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض.. ويثبت على طريق الدعوة..فلا تلون ولا غدر..!


    8- إذا سقطت دموع الندم رفع أثر الزلل ، وإذا بكى العبد خوفا ضحكت الحور شوقا .ودموع الانكسار أرجى في القبول من مائة عذر وعذر…
    كتبت بأدمعي في صحن خدي...كتابا بالتذلل والخضوع
    فقالوا قد عفونا عنك لما...محوت قبيح فعلك بالدموع

    9- قال ثابت البناني-حين رق الناس لحاله من كثرة بكائه _ ": وما خير في عين لا تبكي..!".
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    فقه الدموع والخشوع (2)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:04

    ومن ذا يعيرك عيناً تبكى بها .... أرأيت عيناً للبكاء تعار ...؟!

    فقه الدموع والخشوع (2)


    .. حينما بلغت القلوب الحناجر- في المؤتمر الرابع- وانهارت مهارات التخطيط وفذلكات التنفيذ وفنون الهندسة النفسية والتأثيرية... وطاحت الإشارات وضاعت العبارات وسقطت الرسوم واندرست العلوم والفهوم..هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. .لم تنفعنا إلا دموع جمعة المؤتمر : التي غسلت القلوب من أحقادها وطهرت الأرواح من شوائبها... فتنزلت علينا السكينة والطمأنينة وغشيتنا الرحمة وغمرتنا المحبة .


    إن علم الدموع والخشوع: ينفخ فيك روح العمل والإبداع والإيجابية.. والشوق إلى الجهاد ، وعلو الهمة والطموح والحنين إلى الشهادة ، والتلذذ بالعبادة ، ويصفي القلوب وينقيها ويملؤها بالحب : الذي يحول التراب تبرا والكدر صفاء والألم شفاء والسجن روضة والقهر رحمة ، وهو الذي يلين الحديد ويذيب الحجر وينفخ في الميت الحياة..!


    إن غياب علم الدموع والخشوع : يؤدي إلى قحط العين.. وهزال الروح ... وجفاف القلب وقسوته..فتسود الغيبة والنميمة وهتك الأعراض.. وتظهر الفتن التي تمزق الصف وتلهي وتدهي وتنسي وتنهي..

    يقول عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : ( يا غلام: فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة . السير سير القلب. )

    ومعناه الجماعي كذلك أيضًا، فإن مما يخشى على الدعوات : أن تطيل لسانها، فتكثر تأليف الكتب، وتتخذ لها من الصحف ميدانًا ، وتتعب درجات المنابر بخطبائها ، وتترك تأليف الأرواح وتربية القلوب ، فتقف لا تخطو نحو التمكين خطوة، كوقفة غلام الكيلاني.

    لماذا الجفاف يا عين؟!

    لا بد من عتاب طويل للعين . تسألها أولا : لم تخطئ فتختار الجفاف وتقحط ؟ وصواب من مقلة : أن تصوبا. كما يقول الشاعر : فصوابها أن ترسله وابلا صيبا على أرض الأخطاء ، بين يدي رب غفور يحب أن يتملق له عبده بالدمع ، ويحب أن يسمعه ، في الثلث الآخر من الليل ، و بالعشي والإبكار، يحاسب نفسه ويلوم ،


    ويكرر مع ابن القيم يخاطب نفسه أن : ( لله ملك السموات والأرض ، واستقرض منك حبة ، فبخلت به . وخلق سبعة أبحر، وأحب منك دمعة ، فقحطت بها عينك) ويظل يرددها حتى يظن أنه قد استوفى إنذارها .


    طلب الحسن البصري ماء ليفطر عليه فلما أتوه به أدناه إلى فيه فبكى وقال ذكرت أمنية أهل النار قولهم : (( أن أفيضوا علينا من الماء )) فرقت عيني خوفا من مآلهم .

    يقول المجدد الشهيد:

    وهل رأيت بربك أعذب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع العابد الراكع الساجد القانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه ونادى منادي العارفين المحبين :

    سهر العيون لغير وجهك ضائع ... وبكاؤهن لغيـر فقدك بـاطـل

    أنواع البكاء:


    ذكر الإمام ابن القيم رحمه تعالى عشرة أنواع للبكاء هي:

    بكاء الخوف والخشية - بكاء الرحمة والرقة - بكاء المحبة والشوق - بكاء الفرح والسرور - بكاء الجزع من ورود الألم وعدم احتماله- بكاء الحزن ....

    وفرقه عن بكاء الخوف : أن الأول -" الحزن " - يكون على ما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب وبكاء الخوف : يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك ،

    والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان ، ودمعة الحزن : حارة والقلب حزين ، ولهذا يقال لما يُفرح به هو " قرة عين " وأقرّ به عينه ، ولما يُحزن : هو سخينة العين ، وأسخن الله به عينه .

    - بكاء الخور والضعف - بكاء النفاق وهو : أن تدمع العين والقلب قاس - البكاء المستعار والمستأجر عليه ، كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها . - بكاء الموافقة : فهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر فيبكي معهم ولا يدري لأي شيء يبكون.


    البكاء الصادق الخالص:


    كلامنا في هذه السلسلة مركز على البكاء الخاشع الصافي الخالص.

    قال الحسن البصري : إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام .

    وكان أيوب السختيانى إذا وعظ ترقرق الدمع في عينه فيمسح وجهه ويقول : ما أشد الزكام ..!

    وقال ابن الجوزى : كان ابن سيرين يتحدث بالنهار ويضحك فإذا جاء الليل فكأنه قتل أهل القرية .


    مشوقات ومثيرات البكاء:


    1- ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة : الخلوة الربانية الصالحة التي فيها التدبر والتأمل .. والمحاسبة والمكاشفة والمصارحة للنفس..

    فيعرف في ظلالها : أن الله يتحبب إليه بالنعم ويتبغض هو إليه بالمعاصي...خيره إليه نازل وشره إليه صاعد..!عندها يسارع للتوبة والاستغفار والدموع فرب معصية أورثت ذلا وبكاء وانكسارا..خير من طاعة أورثت عجبا وغرورا واستكبارا..
    وأنين المذنبين التائبين خير من تسبيح المعجبين...!


    2- مزاحمة الوعاظ الربانيين بالركب : في حديث العرباض بن سارية قال : (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة سالت منها العيون ووجلت منها القلوب..!)

    ظاهرة تراها من بعض المربين والدعاة وهي انصرافهم عن مجالس الوعظ والرقائق بحجة الاكتفاء الذاتي ، وأن تربية المواعظ والرقائق قد تجاوزوها من زمن ، فالمواعظ وترقيق القلوب إنما هي للمبتدئين أو من هم على عتبة باب الدعوة !! أما هم فقد تخرَّجوا من جامعة الإيمان وتسلموا شهادات التفوق منها ، ولم يعد لهم في هذا الميدان مطمع ، هذا لسان الحال وإن لم يُفصح عنه المقال. )


    3- اجتهد أن لا تترك الذكر حتى مع وجود الغفلة : يقول ابن القيم رحمه الله : ( صدأ القلب بأمرين : الغفلة والذنب ، وجلاؤه بشيئين الاستغفار والذكر ...)

    يقول ابن عطاء الله: لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك من وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، و من ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، و ما ذلك على الله بعزيز.
    فالمداومة على الذكر- مع وجود الغفلة وقحط العين وقلة الخشوع - والمصابرة على ذلك.. تؤدي إلى الخشوع واليقظة والحضور...!
    قال أحد العلماء : كابدت القرآن عشرين عاما وتنعمت به عشرين عاما..!


    4- المناجاة : أن تناجي الله وتذكره خاليا في الأسحار..وجرب ترى.. اقرأ مناجاة ابن عطاء الله وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه ونادى منادي العارفين المحبين :
    فلما تلاقينا وعاينت حسنها...تيقنت أني إنما كنت ألعب..!
    .. ترى عجبا:... دموع... وآهات... وخشوع... وانكسار...!


    5- سوء الأدب : يورث قسوة القلب وجفاف الروح وقحط العين وقطع المدد فوالله ما فاز من فاز بفقه الدموع والخشوع إلا بحسن الأدب...ولا سقط من سقط وحرم من حرم من الخشوع والبكاء إلا بسوء الأدب


    قال ابن عطاء الله : من جهل المريد أن يسيء الأدب فتتأخر العقوبة عنه ، فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد و أوجب الإبعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد ، و قد يقام مقام البعد و هو لا يدري ، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد.


    6- ابك تعجيل الحسنات : وتملأ ميتة مصعب بن عمير رضي الله عنه نفس الداعية موعظة حتى ليكاد أن يشرق باللقيمات قبل أن يقلقه التنعم والبطر.


    ففي صحيح البخاري : ( أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائمًا ، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني ، كفن في بردة ، إن غطى رأس ه، بدت رجلاه ، وإن غطى رجلاه ، بدا رأسه) قال الراوي: (وأراه قال وقتل حمزة وهو ، خير مني ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط ، أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ... )


    7- تذكر المصير... وتوبيخ النفس : هكذا تبدأ التربية على فقه الدموع ، بخوف العذاب واستحضار هذا الخوف كلما قرأ القرآن، فقد جعل الله تعالى وجل القلوب صفة إيمانية فقال :
    (( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )) حتى تقشعر الجلود من بعد ، كما قال الله تعالى (( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ )) ، ثم يكون انهمار دموع العين، فإنهم : ((إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)) ((وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ))

    وتتساقط دمعات أخريات إذا يوبخ أحدهم نفسه ويحثها أن:

    ويحك يا نفس احرصــي ... على ارتياد المخلـص
    وطاوعــي ، واخلصــي ... واستمعـي النصح وعي
    واعتبري بمـن مضـــى.. من القـرون وانقضـى
    واخشي مفاجــأ القضــا .. وحاذري أن تخدعــي...

    يتبع إن شاء الله ...
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    فقه الدموع والخشوع (3)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:05

    أول ما يُرْفع من الناس الخشوع
    فقه الدموع والخشوع (3)


    كتب الشيخ الأستاذ حديبي المدني - حفظه الله


    أول ما يُرْفع من الناس الخشوع :

    .. إشارة إلى أن فقه الدموع والخشوع سيضمحل وسط طغيان علوم الظاهر، وأن أسراره ستضيع وبركاته ستذهب وسط الزحام ، وهو أول فساد يمس الأرض ، ليكون علامة على خبث الباطن ، ومخالفة السر العلن ، وعندها فساد كل شيء : تذبل القلوب لموت الأرواح فيها ، وتقرأ الألسنة العربية القرآن وكأنها أعجمية ، فلا فهم ولا تدبر ولا امتثال ، وتنشغل الأمّة –إن انشغلت- بمظهر العبادة دون جوهرها، وتهتم بأركانها دون مقاصدها ، ويكثر البهرج الزائف وإن اتَّشح بوشاح القرآن.

    واستُفتي الحسن عن مسألة فأجاب فقيل له : إن فقهاءنا لا يقولون ذلك ، فقال : " وهل رأيت فقيها قط؟! الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا " .

    تناولنا في الحلقتين السابقتين مشوقات ومثيرات البكاء والخشوع..وسنفصل في هذه المقالة أسباب قسوة القلب وقحط العين وجفاف الروح وضعف نبض الخشوع وغياب فقه الدموع :


    1-كثرة الأكل:

    قال سيد سادات القوم أبو سليمان الداراني: من شبع دخل عليه ست آفات : فقد حلاوة المناجاة ، وحرمان الشفقة على الخلق ؛ لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع ، وثقل العبادة ، وزيادة الشهوات ، وإن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد ، والشباع يدورون حول المزابل..

    قال سيد التابعين الحسن البصري: من أراد أن يخشع قلبه ويغزر دمعه فليأكل في نصف بطنه..


    2-كثرة النوم:

    قال حجة الإسلام الغزالي: وفي كثرة النوم : ضياع العمر ، وفوت التهجد ، وبلادة الطبع ، وقساوة القلب ، والعمر أنفس الجواهر ، وهو رأس مال العبد فيه يتجر ، والنوم موت ، فتكثيره يُنقص العمر ، ثم فضيلة التهجد لا تخفى ، وفي النوم فواتها..

    ابن القيم حامل لواء الوسطية والاعتدال ينصحنا بقوله في المدارج:

    كما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات ؛ فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام : من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ، ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها ، وما قام الوجود إلا بالعدل ، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير..!

    وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ، ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه ، وكلما قرب النوم من الطرفين قلَّ نفعه وكثر ضرره ، ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ، ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، فإنه وقت غنيمة ، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس ، فإنه أول النهار ومفتاحه ، ووقت نزول الأرزاق ، وحصول القسم ، وحلول البركة ، ومنه ينشأ النهار ، فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير ، وهو مقدار ثمان ساعات ، وهذا أعدل النوم عند الأطباء ، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه ، ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء ، وكان رسول الله يكرهه ، فهو مكروه شرعا وطبعا..!


    3-كثرة الكلام:

    قال بشر الحافي: خصلتان تقسيان القلب : كثرة الكلام وكثرة الأكل..

    قال عمر رضي الله عنه: من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه قلَّ حياؤه ، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه ، ومن قلَّ ورعه مات قلبه..!

    تاج الوقار وحسن سمت المسلم .. صمت المليء وحكمة المتكلم..!


    4-كثرة المخالطة:

    قال العلامة المحقق ابن القيم في مدارجه:

    وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ، ودفعت من نعمة ، وأنزلت من محنة ، وعطَّلت من منحة ، وأحلت من رزية ، وأوقعت في بلية ، وهل آفة الناس إلا الناس ، وهل كان علي أبي طالب رضي الله عنه عند الوفاة أضرَّ من قرناء السوء ؛ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد..!

    ومن يكن الغراب له دليلا .. يمر به على جيف الكلاب..!

    قال ابن عطاء الله السكندري: لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله،ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان صحبة من هو أسوأ حالا منك..!


    5-نقض العهد والبيعة:

    قال تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم..وجعلنا قلوبهم قاسية...!

    فليحذر من خرج من جماعته -لدنيا أو منصب أو غرض أو منفعة أو مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر-من العقوبة الشديدة المعجلة:حرمانه من الدموع والخشوع.. وتلاوة جافة لا تتجاوز الحنجرة.. وأداء ميكانيكي.. وقسوة قلب وهزال روح وجفاف قلب وقحط عين.. مع أنه عليم اللسان.. فقيه في التنظير والتقعيد.. مهندس في علم الهندسة النفسية والتأثيرية...!

    قال ابن عطاء الله: خير العلم ما كانت الخشية معه..والعلم النافع ما انبسط في الصدر شعاعه وانكشف به عن القلب قناعه..!

    قال أحد الدعاة الربانيين:

    أعرف رجلا كان أبعد ما يكون عن الله ، لكنه ابتُلي بمرض عضال ، فصار المسجد بيته ، والقرآن نطقه ، وأقبل على الصلاة بعد أن هجرها دهرا ، وأشرقت عيناه بدمع الندم بعد أن ولى زمان الجدب ؛ حتى شفاه الله وأخذ بيديه إلى العافية ، فرجع إلى سابق عهده ناكثا مدبرا ، دون أن يدرك قبح فعلته وهول غدرته ، فماذا كانت النتيجة؟! تيه في دروب الحياة وقسوة أشد وبعدا أكثر عن ساحل النجاة ، حتى يتوفاه الموت أو يجعل الله له سبيلا.


    6-كثرة الذنوب:

    رأيت الذنوب تميت القلوب ... و قد يورث الذل إدمانها
    وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها..


    7-طبيب يداوي الناس وهو عليل..! أو عالم لم ينتفع بعلمه:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول : بلى قد كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه...!

    قال ذو النون وقد سئل : ما أساس قسوة القلب للمريد؟! فقال : " ببحثه عن علوم رضي نفسه بتعليمها دون استعمالها والوصول إلى حقائقها " .


    8-أكل الحرام:

    قال إبراهيم بن أدهم: أطب مطعمك ؛ ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم بالنهار..!

    قال الفضيل: من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقا ، فانظر عند من تفطر يا مسكين..!

    أكل الحلال: يلين القلب.. ويدمع العين.. وتسمو به الروح...

    قال عبد الله بن المبارك : رد درهم من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف ؛ حتى بلغ إلى ستمائة ألف..!


    9-كثرة الضحك:

    كثرة الضحك تميت القلب.. وتذهب الخشوع وتقسي القلب...

    الأمة الجادة المجاهدة لا تعرف كثرة الضحك:

    فمن وصايا الإمام المجدد الشهيد: لا تكثر الضحك فإن القلب المتصل بالله ساكن وقور..

    يقول عملاق الدعوة والفكر - أستاذنا الراشد: وقضايا الإسلام أوفر جدا وأثقل هموما من أن تدع عصبة من الدعاة تطيل الضحك ، وتستجيز المزاح ، وتتخذ لها من صاحب خير فيها محور تندُّر وتروي قصصه وغرائبه ، والابتسامة علامة المؤمن ولسنا نُنْكرها ، والنكتة في ساعتها سائغة ، والأريحية أصل في سلوكنا والألفة والبشاشة ، ليس العبوسة ، والقهقهة الأولى لك ، والثانية نهبها لك أيضا ، فإنا كرماء ، ولكن الثالثة عليك ، وتشفع حسناتك لها عندنا ، وأما الرابعة فيلزمها حد لا شفاعة فيه ، وشعار : الضحك للضحك ؛ باطل ، والهزل الهزيل مرفوض في أوساط العمل الإسلامي ، وإنما الداعية مُفوَّض بالجد والتجديد..!


    ......يتبع...
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    فقه الدموع والخشوع (4)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:07

    لئن كان هذا الدمع يجري صبابة...على غير ليلى فهو دمع مضيع..!


    فقه الدموع والخشوع (4)

    لا تصحب من لا ينهضك حاله..!


    قال جعفر بن سليمان : كنتُ إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة ، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى .


    مجالسة الصالحين وترسم خطى المتقين :

    من أعظم المشوقات و المثيرات للدموع والخشوع .. فهي ترقق القلوب وتزكي النفوس وتغسل الأرواح .. بل تقتبس منها الأنوار ويمتص الحال من الحال


    أخي الحبيب أختي الفاضلة:

    يا من يشتكي من قسوة قلبه وضعف نفسه وقلة خشوعه وندرة دموعه هرول مسرِعا إلى أسرع ما يشفيك وأعظم ما يُحدِث أثره فيك : إنها صحبة الربانيين ومجالس تعال نؤمن ساعة ومجالسة جماعة من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله فينتقونه كما ينتقي آكل التمر أطايبه .. لتغرف منه وتشرب فترتوي وتهتدي..!


    من فوائد ذكر الصالحين وضرب نماذج المتقين إبطال كيد الشيطان وإغاظته والنيل منه وغزوه في عقر داره ، والأمر كما قال الرافعي : " فإن أسماء الزُّهّاد والعُبَّاد والصالحين هي في تاريخ الشياطين كأسماء المواقع التي تنهزم فيها الجيوش " .


    الربانية من أعظم أسباب النصر والتمكين:


    قال الأصمعي : لما صاف قتيبة بن مسلم للترك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع فقيل هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء قال: تلك الإصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير..!


    تاج الدين والربانيين : ابن عطاء الله السكندري.. يختصر لك طريق الصحبة

    وخصائصها وسماتها:


    أولا: ينهضك حاله :


    إنها ليست شقشقة كلام مرصوف منمق.. وبهرج زائف كاذب... بل ربانية الظاهر والباطن.. والإخلاص المتوقد.. واللوعة والحرقة .. ورائحة الكبد المشوي .. إنها عبودية الانكسار والاستغفار بالأسحار.. والدمع المدرار: (( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا..))

    إذا حضروا لم يعرفوا.. وإذا غابوا لم يفتقدوا.. آخذ بعنان فرسه : ( إن كان في الحراسة كان في الحراسة .. وإن كان في الساقة كان في الساقة..!)

    قال تعالى: (( واتبع سبيل من أناب إلي )) :

    فمن سمات المربي الرباني الذي تلزمه :


    أ-أنه زاهد في الرئاسة.. ولا يضيق ذرعا بأعوان الخير.. بل يغبطهم و ينافسهم :

    قال ابن الجوزي :

    " وقد يكون الواعظ صادقا قاصدا للنصيحة إلا أن منهم من شرب الرئاسة في قلبه مع الزمان فيحب أن يُعظَّم ، وعلامته : أنه إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك ، ولو صحَّ قصده لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق " .

    قال صلى الله عليه وسلم لرجلين سألاه الإمارة : ( إنا لا نولّي هذا مَنْ سأله ، ولا من حرص عليه )

    يسن بذلك أحد قوانين الإدارة الإيمانية ويميِّزها عن إدارة اليوم الحديثة ، ويمدح صلى الله عليه وسلم هذا الصنف من الدعاة ، الذين ليس يعنيهم ويشغل فكرهم سوى رضا الله سبحانه وتعالى بارزين كانوا أو مستترين ، في المقدمة أو في المؤخِّرة ،

    وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم :

    ( طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يُشفَّع )

    وتأمل أنه ذكر هنا الساقة والحراسة وكلاهما ليس من أماكن الصدارة أو مراكز القيادة ، فكأنه أراد ترسيخ معنى الجندية ومعالجة حب الرئاسة في قلوب السامعين معالجة جذرية ، فلا يذكر الرئاسة ولو بكلمة لتغيب حتى حروفها عن عينك وتتوارى عن قلبك.

    قال صلى الله عليه وسلم-في قصة المعراج-:

    .. ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة،فأتيت على موسى عليه السلام،فسلمت عليه،فقال:مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح،فلما جاوزته بكى..! فنودي ما يبكيك ؟ قال:رب!! .. هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر ما يدخل من أمتي..!


    قال أهل العلم : لم يكن بكاء موسى عليه السلام حسدا معاذ الله،فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين،فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؟! بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة..!


    ب-.. ذكر الله خاليا ففاضت عيناه : المربي الصادق الرباني هو صاحب الدموع الصافية المخلصة:


    عن محمد بن واسع : لقد أدركت رجالا يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته..! ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جانبه..!

    وهذا أيوب السختياني : إذا غلبته دموعه في مجلس العلم يضع ثوبه على وجهه وهو يقول:ما أشد الزكام..!

    ج-حي القلب :

    حي القلب قد يبكي من الآذان : كان أبو زكريا النهشلي إذا سمع النداء تغيَّر لونه وأرسل عينيه فبكى ، فسُئل عن ذلك فقال : أشبِّهه بالصريخ يوم العرض ، ثم غشي عليه .


    حي القلب قد يبكي من الوضوء: كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا ، فيُقال له في ذلك فيقول : " إني أريد أن أُقدِم على أمر عظيم .. أريد أن أقوم بين يدي الله عز وجل " .


    حي القلب تُبكيه الذنوب : نظر حذيفة المرعشي إلى رجل يبكي فقال : ما يبكيك يا فتى؟ قال : ذكرت ذنوبا سلفت فبكيت. قال : فبكى حذيفة ثم قال : نعم يا أخي! فلمثل الذنوب فليُبكَ ، ثم أخذ بيده فتنحيا فجعلا يبكيان!


    حي القلب يزعجه الختام فيبكي : قال محسن بن موسى : كنت عديل سفيان الثوري إلى مكة فرأيته يكثر البكاء فقلت له : يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذنوب ؟ قال : فأخذ عودا من المحمل فرمي به فقال : " إن ذنوبي أهون علي من هذا ، ولكني أخاف أن أسلب التوحيد " .


    حي القلب يبكي شوقا وقلقا : قال عبد الواحد بن زيد :

    " يا إخوتاه! ألا تبكون شوقا إلى الله؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه ..
    يا إخوتاه! ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها ..
    يا إخوتاه! ألا تبكون خوفا من العطش يوم القيامة؟ ألا إنه من بكى خوفا من ذلك سُقِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ..

    يا إخوتاه! ألا تبكون؟ بلى فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " ،

    ثم جعل يبكي حتى غُشِي عليه! .



    ثانيا: يدلك على الله مقاله :

    كلماته تقتات من قلبه ودمه... وتنبع من أعماقه.. فتصل إلى القلب حية متصلة مؤثرة..!

    قال بشر الحافي : بحسبك أن قوماً موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأن قوماً أحياء تـقسو القلوب برؤيتهم..!

    قال الشهيد سيد قطب : إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا.. ولكن بشرط واحد : أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم.. أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم... أن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة.. حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية.. وعاشت بين الأحياء..!


    فإلى الذين يجلسون إلى مكاتبهم ، يكدون قرائحهم ، لينتقوا اللفظ الأنيق ، وينمقوا العبارة الرنانة ، ويلفقوا الأخيلة البراقة ...


    إلى هؤلاء أتوجه بالنصيحة : وفروا عليكم كل هذا العناء ، فإن ومضة الروح ، وإشراق القلب ، بالنار المقدسة ، نار الإيمان بالفكرة... هو وحده سبب الحياة .. حياة الكلمات وحياة العبارات..!


    ثالثا : صحبتك من هو أفضل منك :

    .. وانظروا كيف حرص كل صالح -مهما بلغ من صلاحه- على صحبة من هو أفضل منه ، وما لهذا المبدأ من أثر رائع لا يُتصوَّر ،

    فسفيان الثوري الذي كان يُشبَّه في زمانه بأبي بكر وعمر في زمانهما يقول :

    " إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل عبد الله بن المبارك ، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام "لكن من هو عبد الله بن المبارك؟!


    عبد الله بن المبارك إمام من أئمة السلف ، ثري من أرباب الأموال ، لكنه مع هذا زاهد مجاهد ، عالم محدِّث حافظ ، فضائله لا تُحصى ، جمع خصائل الخير كلها وحاز من الفضل أعلاه ، ويكفيك أن تعلم أنه حين اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى ومخلد بن الحسين ومحمد بن النضر قالوا : تعالوا حتى نعُدَّ خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا :

    العلم ، والفقه ، والأدب ، والنحو ، واللغة ، والزهد ، والشعر ، والفصاحة ، وقيام الليل ، والعبادة ، والحج ، والغزو ، والشجاعة ، والفروسية ، والقوة ، وترك الكلام فيما لا يعنيه ، والإنصاف ، وقلة الخلاف على أصحابه " .


    لذا وجب على سفيان مع جلال قدره وعلو شأنه أن يقتدي بهذه المنظومة الشمولية النادرة المتفرِّدة ، لكن بمن كان يقتدي أمثال عبد الله بن المبارك إذا أصابهم الفتور وحلَّ عليه التعب من مواصلة السير؟!


    قال ابن المبارك يوما :

    " إذا نظرت إلى فضيل بن عياض جُدِّد لي الحزن ومقتُّ نفسي " ، ثم بكى .
    وكذلك كان الربيع بن خيثم يقارن نفسه دوما بمن هو أعلى وأتقى ، وهل هناك من هو أعلى من ذلك وأرقى؟! فيبكي حتى يبل لحيته من دموعه ويقول : " أدركنا قوما كنا في جنوبهم لصوصا " ،

    وإذا كان الربيع يرى نفسه لصا في جنب هؤلاء فماذا أكون أنا وأنت ؟؟!! ..


    يتبع إن شاء الله ...
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    فقه الدموع والخشوع (5)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:08

    فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق..!


    فقه الدموع والخشوع (5):



    قال ابن عطاء الله السكندري:

    (ربما وردت عليك الأنوار، فوجدت القلب محشوا بصور الآثار، فارتحلت من حيث نزلت.. فرغ قلبك من الأغيار، تملؤه بالمعارف والأسرار..)


    البداية الصحيحة في فقه الدموع والخشوع هي التركيز على تنقية وتزكية القلب وخطورة الفشل في إصلاحه : ( كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن)..



    إيمانهم لا يجاوز حناجرهم : ذلك أن القرآن لا يحدث تأثيرا إيجابيا في القلب-من خشوع ودموع- إذا كان مريضا بباطن الإثم : من رياء وعجب وكبر وحسد وحب دنيا.. فلابد من التخلية ثم التحلية : ( كان يفرغنا ثم يملؤنا ).


    في ظلال فقه القلب:

    عن أبي الدرداء قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم : فشخص ببصره إلى السماء ، ثم قال : هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدرون منه على شيء..! فقال زياد بن لبيد الأنصاري :

    كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن..! فو الله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثكلتك أمك ، يا زياد إن كنت أعدك من فقهاء المدينة ، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم..!)


    قال جبير فلقيت عبادة بن الصامت ، فقلت : ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء ، فأخبرته بالذي قال ، فقال : صدق ، إن شئت حدثتك بأول علم يرفع من الناس الخشوع : يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا..!..
    (أخرجه الترمذي بإسناد حسن غريب).


    فقه القلب : هو أول علم يختلس ويفقد ويرفع حتى لا يقدر الناس منه على شيء .. ويبقى علم اللسان : قلب بلا خشوع .. وعين بلا دموع .. وخط بلا وضوح..!


    (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ..!))


    لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين :


    يقول حجة الإسلام الغزالي في موسوعته القلبية : عجائب القلب..!

    1-اللحم الصنوبري الشكل ،

    المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهو لحم مخصوص ، وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ، ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته ؛ إذ يتعلق به غرض الأطباء ، ولا يتعلق به الأغراض الدينية ، وهذا القلب موجود للبهائم ؛ بل هو موجود للميت ، ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك ، فإنه قطعة لحم لا قدر له ، وهو من عالم الملك والشهادة ، إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين.

    2-هو لطيفة ربانية روحانية

    لها بهذا القلب الجسماني تعلق ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان ، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ، ولها علاقة مع القلب الجسماني " .

    والمقصود : إذا أطلقنا لفظ القلب أردنا به المعنى الثاني ، وهدفنا هو ذكر أوصاف الروح وأحوالها التي تعتبر سرا مغلقا ، والتعرض لأصناف النفوس وتقلباتها رغم أنها أمر مبهم ، ورغم أن آيات وأحاديث القلب قد يشتبه في بعضها الأمر ويتبادر إلى الذهن أنها مرتبطة بالقلب العضلي ، إلا أن المقصود منها على الحقيقة : القلب المعنوي كما قال الإمام الغزالي :

    " وحيث ورد في القرآن والسنّة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ، ويعرف حقيقة الأشياء ، وقد يُكنى عنه بالقلب الذي في الصدر ؛ لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة
    "


    القلب هو النقطة الملتهبة وبؤرة الصراع والحسم:


    وقد أدرك الشيطان دور القلب ومكانه فلم يضيِّع وقته في معارك جانبية أو مناوشات هامشية ، بل صوَّب جهده نحو هدف واحد وغاية ثابتة.


    قال ابن القيِّم :
    "
    ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه ؛ أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وزيَّن له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق ، وأمدَّه من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق " .

    فالقلب هو الهدف المشترك بين الملك والشيطان ، كلاهما يستهدفه ، فهو موضع الصراع ، والنقطة الملتهبة ، وساحة القتال ، وأرض المعركة ،

    ونتيجة هذه المعركة : إما هداية القلب وحياته ، وإما قساوته وموته وهلاكه
    ، فواعجبا ممن أخذ نصيحة العدو ، وردّ وصية الحبيب ، واشترى صداقة الشيطان بعداوة الملائكة ، وأعلن الحرب على ما تبقى من إيمانه بالتعاون مع عدوه اللدود ، وهي صيحة التعجب التي سبق وأن أطلقها ابن الجوزي حين قال :

    كيف طابت نفسك أن تكون ظهيرا لفئة النفس على فئة القلب ، وفئة القلب مؤمنة وفئة النفس كافرة؟..


    فقه الدموع والخشوع لا يستقر في قلب ملوث .. مشحون بصور الآثار:


    قال ابن القيِّم :
    " فالجنة لا يدخلها خبيث ، ولا مَن فيه شيء من الخبث ، فمن تطهَّر في الدنيا ولقي الله طاهراً من نجاساته دخلها بغير معوِّق ، ومن لم يتطهر في الدنيا ؛ فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال ، وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من تلك النجاسة ، ثم يخرج منها حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة ، ولم توجب لهم دخول النار ، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أُذِن لهم في دخول الجنة "



    وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد قال :
    (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة )
    ، فإن أبا حامد الغزالي : قد تأمل في هذا الحديث تأملا عميقا فقال :
    "
    والقلب بيت هو منزل الملائكة ، ومهبط أثرهم ، ومحل استقرارهم ،
    والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة ، فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ، ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب إلا بواسطة الملائكة


    ، (( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء)) ، وهكذا ما يرسل من رحمة العلوم إلى القلوب إنما تتولاها الملائكة الموكلون بها ،

    وهم المقدسون المطهرون المبرءون عن الصفات المذمومات ، فلا يلاحظون إلا طيبا ، ولا يعمرون بما عندهم من خزائن رحمة الله إلا طيبا طاهرا " .


    تأمل جيدا قوله تعالى:


    (( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا،فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ))


    يقول العلامة الشيخ سعيد حوى :

    القرآن بالنسبة للذين في قلوبهم مرض يحدث تأثيرا عكسيا فبدلا أن يكون عامل زيادة إيمان في حقهم يكون عامل زيادة في المرض والقسوة..


    قال سفيان الثوري:

    إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل فلا تعلِّموه ، فإنَّ من لم يعمل بعلمه كشجرة الحنظل كلما ازداد ريا بالماء ازداد مرارة ، وإذا رأيتموه يُخلِّط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع ، فكُفُّوا عن تعليمه تخفيفا للحجة عليه غدا..!


    .فإذا ما أردنا أن يلامس القرآن القلب ملامسة صحيحة .. فعلينا أن نطبب هذا القلب أولا.. وعلى هذا فأهم نقطة يركز عليها المربي منذ الابتداء هي إصلاح القلب ، والفشل في هذا الشأن يدل : إما على جهل المربي.. أو على عدم صدق المريد..أو على أن المنهج خاطئ أصلا..


    يقول الدكتور خالد أبو شادي:

    وطب القلوب من العلوم التي شحَّت في زماننا ، ونتج عنه المرض الذي عمَّ وانتشر حتى أصاب كثيرا من علمائنا وحاملي دوائنا ؛
    فحفظت أذهانهم الشروح والمتون ، ونسيت جوارحهم الهدى والمنون ، وقالت ألسنتهم أنهم عالمون ونطقت أفعالهم أنهم جاهلون.


    وأكثر علماء زماننا نوعان : نوع منكبٌ على حطام الدنيا لاهث وراءها ، لا يمل جمعها ، ويتقلب شهره ودهره في ملذاتها ، وقد أخذت دنياه بمجامع قلبه ، ولزمه خوف الفقر وحب التكاثر ؛ وأكثر هؤلاء دُفِع إلى ذلك دفعا وأُريد له أن ينشغل بالسعي وراء لقمة العيش والكدِّ من أجل الرزق وأُعطوا في مقابل ذلك الكفاف ؛ ليس غير الكفاف ، ليظلوا دوما غارقين في الإعصار ، دائرين في الرحى ، لا يبلغون ما يأملون ، ولا يتركون السعي إلى ما يطمحون ، وبذلك نسوا أسمى مهامهم وأشرفها وهي وراثة الأنبياء والقيام بوظيفة الرُّسل.


    ونوع آخر اختصر الطريق على نفسه ، ورضي بالحرام السهل ، والشبهة المربحة ، واتخذ الإيمان سلعة ، يبيع بعضه أو كله ، ويقبض الثمن توسعة وإكراما وإغداقا وأموالا ، أهل تصنُّع ودهاء ، وتزيُّن للمخلوقين .. ، يلتقطون الرُّخص ويفتون بها ، ديدنهم المداهنة .. ، ولذا عمَّ البلاء وعزَّ الدواء ،

    وقد سبق للعالم المجاهد عبد الله بن المبارك أن رأى أحد إخوانه يسلك أول هذا الطريق فقام بواجبه في النصح على الفور ، ومدَّ له يد العون ، وما أطيب سيرة رجل كابن المبارك كأريج الزهور تنقلها الريح من سهل إلى سهل ومن عصر إلى عصر متجاوزة حدود الزمان والمكان ، لتنقل لنا أنه لما قيل له : إن إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات كتب إليه ابن المبارك أبياتا من الشعر تصلح لكل زمان سرى فيه هذا الداء فقال :

    يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
    احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
    فصرت مجنونا بها بعد ما ... كنت دواءً للمجانين
    أين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين
    أين رواياتك والقول في ... لزوم أبواب السلاطين
    إن قلت أُكرهتُ فماذا كذا ... زلَّ حمار العلم في الطين

    فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى .


    وإن كان لموت القلب علامات تختلف من شخص إلى آخر ومن مهنة إلى أخرى ؛ فإن أبرز علامات موت قلب العلماء وأشهرها هي ما عرفناه من مالك بن دينار:

    الذي قال :

    سألتُ الحسن : ما عقوبة العالم ؟ قال : موت القلب . قلت : وما موت القلب؟ قال : طلب الدنيا بعمل الآخرة .
    وسمَّاهم ربيعة الرأي : بالسفلة وسفلة السفلة ، فقد روى مالك بن أنس: "


    قال لي أستاذي ربيعة الرأي : يا مالك! من السفلة ؟ قلت : من أكل بدينه ، فقال : فمن سفلة السفلة ؟ قال : من أصلح دنيا غيره بفساد دينه ..

    أظهروا لله دينا وعلى الدينار داروا وله صاموا وصلوا
    وله حجوا وزاروا لو بدا فوق الثريا ولهم ريش لطاروا


    عالم السوء الذي لا يعمل بعلمه فتنة ووبال على نفسه وغيره ، ومَثَله مثل صخرة وقفت في فم النهر ؛ لا هي تشرب ولا هي تدع الماء يخلص إلى الزرع ..


    إن الفقيه إذا غوى وأطاعه .... قوم غووا معه فضاع وضيَّعا
    مِثل السفينة إن هوت في لجة .... تغرقْ ويغرقُ كل من فيها معا..!.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (1)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:10


    الشيخ الأستاذ حديبي المدني

    إن تغــب شمــس النهــار بليـل... فشمـس القلـوب ليسـت تغيــب..!



    يقول تاج الربانيين ابن عطاء الله السكندري: "قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم، وقوم تتساوى أذكارهم وأنوارهم، وقوم لا أذكار ولا أنوار نعوذ بالله من ذلك، ذاكر ذكر ليستنير قلبه فكان ذاكرا، وذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا والذي استوت أذكاره وأنواره فبذكره يهتدي وبنوره يقتدي..أكرمك ثلاث كرامات، جعلك ذاكرا له، و لولا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك، و جعلك مذكورا به إذ حقق نسبته لديك، و جعلك مذكورا عنده ليتم نعمته عليك."

    و يقول الإمام الملهم الشهيد : "..أنتم قليل مستضعفون في الأرض، فقراء من المال، عزّل من القوة، فليس لكم من سلاح إلا الصلة بالله والاستمداد منه والإيمان العميق به، فإذا سلمت لكم هذه الناحية فقد سلم لكم كل شيء: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 160)، فاجتهدوا أن تكونوا كذلك ولا تقولوا كيف؟ فالطريقة واضحة، كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قوادًا، فستصل بكم العبادة إلى أفضل قيادة، واحذروا أن تعكسوا القضية كما يفعل الناس، يطلبون القيادة قبل أن تسلم لهم ناحية العبادة فيخضعون أو يصلون فيضطربون، وأشربوا نفوسكم الحديث القدسي: مَن آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب.. وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه" (أخرجه البخاري). ففي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55).

    فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا
    وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا
    ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ... نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا
    ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا
    وخذ منهم زادا إليهم وسر على ... طريق الهدى والفقر تصبح واصلا
    وخذ قبسا من نورهم ثم سر به ... فنورهم يهديك ليس المشاعلا
    وحي على جنات عدن بقربهم ... منازلك الأولى بها كنت نازلا
    ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا

    فدعها رسوما دارسات فما بها ... مقيل فجاوزها فليست منازلا
    رسوم عفت يفنى بها الخلق كم بها ... قتيل ؟ وكم فيها لذا الخلق قاتلا
    وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... عليه سرى وفد المحبة آهلا
    وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا
    فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا


    الأوراد الربانية هي غذاء العبودية وزاد الروح وقوت القلوب والأنوار التي نقتبس منها النصر والثبات والتمكين.. ولأمر ما كان القائد الرباني صلاح الدين الأيوبي يتفقد جنده.. فالخيمة التي لا يسمع فيها تلاوة أو ذكر أو قيام أو دعاء... يقول عنها:من هنا ستأتيننا الهزيمة.. أو سنؤتى من قبل هذه الخيمة..!

    يقول الشيخ سعيد حوى رحمه الله : "الورد هو ما رتبته على نفسك من أنواع الطاعات والعبادات والوارد هو ما يكرم الله عز وجل به قلبك من فيوضات و أنوار ومعان ولطائف.."

    إن الله عز وجل فرض على المسلم فرائض متنوعة، وطالبه بأعمال كثيرة؛ لأن القلب البشري يحتاج إلى أنواع من الواردات المتعددة؛ فلكل عمل آثاره في القلب إذا صحت النية، وصلاح القلب بالقيام بالأعمال كلها، فكل عمل يخلف نوعا من الأحوال في القلب وكل حال يحتاج إلى نوع من العمل الصالح حتى يكون...!

    وقال ابن عطاء : "من علامات اتساع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات." و في ذلك إشارة إلى أن المسلم عليه ألا يفرط في فريضة على حساب نافلة، وهي قضية يغفل عنها أكثر الخلق، فأكثر الخلق يجهلون فرائض الوقت – وما أكثرها – ويستغرقون بأمور هي من باب المباحات، وبعضها من باب البدع، ويظنون أنفسهم أنهم يحسنون صنعا.


    شرارة الإبداع والإيجابية تنطلق من مسجد ومحراب

    كثير من إخواننا يشتكون سلبية وكسلا وفتورا ورتابة وروتينا.. والعلاج السريع والحاسم لهذه الأمراض هو تقوية الصلة بالله وإمداد القلب بالماء الطيب الذي هو الآثار النورانية للدورات الروحية والأوراد الربانية اليومية ..

    خذ مثلا المحافظة على صلاة الفجر جماعة بالمسجد وأثرها القوي في تزويدنا بالحيوية والنشاط والبركة والفورية والفعالية والإيجابية:

    عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب على كل عقدة ، عليك ليل طويل فارقد ،فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" ( متفق عليه )

    إنها غنيمة حسية مهمة، أثرها ظاهر بل باهر ، وفائدتها أكيدة بل فريدة ، تأمل معي قوله – صلى الله عليه وسلم - فيمن ذكر وتطهر وصلى الفجر: ( أصبح نشيط النفس ) إن افتتاح اليوم بالذكر والطاعة يجعلك منشرح الصدر ، طيّب الخاطر، قوي العزم ، متجدد النشاط ، تنطلق وفي محياك وسامة ، وعلى ثغرك ابتسامة ، وينفرج – بإذن الله – كربك ، ويزول-بعون الله- همّك ، وترى من نفسك على الخير إقبالاً، وللطاعة امتثالاً، وتجد الأمور ميسرة، والصعاب مذللة، يلقاك التوفيق مع بشائر النهار، ويصحبك النجاح في سائر الأحوال.

    وانظر - أخي- إلى من حرم هذه النعمة ، وفاتته تلك المنة .. انظر إليه وقد أصبح في غفلة فإذا هو " خبيث النفس كسلان" ، لا يصحوا إلا متثاقلاً ، وتراه مكدر الخاطر ، ضيق الصدر ، فاتر العزم ، تنظر إليه فكأنما جمع همَّ الدنيا بين عينيه ، وكثيراً ما تتعسر أموره ، وتتعثر مقاصده ، إنه يكون خبيث النفس بسبب" إتمام خديعة الشيطان عليه" ويكون كسلاناً أي متثاقلاً عن الخيرات لا تكاد تسخو نفسه ولا تخف عليها صلاة ، ولا غيرها من القربات ، وربما يحمله ذلك إلى تضييع الواجبات .

    يقول صاحب المسار: "كلا، بل علينا أن نوازن ولا نجعل اللبث في المساجد ضامرًا، فإن خريج المسجد غالبا ما يكون عاقلا رزنا مترويا، ذائقا لثمرات الإيمان، ذاتي الاندفاع، ليس بالمطيع فقط، ولكنه المبتكر، ولا السائر بحركة مسيرة أصحابه فحسب، ولكنه المتقدم الحادي."

    كأننا أيها الإخوة نلمس تكبرا على المسجد عند بعض جدد المصلين المثقفين والجامعيين، يدخلونه وقت الفرض فقط، ويأنسون بالمجالس خارجه، وربما كانت هذه الظاهرة ناتجة عن الدعاية العرفية التي تعلي مكانة الجامعة في تطوير المجتمع، فتأخذ طالبها وخريجها نشوة جاهلية تختلط بصلاته، ومن اللائق أن نرده إلى قيمته الحقيقية، وأن ندله على طريق البداية الإيمانية الذي لا بد وأن يمر بالمسجد طويلا.

    إن العيش في المجتمع العام، والتفاعل مع أحداثه، قد يستهلكان المخزون الإيماني الذي يملكه المدعو، فيقف عطاؤه عند حد ويفلس، وعلاج ذلك: أن نجعل له موردا دائما تتكفل به حياة المسجد، وما فيها من سكون وصفاء نفس، ورحمة متنزلة وإلهام.

    إن الأعمال اليومية التي ينشغل المدعو بها، كالانتخابات الطلابية والرحلات وأمثالها، إنما هي وسيلة لا غاية، ولا يرتقي فهم المدعو لطبيعتها إلى درجة فهمنا، وقد ينغمس فيها انغماسا كاملا لا يبقى له وقتا لتربية نفسه على معاني الإيمان فيتربى سياسيًا وعمليا دون أن يكافئ ذلك جانب من العمل الفقهي، والرسوخ الخلقي، والتطوع العبادي، وهذه الحالة تتيح لك الانتفاع منه وقتيا وتعدم عليك الانتفاع منه في المستقبل، إذ سينشأ جافًا، تعوزه رقة القلب،..

    من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية

    هذا الشيخ العلامة ابن تيمية رحمه الله يصلي الفجر...ويمكث يذكر الله إلى أن تتعالى الشمس.. ويقول: "لولا هذه الجلسة لخارت قوتي ولضعفت نفسي..."

    فانظر رحمك الله إلى أهمية الذكر بعد صلاة الصبح وأثره في الثبات والإيجابية والفورية والمبادأة والحفظ من التساقط على طريق الدعوة..!

    ..إن كانت هذه طريقتكم فما أعجزها عن الوصول إلى ما تريدون:

    وتأمل معي قصة الشيخ الرباني مع الإمام المجدد حسن البنا: "رأيته شيخًا أشيب قد اجتاز مراحل العمر، وخطا إلى الآخرة، جلست إليه في صفح نهار، في صفاء من الوقت، وغفوة من الزمن، ورقة في الروح، وقد أشرق محياه يلمع بالصلاح والتقوى وصلة القلب بالله، وإن كان مغمورًا في طوايا المجتمع، خامل الذكر بين الناس تحدثتُ إليه قال: ما اسم جمعيتكم؟ قلت له: إننا لسنا جمعية، ولكن إخوان في الله فقط نجتمع على عقيدة وفكرة ونحاول أن نحققها في أنفسنا، ثم نقنع بها الناس، وليست فكرتنا إلا أن تفهم الإسلام والعمل به وحمل الناس عليه!

    هل تقوم الليل؟!
    قال: جميل.
    ومن يدرس لكم في داركم؟
    قلت له: قد أتحدث إلى الإخوان في كثير من الأحيان، فسكت هنيهة ثم رفع إليَّ بصره وسأل وهل تقوم الليل؟
    قلت له: وماذا تنتظر في جواب على سؤالك هذا؟ أنفسنا بيد الله إن شاء بعثها وإن شاء أمسكها !
    فقال: صدق الله ورسوله وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.


    يا أخي، إن تربية الأرواح وتزكية النفوس وقيادة القلوب، لا تأتي بهذه الألفاظ تردد، ولا بتلك القواعد تدرس، ولا بالنظريات تلقى، وإن هذه إن أفادت العقل والعلم فإنها بمعزل عن الشعور والروحانية والخلق، وإن الجماعات في حاجة إلى أرواحها وأخلاقها أولاً، وإن هؤلاء الذين يحاولون الصلاح الخلقي عن طريق الكتب وحدها مخدوعون خادعون، فإن كانت هذه طريقتكم فما أعجزها عن الوصول إلى ما تريدون.

    ليس هذا الصلاح النفساني الذي تنشدون إلا طريقًا واحدةً؛ طريق القدوة الحسنة الموصولة بالله المستمدة من فيضه وفضله وليس لهذه القدوة إلا مكابدة الليل، ومصاحبة القيام، والمناجاة في الغسق، وأنت تقرأ القرآن وتسمع قول الله تبارك وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾ (المزمل).

    فاقد الشيء لا يعطيه

    فاقد الشيء لا يعطيه، والقلب المنقطع الصلة بالله كيف يسير بالخلق إليه، والتاجر الذي لا يملك رأس المال من أين يربح، والمعلم الذي لا يعرف منهاجه كيف يدرسه لسواه، والعاجز عن قيادة نفسه كيف يقود غيره، ما أشد حاجتكم إلى هذا الصنف من الجهاد؟ إن استطعت أن يكون هذا هو كل ما تحمل عليه من عاهدوك على العمل فهو نجاح ما بعده نجاح، ولقد كان أصحاب محمد رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار أفترى إحداهما انفكت عن الأخرى؟

    اجتهد يا أخي ما استطعت أن تغترف من ذخائر الليل ما توزعه على إخوانك بالنهار، ثم استأذن وقام يتوكأ على عصاه وانساب في هذا المزدحم من الناس، وما زلت أشيعه بقلب واعٍ حتى غاب...!

    الوصفة العملية لتجسيد هذه المعاني الربانية التي كنا ندندن حولها:

    هو إقامة دورة روحية في ظلال العشر الأولى من ذي الحجة مثلا :

    1-صيام التسع من ذي الحجة..أو على الأقل:صيام يوم عرفة.. صيام جماعي وإفطار جماعي..وقيام أو تهجد جماعي.
    2-المحافظة على الصلوات الخمس جماعة بالمسجد...وخاصة صلاة الفجر.
    3-ختم القرآن: تلاوة وفهما وتدبرا وخشوعا ودموعا...
    4-المكث بالمسجد بعد صلاة الفجر: للذكر القلبي واللساني...ثم نصلي ركعتي الإشراق.. قدر المستطاع
    5-المحافظة على النوافل بالبيت، على الأقل: اثنتا عشرة ركعة.. و صلاة الضحى والتسابيح...
    6-مطالعة كتب الرقائق: تهذيب المدارج.. أو شرح الحكم العطائية.. أو رد إلي روحي للدكتور خالد أبو شادي.
    7-الاستغفار بالأسحار...والمناجاة والدعاء..



    المراجع:
    - الغنائم أيها النائم.
    - المسار

    يتبع ...
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (2)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:11

    خل الهوى لأناس يعرفون به ... قد كابدوا الحب حتى لان أصعبه..!


    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (2)



    يقول تاج الربانيين ابن عطاء الله في مناجاته الربانية:

    (.. يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه متملقين ، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين ، أنت الذاكر قبل الذاكرين ، وأنت البادي بالإحسان قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء قبل طلب الطالبين ، وأنت الوهاب ، ثم لما وهبت لنا من المستقرضين..!)


    أيا صاحبي ، أما ترى نارهم؟... فقال : تريني ما لا أرى
    سقاك الغرام ، ولم يسقني... فأبصرت ما لم أكن مبصرا


    يقول طبيب القلوب ابن القيم:

    ( في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه ، والفرار إليه . وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه ، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه ، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبتهوالإنابة إليه ، ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا...! )


    أيتها السعادة والطمأنينة والسكينة :


    بحث عنك الملوك في قصورهم فلم يجدوا إلا الغدر والمكر والخيانة والكراهية... وبحث عنك الفلاسفة في برجهم العاجي وجمهوريتهم الأفلاطونية الفاضلة فلم يحصلوا إلا على سراب وتجريد وخيال وأوهام... وبحث عنك الشعراء في غزلهم ببثينى وليلى ومي: فلم يعثروا إلا على وحل وطين ، ولوعة وحرقة وجنون...


    وبحث عنك الأغنياء في قناطيرهم المقنطرة من الذهب والفضة فلم يجدوا إلا القلق والحيرة والشقاء تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) .. وبحث عنك المغنون والممثلون والمشاهير في وميض الكاميرا وآلات التصوير وهتاف وتصفيق المعجبين فمات الكثير منهم حزنا و كمدا وانتحارا..!


    أهل الجنة ليسوا سعداء :

    (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )) :

    المشاهير هم: أصحاب السيارات الفارهة والبيوت الكبيرة وأرصدة البنوك .. وهم أصحاب الأضواء والشهرة والمعجبين ، وفرسان اللقاءات التلفزيونية والمقابلات الصحفية .. ثم نعجب بعد ذلك إذا علمنا أن كثيراً من المشاهير مصابون باكتئابات مزمنة، وقلق وأمراض نفسية عديدة، أودت بكثير منهم إلى نهايات مأساوية لم يكن الانتحار أكثرها شناعة:

    1ـ الحياة أصبحت كئيبة: لا ينسى العالم اسم الروائي الأمريكي الشهير: ( أرنست همنجواي:
    الذي حاز بروايته الرائعة ( الشيخ والبحر ) جائزة نوبل للآداب، حيث أصبح بعد ذلك من رواد الأدب العالمي، وبلغت شهرته الآفاق بكتابته للأدب الإنساني الراقي، الذي يصبه في قوالب روائية جميلة، ولكن همنجواي وجد نفسه وحيداً في آخر حياته رغم شهرته الواسعة بين الناس، وبدأ المرض يفتك به، فقرر الخلاص من الحياة بطريقته الخاصة، وذلك عن طريق بندقية قديمة كان يملكها، حيث وجهها إلى رأسه وأطلق النار ليخر صريعاً، وليصحوا العالم صباح أحد أيام 1961 م على خبر انتحار الروائي الأمريكي الشهير .

    2 ـ قال للإنسان : دع القلق وابدأ الحياة .. ثم انتحر:
    وكثير منا يعرف الكاتب الأمريكي : دايل كارينجي:صاحب أروع الكتب في فن التعامل مع الناس، وصاحب أكثر الكتب مبيعاً في العالم، حيث بيعت ملايين النسخ من كتبه، وترجمت إلى أكثر اللغات العالمية، فهو صاحب كتاب [ كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس ] وكتاب: ( دع القلق وابدأ الحياة ).

    وقد وضع قواعد رائعة في كيفية طرد القلق والانطلاق في الحياة العامة بكل سعادة وثقة .

    ولكن كل ذلك لم يمنع القلق من أن يسيطر على حياة كارينجي ، فعصفت الكآبة بحياته ، وسادت التعاسة والشقاء أيامه ، فقرر هو أيضاً التخلص من حياته عن طريق الانتحار . وكان له ذلك .


    3 ـ كذلك الفنان الهولندي الشهير ( فان غوخ ) : والذي تباع لوحاته اليوم في مزادات لندن وباريس بملايين الدولارات. وقد بيعت أخيراً لوحته الشهيرة " زهور عباد الشمس " بستين مليون دولار .


    وكان قد بدأ حياته قسيساً، ثم تحول إلى الرسم، واحترف هذا الفن حتى أصبح من أبرز الأسماء اللامعة عالمياً في مجال الفن التشكيلي، لكن ذلك لم يحقق له السعادة التي كان يطلبها ويتمناها، وأراد أن يضع حداً للشقاء النفسي الذي كان يعانيه، وكان ذلك في يوم 29 يوليو 1980 م، حيث أمسك مسدسه وأطلق على نفسه الرصاص ليموت بعد ذلك بيومين، ووضعت زهور عباد الشمس التي كان يرسمها على قبره.


    4 ـ وفي العالم العربي هناك العديد من الأسماء الشهيرة التي أنهت حياتها بالانتحار بسبب الخواء النفسي التي كانت تعانيه .. نذكر من أشهرها الكاتب المصري : إسماعيل أدهم: ذلك الشاب الذي حصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة موسكو أيام فورة الشيوعية الماركسية .

    لذلك فعندما رجع إلى بلاده كان قد امتلئ بالنظريات الماركسية حول الحياة والكون والتاريخ، وألف فيها عدداً من الكتب كان أشهرها كتابه [ لماذا أنا ملحد ] الذي أثار ضجة كبرى في الساحة الثقافية آنذاك .


    وكان إسماعيل أدهم، يجيد عدداً من اللغات، وله كثير من الدراسات والكتب والبحوث، لكنه كره الحياة التي لا تنتهي إلى شيء .. فكانت النهاية .. !! ففي يوم 23 يوليو 1940 هـ فوجئت الأوساط العلمية والثقافية بخبر انتحار الدكتور إسماعيل أدهم بإلقاء نفسه في البحر على شاطئ الإسكندرية، حيث وجدت جثته، ووجدت في ملابسه رسالة تؤكد انتحاره بسبب سأمه من الحياة .


    5 ـ أما الشاعر اللبناني : خليل حاوي: فقد اختار نفس النهاية، فبعد ما سمع وهو في منفاه في استراليا بخبر اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان وحصاره لبيروت عام 1982 م أصابه حزن عميق، وساده القنوط، فقرر الانتحار لإنهاء حياة العذاب التي كان يعانيها .. وأطلق الرصاص على نفسه .


    6 ـ كريستينان أوناسيس: كانت من الأسماء اللامعة قبل عقود من الزمن:
    فهي ابنة الملياردير اليوناني أوناسيس صاحب الجزر والأساطيل البحرية والطائرات والمليارات، الذي يعد من أكبر أثرياء العالم .. ولأن كريستينان وريثته الوحيدة فقد ورثت عن أبيها كل ثروته الهائلة، إلا أن ذلك لم يحقق لها السعادة التي تبحث عنها، فقد تزوجت عدداً من المرات، وكان زواجها الأخير من أحد الشيوعين، حيث سئمت حياة الترف والثروة، وذهبت لتعيش مع زوجها في منزل متهالك في أحد أحياء موسكو الفقيرة، إلا أن الفشل لاحقها في هذا الزواج أيضاً، ففارقت زوجها بعد أن أصيبت باكتئاب مزمن وحزن مرضي متصل، ولم تستطع الثروة والمال أن تحقق لها أبسط معاني السعادة الإنسانية، وأقل درجات الرضا والطمأنينة، فقررت الانتحار . ووجدت ميتة على أحد السواحل الأرجنتينية، بعدما ابتلعت عدداً كبيراً من الحبوب المنومة، وكان عمرها آنذاك سبعة وثلاثين عاماً فقط .


    7 ـ داليدا قبل أن تنتحر : الحياة لا تحتمل .. سامحوني ..!
    نفس النهاية اختارتها المغنية العربية : داليدا :
    خرجت داليدا من أحد الأحياء الشعبية في القاهرة لتسافر إلى فرنسا عام 1956 م، وحققت هناك شهرة واسعة لم تصل إليها أي مغنية عربية من قبل، وباعت على مدى عشرين عاماً ما يزيد على 85 مليون شريط لـ 600 أغنية بثمان لغات، وحصدت الكثير من الجوائز والأوسمة العالمية، لكنها مع ذلك ضاقت بالحياة، وسئمت الأضواء، واستسلمت لليأس، وأرادت النهاية، حيث استيقظ العالم في أحد أيام 1987 م على خبر انتحار المغنية داليدا لالتهامها عدداً كبيراً من الأقراص المنومة، ووجدت بجانبها رسالة تقول فيها " الحياة لا تحتمل .. سامحوني " .


    8 ـ ولا ننسى : مارلين مونرو: نجمة السينما الأمريكية الأكثر شهرة عالمياً، تلك التي تربعت على عرش السينما العالمية سنين طويلة، ودخلت البيت الأبيض بارتباطها بعلاقات محرمة مع الرئيس الأمريكي جون كيندي ومع أخيه روبرت .... وحتى اليوم : ما زال الإعلام يتكلم عنها في كل ذكرى لوفاتها، وما زالت كثير من صورها تباع حتى اليوم بالملايين، حتى صارت أشبه بالأسطورة السينمائية التي يمجدها الغرب في كل مناسبة ..


    لكن مارلين مونرو رغم شهرتها الواسعة عالمياً كانت غير سعيدة، وصرحت بذلك عدداً من المرات . وكانت مصابة بقلق حاد وكآبة مستمرة، بل أصيبت في آخر أيامها بالهستيريا . ولم تطق ذلك العذاب .. وبعد أيام صعق المجتمع الأمريكي بخبر انتحار مارلين مونرو نجمة السينما الأمريكية وهي أوج شهرتها، وذلك بالتهامها الكثير من الحبوب المنومة .


    9 ـ الكثير من الأسماء يمكن إضافتها إلى هذه القافلة البائسة، مثل الروائية :الإنجليزية الشهيرة : فرجينيا وولف : حيث أخذت طريقها في البحر ووضعت حجراً ثقيلاً في ملابسها، وألقت بنفسها في البحر، ولم تكتشف جثتها إلا بعد ثلاثة أيام، وكانت قد تركت لزوجها رسالة تقول فيها : " سأفعل ما أراه أفضل .


    10 ـ أيضاً الدكتورة : درية شفيق : التي حصلت على الدكتوراه من باريس، وأسست أول حزب نسائي في مصر، وأصدرت عدداً من المجلات، وقادت الثورات والمظاهرات المطالبة بتحرير المرأة، ثم كانت نهايتها بأن ألقت من شقتها في الدور السادس .


    يقول ابن القيم:

    ( وهل النعيم إلا نعيم القلب وهل العذاب إلا عذاب القلب ، وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فانه يسومه سوء العذاب فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات :
    1- في هذه الدار فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل..
    2- فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته والتنغيص والتنكيد عليه وأنواع المعارضات..
    3- فإذا سلبه اشتد عذابه عليه..!: فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار .. وأما في البرزخ : فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجي عوده وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الأكباد فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر..! )

    فالسعادة لا تشترى بالمال ولا بالشهرة إنما السعادة الحقيقة تكون بمحبة الله والإقبال عليه والانكسار بين يديه : (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [سورة النحل:16).


    (.. يوم ينتهي الحب يقع الهجر والقطيعة في العالم ، وسوء الظن والريبة في الأنفس ، والانقباض والعبوس في الوجوه ، يوم ينتهي الحب لا يفهم الطالب كلام معلمه العربي المبين ، ولا تذعن المرأة لزوجها ولو سألها شربة ماء ، ولا يحنو الأب على ابنه ولو كان في شدق الأسد ، يوم ينتهي الحب تهجر النحلة الزهر ، والعصفور الروض ، والحمام الغدير ، يوم ينتهي الحب تقوم الحروب ، ويشتعل القتال ، وتدمر القلاع ، وتدك الحصون ، وتذهب الأنفس والأموال ، ويوم ينتهي الحب تصبح الدنيا قاعا صفصفاً ، والوثائق صحفا فارغة ، والبراهين أساطير ، والمثل ترهات ! . لا حياة إلا بالحب ، ولا عيش إلا بالحب ، لا بقاء إلا بالحب...!)


    جنة المؤمن في محرابه :


    وجدها في ظلال الأسحار والدمع المدرار: ( والذين آمنوا أشد حبا لله)...ووجدها الداعية وهو يعيش مع : ( جماع من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله فينتقونه كما ينتقي آكل التمر أطايبه)...( أين المتحابون في جلالي اليوم أظلهم في ظلي لا ظل إلا ظلي)..( المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء).. أيها الحب الطاهر: لقد جمعت بين سلمان الفارسي-( سلمان منا أهل البيت)-... وصهيب الرومي... وبلال الحبشي: ( بلال سيدنا واعتقه سيدنا)-.. وأبو بكر العربي... رضي الله عنهم جميعا..


    ( إذا أحببت شممت عطر الزهر ، ولمست لين الحرير ، وذقت حلاوة العسل ، ووجدت برد العافية ، وحصلت أشرف العلوم ، وعرفت أسرار الأشياء.. بالحب يثور النائم من لحافه الدافئ ، وفراشه الوثير لصلاة الفجر ، بالحب يتقدم المبارز إلى الموت مستثقلا الحياة ، بالحب تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا يقال إلا ما يرضي الرب ، الحب كالكهرباء في التيار يلمس الأسلاك فإذا النور ، ويصل الأجسام فإذا الدفء ، ويباشر المادة فإذا الإشعاع ، الحب كالجاذبية به يتحرك الفلك ، وتتصاحب الكواكب ، وتتآلف المجموعة الشمسية ، فلا يقع بينهما خصام ولا قتال ، بالحب تتآخى الشموس في المجرة فلا صدام هناك..!).



    هؤلاء هم السعداء حقا :

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

    ( لولا ثلاث لما أحببت البقاء : لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله ومكابدة الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر.. وقال معاذ رضي الله عنه عند موته : اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولا لنكح الأزواج ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر..!..)


    أي نعيم أحلى من هذا النعيم؟!:


    هناك نعيم من يرقص قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه واشتياقا إليه وارتياحا بحبه وطمأنينة بذكره حتى يقول بعضهم في حال نزعه : واطرباه.. ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب..!


    ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها ..! ويقول الآخر: لو علم الملوك .. وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة..!..

    .. يتبع إن شاء الله
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (3)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:12

    فأما الذي هو حبّ الهوى... فذكرُ شُغلت به عن سواكا..!



    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (3) :


    قال بعض الصالحين: (ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا بإتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب) . : (( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا...!))

    قلوب العارفين لها عيون ...... ترى ما لا يراه الناظرونا
    وألسنة بأسرار تنــــاجي... تغيب عن الكــــرام الكاتبينا
    وأجنحة تطير بغــير ريش... إلى ملكــــوت رب العالمينا
    فتسقيها شراب الصدق صرفا... وتشرب من كؤوس العارفينا..!


    الفتح والنصر والتأثير والتمكين لا يكون إلا من خلال لزوم المحاريب من وذكر واستغفار وتوبة.. وتغذية للقلب : بغذاء العبودية والمحبة والانكسار:
    (( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا* يرسل السماء عليكم مدرارا* ويمددكم بأموال وبنين* ويجعلكم جنات ويجعل لكم أنهارا..)) ..((ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم..))..((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..))..!

    فالحركة التي تريد أن تؤثر في الناس وتفتح عليها بركات من السماء والأرض وترزق حسن القبول..لا بد لها من قرع الباب وملازمة المحراب..!

    قال ابن الجوزي:

    (رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب ، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين ، لأنهم تناولوا مقصود النقل ، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق ، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء ، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟

    وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سببا لرقة قلبك) .

    ولذلك حذرنا في مناسبة أخرى من طريقة الفقهاء في تجريد دراسة الأحكام، حين:

    (جعلوا النظر جل اشتغالهم ، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير ، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة، ومسائل الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب).


    يقول الشيخ الراشد: وذلك لأن هذا النظر إنما يفتيك الفتاوى التي تحكم الجوارح والأبدان ، وذلك نصف الإسلام ، وأما نصفه الآخر فعلم يكشف لك أحوال القلوب ومكانتها من الإخلاص والتجرد والرضا والشكر والتوبة ، في مائة منزل تنزلها قلوب السالكين إذ هي في مدارج الإيمان الصاعدة.

    .. فنشأت معتقدا وجوب أنماط التربية الإيمانية في الطريق الدعوي ، وأن تجاوزها إلى الشكل السياسي المحض محفوف بالمخاطر، وقد ينتج أفئدة فيها قسوة ، ليس لها من الصفاء وفرة نصيب ، ويؤدي إلى رجحان النفس الأمارة بالسوء على النفس الزكية، .. وكل من يفقه آداب الإسلام وسننه يدرك تماما أن هذا السوء المعني ليس من شرطه أن يكون حالكا ثقيل الوطأة موغلا في الإغراب والإيذاء ، وإنما يكفيه أن يكون لمما وصغائر وحالات ريائية وتحاسدية ، مثلا، لأن الميزان الإيماني حساس جدا ، ولفظ السوء يشمل هذه الأمراض القلبية، ومن ثم لزم أن يكون محيط الدعاة بريئا منها، بعيدا عنها.



    وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله قد دخل مسجدا ، فرأى فيه حلقة ظنهم في ذكر، فجلس إليهم، فإذا هم يتحدثون في الدنيا ، فقال: سبحان الله! هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل ، فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين ، فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر، فدخل ، فإذا بيت لا سقف له . جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير ، على ذكر ، فإذا أنتم أصحاب دنيا


    فالحفظ والستر والحماية من الفتن والإحن والمحن والشهوات والشبهات والزلل والخطل لا يكون إلا من خلال حلقات الرباط والذكر والتزكية والربانية والروحانية..!

    فما فتح الله لداعية القلوب والنفوس إلا بتفاعله مع المفردات الربانية الآتية: (ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا بإتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب)..!

    1-إتباع الأوامر:

    (( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون )).

    عن الحسن: جعل الله الدين بين لائين: ولا تطغوا، ولا تركنوا.. ولذلك كان من موازين الحسن البصري رحمه الله: ترجيح مذهب التخويف في التربية، احتياطا وتعجيلا في الاستدراك، فيقول : ( لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تبلغ المأمن : خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف )..

    قال ابن الجوزي : من نازعته نفسه إلى لذة محرمة فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها، وسمع هتاف العقل يناديه: ويحك لا تفعل، فإنك تقف عن الصعود ، وتأخذ في الهبوط ، ويقال لك : ابق بما اخترت . فإن شغله هواه فلم يلتفت إلى ما قيل له : لم يزل في نزول.. فالله الله في حريق الهوى إذا ثار، وانظر كيف تطفئه . فرب زلة أوقعت في بئر بوار، ورب أثر لم ينقلع، والفائت لا يستدرك على الحقيقة، فابعد عن أسباب الفتنة، فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم...

    2-إخلاص الطاعات:

    لا يختار لنفسه ظهورا ولا خفاءً..!

    يقول أحد قادة الدعوة الربانيين:.. ويعلم الله أنني كنت وأسأل الله أن أظل كذلك لا أسعى إلى موقع أو منصب أو مكانة وأجاهد نفسي كثيرا كي لا أعلن رغبتي في ترك أي موقع يوكل إلى كي لا يساء تفسير ذلك ولأنني أدرك أن اختيار إخواني لي هو تكليف وأن الله إذا أراد بي شيئا فهو الأوفق لي ، واختياره أفضل من اختياري وتسليمي له برضا هو عين العبودية لله .


    ويعلم الله أنني أعتبر حب إخواني والناس لي هو علامة على حبه سبحانه وتعالى ودليل على رضاه عنى وقبوله منى وأنى التزم بما قاله أبو العباس المرسى رحمه الله ورضي عنه "من أراد الظهور فهو عبد الظهور ، ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء ، أما عبدالله حقا فهو من إذا شاء الله أظهره ، وإذا شاء أخفاه لا يختار لنفسه ظهورا ولا خفاءً"
    لذلك أجتهد و أسعي في إرضائه سبحانه وكسب رضاه لا رضا أحد من خلقه مهما كان ذلك المخلوق .


    أما المواقع التنظيمية والهياكل الإدارية فإنما جعلت لخدمة الرسالة والفكرة والدعوة وهى لا تعطى أحدا يشغلها مكانة لا يستحقها في نظر إخوانه أو الناس .

    3-لزوم المحاريب:

    (( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا..!))

    من قيام ليل ومناجاة وذكر كثير وزيارة المقابر وتلاوة قرآن ونوافل....

    4-الصبر والمرابطة والمجاهدة :

    رأى الجنيد هرة تسعى وراء فأر ؛ فدخل الفأر جحره وبقيت هي أمام الجحر تترقَّب ، وكل شعرة من جسدها واقفة تعلن النفير ، مستحضرة أعلى درجات العزم والتوثب ، فخطر للجنيد خاطر استحال خاطرة جاء فيها :
    " يا مسكين .. ألم تحصِّل في الهرة درجة هرة؟! وإذا حصَّلت .. أيكون مطلوبك كمطلوبها؟! ".


    أنت طالب جنة وهي طالبة لقمة وهمتها أعلى من همتك!! أنت طالب شفاء وهي طالبة عناء ومع ذلك عزمها أشد وأصدق!! أنت تسعى لباقٍ وهي تسعى لفانٍ ومع هذا تغلبك؟! قطة هجرت الكسل وهبَّت إلى العمل وأنت نائم في بيتك يا بطل؟!


    " كابدتُ الصلاة عشرين سنة ، وتنعَّمت بها عشرين سنة ": والمشاهد أن كثيرا من المرضى يشاهدون من منَّ الله عليهم بالعافية والسمو في آفاق المتعة الإيمانية ، فيسعون في إدراكهم ، ويحاولون مطاولة النجم في علاه بقفزة واحدة ، وعندما يفشلون يرجعون خائبين تاركين المحاولة ويائسين من الشفاء ، ولو أنهم صعدوا السلَّم درجة درجة ، وبدؤوا بالانتهاء عن ما حرَّم الله ، ثم ساروا إلى الفرائض فأتموها ، وأتبعوا ذلك بالنوافل التي لا تشق عليهم ، لوجدوا في نهاية الطريق ما وجد هؤلاء ، ولكنهم قوم يستعجلون.


    " ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك " .: أيها المتعجِّلون!! أنتم لا ترون سوى قمة الهرم ولكنكم لا تلمحون ما بُذِل فيه من عرق وجهد ، أنتم لا تبصرون إلا اللمحة الأخيرة واللقطة المبهجة والمشهد السعيد ، أما المسلسل الطويل من المجاهدة والصراع والمثابرة والكفاح فما خطر ببالكم قط ، لذا طمعتم في نيل العلا برقدة في الفراش والغرق في أماني الحالمين ، وهذا محال في سوق الآخرة.


    الحصيرة... عرش الداعية:

    ختامها مسك : يقول صاحب رسالة نحو المعالي كلاما يكتب بماء الذهب:

    فإن لم يكن إرهاق النفس سائغا ، ولا انتظار النفس الرمزية واردا: لم يبق لنا إلا الطريق الأوسط الأقرب ، طريق تلاوة القرآن، والصلاة، واللبث في المساجد، وحلق الذكر، وتهجد الثلث الأخير، وزيارة القبور، ومجالس العلم، وغدوة النهي عن المنكر إذا انطلق، وروحة أمر الأصحاب بالمعروف إذا آب، وعلى هذا دل الهدي النبوي الشريف، ومن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد البالية فلن يطير به بساط السندباد.


    يتبع إن شاء الله


    المراجع :

    نحو المعالي : للشيخ الراشد.

    ورد إلي روحي : د.خالد أبو شادي
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (4)

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:13

    لا تقل قد ذهبت أيامه ... كل من سار على الدرب وصل..!

    من جانب المحراب يبدأ سيرنا (4) :

    ( قد ذهبت اللذائذ : مع النبلاء السادة أهل العلم والإنفاق والستر ونهوض الفجر ودموع الليل ، ونحن المرشحون لاستئناف ما سلف...!)
    قال أحد الربانيين : (ويحك...هذا وقت عمارة المحراب،هذا زمن تلاوة الكتاب..هذا أوان حضور الباب..)

    وأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء

    لا بد من : (.. تذكير الدعاة المتوغلين في درب السياسة بأن بلوغ هذه الأعماق ينحت ولا بد من رصيد القلوب ، وأن التربية وظيفة دائمة في الأداء الدعوي ، لا ينبغي أن ينساها أحد ، ولا يتكبر عليها واهم ، و هي عند كثافة الانشغال بيوميات السياسة والتنمية أشد لزوما من أيام النشأة والعزلة ، ولابد من تصحيح النوايا وموعظة النفس والانطلاق من عند ركن المحاريب إلى أداء الخطط المتقدمة..! ).

    ملازمة المحراب وإحياء الربانية وفقه الدموع والخشوع ونهوض الفجر والمناجاة والانكسار والاستغفار بالأسحار: هي معادلات الإيجابية، وصناعة الحياة وتحريكها، والهندسة الربانية التأثيرية، والعامل الحاسم في تقريب النصر والتمكين..!

    قال الرباني يحي بن معاذ : " إن العبد على قدر حبه لمولاه يُحبِّبه إلى خلقه ، وعلى قدر توقيره لأمره يُوَقِّره خلقه ، وعلى قدر التشاغل منه بأمره يشغل به خلقه ، وعلى قدر سكون قلبه على وعده يطيب له عيشه ، وعلى قدر إدامته لطاعته يُحلِّيها في صدره ، وعلى قدره لهجه بذكره يديم ألطاف بره ، وعلى قدر استيحاشه من خلقه يؤنسه بعطائه ، فلو لم يكن لابن آدم الثواب على عمله إلا ما عُجِّل له في دنياه لكان كثيرا " .

    ثمن النصر : العبودية المنكسرة المتضرعة

    هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بكل الأسباب المادية بين يدي غزوة بدر ومع ذلك : يجأر إلى الله تعالى بالدعاء مساء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان ويقول : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك ’ اللهم فنصرك الذي وعدتني ...وظل يناشد الله متضرعا وخاشعاً وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه وقال له : يا رسول الله ! أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزنّ الله لك ما وعدك وأقبل المسلمون أيضاً يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة..!


    فهذه العبودية التي اتخذت مظهرها الرائع في طول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشدة ضراعته و مناشدته لربه أن يؤتيه النصر " هي الثمن الذي أستحق به ذلك التأييد الإلهي العظيم في تلك المعركة "


    وقد نصت على ذلك الآية الكريمة إذ تقول : (( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين )) ويقينا منه صلى الله عليه وسلم بهذه العبودية لله عز وجل " كان واثقاً بالنصر مطمئناً إلى أن العاقبة للمسلمين "

    ثم قارن مظهر هذه العبودية التي تجلت في موقفه صلى الله عليه وسلم ونتائج ذلك مع مظهر ذلك الطغيان والتجبر الذي تجلى في موقف أبى جهل حينما قال : لن نرجع حتى نرد ماء بدر فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان " وتسمع بنا العرب و بمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا " ونتائج ذلك التجبر و الجبروت ... !


    لقد كانت نتيجة العبودية و الخضوع لله تعالى عزة قعساء ومجداً شامخاً خضع لهما جبين الدنيا بأسرها " ولقد كانت نتيجة الطغيان و الجبروت الزائفين قبراً من الضيعة و الهوان أقيم لأربابهما حيث كانوا سيتساقون فيه الخمر وتعزف عليهم القيان " وتلك هي سنة الله في الكون كلما تلاقت العبودية لله خالصة مع جبروت و طغيان زائفين ..!

    رسائل ربانية:

    إشارات تحذير ربانية حمراء:

    إذا غفل الداعية عن ملازمة المحراب أو تكاسل عن النهوض لصلاة الفجر أو أذنب ذنبا.. ترسل له: إشارات تحذير ربانية توازي اللمم والصغائر تنبهه إلى وجوب فطم النفس عن هواها ، وإلا عوقب بأكبر من ذلك ، من تضييق رزق ، وضياع تجارة ، وجلاء بركة ، ومرض متعب ، وتسلط ظالم ، وطلاق ، وقذف عرض ، وفشل في امتحان ، وسفاهة جار ، وبما هو أكبر من ذلك .. ، ولهذا فإن هذه المعاكسات هي من تمام اللطف الرباني بمؤمن يفهمها ويستوجب موعظتها ، من أجل أن لا يتمادى ، بل قيل : هي مداعبة من الله للعبد ، يُذكِّره أنه معه وتحت رقابته ليستقيم " .:

    يستيقظ فإذا زوجه ذات عبوس وتأفف ، ولا يدرى سببًا منه مباشرًا في إغضابها ، ثم من بعد قليل إذا بها تولول ، و لربما فتش عن الفرد الضائع من حذاء ابنه نصف ساعة ، حتى يتأخر عن دوامه المدرسي ، ويكون طعامه مالحاً لا يكاد يسيغه ، وتعذِّبه سيارته نصف ساعة أخرى كي تشتغل ، وتكون كالدابة الشموس ، ويجد الإشارات الضوئية حمراء في وجهه ، ويُبتلى بسائق طائش عن يمينه ، ثم يوقفه شرطي مرور كان قد تشاجر مع زوجته هو الآخر فيفرغ همومه فيه ويحرر له مخالفة هو منها برئ ، وقد يبتلى ثالثة في مكتبه بمراجع فوضوي ملحاح يعكر عليه ويشكوه لدى الرئيس ، ولربما يجد في الآخر طعام غدائه دخانا محضا وتكون زوجه قد نسيت القدر على النار حتى احترق ، ويظل سائر يومه قلقًا كئيبًا ، حتى أن أقل عقوبته أن توقظه رنة الهاتف وهو في عز نوم القيلولة ، فيزعجه...!

    وممن تدبر هذا الباب : عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فقد روى الزهري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابه حجر وهو يرمي الجمار فشجَّه فقال :
    " ذنب بذنب ، والبادي أظلم " .


    وآخر على الدرب يقتفي أثر الفاروق خطوة خطوة وقدمه في إثر قدمه وهو أبو زرعة الرازي ، فعن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال : " اعتل أبو زرعة الرازي ، فمضيت مع أبي لعيادته ، فسأله أبي عن سبب هذه العِلَّة ، فقال : بِتُّ وأنا في عافية ، فوقع في نفسي أني إذا أصبحت أخرجتُ ما أخطأ سفيان الثوري ، فلما أصبحتُ خرجتُ إلى الصلاة ، وفي دربنا كلبٌ ما نبحني قطٌّ ، ولا رأيته عدا على أحد ، فعدا عليَّ و عقرني ، وحُمِمت ، فوقع في نفسي أن هذا لِما وضعتُ في نفسي ، فأضربتُ عن ذلك الرأي " .

    وثالثهم سجَّان!! نعم سجَّان. قال بعض السجانين : " كنتُ سجَّانا نيِّفا وثلاثين سنة أسأل كل مأخوذ بالليل : هل صلى العشاء في جماعة ؟ فكانوا يقولون : لا..!

    وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال :« لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر » ، بل وأكَّد : « المصائب والأحزان في الدنيا جزاء .. .»

    قال ابن الجوزي: رأيت كل من يعثر بشيء أو يزلق في مطر يلتفت إلي ما عثر به فينظر إليه طبعا موضوعا في الخلق ، إما ليحذر منه أن جاز عليه مرة أخرى أو لينظر - مع احترازه وفهمه - كيف فاته التحرز من مثل هذا ، فأخذت من ذلك إشارة وقلت : يا من عثر مرارا .. هلا أبصرت ما الذي عثَّرك فاحترزت من مثله ، أو قبَّحت لنفسك -مع حزمها- تلك الواقعة...!

    إشارات ربانية خضراء مرحبة:

    بل في يوميات الداعية يجد السعادة والهناء والراحة والسكينة والعزة والطمأنينة والنجاح والإبداع والتألق : إذا أسلف حسنة في المساء من صدقة ، أو صلاة بوقتها ، أو أمر بمعروف ، أو إغاثة لهفان ، أو تفهيم علم ، أو بذل شفاعة ، أو ستر عرض ، أو تخذيل عن شر ، أو خلافة غاز مجاهد ، فماذا يحدث له في الصباح ؟ :

    يستيقظ فإذا زوجه مبتسمة في وجهه ، وإذا أولاده يستيقظون مع أول نداء ، على أتم نظافة ، وكل قد كتب واجبه المدرسي وجمع كتبه . فإذا أفطر : كان طعامه لذيذاً ، وتودعه زوجه بابتسامة أيضًا حتى إذا ركب سيارته –وهى دوابنا اليوم- وجدها سلسة تشتغل مع أول إدارة للمفتاح ، ووجد الإشارات الضوئية خضراء تفتح له الطريق مرحبة به ، والسائق الذي أمامه يسير وفق الأصول بأدب وهدوء ، حتى شرطي المرور يرفع له يده بالتحية...فإذا دخل مكتبه الوظيفي : وجده نظيفاً ، وجاءه من المراجعين أهل الرفق والأخلاق ، فإذا رجع : لم يجد ألذ من طعامه ، وهكذا سائر يومه!.

    ابن القيم يحصي أكثر من خمسين فائدة : للطاعة و ملازمة المحراب وقرع الباب: إقامة المروءة ، وصون العرض ، وحفظ الجاه ، وصيانة المال الذي جعله الله قِواما لمصالح الدنيا والآخرة ، ومحبة الخلق ، وجواز القول بينهم ، وصلاح المعاش ، وراحة البدن ، وقوة القلب ، وطيب النفس ، ونعيم القلب ، وانشراح الصدر ، والأمن من مخاوف الفُساق والفجار ، وقلة الهم والغم والحزن ، وعز النفس عن احتمال الذل ، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية ، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار ، وتيسير عليه الرزق من حيث لا يحتسب ، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي ، وتسهيل الطاعات عليه ، وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس ، وكثرة الدعاء له ، والحلاوة التي يكتسبها وجهه ، والمهابة التي تُلقى له في قلوب الناس ، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظُلِم ، وذبِّهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب ، وسرعة إجابة دعائه ، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله ، وقُرب الملائكة منه ، وبُعد شياطين الإنس والجن منه ، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه ، وخطبتهم لمودته وصحبته ، وعدم خوفه من الموت ، بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه ، وصِغَر الدنيا في قلبه ، وكِبَر الآخرة عنده ، وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها ، وذوق حلاوة الطاعة ، ووجد حلاوة الإيمان ، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له ، وفرح الكاتبين به ودعاؤهم له كل وقت ، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته ، وحصول محبة الله له ، وإقباله عليه ، وفرحه بتوبته ، وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه...!

    فعلى قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق....!

    ومن أقبل على الله أقبل بقلوب العباد إليه

    .. ومن قصص سرعة انفتاح باب رحمة الله أمام التائب ، وأنه باب فسيح يفضي إلى درب لاحب :

    سيرة العابد الزاهد حبيب العجمي رحمه الله من أنه كان في زمن التابعين ، وكان أول أمره من عامة الناس الذين يسدرون في الغفلة ،ولا يتورع عن الربا وقد مر في بعض الأيام بطريق البصرة،وإذا الأولاد يقولون تنحوا عن حبيب ، لئلا يصيبكم من غبار قدمه أكل الربا...!!!..فذهب إلى الحسن البصري وتاب عنده ، فلما رجع قال الأولاد بعضهم لبعض : اتقوا أن تؤذوا حبيبا التائب بعجاج أقدامكم فتكونوا بذلك من الخاطئين...!..فقال في نفسه : سبحان الله..!...الإقبال على الله يفضي في ساعة إلى الذكر الجميل والثناء الحميد...!

    نحن الأمل:

    نحن أبناء الحركة مرشحون لاستئناف ما سلف- من السادة النبلاء: أعيان الدعوة- من لذائذ: نهوض الفجر ودموع الليل والإنفاق والستر.. وإحياء الربانية وملازمة المحراب.. وشعارنا العملي:

    لا تقل قد ذهبت أيامه...كل من سار على الدرب وصل..!

    ونجسد كلمات الراشد القيمة العملية: ونأمل أن ينتفض على الفتور المستولي، وأن يقطع التواني، آيبا إلى بداياته القديمة يوم كان حمامة مسجد ، مستغفرا مخبتا ، متنقلا بين تسبيح وحمد وتكبير وتهليل ، مكرراً كنز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله، منقلبا على بين عمودين يمرغ الجبهة طوراً، ومتغنيا بالزهراوين والحاميمات وما بينهما قبل شروق وغروب ، مائلاً إلى المقابر من بعد ، وعاكفاً على قراءة فصول من المدارج والجواب الكافي وإحياء الإحياء متأملا التحفة العراقية ، لنفخر به هو تحفة بعد ذلك حقا.

    نقاط عملية:

    1-لزوم المحراب : بحيث يكون الأخ حمامة مسجد:لا تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام.

    2-واذكروا الله ذكرا كثيرا...وسبحوه بكرة وأصيلا...

    3-تلاوة القرآن بخشوع وتدبر..

    4-أكثروا من ذكر هادم اللذات : مدارس الموت وحصار الأمل وتلالنا الهامدة بزيارة المقابر.

    5-قراءة كتب الرقائق:تهذيب المدارج.. والمستخلص في تزكية الأنفس. .والجواب الكافي...والحكم العطائية.


    المراجع:

    عبير الوعي.. ومعا نتطور.. وصناعة الحياة : للشيخ الراشد.

    فقه السيرة : للشيخ البوطي.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أفلا يتدبرون القرآن

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:14

    قلت لليل : هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسـرار؟
    قال : لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار...


    أفلا يتدبرون القرآن؟! (2) :
    ( تكملة أول مقال بدأنا به هذه المقالات )

    الليل أحلى للتدبر والمناجاة...!


    .. كأن القرآن تعهد أن لا يبوح لأحد بما بين دفتيه من أسرار إلا على ضوء النجوم حين تتفتح الحقائق في غيبة الأهواء الدنيوية والأشغال المعيشية والسموم الشيطانية في أحضان سجدة أو سحابة عَبرة أو سريان رجفة من خشية الله تعالى!!


    يا حبيب القلوب أنت حبيبي ... أنت أنسي وأنت مني قريب
    يا طبيبا بذكـره يتـــداوى... كل ذي علة فنعم الطبيــب
    طلعت شمس من أحبك ليــلاً ... واستنارت فما تلاها غروب
    إن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيــب
    فإذا ما الظلام أسبل ستــــــراً ... فإلى ربهــا تحـــن القلـــوب



    يقول سيد الظلال : " إن قيام الليل والناس نيام ، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها ، وتلقي فيضه ونوره ، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه ، وترتيل القرآن والكون ساكن ، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة ، واستقبال إشعاعاته و إيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي ....

    إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل ، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول صلى الله عليه وسلم وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل ، و يعصمه من وسوسة الشيطان ، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير..

    قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه:

    (أهل الليل في ليلهم أروح من أهل اللهو في لهوهم ولولا قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، ولو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدون من اللذة لكان ذلك أكثر من هذه الأعمال..)


    ـ وقال بعضهم: (ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم الآخرة إلا ما يجده أهل القيام في قلوبهم من حلاوة المناجاة)

    وقال محمد بن المنكدر رضي الله عنه : (ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة)...

    وقال بعض الصالحين: (منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا طلوع الفجر)...

    وقال بعضهم: (إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها نورا فترد الفوائد على قلوبهم ثم تنتشر منها إلى قلوب الغافلين..)

    يقول الإمام الشهيد: يا أخي لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام والخليون هجع ، وقد سكن الكون كله وأرخى الليل سدوله وغابت نجومه ، فتستحضر قلبك وتتذكر ربك وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك ، فتأنس بحضرته ويطمئن قلبك بذكره وتفرح بفضله ورحمته ، وتبكى من خشيته وتشعر بمراقبته ، وتلح في الدعاء وتجتهد في الاستغفار ، وتفضي بحوائجك لمن لا يعجزه شيء ، ولا يشغله شيء عن شيء ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، وتسأله لدنياك وآخرتك وجهادك ودعوتك وآمالك وأمانيك ووطنك وعشيرتك ونفسك وإخوتك ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.


    ... وهل رأيت بربك أعذب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع العابد الراكع الساجد القانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه و نادى منادي العارفين من المحبين:

    سهر العيون لغير وجهك ضائع... وبكاؤهن لغير فقدك باطل..!


    قال ابن القيم رحمه الله:

    "أما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولاً من وصف حالهم وعدم الاتصاف به بل ما شممنا له رائحة ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم..."


    قال: أبو بكر ابن عياش، قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول:

    "ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي وإني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا بالبقرة وآل عمران…"..؟؟!!

    لا إله إلا الله.. لما كبر سنه ورقَ عظمه لم يعد يقدر على القيام في الليلة الواحدة إلا بنحو أربعة أجزاء..!

    همم الأحرار تحيي الرمم … نفحة الأبرار تحيي الأمم..!

    قال النووي : ( وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته لكونها أجمع للقلب وأبعد عن الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات وأصون عن الرياء وغيره من المحبطات مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل ، فإن الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلا..).

    ويزيدك ابن الجوزي محبة وإقبالا وشوقا على التلاوة والمناجاة: " ظلمة الليل للتواصل أهنى من ضياء النهار عند المحب ، وصلهم سِرُّهم ، وما أحوج السِرَّ إلى سِتره بسخف الحُجُب " .

    وأخرج من بين البيوت لعلني.......أحدث عنك النفس بالسر خالياً..!


    تذوق حلاوة المناجاة:


    قال الداعية خالد أبوشادي: وسُمِّيت مناجاة من جهة قيام العبد بالذكر وتلاوة القرآن من جهة ، ومن جهة الدعاء وسؤال الله من جهة أخرى ، فيُسرُّ العبد إلى ربه بحاجته ويبوح إليه بما أهمه وأحزنه ، وقد يأتي الرد من الرب على العبد كلاما كما في حديث الفاتحة ، وقد يأتي أفعالا : حبا ولطفا ، أو هداية وبرا ، أو فتحا ويسرا ، أو رزقا وبركة ، أو فرحا وسعادة لا توصفان ،

    ولهذا سماها يحيى بن معاذ بالوليمة حين قال : " كم بين من يريد الوليمة للوليمة وبين من يريد حضور الوليمة ليلتقي الحبيب في الوليمة " .

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه ، فلينظر كيف يناجيه؟)

    تُلقي في القلب وجوب التعظيم والتبجيل ، وموافقة القلب اللسان ، والإقبال على الله بالكلية ، وتفريغ القلب له ولذكره ، وإجلال كلامه عند تلاوته ، وضرورة تدبره ، فلا يليق لعاقل أن يتلقى شكر هذه النعمة الجليلة التي هي مناجاة ملك الملوك بشغل قلبه بشيء من متاع الدنيا الفاني ، فاطلب قلبك قبل الصلاة ؛ فإن وجدته فكبِّر وإلا فسلِّم!! وكأن القرآن يصيح فيك ويقول : فرِّغ قلبك من غيري أسكنه.

    قال ابن عطاء الله السكندري: ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت..!

    فرغ قلبك من الأغيار يملؤه بالمعارف والأسرار...!


    قال الطيبي : " شبَّه العبد وتوجهه إلى الله تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار وكشف الأسرار واستنزال الرحمة مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه ومالكه ، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ، ويُطرق رأسه ، ولا يمُدُّ بصره إليه ، لأن الآداب الظاهرة و الباطنة مرتبط بعضها ببعض " .


    ولذا " كـان السلـف يستشعرون هذا المعنى وهم يقرؤون القرآن حتى أنهم كانوا يتلقونه تلقي الغائب الغريب لرسالة جاءت على شوق من الحبيب " ، ولذا كانت الليالي الطوال تمر عليهم دون أن يشعروا ، بل كان أكثر ما يزعجهم طلوع الفجر ، وما أقصر ليلة مملوءة بالسرور.


    إن الليالي للأنام مناهل تُطوى... وتُنشَر دونها الأعمار
    فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار


    قبلة الملك:

    ويلزم لهذه المناجاة تعطير الفم لملاقاة الحبيب ومناجاة الملِك ومقابلة الملَك ، وهذا سِرٌّ من أسرار الأمر بالسواك ، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أمر يوما بالسواك قائلا : (إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه،فسمع لقراءته ، فيدنو منه.. حتى يضع فاه على فيه ، وما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك ، فطهروا أفواهكم للقرآن..!)... وامتثل قتادة الأمر على نحو عجيب فقال : " ما أكلتُ الكرَّاث منذ قرأت القرآن "

    لا تدري متى يُفتح الباب :

    لا تترك تلاوة القرآن إذا لم تجد خشوعا ودموعا .. بل اصبر وصابر وكابد ورابط على وردك القرآني : فستجد بعد المجاهدة والمرابطة : حضورا ويقظة..: لأنك لا تدري متى يُفتح الباب ، ومتى ينشرح الصدر والفؤاد ، ولعل ساعة رضاه عنك في متناول يدك وأنت لا تشعر ، ولعل دموع خشيتك محبوسة تنتظر آية منك تُتلى في خشوع لتنهمر ، أو خلوة في وجل لتتفجر ، وتسألني متى وأقول : ﴿ عَسَى أَنْ يَكوْنَ قَريْباً ﴾ ، وتطلب مني الرد : في أي ليلة هذا فأقول : ﴿ عِلْمُهَاْ عِنْدَ رَبِّيْ فِيْ كِتَاْبٍ ﴾ ، وتُلِحُّ في السؤال : من المُوَفَّق لذلك فأقول : ﴿ اللهُ يَجْتَبيْ إِلَيْهِ مَنْ يَشاْءُ وَيَهْديْ إِلَيْهِ مَنْ يُنيْبُ ﴾

    فهم هذا جيدا أبو سليمان الداراني فأوصاني وأوصاك قائلا :‏ " فإذا وجدت قلبك في القيام فلا تركع ، وإذا وجدته في الركوع فلا ترفع " ‏.


    قال ابن عطاء الله السكندري: لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك من وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، و من ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، و ما ذلك على الله بعزيز.


    كانت هذه عادة السلف يُردِّد أحدهم الآية إلى الصبح ، فيقرأ القرآن بتفكُّر حتى إذا مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه ، كررها ولو مائة مرة ، بل ولو استغرق الأمر معك الصلاة كلها ، فقراءة آية بتفكُّر وتفهم خير من ختم القرآن كله بغير ذلك ، وهذه القراءة أنفع للقلب وأرجى لزوال الداء وحدوث الشفاء ، وبالتالي أدعى إلى بلوغ ذروة الإيمان وتذوق حلاوة القرآن.


    عن إبراهيم بن الأشعث قال : " سمعتُ فضيلا يقول ذات ليلة وهو يقرأ سورة محمد ، وهو يبكي ويردد هذه الآية : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [ محمد : 31 ] وجعل يقول : ونبلو أخباركم ، ويردد وتبلو أخبارنا ، إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا ، إنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا ، ويبكي " .


    قف مع الشيخ الراشد... وتأمل :

    أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقـل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسراً .

    إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية : كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة . ذلك شرط لا بد منه . و كأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتـنا نوجب على الله لنا هذا النصر بإدلال ، نبيعه و نثبت لنا حقاً عاجلاً في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همساً في الأسحار ،ولا الدمع المدرار ، و إنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل...!


    وجودهم فريضة: يحصل لأهل الولع بالسياسة أو البحث أو العمل الميداني نوع من الزهد بأدوار العباد المتنقلين من الدعاة المنقطعين إلى تنقية قلوبهم وتربية إخوانهم،وهذا ذهول عن ميزان التكامل في الأعمال والأدوار والواجبات،لا يعترف به فقه ، ولا تشهد له خبرة دعوية ،ذلك أن وجود مثل هؤلاء العباد في المجتمع الدعوي ضرورة قصوى تقتضيها ضراوة الحياة المادية التي تغزونا من خلال مخالطتنا للمجتمع العام ،وهجمة الملهيات المسببة للغفلة وقسوة القلب ، ومن برامج التلفزيون وكلام الصحافة وتنافس الناس في طلب الرزق وركضهم وراء الدرهم والدينار،إذ لا بد في المجتمع الدعوي أن يوجد من يرفع الآذان محذرا وناصحا وواعظا، فيكون الاعتدال إذا انتصبت الشهوات ، ويقومون بمهمة كبح الجماح، ونهر الجريء في مواطن الشبهات، بل يلجأ لهم الدعاة للدعاء أيام الشدائد، وعسى الله أن يرحم بدعائهم عباده فيكشف غمة أو ينزل نصرا ، ولن يزهد بأدوار هؤلاء القوم علماء القلوب غير جاهل أو راغب في التفلت من صرامة أوصاف الإيمان...

    الهندسة النفسية التأثيرية: وأكثر من هذا فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تـقسو قلوب الناظرين إليه..!


    نقاط عملية :

    أخي الحبيب .. أختي الفاضلة :

    1- أن يكون لك ورد يومي من كتاب الله لا يقل عن جزء..تتلوه بتدبر وخشوع ودموع .. وما أحلى وأغلى ساعات السحر للمناجاة والاستغفار والتلاوة...

    2- أن يكون القرآن كتاب هداية لا ثقافة ، بأن تعيش معه بالعقل تدبرا ، وبالقلب تأثرا ، وبالنفس تغيرا.

    3- جعل عين على الآيات ، وعين أخرى على آلامنا الواقعية ، وبذل جهد في استنباط معالم الأمل بين طيات الألم .. ثم استخراج خطوات العمل لإصلاح هذا الخلل.

    4- استنباط الواجبات التربوية لإصلاح النفس ، والدعوية لإصلاح المجتمع .. وبالعناية الربانية لنصل إلى العز والتمكين..

    5- تخصيص ندوة تربوية : لدراسة كتاب منهجي رائع- للتفاعل مع النقاط الثلاثة الأخيرة- كتاب : سورة الكهف منهجيات في الإصلاح والتغيير. لأستاذنا د . صلاح الدين سلطان.



    المراجع :

    أصول الإفتاء ... و الرقائق : للشيخ الراشد.

    ورد إلي روحي : د. خالد أبو شادي.

    سورة الكهف منهجيات في الإصلاح والتغيير: د . صلاح الدين سلطان.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    انظرونا نقتبس من نوركم

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 14:16

    (( انظرونا نقتبس من نوركم ))


    (إن النصوص وحدها لا تصنع شيئا، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلا، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكا..لقد كان هدفه صلى الله عليه وسلم أن يصنع رجالا ، لا أن يلقي مواعظ..وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة!!..لقد انتصر يوم صاغ من الإسلام شخوصا ،وحول إيمانهم بالإسلام عملا..وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفا.ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق،إنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب..وصنع منهم قرآنا حيا يدب على الأرض!!..)



    - (( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين )):

    رسول الله نور وأي نور..!! : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا..)

    وقدوة شاملة كاملة في كل شيء : جمالا وجلالا وكمالا . يجد الإنسان بين يديه صورة للمثل الأعلى فى كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة ’ كي يجعل منها دستورا يتمسك به ويسير عليه ’ولا ريب أن الإنسان مهما بحث عن مثل أعلى فى ناحية من نواحي الحياة فإنه واجد كل ذلك فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يكون من الوضوح و الكمال .

    ولذا جعله الله قدوة للإنسانية كلها إذ قال : ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ) الأحزاب 21 .

    فحياته عليه الصلاة و السلام تقدم إلينا نماذج سامية للشاب المستقيم فى سلوكه ، الأمين مع قومه و أصحابه ، كما تقدم النموذج الرائع للإنسان الداعي إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة ، الباذل منتهى الطاقة فى سبيل إبلاغ رسالته ، ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة ، وللزوج المثالي فى حسن معاملته والأب فى حنو عاطفته مع تفريق دقيق بين الحقوق و الواجبات لكل من الزوجة و الأولاد ، وللقائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك ، وللمسلم الجامع - فى دقة وعدل - بين واجب التعبد و التبتل لربه ، والمعاشرة الفكهة اللطيفة مع أهله و أصحابه .

    إن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عاطفة غامضة سائبة.. ولا إيمانا عقليا ميكانيكيا ونسيجا خشبيا.. ولا دراسة ذهنية نظرية باردة جامدة خامدة هامدة لا روح فيها ولا حياة!!.. بل هو سلوك وأخلاق والتزام وعمل وحال.. بحيث تذوب شخصيتنا في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوبانا كاملا : محبة وفهما وعلما واقتداء وتأسيا

    عن مجاهد : كنا مع ابن عمر في سفر فمر بمكان فحاد عنه.. فسئل : لم فعلت ؟!.. قال : رأيت رسول الله يفعل هذا ففعلته!!.. رواه أحمد والبزار.

    (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) :

    إن كل فرد من الأمة الإسلامية عليه أن يكون نسخة- حية شاخصة- طبق الأصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : بيانا وجهادا وحكمة وحنكة ودراية وعبادة وزهدا وإقداما وثباتا ووفاء.. وكرما ولطفا ورحمة وحزما... وإذا ما استطاع كل فرد من أفراد الأمة أن يرتفع إلى هذه القمة السامقة فإننا نؤكد أنه وقتذاك يحس بطعم إنسانيته تميزا وارتقاء..

    سمات ومرتكزات الاقتداء:

    1-تجسيد الصفات الأربع الأساسية: بحيث يكون صادقا أمينا فطنا مبلغا.. وهذا يقتضي مجاهدة وتعب وسهر وخلفية فقهية واسعة...

    2-إقامة الفرائض والواجبات ثم السنن بقسميها سنن الهدى وسنن العادة.. مع احترام سلم الأولويات الذي أشار إليه ابن عطاء الله في حكمه : من علامات إتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات وترك الواجبات..!!

    3-ترك المحرمات والمكروهات التحريمية والتنزيهية..

    الصورة الكاملة للتأسي والاقتداء:

    1-لقد تعلق بعض الناس بروحانيته- فقط- صلى الله عليه وسلم .. فركزوا على جزء من اللوحة الفنية الساحرة البديعة .. فدفنوا أنفسهم ووجودهم في أرض الخمول والتعبد والذكر والقيام وملازمة المساجد والعزلة التامة .. ولسان حالهم يردد: دع المخاليق للخالق..أقام العباد في ما أراد!!.. فلا تغيير ولا نصيحة ولا نهي ولا إيجابية ولا واجبا للوقت!!.

    2-وبعضهم تشبث بجزء آخر من الصورة : الدعوة والإصلاح السياسي :..وتناسوا الربانية

    والزهد والورع والمناجاة والاستغفار بالأسحار.

    3-وآخرون اهتموا بالجانب السنني على حساب الكليات والفرائض وقضايا الأمة.. فيقيمون معركة في مسجد واشنطن من أجل قنوت صلاة الفجر..فتقوم الحكومة الأمريكية بغلق المسجد !..(يقتلون الإمام الحسين ويسألون عن دم البعوض)..!!

    4-والبعض ركزوا على الشجاعة والحزم والغلظة والجرأة.. ونسوا الحلم والأناة والشفقة والحرص: (( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك!!فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ))

    5-حتى في الحركة الواعية : ذهول عن الموازين؟؟!!..:

    أ- يحصل لأهل الولع بالسياسة أو البحث أو العمل الميداني نوع من الزهد بأدوار العباد المتنفلين من الدعاة المنقطعين إلى تنقية قلوبهم وتربية إخوانهم،وهذا ذهول عن ميزان التكامل في الأعمال والأدوار والواجبات،لا يعترف به فقه ، ولا تشهد له خبرة دعوية ، ذلك أن وجود مثل هؤلاء العباد في المجتمع الدعوي ضرورة قصوى تقتضيها ضراوة الحياة المادية التي تغزونا من خلال مخالطتنا للمجتمع العام ، وهجمة الملهيات المسببة للغفلة وقسوة القلب ، ومن برامج التلفزيون وكلام الصحافة وتنافس الناس في طلب الرزق وركضهم وراء الدرهم والدينار، إذ لا بد في المجتمع الدعوي أن يوجد من يرفع الآذان محذرا وناصحا وواعظا ، فيكون الاعتدال إذا انتصبت الشهوات ، ويقومون بمهمة كبح الجماح ، ونهر الجريء في مواطن الشبهات ، بل يلجأ لهم الدعاة للدعاء أيام الشدائد ، وعسى الله أن يرحم بدعائهم عباده فيكشف غمة أو ينزل نصرا ، ولن يزهد بأدوار هؤلاء القوم علماء القلوب غير جاهل أو راغب في التفلت من صرامة أوصاف الإيمان!!...

    ب-إخوة وفقهم الله لمزيد من العبادة والنوافل والتهجد والتلاوة مع مرور الأيام أصبحوا يستنكرون ما عليه أقران لهم من الانقطاع للعلم والبحث والتفقه من غير التفات إلى ميزان الشافعي وقوله: طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة.. ومن الطبيعي أن كثرة النظر في الكتب تنحت من الوقت، وتؤدي إلى تعب البدن والنظر والرأس.. فتقل نوافل طالب العلم وهو معذور إن شاء الله ومازالت مرتبته ضمن مراتب الثقات..


    ج-كذلك من تكثف أعماله الدعوية الميدانية.. ويكثر النزول إلى ساحة الناس.. تشغله المخالطة عن النوافل وتصرفه الإداريات عن مزيد تلاوة!!.. فهو معذور ومأجور...



    وهذا النظر يجعلنا ننظر إلى الدعاة على أنهم كتلة توظف كلها في خدمة الدعوة.. وليس فيها ما يهمل.. وإنما هي طاقات متنوعة يتكامل أداؤها..


    المراجع:

    دراسات إسلامية : سيد قطب.

    فقه السيرة : للبوطي.

    أصول الإفتاء : للراشد.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حذار أن تؤتى الدعوة من قبلك !!

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 16:22

    حذار أن تؤتى الدعوة من قبلك !!




    .. ما رأيت أجمل و لا أروع و لا أبدع و لا أشهى ولا ألذ من مجلس تأمل وفكر ومراجعة وحوار مع النفس:

    لذا كانت مجالس التفكر أشهى مجالس المؤمنين وأحلى لحظات العاقلين. قال يحيى بن معاذ الرازي وقد سئل : أي مجلس أشهى و ألذ؟ قال : " الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد تُشمُّ من رائحة المعرفة وتُسقى من كأس المحبة ، سبحان الله ما ألذه من مجلس! وأعذبه من شراب! " .

    شعاره العملي : قوله تعالى : (( قلتم أنى هذا؟.. قل هو من عند أنفسكم؟؟!! ))..
    (( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره..!! ))

    أخي الحبيب..أختي الفاضلة:

    أنت تقف على ثغرة من ثغور الدعوة فحذار أن تؤتى من قبلك.. وإياك أن تترك الثغرة كما تركها الرماة قديما بل اصبر وصابر ورابط وكن كعباد بن بشر رضي الله عنه في الثبات والربانية:


    1-الرماة يتركون مواقعهم في غزوة أحد:

    في بداية المعركة كان النصر للمسلمين... فلما رأى ذلك الرماة قالوا : الغنيمة الغنيمة . فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعوا . فأخلوا الثغر وكر فرسان المشركين عليه فوجدوه خاليا . فجاءوا منه وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين ..


    2-روحانية عالية وثبات عجيب:

    عندما رجع الجيش الإسلامي من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين, فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دمًا .., فجاء ليلاً وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين على الحراسة أثناء نومهم، وهما عباد بن بشر، وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا بسهم وهو قائم يصلي فنزعه، ولم يقطع صلاته، حتى رشقه بثلاثة سهام، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحانه الله، هل نبهتني؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك, وايمُ الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها!!..

    من هنا استنبط فقهاء الدعوة فائدتين :

    1-التعلق بالقرآن الكريم وحب تلاوته : فقد كان حبه للتلاوة قد أنساه آلام السهام التي كانت تنغرس في جسمه وتثج الدم منه بغزارة..

    2- الشعور بمسؤولية الحراسة: فلم يقطع عباد صلاته لألم يشعر به وإنما قطعها استشعارًا بمسؤلية الحراسة التي كلف بها، وهذا درس بليغ في الثبات..

    يقول الإمام الشهيد:

    وأريد بالثبات :

    أن يظل الأخ عاملا مجاهدا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام , حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين , فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية , (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23) , والوقت عندنا جزء من العلاج , والطريق طويلة المدى بعيدة المراحل كثيرة العقبات , ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة .


    وبقيت الشجرة...!!:

    يقول سيد قطب.. سيد الدعاة والثابتين:
    المرة بعد المرة يصاب بعض أفراد الجماعة بنزوات ، وفي كل مرة يسقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة وقد تمسك العدو بفرع من الشجرة ويظن أنه بجذب هذا الفرع سيقتلع معه الشجرة كلها ، حتى إذا آن الأوان وجذب الفرع خرج في يده كالحطبة الجافة لا ماء ولا حياة وبقيت الشجرة..!!!

    إن ما حدث في حركتنا من فتن وتنازع ومستجدات : هزت الكثير من النفوس والقناعات... كان سببها الأساسي :

    1-الذنوب والمعاصي : قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم؟؟!!

    قال الفضيل بن عياض : إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وفأر بيتي..!!

    سنن الله لا تحابي أحدا مؤمنا أو كافرا (( ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.. )) ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)) ، (( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)) ، ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم….))

    يقول الشيخ الراشد:
    وكما تبدأ تراجعات كل حضارة بالنخر لتخلي مكانها إلى حضارة منافسة ، فإن الفتن هي المقدمة التي تجعل كل دعوة تغزى في عقر دارها.
    وعندنا أن هذا إن لم يكن بميزان الرياضيات ابتداء فإنه يكون بميزان العقوبة الربانية، فيكل الله تعالى الدعاة إلى أنفسهم، فيعود منطق الرياضيات انتهاءً، ليس ثمة عون رباني ينصر القليل على الكثير، بل الواحد لا يساوى إلا واحداً ، وتضبط الصراع الإحصاءات ومعادلات الحساب.. ليس ثمة جهد تضاعفه البركة، ولا خطوة يطوى لها الزمن.

    - إن ما حدث بين يدي المؤتمر وأثناءه وبعده...إنما هو نتيجة حتمية لبعض ذنوبنا ومعاصينا من باطن الإثم وظاهره : حب الدنيا ، والحسد ، والحقد ، والغيبة ،والنميمة والبهتان..: (قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم):.... وإن الانفراج والنصر الذي تحقق في المؤتمر إنما تم بفضل توبتنا واستغفارنا وانكسارنا ودموعنا وآهاتنا..!!

    فلا بد من توبة صادقة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح!! ولنكثر من الاستغفار على كل الأحوال، بالغدو والآصال،بالعشي والإبكار..

    2-حب الدنيا : لوثات الدنيويات من دغدغات السمعة والرفاهية وبحبوحة المال.. تثاقل بالمؤمن إلى الأرض في سويعات الغفلة التي تتحول إلى متوالية متكررة..إذ الغفلة تقود إلى ذهول يؤدي إلى سكرة تطول سبطرتها تترك رعشة تطرأ على العقل يجانب معها الحكمة والاتزان !!وتدفع إلى التنازع والفشل وذهاب الريح..

    لهذا حرص الربانيون على الورع والتجرد والزهد:

    يقول أحدهم : كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام .
    تأتي امرأة منهم تسال الإمام احمد : إنا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية – الحرس – أفيجوز لنا الغزل في شعاعها ؟ فسألها من أنت عافاك الله ؟ قالت : أخت بشر الحافي ! فبكى وقال : من بيتكم يخرج الورع الصادق . إنها أخت بشر الحافي الذي كان يقول : اشتهي شواء منذ ثلاثين سنة لكن لم يصف لي درهمه.

    وعن علي بن بكار قال : قلت لإبراهيم بن ادهم : لم لا تشرب من ماء زمزم قال لو كان لي دلو لشربت . يتورع أن يشرب بدلاء بيت مال المسلمين ....

    ليست رهبانية مبتدعة , ولا قلة ذات يد , لكنه الورع الذي صار مقصد نفوسهم لما سمعوا نبيهم يقول: خير دينكم الورع , وقول زوجته عائشة : أنكم لتغفلون عن أفضل العبادة .. الورع ,
    وقول صاحبه أبو هريرة: جلساء الله غدا أهل الورع والزهد , وقوله لريحانته لما سئل عن الورع فقال : ذاك رأس الأمر كله .

    وقول أخيه عيسى عليه السلام من قبل : لو صليتم حتى تصيروا مثل الحنايا , وصمتم حتى تكونوا مثل الأوتاد , وجرى من أعينكم الدمع أمثال الأنهار , ما أدركتم ما عند الله إلا بورع صادق .

    عن يونس بن أبي الفرات أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أتى بغنائم مسك فسد انفه فقالوا يا أمير المؤمنين تأخذ بأنفك لهذا !! قال إنما ينتفع من هذا بريحه فأكره أن أجد ريحه دون المسلمين .

    3-اهتزاز ركن الأخوة:

    يقول الداعية الأستاذ حامد إسماعيل:

    ..حين ينفلت الإخوة بلا ضابط، فلا تحكمهم ضوابط السفينة، ولا يحكمهم المربون في الدعوة، وحين تصبح مهمة التوجيه مفقودة ، وتأخذ الموجة مداها ، وتصبح الأمور كلها بالصوت العالي ، وقد تغري النصيحة البعض ، فيلغون في دماءِ أصحابِ الفضل والسبق والقيادة والريادة ، حينذاك تتحقق السنة الماضية ، وتصبح السفينة مليئةً بالخروق ، ومعرضةً للغرق ؛ ولذلك فقد لا تقوى معاول الأعداء مجتمعة أن تنال من الحركة ما بقيت محصنة من داخلها، في الوقت الذي قد تجهز عليها فتنة داخلية فتجعلها هباء منثورًا ؛ وذلك ناتج عن ضعف التقوى والورع في النفوس، والذي هو مدخل شيطاني إلى الترخص واستصغار الذنوب والتساهل مع النفس مما يؤدى إلى ارتكاب الموبقات والكبائر تحت شعارات ومبررات براقة كلها في الحقيقة من تلبيس إبليس، وهذا ما أشار إليه الصحابي الجليل حين قال : "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات"، ومن هنا فإن احتراف النقد وامتهان الغيبة والنميمة وتتبع العورات وتطاول الألسن على القيادة والجماعة، وشيوع ذلك وانتشاره بين الصف واستساغته بحجة تصحيح الأوضاع وبنيِّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك يعد من أكبر وسائل خرق السفينة ويعد أيضًا من عوامل الفتن التي تشق الصف وتنقض الغزل وتأتى على بنيان الجماعة...

    هو داء عضال ابتُليت به الأمةُ الإسلاميةُ على امتدادِ تاريخها، وكان من نتيجته في كل حين: 1-إحباط النفوس ..2-تصدع الصفوف.. 3-فقدان الثقة.. 4-انكشاف الضعف أمام العدو، وهكذا كانت بداية الفتنة في تاريخ الإسلام، الطعن على الأمراء وإظهار ذلك في ثوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما يجب التعامل معه بحذر، وهذا فقه مَن أدرك مداخل الفتنة وأبواب الشيطان.

    والعلاج الحاسم والسريع هو الحب والتصالح والتغافر ورص الصف والثبات على الدعوة:

    لا حياة إلا بالحب ، ولا عيش إلا بالحب ، لا بقاء إلا بالحب ، إذا أحببت شممت عطر الزهر ، ولمست لين الحرير ، وذقت حلاوة العسل ، ووجدت برد العافية ، وحصلت أشرف العلوم ، وعرفت أسرار الأشياء

    . وإذا كرهت صارت كل كلمة عندك جارحة ، وكل تصرف مشبوها ، وكل حركة مشكوك فيها ، وكل إحسان إساءة . المحب هجره وصال ، وغضبه رضا ، وخطيئته إحسان ، وخطؤه صواب ....!!

    أيها الأحباب:

    تالله ما هزلت حبيبتنا فيستامها المفلسون ، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون،
    -لما كثر المدعون لمحبتها طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي!

    وكل يدعي وصلا بليلى
    وليلى لا تقر لهم بذاك
    إذا تشابكت دموع في عيون
    تبين من بكى ممن تباكى.
    .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    قاتلوا الناس بالحب..!!

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 16:23

    قاتلوا الناس بالحب..!!




    عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلا بِذَنْبٍ يُحْدِثهُ أَحَدُهُمَا". أخرجه أحمد .


    هل رأيت بربك أحلى وأغلى من جماعة متحابة مترابطة متناغمة..إذا عطس أحدهم بتيبازة قال له أخوه في تيممون : يرحمك الله... وإذا مرض أخ في تيزي وزو..عاده أخوه من تمنراست.. والملائكة تنادي : طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا.. وإذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى..


    خاطر فى محبتكم بروحي ... وأركب بحركم إما وإما
    وأسلك كل فج في هواكم ... وأشرب كأسكم لو كان سما
    ولا أصغي إلى من قد نهاني ... ولي أذن عن العذال صما
    أخاطر بالخواطر فى هواكم ... وأترك في رضاكم أبا وأما


    .. وظل كيد الشيطان ومكره يتجدد ويضع مخططات التضييق والكراهية والبغضاء والحقد والحسد والجدل والمراء وحب الدنيا من مناصب ومكاسب ومطامع ومطامح : [إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم]...((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)) .. فقد آلمه عقد الأخوة وروح المحبة وآصرة الرابطة القلبية ونعمة الحركة الوسطية المعتدلة وأجواء الحرية النسبية وقوة الانسجام التام والتناغم البديع والانضباط العجيب...


    فعمل ليل نهار: (( بل مكر الليل والنهار)) بالنميمة : ((هماز مشاء بنميم)) .. بالغيبة والتجريح والتشويه وقلب الحقائق.. بزرع الفتن ونشر القبائح والفضائح.. فهز أركان البيعة... وزعزع الثقة... وذهب بحلاوة المحبة وحولها إلى نسيج خشبي وهيكل عظمي لا روح فيه ولا حياة... وتحولت مجالس المناجاة إلى مجالس نجوى (كأن لم تكن بينه و بينهم مودة.. وخبز وملح).. و تحولت حلقات العلم والربانية إلى حلقات إحصاء للأخطاء والهمسات.. و تحولت فنون التخطيط والتدريب إلى أساليب للدهاء والمكر وأنواع الحيل!!..

    (( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم )).

    (.. يوم ينتهي الحب يقع الهجر والقطيعة في العالم ، وسوء الظن والريبة في الأنفس ، والانقباض والعبوس في الوجوه ، يوم ينتهي الحب لا يفهم الطالب كلام معلمه العربي المبين ، ولا تذعن المرأة لزوجها ولو سألها شربة ماء ، ولا يحنو الأب على ابنه ولو كان في شدق الأسد ، يوم ينتهي الحب تهجر النحلة الزهر ، والعصفور الروض ، والحمام الغدير ، يوم ينتهي الحب تقوم الحروب ، ويشتعل القتال ، وتدمر القلاع ، وتدك الحصون ، وتذهب الأنفس والأموال ، ويوم ينتهي الحب تصبح الدنيا قاعا صفصفاً ، والوثائق صحفا فارغة ، والبراهين أساطير ، والمثل ترهات !..)...


    فلا علاج إلا بإشاعة الحب من جديد.. فالحب هو إكسير الحياة والنجاح والوحدة والنصر: (بالحب يثور النائم من لحافه الدافئ ، وفراشه الوثير لصلاة الفجر ، بالحب يتقدم المبارز إلى الموت مستثقلا الحياة ، بالحب تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا يقال إلا ما يرضي الرب ، الحب كالكهرباء في التيار يلمس الأسلاك فإذا النور ، ويصل الأجسام فإذا الدفء ، ويباشر المادة فإذا الإشعاع ، الحب كالجاذبية به يتحرك الفلك ، وتتصاحب الكواكب ، وتتآلف المجموعة الشمسية ، فلا يقع بينهما خصام ولا قتال ، بالحب تتآخى الشموس في المجرة فلا صدام هناك..).

    يبدو أن أكثر دعاة الإسلام قد تخلفوا عن أداء مهمة هي من أخص مهامهم ، وأن تخلفهم عن أداء هذه المهمة هو السبب الأول وراء كل مشكلة تعترض ركب الدعوة وكل عثر يقع فيها...


    هذه المهمة هي إشاعة الحب بين القلوب ، إنه كما يختص كل أستاذ بمادة يحسنها ولا يضيره ألا يحسن سواها ، فكذلك الداعي إلى الله يختص بمادة الحب :

    حب الله وتوثيق عرى المحبة بين القلوب... ولا يضيره كثيرا إن هو نجح في مادته أن يقصر فيما سواها ، لأنه حينئذ يكون قد أرسى الأساس الراسخ في أعماق النفوس ، وهيأ المنبت الصالح لكل الفضائل ، وأقام الحصن المنيع دون أكثر الفتن.)

    قد أدرك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود قيمة نعمة الأخوة فكان إذا خرج إلى أصحابه قال : " أنتم جلاء حزني " ،


    وورث جيل التابعين هذه التركة الثمينة وذاقوا طعمها فعدَّها الحسن البصري من حلاوة العيش لا في مطعم شهي أو مرقد دفي. قال رحمه الله : " لم يبق من العيش إلا ثلاث : أخ لك تصيب من عشرته خيرا فإن زغت عن الطريق قوَّمك ، وكفاف من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة ، وصلاة في جُمَع تُكفى سهوها وتستوجب أجرها " .

    وهذه الحلاوة كان طعمها أحلى من العسل عند المحدِّث القارئ طلحة بن مصرف الذي كان إذا لقي مالك بن مغول يقول له : لَلُقياك أحب إليَّ من العسل..!!

    قاتلوا الناس بالحب:

    يقول محمد الحسني الندوي : (إن سر نجاح الإمام الشهيد حسن البنا هو الحلم والصفح والغفران والعرفان بالجميل والأخوة الندية العذبة ،وأيم الله إنها الناحية الوحيدة التي فقدناها وفقدنا معها الخير كله والبركة كلها،كان العدو اللدود والخصم العنيد يأتي حسن البنا لا يريد به إلا شرا أو لايضمر له إلا الكيد ثم يعود محبا مأخوذا بجمال إيمانه ونور وجهه وحسن سريرته..)

    هاهو حسن البنا يؤكد شهادة الندوي بقوله : إن من عيوبي أنني لا أعرف كيف أعادي ؟؟!!.

    إن الكــــــريم لكالربيــ ـع تحبــــه للحسـن فيه
    وإذا تحــــرق حاسدوه بكى ورق لحـــــاسديه


    وهاهو معروف الكرخي قاعدا يوما على دجلة ببغداد ، فمر به صبيان في زورق يضربون بالملاهي ، ويشربون ،فقال له أصحابه أما ترى هؤلاء يعصون الله تعالى على هذا الماء؟.. فادع الله عليهم.. فرفع يديه إلى السماء وقال : إلهي وسيدي : كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة..!!فقال له أصحابه : إنما سألناك أن تدعو عليهم ، ولم نقل لك ادع لهم!!.. فقال إذا فرحهم في الآخرة : تاب عليهم في الدنيا.)...

    قال الراشد- في منهجيته- معلقا : فأصل أمرنا الدعوي وشعورنا قائم على محبة الناس والعطف على العصاة والفساق ومحاولة انتشالهم مما هم فيه..لا الشماتة بهم... ولا تركهم لشيطانهم...!!!...

    .

    وهاؤم تـفحصوا تاريخنا ، كم من منتصر لنفسه استعجل فخاصم ، فما استطاع من قيام وما كان منتصراً ،

    لفتـه دوامة العيش المعقد فضاع في خِضَمّها منسياً ، يأكل و يشرب ، و ليس له من بعد ذلك نوع وجود..

    إن جموع هؤلاء المغاضبين إنما تأخرت و ضاعت في تيار الدنيويات بما كانت بموازين الأخوة تخل ، ولو أنهم استـقاموا على الطريقة الأولى وراغوا إلى فقه الأخوة الموروث ، لما مسّهم اللغوب و الضياع .

    إن الفقه الذي ورثـناه عن التابعي بكر بن عبد الله المزني ينص على إنك : " إذا وجدت من أخوانك جفاء

    فذلك لذنب أحدثـتَه ، فتب إلى الله تعالى ، و إذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة أحدثـتها فاشكر الله تعالى... اتهم نفسك إذا عوملت بجفاء أو رأيت نوع تـقصير في حقـك الذي تظنه قبل أن تبادر بالهجوم .

    ولكن كم أرتـنا الأيام من قال هجرا ، وتراه إذا ما دعوته إلى اللين يعبس ويبسر ، و يذهب مغاضباً ، كأنما تدعوه إلى شيء نكر ، و إنما هي سذاجة نـفسه نريد أن نقيه إياها ، وإنما هو تربص العدو نريد أن نبعده عنه ، بما عرفنا عن عدونا من قعوده للدعاة صراط أخوتهم المستـقيم.. .الرقائق بتصرف..

    إذا ما بدت من صاحب لك زلة **** فكن أنت محتالاً لزلتـه عذراً

    أحب الفتى ينفي الفواحشَ سمعُه **** كأن به عن كل فاحشة وقرا

    سليم دواعي الصدر لا باسط أذى **** ولا مانع خيراً ، ولا قائل هجرا..

    ومن هنا كانت هذه العودة إلى محاولة تأكيد معنى الأخوة كجزء من إحياء فـقه الدعوة ، فإن الأخوة شرعية دعوتـنا وشعارها واسمها ، وميثاقها الذي واثـقتـنا به ، وكتابها الذي كتبته على نفسها ، وما زالت تأتي دعوتـنا المباركة بصائر جديدة من تجاربها المتكررة تسرع بها إلى ابتغاء كل وسيلة إلى هذه الفضائل وتجميع أنصارها إلى الله على التحابب ، والتكافل ، و التسامح ، و مكملات هذه الرواسي الشامخات ، وكمالها أن ترى من بعد وحدة الرؤية و الفكر و الخيال و الرجاء و المصير : وحدة القلب و الروح ، بل و وحدة اللفظ أيضاً ، فلا تكون هناك إلا صيحات واحدة . بحروف متـقاربة ، تعبر عن مفهوم واحد ، كما أراد إقبال حين يقول:

    نحن من نعمائه حلف إخاء **** قلبنا و الروح و اللفظ سواء..



    المراجع:

    الرقائق: للشيخ الراشد
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    سلسلة الرواحل.. زاد وصفات

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 16:28

    وما الدهر إلا من رُواةِ قصـائدي...إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا..!


    الرواحل.. زاد وصفات(1) :

    (إن كل تشدد في انتقاء جيل الرواد مستحسن، بل يجب أن يبلغ أبعد مداه، فإنه هو الجيل الذي سيقود الأجيال التي بعده، وعليه يقع ثقل البناء، ومنه يطلب الصبر على طول الرحلة، وإليه تشرئب الأعناق، تنتظر مبادرته إلى ضرب الأمثال، وهو الذي سيقص القصص للذين يقتدون، ويبتدع السنن للذين يقتفون.إن أمر هذا الجيل كأمر المهاجرين وقدماء الأنصار في الثبات يوم كثر النفاق بعد بدر، وفي الشجاعة يوم انهزم الطلقاء في حنين، وفي الوفاء يوم ارتدت العرب بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-..!)




    وما الدهر إلا من رُواةِ قصـائدي … إذا قلتُ شعراً أصبح الدهر منشدا
    وسـار به من لا يسـير مشمراً … وغنَّـى به من لا يغنى مغَرِّدا …!!!

    الرواحل هم فرسان الدعوة الذين لا يترجلون.. والأوفياء الصادقون الثابتون الذين لا يتلونون ولا يغدرون.. والأبطال والشجعان الذين لا يترددون.. والربانيون : التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله..!

    بهم يحفظ الله الدعوة والعمل الإسلامي : هممهم عند الثريا بل أعلى ، بواطنهم كظواهرهم بل أحلى ، تحبهم بقاع الأرض وتفرح بهم ملائكة السماء..!

    قال صلى الله عليه وسلم : الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة..!

    والراحلة هي الناقة القوية السريعة السير، لا تجدها إلا قليلة في الإبل، كأن نسبتها، لقلتها، لا تتعدى الواحدة في القطيع.

    الرواحل: هم الرجال والأبطال والعلماء والدعاة وصناع الحياة ، بل هم لب وروح وجوهر الحركة..والراحلة المفقودة التي تحمل أثقال السائرين إلى الله.. إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها..كم من قتيل لإبليس قد أحييوه ، وكم من ضال تائه قد هدوه!!..شعارهم العملي الدائم:

    سأظل للإخوان جسرا يعبر...حتى أوسد في التراب وأقبر..!!

    وهم الذين يحولون النصوص إلى واقع عملي حي شاخص متحرك..ويصوغون من المصحف إنسانا نموذجيا يدب على الأرض..

    ويجسدون كلمات الشهيد : سيد قطب التي كتبها مرتين-بمداد قلمه ثم بدمائه-:

    إن النصوص وحدها لا تصنع شيئا، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلا ، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكا ،لقد كان هدفه-صلى الله عليه وسلم-أن يصنع رجالا ، لا أن يلقي مواعظ..وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا ، وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة ، لقد انتصر يوم صاغ من الإسلام شخوصا ، وحول إيمانهم بالإسلام عملا ، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفا ، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق ، إنما طبعها بالنور على صحائف القلوب ، و صنع منهم قرآنا حيا يدب على الأرض..!!

    يقول عنهم الإمام المجدد : إن تاريخ الأمم جميعا إنما هو تاريخ ما ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات . وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما يقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة . وإني أعتقد – والتاريخ يؤيدني – أن الرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته.

    الرواحل هم الذين عشقوا الدعوة وشغفتهم حبا فهي عندهم: أجمل من بثينى،وأحلى من ليلى،وأروع من مي.. ويترنمون مع المجنون :

    مررت على الديار ديار ليلى
    أقبل ذا الجدار و ذا الجدار
    و ما حب الديار شغفن قلبي
    ولكن حب من سكن الديار

    والمثال الأقرب للرواحل : ليس هو الطبيب ، ولا المهندس ، ولا المدرس ،فكلهم ينتظر الراتب آخر الشهر ، ونهاية الدوام ، وكلهم مشروعه مرتبط بأمر يتحقق ، ولكنه العاشق والمتيم ! ... والذي ينتظر المعشوقة بفارغ الصبر ، ولا يشعر أو يحصي كم بذل من أجلها من وقته واهتمامه ، والذي إذا سدت في وجهه الأبواب ، دخل من النوافذ ! وإذا استعصت عليه الحيل ، أتى بأخرى !

    ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها..... تريد أم الدنيا وما في طوياها
    لقال غبار من تراب نعالها....... ألذ لنفسي وأشفى لبلواها

    فهم يجسدون الحكمة العطائية : حبا وصفاءا وفناءا وتضحية فداءا وإخلاصا و وفاءا: ( ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا، أو يطلب منه غرضا، فإن المحب من يبذل لك ، ليس المحب من تبذل له.)

    وهم الذين لبوا نداء الدعوة حين استغاثت وهتفت قائلة:

    يا ابن الدعوة .. يا صاحب الرسالة .. يا وريث أولي العزم من الرسل ..
    إنها الأمانة الثقيلة التي ناءت بحملها السماوات والأرض والجبال وحملتها أنت، فعلمت بذلك أنك لابد أن تكون أقوى من السماوات والأرض والجبال!! فهذه الأمانة لن يحملها ضعيف متخاذل ، ولا كسول متراخ ولن يصلح لها إلا الجد والقوة، وهذه هي لغة القرآن .. ألم تسمع : ﴿ يا يحيى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً* وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا* وَبَرًّا بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً* وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾

    اعرف قدر نفسك .. وموضع قدمك ..
    يا مقتفي الأثر الرائع .. أثر محمد وصحبه:
    أنت لابس لأمته في معركته مع الباطل
    أنت خليفته في دعوته
    أنت راقي منبره لتعظ الأمة من ورائه
    أنت وارث رسالته

    قم فما يُعهد من صاحب رسالة نوم .. قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك .. قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة..

    وكان هذا النداء الذي تتردَّد أصداؤه بيننا إلى اليوم إيذانا بشحذ العزائم، وتوديعا لأوقات النوم والراحة، والتلفف بأثواب الهجوع ، وكان إشعارا بالجد الذي يصنع الحدث ويرميه في حجر أعدائه ليتفاعلوا معه، لا أن ينتظر كيد العدو ليتفاعل هو معه.

    صاحب الرسالة يا دعاة يسبق الحدث لا ينتظره حتى يقع، ويسابق الزمن خوف الفوت، متوثباً إلى غايته النبيلة وهدفه السامي، وصوته الهادر يبايع نبيه موقِّعا معه عقد البذل والاستشهاد صائحا:

    نبي الهدى قد جفونا الكرى ... وعِفنا الشهي من المطعم
    نهضنا إلى الله نجلو السرى ... بروعة قرآنه المنزل

    أعداء دينك لا ينامون ، بل يصبرون ويحتملون في سبيل الباطل ما لا تحتمله أنت في سبيل الحق..

    -كم مضى من عمرك، وماذا قدَّمت فيه لدينك؟!
    راجع النعم التي اختصَّك الله بها وانظر فيم سخَّرتها؟
    هل استحوذَت عليها دنياك أم ادَّخرت منها شيئا لدينك الجريح وقومك المغلوبين؟!
    اطرح عنك تلبيس إبليس وأعذار المفاليس .. واسأل نفسك الآن والله مطلع عليك:

    هل تعمل لدينك وتبذل لدعوتك ما دمت فارغا، فإذا عرفتك الأسواق وصفقات التجارات توارت الدعوة عندك إلى الأولوية العاشرة؟!
    هل تقدِّم لدعوتك هوامش أوقاتك وفضلة حياتك؟!
    هل تسعى لمد الدعوة بروافد جديدة كما تسعى لمد راتبك بموارد جديدة؟!
    هل يؤرِّقك نشر الهداية وتوسيع رقعة الصالحين كما يؤرِّقك السعي على الرزق وتأمين حياة أبنائك المقرَّبين؟!

    يقول أنموذج الرواحل الملهم الموهوب:حسن البنا : (ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل، والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء... ولهذا وأمثاله نعمل، ولإصلاح هذا الفساد وقفنا أنفسنا فنتعزى، ونحمد الله على أن جعلنا من الداعين إليه العاملين لدينه..).

    صفات الرواحل:

    الصفة الأولى : إخواننا نمرضُ فنعودكمُ وتخطئون فنأتيكم فنعتذرُ..!

    والله ما فاز من فاز إلا بحسن الأدب ولا سقط من سقط إلا بسوء الأدب..

    قال صاحب المدارج:

    -فانظر إلى الأدب مع الوالدين : كيف نجا صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة؟..والإخلال به مع الأم –تأويلا وإقبالا على الصلاة-كيف امتحن به جريج الراهب بهدم صومعته وضرب الناس له ،ورميه بالفاحشة؟!..

    -وتأمل كل شقي ومغتر ومدبر : كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان ؟
    -وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة :أن يتقدم بين يديه ،

    فقال : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .)،

    كيف أورثه مقامه، من الإمامة والقيادة والريادة؟ فكان ذلك التأخر إلى خلفه ...وقد أومأ إليه أن : اثبت مكانك.. سعيا إلى الأمام ....!!..


    -وتمعن في حال الصوام القوام الذي جبينه مقرحة من السجود ذو الخويصرة التميمي كيف أساء الأدب مع سيد الخلق:
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل.
    فقال عمر يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟
    فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية...أخرجه البخاري.


    فالرواحل يتميزون بالتواضع والذلة على المؤمنين وهضم النفس والتغافر والعفو والتسامح :

    جرى بين الحسين بن علي وأخيه محمد بن الحنفية رضي الله عنهم أجمعين كلامٌ فانصرفا متغاضبيْن، فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رُقعة وكتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي بن أبي طالب، أما بعد: فإنَّ لك شرفًا لا أبلغه، وفضلاً لا أدركه، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك، وسِرْ إليَّ فترضَّاني، وإياكَ أن أكونَ سابقَك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام..

    فلما قرأ الحسين رضي الله عنه الرقعة لبس رداءه ونعليه، ثم جاء إلى أخيه فترضَّاه، رضي الله تعالى عنهما وجمعنا بهم في عليِّين.

    - من لي بإنســــان إذا أغضبته وجهلت كان الحـلم رد جـــــــوابه
    وإذا صبوت إلى المـدام شربت من أخلاقــــه وســكرت مــن آدابـــه
    وتراه يصغي للحـــديث بطرفــــه وبســـمعـــه ولعـــله أدرى بــــه. .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الرواحل زاد وصفات (2) :

    مُساهمة  Admin في الأحد 13 نوفمبر 2011 - 16:38

    وكن رجلا إن أتوا بعــده ... يقولون : مر، وهــذا الأثر



    الرواحل زاد وصفات (2) :


    (( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟! ))

    إن لحظة الالتزام بالدعوة هي نقطة الانعطاف الكبرى ، وبداية العمر الحقيقي : إنها ميلاد من رحم الفوضوية والعفوية والصيحات البدوية إلى رحاب العمل التراكمي الهادي الهادئ الموزون .. ومن ضيق الفردية والانكماش والتقوقع إلى سعة الجماعة وفقه المخالطة وفن المشاركة .. ومن هم الزوجة والولد والدينار إلى هم الدعوة وتعميق المسار.. ومن ظلمات التيه والشقاء والنكد إلى أنوار السعادة والراحة والسكينة..ومن أهداف قريبة صغيرة محدودة هزيلة حقيرة إلى صناعة الحياة وتحريك العالم..!



    قـلت: الحيـاة هي التـحرك لا السكـون ولا الهمـود
    وهي التـفاعل والتـطـور لا التـحجـر والجـمـود
    وهي الجـهـاد، وهل يجـاهـد من تـعلق بـالقـعود
    وهي الشعور بالانـتـصار ولا انـتـصار بلا جـهود
    وهي التـلـذذ بالمتـاعـب لا التـلـذذ بـالـرقـود..!

    ولن تذوق حلاوة الحياة وطعم السعادة في السكون و الخمول والخمود:

    قالوا: السعادة في السكون وفي الخمـول وفي الخمود
    في العيـش بيـن الأهـل لا عيـش المهاجر والطريـد
    في لقمـة تأتـي إليـك بغيـر ما جـهـد جـهـيـد
    في المشي خلف الركب في دعـة وفي خطـو وئـيـد
    في أن تـقـول كمـا يقـال فـلا اعتـراض ولا ردود
    في أن تـسيـر مع القطيـع وأن تـقـاد ولا تـقـود
    في أن تـصيـح لكل وال عاش عـهـدكـم المـجـيـد
    في أن تـعيـش كما يراد ولا تـعيـش كمـا تـريـد‍..


    يقول الشهيد سيد قطب الذي فهم ظلما وزورا بأنه يدعو إلى العنف و تكفير المجتمع واعتزاله والاستعلاء عليه في رسالته الرائعة أفراح الروح:
    عندما نعيش لذواتنا فحسب ، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة ، تبدأ من حيث بدأنا نعي ، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود ..أما عندما نعيش لغيرنا ، أي عندما نعيش لفكرة ، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة ، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض !…

    إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة ، حينما نعيش للآخرين ، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين ، نضاعف إحساسنا بحياتنا ، ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية !.

    حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحا ، أو أطيب منهم قلبا ، أو أرحب منهم نفسا أو أذكى منهم عقلا لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا … لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبيل وأقلها مؤونة !.

    إن العظمة الحقيقية : أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع !. إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقا .. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد : هو العظمة الحقيقية !.

    همة منحطة:

    يروي الرواة أن الحطيئة هجا الزبرقان بقصيدة قال فيها :
    دعِ المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ..!

    فجاء الزبرقان يشكو ويتهمه بأنه هجاه ، قال عمر: ما أسمع هجاءً ولكنها معاتبةٌ؛ فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس ! فقال عمر: عليَّ بحسان ، فجيء به فسأله ؛ فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه. ويقال : إنه سأل لبيداً عن ذلك فقال: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأن لي حمر النعم ، فأمر به عمر فحُبِس .

    فانظر كيف كانت همَّة الطعام والشراب معيبة، وعارا لا يفارق صاحبه، وسُبة في جبينه تلزمه أبد الدهر حتى الموت!!

    غاية وهمة عرفجية:

    رجل سُمع يدعو قائلا ً : اللهم أمتني ميتة ( عرفجة ) فظن أن الرجل مات شهيدا ً ، أو عاش سديدا ً ، أو لقي الله صائما ً أو قائما ً فقابله بفعل حميد ، فسأله سائل : ومن عرفجة هذا ؟ وكيف مات ؟ فأجابه : هذا رجل أكل لحما ً مشويا ً ، وشرب ماء نميرا ً طيبا ً ، ونام في الشمس ، فمات شبعان ريان دفآن ، فما أحسنها من ميتة ..!


    وانظر بعدها إلى همم الناس حولك، هل تجدها اليوم إلا في زوجة حسناء وحلم بقصر مشيد ونزهة ومتعة وأكلة وشربة؟! هل ترى أكثرهم إلا حافظي أموال ومضيعي دين!! في دائرة الهجاء يدورون وداخل حلقة الذمِّ مُحاصرون؟!

    أما أنت .. فالحمد لله الذي عافاك، حملت أشرف هم وأجل غاية، فهَمُّك دعوتك، وشغلك رسالتك، ويحق لك أن تفرح بذلك وتفخر بذلك وتصدح في العالمين بذلك..! :

    نبي الهدى قد جفونا الكرى ... وعِفنا الشهي من المطعم
    نهضنا إلى الله نجلو السرى ... بروعة قرآنه المنزل.


    قالوا: السعادة فـي الغنـى فأخو الثـراء هو السعيـد

    الأصـفـر الـرنـان في كفـيـه يلـوي كل جـيـد

    قلت: الغنـى في النـفس وهو لعمرك العيـش الرغيـد

    قـالوا: السعادة فـي النـفوذ وسلطـة الجـاه العتيـد

    مـن كالأميـر وكالوزيـر وكالمـديـر وكـالعميــد؟

    يرنـو إلـى مـن دونـه فيـسابـقون لمـا يـريـد

    وإذا رأى رأيـاً فـذلك وحـده الـرأي الـرشـيــد

    قالوا: السعادة في الـغرام الحلو… في خصـر وجيـد

    في نرجس العيـن الضحوك وفي الورود على الخـدود

    في ليـلة قـمراء ليس بها سـوى الشـهب الشـهود

    فيـها التـناجي يـستـطاب كـأنـه وتــر وعـود

    قـلـت: الغـرام خـرافـة كبـرى وأحـلام شـرود

    هـو فـكـرة بـلهاء أو نزعات شيـطان مـريـد

    قل: للـذي يبـغي السعـادة هل علمـت من السعيـد؟

    إن السعـادة: أن تـعـيـش لفـكرة الحـق التـليـد

    لعقـيـدة كـبـرى تـحـل قضيـة الكـون العتـيـد

    وتـجيـب عما يسأل الحيران فـي وعــي رشـيـد

    من أيـن جئت؟ وأيـن أذهب؟ لم خلقت؟ وهل أعـود؟

    فتشيـع في النفس اليـقيـن وتـطرد الشك العنـيـد

    وتـعلم الفـكـر السـوي وتـصنـع الخـلق الحميـد

    وتـرد للنـهـج المـسدد كل ذي عــقــل شـرود

    تـعطـي حيـاتـك قيـمة رب الحيـاة بـها يـشيـد

    ليـظل طـرفـك رانـيـا في الأفـق للهدف البـعيـد

    فتـعيـش في الدنيا لأخـرى لا تـزول ولا تـبـيـد

    وتـمد أرضـك بـالسمـاء وبالمـلائـكة الـشهـود

    وتـريـك وجـه الله فـي مـرآة نـفـسك والوجـود


    أثر.. مع قافلة الهجرة : (( ونكتب ما قدموا وآثارهم..))

    كل مسلم مطالب بإبداء أثر في هذا الاستدراك، والمشاركة فيه بنوع من الخير، حسب استطاعته، ولا معنى لحياة امرئ سلبي، يرتع في هذه الدنيا: أكلا وشربا وتلذذا بالنساء، والمفكرون من حوله لا يحاول أن يبدي موقفه منهم، والسياسيون عن يمينه وشماله بين صالح وطالح يصطرعون وهو يتفرج.

    قال الرافعي : إن لم تزد شيئا على الدنيا: كنت أنت زائدًا على الدنيا..!

    وكن رجلا إن أتوا بعــده ... يقولون: مر، وهــذا الأثر


    وما نحسب أن الهمم تتعاقد على أقل من هذا : أن يكون لك أثر يطبعه قدمك مع الركب السائر، يمنحك حقا في العجب معنا من : مصلين ، أكتافهم في المساجد بأكتافنا، مازالوا يتأخرون عن المسير مع قافلتنا، ويسألون عن وجهتنا، وربما يتشككون، وما دروا أن قد سبقهم من سبق، وأن قد جد الرعيل في الرحيل، وإن المتأخر في الالتحاق: متأخر في الفضل.

    أنشــأت أسألـه عن حـال رفقته...فقال حـي ، فإن الركب قد نصبا
    يقول الشيخ الراشد: .. وقد كنت في الأيام الخوالي ألاطف إخواني فأفتش على أحذيتهم..! ليس على نظافتها وصبغها ورونقها كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها وتقطعها والغبار الذي عليه ا، وأقلبها فأرى النعل ،فمن كان أسفل حذائه مهترئا تالفا فهو الناجح ، وأقول له : شاهدك معك حذاؤك يشهد لك أنك تعمل وتغدو في مصالح الدعوة وتروح وتطبق قاعدة: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين،اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون)..وبكثرة حركتك تلف حذاؤك،فأنت المجتاز المرضي عندي..!


    أرى التفكير أدركه خمول...ولم تعد العزائم في اشتعال

    وأصبح وعظنا من غير سحر...ولا نور يطل من المقال

    وعند الناس فلسفة وفكر...ولكن أين تلقين الغزالي

    وجلجلة الآذان بكل صوت...ولكن أين صوت من بلال

    منابركم علت في كل حي...ومسجدكم من العباد خال..!

    الهدهد ... ذو الهمة العالية :

    هذا هدهد سليمان لما غاب في جولة من جولاته فاجأه منظر: أناس يسجدون للشمس من دون الله،فيرجع إلى سليمان.. فيعرض الفساد الاجتماعي : (( وجدت امرأة تملكهم..! )) وحلل سبب ذلك : (( وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم )) .. وعرض الفساد العقائدي : (( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله )) .. وحلل وعلل : (( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون )) .. ثم أردف متعجبا : (( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون..))

    سبحان الله ..هدهد يسبقنا.. ويقود أمة إلى طريق الحق والقوة والحرية...!

    امرأة تحيي أمة :

    المرأة : اسمها ميسون.. والمكان:دمشق .. والزمان : يوم من أيام سنة :607 .. والمحنة : هجوم الصليبيين كالطوفان المدمر.. ومحنتها : استشهاد إخوتها الأربعة في جهادهم المقدس..

    ماذا يمكن أن تفعل امرأة عزلاء في مواجهة هذه الجحافل..؟

    نعم...امرأة وحدها.. لكنها امرأة صاغها الإيمان خلقا آخر.. فقلبت الموازين ، وأدارت دفة الأمور.. وغيرت مجرى الأحداث.. وحركت التاريخ..!

    جمعت النساء اللاتي حضرن يواسينها ويعزينها وقالت لهم : إننا لم نخلق رجالا نحمل السيوف.. ولكن إذا جبن الرجال وأخلدوا إلى الأرض .. وتمرغوا في الوحل والطين.. هذا والله شعري ، أثمن ما أملك ، أنزل عنه أجعله قيدا لفرس تقاتل في سبيل الله ، لعلي أحرك به هؤلاء الأموات..!

    وأخذت المقص فجزت شعرها.. وصنع النساء صنيعها.. ثم جلسن يضفرنه لجما وقيودا لخيل المعركة الفاصلة ، لا يضفرنه ليوم زفاف أو ليلة عرس..!.. وأرسلن هذه القيود واللجم إلى خطيب الجامع الأموي سبط ابن الجوزي ، فحمله إلى الجامع يوم الجمعة.. وقعد في المقصورة.. وحبس هذه اللجم والقيود بين يديه،والدمع يترقرق من عينيه .. ووجهه ممتقع شاحب،.. ثم قام وخطب خطبة حروفها من نار.. تلذع أكباد من يسمعها.. وكلماتها سجر.. فكانت إحدى المعجزات البلاغية الساحرة الباهرة التي يهدر بها كل عصر مرة لسان محدث ، أو يمشي بها قلم ملهم.. كرامة من الكرامات وواحدة من خوارق العادات ، وإنما حفظ الرواة جملا منها نقلوها إلى لسان الأرض .. وكان مما حفظوا :

    يا ويحكم .. أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم .. يخطو على أرضكم التي سقيت بالدماء الزكية الطاهرة..يذلكم ويتعبدكم.. وأنتم كنتم السادة والقادة..؟!

    أما يهز قلوبكم وينمي حماستكم ، أن إخوانا لكم قد أحاط بهم العدو، وسامهم ألوان الخسف..؟

    أفتأكلون وتشربون وتنعمون وإخوانكم هناك يتسربلون باللهب ويخوضون النار.. وينامون على الجمر..؟!

    يا أيها الناس: إنها قد دارت رحى الحرب ، ونادى منادي الجهاد..وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فأفسحوا الطريق للنساء يدرن رحاها،واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل.. أولا... فإلى الخيول،وهاكم لجمها وقيودها.. أتدرون مم صنعت..؟

    لقد صنعنها النساء من شعورهن..لأنهن لا يملكن غيرها يساعدن به فلسطين..

    هذه والله ضفائر المخدرات التي لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحياء وحفظا.. قطعنها..لأن تاريخ الحب قد انتهى...وابتدأ تاريخ الجهاد المقدس..فإذا لم تقدروا على الخيول تقيدونها بها،فخذوها فاجعلوها لكم ذوائب وضفائر..إنها من شعور النساء..ألم يبق في نفوسكم شعور..؟!

    وألقاها من فوق المنبر على رؤوس الناس وصرخ :

    تصدعي يا قبة النسر..وميدي يا عمد المسجد..وانقضي يا رجوم..لقد أضاع الرجال رجولتهم..!

    فصاح الناس صيحة ما سمعوا مثلها.. ووثبوا يطلبون الموت ويصنعون الشهادة..

    فجاء النصر والفتح على يد امرأة واحدة أيقظت أمة نائمة.. بل خامدة هامدة جامدة.. ونفخت فيها الروح والحياة..!

    ونحن نقول اليوم:

    إن التمكين للدعوة .. وتحرير المسجد الأقصى.. ونصرة قضايا الأمة..لا يتم إلا بإيجاد نساء شبيهات بميسون.. ورجال من أمثال سبط ابن الجوزي.. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب..

    فإن قعدنا عن تربية هذه النماذج..أثمنا..وأخرنا ساعة النصر..ووجهنا رصاصة غادرة لصدور إخواننا العارية..وإن إيثارنا القعود مع العيال وجمع الأموال على الدعوة و البذل والعطاء والوفاء.. لهو أعظم يد عون نقدمها للأعداء.. اعتزالنا في خلوات التعبد وإيثار السلامة عن غشيان الخلق والأخذ بنواصيهم إلى طريق الحق.. لهو بذور محنة جديدة هي أشد وأعظم وأنكى..نزرعها لتجني لظاها أجيال الدعوة القادمة..

    فلتسرج خيول الدعوة... وللنفض غبار النوم عنا..!


    همة أبطال قافلة شريان الحياة :

    درس في علو الهمة والتضحية وعشق الحرية نأخذه من البطل: جورج جالاوي الذي قاد قافلة شريان الحياة .. ودخلوا غزة العزة وعليهم آثار الدماء وغبار المعركة.. ومكثوا أياما صابرين مصابرين مرابطين.. بل متحدين العوائق والمثبطات..هؤلاء على كفرهم يناصرون غزة ويفكون الحصار ويحطمون جدار العار:

    تبلد في الناس حس الكفاح

    ومالوا لكسب وعيش رتيب

    يكاد يزعزع من همتي

    سدور الأمين وعزم المريب..!

    يقول الإمام المجدد الشهيد : أما.. الذي ينام ملء جفنيه ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًَا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يُكتب في عداد المجاهدين.



    المراجع :

    المسار : للشيخ الراشد.

    قصيدة السعادة : للشيخ القرضاوي.

    قصص من التاريخ : للشيخ علي الطنطاوي
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الرواحل زاد وصفات (2)

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:21

    وكن رجلا إن أتوا بعــده ... يقولون : مر، وهــذا الأثر



    الرواحل زاد وصفات (2) :


    (( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟! ))

    إن لحظة الالتزام بالدعوة هي نقطة الانعطاف الكبرى ، وبداية العمر الحقيقي : إنها ميلاد من رحم الفوضوية والعفوية والصيحات البدوية إلى رحاب العمل التراكمي الهادي الهادئ الموزون .. ومن ضيق الفردية والانكماش والتقوقع إلى سعة الجماعة وفقه المخالطة وفن المشاركة .. ومن هم الزوجة والولد والدينار إلى هم الدعوة وتعميق المسار.. ومن ظلمات التيه والشقاء والنكد إلى أنوار السعادة والراحة والسكينة..ومن أهداف قريبة صغيرة محدودة هزيلة حقيرة إلى صناعة الحياة وتحريك العالم..!



    قـلت: الحيـاة هي التـحرك لا السكـون ولا الهمـود
    وهي التـفاعل والتـطـور لا التـحجـر والجـمـود
    وهي الجـهـاد، وهل يجـاهـد من تـعلق بـالقـعود
    وهي الشعور بالانـتـصار ولا انـتـصار بلا جـهود
    وهي التـلـذذ بالمتـاعـب لا التـلـذذ بـالـرقـود..!

    ولن تذوق حلاوة الحياة وطعم السعادة في السكون و الخمول والخمود:

    قالوا: السعادة في السكون وفي الخمـول وفي الخمود
    في العيـش بيـن الأهـل لا عيـش المهاجر والطريـد
    في لقمـة تأتـي إليـك بغيـر ما جـهـد جـهـيـد
    في المشي خلف الركب في دعـة وفي خطـو وئـيـد
    في أن تـقـول كمـا يقـال فـلا اعتـراض ولا ردود
    في أن تـسيـر مع القطيـع وأن تـقـاد ولا تـقـود
    في أن تـصيـح لكل وال عاش عـهـدكـم المـجـيـد
    في أن تـعيـش كما يراد ولا تـعيـش كمـا تـريـد‍..

    يقول الشهيد سيد قطب الذي فهم ظلما وزورا بأنه يدعو إلى العنف و تكفير المجتمع واعتزاله والاستعلاء عليه في رسالته الرائعة أفراح الروح:
    عندما نعيش لذواتنا فحسب ، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة ، تبدأ من حيث بدأنا نعي ، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود ..أما عندما نعيش لغيرنا ، أي عندما نعيش لفكرة ، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة ، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض !…

    إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة ، حينما نعيش للآخرين ، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين ، نضاعف إحساسنا بحياتنا ، ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية !.

    حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحا ، أو أطيب منهم قلبا ، أو أرحب منهم نفسا أو أذكى منهم عقلا لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا … لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبيل وأقلها مؤونة !.

    إن العظمة الحقيقية : أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع !. إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقا .. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد : هو العظمة الحقيقية !.

    همة منحطة:

    يروي الرواة أن الحطيئة هجا الزبرقان بقصيدة قال فيها :
    دعِ المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ..!

    فجاء الزبرقان يشكو ويتهمه بأنه هجاه ، قال عمر: ما أسمع هجاءً ولكنها معاتبةٌ؛ فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس ! فقال عمر: عليَّ بحسان ، فجيء به فسأله ؛ فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه. ويقال : إنه سأل لبيداً عن ذلك فقال: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأن لي حمر النعم ، فأمر به عمر فحُبِس .

    فانظر كيف كانت همَّة الطعام والشراب معيبة، وعارا لا يفارق صاحبه، وسُبة في جبينه تلزمه أبد الدهر حتى الموت!!

    غاية وهمة عرفجية:

    رجل سُمع يدعو قائلا ً : اللهم أمتني ميتة ( عرفجة ) فظن أن الرجل مات شهيدا ً ، أو عاش سديدا ً ، أو لقي الله صائما ً أو قائما ً فقابله بفعل حميد ، فسأله سائل : ومن عرفجة هذا ؟ وكيف مات ؟ فأجابه : هذا رجل أكل لحما ً مشويا ً ، وشرب ماء نميرا ً طيبا ً ، ونام في الشمس ، فمات شبعان ريان دفآن ، فما أحسنها من ميتة ..!


    وانظر بعدها إلى همم الناس حولك، هل تجدها اليوم إلا في زوجة حسناء وحلم بقصر مشيد ونزهة ومتعة وأكلة وشربة؟! هل ترى أكثرهم إلا حافظي أموال ومضيعي دين!! في دائرة الهجاء يدورون وداخل حلقة الذمِّ مُحاصرون؟!

    أما أنت .. فالحمد لله الذي عافاك، حملت أشرف هم وأجل غاية، فهَمُّك دعوتك، وشغلك رسالتك، ويحق لك أن تفرح بذلك وتفخر بذلك وتصدح في العالمين بذلك..! :

    نبي الهدى قد جفونا الكرى ... وعِفنا الشهي من المطعم
    نهضنا إلى الله نجلو السرى ... بروعة قرآنه المنزل.


    قالوا: السعادة فـي الغنـى فأخو الثـراء هو السعيـد

    الأصـفـر الـرنـان في كفـيـه يلـوي كل جـيـد

    قلت: الغنـى في النـفس وهو لعمرك العيـش الرغيـد

    قـالوا: السعادة فـي النـفوذ وسلطـة الجـاه العتيـد

    مـن كالأميـر وكالوزيـر وكالمـديـر وكـالعميــد؟

    يرنـو إلـى مـن دونـه فيـسابـقون لمـا يـريـد

    وإذا رأى رأيـاً فـذلك وحـده الـرأي الـرشـيــد

    قالوا: السعادة في الـغرام الحلو… في خصـر وجيـد

    في نرجس العيـن الضحوك وفي الورود على الخـدود

    في ليـلة قـمراء ليس بها سـوى الشـهب الشـهود

    فيـها التـناجي يـستـطاب كـأنـه وتــر وعـود

    قـلـت: الغـرام خـرافـة كبـرى وأحـلام شـرود

    هـو فـكـرة بـلهاء أو نزعات شيـطان مـريـد

    قل: للـذي يبـغي السعـادة هل علمـت من السعيـد؟

    إن السعـادة: أن تـعـيـش لفـكرة الحـق التـليـد

    لعقـيـدة كـبـرى تـحـل قضيـة الكـون العتـيـد

    وتـجيـب عما يسأل الحيران فـي وعــي رشـيـد

    من أيـن جئت؟ وأيـن أذهب؟ لم خلقت؟ وهل أعـود؟

    فتشيـع في النفس اليـقيـن وتـطرد الشك العنـيـد

    وتـعلم الفـكـر السـوي وتـصنـع الخـلق الحميـد

    وتـرد للنـهـج المـسدد كل ذي عــقــل شـرود

    تـعطـي حيـاتـك قيـمة رب الحيـاة بـها يـشيـد

    ليـظل طـرفـك رانـيـا في الأفـق للهدف البـعيـد

    فتـعيـش في الدنيا لأخـرى لا تـزول ولا تـبـيـد

    وتـمد أرضـك بـالسمـاء وبالمـلائـكة الـشهـود

    وتـريـك وجـه الله فـي مـرآة نـفـسك والوجـود


    أثر.. مع قافلة الهجرة : (( ونكتب ما قدموا وآثارهم..))

    كل مسلم مطالب بإبداء أثر في هذا الاستدراك، والمشاركة فيه بنوع من الخير، حسب استطاعته، ولا معنى لحياة امرئ سلبي، يرتع في هذه الدنيا: أكلا وشربا وتلذذا بالنساء، والمفكرون من حوله لا يحاول أن يبدي موقفه منهم، والسياسيون عن يمينه وشماله بين صالح وطالح يصطرعون وهو يتفرج.

    قال الرافعي : إن لم تزد شيئا على الدنيا: كنت أنت زائدًا على الدنيا..!

    وكن رجلا إن أتوا بعــده ... يقولون: مر، وهــذا الأثر


    وما نحسب أن الهمم تتعاقد على أقل من هذا : أن يكون لك أثر يطبعه قدمك مع الركب السائر، يمنحك حقا في العجب معنا من : مصلين ، أكتافهم في المساجد بأكتافنا، مازالوا يتأخرون عن المسير مع قافلتنا، ويسألون عن وجهتنا، وربما يتشككون، وما دروا أن قد سبقهم من سبق، وأن قد جد الرعيل في الرحيل، وإن المتأخر في الالتحاق: متأخر في الفضل.

    أنشــأت أسألـه عن حـال رفقته...فقال حـي ، فإن الركب قد نصبا
    يقول الشيخ الراشد: .. وقد كنت في الأيام الخوالي ألاطف إخواني فأفتش على أحذيتهم..! ليس على نظافتها وصبغها ورونقها كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها وتقطعها والغبار الذي عليه ا، وأقلبها فأرى النعل ،فمن كان أسفل حذائه مهترئا تالفا فهو الناجح ، وأقول له : شاهدك معك حذاؤك يشهد لك أنك تعمل وتغدو في مصالح الدعوة وتروح وتطبق قاعدة: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين،اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون)..وبكثرة حركتك تلف حذاؤك،فأنت المجتاز المرضي عندي..!


    أرى التفكير أدركه خمول...ولم تعد العزائم في اشتعال

    وأصبح وعظنا من غير سحر...ولا نور يطل من المقال

    وعند الناس فلسفة وفكر...ولكن أين تلقين الغزالي

    وجلجلة الآذان بكل صوت...ولكن أين صوت من بلال

    منابركم علت في كل حي...ومسجدكم من العباد خال..!

    الهدهد ... ذو الهمة العالية :

    هذا هدهد سليمان لما غاب في جولة من جولاته فاجأه منظر: أناس يسجدون للشمس من دون الله،فيرجع إلى سليمان.. فيعرض الفساد الاجتماعي : (( وجدت امرأة تملكهم..! )) وحلل سبب ذلك : (( وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم )) .. وعرض الفساد العقائدي : (( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله )) .. وحلل وعلل : (( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون )) .. ثم أردف متعجبا : (( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون..))

    سبحان الله ..هدهد يسبقنا.. ويقود أمة إلى طريق الحق والقوة والحرية...!

    امرأة تحيي أمة :

    المرأة : اسمها ميسون.. والمكان:دمشق .. والزمان : يوم من أيام سنة :607 .. والمحنة : هجوم الصليبيين كالطوفان المدمر.. ومحنتها : استشهاد إخوتها الأربعة في جهادهم المقدس..

    ماذا يمكن أن تفعل امرأة عزلاء في مواجهة هذه الجحافل..؟

    نعم...امرأة وحدها.. لكنها امرأة صاغها الإيمان خلقا آخر.. فقلبت الموازين ، وأدارت دفة الأمور.. وغيرت مجرى الأحداث.. وحركت التاريخ..!

    جمعت النساء اللاتي حضرن يواسينها ويعزينها وقالت لهم : إننا لم نخلق رجالا نحمل السيوف.. ولكن إذا جبن الرجال وأخلدوا إلى الأرض .. وتمرغوا في الوحل والطين.. هذا والله شعري ، أثمن ما أملك ، أنزل عنه أجعله قيدا لفرس تقاتل في سبيل الله ، لعلي أحرك به هؤلاء الأموات..!

    وأخذت المقص فجزت شعرها.. وصنع النساء صنيعها.. ثم جلسن يضفرنه لجما وقيودا لخيل المعركة الفاصلة ، لا يضفرنه ليوم زفاف أو ليلة عرس..!.. وأرسلن هذه القيود واللجم إلى خطيب الجامع الأموي سبط ابن الجوزي ، فحمله إلى الجامع يوم الجمعة.. وقعد في المقصورة.. وحبس هذه اللجم والقيود بين يديه،والدمع يترقرق من عينيه .. ووجهه ممتقع شاحب،.. ثم قام وخطب خطبة حروفها من نار.. تلذع أكباد من يسمعها.. وكلماتها سجر.. فكانت إحدى المعجزات البلاغية الساحرة الباهرة التي يهدر بها كل عصر مرة لسان محدث ، أو يمشي بها قلم ملهم.. كرامة من الكرامات وواحدة من خوارق العادات ، وإنما حفظ الرواة جملا منها نقلوها إلى لسان الأرض .. وكان مما حفظوا :

    يا ويحكم .. أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم .. يخطو على أرضكم التي سقيت بالدماء الزكية الطاهرة..يذلكم ويتعبدكم.. وأنتم كنتم السادة والقادة..؟!

    أما يهز قلوبكم وينمي حماستكم ، أن إخوانا لكم قد أحاط بهم العدو، وسامهم ألوان الخسف..؟

    أفتأكلون وتشربون وتنعمون وإخوانكم هناك يتسربلون باللهب ويخوضون النار.. وينامون على الجمر..؟!

    يا أيها الناس: إنها قد دارت رحى الحرب ، ونادى منادي الجهاد..وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فأفسحوا الطريق للنساء يدرن رحاها،واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل.. أولا... فإلى الخيول،وهاكم لجمها وقيودها.. أتدرون مم صنعت..؟

    لقد صنعنها النساء من شعورهن..لأنهن لا يملكن غيرها يساعدن به فلسطين..

    هذه والله ضفائر المخدرات التي لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحياء وحفظا.. قطعنها..لأن تاريخ الحب قد انتهى...وابتدأ تاريخ الجهاد المقدس..فإذا لم تقدروا على الخيول تقيدونها بها،فخذوها فاجعلوها لكم ذوائب وضفائر..إنها من شعور النساء..ألم يبق في نفوسكم شعور..؟!

    وألقاها من فوق المنبر على رؤوس الناس وصرخ :

    تصدعي يا قبة النسر..وميدي يا عمد المسجد..وانقضي يا رجوم..لقد أضاع الرجال رجولتهم..!

    فصاح الناس صيحة ما سمعوا مثلها.. ووثبوا يطلبون الموت ويصنعون الشهادة..

    فجاء النصر والفتح على يد امرأة واحدة أيقظت أمة نائمة.. بل خامدة هامدة جامدة.. ونفخت فيها الروح والحياة..!

    ونحن نقول اليوم:

    إن التمكين للدعوة .. وتحرير المسجد الأقصى.. ونصرة قضايا الأمة..لا يتم إلا بإيجاد نساء شبيهات بميسون.. ورجال من أمثال سبط ابن الجوزي.. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب..

    فإن قعدنا عن تربية هذه النماذج..أثمنا..وأخرنا ساعة النصر..ووجهنا رصاصة غادرة لصدور إخواننا العارية..وإن إيثارنا القعود مع العيال وجمع الأموال على الدعوة و البذل والعطاء والوفاء.. لهو أعظم يد عون نقدمها للأعداء.. اعتزالنا في خلوات التعبد وإيثار السلامة عن غشيان الخلق والأخذ بنواصيهم إلى طريق الحق.. لهو بذور محنة جديدة هي أشد وأعظم وأنكى..نزرعها لتجني لظاها أجيال الدعوة القادمة..

    فلتسرج خيول الدعوة... وللنفض غبار النوم عنا..!


    همة أبطال قافلة شريان الحياة :

    درس في علو الهمة والتضحية وعشق الحرية نأخذه من البطل: جورج جالاوي الذي قاد قافلة شريان الحياة .. ودخلوا غزة العزة وعليهم آثار الدماء وغبار المعركة.. ومكثوا أياما صابرين مصابرين مرابطين.. بل متحدين العوائق والمثبطات..هؤلاء على كفرهم يناصرون غزة ويفكون الحصار ويحطمون جدار العار:

    تبلد في الناس حس الكفاح

    ومالوا لكسب وعيش رتيب

    يكاد يزعزع من همتي

    سدور الأمين وعزم المريب..!

    يقول الإمام المجدد الشهيد : أما.. الذي ينام ملء جفنيه ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًَا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يُكتب في عداد المجاهدين.



    المراجع :

    المسار : للشيخ الراشد.

    قصيدة السعادة : للشيخ القرضاوي.

    قصص من التاريخ : للشيخ علي الطنطاوي
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الرواحل..زاد وصفات(3)

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:22

    الرواحل..زاد وصفات(3) :


    يحكي أن فأرة أحبت جملا فاقتادته إلى جحرها فوقف الجمل على بابها والفأرة تناديه بالدخول ... وإذ بالجمل يقول لها :
    إما أن تتخذي بيتا يليق بمحبوبك ... وإما أن تتخذي محبوبا يليق ببيتك..!


    تالله ما هزلت حبيبتنا فيستامها المفلسون ، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون ،
    -لما كثر المدعون لمحبتها طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى ، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي!

    وكل يدعي وصلا بليلى
    وليلى لا تقر لهم بذاك
    إذا تشابكت دموع في عيون
    تبين من بكى ممن تباكى


    من هذه الحسناء الجميلة التي تغنى بها الشعراء في قصائدهم ؟ وبحث عنها الملوك في قصورهم ؟ والفلاسفة في تجريدهم؟!

    - إنها الدعوة!!!..التي سقيت بمداد آلاف العلماء والمفكرين والدعاة من أمثال : ..الغزالي والقرضاوي و عبد الفتاح أبوغدة و أبو الحسن الندوي والمودودي وعبد القادر عودة وسعيد حوى والراشد ومحفوظ نحناح .. ورويت بدماء آلاف الشهداء:حسن البنا وسيد قطب وأحمد ياسين و إياد العزي ومحمد بوسليماني.... تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة...!!..(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)..فليس هناك مقام أعلى وأرقى وأسمى وأحلى وأغلى من مقام الدعوة....

    -هذه الدعوة الحسناء الجميلة لا يعرف قيمتها ولا يتذوق حلاوتها ولا يدرك شرفها إلا الفارس المحب الذي لا يترجل....

    هذه الدعوة العظيمة تحتاج إلى همة عالية :

    فإما أن تتخذ دعوة تليق بمحبوبك...أو أن تتخذ محبوبا يليق بدعوتك..!

    فالدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من جميع جوانبها ، وحملها حق الحمل من غير احتراس ولا احتراز...!

    تكاليف البيعة مع الله وصفات المبايعين :

    يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع..

    ((إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة , يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون , وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن , ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به , وذلك هو الفوز العظيم . التائبون العابدون الحامدون السائحون , الراكعون الساجدون , الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر , والحافظون لحدود اللّه , وبشر المؤمنين.)

    يقول شهيد الظلال:
    هذا النص الذي تلوته من قبل وسمعته ما لا أستطيع عده من المرات , في أثناء حفظي للقرآن , وفي أثناء تلاوته , وفي أثناء دراسته بعد ذلك في أكثر من ربع قرن من الزمان . . هذا النص - حين واجهته في "الظلال" أحسست أنني أدرك منه ما لم أدركه من قبل في المرات التي لا أملك عدها على مدى ذلك الزمان !

    إنه نص رهيب ! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين باللّه , وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طوال الحياة . فمن بايع هذه البيعة ووفى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف : المؤمن.. وتتمثل فيه حقيقة الإيمان . وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق !

    حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سماها اللّه كرماً منه وفضلاً وسماحة - أن اللّه - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم ; فلم يعد لهم منها شيء . . لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله . لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا . . كلا . . إنها صفقة مشتراة لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء , وفق ما يفرض ووفق ما يحدد , وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم , لا يتلفت ولا يتخير , ولا يناقش ولا يجادل , ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام . . والثمن:هو الجنة . . والطريق:هو الجهاد والقتل والقتال . . والنهاية:هي النصر أو الاستشهاد:

    ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين - على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم ; ولم تكن مجرد معان يتأملونها بأذهانهم , أو يحسونها مجردة في مشاعرهم . كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها . لتحويلها إلى حركة منظورة , لا إلى صورة متأملة . .


    هكذا أدركها عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - في بيعة العقبة الثانية . قال محمد بن كعب القرظي وغيره:قال عبد الله بن رواحة رضي اللّه عنه , لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعني ليلة العقبة:اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال:" أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ; وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قال:فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ؟ قال:

    "الجنة " " . قالوا : ربح البيع , ولا نقيل ولا نستقيل . .

    هكذا . . " ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل " . . لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين ; انتهى أمرها , وأمضي عقدها , ولم يعد إلى مرد من سبيل:" لا نقيل ولا نستقيل " فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار ; والجنة:ثمن مقبوض لا موعود ! أليس الوعد من اللّه ؟ أليس اللّه هو المشتري ؟ أليس هو الذي وعد الثمن..!

    يقول سيد الربانيين ابن عطاء الله السكندري :

    ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا، أو يطلب منه غرضا، فإن المحب من يبذل لك ، ليس المحب من تبذل له .

    ففارس الدعوة المحب المخلص الصادق: يريد بقوله وعمله وجهاده وجه الله من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر...فلا تهمه المناصب والمكاسب :

    أخرج ابن ماجـة في صحيحه _ عن أبي هريرة _ رضي الله عنه ,, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ..!

    تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم ،تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، الدينار :هو النقد من الذهب والدرهم: هو النقد من الفضة والخميصة :هي الثياب الجميلة والخميلة :هي الفرش الجميلة ،كيف يكون الإنسان عبداً للدينار والدرهم والخميصة والخميلة؟.. فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط.. ثم دعا عليه وقال: تعس وأنتكس وإذا شيك فلا انتقش فدعا عليه بالانتكاسة وعدم تيسر الأمور له حتى في إخراج الشوكة من جسمه إذا شيك فلا انتقش نعم هو جدير بذلك، جدير بمن عبد الدرهم والدينار والخميصة والخميلة أن لا تيسر له الأمور ...

    علامة لا تخطئ...وميزان فاضح واضح للمخلطين :

    إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط..فالأخ الذي يحضر وينشط ويتحرك..إن أعطي...ويفتر ويختفي..إن منع..! ..هذا لا شك أنه:من الذين يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع..!

    1-ففي المواعيد الانتخابية نرى البعض يحرصون على الحضور في الوقت المحدد : بحماس وحرارة وحيوية..أما في المحاضن التربوية والندوات العلمية والمنهجية..واللقاءات الإستراتيجية الهادفة : لا نرى لهم رسما ولا أثرا..وإن حضروا : فبخطوات متثاقلة ..وقلوب لاهية..وأفواه تجيد فن التثاؤب..!

    2-إن خالفت الأغلبية رأيه-(رأي الأغلبية ملزم)- سخط وتبرم وتقاعس وفتر ..بل يناقض رأيها ويسير عكسه..!..ويحتد وينتقد:سلقوكم بألسنة حداد..!

    -ومن حقائق الحياة الكبرى التي لا يعسر فهمها على أحد :
    تمايز الناس،واختلاف طبائعهم وأخلاقهم،وأهل السوق لا يساوون بينهم عند البيع،..والعوائل لا تقبلهم جميعا عند المصاهرة ،فلماذا تفتح أبواب الدعوة للجميع؟..

    بل نشترط...وندقق...
    ...والناس كالنبت....والنبت ألوان...
    فاربأ بنفسك أن تستأنس بمن لا عقل له،ولا يسير إلى غاية....

    فبعض الرجال نخلة لا جنى لها.......ولا ظل إلا أن تعد من النخل

    وحاشاك أن يكون هؤلاء لك أصحابا ،فإن القلب يستوحش عند مخالطة أمثالهم،ممن ليس لهم قضية ولا هدف...ولا يحركهم شعور بمسؤولية أو يهزهم خبر المسلمين ونبأ الصراع...ولا تكويهم حرارة التحديات....من أصحاب المغانم:الذين يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع..!

    إخوان ليلى: لكن هناك،عند إخوان ليلى:تعطي صفقة قلبك وتبايع..
    وهناك،عند إخوان ليلى:تفهم معنى الزعامة حقا.....

    عندما قالت ليلى الأخيلية ترثي أخاها:

    ومخرق عنه القميص تخاله...يوم اللقاء من الحياء سقيما

    حتى إذا رفع اللواء رأيته...تحت اللواء على الخميس زعيما

    - وكم أرتنا الدعوة وأحداثها إخوان ليلى هؤلاء،الذين امتزجت أرواحهم بروح الدعوة ، وذابت رغباتهم وطموحاتهم وآمالهم في تيار الدعوة،وصابروا في ثغور النشاط على سنة التواضع والفقر،بغير مال،ولا شهادة دراسة عليا،ولا لقب ولا سيارة ،ولا مركز مرموق،بل بالقميص المخرق المرفأ!!

    ....حتى إذا جد يوم البذل والتنافس الخيري رأيتهم الزعماء حقا!!...يقودون جمهرة المؤمنين...ويضربون الأمثال لمن يروم التحدي...ولو صنفهم الناظر لهم بعين الموازين الدنيوية والأعراف الوظيفية لوضعهم في المؤخرة ....
    ...لكن العارف بلغات القلوب ولهجات الأرواح يميز المنازل السامية التي احتلوها...
    فيؤسر إعجابا...وينشد احتراما...فينطق لسانه بأزكى الدعاء لهم ...لما رأى من نبض ووميض..؟؟؟!!!..

    قال الجنيد: دفع السري إليه رقعة، وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصة ؟!.. فإذا فيها:
    ولما ادعيت الحب قالت كذبتني فما لي أَرى الأعضاء منك كواسيا
    فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا وتذبل حتى لا تجيـــب المناديا
    وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى سوى مقلة تبكى بها وتناجيـــا

    -ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها..... تريد أم الدنيا وما في طوياها
    لقال غبار من تراب نعالها....... ألذ لنفسي وأشفى لبلواها..!


    ما محنة الداعية إلا لهوه وغفلته و جلوسه فارغاً ، وربما زاد فينفتح له باب من اللغو بعد اللهو .
    تـلك هي المحنة الحقيقية التي تـفتعـلها الجاهلية للدعاة بما تعرض للناس من مغريات و أسباب لهـو تـلـفـت أنظارهم إليها !!


    - وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه ما لا يؤثر في تـقدم دعوته ، إن غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن نصر ممكن يحققه له الجد والعمل الدائب ، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد وسيظل اسمنا مكتوباً في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتـنا ، وما دمنا لا نشغفها حباً ولا نتخذها حرفة .

    المراجع:

    الظلال : للشهيد سيد قطب

    أصول الإفتاء :للشيخ الراشد.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الرواحل زاد وصفات(4)

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:26

    واغسل ذنوبك بالمدامع ساجدا … فعساك تبلغ ما تريد عساكا..!

    الرواحل زاد وصفات(4) :

    ولكن كونوا ربانيين :
    ..لا يحدث تغيير هادئ على أساس روعة التنظيم وحسابات الكمبيوتر وثورة الانترنت وبراعة التخطيط وكثافة الدورات التدريبية والبرمجة اللغوية والعصبية وعلم الهندسة النفسية والتأثيرية وفن الاستشراف..على أهمية هذه القضايا وضرورتها...إذا لم تكن وراءها الربانية والنفس الزكية الخاشعة،والقلب العامر الفائض بالإخلاص واليقين،والتوجع لحال المسلمين،والتألم مما أصاب الدين...وهي صفات لا تنشأ غالبا إلا مع:كثرة الذكر والعبادة،ومجالسة الصالحين،وترسم خطى المتقين



    يا قلب ما لي لا أراك تطيعني ... أتحثُّ نحو المهلكات خطاكا
    يا أيها القلب المُكبَّل بالأسى ... مزِّق بعزم التائبين أساكا
    تُب واعتبر واندم على ما قد مضى ... وادفن بأمواج الرشاد هواكا
    واغسل ذنوبك بالمدامع ساجدا ... فعساك تبلغ ما تريد عساكا..!

    في مهب الريح :

    يقول:أ.د.بكار:..وينبغي أن يكون واضحا أننا إذ نهتم بقضايا الفكر والثقافة فإن ذلك لا يعني أبدا إهمال جانب الروح..،بل إن ذلك يعني أن شرط صواب الحركة الدعوية والتربوية والسلوكية دائما هو الفكر النير ذو الرؤية الشمولية..:

    نير الفكر يقود العمل...مثل رعد بعد برق جلجل..!

    ...لكن...

    لا بد من القول أيضا إن من الخطورة بمكان أن تتحول جماعة أو حزب إلى مجموعة من المنظرين والمخططين والمدربين والمنظرين..وتفتش فيها فلا تجد الأوابين ولا الربانيين ولا العابدين المتبتلين..

    إنها -ولا ريب- بذلك تضع نفسها في مهب الريح،وتعرض تماسكها وقبل ذلك مبرر وجودها للخطر المحدق..!


    الربانية تختصر الطريق :

    إذا أرادت الحركة أن تختصر طريق النصر،وتختزل السنوات والجهود،وتتجنب المزالق والمهالك والعوائق، وتعوض ما ضاع منها أيام الفتن:فيجب عليها أن تجدد العهد مع الربانية والمسجد والمحراب و الخلوات والتعبدات والمجاهدات والمذاكرات والبيئات والقدوات والدورات الروحية والأوراد اليومية..

    ولتصنع على عيني :

    قال صلى الله عليه وسلم في ما يرويه عن ربه : (..وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ..صحيح البخاري.

    تأمل جيدا الحديث القدسي السابق..تلاحظ أن كثرة التعبد والنوافل وقوة الصلة بالله:تمنحك العناية الربانية الحانية،والإيجابية،والتوفيق، والبركة، والحفظ..

    علوم الظاهر لا تكفي وحدها في إحداث التغيير المنشود :

    إن من يمني نفسه بقلب الأوضاع التي استحكمت،ورسخت،وإصلاح المجتمع الذي استشرى فيه الفساد،وتضافرت عليه عوامل الهدم والإفساد،والتأثير في بيئة زخرت بكبار العلماء،وحذاق الأساتذة،ونوابغ الأدباء والشعراء،ثم لا يزيد على أن يشاركهم في بضاعتهم وقد يتفوقون عليه في بعض العلوم والفضائل،ولا يكون عنده مما يحتاجون إليه ويقرون بتخلفهم فيه:


    -من صلة قوية بالله،ومعرفة مصايد الشيطان،ومكايد النفس،ووصول إلى درجة الإحسان وأعلى مراتب الإيمان،واستقامة على إتباع الشريعة والسنة النبوية،وعزوف عن الشهوات،وزهد في الدنيا،واستهانة بأربابها،وإقبال على الآخرة.


    -كان من شأنه كمثل من يخوض في ساحة القتال من دون تجنيد وتدريب،أعزل لا يحمل سلاحا أو يحمل ما يحملونه،أو كمثل الأخرس الذي يحاول البيان والتعليم والإفهام.


    الربانية هي طريق القيادة والريادة والتأثير:


    -بل كانت العامة لا تعبأ بعالم أو مربي أو مصلح ولا تقيم له وزنا ولا تعتقد فيه الخير والصلاح ولا تنتفع بمواعظه وكتاباته ما لم يكن له إلمام بالتزكية والسلوك،علما وعملا وحالا،وتذكيرا وتعليما وتزكية.


    هيكل بلا روح..وخط بلا وضوح:

    فهذا الإمام الشهيد:حسن البنا.. بدأ سيره من جانب المحراب : أوراد وأشغال ووظائف الطريقة الحصافية..وظل متمسكا بها إلى أواخر أيام حياته..بل حافظ عليها مع زحمة الأعمال وكثرة الأعباء..

    وها هو يدعونا للاهتمام بفقه القلب وتزكية النفس وتطهير الروح..قبل المظاهر والأشكال والصور:

    (..أيها المصلحون الحائرون الذين تتلمسون طرائق الإصلاح.. كل هذه المشروعات أجسام لا روح فيها فجملوها بما شئتم وحسنوها ما شئتم وزينوها ما استطعتم التزيين ،ولكن اعلموا أنها لن تغني عن الناس شيئا ما دامت تفقد الروح، ومثلها مثل التمثال من العاج يقر في الواجهات يحسبه الجاهل إنسانا وما هو بإنسان ولكن ابحثوا مع هذا عن الروح لتنفخوها في هذه الهياكل والأجسام ولن تجدوا الروح إلا بتزكية النفوس وتطهير القلوب ولن تصلوا لذلك إلا بوحي السماء فالقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء!..).


    أتنام في السحر..وتنتظر النصر..هيهات...هيهات؟!! :

    التوبة والمناجاة والاستغفار بالأسحار هي أول منازل الربانية: وقد بلغ من أهمية هذا الدواء في علاج القلب حدا جعل الأطباء لا يتصورون أن يتخلف أحد عن موعدٍ واحد من مواعيد تعاطيه ، أو يهمل تناول جرعة من جرعاته ، لذا رُوِي أنَّ طاووس اليماني جاء في السَّحَر يطلب رجلاً ، فقالوا : هو نائم ، فقال : ما كنتُ أرى أنَّ أحداً ينام في السَّحَر!!

    بل وفوق ذلك ما روى يحيى بن عبد الحميد الحمَّانيُّ عن أبيه أنَّه صحِب أبا حنيفة ستة أشهر. قال : فما رأيتُه صلَّى الغداة إلا بوضوء عشاء الآخرة ، وكان يختم كُلَّ ليلة عند السَّحَر.

    فالله يتنزل بنفسه ليعرض عليك جرعة الدواء بلا رسول أو وسيط أو حاجب أو رقيب ، ولأن الجرعة غالية فلا بد حتما من غلو الثمن ، وهو ترك الفراش الدافئ ومجافاة الزوجة وهجر النوم اللذيذ ، ولذا ليس في غير هذا الوقت تجد هذه الجرعة : « من ذا الذي يدعوني فأستجيب له » ، ومتى غير الآن تنعم بشفاء : « من ذا الذي يسألني فأعطيه » ، ومن أين لك في غير السحر روعة بشارة : « من ذا الذي يستغفرني فأغفر له..!


    أرقام تتكلم..وآراء تؤكد :

    يجري مدير موقع الحركة سبرا للرأي عنوانه: برأيك، ما أبرز أولوية للحركة في سنة 2010؟..

    وقد شارك لحد الآن في الاستفتاء:443..
    وكانت نتائجه كالآتي:
    الإعلام والشؤون السياسية: 11.29 %
    المرأة وشؤون الأسرة: 2.71%
    الشباب و العمل الجمعوي: 10.38%
    التربية: 44.24%
    التنظيم والانتشار:18.74%
    التنمية البشرية والتطوير: 8.80%
    أخرى: 3.84%

    إن قراءة متمعنة لهذه الأرقام: تؤكد أن:

    التربية هي أولى الأولويات..التربية فريضة شرعية وضرورة واقعية..بقية الأعمال- على أهميتها- لا تقف أمام التربية بقامتها الفارهة...

    جناية العلوم والفهوم إذا خلت من الربانية :

    يقول الأستاذ أديب الصانع:

    من أخطاء الدعاة:

    الشغف الكبير بالتربية الحديثة: من إدارة الذات إلى البرمجة العصبية إلى الجاذبية إلى صناعة القائد إلى غيرها من مصطلحات القوم.. وقد يتوهم البعض من عنواني أني سأشن غارتي عليها والأمر ليس كذلك فهي علم والحكمة ضالة المؤمن وفي هذا العلم فوائد جمة لمن تعلمه وعلمه..

    ولا بد لي من بعض التوضيحات حتى تتنبه لموضع الخطورة في هذا الأمر:

    1-قلب المسلم إما أن تتحكم به النفس وشهواتها أو الله سبحانه وعظمته.

    2-إذا تحكمت النفس والشهوات بهذا القلب فقد يثمر على الجوارح أعمال سيئة في صورتها كالزنا وأساسها الشهوات الجنسية أو الغيبة مثلا وأساسها الشهوة الغضبية.

    3-وقد تنتج أعمالا حسنة في صورتها كالدعوة مثلا وأساسها شهوات الذات أو إتقان العمل وأساسها حب المال..

    والهدف من النقطة الثانية هو أن لا تحكم على نفسك من خلال عمل الجوارح فقط..

    4-منطلق التربية الحديثة هو الإنجاز وعدم إيذاء الآخرين والعيش بسعادة ومن هذه المنطلقات شكلوا قواعد معينة لإقناع الفرد بسلوكيات معينة لتحصيل هذه الأمور من غير النظر للدوافع القلبية لتلك السلوكيات..

    5-في التربية القرآنية يهتم بالبواعث قبل التصرفات وبالقلب قبل الجوارح وتأمل معي قوله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"
    ولا يريد الإسلام شخصا يدعو لدين الله من أجل شهرته بل هو مذموم وأول من تسعر به النار

    6-الفرق الكبير بين التربية القرآنية والتربية الحديثة هو أن الأخيرة قامت بتهييج الشهوات من أجل سلوك حسن في بعض الأمور والأولى قامت بنقل القلب من عالم الشهوات إلى عالم الربانيات أولا ثم تحسين السلوك كاملا مصبوغا بصبغة العبودية ولذا فإن الذي يترك الأول ويذهب للأخير يخطئ خطأ كبيرا.

    كل الذين ترجموا كتب الإدارة والتربية قاموا بأسلمة الكتب من خلال تغيير بعض القصص وإقحام الصحابة في الموضوع والاستدلال ببعض الآيات ونسوا أساس الفوارق المتمثل بالمنطلقات.

    والذي أرجوه من المهتمين بهذا الموضوع أن يتنبهوا لهذا ويبدؤوا بالاستفادة من هذا العلم من خلال القرآن ولن يتم لهم هذا إلا بعد رسوخهم في تربية القرآن سلوكا وعملا ...

    قد قرأت في الفترة السابقة كثيرا من هذه الكتب وقد قرأت في واحد منها 23 دعوة للرياء و17 دعوة للعجب و22 دعوة للاستغراق في حب الدنيا ... ومع هذا فأنا أجزم أن الذي سيقرأ الكتاب سيخرج وقد عقد العزم على تغيير سلوكه ولكن بقلب فاسد.

    وكل من يربي على القيادة بهذا العلم فقط فسيخرج له أناس منتجون منجزون ولكن سيظهر فساد قلوبهم عند الفتن ولا ذنب لهم سوى هذه المنهجية التي لم تستق وتتشبع من القرآن العظيم..


    قدرة الربانية الحاسمة :

    يقول محيي فقه الدعوة : الشيخ الراشد:

    إن خطتنا ليست هي خطة سياسية مجردة، ولا يكفي فيها العطاء التربوي الذي تتيحه للداعية مواقفه السياسية، بل يجب أن تسبق التدخل السياسي مرحلة تأسيسية مخصصة للتربية والبناء التنظيمي، ثم تظل التربية من بعد وتستمر مواكبة للانفتاح العملي والصراع السياسي، ويكون عطاء المواقف ظهيرا لها ومؤكدًا,. إن تاريخ الجماعة يشير إلى أن الجهود التربوية تضمن سلامة العمل وبعده عن الانحراف، وتساعد على انتقاء الفتن ومعالجة الفتور، فوق كونها من الإرشادات الشرعية، وإنها هي السنة العملية التي سار عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في تكوين أصحابه وتأسيس دولة الإسلام.


    إن تخطيطنا يجب أن لا يعتمد في انتظار النصر على حجم حشده وقوته فقط، بل أن نجعل مقدار الصلاح الذي نحوزه عاملا أساسيًا، وكلما شاعت الأخلاق الإيمانية الفاضلة فينا وزادت نسبة صفاء القلب وكثر الاستغفار وتوالت التوبة: كانت خطتنا أقرب إلى النصر في التصور الإسلامي، وأجدر بالوصول إلى غايتها.

    حركة أصداء الورع:

    فإن الداعية إذا ألزم نفسه بالورع، كانت لورعه أصداء يحدث تكررها وترددها تحريكا للناس، ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيي بن معاذ من أنك (على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق) ، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا التجميعي منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقبله على الله تعالى: أقبل بقلوب العباد إليه
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من سلسلة : خواطر فى إحياء الربانية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:42

    إن أخاك الصدق من كان معك *** ومن يضر نفسه لينفعك
    ومن إذا ريب الزمان صدعك *** شتت فيك شمله ليجمعك

    يقول صاحب الحكم العطائية:

    (1- من جهل المريد أن يسيء الأدب فتتأخر العقوبة عنه، فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد و أوجب الإبعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد، و قد يقام مقام البعد و هو لا يدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد.
    2 - لا تطالب ربك بتأخر مطلبك، و لكن طالب نفسك بتأخر أدبك.
    3 -ما الشأن وجود الطلب، و إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب. )


    - من لي بإنســــان إذا أغضبته وجهلت كان الحـلم رد جـــــــوابه
    وإذا صبوت إلى المـدام شربت من أخلاقــــه وســكرت مــن آدابـــه
    وتراه يصغي للحــديث بطرفــــه وبســمعــه ولعـــله أدرى بـــه.


    -والله ما فاز من فاز إلا بحسن الأدب ، ولا سقط من سقط إلا بسوء الأدب : (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ، فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث).


    -أدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه ، وقلة أدبه : عنوان شقاوته وبواره....


    قال صاحب المدارج :

    -فانظر إلى الأدب مع الوالدين : كيف نجا صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة؟..والإخلال به مع الأم –تأويلا وإقبالا على الصلاة-كيف امتحن به جريج الراهب بهدم صومعته وضرب الناس له ،ورميه بالفاحشة؟!..


    -وتأمل كل شقي ومغتر ومدبر : كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان ؟

    -وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة :أن يتقدم بين يديه ،فقال :ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .)، كيف أورثه مقامه، من الإمامة والقيادة والريادة؟ فكان ذلك التأخر إلى خلفه ...وقد أومأ إليه أن :اثبت مكانك..سعيا إلى الأمام ....!!..
    -وتمعن في حال الصوام القوام الذي جبينه مقرحة من السجود ذو الخويصرة التميمي كيف أساء الادب مع سيد الخلق:

    - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل.
    فقال عمر يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟
    فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية...أخرجه البخاري.


    يقول صاحب كتاب العوائق.. و رسالة فضائح الفتن:

    .. من أهلها مَن تستفزه كلمة ينسى معها قاموس التآخي، فيَخرج الى عدوانَ، ويجرد أصحابَه من كل فضل، كأنْ لم تكن بينه وبينهم مودة وخبز وملح.
    ومن أهلها من إذا جُهل عليه لا يحلم، ولا يعفو، ولا يصبر، ولا يرجو ما عند الله، بل يجهل فوق جهل الجاهلينا.....

    -.. وتأمل معي أدب الدعاء على الأعداء :

    (إن من ضاق صدره عن مودتي، وقصرت يده عن معونتي كان الله في عونه وتولى جميع شؤونه ، وإن كل من عاداني وبالغ في إيذائي لا كدر الله صفو أوقاته ولا أراه مكروها في حياته ، وإن كل من فرش الأشواك في طريقي ، وضيق علي السبل ،ذلل له كل طريق ، وحالفه النجاح والتوفيق)..؟؟؟!!!..


    -وهاهو معروف الكرخي قاعدا يوما على دجلة ببغداد،فمر به صبيان في زورق يضربون بالملاهي ،ويشربون ،فقال له أصحابه أما ترى هؤلاء يعصون الله تعالى على هذا الماء؟..فادع الله عليهم..فرفع يديه إلى السماء وقال:إلهي وسيدي :كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة..!!فقال له أصحابه:إنما سألناك أن تدعو عليهم،ولم نقل لك ادع لهم!!..فقال إذا فرحهم في الآخرة:تاب عليهم في الدنيا.)...قال الراشد- في منهجيته- معلقا:فأصل أمرنا الدعوي وشعورنا قائم على محبة الناس والعطف على العصاة والفساق ومحاولة انتشالهم مما هم فيه..لا الشماتة بهم...ولا تركهم لشيطانهم...!!!...


    - يقول محمد الحسني الندوي:

    (إن سر نجاح الإمام الشهيد حسن البنا هو الحلم والصفح والغفران والعرفان بالجميل والأخوة الندية العذبة ،وأيم الله إنها الناحية الوحيدة التي فقدناها وفقدنا معها الخير كله والبركة كلها،كان العدو اللدود والخصم العنيد يأتي حسن البنا لا يريد به إلا شرا أو لايضمر له إلا الكيد ثم يعود محبا مأخوذا بجمال إيمانه ونور وجهه وحسن سريرته).


    إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
    ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك


    -وهاهو حسن البنا يؤكد شهادة الندوي بقوله: (..إن من عيوبي أنني لا أعرف كيف أعادي، وأخاصم، وأقاطع؟؟!!).هو لا يعرف كيف يكسب الأعداء،ويتقن فن كسب الأصدقاء،وكيف يؤثر في الناس ؟





    -ومدار حسن الأدب على حرفين ذكرهما عبد القادر الكيلاني فقال:

    كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس

    قال ابن القيم : ما أجمل هاتين الكلمتين ....مع اختصارهما ...و ما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل ! وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى ، وتوسط النفس بينك وبين خلقه، فمتى عزلت الخلق –حال كونك مع الله-وعزلت النفس –حال كونك مع الخلق-فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم، وشمروا إليه، وحاموا حوله!


    -إن الإمارة الدعوية ليست رئاسة عسكرية، ولا تؤدى بالحشمة الدائمة العابسة التي توصف للقضاة، وإنما هي بصحبة الأقران أشبه، وتؤدى بالبشاشة والبسمات..والسماحة والملاطفة ، يقومون ويقعدون ، ويسمرون ويتندرون معا لا يشعر أحدهم بفوقية، وأنا أحب للمربين والقادة أن يقدموا لإخوانهم الحلوى، والفاكهة،والهدايا، وأن يدعوا إخوانهم في مرح وفرح فإن الأحزان كثيرة ، وكاد فرط الجد أن يكون رهقا....


    -وأحب للداعية :

    الإحسان للزوجة والمبالغة في الرفق بها.وإشعارها بالحنان، وبذل الاحترام لها، ومفاجأتها بالهدايا، وفطم لسانه عن حديث حول زوجة ثانية ...وليعلم ان أهلها ما كانوا عاجزين عن إطعامها حين زوجوه، وإنما أرادوا ان تقوم في الأرض وفي مجتمع المؤمنين مودة جديدة..(أصول الإفتاء)..ج3..


    ..والمحضن التربوي، ولقاء الأسرة وسيلة تربوية كبرى للتعلم والتدريب على :

    التعلق بالرمزيات والمثاليات والقيم الرفيعة التي هجرها الناس من أخلاق الإيثار و التعاون واحترام حقوق الآخرين والنجدات الخيرية، وشيم الفرسان والأحرار.


    -ويقوم المربي بالتعاون مع بقية الأعضاء بممارسة الحسبة الداخلية الجزئية:فينهى الأخ عن التهاون في الإحسان لوالديه،أو التقصير في حق الزوجة، مرورا بنهيه عن تكاسل في استعداده الدراسي أو المهني،وأمره باغتنام الفرص لتطوير نفسه مهنيا ومعاشيا ، وينتهي الأمر إلى فحص صغائر في حياته من المبالغة في النظافة، وترتيب يومياته، وتعليمه طرائق التعامل المهذبة وخفض الجناح والرفق ولمسات الحنان، والتعفف عن الفوضوية، أو إزعاج أحد،إلى أشياء أخرى تجعله خلقا آخر ليس له مثيل بين الناس.


    إن دارنا أيها الإخوان دار عمل وعبادة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتهذيب وتعليم، وما هي دار فلاسفة يتجادلون، ولا منتدى شعراء بضاعتهم اللسان، ولذلك فإن عُرفنا يقول بتأكيد أساسيات العمل، من الطاعة التامة، والتزام النظام والخُطة والمنهج، وعدم الالتفاف على التسلسل المرجعي، وترك التقدم بين يدي المقدمين. وإن تربيتنا تقوم على تعميق أساسيات الإيمان، من ترسيخ العلاقات الأخوية، وتعمير القلوب، وصون اللسان.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من سلسلة : خواطر فى إحياء الربانية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:49

    إن أخاك الصدق من كان معك *** ومن يضر نفسه لينفعك
    ومن إذا ريب الزمان صدعك *** شتت فيك شمله ليجمعك

    يقول صاحب الحكم العطائية:

    (1- من جهل المريد أن يسيء الأدب فتتأخر العقوبة عنه، فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد و أوجب الإبعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد، و قد يقام مقام البعد و هو لا يدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد.
    2 - لا تطالب ربك بتأخر مطلبك، و لكن طالب نفسك بتأخر أدبك.
    3 -ما الشأن وجود الطلب، و إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب. )


    - من لي بإنســــان إذا أغضبته وجهلت كان الحـلم رد جـــــــوابه
    وإذا صبوت إلى المـدام شربت من أخلاقــــه وســكرت مــن آدابـــه
    وتراه يصغي للحــديث بطرفــــه وبســمعــه ولعـــله أدرى بـــه.


    -والله ما فاز من فاز إلا بحسن الأدب ، ولا سقط من سقط إلا بسوء الأدب : (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ، فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث).


    -أدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه ، وقلة أدبه : عنوان شقاوته وبواره....


    قال صاحب المدارج :

    -فانظر إلى الأدب مع الوالدين : كيف نجا صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة؟..والإخلال به مع الأم –تأويلا وإقبالا على الصلاة-كيف امتحن به جريج الراهب بهدم صومعته وضرب الناس له ،ورميه بالفاحشة؟!..


    -وتأمل كل شقي ومغتر ومدبر : كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان ؟

    -وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة :أن يتقدم بين يديه ،فقال :ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .)، كيف أورثه مقامه، من الإمامة والقيادة والريادة؟ فكان ذلك التأخر إلى خلفه ...وقد أومأ إليه أن :اثبت مكانك..سعيا إلى الأمام ....!!..
    -وتمعن في حال الصوام القوام الذي جبينه مقرحة من السجود ذو الخويصرة التميمي كيف أساء الادب مع سيد الخلق:

    - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل.
    فقال عمر يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟
    فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية...أخرجه البخاري.


    يقول صاحب كتاب العوائق.. و رسالة فضائح الفتن:

    .. من أهلها مَن تستفزه كلمة ينسى معها قاموس التآخي، فيَخرج الى عدوانَ، ويجرد أصحابَه من كل فضل، كأنْ لم تكن بينه وبينهم مودة وخبز وملح.
    ومن أهلها من إذا جُهل عليه لا يحلم، ولا يعفو، ولا يصبر، ولا يرجو ما عند الله، بل يجهل فوق جهل الجاهلينا.....

    -.. وتأمل معي أدب الدعاء على الأعداء :

    (إن من ضاق صدره عن مودتي، وقصرت يده عن معونتي كان الله في عونه وتولى جميع شؤونه ، وإن كل من عاداني وبالغ في إيذائي لا كدر الله صفو أوقاته ولا أراه مكروها في حياته ، وإن كل من فرش الأشواك في طريقي ، وضيق علي السبل ،ذلل له كل طريق ، وحالفه النجاح والتوفيق)..؟؟؟!!!..


    -وهاهو معروف الكرخي قاعدا يوما على دجلة ببغداد،فمر به صبيان في زورق يضربون بالملاهي ،ويشربون ،فقال له أصحابه أما ترى هؤلاء يعصون الله تعالى على هذا الماء؟..فادع الله عليهم..فرفع يديه إلى السماء وقال:إلهي وسيدي :كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة..!!فقال له أصحابه:إنما سألناك أن تدعو عليهم،ولم نقل لك ادع لهم!!..فقال إذا فرحهم في الآخرة:تاب عليهم في الدنيا.)...قال الراشد- في منهجيته- معلقا:فأصل أمرنا الدعوي وشعورنا قائم على محبة الناس والعطف على العصاة والفساق ومحاولة انتشالهم مما هم فيه..لا الشماتة بهم...ولا تركهم لشيطانهم...!!!...


    - يقول محمد الحسني الندوي:

    (إن سر نجاح الإمام الشهيد حسن البنا هو الحلم والصفح والغفران والعرفان بالجميل والأخوة الندية العذبة ،وأيم الله إنها الناحية الوحيدة التي فقدناها وفقدنا معها الخير كله والبركة كلها،كان العدو اللدود والخصم العنيد يأتي حسن البنا لا يريد به إلا شرا أو لايضمر له إلا الكيد ثم يعود محبا مأخوذا بجمال إيمانه ونور وجهه وحسن سريرته).


    إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
    ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك


    -وهاهو حسن البنا يؤكد شهادة الندوي بقوله: (..إن من عيوبي أنني لا أعرف كيف أعادي، وأخاصم، وأقاطع؟؟!!).هو لا يعرف كيف يكسب الأعداء،ويتقن فن كسب الأصدقاء،وكيف يؤثر في الناس ؟





    -ومدار حسن الأدب على حرفين ذكرهما عبد القادر الكيلاني فقال:

    كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس

    قال ابن القيم : ما أجمل هاتين الكلمتين ....مع اختصارهما ...و ما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل ! وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى ، وتوسط النفس بينك وبين خلقه، فمتى عزلت الخلق –حال كونك مع الله-وعزلت النفس –حال كونك مع الخلق-فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم، وشمروا إليه، وحاموا حوله!


    -إن الإمارة الدعوية ليست رئاسة عسكرية، ولا تؤدى بالحشمة الدائمة العابسة التي توصف للقضاة، وإنما هي بصحبة الأقران أشبه، وتؤدى بالبشاشة والبسمات..والسماحة والملاطفة ، يقومون ويقعدون ، ويسمرون ويتندرون معا لا يشعر أحدهم بفوقية، وأنا أحب للمربين والقادة أن يقدموا لإخوانهم الحلوى، والفاكهة،والهدايا، وأن يدعوا إخوانهم في مرح وفرح فإن الأحزان كثيرة ، وكاد فرط الجد أن يكون رهقا....


    -وأحب للداعية :

    الإحسان للزوجة والمبالغة في الرفق بها.وإشعارها بالحنان، وبذل الاحترام لها، ومفاجأتها بالهدايا، وفطم لسانه عن حديث حول زوجة ثانية ...وليعلم ان أهلها ما كانوا عاجزين عن إطعامها حين زوجوه، وإنما أرادوا ان تقوم في الأرض وفي مجتمع المؤمنين مودة جديدة..(أصول الإفتاء)..ج3..


    ..والمحضن التربوي، ولقاء الأسرة وسيلة تربوية كبرى للتعلم والتدريب على :

    التعلق بالرمزيات والمثاليات والقيم الرفيعة التي هجرها الناس من أخلاق الإيثار و التعاون واحترام حقوق الآخرين والنجدات الخيرية، وشيم الفرسان والأحرار.


    -ويقوم المربي بالتعاون مع بقية الأعضاء بممارسة الحسبة الداخلية الجزئية:فينهى الأخ عن التهاون في الإحسان لوالديه،أو التقصير في حق الزوجة، مرورا بنهيه عن تكاسل في استعداده الدراسي أو المهني،وأمره باغتنام الفرص لتطوير نفسه مهنيا ومعاشيا ، وينتهي الأمر إلى فحص صغائر في حياته من المبالغة في النظافة، وترتيب يومياته، وتعليمه طرائق التعامل المهذبة وخفض الجناح والرفق ولمسات الحنان، والتعفف عن الفوضوية، أو إزعاج أحد،إلى أشياء أخرى تجعله خلقا آخر ليس له مثيل بين الناس.


    إن دارنا أيها الإخوان دار عمل وعبادة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتهذيب وتعليم، وما هي دار فلاسفة يتجادلون، ولا منتدى شعراء بضاعتهم اللسان، ولذلك فإن عُرفنا يقول بتأكيد أساسيات العمل، من الطاعة التامة، والتزام النظام والخُطة والمنهج، وعدم الالتفاف على التسلسل المرجعي، وترك التقدم بين يدي المقدمين. وإن تربيتنا تقوم على تعميق أساسيات الإيمان، من ترسيخ العلاقات الأخوية، وتعمير القلوب، وصون اللسان.




    مقال رائع من آخر ما كتبه الشيخ حفظه الله :

    ليس للتين أو الزيتون نغضبْ ... نحن للإسلام لا للأرض ننسبْ

    القدس في عيوننا نفنى ولا تهون: عن ميمونة بنت سعد قالت: يا نبي الله افتنا في بيت المقدس.. قال صلى الله عليه وسلم): أرض المنشر والمحشر..ائتوه وصلوا فيه فإن صلاتكم فيه بألف صلاة» قالت أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: «فليهد إليه زيتا يسرج فيه.. فإنه من أهدى كمن صلى.. (رواه أبو داود وابن ماجه واللفظ له بسند رجاله ثقات..


    إنما الأقصى عقيدة ووسام وقصيدة
    وهو صرح أبت العلياء إلا أن تشيده
    إنما الأقصى عقيدة في ذرى العز وطيدة
    إنما الأقصى عقيدة أين من يحمى حدوده..؟



    صراع عقيدة ووجود :

    المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه كان معراجه إلى السماوات العلا، وإن فلسطين وديعةُ محمد صلى الله عليه وسلم عندنا، وأمانةُ عمر في ذمتنا، وعهدُ الإسلام في أعناقنا؛ ولذلك فإن فلسطين والقدس جزءٌ من عقيدة الأمة الإسلامية، والتفريط فيها تفريطٌ في كتاب الله وفي ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل إخوانه الأنبياء، وحضارة الأمة وعقيدتها:

    القدس بالنسبة للمسلمين جزء من عقيدتهم، وركن من ثوابتها فقد وصفها القران الكريم العظيم بأنها مقدسة: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كَتَبَ الله لكم» المائدة/21. ووصفها بأنها مباركة: «إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله» الإسراء/1، «إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين» الأنبياء/71،

    ويكفي أن بها المسجد الأقصى! «ثاني مسجد بني في الأرض (متفق عليه) إذ وضع آدم عليه السلام قواعده بعد المسجد الحرام بأربعين عاماً، وهو القبلة التي صلى إليها المسلمون ستة عشر أو سبعة عشر شهراً (فتح الباري 1/118) وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها (متفق عليه) وهو المكان المبارك الذي وطئته قدما رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) ليلة أسري به واختاره رب العزة سبحانه ليجمع فيه الأنبياء ليؤمهم حبيبه (صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم وأحمد..

    القدس : قلب الأمة النابض، وشرفها المقدس، وعزها السامق، وخط دفاعها الأول ، وسر وحدتها وتناغمها، ورمز جهادها ومقاومتها وحياتها، فالصراع حولها مع إسرائيل صراع عقيدة ووجود وليس صراعاً على حجارة وحدود:

    ليس للتين أو الزيتون نغضبْ
    نحن للإسلام لا للأرض ننسبْ
    ما عشقنا في فلسطين ِصباها
    أو َصباها، أو رباها
    ما عشقناها عروساً في بهاها تتطيّبْ
    كفّها في ليلة الحنّاء تخضبْ
    ما عشقناها مناخاً، وفصولاً
    وجبالا وهضاباً وسهولا
    بل عشقناها دويّاً وصليلا
    وغبارا في سبيل الله يُسفى، وصهيلا
    وسطورا بل فصولا في كتاب المجد تكتبْ
    عبر أجنادين، أو حطين، أو غزة طولا
    وسرايا أمّة الكفر على صدر صليب الكفر تصلبْ
    هكذا تبقى فلسطين ضميرا ، وكيانا في دمانا يتلهَّبْ
    هي في عمق هوانا درة من درر الإسلام تسلبْ
    ولهذا ليس للتين أو الزيتون نغضبْ
    ألف كلا. ثم كلا
    ما عشقناها كيانا مستقلا
    جلّه يحكم بالتلمود مضمونا وشكلا
    وبقايا ما تبقى يرفع الراية تسليما وذلا..

    من أسد هصور..إلى ظبي جفول:

    الأمة الإسلامية التي كانت ملء السمع والبصر.. وأستاذة العالم.. وصانعة الحضارة ، وخير أمة أخرجت للناس، والتي ابتعثها الله لتخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام..ت تحول إلى أمة ذليلة... ممزقة .. محتلة.. بفعل عملية الترويض الممنهجة المدروسة التي أوجدت عندها قابلية للاستعمار:

    ومن أصدق ما قاله مالك بن نبي :" إن قبل قصة كل استعمار هناك قصة شعب خفيف يقبل الاستخذاء"

    وهو مثل ضربه رحمه الله يفسر ظواهر حيوية ودعوية كثيرة، وكما تبدأ تراجعات كل حضارة بالنخر لتخلى مكانها إلى حضارة منافسة ، فإن الفتن هي المقدمة التي تجعل كل دعوى تغزى في عقر دارها. وعندنا أن هذا إن لم يكن بميزان الرياضيات ابتداء فإنه يكون بميزان العقوبة الربانية، فيكل الله تعالى الدعاة إلى أنفسهم، فيعود منطق الرياضيات انتهاءً، ليس ثمة عون رباني ينصر القليل على الكثير، بل الواحد لا يساوى إلا واحداً ، وتضبط الصراع الإحصاءات ومعادلات الحساب، ليس ثمة جهد تضاعفه البركة، ولا خطوة يطوى لها الزمن .

    علموا الليث جفلة الظبي وامحوا

    قصص الأسد في الحديث القديم

    هذا هو عنوان خطة الكيد اليهودي والصليبي، إنه تعليم ليث الإسلام جفلة الظبي.
    ومحو قصص أسد الإسلام من العلماء والزهاد والمجاهدين من تاريخ القرون الفاضلة الأولى لهذه الأمة المجاهدة.وأنتجت خطط التربية ذاك الظبي الجفول الذي لم يعد يقتحم، واستبدال التلفت بالعزم، وتعلم المسارعة إلى الهرب.

    إنهم هذا الجيل من أبناء المسلمين.
    شبل أسد تحول إلى ظبي وديع.
    وحر استرقوه ففرح.

    ومرت الخطة، حتى إن ما نلحظه اليوم لدى بعض المخلصين من ميل إلى العزلة والخوف من التعاون مع بقية المسلمين ليس إلا من آثار هذه التربية، ودليلا على نفاذها، وليس ذلك بمستغرب، فإنها إذا نجحت في إبعاد الكثيرين عن الإسلام، فمن باب أقرب أن تبعدهم عن بعض الإسلام، وتقنعهم بترديد الكلام، والاعتزال، والتماس الحذر من عمل يعرض للمتاعب...؟


    عشارية المكر والدهاء والترويض:

    بل مكر الليل والنهار.. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال :
    .. ها هي إسرائيل.. من قديم وهي تعلن خططها واضحة مكشوفة..لا تخشى أحدا:

    1-القدس عاصمة إسرائيل إلى الأبد.
    2- أنفاق وحفريات تحت المسجد الأقصى...لم تتوقف.
    3- تقيم المستوطنات بالقدس لتغيير الوضع الديموغرافي.
    4- طرد المقدسيين العرب وهدم منازلهم.
    5- تفتتح الكنس اليهودية باحتفالات أمام الكاميرات..
    6- تدمر كل معالم العمران الإسلامي والعربي بالجرافات التي تصورها الفضائيات..
    7-تطارد وتعتقل الشباب-حماة المسجد الأقصى-وتسحق عظامهم أمام العالم..
    8-تدفع بالعشرات لاقتحام المسجد الأقصى..علنا.. جهارا نهارا..
    9-تهويد الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن أبي رباح..
    10-القطرة التي أفاضت الكأس: إعلان إسرائيل صراحة أنها ستبدأ من اليوم التالي لافتتاح كنيس الخراب - على بعد أمتار من الأقصى - مرحلة بناء الهيكل الثالث ليهبط منحنى القدس ولتنته "إسرائيل" إلى حد إكمال كل مراحل خطتها، دون رد فعل حقيقي، اللهم إلا من هؤلاء المرابطين في داخل المسجد، الذين يستطيعون الوصول إليه، ليقفوا بأجسادهم العارية في مواجهة الرصاص.


    (( فأرسلنا عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل )) :

    هؤلاء الأبطال-حماة الأقصى-بصدورهم العارية... هم خط الدفاع الأول.. سيصنعون انتفاضة جديدة قوية.. تقلب كل الحسابات والموازين والمعادلات:

    ( رجال بيت المقدس وأكناف بيت المقدس الذين هبوا لحماية مقدساتهم والدفاع عنها بأرواحهم، وهم العزّل المحاصرون، هم الذين يقلبون كل المعادلات الإستراتيجية في المنطقة، ويفضحون الوجه العنصري الإجرامي الإسرائيلي، ويكشفون كم هو مكلف العبء الإسرائيلي على كاهل الغرب والعالم، اقتصادياً وأخلاقيا واستراتيجياً. فهذه الدولة وممارساتها وجرائم حربها مصدر الغالبية الساحقة من التوتر الذي يعيشه العالم حالياً، وآن الأوان لمواجهتها بجدية وصرامة وليس بالإدانات اللفظية فقط. )

    واجبات ونقاط عملية:

    أخي الحبيب..أختي الفاضلة:

    لا بد من تحويل هذه العاطفة الصادقة الجياشة القوية نحو الأقصى إلى نقاط عملية وطاقة إيجابية:
    المسلم إيجابي فعال..ي صنع الأحداث.. ويربي الأمة بالحدث.. ويطرق الحديد وهو ساخن..

    واجبنا نحو الأقصى:
    واجبات إستراتيجية دائمة:

    1-العمل المتواصل لتربية جيل النصر المنشود: الذي يحرر القدس من رجس يهود..على الأقل: كما فعل اليهود.. إذ كان أطفالهم يقول بعضهم لبعض: إلى اللقاء في القدس!

    2-رفض التطبيع بكل قوة وإحباط محاولاته الخائنة، ومقاطعة العدو، ومقاطعة منتجاته الاقتصادية، وقيمه الدخيلة..

    3-بث روح الأمل والتفاؤل: لأن الأمة الإسلامية لا تزال تلفظهم وترفض التعاون معهم على المستوى الشعبي.. فلنسهم في نشر هذه الروح ولنعمل على استمرارها.

    4-تمني الشهادة بصدق على أرض فلسطين: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه...

    5-أن نعيش قضية فلسطين والأقصى بكل كياننا ومشاعرنا وعواطفنا.. وذلك ب:

    -متابعة أخبار القضية يوميا..
    -تعليق صور القدس في بيوتنا... ومدارسنا وشوارعنا..
    -ورد دعاء ثابت للقدس: أن نلح على الله بالدعاء في صلاتنا وفي خطبنا ودروسنا وندواتنا، بحيث يصبح بيت المقدس هو الشغل الشاغل لكل مسلم في نهاره وليله وفي سفره وحضره...
    -تفعيل القضية في البيت والمسجد ومكان العمل...
    -الدعم المادي: (( يا أيها الذين امنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ))
    -معارض وتجمعات.. تبقي القضية حية في نفوس الأمة...


    إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون:
    إن ريح النصر والتحرير... نشتم رائحته الزكية العطرة من بعيد...فالنصر قادم:
    فلا يغرنك تقلب إسرائيل في البلاد...متاع قليل...ثم: (( ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا )) .. ((وإن جندنا لهم الغالبون )) .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أخشى أن يكون حظك من الله لسانك ...!!!

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:55

    أخشى أن يكون حظك من الله لسانك ...!!!


    قال ابن عطاء الله السكندري : ( كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته ، أم كيف يرحل إلى الله و هو مكبل بشهواته ، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله و لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار و هو لم يتب من هفواته.)


    بعض الجماعات ارتكبت أخطاء فادحة في حق نفسها ودعوتها وأمتها ،لكنها لا تملك شجاعة أدبية لوضع النقاط على الحروف ،وبيان أوجه القصور التي أدت إلى تلك الأخطاء فضلا عن أن تحاسب الذين تسببوا في ذلك!!...



    وفي كثير من الأحيان تكون الحجة : أننا لا نريد كشف أوراقنا أمام أعداء الخارج ، ولا تقديم مادة دسمة مكشوفة لمنافسي الداخل!!..وهذا مخالف للمنهج القرآني ،فقد عتب القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم بعضا مما فعل أو حدث به نفسه :

    (( عفا الله عنك لم أذنت لهم)) ... (( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ))... ((وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ))..... (( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ))...

    وقال للصفوة الخيرة: (( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.... ))

    ولست أدري كيف يمكن لنا أن نبحث في الإصلاح أو نتناول الدواء ونحن ما زلنا ننكر أننا نعاني من أية متاعب....

    إن التستر على الأخطاء لا يلغيها ، لكنه يساعد على نموها وتكريرها ، وتتمثل النتائج بعد ذلك في نوع من الانفجار الذي يذهب بالصالح والطالح ويغرق السفينة...وفي حالات تشبه الكشف المتأخر لما يدمره السرطان من بنية الإنسان...

    يقول أحد جنرالات الحرب العالمية الثانية :

    إن الحرب نفسها لم تكن خطأ لكنها كانت نتيجة لتراكم ثلاثين سنة من الأخطاء!!...

    صحيح أننا نستر أخطاءنا عن الأعين لبعض الوقت لكن العاقبة تكون سقوطنا في أعين أنفسنا ، وانهيارنا من الداخل والانهيار من الداخل دائما هو أنكى أنواع الانهيار ......

    ...ضربات الأعداء تزيدنا قوة وتلاحما وترابطا....أما النخر الداخلي فيسهي ويدهي ويلهي..

    مرآة العيوب :

    ومن فوائد الأخوة أنها مرآة العيوب وجهاز الاكتشاف المبكِّر لأمراض القلوب ، لذا كان بلال بن سعد يقول لأخيه : " بلغني أن المسلم مرآة أخيه ، فهل تستريب من أمري شيئا؟! " ، وروى جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قول ميمون له : " يا جعفر .. قل لي في وجهي ما أكره ، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره " .

    وحين يختفي النصح من دوائر الإخوان وينقلب سكوتا عن الانحرافات والتجاوزات ؛ عندها تكون الأخوة في الله قد لفظت أنفاسها الأخيرة وانتقلت إلى جوار ربها.


    قال ابن القيم:

    " الاجتماع بالإخوان قسمان : أحدهما اجتماع علي مؤانسة الطبع وشغل الوقت ، فهذا مضرته أرجح من منفعته ، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.
    الثاني : الاجتماع بهم على التعاون علي أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر ، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها ، ولكن فيه ثلاث آفات :
    إحداها : تزيُّن بعضهم لبعض.
    الثانية : الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.
    الثالثة : أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود ، وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح ؛ إما للنفس الأمارة ، وإما للقلب والنفس المطمئنة ، والنتيجة مستفادة من اللقاح ، فمن طاب لقاحه طابت ثمرته ، وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من المَلَك ، والخبيثة لقاحها من الشيطان ، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات ، وعكس ذلك " .


    ... تناولنا في الحلقة الماضية الصراع المرير حول المناصب والمكاسب...والتنافس الدنيوي المذموم الذي يؤدي إلى هلاك الحرث والنسل وحرق الأخضر واليابس وتبديد الجهود وانصراف الناس عن الحركة وذهاب البركة والفتور القاتل والحزن المقعد وتأخير أمد النصر...


    إن ما تعانيه الحركة من ظلم ذوي القربى ومن محبيها الذين أرادوا أن يذبوا عنها الذباب بضربها بالحجارة: (و إن من الحب ما قتل ؟!!!).. لمعاناة دامعة مؤلمة تعود أسبابها إلى اهتزاز أركان البيعة في نفوس بعض أحبابنا من فهم وإخلاص و عمل وثبات وأخوة وتجرد وتضحية وطاعة وجهاد وثقة...!!فنحن في حاجة ماسة إلى العودة السريعة إلى بداياتنا الأولى ...إلى عهد المأثورات وورد الرابطة وحصيرة المسجد البالية.. ونأمل أن ينتفض الأخ الحبيب على الفتور المستولي، وأن يقطع التواني، آيباا إلى بداياته القديمة يوم كان حمامة مسجد ، مستغفرا مخبتا، متنقلا بين تسبيح وحمد وتكبير وتهليل ، مكرراً كنز الجنة : لا حول ولا قوة إلا بالله ، منقلبا بين عمودين يمرغ الجبهة طوراً، ومتغنيا بالزهراوين والحاميمات وما بينهما قبل شروق وغروب، مائلاً إلى المقابر من بعد، وعاكفاً على قراءة فصول من المدارج والجواب الكافي وإحياء الإحياء متأملا التحفة العراقية، لنفخر به هو تحفة بعد ذلك حقا.

    فلقد هزلت الروح...وجفت العين...وطال علينا الأمد فقست قلوبنا واسترخت هممنا وترهلت نفوسنا وضعف حماسنا وهجرنا الصف الأول على يمين الإمام ..

    قال الدكتور أبو شادي:

    قال صلى الله عليه وسلم : أول ما يُرْفع من الناس الخشوع.
    وهو إشارة إلى أن علم القلوب سيضمحل وسط طغيان علوم الدنيا ، وأن أسراره ستضيع وبركاته ستذهب وسط الزحام ، وهو أول فساد يمس الأرض بعد رسول الله ، ليكون علامة على خبث الباطن ، ومخالفة السر العلن ، وعندها فساد كل شيء : تذبل القلوب لموت الأرواح فيها ، وتقرأ الألسنة العربية القرآن وكأنها أعجمية ، فلا فهم ولا تدبر ولا امتثال ، وتنشغل الأمّة –إن انشغلت- بمظهر العبادة دون جوهرها ، وتهتم بأركانها دون مقاصدها ، ويكثر البهرج الزائف وإن اتَّشح بوشاح القرآن.


    قال صلى الله عليه وسلم:
    (إن أخوف ما أخاف على أمّتي كل منافق عليم اللسان) .

    قال المناوي شارحا :
    " أي كثير علم اللسان ، جاهل القلب والعمل ، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها ذا هيبة وأبهة يتعزز ويتعاظم بها ؛ يدعو الناس إلى الله ويفرُّ هو منه ، ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه ، ويُظهِر للناس التنسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم ، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب ، فهذا هو الذي حذَّر منه الشارع هنا حذرا من أن يخطِفك بحلاوة لسانه ، ويُحرِقك بنار عصيانه ، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه " .


    وسبب تحديث عمر رضي الله عنه بهذا الحديث أن الأحنف بن قيس سيد أهل البصرة كان فاضلا فصيحا مفوَّها ، فقدم على عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة ، فلا يأتيه عنه إلا ما يحب ، ثم دعاه فقال : تدري لم حبستك عني؟! قال : لا. قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا فذكر الحديث ، ثم قال : " خشيتُ أن تكون منافقا عليم اللسان ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا منه ، وأرجو أن تكون مؤمنا فانحدر إلى مصرك " .

    قال سيد الطائفة الجنيد: "كنت بين يدي سري ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر؛ فقال لي: "يا غلام! ما الشكر" قلت: "الشكر ألا تعصي الله بنعمه". فقال لي: "أخشى أن يكون حظك من الله لسانك!" قال الجنيد: "فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها لي السري".

    أخي الحبيب...أختي الفاضلة:

    أخشى أن يكون حظك من هذه الدعوة لسانك......فلا خشوع ولا دموع ولا صدق ولا وفاء...بل شقشقة كلام وترصيف كلمات منمقة و شعارات جوفاء ولا شيء بعد ذلك!!!...

    والعلاج الحاسم لخصه الشيخ الراشد في مساره :

    ..كلا، بل علينا أن نوازن ولا نجعل اللبث في المساجد ضامرًا، فإن خريج المسجد غالبا ما يكون عاقلا رزنا مترويا، ذائقا لثمرات الإيمان، ذاتي الاندفاع، ليس بالمطيع فقط، ولكنه المبتكر، ولا السائر بحركة مسيرة أصحابه فحسب، ولكنه المتقدم الحادي.


    كأننا أيها الإخوة نلمس تكبرا على المسجد عند بعض جدد المصلين المثقفين والجامعيين، يدخلونه وقت الفرض فقط ، ويأنسون بالمجالس خارجه ، وربما كانت هذه الظاهرة ناتجة عن الدعاية العرفية التي تعلي مكانة الجامعة في تطوير المجتمع ، فتأخذ طالبها وخريجها نشوة جاهلية تختلط بصلاته ، ومن اللائق أن نرده إلى قيمته الحقيقية ، وأن ندله على طريق البداية الإيمانية الذي لا بد وأن يمر بالمسجد طويلا.


    إن العيش في المجتمع العام ، والتفاعل مع أحداثه ، قد يستهلكان المخزون الإيماني ، فيقف عطاؤه عند حد ويفلس، وعلاج ذلك: أن نجعل له موردا دائما تتكفل به حياة المسجد، وما فيها من سكون وصفاء نفس، ورحمة متنزلة وإلهام .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    إنما يتعثر من لم يخلص..!!

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 15:59

    إنما يتعثر من لم يخلص..!!


    أيها الدعاة..أنتم أجراء عند الله...أينما وحيثما وكيفما أرادكم أن تعملوا عملتم وقبضتم الأجر المعلوم.. وليس لكم ولا عليكم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير..!!

    يا سيد الرسل طب نفسا بطائفة... باعوا إلى الله أرواحا وأبدانا
    أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم... والناس تزعم نصر الدين مجانا
    أعطوا ضريبتهم صبرا على محن... صاغت بلالا وعمارا وسلمانا


    المرتكزات الربانية الحافظة للحركة : الإخلاص اللاهب يعصم الحركة و يفتت صخرة الفتن


    عندما تنحدر صخرة الفتن الضخمة فتسد أفق العمل والأمل.. وتحدث الهلع والخوف والإحباط والقلق والاضطراب.. فلن ينجينا منها إلا أن ندعوا الله ونتوسل إليه بأعمالنا الصالحة الخالصة الصافية من كل غبش... كحديث الثلاثة المتفق عليه:


    انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه ،فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار،فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم،... فالأول كان بارا بوالديه ويؤثرهما على من سواهما من ولد وزوجة.. فقال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه ، والثاني كان طاهرا عفيفا.. فدعا.. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ، والثالث : فحسن العهد، صادق الوفاء،ك ريما سمحا.. فدعا.. فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.. راجع إن شئت الحديث في رياض الصالحين باب الإخلاص وإحضار النية..

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ).

    أي لا يبقى فيه غل ، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله، وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل ، وكذلك يغل على الغش ، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة ، فهذه تملؤه غلا ودغلا ، ودواء هذا الغل ، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ، ومتابعة السنة.

    وأخبر عن أول ثلاثة تسعر بهم النار: قارئ القرآن ، والمجاهد ، والمتصدق بماله ، الذين فعلوا ذلك ليقال : فلان قارئ ، فلان شجاع ، فلان متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصة لله.

    قال الجنيد : الإخلاص سر بين الله وبين العبد ، لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيميله..!!

    الإخلاص أحد أنوار الفطنة التي تبدد ظلمات الفتن.. وهو: نور أناره خالد رضي الله عنه يوم احتدمت اليرموك فقال: (إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي ، أخلصوا جهادكم ، وأريدوا الله بعملكم ، فإن هذا يوم له ما بعده)


    ونقول بالذي قال به الشيخ الراشد: إن أيامنا هذه التي نصاول فيها جاهلية القرن العشرين لاستئناف الحياة الإسلامية إنما هي من أيام الله التي لها ما بعدها، فإنه لا ينبغي للداعية أن تجره فتنة إلى فخر وتطاول على أصحابه ، ولا إلى بغي وعدوان على ذي إمرة قد بويع.


    إخلاصنا يتجاوز معناه الوعظي العابر الذي تلوكه ألسن القصاص ، إلى تأمل استقرائي صامت، يحصي ما جنته النيات المشوبة الممزوجة من موبقات وكبائر أضرت بسير الحركة ، وهزته وأرادت له الحيدة عن خطه المستقيم، لولا أن الله عصم القادة، ومن عليهم بثبات وسكينة. من أجل ذلك أوصى فقه الدعوة أن من لم يتعظ فيسارع إلى تنقية نيته: سارعنا نحن إلى تنقية الجماعة منه.


    بها جزم الإمام البنا فقال: (إن الإخلاص أساس النجاح، وإن الله بيده الأمر كله، وإن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم، وذكاء نفوسهم وإخلاص قلوبهم ..، حتى اختلطت نفوسهم بعقيدتهم، وعقيدتهم بنفوسهم، فكانوا هم الفكرة، وكانت الفكرة إياهم، فإن كنتم كذلك ففكروا، والله يلهمكم الرشد والسداد، واعملوا، والله يؤيديكم بالمقدرة والنجاح، وإن كان فيكم مريض بالقلب، معلول الغاية، مستور المطامع، مجروح الماضي، فأخرجوه من بينكم، فإنه حاجز للرحمة، حائل دون التوفيق)

    أنظر قوله: إنه حاجز للرحمة، ودقق في تاريخنا القريب: كم من قصة وواقعة لها لسان يتهم الشرط المتساهل في التجميع بحجز أشكال الرحمة المتعددة، من نصر و تمكين، وسكينة وطمأنينة، ووحدة ووفاق..؟!! إن الكثير من عثرات السير مردها إلى أهل الشوائب الذين احتضنتهم الجماعة على سذاجة منها، وفي غفلة من نفسها.


    وقديما قال ابن الجوزي صادقا :
    (إنما يتعثر من لم يخلص).. وقبل ابن الجوزي بقليل كان الكيلاني ينادي:

    (يا غلام: فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة. السير سير القلب)

    ومعناه الجماعي كذلك أيضًا، فإن مما يخشى على الدعوات أن تطيل لسانها، فتكثر تأليف الكتب، وتتخذ لها من الصحف ميدانًا، وتتعب درجات المنابر بخطبائها، وتترك تأليف الأرواح وتربية القلوب، فتقف لا تخطو نحو التمكين خطوة، كوقفة غلام الكيلاني. وربما كان الضرر أبلغ من ذلك، فإن التعثر يبقى السير معه مستمرًا، والوقوف يحفظ الجماعة سالمة قائمة على الأقل ، لكن تلبس الجماعة كلها بالرياء قد يدفعها في طريق الاضمحلال الذي شاهده التابع الربيع بن خيثم في أعمال الآحاد فقال: (كل ما لا يراد به وجه الله: يضمحل)..


    فرياء الجماعات ليس بغريب، بل شوهد في التاريخ الفكري والسياسي مرارًا، متلبسا شكلا من التكلف للاصطلاحات ، ومن التبني للاجتهادات الشاذة التي ربما زل بها لسان الفقهاء الأقدمين والمحدثين ، أو مندفعا في طريق التكاثر بالأعضاء على حساب النوعيات. وصف زاهد الصحابة شداد بن اوس رضي الله عنه الشهوة التي تقترن به بأنها خفية ، فإنه ، حين حضرته الوفاة وطلبوا منه وصية يودع خلالها خلاصة فقه في العمل قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم، الرياء، والشهوة الخفية) ..


    وهذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على غوائلها كبار العلماء، فضلاً عن عامة العباد، وإنما يبتلى بها العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم لما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات، وحملوها بالقهر على أسباب العبادات، لم تطمع في المعاصي الظاهرة، ووجدت مخلصاً من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق، ونظرهم إليها بعين الوقار والتعظيم، فأصابت النفس في ذلك لذة عظيمة.


    قال الزهري رحمه الله‏ :‏ ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة ، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال ، فإذا نوزع الرياسة ، حامى عليها وعادى‏،

    ولذلك قيل‏:‏ آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة.


    يقول الأستاذ عبد الكريم بكار: مشكلة الدعاة مع( الأجرة) بدأت على مستوى الأمة حين انخفضت الوتيرة الإيمانية ووتيرة الرغبة في هداية الخلق وإنقاذهم..

    وقد شاهدنا في عصرنا الحاضر اختراق بعض الأثرياء للصفوف الأولى من خلال ما ينفقونه على الدعوة أو بعض رجالاتها دون أن يكون لهم ما يؤهلهم للجلوس في صفها الثالث! وقد دخلت بعض الجماعات الإسلامية اليوم في معارك انتخابية "برلمانية" وبلدية وصارت منابرها مهتمة بالمكايدات السياسية أكثر من اهتمامها بهداية الناس وتعليمهم وحل مشكلاتهم ،وهذا سوف يؤكد في حس الناس –ولو بعد حين- أن هؤلاء يسعون إلى هدايتهم من اجل أصواتهم في الانتخابات ،وبذلك تفقد الدعوة زخمها ورصيدها ، ولطالما فقدت دعوات ومذاهب وفئات فتوحاتها الروحية نتيجة ظن أو اعتقاد الناس أن الدعوة تستثمر لجلب منافع مادية بحتة ..!!


    آثار وضوح الإخلاص :

    الأخ المخلص المحب:

    1-يستوي عنده مدح الناس وذمهم.

    2-تستوي حالاته جميعا سواء كان في السر أو العلن وفي الخلوة والجلوة.

    3-ينكر ذاته ويخفي عمله.. حين جاء البشير بالنصر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. سأل عن الشهداء فقيل له فلان وفلان و فلان... من أعيان المسلمين وأشرافهم.. ثم سأل من غيرهم؟..قيل له : آخرون من عامة المسلمين لا نعرفهم يا أمير المؤمنين.. فبكى عمر وانتحب ثم قال: وما يضيرهم ألا يعرفهم عمر؟!..ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم و أحسابهم!!.

    4-لا يتأثر عمله وجهده بما يحدث من نتائج.

    5-ثابت على عمله ودعوته لا يتحول عنها مهما طال الزمن وتغيرت الظروف والأحوال.

    6-يرفض المطامع والمغانم والأجر الدنيوي على عمله وجهاده : صرنا متجرا لأبناء الدنيا.. يصحبنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل قاضيا أو عاملا.. كما قال سفيان الثوري.. وحق للحركة أن تتابعه في آهاته اللواعج.. فلقد أنت من كثرة من حملتهم على كتفيها وتنكروا لها..!!

    7-يرتبط بالمبادئ لا بالأشخاص. قلة فقه المؤمن ربما تعطل المساجد: ولله در ابن القيم حين يقول:

    بين القلب وبين الرب مسافة...وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه.. من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب ، ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال ، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها :م ن اليأس ، والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة ،

    ولهذا لما ظهرت رعاية المحاسبي واشتغل بها العباد،عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة ، والطبيب الحاذق يعلم كيف يطب النفوس ، فلا يعمر قصرا ويهدم مصرا.


    يقول الشيخ الراشد: وتذكير المسلم لأخيه المسلم بموانع قبول العمل الصالح من مثل الكبر والعجب بالنفس سائغ ومقبول ، لورود القرآن والسنة بذلك،لكنه حين يكون بإسراف ودونما تذكير بعفو الله وبرحمته الواسعة التي تقابل تلك الموانع ،فإنه يؤدي إلى نتيجة شنيعة: وهي ترك العمل الصالح نفسه يأسا من قبوله!!.


    قاعدة ذهبية : التشجيع لا يعني الرياء...

    إذ لولا التشجيع لذهبت تسعة أعشار العلم: إن لم تشعر طبقة القياديين المركزيين المختفين أن شخصياتهم الخاصة و أسماءهم ملتصقة بكل عمل و نجاح يتحقق، واسمة له بوسمهم: فإن هممهم ستضعف تدريجيا ، إلا من رحم ربك ،إذ تلك هي طبيعة النفس تحب الثناء والتشجيع ودعاء الآخرين لها وتقديمهم الشكر وبذل الحمد..

    ولعل في قوله تعالى : (( واجعلنا للمتقين إماما )) .. مسحة خفيفة من هذا المعنى غير ظاهرة.. إذ الأليق أن تفسر رغبة المؤمن بإمامة المتقين بحرصه على نيل أجر الإمامة وثواب تأسي الآخرين به،وكونه رائدا سبق إلى المقدمة ..

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : من لا يشكر الناس لا يشكر الله..إيماءة أجلى إلى حق المؤمن في انتظار الشكر..

    لكن قول الغزالي أصرح حين قال : لولا الرياء لذهبت تسعة أعشار العلم..

    ومثل العلم : أعمال إسلامية أخرى ، يفترض أن فاعليها وممارسيها أقرب إلى التجرد وأبعد من شوائب الرياء ، ولكن تسعة أعشار العلماء يؤلفون ويصنفون الدواوين النافعة بعيون ترنو إلى نعيم الآخرة وحسن الجزاء ، ولكن بآذان منتصبة لالتقاط كلمات الإعجاب والتقدير التي سيقولها من يقرأ إنتاجهم.. وتلك شعبة من الرياء ، لكن جعلها الله سببا لعمران العلوم ووقف الأوقاف وبذل الخيرات ، ولولاها لاضمحل العلم وقلت المساجد والمدارس الشرعية...


    إن القيادي إن طال اختفاؤه وذهل المسلمون عن تعبه وسهره وكده لفكره وإنفاقه لصحته وأوقاته وتفريطه في حق نفسه وعياله ، ثم لا يسمع حثا وشهادات تشهد بأدائه ما عليه: فلربما يضعف عن العطاء بتدرج غير مرئي لا يلتفت إليه نفسه ولا الذين من حوله ، ويجنح إلى البرود والفتور.. وهي سلبيات تجر إلى سلسلة من العيوب أقلها : سرعة غضبه إذا انتقده ناقد.. ويكون حساسا جدا لا تستطيع أن تمسه بزنبقة بيضاء أو بريشة طاووس.. ولا أن تمسحه ولو بمسك أو عنبر!!..


    وما ذاك إلا لتخلف رقم في معادلة القيادة يتمثل في وجوب تمتع القيادي بمنظره بين إخوانه وتصدره ومشيه قبل الصفوف وسماعه الدعاء.. وليس كل هذا تهوين أمر الرياء والغفلة عن دونيته وانخفاض رتبته ورتبة مقترفه..ولا يفهم هذه القاعدة الذهبية حق فهمها غير ألمعي مجرب طال انغماسه في يوميات العمل الدعوي عشرات السنين..!!.




    أضحى التنائي بديلا من تدانينا... وناب عن طيب لقيانا تجافينا..!!




    .. لكن تبقى على الداعية بقية لتكمل سكينته: أن يتخلق مع إخوانه الدعاة بخلق العفو والتجاوز، فإن الصدود وإضمار الانتقام وانتظار الرد بالمثل لن تنفك تزيد حرارة القلب حتى تدعه قلقا مضطربا. وللشيطان نشوة عند غيظ يراه من مؤمن أو غضب يعتريه يستتم به عليه ذهول وإغلاق،يحجبانه عن خلق في السماحة أمثل، وينزعان عنه رداء من المهابة قشيبا... وما يذوق أحد للحياة من حلاوة، ولا يرى لها من زينة، إلا يوم يوجد هذا الباذل، فيملؤها حبا كما امتلأت عبوسا.


    وذهب المأمون في ذلك مذهبا نادرًا، ففضل صحبه مثل هذا على مكث في خلافته ليس في الدنيا في عصره أعز منها، وشهد عليه بذلك نديمه مخارق حين أنشده قول أبي العتاهية:
    وإني لمحتــاج إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليـه

    قال مخارق: (فقال لي: أعد. فأعدت سبع مرات، فقال لي: يا مخارق :خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب)!!..


    قبسات وأنوار من المدارج :

    وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في مدارجه مشاهد رائعة ساحرة بديعة لمحن وفتن الدعاة وصبرهم وحلمهم وعفوهم نلخصها في ما يلي:

    1-محن الدعاة سنة كونية : أن ما جرى في الحركة من فتن ومحن وانقسام بمشيئة الله وقضائه وقدره،كالتأذي بالحر والبرد،والمرض والألم،وهبوب الرياح،وانقطاع الأمطار.. فما شاء الله كان.. وإذا شهد هذا استراح..!!

    2-للصبر في المحن لذة : فيشهده ويشهد وجوبه،وحسن عاقبته،وجزاء أهله،وما يترتب عليه من الغبطة والسرور،ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام،فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة..!!

    3-عز العفو: مشهد الصفح والعفو والحلم: فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته لم يعدل عنه (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا..)

    4-نرضى ليرضى: مشهد الرضا.. وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، سيما إن كان ما أصيبت به في الله، وفي مرضاته ومحبته.. وهذا شأن كل محب صادق، يرضى بما يناله في رضا محبوبه من المكاره.

    5-نحسن لمن أساء : مشهد الإحسان.. وهو أن يقابل إساءة المسيء بالإحسان، فيحسن إليه كلما أساء هو إليه..ويهون عليه علمه بأنه قد ربح عليه، وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته، وأثبتها في صحيفة من أساء إليه، فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه!!..

    6-خواطر الثأر تستهلك القلب: مشهد السلامة وبرد القلب وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى، وطلب الوصول إلى درك ثأره، وشفاء نفسه، بل يفرغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له، وألذ وأطيب و أعون على مصالحه..

    7-العفو يقطع إلحاح الجاهل في الظلم: مشهد الأمن فإنه إن ترك المقابلة والانتقام من ما هو شر من ذلك، وإذا انتقم: واقعه الخوف ولا بد، فإن ذلك يزرع العداوة، والعاقل لا يأمن عدوه، فكم من حقير أردى عدوه الكبير فإذا غفر، ولم ينتقم،ولم يقابل أمن من تولد العداوة ، أو زيادتها. ولا بد أن عفوه وحلمه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه،ويكف من جزعه، بعكس الانتقام..!!

    8-صفقة رابحة..ثمنها:عرض وأذى وهو أن يشهد تولد الأذى من دعوته وأمره بالمعروف ونهييه عن المنكر، وإقامة دين الله ، وإعلاء كلماته.. فمن قام لله حتى أوذي في الله حرم الله عليه الانتقام.كما قال لقمان لابنه ( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك،إن ذلك من عزم الأمور..)

    9-تكفير الخطايا بالمحن والفتن نعمة:

    مشهد النعمة:

    أ-أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر، ولم يجعله ظالما يترقب المقت والأخذ..!!

    ب-أن يشهد نعمة الله عليه في التكفير بذلك من خطاياه: فما أصاب المؤمن من هم وغم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه.. فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك، فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته ومن كان على يديه ، وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك ، وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته!!..

    ج-أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها.. وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة..!!

    ..هذا وإن العبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض.. فالعاقل يعد هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة.. ولا يبطله بالانتقام..!!

    10-على الدرب نجدد المثال : مشهد الأسوة:وهو مشهد شريف لطيف جدا..فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله،وأنبيائه وأوليائه،وخاصته من خلقه،فإنهم أشد الخلق امتحانا بالناس،وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور..وقد قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:لتكذبن،ولتخرجن،ولتؤذين..وقال له:ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي..

    11- السائر إلى الله لا توقفه الأشواك : مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها ،فإذا امتلأ القلب بمحبة الله،والإخلاص له ومعاملته،وإيثار مرضاته ،والتقرب إليه،وقرة العين به،والأنس به،واطمأن إليه، وسكن إليه، واشتاق إلى لقائه، واتخذه وليا دون من سواه.. وفني بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له ألبتة فضلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة..!!

    يقول الشيخ الراشد:

    إن الغلظة لم يشر عليك بها الناصحون لمعاملة مثل هؤلاء الذين تدلك فراستك أنهم قد يتوبون من قريب، لكنها الرد المناسب لأنفار يقعون في هاوية الفتنة، فما يزالون في وساوسهم من بعد، حتى يخرجوا إلى (تقبيح المحاسن، وصدع الملتئم، وحل المعقود). وحتى هؤلاء ليسوا سواء،


    وعليك أن تنتبه لنفسك، فتعتدل إذا دعتك الحماس لتطرف في التعامل مع المخالف، ما لم يكن ملحاحا جريئا في الهجوم، إذ الاعتدال يوجبه أكثر من نظر فقهي واحد.

    1-فمن ذلك: قاعدة التأويل، وهي من القواعد الفقهية الصحيحة التي سدت أبوابا من الأذى، أن تتأول للمخطئ، وأنه ضحية شبهة غير متعمد، مجتهد غير منحرف، ركبته ساعة غفلة غير مبيت للأمر، ولقد اقتتل الصحابة رضي الله عنهم فتأولوا لهم، والقضاة يجتهدون في درء الحدود بالشبهات، واحتاطوا أبعد الاحتياط في تكفير المسلم ما لم يكن قد أتى أمرًا لا يمكن صرفه عن معنى الكفر، وأشياء من هذا الجنس تجعل تأنيك ورفقك ليس بغريب على الحس الفقهي.


    2-ومن ذلك: ترك مجال التوبة لمرتكب الإثم، وفتح باب الأوبة للمخالف، لكنك إن قطعت كل الجسور التي بينك وبينه: ملكه اليأس، أو حكمه الانتصار للنفس، فاترك له معبرا ما أمكنك.


    3- ومن ذلك: سد الذريعة، فإن النصوص الشرعية التي تندب لبعض الخير يتعطل العمل بها في حالة تولد ضرر عنها، والقرارات التنفيذية في الجماعة المسلمة العاملة شأنها أهون، في وضوح لا يحتاج إلى جدل وإتيان ببرهان، ولربما أدى الجمود في تطبيقها إلى ضرر لم يكن مقصودًا حين اتخاذها، وعلى الداعية أن ينبه مسؤوليه إلى استثناء الحالات الخاصة، وأن يجذب اللجام، لا يرخيه، ألا تسبق حماسته حماسة قادته.


    4-ومن ذلك: جواز الجمع بين المصلحتين والخيرين، فتقرن بين مصلحة الجماعة في إخراج المخالف عن صفها، حفاظًا لوحدتها ابتعادًا عن جدل يعوق تسارع انطلاقتها، وبين مصلحة المخالف في احتمال أوبته إذا رفقت به وأصغيت لبعض الحق الذي معه، مما أساء التعبير عنه وجنح عن الصواب إذ ابتغي الدلالة عليه. إننا قد ننسى البديهات أحيانًا في غمرة التفتيش عما يحل المعضلات، حتى لنكاد نجهل منطق الجمع بين المصالح في زحمة البحث مع الفقهاء عن المخرج عند تعارضها.


    يقول الأستاذ الفاضل كمال الهلباوي:

    آلمتني الفرقة شديدا وتذكرت مجهودات الأستاذ محفوظ نحناح رحمه الله الكبيرة التي أخذ يضيع بعضها والمكاسب التي حققها والتحديات التي اخترقها للحفاظ على الوحدة والأخوة أمام أعتى تيارات صادفت الجزائر في التسعينات حيث استطاع هذا الملاح العظيم في الدعوة أن يسير بسفينة الحركة بالدعوة وأن يضرب مثالا واضحا في القيادة العظيمة هذه القيادة التي اتسعت إلى آراء الصف واستطاعت أن تستوعب مجريات الأحداث وأن تحل مشكلات فقهية عتيدة أمام الحركة وذلك بسلوكه وبسمته اللطيفة التي أحسنت حتى إلى من أساء إليه.


    مرة حضرت في جدة في لقاء بين الشيخ محفوظ وقيادات أخرى عقب موسم من مواسم الحج فكانت هذه القيادات تسب الشيخ رحمه الله وأرادت أن تعتدي عليه وهو يرد عليهم بالابتسامة والتأدب، هذا هو التوجه العظيم، والنهج العظيم وعليكم ألا تضيعوا هذا الجهاد المبارك وألا تفقدوا صلتكم بالحوار مع العالم وتحفظوا صورة هذه الحركة وتضربوا المثل لهذا الناشئة المليئة بالأحلام حتى يحين الوقت للأسلمة الكاملة والانتقال إلى فضاء أوسع وأرحب.

    -يقول محمد الحسني الندوي: (إن سر نجاح الإمام الشهيد حسن البنا هو الحلم والصفح والغفران والعرفان بالجميل والأخوة الندية العذبة ،وأيم الله إنها الناحية الوحيدة التي فقدناها وفقدنا معها الخير كله والبركة كلها،كان العدو اللدود والخصم العنيد يأتي حسن البنا لا يريد به إلا شرا أو لايضمر له إلا الكيد ثم يعود محبا مأخوذا بجمال إيمانه ونور وجهه وحسن سريرته.)

    وهاهو حسن البنا يؤكد شهادة الندوي بقوله: (..إن من عيوبي أنني لا أعرف كيف أعادي، وأخاصم، وأقاطع؟؟!!).هو لا يعرف كيف يكسب الأعداء،ويتقن فن كسب الأصدقاء،وكيف يؤثر في الناس؟؟!


    - إن الكــــــريم لكالربيــ ـع تحبــــه للحسـن فيه
    وإذا تحــــرق حاسدوه بكى ورق لحـــــاسديه

    ومدار حسن الأدب على حرفين ،ذكرهما عبد القادر الكيلاني فقال:
    كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس

    قال ابن القيم : ما أجمل هاتين الكلمتين ....مع اختصارهما ...و ما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل؟وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى ، وتوسط النفس بينك وبين خلقه، فمتى عزلت الخلق –حال كونك مع الله-وعزلت النفس –حال كونك مع الخلق-فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم، وشمروا إليه،وحاموا حوله!

    لقد أضعنا أعز الأوقات..وخسرنا أغلى الطاقات..وشمتنا بنا الأعداء...وباعدنا بيننا وبين ساعة النصر القريبة..وطال بيننا النقاش والجدال والمراء والتشويه والتجريح..و صار التنائي بديلا عن تدانينا... وناب عن طيب لقيانا تجافينا..

    كما قال ابن زيدون:

    غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا
    بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدّهرًُ آمينَا
    فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا
    وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا
    وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا
    فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
    يا ليتَ شعرِي، ولم نُعتِبْ أعاديَكم
    هَلْ نَالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا
    لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ
    رأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا
    ما حقّنا أن تُقِرّوا عينَ ذي حَسَدٍ
    بِنا، ولا أن تَسُرّوا كاشِحاً فِينَا
    كُنّا نرَى اليَأسَ تُسْلِينا عَوَارِضُه
    وَقَدْ يَئِسْنَا فَمَا لليأسِ يُغْرِينَا
    بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا
    شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا
    نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا
    يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا
    حَالَتْ لِفقدِكُمُ أيّامُنا، فغَدَتْ
    سُوداً، وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا


    ويجيبه شاعرنا الكبير...شاعر الحرقة واللوعة والألم والأمل-محب الراشد-محمد براح: في رائعته الأخيرة:

    لكن سنعبر هذا الصعب في ثقة ... ولن يبيع وداد العمر سمسار
    لفح الشتاء وعصف الريح يحملنا ... نحو الأمان أنا في الموج بحار
    ولن يطول خصام هكذا دربت ... عنا الحياة وفي التاريخ أخبار
    وهكذا خلق الإخوان ليس لنا ... إلا العناق ودمع العين مدرار
    علمتنا كيف لا نقسو على احد ... وكيف يسبق سمت الصفح إيثار
    ما خنت عهدك لا بل حبكم بدمي ... ونحن للنهج أعوان وأغيار

    أمل واسع باسم عريض:

    هذا التجمع الحاشد الباهر... بعد الجرح والقرح والفتن...يعلن بصوت مدوي : أن الحركة قوية صلبة متجذرة..لا يمكن لأعظم العواصف أن تزحزحها...ولا لأقوى الزلازل أن تقتلعها!!..

    ولنا أمل كبير واسع باسم: بعودة أحبابنا إلى حضن أمهم الدافئ..لأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا:

    يجمعنا الرضاع الأدبي الإخواني الأول.. وحبنا العميق الوثيق لشيخنا الصادق الهمام:ن حناح.. ومودة صافية قديمة بيننا... وخبز وملح..



    وسائل لتحقيق هذا الأمل:

    1-إمساك الجميع عن الجدل والغيبة والتجريح ووقف القصف الإعلامي والحرب النفسية.

    2-الربانيون والعقلاء والحلماء والحكماء: لا ينبغي أن ييأسوا من إصلاح ذات البين.

    3-مؤسسات الحركة: وخاصة أعضاء المجلس الشورى الوطني:بتحريك المبادرات الفورية الإيجابية الدافعة للوحدة والحب عبر فقه التنازل-من الطرفين- وفقه الموازنات وفقه المآلات..وإعادة الغطاء وتفعيل الصلة مع المرجعية:شكلا وروحا... قلبا وقالبا.

    4-الدعاء وتجديد العهد والنية.. والانكسار والاستغفار بالأسحار..!!

    5-الاستمرار في العمل والعطاء والإيجابية من خلال مؤسسات الحركة..فنفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر..!!

    ..وختامها مسك وعطر:

    أقسمت أني بالإخلاص أسعفها ... حتى تزول بطعم الحب أخطار
    أنت ابتسم نحن يا نحناح نحفظها ... أنت ابتسم كلنا للنهج أنصار
    نعاهد الله أنا الثابتون غدا ... ورايتي من إبا الإخوان تختار



    المراجع:

    تهذيب المدارج... و..المسار:لشيخنا الراشد.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    على قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق!!!....

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 16:00

    على قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق!!!....




    يقول سيد الربانيين ابن عطاء الله السكندري:

    1-كيف تخرق لك العوائد و أنت لم تخرق من نفسك العوائد.
    2-تحقق بأوصافك يمدك بوصفه، و تحقق بذلك يمدك بعزه، و تحقق بعجزك يمدك بقدرته، و تحقق بضعفك يمدك بحوله و قوته.
    3-فرغ القلب من الأغيار تملأه بالمعارف و الأسرار.


    كثير من الدعاة والمصلحين يشكون عزوف الناس عنهم والتهاءهم بشكليات عادية يجدونها عند الأحزاب الأخرى، وبالغث لا بالسمين، وباللغو لا بالعلم، وما من شك في أن هذه الظاهرة هي من الجهالة التي قوبل بها الأنبياء عليهم السلام وبعض الصالحين، وإنها صفة متوقعة من البشر، وأنها علامات اقتراب الساعة، ولكن يبدو أن صدود الناس هذه الأيام قد فاق كل صدود سابق، وأن جهالة الناس بلغت حضيضا واطئًا، وأصبح أمر الإصلاح عسيرًا على المقل الماشي في طريق الإيمان بهدوء وبرود، ولابد أن يتصدى المكثر، الراكض، الفائر، ذو الحرارة



    إن للتقوى آثار تشغيل، وبمقدار جديتنا: يكون الناس جديين، ولنا شاهد دائم في أنفسنا، فإننا نتفاوت بين يوم ويوم، وإيماننا يزيد وينقص، فإذا كنا حينا في إيمان جيد: رأينا إقبال الناس علينا، وإذا كان فينا جزر إيماني وقسوة قلب في حين آخر: رأينا قلة جدوى نشاطنا، مع كثرة غدونا ورواحنا، وكل منا قد تعاقبت عليه مثل هذه الأحوال ولمس بنفسه اختلاف مواقف الناس منه، وضوابط إنتاج الجماعة تعتمد في كثير من جوانبها على ضوابط إنتاج الفرد.


    ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيي بن معاذ من أنك: (على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق) ، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا التجميعي منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقبله على الله تعالى: أقبل بقلوب العباد إليه.

    .....ثم إنه لا يحدث تغيير هادئ وهادي على أساس الخطابة الساحرة،وغزارة العلم،وروعة التخطيط والتنظيم،وبراعة التنفيذ،ولغة الإحصاء والاشتقاق والتكامل،والهندسة النفسية والتأثيرية،والدورات التدريبية،ومهارات التنمية البشرية –وحدها-إذا لم تكن وراءها النفس الزكية الخاشعة،والقلب العامر الفائض بالإخلاص واليقين،والتوجع لحال المسلمين،والتألم مما أصاب الدين.

    ...وهي صفات لا تنشأ غالبا إلا مع:

    1- كثرة الذكر والعبادة.
    2- ومجالسة الصالحين.
    3- وترسم خطى المتقين.


    -وكان من يمني نفسه بقلب الأوضاع التي استحكمت ، ورسخت ، وإصلاح المجتمع الذي استشرى فيه الفساد ، وتضافرت عليه عوامل الهدم والإفساد ، والتأثير في بيئة زخرت بكبار العلماء ، وحذاق الأساتذة ، ونوابغ الأدباء والشعراء ، ثم لا يزيد على أن يشاركهم في بضاعتهم وقد يتفوقون عليه في بعض العلوم والفضائل ، ولا يكون عنده مما يحتاجون إليه ويقرون بتخلفهم فيه:

    -من صلة قوية بالله ، ومعرفة مصايد الشيطان ، ومكايد النفس ، ووصول إلى درجة الإحسان وأعلى مراتب الإيمان ، واستقامة على إتباع الشريعة والسنة النبوية ، وعزوف عن الشهوات ، وزهد في الدنيا ، واستهانة بأربابها ، وإقبال على الآخرة.

    -كان من شأنه كمثل من يخوض في ساحة القتال من دون تجنيد وتدريب ، أعزل لا يحمل سلاحا أو يحمل ما يحملونه ، أو كمثل الأخرس الذي يحاول البيان والتعليم والإفهام.

    كن صحيحا في السر تكن فصيحا في العلانية:

    وتعال معي أيها الحبيب نزور ونجلس في رحاب حلقات الجنيد البغدادي وابن الجوزي في القديم...وفي ظلال مجالس الإمام الشهيد حسن البنا في الحديث..ترى عجبا وسحرا ونورا وبركة وتأثيرا وخشوعا و دموعا....!!

    1-مجلس الجنيد:

    -عن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة: رأيت لكم شيخاً ببغداد ، يقال له الجنيد ما رأت عيناي مثله ، كان الكتبة ـ يعني البلغاء ـ يحضرونه لألفاظه ، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه ، والمتكلمون يحضرونه لزمام علمه ، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم.

    2-مجلس ابن الجوزي:

    يقول ابن الجوزي:.. لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف ، وأسلم على يدي أكثر من مئتي نفس ، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل !!..

    ولقد جلست يوما فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ، ما فيهم إلا من قد رق قلبه ، أو دمعت عينه ، فقلت لنفسي : كيف بك إذا نجوا وهلكت ؟؟!!

    3-مجلس الإمام الشهيد:

    في أمسية مشهودة بمدينة طنطا وقد احتشد أمامه قرابة أربعين ألفا من فئات الناس بينهم جمهرة من أتباع عدة طرق صوفية درج بعضهم على النفور من طابع الحركة المتحمس كأنهم يرونه يجافي وداعة العبادة... فإذا به بعد استرسال روحي خالج غائر في صفاء ويسر- يقول لمستمعيه فجأة في إشراقة كأنها السحر : ( ألا تعجبون معي من إخوتنا العباد الذين لا ينقطعون من تلاوة دعاء الشيخ أبي الحسن الشاذلي في حزب البر ويرددون دائما اللهم أرزقنا الموتة المطهرة ....)!!.. ماذا تراهم يستحضرون في معنى الموتة المطهرة؟!!.. ألا إن أطهر موتة يحبها الله هي هذه......... ورفع يده فمر بها على رقبته إشارة إلى قطع الرقاب في سبيل الله... فكأنما والله مست الناس كلهم كهرباء.. واستعلن أمامهم مشهد الفداء رأي العين... فسالت دموع... وثارت عواطف.. وتعالت هتافات...!!

    السمات الأساسية للداعية الناجح ومرتكزات فن الإلقاء الرائع:

    أولا الإخلاص:

    إن الإخلاص وتمام التجرد وعمق الانفعال مع القضية والبراءة من الأجر الدنيوي:عوامل رئيسية في تقوية أثر كلام الداعية في بقية إخوانه وفي الناس عموما ، وعلى منهجية التربية أن تدرك مغزى هذه الظاهرة ، وأن تعمل على إبقاء تعليم الإخلاص وأمثاله من المنازل الأولى في مدارج الصاعدين هدفا دائما ومصاحبا لجميع المراحل.

    أخطار تهدد الإخلاص

    يقول الأستاذ جمعة أمين:

    ولذلك فإن حرارة الإخلاص تنطفئ رويدًا كلما هاجت في النفس نوازع الأثرة وحب الثناء، والتطلع إلى الجاه، وبعد الصيت، والرغبة في العلو والافتخار وحب الظهور، والرغبة في أن يُرى الإنسان في مقدمة الصفوف وأماكن التوجيه؛ ذلك لأن الله يحب العمل النقي من الشوائب المكدرة ﴿ أَلاَ للهِ الدِّيْنُ الْخَالِصُ) من أجل ذلك يقول الرسول-صلى الله عليه وسلم-: "اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يُعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة" (رواه الحاكم )

    يقول ابن القيم في (إعلام الموقِّعين):

    "إن صحة الفهم، وحسن القصد، من أعظم نعم الله التي أنعمها على عبده، بل ما أُعطي عبدٌ بعد الإسلام أفضل وأجلَّ منهما ، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريقَ المغضوب عليهم، الذين فسد قصدُهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومُهم، ويصير من المُنعَم عليهم الذين حسُنَت أفهامهم وتصورهم".

    يقول الإمام حسن البنا:

    وأريد بالإخلاص أن يقصد الأخ بقوله وعمله وجهده وجهَ الله، وابتغاءَ مرضاته وحُسْنَ مثوبته، من غير نظرٍ إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدُّم أو تأخُّر، وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة لا جندي غرض ومنفعة

    ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِيْ وَنُسُكِيْ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ* لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ..﴾ (الأنعام: 162، 163) وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه الدائم: "الله غايتنا" و"الله أكبر ولله الحمد".

    أيها الحبيب:

    إذا وجدت خلَلاً تنظيميًّا في جماعة مسلمة فابحث أولاً عن الخلل الإيماني؛ لأن كثيرًا مما يصيب الجماعة من خلل تنظيمي ربما يكون سببه ضعفًا في الإيمان أو مرضًا في القلب أو عدم الأخذ بالأسباب أو إهمالها، ومع هذا فكم من ثغرات عولجت بالإخلاص!! وكم من ضعف قَوِيَ بالمحبة،لذلك كان من الإخلاص سلامة الصدور بين أفراد الجماعة الواحدة، فلا بد للجماعة التي أخلص أفرادها لدعوتهم أن تكون صدورهم سليمة، وقلوبهم رحيمة، وعلاقاتهم وطيدة، يستمعون إلى رسولهم صلى الله عليه وسلم وهو يقول لهم:

    "بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة الصلاة ولا الصيام وإنما دخلوها بسخاوة الأنفس وسلامة الصدور".إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوصي أنسًا رضي الله عنه فيقول: "يا بني إذا أصبحت وأمسيت وليس في قلبك غشّ لأحد فافعل؛ فإن ذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبَّني ومن أحبَّني كان معي في الجنة" ويقول: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في الصدر: ﴿ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾...



    المراجع:

    المسار والمنهجية للشيخ الراشد
    كن رابط الجأش وارفع راية الأمل .... وسِر إلى الله في جِدٍ بلا هزل
    وإن شعَرتَ بنقصٍ فيك تعرِفه .... فغذ روحك بالقرآن واكتمل
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حيث صار التنوير وصل التعبير!!..

    مُساهمة  Admin في الإثنين 14 نوفمبر 2011 - 16:01

    حيث صار التنوير وصل التعبير!!..



    ابن عطاء الله السكندري:
    (تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث صار التنوير وصل التعبير.
    - كل كلام يبرز و عليه كسوة القلب الذي برز منه .
    - من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته و جليت إليهم إشارته. )


    تناولنا في الحلقة الماضية مرتكزات فن الإلقاء الرائع وذكرنا أن تنقية النية مما علق بها من شوائب هي أس الأساس والركن الركين... فهذا الصحابي الجليل عبادة بن الصامت حين سئل عن الأنفال وكونها لله ورسوله وسبب الوصية بإصلاح ذات البين : ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) قال: فينا نزلت أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم...



    يقول الشيخ الراشد معلقا في أصول الإفتاء:

    ..فقد اتهم نفسه ومن معه بسوء الخلق ، وهم أشرف الصحابة أهل بدر ،وذلك تواضع واضح ، وكأنه يريد أن يلقن أجيال المؤمنين فضيلة اتهام النفس إذا احتد الجدل حول دينار أو صدارة ، فازدراء الذات وإلصاق صفة سوء الأخلاق إذا تصاعدت قعقعة المنافسات هو حسن الأخلاق بتمامها وجذر مكارمها ، وبه مضت هذه البادرة العبادية وترسخت درسا بليغا يعظ دعاة الإسلام أن ينظروا إلى الأجر الآجل ..وإلى ما يدخره الله للعاملين بصمت إذ ثم هنالك المغانم..؟؟!!

    ويبقى خلاف الدعاة في الأمور الدنيوية في عداد الأمور القبيحة من خلاف حول مال ومنصب، وعليهم التزام العفاف إذا حاول الشيطان أن ينزغ بينهم ، ولئن يقترب الداعية من التواضع فيتهم نفسه خير له من أن يبعد بالتأويل والظن والمزاحمة والحرص والإلحاح...!!

    ولأمر ما ركز الإمام الشهيد في ركن الإخلاص على كل المطامع والمطامح بقوله:

    من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر...!!!وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة...لا جندي غرض ومصلحة!!..

    قالت ليلى الأخيلية ترثي أخاها:

    ومخرق عنه القميص تخاله... يوم اللقاء من الحياء سقيما
    حتى إذا رفع اللواء رأيته... تحت اللواء على الخميس زعيما


    - وكم أرتنا الدعوة وأحداثها إخوان ليلى هؤلاء ، الذين امتزجت أرواحهم بروح الدعوة ، وذابت رغباتهم وطموحاتهم وآمالهم في تيار الدعوة،وصابروا في ثغور النشاط على سنة التواضع والفقر، بغير مال، ولا شهادة دراسة عليا، ولا لقب ولا سيارة ، ولا مركز مرموق، بل بالقميص المخرق المرفأ!!


    .... حتى إذا جد يوم البذل والتنافس الخيري رأيتهم الزعماء حقا!!....يقودون جمهرة المؤمنين... ويضربون الأمثال لمن يروم التحدي... ولو صنفهم الناظر لهم بعين الموازين الدنيوية والأعراف الوظيفية لوضعهم في المؤخرة ....
    ...لكن العارف بلغات القلوب ولهجات الأرواح يميز المنازل السامية التي احتلوها...
    فيؤسر إعجابا... وينشد احتراما....فينطق لسانه بأزكى الدعاء لهم ...لما رأى من نبض ووميض..؟؟؟!!!..


    2-الروحانية والربانية:

    يحصل لأهل الولع بالسياسة أو البحث أو العمل الميداني نوع من الزهد بأدوار العباد المتنفلين من الدعاة ، أو المنقطعين إلى تنقية قلوبهم وتربية إخوانهم ،وهذا زهد عن ميزان التكامل في الأعمال والأدوار والواجبات ، لا يعترف به فقه ، ولا تشهد له خبرة دعوية ،ذلك أن وجود مثل هؤلاء العباد في المجتمع الدعوي ضرورة قصوى تقتضيها ضراوة الحياة المادية التي تغزونا من خلال مخالطتنا للمجتمع العام ،وهجمة الملهيات المسببة للغفلة وقسوة القلب ، ومن برامج التلفزيون وكلام الصحافة وتنافس الناس في طلب الرزق وركضهم وراء الدرهم والدينار ، إذ لا بد أن يوجد من يرفع الآذان محذرا وناصحا وواعظا ،فيكون الاعتدال إذا انتصبت الشهوات ،ويقومون بمهمة كبح الجماح ، ونهر الجريء في مواطن الشبهات ، بل ويلجأ لهم الدعاة للدعاء أيام الشدائد ، وعسى الله أن يرحم بدعائهم عباده فيكشف غمة أو ينزل نصرا ، ولن يزهد بأدوار هؤلاء القوم علماء القلوب غير جاهل أو راغب في التفلت من صرامة أوصاف الإيمان...



    يقول الشيخ الراشد في منهجيته:....وتقليدا لعمر بن عبد العزيز حين جعل رقيبا عليه ينبهه إذا غفل: هممت بوجوب تفريغ داعية محتسب مهنته أن يدق أبواب الدعاة ويقحم نفسه في شأن إخوانه .. ويقول خمس لاءات فقط:

    1-لا تغتر.....
    2-لا تتبطر..
    3-لا تكسل....
    4-لا تغفل....
    5-لا تنس أن تسقي القلب فإنه عطشان...!!

    ..يقول ابن عطاء الله السكندري:

    (الأنوار مطايا القلوب، و الأسرار .. والنور جند القلب ، كما أن الظلمة جند النفس، فإذا أراد أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار.)

    جنود الأنوار هي عبارة:

    عن الأوراد الروحية من قيام ليل ومناجاة واستغفار بالأسحار وتلاوة قرآن وذكر ودعاء ونوافل صلاة وصيام... فإذا داومت عليها أمدك الله بنفحات باهرة من تجلياته تشرق في أعماق فؤادك فإذا أشرقت طردت ظلمات الزغل وركام الأهواء ومشاعر الأنانية والانتصار للعصبية والذات..

    ولا تثمر أعمال الدعوة إلى الله نتائجها ، ولا تلتهب كلماتها بحرارة التأثير ، ولا تذيب بلذعها كبرياء المعاندين ، إلا بتأييد ودعم من جنود هذه الأنوار..


    إن الذي يحصل في غياب ( جنود الأنوار) هذه.. من جراء عدم الالتزام بالمنهج الروحي أن تهجم على أفئدة بعض العاملين في حقل الدعوة آفات الشهوات والأهواء ، فتهيمن عليها ، وتقودها لما تطمح إليه نفوسهم من المصالح الشخصية والمغانم المالية.. وأهداف الحظوة والزعامة والعصبية..

    ولا تنهض الدعوة الناجحة إلا على جند من هذه الأنوار الربانية المشرقة!!

    .. ليس أنفع في جلاء القلوب وصقل الأرواح من الإكثار من ذكر الله ومناجاته في أوقات السحر حيث الصفاء التام وحيث التجلي الخاص.. وقد كان السلف يعجبون من طالب علم لا يقوم الليل!!

    إن المناجاة لا تتخذ شكلا من الأشكال ولا قالبا من القوالب.. فهي إما أن تكون أو لا تكون ، ومن ثم فإنها حين تطلقها روح المسلم تكون نبعا فياضا للشفافية والشعور بالقرب! وليس أولى بالتنفل وتجاوز الأقدار المفروضة من العبادات من الداعية الذي جعل محور حياته خدمة هذا الدين والتمكين له في الأرض..

    إن من الخطورة بمكان أن تتحول جماعة أو حزب إلى مجموعة من المنظرين والمخططين، وتفتش فيها فلا تجد الأوابين ولا الربانيين ولا العابدين المتبتلين...إنها والله تضع نفسها في مهب الريح..وتعرض تماسكها..وقبل ذلك مسوغ وجودها للخطر المحدق ..!!

    وفي غمرة العمل قد تغلب على الداعية الحركة وحب الاتصال بالناس ، بل قد يغرق في متابعتهم وحل مشكلاتهم..وإذا بماء الإيمان لديه ينضب ، أو يتعكر دون أن يدري ، وحين يحدث ذلك فإن عاقبته ستكون:

    فتورا في العمل وفتورا في العطاء.. كما ستكون ضعفا في تأثير الداعية في غيره وبهوتا لجاذبيته ولمعانه في عيون مدعويه!!

    ابدأ وعينك على القمم:

    لما احتضر يزيد الرقاشي بكى فقيل له : ما يبكيك رحمك الله ؟ فقال في أصدق لهجة بلا زيف أو تجمُّل : أبكي والله على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار ، ثم بكى وقال : " من يصلي لك يا يزيد؟! ومن يصوم؟! ومن يتقرب لك إلى الله بالأعمال بعدك؟! ومن يتوب لك إليه من الذنوب السالفة؟! ويحكم يا أخوتاه!! لا تغترن بشبابكم ، فكأن قد حلَّ بكم ما حلَّ بي من عظيم الأمر وشدة كرب الموت ، النجاء النجاء .. الحذر الحذر يا إخوتاه ... المبادرة رحمكم الله " .


    كُن كالصحابة في زهدٍ وفي ورع القوم هُم ما لهم في الناس أشباهُ
    عبَّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخدِّ أجراه
    وأُسدُ غاب إذا نادى الجهاد بهم هبُّوا إلى الموت يستجدون رؤياه
    يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرا يُشيِّدون لنا مجدا أضعـناه!!..

    يقول الدكتور خالد أبو شادي :

    من فوائد ذكر الصالحين وضرب نماذج المتقين إبطال كيد الشيطان وإغاظته والنيل منه وغزوه في عقر داره ، والأمر كما قال الرافعي : " فإن أسماء الزُّهّاد والعُبَّاد والصالحين هي في تاريخ الشياطين كأسماء المواقع التي تنهزم فيها الجيوش " .

    ومن فوائدها كذلك معرفة قدر نفسك إن كان الغرور والعجب قد بدأ يتسلل إليك ، فتقطع الطريق على الشيطان من البداية وتبطل كيده والغواية.

    ومن فوائدها الارتقاء إلى سماوات القدوات إن كانت الدنيا قد أظلمت من قلة الصالحين وكثرة الرويبضات ، والتطلع إلى اللآلئ الغالية بدلا من التحديق في الأصداف الخاوية ، وعندها " يحق لمن رأى الراحلين إلى الحبيب وهو قاعد أن يبكي ، ولمن سمع بأخبار الواصلين وهو متباعد أن يقلق " .


    وانظروا كيف حرص كل صالح -مهما بلغ من صلاحه- على صحبة من هو أفضل منه ، وما لهذا المبدأ من أثر رائع لا يُتصوَّر ، فسفيان الثوري الذي كان يُشبَّه في زمانه بأبي بكر وعمر في زمانهما يقول : " إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل عبد الله بن المبارك ، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام " .

    لكن من هو عبد الله بن المبارك؟!


    عبد الله بن المبارك إمام من أئمة السلف ، ثري من أرباب الأموال ، لكنه مع هذا زاهد مجاهد ، عالم محدِّث حافظ ، فضائله لا تُحصى ، جمع خصائل الخير كلها وحاز من الفضل أعلاه ، ويكفيك أن تعلم أنه حين اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى ومخلد بن الحسين ومحمد بن النضر قالوا : تعالوا حتى نعُدَّ خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا : العلم ، والفقه ، والأدب ، والنحو ، واللغة ، والزهد ، والشعر ، والفصاحة ، وقيام الليل ، والعبادة ، والحج ، والغزو ، والشجاعة ، والفروسية ، والقوة ، وترك الكلام فيما لا يعنيه ، والإنصاف ، وقلة الخلاف على أصحابه " .
    لذا وجب على سفيان مع جلال قدره وعلو شأنه أن يقتدي بهذه المنظومة الشمولية النادرة المتفرِّدة ، لكن بمن كان يقتدي أمثال عبد الله بن المبارك إذا أصابهم الفتور وحلَّ عليه التعب من مواصلة السير؟!


    قال ابن المبارك يوما :

    " إذا نظرت إلى فضيل بن عياض جُدِّد لي الحزن ومقتُّ نفسي " ، ثم بكى .
    وكذلك كان الربيع بن خيثم يقارن نفسه دوما بمن هو أعلى وأتقى ، وهل هناك من هو أعلى من ذلك وأرقى؟! فيبكي حتى يبل لحيته من دموعه ويقول : " أدركنا قوما كنا في جنوبهم لصوصا " ، وإذا كان الربيع يرى نفسه لصا في جنب هؤلاء فماذا أكون أنا وأنت؟



    المراجع :

    أصول الإفتاء : للشيخ الراشد.

    مقدمات : للشيخ بكار.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 30 مارس 2017 - 17:29