hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    النضالية: كمشروع في مواجهة حملات الدعاية وحروب الإشاعة

    شاطر
    avatar
    nawal

    عدد المساهمات : 126
    تاريخ التسجيل : 28/12/2011

    النضالية: كمشروع في مواجهة حملات الدعاية وحروب الإشاعة

    مُساهمة  nawal في الخميس 29 ديسمبر 2011 - 19:53

    الرؤية السياسية
    قد يكتب الكثير من المفكرين والصحفيين والسياسيين عن حركة مجتمع السلم، وقد يبرز التباين في تقييم مسار الحركة السياسي بين مؤيد ومعارض، بل وقد يتخذ البعض أحكاما قاسية في حق الحركة سواء من داخل الصف " ممن كتب " أو من خارجه، ومن الصديق والعدو ومن القريب والبعيد ومن الحاقد والحاسد والجاحد، وكل ذلك يدل دلالات واضحة على حيوية حركة شدت العالم وشغلت الناس، وهو عنوان صدقية ومرجعية، فكم كم استفادت الحركة من انتقادات الآخر من الاسلامييين والعلمانيين والوطنيين بل ومن أبنائها الباقين فيها أو الذين خرجوا منها وهي استفادة إستراتيجية ما كانت الحركة لتستفيد منها في المراجعة والتقييم والتصويب وتلمس المخاطر والمحاذير لو لا ما أسداه لها الآخرون من الانتقادات وتقاييم.

    ولعل الحركة الوحيدة على مستوى الحركة الإسلامية الجزائرية التي استطاعت أن تتعاطى مع النقد والرفض بمنطق ايجابي يستفيد من بعض ما يراه الآخر من مواقف وقرارات، هذا الآخر الذي عمل باستمرار على وضع العصا في عجلة الحركة حتى لا تتقدم ولكنها استطاعت أن تشق طريقها وسط العواصف والزوابع في اتجاه مواصلة الطريق بخارطة ولوحة قيادة واضحة تعرف ما تريد في طورها الجديد، كيف لا وقد صارت الحركة من خلال كل عمليات القصف الإعلامي التي تعرفها الساحة الإعلامية في الجزائر وبعد عقد ونصف من الزمن اسمها متصل بالثوابت الوطنية وكأنها هي المسؤولة عنها وأي تصرف أو سوء تقدير يحسب عليها، وما معركة الولي في قانون الأسرة ومعركة إلغاء شعبة الشريعة في الثانوي وتثبيت مادة العلوم الإسلامية كتخصص قائم بذاته، وميلاد التحالف الرئاسي وقبلها وفاة الشيخ الرئيس محفوظ نحناح ومن يخلفه، وقضايا أخرى تتعلق بالحركة الاسلامية و بالقيم والثوابت والشرعية، ارتبطت في لاشعور الصحفيين ومن خلالهم القراء والمواطنين بحركة مجتمع السلم، بالرغم من أن هذا الربط غير صحيح وغير سليم لأن الثوابت الوطنية مسؤولية دولة وأمة وحركة اسلامية قبل أن تكون مسؤولية حزب سياسي واحد، لكن الصورة الإعلامية الجزائرية هكذا هي مرسومة ومفصلة، وهو حكم طبيعي من جهة أخرى على حركة ظلت على مر الزمن المدافع الواعي والذكي على الثوابت الأمة رغم سياسة التشويه والتمييع والتضليل والتخوين التي تمارسها بعض الأوساط المصابة بأعراض الإعاقة الفكرية المزمنة، مما يرتب على حركة مجتمع السلم مسؤولية تاريخية عظيمة أمام الأمة حتى وإن لم تستوعب هذه الأمة في مرات عديدة خيارات الحركة السياسية.
    ذلك أنه بين الحقيقة والإشاعة، وبين الصدق والكذب، مضمار سباق يومي، ومساحة تباري حقيقي أمام رأي عام يكاد يكون أكبر جمهور يشهده ملعب الدعاية والإشاعة والحقيقة وصدقية المضمون في الجزائر، لكن هذا السباق بين الحقيقة والإشاعة بالرغم من أنه يثير زوابع رملية وترابية إلا أنه محسوم لصالح الحقيقة والصدقية، وتجربة التاريخ الذي لا تتكرر فيه الأحداث ولكنها تصيغ ظواهر سياسية واجتماعية تسهل على القارئ المتابع معرفة الخلفيات والممنوعات وتوفر له هذه الظواهر فرص تقريب المعلومات بعضها إلى بعض وسبر أغوار أي قضية مطروحة على الساحة، وتصنيفها في خانة الظواهر السياسية والاجتماعية المتكررة ليستفيد منها في تدقيق المقاربة وتحديد الموقف تجاه الراهن الذي تتزاحم فيه الأحداث، وبالتالي يمتلك القدرة على معرفة اتجاه رياح تداعي المعلومات والأخبار ببوصلة تتيح القراءة الذكية للأحداث.
    وإذا كانت سرعة الحقيقة أضعف من سرعة الإشاعة في الانتشار، فإن للحقيقة لسان واحد يتكلم، هو لسان الفعل والواقع والبرامج أو بلغة أخرى هو لسان " شهادة العين وإيقان القلب وليس المخبر كمعاين كما يقول الأصوليون "، وللإشاعة ألسن سرعان ما تغير موقعها ولسانها.
    إن التعاطي مع الأحداث المتسارعة والأخبار المتناقضة والإشاعات المغرضة التي تتصاعد يوما بعد يوم في شكل " مزايدات وطنية ومحلية ودولية والوطنية" في بورصة الإعلام الجزائري الخاص ولا أقول المستقل، والذي تحتكره مجموعات امتياز استطاعت في لحظات التاريخية أن تنتهز الفرصة إعلامية ومالية تتخذ من الإثارة أسلوبا في التعاطي مع الأحداث الوطنية في ظرف تاريخي مشهود تمر به الجزائر وهي في منعطف حاسم تحتاج على " منطق البناء" و " برامج التنشئة والتربية المكثفة" في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعامل مع الآخر وتنظيم الذات في فضاءات المجتمع المدني " أكثر مما هي في حاجة على الإثارة والتعاطي مع القيم السياسية والاجتماعية بمنطق الربح السريع، وتأليب الرأي العام بعد تضليله، تحت مسمى حرية التعبير والديمقراطية، سيما وأننا نعيش في مجتمع مر بمراحل عصيبة طيلة 175 سنة من الاستدمار والاستبداد والإرهاب.
    إن استعراض تاريخ الصحافة في الجزائر نصل من خلاله على تقييم لا يوفر فرص اتخاذ وإصدار الأحكام بقدر ما يتيح الإشارة إلى أن الظاهرة الإعلامية في الجزائر هي ظاهرة في سياق نمو المشروع الديمقراطي، ولكنها أصيبت لأسف الشديد كما أصيبت التعددية السياسية بمرض " جنون البشر" ولا أقول " جنون البقر" بالرغم من أن الساحة السياسية والإعلامية في الجزائر يوجد بها الكثير من البقر المجنون يرعاه بشر أكثر جنونا.
    وأبرز ما يميز هذا الجنون هو حروب الإشاعة والدعاية والقصف الإعلامي الذي صار هو البرنامج المفضل لدى أغلب الخطوط الافتتاحية في أكثر من جريدة يومية وأسبوعية، وصار لعلم " اركيلوجيا الكذب" دعاته وأنصاره في الإعلام الجزائري، وكأني بالتجربة الأمريكية في التعامل مع المراسلين الصحفيين لها في كل النقاط الساخنة في العالم، تجد لها أنصارا في الجزائر، سيما إذا استعرضنا ما تتعرض له الصحفية أمريكية التي كانت تتعامل مع ديك تشيني ورامسفيلد في معركة التضليل الإعلامي الذي قادته هذه الصحفية ضد العراق وأفغانستان في كشفها لملفات مزعومة عن امتلاك السلاح النووي وبعض التجارب العلمية الأخرى، ومع بروز مؤشر أفضلية " الاستعلامي" على الإعلامي" في المراسلين الأمريكيين اليوم، الذين أخذوا مواقعهم كجنود يحملون سلاح أمضلا من الميركافا والدبابة وf16 في صفوف جيش التحالف في العراق وأفغانستان، ذلك أن التجربة الأمريكية أصبحت اليوم- مع وجود العديد من رجال الإعلام الأمريكيين المنصفين الذين يتعاملون مع الحقيقة والخبر بمنطق احترافي مغاير من الذين أصبحوا عرضة لملاحقة والتضييق- في دولة تؤسس للديمواقراطية وحقوق الإنسان والحريات والإصلاح السياسي من خلال معهد نشر الديمقراطية، في مقابل التأسيس لمركز التضليل الإعلامي الأمريكي في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2001، هذا المعهد الذي أصبح بالفعل يسوق للإشاعة والدعاية في مقابل التعتيم على الحقيقة بمنهجية التعويم ونشر المتناقضات وصياغة السيناريوهات الخيالية، وكل ذلك يضرب القيم السامية ويلغي الخصوصية ويشجع على الفوضى والبرجماتية والنفعية وشراء الذمم، ويوفر فرضا كبيرة وواسعة لتجار القيم وأنصاف المتعلمين وكل أصناف الرويبضات في شتى أصقاع العالم، وهو ما سيجعل من رؤية اشراط الساعة في وضح النهار.
    استطراد مهم ونحن نتحدث عن مفردة الدعاية والإشاعة، لأنها انتقلت اليوم من مجرد وسيلة وآلية وسلاح في معركة إلى مشروع برنامج كبير في سياسة استباقية تؤشر على حرب واسعة، من شأنها أن تجفف منابع ومصادر التغيير المنشود، وتقبر مشاريع اليقظة والنهضة والمشاركة والتفاعل الحضاري، وتؤسس لصدام حضاري منتظر.
    وتعتبر الحركات التغييرية والمرجعيات الدينية والسياسية والنقابية الفئات الأكثر تعرضا لهذه الحرب، وعلى مر التاريخ والذي شهدت حقبة حلقات من الحرب الكلامية والإشاعة والدعاية والتشويه، وكانت أول من تستهدف قوى الأمة الحية التي تحمل مشاريع وبرامج إصلاح وتغيير، وكان أول هؤلاء الرسول الأكرم "ص" فيما عرف في السيرة النبوية " بحادثة الافك" وعلى عدالة وأمانة وصفاء ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد استهدفته الإشاعة في اقرب الناس إليه من أطهر خلق الله " زوجه عائشة رضي الله عنها" ولعل أعسر مرحلة تمر بها الحركة أو الجماعة التي تستهدفها أإشاعة هو عندما تنتقل إلى داخلها ممن يسوقون لها، ويسقطون في شباك وشراك القصف الإعلامي المضلل، ولعل أصعب مرحلة تعيشها الحركات التغيرية هي عندما يوجد في داخلها من يمتهن الإشاعة والدعاية، بل صار يعتبر أخصائيو الدعاية أن وجود من يمتهن الإشاعة والدعاية والافك منا داخل المنظمات بمثابة الدعاية العملاقة، في حين تعتبره التجربة اللينينية " باللون اختبار مؤثر في الدعاية السياسية".
    ومرت الأمة بمثل هذه الحروب والمعارك ولعل حركة مجتمع السلم تمثل نموذجا بارزا في التعاطي مع الإشاعة والدعاية المضادة، حيث عاشت الحركة ما يزيد عن عقد من الزمن تحت وطأة الإشاعة المستمرة والمركزة على المنهج والرجال والمرجعيات والسياسات، وقد احترف بعض الصحفيين والسياسيين والأحزاب في استهداف الحركة في كل مرحلة من مراحلها، ولاسيما عند وبعد وفاة مؤسسها الشيخ الرئيس محفوظ نحناح،وخاصة بعد المؤتمر الرابع للحركة ،وهذه المرة من داخل الحركة للاسف ،وكان مصطلح القصف الإعلامي واردا في كثير من برامج الحركة وجامعاتها الصيفية الوطنية والولائية، في بحث سبل التعامل معه، وكيفيات التقليل من أثار وحجم هذا القصف، ومع كل مرحلة تتعاطى حركة مجتمع السلم مع مشاريع الافك والإشاعة والدعاية وسياسات الإضعاف والإلحاق، ومناهج " المرجفون في المدينة" بطرق ومناهج أكثر تقليدية ولكنها فعالة وفاعلية، وكانت دائما للقيادة الوطنية والولائية والبلدية الدور الحاسم في كسر وتفكيك رموز الدعاية والإشاعة، ومع الزمن تكون لدى المناضلين والقيادات مناعة سياسية وتربوية ضد الإشاعة والدعاية حتى وأن كانت من داخل الصف، على اعتبار أن المنهجية السياسة التي أسس لها فضيلة الشيخ الرئيس محفوظ نحناح في التعامل مع الإشاعة والقصف الاعلامي صارت معلومة ومهضومة وتمثل قناعة راسخة لدى المناضلين، الذين صار لا ينطلي عليهم تضليل ولا تسويق الإشاعة مع تأكيد الإرباك والاستفزاز.
    وقد كسبت الحركة المعركة والحرب معا في استحقاقات سياسية متعددة، واستطاعت بفضل النضالية العالية والمؤسسة الراقية، أن تؤسس لفعل سياسي هادئ وهادف، صعب على كل المتربصين النيل من استقرارها واستقلالها واستمرارها، وما تزال معركة الإشاعة والقصف الإعلامي متواصلة مع الحركة ولن تقف يوما واحدا، فهي مشروع يقتات منه الكثير، وبكل موضوعية وبدون تقييم حزبي ضيق أو مجاملة سياسة دعائية، نقول لقد استطاعت الحركة المرور بسلام في معارك إعلامية كثيرة حتى صارت قواعد العمل فيها واضحة، والسياسات التي تحكم الموقف السياسي المؤسسي محددة، ولوائح التولية والتنحية شفافة، والظاهرة النضالية في حركة مجتمع السلم تختلف اختلافا جذريا على الظاهرة الإعلامية، وهو مالم تدركه الجهات التي تقف وراء حملات القصف الإعلامي على الحركة ورجالاتها ومناهجها وسياساتها.
    ويبقى في اختتام هذه البارقة أن نشير إلى أن المعارك التي ستدخلها الحركة في المستقبل هي معارك أكثر قوة وفاعلية، تحتاج منها إلى كثير من العلم والمعلومة والشورى والمؤسسية والانضباطية ورفع سقف التعاطي النضالي مع مشاريع وبرامج الحركة المتعلقة بالتكوين والتربية وامتلاك المهارات القيادية في كل الظروف، والطموح نحو الوصول على الجودة والاحترافية في التعامل والتعاطي مع الأحداث والأخبار، لأن المستقبل القريب سيفرض على الحركات النضالية والتغييرية مزيد من التعامل مع الوسائط الإعلامية وبات التأسيس لفضاءات أكثر التصاقا بالمواطنين أكثر ضرورة، قصد الاضطلاع بدور التوعية والتعبئة والإرشاد، والتبليغ والتبين والإيضاح، وهو دور لا بد أن يضطلع به القيادات والإطارات من خلال التأسيس لفضاءات تنمية الوعي وبناء الذات، قبل أن يصير مهمة نضالية في أوسع سوح التباري السياسي والانتخابي.
    إن المنهجية الوحيدة المفضلة في الرد على الإشاعة هي الانتصاب قدوات ومراجع محلية ووطنية ميدانية أمام الشعب والأمة، من خلال مختلف البرامج التربوية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والإعلامية والخدمية، ذلك هو أمضى سلاح للرد على الإشاعة، لأنه من أسهل على قيادة الحركة أن تؤسس لخلية وطنية تدرس الخطاب الدعائي ضد الحركة " منهاجا وسياسات ورجال" وتفكك رموزه، وتوفر للمناضلين خطط العمل ومفردات الخطاب وهو ما يجب أن يكون فعلا، لكن من هذا الذي يباشر عملية التصحيح بعد الخطأ وعملية الترشيد بعد الغلو، وعملية التوضيح بعد الغبش، وعملية الدعاية غي محيط الآخر، إلا ذلك المناضل في أبعد نقطة، الذي يشتغل كخلية النحل، يجوب الأسواق والملاعب وأماكن التواجد الشعبي، ويقوم بعملية البيان الذي لا يجب أن يتأخر عن وقت الحاجة، متمثلا قول الشيخ الرئيس محفوظ نحناح رحمه الله " المناضل عندنا إذاعة متنقلة".
    إن خط الحركة السياسي خط رفيع يحتاج إلى دربة ومواقفها تحتاج إلى تحليل وإقناعـ، لأنها لا تتعامل فقط مع المصالح الظاهرة والمفاسد الظاهرة ولكنها في مرات عديدة تتعامل مع المفسدين " الصغرى والكبرى" ويلعب فقه الموازانات والأولويات دوره في التعاطي مع الأحداث، وهو فقه لا يستطيع المواطن البسيط فهمه، بالرغم من أنه وقف معه مرات عديدة من غير ما فهم، لكن مع توفر الثقة والمصداقية، وبروز حجية المواقف بعد اتخاذ القرارات الحاسمة، والمضمار مفتوح نحو تحقيق الشهود الحضاري، وسعد من ختمت مرابطا على خط الشهود الأول، وتعس من فلفس النضالية إلى سقف العقود مع المخلفين، ولا غنى لأحد عن مرجعية ملفات ومعلقات المسار والعوائق ومجموعة رسائل العين للراشد والفقه اللاهب للجويني، وقبل ذلك سير الأنبياء والمرسلين والصالحين والزعماء والحركات التغييرية في التاريخ القديم والحديث والمعاصر.

    الرؤية الشرعية
    ان الإشاعات الباطلة في بعض الأحيان تحرق أمة بكاملها، بمجرد اشاعة باطلة، واليوم اصبحت سريعة وسهلة للاسف، رسالة sms من خلال الموبايل يمكن أن يقوم احدهم بنشر اشاعة باطلة..، ونحن في الجزائر ربما ابتلينا بفيروس الاشاعات، رجل معقد مفسد فتّان نمام، يمكن ان يكون جاسوسا او اجنبيا، يبث مثل هذه الاشاعات ويثير البلبلة في البلد، وربما صراع وحرب ذهبت وسفكت فيها دماء...، ربنا سبحانه وتعالى يقول أن الله رحمكم عندما أشعتم هذه الإشاعة ولم تنزل عليكم اللعنة من السماء ثم يقول ربنا (إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ). جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله هل يؤاخذنا الله بكلامنا؟ فقال رسول الله (ص): (وهل يلقي الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم) فاللسان تارة يزرع خيراً ويحصد خيرا في الدنيا وفي الجنة، وتارة يزرع شراً ويحصد شراً في جهنم.



    فلسانك يمكن ان يحمد الله ويثني عليه ويسبحه ويصلّي على محمد وآل محمد فتنفتح أمامك أبواب السماء والأرض، ويمكن لهذا اللسان الذي يرفعك إلى أعلى عليين وأن ينزل بك ايضا إلى أسفل سافلين..، ثم يقول ربنا في تلك السورة المباركة (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ). هذا بهتان، ليس هيناً أن يتكلم الإنسان بكلام او أن ينقله وهو ليس مطمئناً لصدقه، فعندما يتكلم أحد أمامك بسوء كمثل إشاعة باطلة فيجب عليك مباشرة أن ترده ولا تسمح له بالكلام وأوقفه عند حده وقل له إذا كان عندك دليل تكلم والا أسكت..، لا يكفي للإنسان أن يدعي العلم لابد أن يثبت ذلك..، فلو تقدم أربعة رجال للشهادة عند الحاكم على جريمة زنى فشهد ثلاثة منهم وتأخر الرابع عن الحضور فإن الحاكم لا ينتظر حتى يأتي الشاهد الرابع بل يضعهم على الأرض ويجلد كل واحد منهم خمساً وسبعين جلدة وهو حد القذف. لماذا؟ حتى لا تشيع الفاحشة.

    مسؤولية المجتمع تجاه الاشاعة:
    ان الإشاعات الباطلة تحرق الأمم وتغرق الناس وتشعل الفتنة بينهم وهذه من أسوأ أنواع الفساد في الأرض، فما هو الفساد في الأرض؟. الإنسان قد يفسد الأرض، يذهب إلى منطقة زراعية ويحرقها، هذا ذنب عظيم، ومرة قد لا يحرق الأرض بل يحرق الناس، وهو الخطر الاكبر..، فمن اهم عوامل الفساد في الأرض هي الإشاعات..
    إذن مسؤولية المجتمع فيما إذا انتشرت إشاعة تكون في أمرين، أحدهما: يجب أن يقف الناس أمام المسبب لهذه الإشاعة ويوقفوه عند حده. والأمر الآخر: أن لا ينشروا هذه الإشاعة ويتكلموا بها فإذا سكت الناس عن الإشاعة فإنها تموت وتتلاشى.
    اذن هناك مسؤوليات للإنسان والمجتمع تجاه فكره وثقافته، ومسؤوليته تجاه الوقوف بوجه الاشاعات ومروجيها، ومن ثم عدم نشرها..،
    أما المسؤولية الرابعة: أن تكون هناك وسيلة لنشر الأفكار الصحيحة والطيبة..، ولنضرب مثال على ذلك بالحشرات، فالذباب مثلا ينقل الميكروب والأمراض (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) في حين ان حشرة النحل هي بالعكس تأخذ الرحيق من الزهور وتجمعها وتحولها إلى عسل (َيخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ)..، وأنت كإنسان من أي الصنفين تحب ان تكون؟. باستطاعتك أن تكون نحلة وتجمع الكلمات الطيبة والأفكار المفيدة وتنقلها من مكان إلى مكان، وللاسف في بعض الأحيان يمكن للإنسان ايضا أن يتحول إلى ذبابة وينقل الكلمات الخبيثة والأفكار السلبية من هنا إلى هناك...
    القرآن ينير الطريق في التعامل مع الاشاعات :
    قال تعالى Sadإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً).
    (الصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في التجمع الإسلامي، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة التجمع، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجر من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال؟ أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا التجمع.
    وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها، حين يتلقاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف، فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة، فإن إشاعة أمر الأمن مثلا في تجمع متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو... إشاعة أمر الأمن في مثل هذا التجمع تحدث نوعا من التراخي مهما تكن الأوامر باليقظة، لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر، وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية.
    كذلك إشاعة أمر الخوف في تجمع او حركة مطمئن لقوته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، قد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكًا، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف، وقد تكون كذلك القضية.
    وعلى أية حال فهي سمة التجمع الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو هما معًا، ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك، باحتوائه طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء، وهذه الخلخة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني.
    والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح:
    (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).
    فمهمة المناضل الطيب في الصف المسلم، الذي يقوده داعية مؤمن –بشرط الإيمان ذاك وحده- حين يبلغ إلى أذنيه خبر، أن يسارع فيخبر به نبيه أو رئيسه، لا أن ينقله ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شانه لهم به، لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر –حتى بعد ثبوته- أو عدم إذاعته).

    آفة استعجال نقل واذاعة الاخبار :
    وبين الفينة والأخرى نسمع عن زلة كريم، أو هفوة عظيم، أو خبر عن مشهور أو قصةً لعالِم، أو حادثة لداعية ، تنال من عرضه، أو تسيء إلى سمعته، أو تجرح عدالته، تطير بها الألسنة، وتتلقاها الآذان، وتُشِيعُها وسائل الاتصال، وكأنما هي غنيمة ظفرنا بها، فتجد المجالس تعج بالأحاديث والتحليلات، ومواقعُ الانترنت بالتفصيلات والتعليلات، وقليل مَن يُذَكِّر بمنهج هذا الدين العظيم، الذي يحمينا حتى من أنفسنا، فكيف نسعى نحن لفضح بعضنا بعضًا، أو إشاعة البلاء في مجتمعنا، إننا نحفظ أنفسنا وأعراضنا بستر غيرنا، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة" [رواه مسلم]، ومَنْ منا لا يريد الستر لعرضه أو هناته أو أخطائه.
    إنّ هذا الاستبشار الذي نراه على الوجوه، أو نسمعُه من الأفواه، أو نقرأُه على الصفحات، أو تتناقله رسائل الجوال، عن وقوع إنسان في جريمة، أو القبض عليه متلبسًا بفاحشة، لهو أَمر يجب ألا يكون فينا، كيف نفرح بمثل هذا ونحن مأمورون بالستر على إخواننا؟
    ذكر المناوي في شرحه للحديث السابق أنّ المراد هو ستر المسلم عند الاطلاع على ما يشينه في دينه وعرضه أو ماله وأهله، ويكون الجزاء عظيمًا سترُ من الله في الدنيا والآخرة.
    ومَن أصرّ على نشر فضائح الناس وإذاعتها –أيًّا كانوا وتحت أي مبرر- فليعلم أنه عرّض نفسه للفضيحة وهتك الستر، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد بسند صحيح: "يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومَن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف داره"، قال بعض السلف: "أدركت قومًا لم يكن لهم عيوب فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوبًا، وأدركت أناسًا كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب الناس، فنُسيَت عيوبهم".إذًا لماذا نحن لا نرعى ذلك في إخواننا إذا حصلت من أحدهم زلة، أو وقعت منه هفوة؟
    ذُكر أنّ عثمان رضي الله عنه دُعي إلى قوم على ريبة، فانطلق ليأخذهم، فتفرقوا فلم يدركهم، فأعتق رقبة شكرًا لله تعالى؛ لأنه لم يجر على يديه خزيٌ لمسلم ا.هـ.
    هذه هي الأخلاق، يعتق رقبة؛ لأن الله أنجاهم وسترهم، ولم يطلع رضي الله عنه منهم على خزي، ولم يكن هو السبب في هتك سترهم، إنه رضي الله يفرح بالستر، ونحن اليوم نفرح بالهتك، وشتان بين الطريقين والمنهجين والخُلُقَين، خلق في الثرى، وخلق في الثريا.
    أين نحن في مثل هذه الحال من ذلك التوجيه الرباني العظيم في شائعة الإفك؟ ﴿ لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ [النور : 12].
    إنه منهج فريد في التعامل مع مثل هذه الأحداث والوقائع، إذا سمعت بخبر، أو قصة، أو حادثة؛ أساءَت إلى عرضِ مسلمٍ فتوقف، وقل: ربما لهُ من الخير ما لا أعرف، وإن كنتَ تعرف عنه الخير؛ فتذَكَّر كل صوره، وقل: إن له من الحسنات والأعمال الخيّرة ما يستر هذه الزلة إن حصلت، وبهذا ينهدم ما بناه الشيطان، ويتكسر ما شيده مفرق الجماعات (إبليس) على صخرة الثبات والتأنّي وحسن الظن بالمسلمين.
    كيف يطيب لنا أن نتساهل بمثل هذه الأخبار، ونحن نسمع قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور : 15]؟ إنها آية ترسم لنا المنهج قويمًا، والصراط مستقيمًا.


    إن المطلوب ألاّ نستعجل باستقبال الأخبار، حتى إننا لا نسمعها بآذاننا، بل نتلقاها بألسنتنا ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾، إنها العجلة صورتها هذه الآية أبلغ تصوير، بل إنها اللهفةُ لسماع الأخبار السيئة عند بعض الخَلْق؛ كشفت عنها كلمة ﴿ تلقونه ﴾، وكأنّ هذا الخبرَ السيئ غائبٌ يُنتَظَر، وحبيبٌ يُتَلَقَّى.
    أليس هذا موجودًا فينا ؟ أليس مِنَّا مَن تنفرج أساريره إذا أُشيع خبرٌ عن إنسان، أو قُبِضَ عليه؟ ألا يبادر بعضنا بإرسال رسالة وكأنما يبشر غيره؟
    يا هذا، مهلاً، أليس هذا الرجل مسلمًا مثلك؟ أتحب أن يُفعَل معك مثلُ ما تَفْعلُ أنت معه؟
    ومما أشارت إليه الآية الكريمة غياب العلم عند هذا الصنف من نَقَلَةِ الأخبار كما في قوله تعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾، وهذا أمر منطبق تمامًا على كثير من أخبارنا وطريقة نقلنا، فيكتفي كثيرٌ من الناس برسالة تأتي إلى جواله، ربما يكون فيها خبرٌ يسيء إلى مسلم، يكتفي مستقبلها بمصدر الخبر المجهول، ليقوم بإرسالها إلى العشرات وربما المئات، ولقد شاع هذا الأمر حتى إنه ربما يندر أن تجد اليوم مَن يتثبّت في الأخبار، ويتأنى في نشر القصص، وعجبًا والله لنا، أصبح التصرف الحكيم غريبًا وقليلاً، فلِمَ لا نفكر في تغيير حقيقي لحالنا، وتعديل سويٍّ لمنهجنا؟
    وتشير الآية أيضًا إلى عدم تقدير كثير من الناس إلى خطورة تناقل هذه الأخبار، وما يترتب عليها من الآثار كما في قوله تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾، كيف يحق لنا بعد هذا أن نستهين بأمر عظيم عند الله؟ أترك الإجابة لكل عاقل.

    كيف عالج الاسلام الاشاعة ؟
    بين الحين و الأخر نسمع عن إشاعات تبث و تنشر و أكاذيب تبعث و ترسل،هذه الإشاعات التي لها خطر عظيم و شرير كبير،فكم دمرت من مجتمعات و هدمت من أسر، و فرقت بين أحبة،كم أهدرت من أموال، و ضيعت من أوقات،كم أحزنت من قلوب، و أولعت من أفئدة، و أورثت من حسرة.
    و إذا أردت أن تعلم عظيم شرها، فانظر في حادثة الإفك: كيف أن النبي صلى الله عليه و سلم مكث شهرا كاملا وهو مهموم محزون، لا وحي ينزل يبين له حقيقة الأمر، و لا يعرف عن أهل بيته إلا الطهر و العفاف.
    و لقد فتن كثير من المسلمين بنشر هذه الإشاعات و ترديدها دون نظر في النتائج، و دون نظر في الشرور الناتجة عنها.
    لقد عالج الإسلام قضية الإشاعة عن طريق ثلاث نقاط:
    أ‌- النقطة الأولى: التثبت.
    ب‌- النقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين.
    ت‌- النقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة.
    و قبل البدء في تفصيل هذه النقاط لابد من التنبيه على لأمر مهم جدا، ألا وهو : أن الله سبحانه و تعالى جعل العلاج لقضية الإشاعة من خلال الناقلين لها من المؤمنين أنفسهم دون التركيز على مصدر الإشاعة و ذلك لان مصدر الإشاعة قد يكون من أهل النفاق أو من الكفار أو من الأعداء، و هؤلاء لا حيلة معهم، فان من دأبهم نشر الإشاعة لإضعاف المسلمين.
    نعم قد ورد تحذير للمسلمين أن يكذبوا الكذبة ثم يبثوها ( كما في حديث جابر بن سمرة عند البخاري).
    لكن هذه الإشاعات ما كان لها أن تنتشر لو قابلها المؤمنون بالمنهج الرباني لتلقي الأخبار و تلقي الإشاعات.
    النقطة الأولى: التثبت:
    يقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...) و في قراءة أخرى ( فتثبتوا ).
    فأمر الله بالتبين و التثبت، لأنه لا يحل للمسلم أن يبث خبرا دون أن يكون متأكدا من صحته.
    و التثبت له طرق كثيرة؛ فمنها :
    أ- إرجاع الأمر لأهل الاختصاص:
    يقول الله تعالى: ( و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ).
    قال الشيخ السعدي: ( هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم غير اللائق ، و أنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة و المصالح العامة ؛ ما يتعلق بسرور المؤمنين أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا و لا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر ، بل يردونه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم ؛ أهل الرأي و العلم و العقل الذين يعرفون المصالح و ضدها.
    فإن رأوا في إذاعته مصلحة و نشاطا للمؤمنين و سرورا لهم و تحرزا من أعدائهم : فعلوا ذلك.
    فان رأوا ليس من المصلحة أو فيه مصلحة و لكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه ) ا. هـ فكم من إشاعة كان بالمكان تلافي شرها بسؤال أهل الاختصاص.
    هذه الإشاعة الأخيرة التي انتشرت عن إدخال شمام به فيروس الايدز؛ ترى الواحد منا يرسل عشرات بل مئات الرسائل لهذه الإشاعات و لا يكلف نفسه أن يتصل على طبيب فيسأله: هل يمكن أن ينتقل هذا الفيروس به الطريقة ؟ لو أرجعنا هذه الإشاعة لولاة الأمر عبر الجهات المختصة لوجدنا عندها العلم بحال تلك الإشاعة.
    ب- التفكر في محتوى الإشاعة:
    إن كثير من المسلمين لا يفكر في مضمون الإشاعة الذي قد يحمل في طياته كذب تلك الإشاعة، بل تراه يستسلم لها و ينقاد لها و كأنها من المسلمات،و لو أعطينا أنفسنا و لو للحظات في التفكر في تلك الإشاعات لما انتشرت إشاعة أبدا،لقد بين الله حال المؤمنين الذين تكلموا في حادثة الإفك فقال سبحانه: ( إذ تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس به علم ).
    ( إذ تلقونه بألسنتكم ) أنه من البديهي أن الإنسان يتلقى الأخبار بسمعه لا بلسانه ، و لكن أولئك النفر من الصحابة لم يستعملوا التفكير، لم يمروا ذلك الخبر على عقولهم ليتدبرا فيه، بل قال الله عنهم أنهم يتلقون حادثة الإفك بألسنتهم ثم يتكلمون بها بأفواههم من شدة سرعتهم في نقل الخبر و عدم التفكر فيه.
    و لو تفكر الصحابة قليلا لوجدوا أنه من أمحل المحال أن يكون في فراش أطهر الخلق شيء يعيبه، كيف يمكن أن تتهم زوجة أفضل البشرية الذي اصطفاه الله بتهمة الفاحشة؟ إن هذا لا يعقل أبدأ.
    النقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين.
    في الآية السابقة يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...) فجعل الله من نقل الخبر دون تثبت من الفاسقين،فمجرد نقل الأخبار دون التأكد من صحتها موجب للفسق؛ و ذلك لان هذه الأخبار ليس كلها صحيح، بل فيها الصحيح و الكاذب، فكان من نقل كل خبر و أشاعه؛ داخل في نقل الكذب، لذا جعله الله من الفاسقين،و قد صرح النبي بذلك ففي صحيح مسلم : ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ).
    فالمؤمن لابد له من الحذر في أن يكون عند الله من الفاسقين( الكاذبين ).
    النقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة.
    و عودة مرة ثالثة للآية السابقة في سورة الحجرات يقول الله تعالى: ( أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ،هلا تفكرت في نتائج الإشاعة،هلا تدبرت في عواقبها.

    آفة عدم التثبت :
    وعدم التثبت أو التبين في الاصطلاح الإسلامي والدعوى هو السرعة أو عدم التأني والتريث في كل ما يمس المسلمين بل الناس جميعا من أحكام أو تصورات ومن تناقل وتداول لهذه الأحكام وتلك التصورات دون فهم دقيق للواقع وما يحيط به من ظروف وملابسات.
    وإلى هذا أشار القرآن الكريم في تعليقه على حادثة الإفك حين قال : { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم }
    لأن من المعلوم بداهة أن التلقي إنما يكون بالأذن ثم يعرض على العقل والقلب وحينئذ يكون الكلام باللسان فإنما هي لفتة إلى السرعة وعدم التأني أو التروي في إصرار الحكم بل في تداوله والتحرك به كأن الإفك عندما وقع من ابن سلول صمت الآذان وسترت العقول وغلفت القلوب فلم يبق إلا أن لاكته الألسن وتحركت به الشفاه دون فهم للواقع ودون معرفة بالظروف والملابسات ولقد يحاكى ويتأسى لا سيما إذا كان ضعيف الشخصية غير واثق من نفسه ومن تصرفاته وسلوكه وهنا يأتي دور الارتماء بين أحضان الصحبة الطيبة الملتزمة بالمنهاج الإسلامي إن هذا لو وقع لصحت الأعصاب ولتنبهت المشاعر والأحاسيس والجوارح .
    1)الغفلة أو النسيان :
    وقد تؤدى الغفلة أو النسيان بالإنسان إلى عدم التثبت أو التبين وحينئذ يجب أن يتعلم من ذلك درسا لا ينساه على مدار الزمان فلا يتكرر منه هذا الخطأ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ).
    2)الاغترار ببريق الألفاظ :
    وقد يقرع أذن المرء طائفة من الألفاظ المعسولة والعبارات الخلابة وإذا به يغتر بما لهذه الألفاظ وتلك العبارات من بريق وزخرف وحينئذ يكون منه عدم التثبت أو التبين وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذا السبب حين قال : ( إنكم تختصمون إلى ولعلل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها ).
    3)الجهل بأساليب أو طرق التثبت أو التبين :
    وقد يحمل بأساليب أو طرق التثبت أو التبين إلى السرعة في الحكم وتداوله هنا وهناك ذلك أن للتثبت أو للتبين أساليب أو طرقا كثيرة توصل إليه من بينها :
    _ الرد إلى الله والرسول وذوى الرأي والحجا كما قال سبحانه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }
    _ السؤال أو المناقشة لصاحب الشأن وخير ما يوضح ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبى بلتعة لما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى اله عليه وسلم لهم وأطلع الله عز وجل نبيه على الكتاب وجئ به إليه صلى الله عليه وسلم إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قبل أن يقضى في أمره قائلا Sad يا حاطب ما هذا ؟ فقال : يا رسول الله لا تعجل على إني كنت امرءا ملصقا من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( أما إنه قد صدقكم ) ولما استأذن عمر في ضرب عنقه قائلا : ( وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) .
    - الإصغاء الجيد بل و المراجعة إذا لزم الأمر أو أشكل الأمر ، فهذا علىّ- رضى الله عنه - يعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر ثم يقول له :" اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت " ويشعر علىّ رضى الله عنه - بعد مضيه لأداء مهمته أن التكليف الذي كلف به غير واضح في ذهنه فيعود بظهره امتثالاً للأمر ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : : علام أقاتل الناس ؟ فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ".
    - التجربة و الملاحظة من خلال المعايشة و المصاحبة ، فهذا عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يثنى رجل على آخر في مجلسه فيقول عمر للرجل الذي أثنى : هل صحبته في سفر قط ؟ يقول : لا ، فيقول له : هل كانت بينك وبينه معاملة في حق ؟ يقول : لا ، فيقول له :" اسكت فلا أرى لك علماً به ، أظنك - والله - رايته في المسجد يخفض رأسه ويرفعه ".
    - الجمع بين كل الأطراف مع المواجهة ، لاسيما في الأمور التي لا يجوز فيها التغاضي أو السكوت ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم عليَّاً لما بعثه قاضياً إلى أهل اليمن ، أسلوب التثبت في القضاء قائلاً له : " إن الله سيهدى قلبك ، ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ".
    - السماع من صاحب الشأن أكثر من مرة ، وعلى فترات متباعدة مع المقابلة و الموازنة فها هي أم المؤمنين عائشة - رضى الله تعالى عنها - يبلغها عن عبد الله بن عمرو ، أنه قادم من مصر للحج ، فتقول لابن أختها عروة بن الزبير ، يا ابن أختي بلغني أن عبد الله لن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فسائله ، فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً قال ، فلقيته فسائلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال عروة : فكان فيما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً ، ولكن يقبض العلماء فيرتفع العلم معهم ويبقى في الناس رؤساء جهالاً يفتونهم بغير علم فيَضلون ويُضلون " قال عروة فلما حدَّثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال عروة : حتى إذا كان قابل قالت له : إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم ، قال : فلقيته فسائلته ، فذكر لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى ، قال عروة : فلما أخبرتها بذلك قالت : ما أحسبه إلا قد صدق ، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص " .
    هذه الطرق أو الأساليب وغيرها كثيرة قد يجهلها كثير من الناس وحينئذٍ يتناولون الأمر بغير تثبيت ولا تبين .
    4) الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة المتأججة :
    وقد يؤدى الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة المتأججة إلى عدم التثبت أو التبين ، ذلك أن هذا الحماس أو هذه العاطفة ما لم تكن موزونة بميزان الشرع ، ومحكومة بلجام العقل ، فإنها تسلب صاحبها الإدراك ، وإذا به يخطئ كثيراً ويضيع في بيداء هذه الحياة .
    ويمكن أن نستشف هذا السبب من حديث أسامة بن زيد التالي إذ يقول :بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقن أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ قلت : كان متعوذاً ، فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ".
    أجل لقد كان الحامل لأسامة على قتل الرجل مع نطقه بلا إله إلا الله تلك التي تعصم الدم إلا بحقها إنما هو الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة التي انطوى عليها قلب أسامة بن زيد - رضى الله عنه - بحيث حالت بينه وبين الاقتناع بما صدر عن الرجل من الإسلام ، و النطق بالشهادة واتهمه بأنه يظهر خلاف ما يبطن ناسياً أن الله وحده هو المطلع على ما تكنه القلوب ، وتخفيه الصدور { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله } ، { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } { والله يعلم ما في قلوبكم } ، { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } .
    5) التعلق بعرض زائل من الدنيا :
    وقد يكون التعلق بعرض زائل من أعراض هذه الحياة الدنيا هو الحامل على عدم التثبت أو التبين ، وذلك أن حب الشيء يعمى ويصم ، ويحول بين الإنسان وبين استطلاع الموقف وتبين الحقيقة ولعل هذا السبب هو المشار إليه في قوله سبحانه :{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة } .
    6) الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على عدم الالتزام بهذا الخلق الإسلامي إلى السرعة أو العجلة في الأمر ، وعدم التريث أو التأني فإن من غفل عن عاقبة أمر ما وقع فيه لا محالة إلا من عصم الله - عز وجل .
    مظاهر عدم التثبت والتبين
    ولعدم التثبت أو التبين مظاهر تدل عليه وأمارات يعرف بها نذكر منها :
    (1) معاداة كثير من الأفراد والهيئات العاملة للإسلام استجابة لحملات التشويش والدعاية المغرضة دون مخالصة هؤلاء ومعرفة أحوالهم وأخلاقهم عن قرب ومشاهدة .
    (2) التركيز على المظهر والشكل مع إهمال المخبر والجوهر فإن كثيرا من الهيئات العاملة للإسلام تهتم كثيرا بالمظهر والشكل من اللحية والسواك وقصر الجلباب وإرخاء العذبة وحمل العصا والعمامة مع الإهمال التام للمخبر والجوهر الأمر الذي يجعلهم لا يميزون بين الصالح والطالح وبين الصادق والكاذب
    ولا يفهم ذلك أنه استهانة أو تحقير لتلك الأشياء ، فقد وردت بذلك أحاديث تتفاوت صحة وضعفا وليس هنا مجال تحقيقها الآن ولكننا نريد من المسلم أن يكون لديه ترتيب الأولويات وتقديرا لمخبر الإنسان وجوهره وإن قصر في بعض الشكليات فإن ذلك لا يضره .
    (3) عدم التماس المعاذير وعدم السماع للحجج والآراء برغم أنه لا عقبات ولا صعوبات في حياة الناس.
    (4) المبادرة بالتفوه ، والرأي ، لمجرد السماع والتلقي أو لمجرد الرؤية والمشاهدة .
    (5) المبادرة بالتنفيذ لمجرد صدور التكليف دون إحاطة تامة بكل ظروفه وملابساته ودون معرفة دقيقة بمن له حق التكليف والإلزام.
    آثار عدم التثبت أو التبين
    ولعدم التثبت أو التبين آثار سيئة وعواقب وخيمة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي ودونك طرفا من هذه الآثار .
    * آثار عدم التثبت على العاملين :
    (1) اتهام الأبرياء من الناس زورا وبهتانا :
    فقد اتهمت أم المؤمنين عائشة زورا وبهتانا بما لم يقع منها في الجاهلية فكيف بعد إذ أعزها الله بالإسلام وصارت زوجة لإمام المسلمين وأفضل النبيين ورسول الله للعالمين الأمر الذي أقلقها وأقلق أبويها ورسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها والمسلمين جميعا شهراً كاملاً حتى نزلت البراءة بشأنها من فوق سبع سموات .
    وكان السبب هذا الاتهام هو عدم التثبت أو التبين حتى قال الله لهم :{ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون }.
    وحسب العامل هذا الأثر إذ هو مجلبة للشر والإثم - والعياذ بالله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم Sad خيار عباد الله الذين إذا رُءوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب ).؟
    (2) سفك الدماء وسلب الأموال :
    فقد قَتل أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنه أو غيره نفراً من الناس وسلب ماله بغير تثبت ولا تبين وفيه وفي أمثاله نزل قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة
    الدنيا فعند الله مغانم كثيرة .......}.
    فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك وطاروا من غير تثبت ولا تبين من أمثال حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثه وغيرهما وكذلك الذين قتلوا الرجل وأخذوا ماله بعد أن أسلم وشهد أن لا إله إلا هو من مثل أسامة بين زيد - رضى الله تعالى عنه - كل أولئك أصابتهم الحسرة وعمهم الندم لما نزل الوحي من السماء يكشف الموقف ويضع النقاط على الحروف وتمنوا أن لم يكونوا أسلموا قبل ذلك اليوم بل ظلت الحسرة والندامة شبحا مخيفا يلاحقهم حتى لقوا ربهم .
    ولعل هذا الأثر هو ما يشير إليه قوله تعالى في قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط مع بني المصطلق الواردة في سورة الحجرات: {...... فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .....}.
    (4) فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية :
    فمن عرف عنه العجلة في الرأي والحكم أو عدم التثبت أو التبين ينظر إليه الناس على أنه أرعن أحمق ومثل هذا يسحب الناس ثقتهم منه بل وينفرون منه ويكرهونه بشدة وإذا ذهبت الثقة وكان النفور والكراهية لم يعد في يد المسلم ما يكسب به الأنصار أو
    المؤيدين .
    (5) التعرض للغضب الإلهي :
    فمن تجرد من التثبت أو التبين كثرت أخطاؤه وتضاعفت عثراته من ثم يستوجب غضب الله وسخطه ومن حل عليه غضب الله وسخطه فقد ضاع دنيا وآخرة وخسر خسرانا مبينا وصدق الله :{ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى }.

    *آثار عدم التثبت على العمل الإسلامي :
    (1) خلل أو اضطراب الصف :
    فإن عدم التثبت أو التبين من شأنه أن يؤدى إلى خلل أو اضطراب في الصف على نحو ما صوره صاحب الظلال - رحمه الله - إذ يقول :" كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته ، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة قد تحدث إشاعة الخوف فيه خلخلة وارتباكاً ، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف وقد تكون كذلك القاضية ".
    وعلى نحو ما وقع بين الأنصار بين أوسهم وخزرجهم حين استمعوا إلى هذا الدخيل الذي بثه بينهم أحد اليهود في ساعات الصفاء ، و الحب في الله ليذكرهم بيوم بعاث ، وثاراتهم القديمة ، لقد تنادوا قائلين :
    السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ( أي الحرة ) وخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، و الخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، ولولا رحمة الله ولطفه بهم ، ثم خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم وتذكيرهم بنعمة الله عليهم وهدايته لهم بعد الكفر و الضلالة قائلاً :" يا معشر المسلمين : الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر ، وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ، لولا ذلك لعادوا- كما كانوا في الجاهلية -شيعاً وأحزاباً .
    وعلى نحو ما وقع للحركة لإسلامية في مصر في الخمسينات حيث استمع نفر من أبنائها لوشايات الواشين وافتراءات المغرضين ، وأراجيف المبطلين دون تثبت أو تبين ، الأمر الذي أد

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 24 مارس 2017 - 20:53