hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    حياة عمر بن عبد العزيز الاجتماعية والعلمية والدعوية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حياة عمر بن عبد العزيز الاجتماعية والعلمية والدعوية

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 20:40

    أولاً: الحياة الاجتماعية

    - اهتمامه بأولاده وأسرته

    أشرف عمر بن عبد العزيز على تربية وتعليم أولاده بنفسه، ولم تشغله مسئولياته عن تنشئتهم التنشئة الصالحة، المستمَدة من تعاليم الدين الإسلامي، ونستشفُّ ذلك من خلال رسائله لهم، ولِمَن أوكل إليه تأديبهم.



    1- ربطهم بالقرآن الكريم: ربط عمر بن عبد العزيز أولاده بالقرآن الكريم، وكان يأذن لهم يوم الجمعة بالدخول عليه قبل أن يأذن للناس ليتدارسَ معهم القرآن الكريم، فإذا قال إيهًا قرأ الأكبر منه، ثم إذ قال إيهًا، قرأ الذي يليه حتى يقرأ طائفةٌ منهم.



    2 - تعهدهم بالنصيحة: فقد أرسل في العام الذي استخلف فيه إلى ابنه عبد الملك- وهو إذ ذاك في المدينة- يقول فيما قال فيها: ".. فمن كان راغبًا في الجنة وهاربًا من النار (يقصد عبد الملك وإخوته) فالآن التوبة مقبولة، والذنب مغفور، قبل نفاد الأجل، وانقضاء العمل، وفراغ من الله للمنقلبين ليدنيهم بأعمالهم في موضع لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه المعذرة، تَبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يَرِدُه الناس بأعمالهم، ويصدرون عنه أشتاتًا إلى منازلهم، فطوبى يومئذ لمن أطاع الله، وويلٌ يومئذ لمن عصى الله.



    وفي موضع آخر من هذه الوصية يحث ولده على ذكر الله وشكره عز وجل ومراقبته في القول والعمل، فيقول: فاذكر فضل الله عليك وعلى أبيك، وإن استطعت أن تُكثرَ تحريكَ لسانك بذكر الله.. تحميدًا، وتسبيحًا، وتهليلاً.. فافعل، فإنَّ أحسن ما وصلت به حديثًا حسنًا حمدُ الله وشكرُه، وإنَّ أحسن ما قطعت به حديثًا سيئًا حمد الله وذكره.



    3- الحث على التسامح وحسن الظن: كان رحمه الله يحثهم على التسامح وحسن الظن في الناس؛ فإن بعض الظن إثم، فيروى أنه قال مرةً لابنه عبد العزيز: إذا سمعت كلمةً من امرئٍ مسلم فلا تحملها على شيء من الشرِّ.



    4- الأسلوب اللين والمحاورة العاقلة: كان رحمه الله يتعامل معهم بالأسلوب اللين دون أن ينصرفَ إلى التدليلِ الذي يفسد الأبناء، ويحاورهم محاورة العقلاء، ويستخدم أسلوب الإقناع والمنطق في التفاهم معهم، وتلبية طلباتهم، فيروَى أن ابنه عبد الله استكساه ذات مرة وهو خليفة، فأرسله إلى الخيار بن رباح البصري، وقال له: خذ مما عنده لي من ثياب، فلم تعجبه، فعاد إلى أبيه، وقال: يا أبتاه استكسيتك فأرسلتني إلى الخيار بن رباح، فأخرج لي ثيابًا ليست من ثيابي ولا من ثياب قومي، فقال: ذاك ما لنا عند الرجل، فانصرف عبد الله، فما كان عمر- رضي الله عنه- (الأب المربي) إلا أن اتخذ موقفًا وسطًا مقنعًا، فجمع بين إجابة طلب ولده وأنه لا يتوفر كل مطلوب أو مرغوب دائمًا: فناداه قبل أن ينصرف، وقال له مخيِّرًا إياه: هل لك أن أسلفك من عطائك مائة درهم؟ قال: نعم يا أبتاه: فأسلفه مائة درهم فلما خرج عطاؤه حُوسب بها فأُخذت منه.



    ومما يروَى أيضًا في حسن إجابته لأولاده وإقناعهم أن ابنةً له بعثت إليه بلؤلؤةٍ وقالت له: إن رأيت أن تبعث لي بأختٍ لها، حتى أجعلها في أذني فلم يردَّ عليها بالإجابةِ ولا بالرفض، وإنما الأمر مرتبطٌ بصبرها على الجمر؛ إذ أرسل لها بجمرتين، وقال لها: إن استطعتِ أن تجعلي هاتين الجمرتين في إذنيكِ بعثت إليك بأختٍ لها، فكان جوابًا مقنعًا لها.



    5- حرصه على العدل بينهم: ومما يذكر من حسن معاملته- رحمه الله- لأولاده حرصه على العدل بينهم مع كثرتهم؛ حتى لا يحقدَ أحدهم على الآخر أو يبغضه، فقد تحرى رحمه الله العدلَ حتى إيثاره لابن الحارثية أن ينام معه، إذ تركه خشية أن يكون جورًا، وفي هذا الصدد يروَى عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قوله: كان عمر بن عبد العزيز له ابنٌ من امرأة من بلحارث بن كعب، وكان يحبه وينام في بيته، قال: فتعرضت له ذات ليلة، فقال: أَعَبد العزيز؟ قلت: نعم. قال: شرٌّ ما جاء بك!! ادخل، فجلست عند شاذكونته- الشاذكونة: بفتح الذال ثياب غلاظ مضرية، تعمل باليمن -، وهو يصلي.. فأتاني فقال: مالك؟ فقلت: ليس أحدٌ أعلم بولد الرجل منه، وإنك تصنع بابنِ الحارثيةِ ما لا تصنع بنا، فلست آمن أن يُقال ما هذا إلا من شيء تراه عنده ولا تراه عندنا، فقال: أعلمك هذا أحد؟ فقلت: لا، قال: فأعد عليَّ، فأعدت عليه، فقال: ارجع إلى بيتك، فرجعت، فكنت أنا وإبراهيم وعاصم وعبد الله- وهم من إخوانه- نبيت جميعًا، فإذا نحن بفراش يحمل وتبعه ابن الحارثية- وهو أخوهم- فقلنا: ما شأنك؟ قال: شأني ما صنعت بي، قال: كأنه خشي أن يكون جورًا.



    6- تنمية الأخلاق الفاضلة عندهم: كان يحرص على تنمية الأخلاق الفاضلة عند أولاده، ويتحيَّن الفرص لتحقيق ذلك ما استطاع، ففي سياق رسالته رحمه الله إلى ولده عبد الملك وهو في المدينة ينهاه عن التفاخر والمباهاة في الكلام والإعجاب بالنفس والغرور والتعالي على الناس، فيقول له: وإياك أن تفخر بقولك، وأن تعجب بنفسك أو يخيل إليك أن ما رزقته لكرامةٍ لكَ على ربك، وفضيلةٍ على مَن لم يرزق مثل غناك.



    7- تربية أولاده على الزهد والاقتصاد في المعيشة: تتجلَّى شخصية عمر رحمه الله التربوية بقدرته على جعل أولاده يتقبلون التحول من فترة النعيم إلى فترة الزهد والتقشف، وأن يقنعَهم بالعيش كعامة الناس، بدلاً من حياة الترف والرفاهية، فمن أول إجراءاته ما جاء في سياق رسالته التربوية لابنه عبد الملك وهو في المدينة والتي جاء فيها: ".. فإنْ ابتلاك الله بغنى اقتصد في غناك، وضَع لله نفسك، وأدِّ إلى الله فرائض حقه من مالك (يقصد الزكاة والصدقة وعدم الإسراف)، وقل كما قال العبد الصالح: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 40) وكانت هذه الرسالة عقب توليه الخلافة مباشرةً، في حين لا تزال فترة النعيم والرفاهية قائمة، إذ اتبع أسلوبًا تربويًّا رائعًا في ذلك؛ حيث أخذ الأمر بالتدرج، فأشعره بأن الغنى وكثرة المال ابتلاءٌ من الله عز وجل، ثم أمرَه بالاقتصاد فيما هو فيه من الغنى، ثم قرن الأمر بالتواضع لله، وأخيرًا أكد على ضرورة أداء حق الله، من زكاة الأموال والصدقات وامتثال أمر الله عز وجل.



    وفي موقفٍ آخر، إذ بلغه رحمه الله أن ابنًا له اتخذ خاتمًا، واشترى لهذا الخاتم فصًّا بألف درهم، فكتب إليه عمر: أما بعد.. فقد بلغني أنك اشتريت فصًَّا بألف درهم، فبِعه، وأشبِع ألف جائع، واتخذ خاتمًا من حديد صيني، واكتب عليه: "رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه".



    ونلاحظ أن عمر ربط أمره ببيع الفص بوجود جائعين وحاجتهم للإشباع، ليكون ذلك أجدى لإدراكِ مغزى الأمر، والتحرِّي في إنفاق الأموال مستقبلاً، وليكن أمر الفقراء والمساكين نُصب أعين أبنائه دائمًا، وذات يوم طلب أحد أبناء عمر بن عبد العزيز إلى أبيه أن يزوِّجه، وأن يُصدق عنه من بيت المال- وقد كان لابنه ذلك امرأة- فغضب رضي الله عنه لذلك، وكتب يقول: لقد أتاني كتابك تسألني أن أجمع لك بين الضرائر من بيت المال، وأبناء المسلمين لا يجد أحدهم امرأةً يستعفُّ بها، فلا أعرفن وما كتبت بمثل هذا.. ثم كتب إليه أن انظر إلى ما قِبَلك من نحاسنا ومتاعنا فبعه، واستعن بثمنه على ما بدا لك.



    ولم يقتصر الأمر على الذكور من أولاده، بل شمل الذكور والإناث، ومن ذلك أن ابنةً لعمرَ بنِ عبد العزيز يقال لها (أمينة) مرَّت به يومًا، فدعاها عمر: يا أمينة، فلم تجبْه، فأمر بها، فقال: ما منعك أن تجيبي؟ فقالت إني عارية (أي ملابسها ليست حسنة) فقال: يا مزاحم: انظر إلى تلك الفرش التي فتقناها، فاقطع لها منها قميصًا، هذا عن كساء بنات عمر، أما عن طعامهن فيروي ابن عبد الحكم أن عمر كان يصلي العتمة ثم يدخل على بناته فيسلم عليهن، فدخل عليهن ذات ليلة فلما أحسنَّه وضعن أيديهن على أفواههن ثم تبادرن الباب، فقال للحاضنة: ما شأنهن؟ فقالت: إنه لم يكن عندهن شيءٌ يتعشينه إلا عدس وبصل، فكرهن أن تشمَّ ذلك من أفواههن فبكى عمر، ثم قال لهن: يا بناتي ما ينفعكن أن تعشين الألون، ويمر بأبيكن على النار، فبكين حتى علت أصواتهن ثم انصرفن وكان عمر بدأ الانتقال بأهل بيته من فترة الرفاه والتنعيم إلى فترة القناعة والزهد في الدنيا، بأن وضع حلي ومجوهرات زوجه فاطمة بنت عبد الملك في بيت المال، إذ قال لها: اختاري، إما أن تردي حليَّك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت: لا بل أختارك يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه إن كان لي.



    8- اهتمامه بتعليم أولاده: أولى عمر رحمه الله تعليمَ وتأديبَ أولادِه جانبًا من الاهتمام؛ إذ اتبع إجراءاتٍ تعليميةً جعل منها منهجًا جديرًا يلبِّي حاجات الناشئ المسلم؛ ليكون موحد الذات والأهداف، غير منقسم على نفسه بين القول والعمل، أو بين الواقع والمثال؛ حيث تتضح معالم ذلك المنهج في رسالته- رضي الله عنه- إلى معلمهم ومؤدبهم مولاه سهل بن صدقة؛ إذ قرر اختياره وتكليفه بمهام تعليم وتأديب أولاده، ثم حدد الطريقة المثلى للتأديب، فقد قال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه، أما بعد: فإني اخترتك على علمٍ منيِّ بك لتأديب ولدي، فصرفتهم إليك من غيرك من مواليِّي وذوي الخاصة بي، فحدثهم بالجفاء، فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم، أن حضور المعازف واستماع الأغاني، واللهج بها يُنبت النفاق في القلب كما ينبت العشْبَ الماء، ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به، وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن يثبت في قراءته، فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافيًا، فرمى سبعة أرشاق ثم انصرف إلى القائلة؛ فإن ابن مسعود- رضي الله عنه- كان يقول: يا بَنيَّ قيلوا؛ فإن الشياطين لا تقيل، ونلاحظ على هذه التوجيهات الأمور الآتية:



    1- اختيار المعلم والمؤدب الصالح: فالمعلم أو المربي يُعدُّ حجر الزواية في عملية التعليم، فقد اختار معلمَ أولاده من خاصته ومواليه وعلى علم به وثقةٍ فيه، ولم يكتفِ عمر بمولاه سهل لتأديبهم وتعليمهم، بل عهد بتأديبهم أيضًا إلى أستاذه ومؤدبه الأول صالح بن كيسان، ولم يقف حرص عمر- رحمه الله- على تعليم أولاده وأدبهم عند هذا الحد، بل وجدناه يختار من كبار عصره مَن يختبر عقل أولاده وأدبهم، فقد كلَّف ميمون بن مهران أن يأتي ابنَه عبد الملك فيستشيره وينظر إلى عقله.. قال ميمون: فأتيناه- يعني عبد الملك بن عمر- فاستأذنت عليه فقعدت عنده ساعة فأعجبتُ به.



    2- تحديد المنهج التعليمي: حدد عمر بن عبد العزيز المنهج التعليمي والمقررات الدراسية التي يريد لأولاده أن يتعلموها؛ حيث يتكون من القرآن الكريم وعلومه وبقية العلم من العلوم الأخرى، والتدريب على الجهاد والقتال والصبر عليه، وكذلك التمرين على الرماية ودقة الإصابة وممارسة الرياضة البدنية بالسير إلى الأهداف حفاةً ليعتادوا على ذلك، مع ما يحتويه المنهج من أوقات للراحة، أما حجم المقرر اليومي فجزءٌ واحد من القرآن الكريم بتثبت ووعي، بالإضافة إلى ما يتناسب مع ذلك الجزء من علوم الدين الأخرى وكذلك الرمي بسبعة أرشاق، مع ما يتطلبه ذلك من السير إلى أغراض والسير بينها، فكان منهجًا ذا أهداف سامية؛ إذ يجمع بين الدين والدنيا، ويراوح بين البدن والروح، والقول والعمل تلك أهداف ارتدت عنها خائبة جلُّ برامج التعليم والتربية الحديثة.



    3- تحديد طريقة التأديب والتعليم: لم يقف عمر بن عبد العزيز عند اختيار معلم أولاده، وتحديد مواد المنهج التعليمي، بل امتد الأمر إلى رسم الطريقة التي ينبغي لمؤدب أولاده اتباعَها، وكيفية التنفيذ ودقة الأداء وإتقان العمل، ففي سياق رسالته رحمه الله طلب إلى سهل أن يلتزم الجدَّ في قوله لهم، فذلك أمعن لإقدامهم وأحرز لانتباههم، وطلب إليه كمؤدبٍ لهم أن يترك صحبتهم فإن عادتها تكسب الغفلة، ولا تُبقي مكانتُه عندهم، فليس للمعلم أن يتخذ من تلاميذه أصدقاء وأصحابًا له يودعهم أسراره، ويشاركهم وقته وحياته، فقد لا تُعجبهم مواقفه، فيكون ذلك أدعى للاستهانة به، وعدم الاستجابة لما يُطلب منهم وربما يؤدي ذلك إلى عدم الاكتراثِ بالمعلم، والغفلة عمَّا يقوله من العلم.



    كما طلب عمر إلى مؤدب أولاده أن يكون في أدبه لهم ما يصرفهم عن الملاهي وحضور المعازف وسماع الغناء؛ لما لها من الأثر السيئ في حياة المسلم، ويلاحظ أن عمر لا يصدر أمرًا، أو يحدد طريقةً أو أسلوبًا حتى يوضح ما دفعه لذلك، وما فائدته وجدواه.



    4- تحديد أوقات وأولويات التعليم: ومما اشتمل عليه المنهج الذي حدَّده عمر بن عبد العزيز في رسالته لمؤدب أولاده ما يُسمَّى بإدارة الوقت؛ إذ حدد برنامجًا يوميًّا يبدأ الأولاد ومؤدبهم في تنفيذه من الصباح الباكر بجزءٍ من القرآن الكريم، فكان البدء بالقرآن في الفترة الصباحية؛ لما فيها من صفاء ذهن التلميذ، بعد أخْذِ قسطٍ من الراحة في ليلته، فجعل أولوية القرآن الكريم في وقت صفاء الذهن والاستعداد الجيد للمتعلم، كما ربط الانتقال إلى المادة الأخرى من البرنامج اليومي بالتثبت والإتقان، ثم جاء توقيت الخروج بين الأغراض وممارسة متطلبات الرماية، ويكون الخروج للرمي بعد العلم، وهم في شَوْقٍ إليه، فيتحقق لهم بذلك أعلى درجات الكفاءة والإتقان، ويأتي في ختام البرنامج اليومي فترة القيلولة.. تلك الفترة الضرورية لراحة البدن والنفس والعقل.



    5- مراعاة المؤثرات التعليمية: راعَى عمر بن عبد العزيز كلَّ ما له ارتباطٌ بالعلم، وما له تأثيرٌ على الفهم وحسن التلقي، وما يزيد من إدراك العقل من قريب أو بعيد، فكان أول أمرٍ اهتم به وبتأثيره على علم أولاده وأخلاقهم وأدبهم هو معلمهم وجدوى علمه، واقتداؤهم بأدبه وخلقه، والأمر الثاني مراعاة ما قد يسببه اللين وعدم التزام الجد في القول، وإكثار الضحك، والهزل واللعب أحيانًا، من التباطؤ في أداء متطلبات التعليم، من إقدامٍ وعلوِّ همة، وفهم وإدراك بالكفاءة المطلوبة، والثالث: ما ينجم عن تيار المجون والملاهي والغناء وحضور المعازف، من ضياع وقت أولى أن يكون للعلم، وتبلد الإحساس العلمي، ورابعها: مراعاة النواحي النفسية للناشئين، وما قد يُصيبهم من الملل، وتأثير ذلك على المستوى المطلوب من الفهم، وضرورة الترويح عن النفس ساعةً بعد ساعة، وجعل وقتٍ للراحة بين الحين والآخر، وأخيرًا الاهتمام بالمردود الإيجابي للرياضة، وممارسة الرماية، والسير بين الأغراض على الجسم وصحته والعقل وسلامته والذهن وصفائه.



    - من نتائج منهج عمر بن عبد العزيز في تربية أولاده (ابنه عبد الملك): من نتائج منهج عمر في تربية أولاده ذلك النموذج الرباني المتمثل في ابنه عبد الملك، ويُعتبر عبد الملك نموذجًا للشاب الذي عاش في رغد العيش وسعة الرزق ورفاهية الحياة، فحياته مثالٌ لكثير من أبناء المسلمين الذين كانوا على شاكلته وإليك شيء من مواقفه:



    1- عبادته وبكاؤه: عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان، وهو ابن أخي عمر بن عبد العزيز، قال: وفدت إلى سليمان بن عبد الملك، ومعنا عمر بن عبد العزيز، فنزلت على ابنه عبد الملك وهو عزب، فكنت معه في بيت فصلينا العشاء، وآوى كل رجل منا إلى فراشه، ثم قام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، ثم قام يصلِّي حتى ذهب بي النوم، فاستيقظت فإذا هو في هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ..﴾ (الشعراء: 205- 207) فبكى، ثم يرجع إليها، فإذا فرغ منها فعل مثل ذلك، حتى قلت: سيقتله البُكاءُ، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله والحمد لله، كالمستيقظ من النوم لأقطع ذلك عليه، فلما سمعني سكت فلم أسمع له حِسَّا رحمه الله.



    2- علمه وفقهه وفهمه: جمع عمر بن عبد العزيز الناس واستشارهم في ردِّ مظالم الحجَّاج، فكان كلما استشار رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين، ذاك أمرٌ كان في غير سلطانك ولا ولايتك، فكان كلما قال له رجلٌ ذلك أقامه، حتى خلص بابنه عبد الملك، فقال له ابنه عبد الملك: يا أَبَهْ، ما من رجل استطاع أن يردَّ مظالم الحجَّاج إن لم يردها أن يشركه فيها، فقال عمر: لولا أنك ابني لقلت إنك أفقه الناس، وهذا الذي قاله عبد الملك ومدحه عليه أبوه، وهو الصواب؛ فإن الإمام إذا قدر على رد مظالم من قبله من الولاة وجب عليه وهو ذلك بحسب الاستطاعة.



    وقد كان عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك من العلماء الذين جمعوا بين العلم بالله الذي يقتضي خشيته ومحبته والتبتل إليه، وبين العلم بالله الذي يقتضي معرفة الحلال والحرام والفتاوى والأحكام.



    3- تذكيره والده بالموت: مات ابنٌ لعمر بن عبد العزيز، فجاء عمر فقعد عند رأسه، وكشف الثوب عن وجهه فجعل ينظر إليه ويستدمع، فجاء عبد الملك ابنه فقال: أشغلك يا أمير ما أقبل من الموت إليك؟ بل هو في شغل عما حل لديك، فكأن قد لحقت به وساويته تحت التراب بوجهك، فبكى عمر ثم قال: رحمك الله يا بني، فوالله إنك لعظيم البركة، ما علمتك على أبيك نافع الموعظة لمن وعظت، وأيمُ الله إن كان الذي رأيت من جزعي على أخيك، ولكن لما علمت أن ملك الموت دخل داري فراعني دخوله، فكان الذي رأيت ثم أمر بجهازه.



    4- صلابته في الدين وقوته في تنفيذ الحق: قال ميمون بن مهران قال: بعث إليَّ عمر بن عبد العزيز وإلى مكحول وإلى أبي قلابة فقال: ما ترَون في هذه الأموال التي أُخذت من الناس ظلمًا؟ فقال مكحول يومئذٍ قولاً ضعيفًا، فكرهه فقال: أرى أن تستأنف فنظر إليَّ عمر كالمستغيث بي، فقلت: يا أمير المؤمنين، ابعث إلى عبد الملك، فأحضِره؛ فإنه ليس بدون من رأيت، فلما دخل عليه قال: يا عبد الملك، ما ترى في هذه الأموال التي أُخذت من الناس ظلمًا، وقد حضروا يطلبونها وقد عرفنا مواضعها؟! قال: أرى "أن تردَّها"؛ فإن لم تفعل كنت شريكًا لمن أخذها.



    5- مرضه وموته رحمه الله: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه- من الطاعون- فقال: يا بني، كيف تجد؟! قال: أجدني في الحق، قال: يا بني، إن تكن في ميزاني أحبُّ إليَّ من أن أكون في ميزانك، فقال ابنه: وأنا يا أبه لأَن أكون ما تحب أحبّ إليّ من أن يكون ما أُحب، وحين دفن ابنه خطب على قبره فقال: رحمك الله يا بني، فلقد كنت برًّا بأبيك، وما زلت منذ وهبك الله لي مسرورًا، ولا والله ما كنت أشدَّ سرورًا ولا أرجى لحظِّي من الله فيك، منذ وضعتك في الموضع الذي صيَّرك الله إليه، فرحمك الله وغفر ذنبك وجزاك الله بأحسن عملك وتجاوَز عن مسيئه، ورَحِم كلَّ شافع يشفع لك بخير من شاهدٍ وغائبٍ، رضينا بقضاء الله وسلَّمنا لأمره، والحمد الله رب العالمين، ثم انصرف.



    ثم كتب إلى نائبه على الكوفة كتابًا يَنهى أن يُناح على ابنه كما كانت عادةُ الناس حينئذٍ في الناحية على الملوك وأولادهم، وفي ذلك الكتاب كان فيه: أن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبدًا من عباد الله، أحسن الله إليه في نفسه وأحسن إلى أبيه فيه، أعاشه الله ما أحبَّ أن يُعيشه، ثم قبضه إليه حين أحب أن يَقبضه، وهو فيما علمت بالموت مرتبطٌ، نرجو فيه من الله رجاءً حسنًا، فأعوذ بالله أن تكون لي محبةٌ في شيء من الأمور تخالف محبة الله؛ فإن خلاف ذلك لا يصح في بلائه عندي وإحسانه إلي ونعمته علي، ثم قال: أحببت أن أكتب إليك بذلك وأعلمكه من قضاء الله، فلا أعلم مَن ينوح عليه في شيء من قبلك، ولا اجتمع على ذلك أحد من الناس، ولا رخَّصت فيه لقريب ولا بعيد، واكفني في ذلك بكفاية الله ولا ألومنَّك فيه- إن شاء الله- والسلام عليك.



    وجاء في رواية: لما هلَك عبد الملك بن عمر قال أبوه: يا بني، لقد كنت كما قال الله عز وجل: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: 146)، وإني لأرجو أن تكون اليوم من الباقيات الصالحات التي هي خيرٌ ثوابًا وخيرٌ أملاً، والله ما يسرني أني دعوتك فأجبتني، وقد تُوفي عبد الملك بن عمر وكان عمرُه تسع عشرة سنة، وكان عمر بن عبد العزيز يُثني على ولده، وقال لابنه ذات يوم: يا عبد الملك، إني أخبرك خبرًا.. لا والله ما رأيت فتى ماشيًا قط أنسك منك نسكًا ولا أفقه فقهًا ولا أقرأ منك ولا أبعد في صبوة في صغير ولا كبير، وقال عمر بن عبد العزيز، والله لولا أن يكون بي زينة من أمر عبد الملك ما يُزين في عين الوالد من ولده لرأيت أنه أهلٌ للخلافة، وجاء في رواية: إن عبد الملك لما توفِّي جعل أبوه يُثني عليه عند قبره، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، لو بقي كنت تعهد إليه؟! قال: لا، قال: لم وأنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زُيِّن في عيني منه ما يُزيَّن في عين الوالد من ولده، وقال ميمون بن مهران: ما رأيت ثلاثةً في بيت خيرًا من عمر بن العزيز، وابنه عبد الملك، ومولاهم مزاحم.. هذا من نتائج المنهج التربوي والعلمي الذي سار عليه عمر في تربية أولاده.



    - حياته مع الناس

    1- اهتمامه بإصلاح المجتمع: كان اهتمامه بإصلاح المجتمع كبيرًا، وعمل على إزالة ما يتفشَّى فيه من المنكرات، وقد كتب في ذلك إلى أحد ولاته كتابًا طويلاً بليغًا، فورد بعض فقراته للأهمية وعظيم الفائدة، وفيه يقول: أما بعد فإنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم أهلُ الصلاح منهم إلا أصابهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي مَن يشاء من عباده، ولا يزال الناس معصومين من العقوبات والنِّقمات ما قمع فيهم أهل الباطل، واستخفي فيهم بالمحارم، فلا يظهر من أحد منهم محرَّم إلا انتقموا ممن فعله، فإذا ظهرت فيهم المحارم فلم ينههم أهل الصلاح نزلت العقوباتُ من السماء إلى الأرض على أهل المعاصي والمداهنين لهم، ولعل أهل الإدهان أن يهلكوا معهم وإن كانوا مخالفين لهم؛ فإني لم أسمع الله تبارك وتعالى فيما نزَّل من كتابه عند مَثُلَة أهلك بها أحدًا نجَّى أحدًا من أولئك، إلا أن يكونوا الناهين عن المنكر، ويسلط الله على أهل تلك المحارم إن هو لم يُصبهم من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده من الخوف والذل والنِّقم، فإنه ربما انتقم بالفاجر من الفاجر وبالظالم من الظالم، ثم صار كلا الفريقين بأعمالهما إلى النار، فنعوذ بالله أن يجعلنا ظالمين، أو أن يجعلنا مداهنين للظالمين، وإنه قد بلغني أنه قد كثُر الفجور فيكم وأمن الفسَّاق في مدائنكم وجاهَروا من المحارم بأمرٍ لا يحب الله تعالى مَن فعله، ولا يرضى المداهنة فيه، كان لا يُظهرِ مثلَه علانية قوم يرجون لله وقارًا ويخافون منه غيرًا، وهم الأعزون الأكثرون من أهل الفجور، وليس بذلك مضى أمر سلفكم، ولا بذلك تمَّت نعمة الله تعالى عليهم، بل كانوا كما قال تعالى ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 19) ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (المائدة: من الآية 24)، ولعمري إن من الجهاد في سبيل الله الغلظة على أهل محارم الله تعالى بالأيدي والألسن والمجاهدة لهم فيه، وإن كانوا الآباء، وإنما سبيل الله طاعته، ولقد بلغني أنه بطَّأ بكثير من الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتقاء التلاوم أن يقال: فلان حسن الخلق قليل التكلفُّ، مقبل على نفسه، وما يجعل الله أولئك أحسانكم أخلاقًا، بل أولئك أسوأكم أخلاقًا، وما أقبل على نفسه من كان كذلك، بل أدبر عنها، ولا سلم من الكلفة لها بل وقع فيها؛ إذ رضي لنفسه من الحال غير ما أمر الله أن يكون عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.



    ففي هذا الكتاب المهم يبين عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- سنة الله جل وعلا التي لا تتخلَّف، وهي أن أيَّ مجتمع يجاهر فيه أهل الفساد بمعاصيهم، ثم لا ينهاهم أهل الصلاح ولا ينكرون عليهم فلا بد أن يصيبهم الله تعالى بإحدى ثلاث: أن يصيبهم الله بعذاب من عنده، أو أن يصيبهم بعذاب على أيدي من يشاء من عباده، وقد يكون هؤلاء من الظلمة الجبارين فينتقم الله بهم من العصاة الفجار، أو يصيبهم الله بالخوف والجوع والذل وأنواع النِّقم والمصائب.



    ويبين عمر في هذا الكتاب أن السكوت عن أهل المعاصي المجاهرين ليس من عمل الصحابة- رضي الله عنهم- بل قد وصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على المخالفين المجاهرين بالمعاصي، ويذكر أن من الجهاد في سبيل الله تعالى الغلظة على منتهكي محارم الله والإنكار عليهم بالأيدي والألسن وإن كانوا من أقرب الأقارب، وهذا التوسع في معنى الجهاد له أدلته الشرعية مثل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِير﴾ (التحريم: 9)، وإنما يكون جهاد المنافقين بالإنكار عليهم والشدة في معاملتهم، ويصحِّح عمر في هذا الكتاب مفهومًا خاطئًا عند بعض الناس، وهو وصفهم القاعد عن إنكار المنكر بأنه حسن الخلق قليل التكلف مقبل على نفسه؛ حيث يبين أن هذا سيئ الخلق؛ حيث يتعامل مع المخالفين بالسلبية وعدم المبالاة، مع أنهم بحاجة إلى الشفقة والرحمة، وإنما يظهر ذلك بمحاولة إصلاحهم، ويرد على قولهم بأنه قليل التكلف مقبل على نفسه بأنه لم يُقبل على نفسه بمحاولة إنقاذها من النار ورفع درجتها في الجنة بل أقبل على هلكتها؛ حيث إن السكوت عن الإنكار معصيةٌ يحاسَب عليها مرتكبُها وقد تورده إلى النار، وإذا كان في مفهوم الناس أن الساكت قليل التكلف فإنه قد تكلَّف أمرًا عظيمًا؛ حيث خالف أمر الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم- بما وجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت كُتُب عمر بن عبد العزيز كلها في إصلاح المجتمع كما جاء في خبر إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: ما كان يقدم على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كتابٌ من عمر إلا فيه ردُّ مظلمةٍ أو إحياءُ سنةٍ أو إطفاءُ بدعةٍ أو قَسْم أو تقدير عطاء أو خير، حتى خرج من الدنيا.



    2- تذكيره الناس بالآخرة: خطب عمر بن عبد العزيز ذات يومٍ فقال: إني لم أجمعكم لأمرٍ أحدثته، ولكني نظرتُ في أمر معادكم وما أنتم إليه صائرون فوجدت المصدِّق به أحمقَ، والمكذب به هالكًا ثم نزل، وهذه خطبةٌ بليغةٌ على قصرها، فإنها تذكرة حية بمصير الإنسان بعد الموت، فالذي يؤمن بالبعث بعد الموت وما قبله من عذاب القبر ونعيمه وما بعد ذلك من الحساب والمصير إلى النعيم الدائم أو إلى الشقاء الدائم، ثم لا يعد العدة الكافية لذلك اليوم يُعتبر حقًّا أحمق؛ حيث لم يستعمل عقله في الإعداد لمستقبله بعد الموت مع إيمانه بما سيكون فيه، ومن خطبه في تذكير الناس بالموت والآخرة، ما بينَّه عمر في بعض خطبه بأن الإنسان خُلق للأبد ولكنه من دارٍ إلى دارٍ.. قال عمر: إنما خلقتم للأبد، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون.
    وقال في إحدى خطبه: يا أيها الناس.. لا تغرنكم الدنيا والمهلة فيها، فعن قليل عنها تُنقلون وإلى غيرها ترحلون، فاللهَ اللهَ عباد الله في أنفسكم، فبادروا بها الفوت قبل حلول الموت، ولا يطُل بكم الأمد، فتقسوا قلوبكم فتكونوا كقومٍ دعوا إلى حظهم فقصروا عنه بعد المهلة، فندموا على ما قصروا عند الآخرة، وقد تحدث عمر بن عبد العزيز عن الموت والآخرة والاستعداد للقاء الله كثيرًا في خطبه ومواعظه رحمه الله.



    3- تصحيح المفاهيم الخاطئة: قال عمر في إحدى خطبه: أما بعد.. أيها الناس، فلا يطولن عليكم الأمد، ولا يبعدن عليكم يوم القيامة، فإن من وافته منيته فقد قامت قيامته، لا يستعتب من شيء ولا يزيد في حسن، ألا لا سلامةَ لامرئ في خلاف السنة، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الله، ألا وإنكم تعدون الهارب من ظلم إمامه عاصيًا، ألا وإن أولاهما بالمعصية الإمام الظالم، ألا وإني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره، ثم قال: إنه لحبيبٌ عليَّ أن أوفر أموالكم وأعراضكم إلا بحقها ولا قوة إلا بالله.



    ففي هذه الخطبة يُذكِّر عمر بن عبد العزيز المسلمين بقربِ يوم القيامة، فإن من وافته منيته قامت قيامته، فلينظر إلى الموت الذي قد يفاجئه في أية لحظة، وحينها لا يستطيع أن يعتذر من أعماله السيئة التي سوَّد بها صحيفته، ولا يستطيع أن يستزيد من عمل صالح بيَّض به صحيفته، ويندم حينما لا ينفع الندم على ما فاته في حياته يوم أن كان قادرًا على التوبة النصوح والتزوُّد بالعمل الصالح، ثم يبين أن السلامة كل السلامة في اتباع سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهذا بيانٌ لأحد عنصري العمل الصالح، وهما الإخلاص لله تعالى ومتابعة السنة، وهو بهذا يعالج واقعًا لا ينقص العمل فيه الإخلاص وإنما ينقصه اتباع السنة؛ حيث فشت البدع بعد انقراض عهد الصحابة رضي الله عنهم، وفساد بعض الولاة الذين يحاربون بعض السنن التي لا تتفق مع أهوائهم، ثم بيَّن أحد العواصم التي تعصم من انتشار البدع وفساد أمور الأمة؛ حيث قال: ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، فإذا كان بعض الولاة قد تسوِّل لهم نفوسهم الأمَّارة بالسوء أو مجاملة الآخرين بأن يأمروا الناس بمعصية الله، أو يمهِّدوا السبل لذلك، فإنه لا طاعة لهم، وبهذا ينقطع سببٌ مهمٌّ من أسباب سريان تلك المخالفات وهو ما لِوُلاة الأمر من طاعة على الأمة، فإذا تحددت هذه الطاعة بطاعة الله تعالى لم يكن لهوى النفوس تأثيرٌ على انتشار الفساد في المجتمع وتصبح الكلمة لأهل الإصلاح.



    ثم يبين أن ما جرى عليه العرف من اعتبار الهارب من إمامه الظالم عاصيًا ليس له اعتبارٌ في النظر الشرعي؛ لأن تصرفه هذا هو أحد الأسباب التي يتخذها للخلاص من الظلم، وأولى مَن يوصف بالمعصية مَن وقع منه الظلم، وكون عمر يبين هذا- وهو في أعلى موقع من المسئولية كخليفة- لدليلٌ على تجرده من حظ النفس ومن العصبية للقرابة، وإخلاصه لله تعالى.



    ثم يصف الواقع الاجتماعي الذي اختلطت فيه العادات بالدين والبدع بالسنن، ونشأ عليه أفراد المجتمع، وتربَّى على توجيهه مَن أسلم من العجم، ومَن هاجر من الأعراب حتى حسِبوه هو الدين، وحينما يختلط العُرف الاجتماعي فيتسرب إلى العرف الإسلامي بعض الأعراف الجاهلية فإن ذلك يؤثر على تربية أفراد المجتمع وتتشربه قلوبهم؛ لأن الأعراف الجاهلية تميل إلى تلبية أهواء النفوس وإن كانت منحرفةً جائرةً، فيصعب بعد ذلك على المُصلحين أن يخلِّصوا العرف الاجتماعي الإسلامي من تلك الأخلاط المتسرِّبة المتراكمة على مر الزمن؛، لأن كل انحراف له أنصاره ومؤيدوه، وليس كل أفراد المجتمع يفهمون الأمور على حقيقتها، وحينما يقوم المصلحون بمحاولة التنقية يقوم دعاةُ السوء بتشويه إصلاحهم ودعوة الناس إلى البقاء على الموروثات؛ لأن كونها موروثات يعطيها في نظر بعض الناس شيئًا من القداسة، ولكن حينما ينبع الإصلاح من أعلى قمة في المسئولية كما هو الحال في عهد عمر بن عبد العزيز فإن نتائج الإصلاح تكون كبيرةً وسريعةَ المفعول؛ لأن معه ما خوَّله الله تعالى من طاعة الرعية ما دام في طاعة الله تعالى إلى جانب قوة السلطان المعهودة.



    4- إنكاره العصبية القبلية: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحاك بن عبد الرحمن، وكان مما جاء في كتابه: إن ما هاجني على كتابي هذا أمرٌ ذُكِر لي عن رجال من أهل البادية، ورجال أمروا حديثًا، ظاهرٌ جفاؤهم قليلٌ علمهم بأمر الله، اغتروا فيه بالله غرةً عظيمة، ونسوا فيه بلاءَه نسيانًا عظيمًا، وغيَّروا فيه نِعَمَه تغييرًا لم يكن يصلح لهم أن يبلغوه، وذكر لي أن رجالاً من أولئك يتحاربون إلى مُضر وإلى اليمن، يزعمون أنهم ولايةٌ على مَن سواهم، وسبحان الله وبحمده ما أبعدهم من شكر نعمة، وأقربهم من كل مهلكة ومذلة وصغار، قاتلهم الله أية منزلة نزلوا، ومن أي أمان خرجوا، أو بأي أمر لصقوا ولكن قد عرفت أن الشقي بنيته يشقى، وأن النار لم تخلف باطلاً، أو لم يسمعوا إلى قول الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10)، وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: من الآية 3)، وقد ذكر لي مع ذلك أن رجالاً يتداعون إلى الحلف، لا حلفَ في الإسلام قال: وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدةً فكان يرجو أحد من الفريقين حفظ حلفه الفاجر الآثم الذي فيه معصية الله ومعصية رسوله، وقد ترك الإسلام حين انخلع منه وأنا أحذِّر كلَّ من سمع كتابي هذا ومَن بلغه أن يتخذ غير الإسلام حصنًا أو دون الله ودون رسوله ودون المؤمنين وليجةً؛ تحذيرًا بعد تحذير، وأذكرهم تذكيرًا بعد تذكير وأشهد عليهم الذي آخذ بناصية كل دابَّة، والذي هو أقرب إلى كل عبد من حبل الوريد، وإني لم آلُكم بالذي كتبت به إليكم نصحًا مع أني لو أعلم أن أحدًا من الناس يحرِّك شيئًا ليُخذله به أو ليدفع عنه- أحرص والله المستعان على مذلته من كان: رجلاً أو عشيرةً أو قبيلةً أو أكثر من ذلك، فادعُ إلى نصيحتي وما تقدمت إليكم به، فإنه هو الرشد ليس له خفاء، ثم ليكن أهل البر وأهل الإيمان عونًا بألسنتهم، وإن كثيرًا من الناس لا يعلمون.. نسأل الله أن يخلف فيما بيننا بخير خلافة في ديننا وأُلفتنا وذات بيننا والسلام.



    في هذا الكتاب يعالج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز انحرافًا خطيرًا طرأ على المجتمع الإسلامي آنذاك، وهو أن طائفة من المسلمين الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولم تعمر أفكارهم بالعلم الشرعي، فقد اتخذوا لأنفسهم علاقات من روابط الجاهلية التي تقوم على القبائل والعشائر، فيعطي الواحد منهم ولاءه لقبيلته سواء بالحق أو بالباطل وسواء بالعدل أو بالظلم، ويجعل من قبيلته قضية يهتم لها ويدافع عنها ويدعو لها، حتى أصبحوا بها إخوة في الله متحابين بعد أن كانوا أعداء متحاربين، وسادوا بجماعتهم العالم وقد استفحلت هذه القضية حتى أصبح بعض المجاهدين يتحاربون بينهم بدعوى قبلِّية، مما سبب تأخرًا في تقدم الجهاد، وجرأ أصحاب البلاد المفتوحة على الانتقاض على المسلمين مرةً بعد مرة، ووصلت الحال في بعض البلاد إلى أنه كلما تولى رجل له قبيلة في تلك البلاد قرب أفراد قبيلته وقواهم وتقوى بهم، فتحدث الفتنة وتثور القبائل الأخرى، وما ذاك إلا بسبب طرح رابطة الإسلام التي هي نعمة كبرى على المسلمين، واتخاذ الروابط الجاهلية بديلاً عنها.



    5- رفضه للقيام بين يديه:

    لما ولي عمر بن عبد العزيز قام الناس بين يديه، فقال: يا معشر المسلمين إن تقوموا نقم وإن تقعدوا نقعد، فإنما يقوم الناس لرب العالمين، وإن الله فرض فرائض وسن سننًا، من أخذ بها لحق ومن تركها مُحِق. أراد عمر أن يقضي على العادات الموروثة التي أشبه بها الولاة آنذاك الأكاسرة والقياصرة، وعزم صارم على العودة بالأمة إلى منهج الخلفاء الراشدين، وعمر هنا يحجِّم دافعين قويين يدفعانه إلى مجاراة عشيرته في مظاهرهم.. أولهما طموح النفس نحو الظهور وفرض السلطة والهيبة في قلوب الناس، وثانيهما رغبة عشيرته الملحة في الإبقاء على هذه المظاهر، وتشنيعهم عليه في مخالفة ما كان عليه أسلافه ولكنه تغلب على هذين الدافعين بحزمٍ وإيمانٍ قوي، وكان الدافع الذي يدفعه إلى التواضع ورفض المظاهر الدنيوية هو خوفه من الله تعالى ورغبته فيما عنده، وطموح فكره نحو الآخرة وتجاوز المستقبل الدنيوي، وكان هذا الدافع أقوى بكثير من الجواذب الأرضية، فنجح في إلجام نفسه عن هواها وإسكات أصحاب المظاهر الخادعة، وتصحيح مفاهيم المجتمع فيما يجب أن تكون عليه الولاة والعلاقة بينهم وبين الرعية. وفي قوله: إن الله فرض فرائض. بيان لأسباب السعادة والشقاوة الحقيقية في الدنيا والآخرة، فمن طبقها لحق بركب المتقين في الدنيا، وأكرم به من رفقة صالحة، وسيق يوم القيامة إلى رضوان الله تعالى والجنة وأكرم به من مآل وعاقبة.



    6- تقديره أهل الفضل:

    ذكر الحافظ ابن كثير أن ولد قتادة بن النعمان وفد على عمر بن عبد العزيز فقال له: مَن أنت؟ فقال مرتجلاً:

    أنا ابن الذي سالت على الخدِّ عينه فرُدَّت بكفِّ المصطفى أحسن الرَّدِّ

    فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حُسْنَها عينًا ويـا حُسْنَ ما رَدِّ



    قال عمر بن عبد العزيز عند ذلك:

    تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بمـاء فعادا بعـد أبـوالا



    ثم وصله وأحسن جائزته رضي الله عنه. ففي هذا الخبر موقف لأمير عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في إكرام ولد قتادة بن النعمان لما وفد عليه حينما عرَّف نفسه بما حدث لأبيه رضي الله عنه في هذا الخبر على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على تفوق عمر بن عبد العزيز في المجال الأخلاقي، وذلك بتقدير أهل الفضل، والتقدم في خدمة الإسلام والمسلمين، فإن ما حدث لقتادة رضي الله عنه من اقتلاع عينه بتلك الصورة شاهد على إيغاله في القتال وتعرضه للمهالك، كما أنه شرف له أن تمثلت فيه تلك المعجزة النبوية.



    من تقديره لأهل الفضل ما قام به لزياد مولى ابن عياش، فقد قدم عليه زياد مولى ابن عياش، وأصحاب له، فأتى الباب وبه جماعة من الناس فأذن له دونهم، فدخل عليه فنسي أن يسلم عليه بالخلافة، ثم ذكر فقال: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين، فقال له عمر: والأُولى لم تضرني، ثم نزل عمر عن موضع كان عليه إلى الأرض وقال: إني أعظم أن أكون في موضع أعلو فيه على زياد، فلما قضي زياد ما يريد خرج، فأمر عمر خازن بيت المال أن يفتحه لزياد ومن معه يأخذون منه حاجتهم، فنظر إليه خازن بيت المال فاقتحمته عينه أن يكون يُفتح لمثله بيت المال ويسلَّطُ عليه- وهو به غير عارف- ففعل الخازن ما أمر به، فدخل زياد فأخذ لنفسه ولأصحابه بضعًا وثمانين درهمًا أو بضعًا وتسعين درهمًا، فلما رأى ذلك الخازن قال: أمير المؤمنين أعلم بمَن يسلط على بيت المال. ففي هذا الخبر صور من تواضع عمر بن عبد العزيز رحمه الله وتقديره للعلماء الربانيين فهو أولاً لم يبالِ بلقب الخلافة وهو أعلى لقب عند المسلمين، والمناصب لها فتنة يقع في حبائلها مَن اغتروا بالجاه والمنزلة الدنيوية، أما أقوياء الإيمان فإن شخصيتهم لا تتغير بعد المنصب بل يظلون على ما هم عليه من التواضع، وربما زادوا تواضعًا في مقابلة احترام الناس لهم. ثم هو ثانيًا نزل من مكانه حتى لا يعلو على ذلك العالم الرباني زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وكون ذلك العالم من الموالي لا ينزل من قدره ابن عمر، فإن العبرة بالعلم والتقوى لا بشرف النسب، وموقف كريم لهذا العالم الرباني حيث لم يأخذ من بيت المال إلا ذلك القدر الزهيد مع أنه قد مُكِّن منه، وهذا مثال رفيع من أمثلة الزهد والورع، وحين ما تكون النفوس كبيرة والعقول راجحة فإنها تعف عن متاع الدنيا الذي يتنافس عليه الصغار، وتطمح ببصرها نحو نعيم الآخرة الخالد الذي يتنافس فيه الكبار.



    7- المرء بأصغريه قلبه ولسانه:

    كان بين وفد المهنئين لعمر بالخلافة من أهل الحجاز غلامٌ صغيرٌ وكان الوفد قد اختار الغلام ليتكلم عنهم، وهو أصغرهم، فلما بدأ بالكلام قال له عمر: مهلاً يا غلام ليتكلم مَن هو أسن منك، فقال الغلام: مهلاً يا أمير المؤمنين، المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا، فقد استجاد له الحلية، يا أمير المؤمنين لو كان التقدم بالسن لكان في الأمةِ مَن هو أسن منك- أي أحق بمجلسك هذا ممن هو أكبر منك سنًا-. فقال عمر: تحدث يا غلام، قال: "نعم يا أمير المؤمنين، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة، قدمنا إليك من بلدنا، نحمد الله الذي منَّ بك علينا لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتانا منك إلى بلدنا، وأما الرهبة فقد أمّننا الله بعدلك من جورك".. فأُعجب عمر بفصاحة الغلام وعلمه، وسداد رأيه، فما كان من عمر إلا أن شجَّعه على ذلك، وزاده ثقةً بنفسه وجراءةً ليكون هذا الحادث موقفًا تربويًّا يتعلم فيه الغلام في حضرة خليفة المسلمين، فطلب منه الموعظة فقال: عظنا يا غلام وأوجز، فقال: "نعم يا أمير المؤمنين، إن أناسًا من الناس غرهم حلم الله عنهم، وطول أملهم وحسن ثناء الناس عليهم، فلا يغرنك حلم الله عنك، وطول أملك وحسن ثناء الناس عليك فتزل قدمك".. ثم نظرَ عمر في سنِّ الغلام فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة، فأنشأ يقول:

    تعلم فليس المـرء يولد عالمًا وليس أخو علم كمن بات جاهل

    وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفـت عليـه المحافل



    8- امرأة مصرية مسكينة تشتكي لعمر:

    كان عمر يتابع أمور المسلمين ويفتح الأبواب على مصرعيها لسماع أخبارهم: فقد كان بريد عمر بن عبد العزيز لا يعطيه أحدًا من الناس إذا خرج كتابًا إلا حمله، فخرج بريد من مصر فدفعت إليه فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح كتابًا تذكر فيه أنَّ لها حائطًا قصيرًا، وأنه يُقتحم عليها فيُسرق دجاجها، فكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح، بلغني كتابك وما ذكرتي من قصر حائطك وأنه يُدخل عليك فيُسرق دجاجك، فقد كتبت كتابًا إلى أيوب بن شرحبيل- وكان أيوب عامله على صلاة مصر وحربها- آمره بأن يبني لك ذلك يُحصنه لك مما تخافين إن شاء الله"، وكتب إلى أيوب بن شرحبيل: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ابن شرحبيل، أما بعد: فإن فرتونة مولاة ذي أصبح كتبت تذكر قصر حائطها، وأنه يُسرق منه دجاجها وتسأل تحصينه لها، فإذا جاءك كتابي هذا فاركب أنت بنفسك إليه حتى تُحصنه لها، فلمَّا جاء الكتاب إلى أيوب ركب ببدنه حتى أتى الجيزة يسأل عن فرتونة حتى وقع عليها، وإذا هي سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب به أمير المؤمنين وحصَّنه لها".



    9- اهتمامه بفداء الأسرى:

    كتب إلى الأسارى بالقسطنطينية: أما بعد: فإنكم تعدون أنفسكم أسارى، معاذ الله بل أنتم الحبساء في سبيل الله، واعلموا أنني لست أقسم شيئًا بين رعيتي إلا خصصت أهليكم بأوفر نصيب وأطيبه وأني قد بعثت إليكم خمسة دنانير ولولا إني خشيت إن زدتكم أن يحبسه طاغية الروم عنكم لزدتكم، وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يُفادي صغيركم وكبيركم، ذكركم وأنثاكم، حركم ومملوككم بما سُئل به، فأبشروا ثم أبشروا والسلام عليكم. وفي هذا الكتاب يتجلى سمو أخلاق عمر وعظم شعوره بالمسئولية كنموذجٍ راقٍ لحاكمٍ مسلم الذي يخاف الله فيراعيه، ويتقي الله في حقوق رعيته بمنتهى الإخلاص والأمانة حيث واسى أسرى المسلمين لدى الروم، حيث شبههم بالمرابطين الذين حبسوا أنفسهم في سبيل الله تعالى، فهم بهذا ينالون أجر المرابطين وإلى جانب هذه المواساة المعنوية فإنه قد واساهم بالمال الذي أمدهم به، وأزاح الهمَّ عنهم وبما أخبرهم به من كفالة أسرهم في حال غيبتهم، كما أنه وعدهم جميعًا بمفاداتهم لفك أسرهم، وهذه معاملة كريمة يستحقها هؤلاء الأسرى الذين خرجوا بأنفسهم لحماية الإسلام ونصره.



    10- قضاء ديون الغارمين:

    كتب إلى عماله: أن اقضوا عن الغارمين فكتب إليه: إن نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس، وله الأثاث في بيته، فكتب عمر: لا بد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي رأسه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، ومع ذلك فهو غارم، فاقضوا عنه ما عليه من الدين، ففي هذا الخبر يأمر أمير المؤمنين عمر بقضاء الديون عن الغارمين وإن كانوا يملكون المسكن والأثاث والخادم والفرس، وهو مظهر عظيم من مظاهر الرحمة والمواساة، والاهتمام بشئون الرعية، وهكذا يتصرف الأئمة العادلون بأموال الأمة، حيث يغنون بها فقيرها ويجبرون به كسيرها، ويفكون بها أسيرها، ويقضون به عن معسرها، ويسدون به خلة معوزها.



    11- خبر الأسير الأعمى عند الروم:

    أرسل عمر بن عبد العزيز إلى صاحب الروم رسولاً، فأتاه وخرج من عنده يدور، فمر بموضع فسمع فيه رجلاً يقرأ القرآن ويطحن، فأتاه فسلَّم عليه فلم يرد عليه السلام- مرتين أو ثلاث- ثم سلَّم عليه فقال له: وأنَّى بالسلام في هذا البلد، فاعلمه أنه رسول عمر إلى صاحب الروم، قال له: ما شأنك؟ فقال: وإني أسرت في موضع كذا وكذا، فأُتي بي إلى صاحب الروم، فعرض عليَّ النصرانية فأبيتُ، وقال لي: إن لم تفعل سملت عينيك، فاخترت ديني على بصري، فسمل عيني وصيرني إلى هذا الموضع، يُرسل إليَّ كل يومٍ بحنطةٍ أطحنها وبخبزةٍ آكلها، فسار الرسول إلى عمر بن عبد العزيز فأخبره، خبر الرجل، قال: فما فرغت من الخبر حتى رأيتُ دموع عمر قد بلَّت ما بين يديه ثم أمر، فكتب إلى صاحب الروم: أما بعد: فقد بلغني خبر فلان بن فلان فوصف
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أهم صفاته ومعالم تجديده

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 20:51

    ولاً: أهم صفاته: إن شخصية عمر بن عبد العزيز تعتبر شخصيةً قياديةً جذابةً، وقد اتصف- رضي الله عنه- بصفاتِ القائدِ الربَّاني، ومن أهمِّ هذه الصفات: إيمانُه الراسخ بالله وعظمته، وإيمانه بالمصيرِ والمآل، وخوفه من الله تعالى والعلم الغزير، والثقةِ بالله، والقدوةِ، والصدق، والكفاءةِ والشجاعة والمروءة والزهد، وحب التضحية، والتواضع، وقبول النصيحة، والحلم والصبر، وعلو الهمة، والحزم، والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على حل المشكلات، وقدرته على التخطيط والتوجيه والتنظيم والمراقبة، وغير ذلك من الصفات، وبسبب ما أودع الله فيه من الصفات الربانية استطاع أن يقوم بمشروعه الإصلاحي ويجدد كثيرًا من معالم الخلافة الراشدة التي اندثرت أمام زحف الملك العضوض، واستطاع أن يتغلب على العوائق في الطريق، وتُوِّجت جهودُه الفذة بنتائجَ كبيرةٍ على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، وأصبح منهج عمر بن عبد العزيز الإصلاحي التجديدي منارًا للعاملين على مجد الإسلام، وقد ترسم "نور الدين زنكي" خطوات عمر بن عبد العزيز في عهده، فحقق نجاحًا كبيرًا للأمة في صراعها مع الصليبيين، وكان الفضل لله ثم الشيخ أبي حفص عمر محمد الخضر المتوفى عام 570هـ والذي كان أحد شيوخ نور الدين زنكي، حيث كتب لـ"نور الدين" كتابه الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز لكي يسير عليها نور الدين زنكي في خطواته وجهاده، وإن من أهم الصفات التي تجسدت في شخصية عمر بن عبد العزيز هي:

    1- شدة خوفه من الله تعالى:
    كانت ميزته الكبرى والسمة التي اتسم بها ودافعه إلى كل ذلك هو إيمانه القوي بالآخرة وخشية الله والشوق إلى الجنة، وليس لغير هذا الإيمان القوي، الذي امتاز به عمر بن عبد العزيز أن يحفظ إنسانًا في مثل شباب عمر بن عبد العزيز، وقوته وحريته وسلطانه- من إغراءات مادية قاهرة- ومن تسويلات الشيطان، والنفس المغرية، وتفرض عليه المحاسبة الدقيقة للنفس، والاستقامة على طريق الحق (275)، فقد كان مشتاقًا إلى الجنة مؤثرًا الآخرة على الدنيا، مؤمنًا بقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (غافر، الآية: 39) فأدرك عمر بفطرته السليمة وعقيدته الصحيحة، أن آخرة المسلم أولى باهتمامه من دنياه، يقول عمر في كتاب له إلى يزيد بن المهلب: ".. لو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج، واعتقال أموال، كان في الذي أعطاني من ذلك، ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، ولكنِّي أخاف- فيما ابتليت به- حسابًا شديدًا، ومسألة عظيمة، إلا ما عافى الله ورحم" (276)، كما كان عمر شديد الخوف من الله تعالى، تقول زوجته فاطمة بنت عبد الملك: "والله ما كان بأكثر الناس صلاة، ولا أكثرهم صيامًا، ولكن والله ما رأيت أحدًا أخوف لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه، فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف حتى نقول: ليصبحَنَّ الناس ولا خليفة لهم" (277)، وقال مكحول: "لو حلفت لصدقت، ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر بن عبد العزيز" (278)، ولشدة خوفه من الله، كان غزير الدمع وسريعه، فقد: دخل عليه رجل وبين يديه كانون فيه نار، فقال: عظني، قال: يا أمير المؤمنين ما ينفعك من دخل الجنة، إذا دخلت أنت النار، وما يضرّك من دخل النار، إذا دخلت أنت الجنة"، قال: "فبكى عمر حتى طفئ الكانون الذي بين يديه من دموعه"(279)، وقد كان جلّ خوفه- رحمه الله- من يوم القيامة، فيدعو الله، ويقول: "اللهم إن كنت تعلم إني أخاف شيئًا دون القيامة، فلا تؤمن خوفي" (280)، ذلك اليوم الذي أحدث تغيرًا جذريًّا في مجرى حياته ذلك اليوم الذي يقول عنه عمر: ".. لقد عنيتم بأمرٍ، لو عنيت به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، ولو عنيت به الأرض لتشققت، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وأنكم صائرون إلى إحداهما" (281)، نعم إن الخوف من الله، والرؤية الواضحة للحياة، والفناء والخلود، والإحساس بيوم الحساب، والانفعال بمشاهد الجنة والنار، هي التي تضع المسئولين، وتجعلهم يرتعدون خوفًا إن هم انحرفوا قيد شعرة عما يريد الله (282)، فالوعي والإحساس بيوم الحساب، وغيرها من الصفات الاعتقادية، تجعل القائد لا يخطو خطوة، ولا يقول قولاً، ولا يفعل فعلاً، إلا ربط ذلك بما يرضي الله عز وجل، وتلك الصفات والجوانب، لم تعط حقها من البحث والتحري في الدراسات القيادية الحديثة وهي أساس النجاح في القيادة، وأهم الصفات القيادية التي ينبغي للقائد أن يتحلى بها، وإن من أهم صفات عمر بن عبد العزيز، الإيمان الراسخ بالله واليوم الآخر، وشدة خوفه من الله والوجل من يوم القيامة (283).



    2- زهده:
    فهم عمر بن عبد العزيز من خلال معايشته للقرآن الكريم ودراسته لهدي النبي الأمين- صلى الله عليه وسلم- ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرّر من سيطرة الدنيا بزخارفها، وزينتها، وبريقها وخضع وانقاد وأسلم لربه ظاهرًا وباطنًا، وكان وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق:

    أ- اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" (284).

    ب- وأن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله- تبارك وتعالى- إذ يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (285).

    ج- وأن عمرها قد قارب على الانتهاء، إذ يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "بعثت أنا والساعة كهاتين بالسبابة والوسطي"بعثت أنا والساعة كهاتين". ويقرن بين أصبعيها لسبابة والوسطى (286).

    د- وأن الآخرة هي الباقية وهي دار القرار، فلهذه الأمور وغيرها زهد عمر بن عبد العزيز في الدنيا، وأول الزهدِ الزهدُ في الحرام، ثم الزهد في المباح، وأعلى مراتب الزهد أن تزهد في الفضول وكل ما لك عنه غنى (287)، وكان زهد عمر بن عبد العزيز مبنيًّا على الكتاب والسنة، ولذلك ترك كلَّ أمرٍ لا ينفعُه في آخرتِه فلم يفرح بموجود وهي الخلافة، ولم يحزن على مفقود من أمور الدنيا، وقد ترك ما هو قادرٌ على تحصيله من متاع الدنيا انشغالاً بما هو خير في الآخرة ورغبة في ما عند الله عز وجل (288)، قال مالك بن دينار: "الناس يقولون: مالك بن دينار زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها" (289)، قال ابن عبد الحكم: "ولما ولي عمر بن عبد العزيز زهد في الدنيا، ورفض ما كان فيه وترك ألوان الطعام، فكان إذا صُنِع له طعامٌ هيىء على شيء وغطي، حتى إذا دخل اجتذبه فأكل" (290)، فكان لا يهمه من الأكل إلا ما يسد جوعَه ويقيم صلبَه، وكانت نفقته وعياله في اليوم كما في الأثر، فعن سالم بن زياد: "كان عمر ينفق على أهله في غدائه وعشائه كل يوم درهمين" (291)، وكان لا يلبس من الثياب إلا الخشن، وترك مظاهر البذخ والإسراف التي سادت قبله وأمر ببيعها وأدخل أثمانها في بيت مال المسلمين (292)، وهكذا فعل بالجواري والعبيد، حيث ردَّ الجواري إلى أصحابهن إن كنَّ من اللاتي أخذن بغير حق ووزع العبيدَ على العميان وذوي العاهاتِ وحارب كلَّ مظاهرِ الترف والبذخ، والإسراف (293)، وأما ما قيل عن زهده بالنسبة للنكاح، فقد روى ابن عبد الحكم فقال: "وقالت فاطمة زوجته ما اغتسل من جنابة منذ ولي حتى لقي الله غير ثلاث مرات"، ويقال: "ما اغتسل من جنابة حتى مات" (294)، فهذا ينافي ما اشتهر به عمر بن عبد العزيز من حبه الشديد لهدي الرسول- صلى الله عليه وسلم-، فيستبعد منه- رحمه الله- أن يترك السنة، وأن يقع في ظلم زوجاته وحقوقهن، فإن ترك الزواج وتحريم ذلك لا علاقة له بالزهد الإسلامي الذي بينه رسولنا- صلى الله عليه وسلم- وهو دخيلٌ على المجتمع المسلم، وهو ما تفتخر به بعض الفرق المنحرفة عن الإسلام وتدَّعي أنه من الزهد الإسلامي، ولهم في ذلك حكاياتٌ لا يشك من تأملها أنها لا تمت إلى الإسلام بصلة، ولهم في ذلك وصايا عجيبة وتوجيهات غريبة، فمن أقوالهم:
    - من ترك النساء والطعام فلا بد له من ظهور كرامة.
    - من تزوج فقد أدخل الدنيا بيته، فاحذروا من التزويج.
    - لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة وأولاده كأنهم أيتام، ويأوي إلى منازل الكلام.
    - من تعود أفخاذ النساء لا يفلح.
    - من تزوج فقد ركن إلى الدنيا (295).
    إلى غير ذلك من العجائب والغرائب، وهذا المفهوم يخالف الإسلام دين التوسط والاعتدال، فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" (296) وجملة القول أن زهد عمر بن عبد العزيز كان مقيدًا بالكتاب والسنة وأن كثيرًا مما نُسِب إليه في هذا الباب لا يصح لمخالفته هدى النبي- صلى الله عليه وسلم-، ومن زهد عمر بن عبد العزيز في جمع المال، فقد كان على النقيض ممن يلي منصبًا في وقتنا الحاضر، فقد كانت غلته حين استخلف أربعين ألف دينار، ثم أصبحت حين توفي أربعمائة دينار، ولو بقي لنقصت (297)، حيث لم يرتزق- رحمه الله- من بيت المسلمين شيئًا (298)، فقد كان- رحمه الله- من زهاد زمانه إن لم يك أزهدهم، فكان يقول: "إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، تسر قليلاً وتحزن طويلاً" (299). وأخباره في الزهد كثيرة، ذكر منها الشيخ أبو حفص عمر بن محمد الخضر المعروف بـ"الملاء" حوالي ثمانيةً وعشرين أثرًا (300)، لقد وصل عمر بن عبد العزيز إلى مرحلةٍ متقدمةٍ في الزهد والتحلي بصفات الزاهدين، وذلك ما لا يستطيع الوصول إليه أصحاب العيش في الظروف المادية في وقتنا الحاضر، الذي طغت فيه المادة على كل شيء في الحياة، وأصبح الناس يقيسون بعضهم البعض بما يملك من الدنيا وحطامها، حسبنا من قادة وزعماء هذا العصر المادي إن لم يتصفوا بصفة الزهد، على أقل تقدير، أن يكفوا أنفسهم عن الطمع، والجشع، وأن يسعوا إلى الكسب الحلال وأن يعملوا على قهر رغباتهم الدنيوية، لينالوا ما تاقت إليه نفس عمر بن عبد العزيز إلى ما هو أسمى من الدنيا.. إلى جنات النعيم (301)، ونختم حديثنا عن الزهد عند عمر بن عبد العزيز بهذا الأثر فقد قال لمولاه مزاحم: "إني قد اشتهيت الحج، فهل عندك شيء؟ قال: بضعة عشر دينارًا، قال: وما تقع مني؟ ثم مكث قليلاً، ثم قال له: يا أمير المؤمنين تجهَّز، فقد جاءنا مالٌ.. سبعةَ عشرَ ألف دينار من بعض مال بني مروان، قال: اجعلها في بيت المال، فإن تكن حلالاً فقد أخذنا منها ما يكفينا، وإن تكن حرامًا فكفانا ما أصابنا منها" قال مزاحم: فلما رأى عمر ثقل ذلك عليَّ قال: "ويحك يا مزاحم لا يكثرن عليك شيء صنعته لله، فإن لي نفسًا توّاقة لم تَتُق إلى منزلة، فنالتها إلا تاقت إلى ما هي أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة (302).



    3- تواضعه:
    قال تعالى:﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان:آية: 63) قال ابن القيم: أي يمشون بسكينة ووقار متواضعين (303) وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إليّ: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد" (304) وهذه الصفة الحميدة كانت إحدى الصفات الأساسية التي تميَّز بها عمر بن عبد العزيز، فقد أدَّى زهد عمر إلى تواضعِه، لأن شرط الزهد الحقيقي هو التواضع لله (305)، وقد كان تواضع عمر في جميع أمور حياته ومعاملاته، فذلك ما يتطلبه الأمر من قائد خاف الله، ورجاء ما عنده، وأراد الطاعة والولاء من رعيته (306) ومما يذكر من تواضع عمر جوابه لرجل ناداه: يا خليفة الله في الأرض، فقال له عمر: مه: إني لما ولدت اختار لي أهلي اسمًا فسموني عمر، فلو ناديتني: يا عمر، أجبتك، فلما اخترت لنفسي الكُنى فكنيت بأبي حفص، فلو ناديتني يا أبا حفص أجبتك، فلما وليتموني أموركم سميتموني: أمير المؤمنين، فلو ناديتني يا أمير المؤمنين أجبتك، وأما خليفة الله في الأرض، فلست كذلك، ولكن خلفاء الله في الأرض داوود والنبي صلى الله عليه وسلم وشبهه (307)، مشيرًا إلى قوله تعالى:﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ (ص: 36) ومن تواضعه أن نهى الناس عن القيام له، فقال: يا معشر الناس: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، فإنما يقوم الناس لرب العالمين، وكان يقول للحرس: لا تبتدئوني بالسلام، إنما السلام علينا لكم (308) وكان متواضعًا حتى في إصلاح سراجه بنفسه، فقد: كان عنده قوم ذات ليلة في بعض ما يحتاج إليه، فغشى سراجه، فقام إليه فأصلحه فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نكفيك؟ قال: وما ضرني؟ قمت وأنا عمر بن عبد العزيز (309) ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز، ومن تواضعه أيضًا قال يومًا لجارية له: يا جارية، روِّحيني قال: فأخذت المروحة فأقبلت تروحه، فغلبتها عينها فنامت، فانتبه عمر، فإذا هو بالجارية قد احمرَّ وجهها، وقد عرقت عرقًا شديدًا- وهي نائمة- فأخذ المروحة، وأقبل يروحها، قال: فانتبهت، فوضعت يدها على رأسها فصاحت، فقال لها عمر: إنما أنت بشر مثلي أصابكِ من الحرِّ ما أصابني، فأحببت أن أروحك مثل الذي روحتني (310)، وكان يمتنع عن كثرة الكلام- وهو العالم الفصيح المفوَّه- خشيةً على نفسه من المباهاة بما عنده، أو يظن الناس به ذلك، فكان يقول: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة (311) ودخل عليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين، إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زينًا، وأنت زين الخلافة، وإنما مثلك كما قال الشاعر:

    وإذا الدرُّ زان حسن وجوه كان للدرِّ حسن وجهك زينا

    فأعرض عنه (312) وقال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، فقال: لا بل جزى الله الإسلام عني خيرًا (313)، ودخل عليه رجل، وهو في ملء من الناس فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عُمَّ سلامك (314).

    وهكذا أمير المؤمنين عمر، يخفض الجناح للمؤمنين، ولا يتكبر على أحد من عباد الله، ولم تزده الخلافة إلا تواضعًا ورأفةً ورحمةً، ولم يحمله المنصب إلا على الإخبات والخضوع لسلطان الحق، يصلح سراجه بنفسه، ويجلس بين يدي الناس على الأرض، ويأبى أن يسير الحراس والشُّرط بين يديه، ويعنِّف من يعظمه أو يخصه بسلام من بين الجالسين، ويتأبى أن يتميز على الناس بمركب، أو مأكل، أو ملبس، أو مشرب (315).



    4- ورعه:
    من صفات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الورع، والورع هو الإمساك عما قد يضر، فتدخل المحرمات والشبهات لأنها قد تضر، فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه (316) والورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج منها، ثم استعير للكف عن الحلال المباح (317). وللدلالة على ما كان يتصف به عمر من الورع، وتحري السلامة من الشبهات، فقد روي أنه كان: يعجبه أن يتأدم بالعسل، فطلب من أهله يومًا عسلاً فلم يكن عنده، فأتوه بعد ذلك بالعسل، فأكل منه، فأعجبه، فقال لأهله: من أين لكم هذا؟ قالت امرأته بعثت مولاي بدينارين على بغل البريد، فاشتراه لي، فقال: أقسمت عليك لما أتيتني به، فأتته بُعكَّة (318)، فيها عسل، فباعها بثمن يزيد على الدينارين، ورد عليها مالها وألقى بقيته في بيت مال المسلمين وقال: انصبت دواب المسلمين في شهوة عمر (319). ومن ورعه أنه: كان له غلام يأتيه بقمقم (320)، من ماء مسخن، يتوضأ منه، فقال للغلام يومًا: أتذهب بهذا القمقم إلى مطبخ المسلمين، فتجعله عنده، حتى يسخن، ثم تأتي به؟ قال: نعم أصلحك الله، قال: أفسدته علينا، قال: أفسدته علينا، قال: فأمر مزاحمًا أن يغلي ذلك القمقم، ثم ينظر ما يدخل فيه من الحطب ثم يحسب تلك الأيام، التي كان يغليه فيها، فيجعله حطبًا في المطبخ (321). ومن أمثلة ورعه كان لا يقبل أي هدية من عماله أو من أهل الذمة خوفًا من أن يكون ذلك من باب الرشوة، فعن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحًا فقال: لو كانت لنا أو عندنا- شيء من التفاح، فإنه طيب الريح طيب الطعم، فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحًا، فلما جاء به الرسول، قال عمر: ما أطيب ريحه وأحسنه، ارفعه يا غلام، فأقرئ فلانًا السلام وقل له: إن هديتك قد وقعت منا بموقع بحيث تحب، فقلت يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة قال: ويحك؟ إن الهدية كانت للنبي هدية وهي لنا اليوم رشوة (322)، ومن ورعه أنه كان لا يرى لنفسه أن تشم رائحة مسك أتته من أموال المسلمين، فعندما وضعت بين يديه مسكة عظيمة فأخذ بأنفه، فقيل يا أمير المؤمنين إنما هو ريح قال: وهل ينتفع منها إلا بريحها (323)، وكان يحترز من استعمال أموال المسلمين العامة، فكان يسرج السراج من بيت مال المسلمين إذا كان في حاجة المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه الخاص به من ماله الخاص (324)، وقد ذكر المؤرخون كثيرًا من الأمثلة التي تدل على ورعه، فقد اعتبر أن البعد عن أموال المسلمين حتى في الأشياء اليسيرة القليلة هو من باب الابتعاد عن الشبهة، فكان بعيدًا عن الشبهات (325) احتياطًا لدينه، وذلك أن الأمور ثلاثة كما قال هو بنفسه:
    1 ـ أمر استبان رشده فاتبعه.
    2 ـ وأمر تبين خطؤه فاجتنبه.
    3ـ وأمر أشكل عليك فتوقف عنه (326).

    وكان رحمه الله ورعًا حتى في الكلام فعندما قيل له: ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طَهَّرَ الله يدي منها، فلا أحب أن أُخضب لساني بها (327)، وهكذا يتضح أن ورع عمر كان في شأنه كله، في مأكله وحاجته وشهوته، ومال المسلمين وفي كافة أمور حياته، ذلك الورع النابع مع الإيمان القوي، والشعور بالمسئولية واستحضاره الآخرة، فقد كانت صفة الورع من صفاته الجلية، فقد بلغ به مبلغًا جعله يشتري مكان قبره الذي سيوارى فيه، فلا يكون له من الدنيا شيء دون مقابل حتى موضع قبره (328).



    5- حلمه وصفحه وعفوه:
    ومن الصفات التي تجسدت في شخصية عمر بن عبد العزيز الحلم والصفح والعفو، فعن شيخ من الخناصريين قال: كان لعمر بن عبد العزيز ابن له من فاطمة، فخرج يلعب مع الغلمان فشجه غلام فاحتملوا ابن عمر والذي شجه فأدخلوهما على فاطمة، فسمع عمر الجلبة وهو في بيت آخر فخرج، وجاءت امرأة فقالت: هذا ابني وهو يتيم قال: أله عطاء؟ قالت: لا. قال: فاكتبوا في الذرية فقالت فاطمة: فعل الله به وصن إن لم يشجه مرة أخرى، فقال عمر: إنكم أفزعتموه (329). وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: غضب عمر بن عبد العزيز يومًا غضبًا شديدًا على رجل، فأمر به فأحضر وجرِّد وشُدَّ في الحبال وجيء بالسياط فقال: خلُّوا سبيله ثم قال: أما أني لولا أن أكون غضبانًا لسُؤْتُك. وتلا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 134)، وعن عبد الملك قال: قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته، وعرض له رجل بيده طومار (330)، فظن القوم أنه يريد أمير المؤمنين، فخاف أن يُحبس دونه فرماه بالطومار، فالتفت عمر فوقع في وجهه فشجه. قال: فنظرت إلى الدماء تسيل على وجهه وهو قائم في الشمس، فلم يبرح حتى قرأ الطومار وأمر له بحاجته وخلَّى سبيله (331) وروي أن رجلاً نال من عمر فلم يجبه. فقيل له: ما يمنعك منه؟ قال: التقيُّ مُلجم (332)، وعن حاتم بن قدامة أن رجلاً قام إلى عمر بن عبد العزيز وهو يخطب فقال له: أشهد أنك من الفاسقين. فقال له عمر: وما يدريك؟ وأنت شاهد زور فلا نجيز شهادتك (333)، وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة خرج ليلة في السحر إلى المسجد ومعه حرسي فمرا برجل نائم على الطريق فعثر به عمر. فقال له: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا فهمَّ الحرسي به. فقال له عمر: مه، فإنه سألني أمجنون أنت؟ فقلت: لا (334). وروي أن رجلاً قام إلى عمر بن عبد العزيز وهو على المنبر فنال منه وأغضبه، فقال له عمر يا هذا أردت أن يستفزني الشيطان مع عزة السلطان أن أفعل بك اليوم ما تفعل بي غدًا مثله. اذهب غفر الله لي ولك (335).
    وقيل: أتى ولد لعمر بن عبد العزيز وهو يبكي، فقال له: ما شأنك؟ فقال: ضربني فلان العبد. فجيء به. فقال له: ضربته؟ قال: نعم. فقال له: اذهب فلو أني معاقب أحدًا على الصدق لعاقبتك اذهب ولم يكلمه (336). والمواقف في حلمه وصفحه وعفوه كثيرة وهذا غيض من فيض.


    6- صبره:
    ومن صفاته- رحمه الله- الصبر والشكر، روي أنه لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز حضر عند قبره فقال: لا تعمقه فإن ما علا من الأرض أفضل مما سفل منها (337)، وروي أن حين مات عبد الملك ولده، وسهل بن عبد العزيز أخوه ومزاحم مولاه، قال رجل من أهل الشام: والله لقد ابتلى أمير المؤمنين ببلاء عظيم: مات ولده عبد الملك لا والله إن رأيت ولدًا كان أنفع لوالده منه، ثم أصيب أمير المؤمنين بأخ لا والله ما رأيت أخاً أنفع لأخ منه. قال: وسكت عن مزاحم. فقال عمر بن عبد العزيز: لم سكت عن مزاحم، فوالله ما هو أدنى الثلاثة عندي، رحمك الله يا مزاحم مرتين أو ثلاثًا والله لقد كنت كفيت كثير الدنيا، ونعم الوزير كنت في أمر الآخرة (338)، وعن حفص بن عمر قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل أبوه يثني عليه عند قبره فقال مسلمة: أرأيت لو بقي أكنت تولِّيه؟ قال: لا. قال: فأنت تثني عليه بهذا الثناء قال: إني أخاف أن يكون زيِّن لي من المحبة له ما يزين في عين الوالد من حبِّ ولده (339). وخطب عمر في خطبته فقال: ما من أحد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلا كان الذي أعطاه الله من الأجر فيها أفضل مما أخذ منه، وقال: الرضى قليل والصبر معتمد المؤمن. وقال: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يَعدَّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، والرضا قليل ومعول المؤمن على الصبر (340). وكان من أجل ما صبر عليه عمر في حياته: أمر الخلافة، فقد قال: والله ما قعدت مقعدي هذا إلا خوفًا أن يثبت عليه من ليس بأهل، ولو أني أطاع فيما أعمل لسلمتها إلى مستحقيها- يعني الخلافة- ولكنني أصبر حتى يأتي الله بأمر من عنده، أو يأتي بالفتح (341).



    7- الحزم:
    لقد اتسم عمر بن عبد العزيز بهذه الصفة، في وقت أكثر ما يكون فيه أمر الأمة والخلافة في حاجة إلى الحزم، وبخاصة فيما يتعلق بالولاة والأمراء والعمال وللدلالة على تحلّي عمر بصفة الحزم وضبط الأمور، وعدم التهاون فيما يراه ضروريًّا لخدمة الصالح العام، وما يصلح به أمر المسلمين، ولقد أخذ حزم عمر صورًا مختلفة ومجالات عدة، كحزمه مع أمراء وأشراف بني أمية ومع الذين يريدون شق عصا المسلمين والخروج على جادتهم وإثارة الفتن وسفك الدماء وغير ذلك من الأمور، فقد كان أول مؤشر على حزمه موقفه من بني مروان، إذ قال لهم: أدوا ما في أيديكم ولا تُلجئوني إلى ما أكره، فأحملكم على ما تكرهون، فلم يجبه أحد منهم. فقال: أجيبوني فقال رجل منهم: والله لا نخرج عن أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا، فنُفقِّر أبناءنا ونكفر آباءنا، حتى تتزايل رؤوسنا فقال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا عليَّ بمن أطلب هذا الحق له، لأضرعت خدودكم عاجلاً، ولكني أخاف الفتنة، ولئن أبقاني الله لأُردَّنَّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله (342)، وكان إذا وقع في أمر مضى فيه، وجاءه يومًا كتاب من بعض بني مروان فأغضبه فاشتاط (343) ثم قال: إن لله من بني مروان يومًا وقيل- وذبحًا- وأيم الله، لئن كان ذلك الذبح على يدي، فلما بلغهم ذلك، كفوا وكانوا يعلمون صرامته، وأنه إذا وقع في أمر مضي فيه (344)، وأما فيما يتعلق بمن يريد شق عصا المسلمين والخروج عليهم، فقد اتبعه معهم أسلوب الحوار والمناظرة- وهم الخوارج الذين ثاروا ضد بني أمية بقيادة شوذب الخارجي 100هـ ليقف على ما دفعهم إلى ذلك ويرى إن كان الحق معهم نظر في أمره، وإلا فليدخلوا فيما دخل فيه الناس، إلا أنه في الوقت نفسه قرن إجراءاته تلك بشيء من الحزم والصلابة، عندما يصل الأمر إلى مرحلة سفك دماء المسلمين أو الإفساد، إذ كتب إلى عامله على العراق يقول: ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دمًا، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فخل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلاً طيبًا حازمًا فوجهه إليهم، ووجه معه جندًا، وأوصه بما أمرتك به (345)، وهكذا كان عمر في حزمه، فقد أخذ الإجراءات والمواقف الحازمة والتي كانت على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية وكان لذلك الحزم مردود إيجابي كبير على سير الأمور وتنفيذ ما كان يسعى لتحقيقه من العدل والطمأنينة ومعالم الخلافة الراشدة (346).



    8- العدل:
    إن صفة العدل من أبرز صفات عمر بن عبد العزيز القيادية على الإطلاق وقد تحدث عن العدل في دولته وسياسته في رد المظالم فيما مضى، ولقد أجمع العلماء قاطبةً على أنه- أي عمر بن عبد العزيز- من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين (347)، ولعل عدل عمر من أهم أسبابه يرجع إلى إيمانه بأن العدل أحد نواميس الله في كونه ويقينه التام بأن العدل ثمرة من ثمرات الإيمان، وأنه من صفات المؤمنين المحبين لقواعد الحق وإلى إحساس عمر بوطأة الظلم للناس في خلافة من سبقه من الخلفاء والأمراء الأمويين بالإضافة إلى السبب الأهم وهو: ما أمر الله به من العدل والإحسان، وأنهما الأسس العامة لأحكام الشرائع السماوية، وما نماه الإسلام في نفس عمر، من حب للعدل وإحياء لقيمه (348)، وإليك هذه الصور من عدله والتي لم أذكرها فيما مضى، فتورد ما رواه الآجري من أن رجلاً ذميًّا من أهل حمص قدم على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين: أسألك كتاب الله عز وجل، قال: وما ذاك، قال العباس بن الوليد بن عبد الملك: اغتصبني أرضي- والعباس جالس- فقال له: يا عباس ما تقول؟ قال: أقطعنيها يا أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وكتب لي بها سجلاً، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله عز وجل. فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد الملك، فأردد عليه يا عباس ضيعته فردّها عليه (349).
    من مواقفه العادلة ما حدّث به الحكم بن عمر الرعيني، قال: شهدت مسلمة بن عبد الملك يخاصم أهل دير إسحاق عند عمر بن عبد العزيز بالناعورة (350)، فقال عمر لمسلمة: لا تجلس على الوسائد، وخصماؤك بين يدي، ولكن وكّل بخصومتك من شئت، وإلا فجاثي القوم بين يدي، فوكل مولى له بخصومته- يعني مسلمة- فقضى عليه بالناعورة (351)، وهذا قليل من كثير، مما أوردته كتب السير عن عدل عمر.



    9- تضرعه ودعاؤه واستجابة الله لدعائه:
    كان عمر بن عبد العزيز كثير التضرع والدعاء، فقد كان يقول: يا رب خلقتني ونهيتني ووعدتني بثواب ما أمرتني، ورهبتني عقاب ما نهيتني عنه وسلطت علي عدوًا أسكنته صدري وأجريته مجرى دمي، إن أهمّ بفاحشة شجعني وإن أهم بصالحة ثبطني، لا يغفل إن غفلت، ولا ينسى إن نسيت، ينصب لي في الشهوات، ويتعرض لي في الشبهات، وإلا تصرف عني كيده يستذلني، اللهم فأقهر سلطانه علي بسلطانك عليه حتى أحبسه بكثرة ذكري لك فأكون مع المعصومين بك، ولا حول ولا قوة إلا بالله (352)، وكان يقول: اللهم أصلح صلاح أمة محمد- صلى الله عليه وسلم-، اللهم أهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- (353)، وكان يدعو بهذا: اللهم ألبسني العافية حتى تهنّيني المعيشة، واختم لي بالمغفرة حتى لا تضرني الذنوب، واكفني كل هول دون الجنة حتى تبلغنيها برحمتك يا أرحم الراحمين (354)، وكان يقول: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك بأبغض الأشياء إليك وهو الشرك، فأغفر لي ما بينهما (355). وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أُبدّل نعمتك كفرًا، أو أن أكفرها بعد موتها، أو أن أنساها فلا أثني بها (356). وكان كثيرًا ما يدعو بها: اللهم رضني بقضاك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء آخرته، ولا تأخير شيء عجلته (357). وكان رحمه الله مستجاب الدعوة، فروى ابن الحكم أن ابن الريان كان سيَّافًا للوليد بن عبد الملك، فلما ولي عمر الخلافة قال: إني أذكر ابأوه وتيهه، ثم قال: اللهم إني قد وضعته لك فلا ترفعه، فما رئي شريف قد خمد ذكره مثله حتى لا يذكر (358)، وقد دعا عمر- رحمه الله- حين حج وأخبر قبل دخوله إلى مكة بقلة الماء فيها، فدعا عند ذلك، فأجاب الله دعاءه، فسقوا وهذا حين كان أمير على المدينة (359)، كما دعا على غيلان القدري حين ناظره فقال: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً وإلا فأصلبه، فصلب بعد في خلافة هشام بن عبد الملك (360).

    - - - - - - - - - - - - - - - -
    الهوامش:
    275. النموذج الإداري المستخلص صـ140 نقلاً عن رجال الفكر للندوي.
    276. تاريخ الطبري نقلاً عن النموذج الإداري صـ140.
    277. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ42.
    278. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص- 221.
    279. سيرة عمر بن عبد العزيز صـ90.
    280. تاريخ الخلفاء صـ224.
    281. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ232.
    282. ملامح الانقلاب صـ45 عماد الدين خليل.
    283. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ142.
    284. الترمذي، ك الزهد رقم 2333 وهو حديث صحيح.
    285. الترمذي، ك الزهد رقم 2320.
    286. مسلم، ك الفتن وأشراط الساعة رقم 132- 135.
    287. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ148.
    288. الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (1/146).
    289. حلية الأولياء (5/257).
    290. سيرة عمر لابن عبد الحكم صـ43.
    291. المصدر نفسه صـ38.
    292. الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (1/155)
    293. المصدر نفسه (1/155).
    294. سيرة عمر لابن عبد الحكم صـ50.
    295. الطبقات للشعراني (1/34).
    296. فتح الباري على صحيح البخاري (9/104).
    297. حلية الأولياء (5/257).
    298. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ186
    299. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ151.
    300. الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (1/366 إلى 378).
    301. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ151.
    302. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ62.
    303. مدارج السالكين (2/340).
    304. مسلم رقم 2865.
    305. عمر بن عبد العزيز للزحيلي صـ105.
    306. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ152.
    307. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ46.
    308. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ34- 35.
    309. المصدر نفسه صـ39.
    310. أخبار أبي حفص للآجري صـ86.
    311. المصدر السابق صـ84.
    312. سير أعلام النبلاء (5/36) الحلية (5/329).
    313. سير أعلام النبلاء (5/147) الحلية (5/331).
    314. الطبقات (5/384).
    315. عمر بن عبد العزيز، لعبد الستار الشيخ صـ123.
    316. الفتاوى (10/615).
    317. لسان العرب (8/288). 318. العكة: وعاء من جلد ما عز يدبغ ويخصص للسمن والعسل.
    319. أخبار أبي حفص للآجري صـ54.
    320. القمقم: هو ما يسخن فيه الماء من نحاس وغيره.
    321. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ40.
    322. سيرة عمر لابن الجوزي صـ197.
    323. سيرة عمر لابن الجوزي صـ200، كتاب الورع لابن أبي الدنيا صـ74 وقال محقق
    الكتاب إسناد الأثر.
    324. الآثار الواردة في عمر بن عبد العزيز في العقيدة (1/164).
    325. المصدر نفسه (1/165).
    326. العقد الفريد (4/397) الآثار الواردة (1/165).
    327. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ195.
    328. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ156.
    329. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ207 الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (2/423).
    330. الطومار: صحيفة مطوية.
    331. حلية الأولياء (5/311).
    332. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ208.
    333. الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (2/424).
    334. المصدر نفسه (2/425).
    335. المصدر نفسه (2/425).
    336. المصدر نفسه (2/425).
    337. المصدر نفسه (2/427).
    338. الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (2/427).
    339. المصدر نفسه (2/428 ).
    340. المصدر نفسه (2/428 ).
    341. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ144.
    342. العقد الفريد (5/173).
    343. استشاط الرجل: أي احتدَّ واحتدم كأنه التهب في غضبه.
    344. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ158.
    345. تاريخ الطبري (7/459).
    346. النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ163.
    347. البداية والنهاية نقلاً عن النموذج الإداري صـ163.
    348. النموذج الإداري صـ163، 164.
    349. أخبار أبي حفص صـ58.
    350. الناعورة: موضع بين حلب وبالس يبعد عن حلب ثمانية أميال.
    351. سيرة عمر بن عبد العزيز صـ91 لابن الجوزي.
    352. الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (1/341).
    353. المصدر نفسه (1/342).
    354. المصدر نفسه (1/343).
    55. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ230.
    356. الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (1/343).
    357. المصدر نفسه (1/344).
    358. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ30.
    359. البداية والنهاية نقلاً عن الآثار الواردة (1/183).
    360. الشريعة للآجري (1/438).
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    من معالم عمر بن عبد العزيز في التغيير الاجتماعي

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 20:59

    ومن خلال حياة عمر بن عبد العزيز الاجتماعية يمكننا معرفة معالم منهجه في التغيير الاجتماعي والتي من أهمها:

    1- القدوة:
    حيث ضرب من نفسه مثالاً رائعًا في الزهد والورع ومحاسبة النفس والأهل والعشيرة وإقامة الشرع على نفسه ومن حوله.

    2- التدرج والمرحلية:
    حيث أخذ بسنة التدرج في الإصلاح الاجتماعي، وإماتة البدع وإحياء السنن، كما مرَّ معنا.

    3- فهم النفوس البشرية:
    ولهذا كان يتبع مع الناس أسلوبَ الحكمة والموعظة الحسنة، ويرغِّب ويرهب، ويعطي شيئًا من الدنيا لتهدئة النفوس ثم أخذها للحق وإقامة العدل وإزالة الظلم.

    4- ترتيب الأولويات:
    فقد قدَّم ردَّ المظالم على غيرها من الأعمال، ولهذا انتهج سياسةً واضحةً في ردِّ المظالم، بدأ بنفسه، ثم أهله وعشيرته، وعزل الولاةَ الظلمةَ وعيَّن الأخيارَ من أهل الكفاءةِ والأمانةِ والعلم، لإقامةِ العدل وتطبيق الشرع.. إلخ.

    5- وضوح الرؤية في خطواته الإصلاحية:
    حيث جدَّد مفهوم الشورى وبيعة الحاكم وحق الأمة في الاختيار، عمل على توكيل الأمناء على الولايات، نشره للعدل في كافة الدولة، إحياؤه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرصه على سلامة معتقد الأمة الصحيح ومحاربته للمعتقدات الفاسدة، اهتمامه بالعلماء وتوظيفه لخدمة الإسلام من خلال الدعوة والعلم والتعليم والتزكية،.. إلخ من الأعمال في مجالِ الاقتصاد والسياسة والاجتماع، حيث كان يملك رؤيةً إصلاحيةً تجديديةً شاملةً، كما سوف يتضح من خلال هذا الكتاب.

    6- التقيُّد بالقرآن الكريم والسنة النبوية وهدي الخلفاء الراشدين في رؤيته الإصلاحية:

    وبذلك يمكننا القول بأن وضوح الرؤية انبثق من خلال ثوابت راسخة متمثلة في المرجعية الشرعية للرؤية الإصلاحية الشاملة التي قام بها عمر بن عبد العزيز، والتي من جوانبها الحياة الاجتماعية.

    ثانيًا: عمر بن عبد العزيز والعلماء:
    كانت أيام سليمان بن عبد الملك بدايةً لمشاركةِ العلماءِ في مسئوليات الدولة وقربهم من مصدر القرار السياسي وتأثيرهم فيه، فلما جاء عهد عمر بن عبد العزيز أصبحت مشاركة العلماء في إدارة شئون الدولة قويةً فعَّالة، وشاملة متنوعة، فعلى رأس الدولة عمر وهو يعد من أبرز العلماء وكبار الفقهاء وساس الدولة، كعالم وليس كملك، وتوسَّعت دائرة مشاركة العلماء في عهده، فبدأت في مركز اتخاذ القرار في العاصمة، حيث أحاط عمر نفسه بجملةٍ من العلماء للإشارةِ عليه ومعاونته وأبعد من سواهم، فأصبحوا فرسان الحلبة وحدهم، فأسهموا في صياغة سياسة الدولة صياغةً شرعيةً خالصةً، وامتدت مشاركتهم في المسئولية إلى بقية مرافق الدولة، فأسندت إليهم مختلف المناصب والأعمال، ولا يعدو القول الحقيقة إذا قلنا إن الدولة في عهد عمر بن عبد العزيز كانت دولةَ العلماء، فهي نموذجٌ لما ينبغي أن تكون عليه الدولة الإسلامية؛ اتَّحدت فيها السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية على أحسن حال، وقد اتَّسعت مشاركة العلماء في عهدِ عمر بن عبد العزيز بشكلٍ لم يسبق له مثيلٌ في الدولة الأموية، ويرجع السبب في ذلك إلى أمور، أهمها حرص عمر على تقريب العلماء وجعلهم بطانته ووزراءه وأعوانه، ويتعلق السبب الآخر بالعلماء، حيث لم يَرَ أحد من العلماء لنفسه أيَّ مبرر في البعد عن عمر والمشاركة في أعماله، فمن كان منهم اعتزال الخلفاء والأمراء من منطلق أن على العلماء أن يصونوا العلم ولا يذهبوا للسلاطين ابتداء بل على السلاطين أن يقدروا العلم والعلماء ويسعوا إليهم، من كان يرى ذلك فقد تحقق له شرطه، حيث كان عمر يقصد العلماء ويبعث إليهم، ومن كان يرى اعتزال الخلفاء والأمراء خوفًا على دينه من مخالطتهم لم يعد لهذا المحذور وجودٌ؛ حيث إن مجالس عمر ومخالطته تعين المرء على دينه، لهذا أقبل العلماء على عمر ورأوا أن من الواجب عليهم تحمل عبْء المسئولية الملقاة على عاتقه، ولم يعد لمعتذر عذر، بل أقبلوا عليه، وقالوا كما ذكر ابن عساكر: ما يسعنا أن نفارقَ هذا الرجلَ حتى يخالفَ فعله قوله، فهذا ميمون بن مهران الذي يقول: لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة والذي يقول: لا تعرف الأمير ولا تعرف من يعرفه، ومع هذا لا يجد لنفسه بدًّا من العمل عند عمر بن عبد العزيز ومشاركته، وتتجلى مشاركة العلماء في عهد عمر في عدة مظاهر أهمها:

    1- قربهم من الخليفة وشد أزره للسير في منهجه الإصلاحي:
    أسهم العلماء في مساعدة عمر بن عبد العزيز في السير في منهجه الإصلاحي، حيث أيدوه فيما اتخذه من قرارات إصلاحية، كما كان لبعضهم أثرٌ في اتخاذ عمر لبعض تلك القرارات.
    من ذلك ما أثر على العالم العامل عراك بن مالك، فقد ذكر ابن عمه أنه كان من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، وقد تعرَّض بسبب هذا الموقف لغضب بني أمية فيما بعد، فنفاه يزيد بن عبد الملك بعد توليه الخلافة إلى دهلك، وكان عراك بن مالك الغفاري شيخًا كبيرًا ومحدثًا تابعيًّا ثقةً من خيار التابعين، وكان زاهدًا عابدًا، وقد انتفع به أهل تلك الجزيرة التي نُفِي إليها، وكان هذا التابعي الجليل يسرد الصوم، قال فيه عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدًا أكثر صلاةً من عراك بن مالك، وقد مات في منفاه رحمه الله في إمرةِ يزيد بن عبد الملك عام 104هـ ، وكان ميمون بن مهران من المقربين من عمر بن عبد العزيز، فقد روى ابنُه عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: ما زلت ألطف في أمر الأمة وأنا وعمر بن عبد العزيز حتى قلت له: ما شأن هذه الطوامير التي تكتب فيها بالقلم الجليل وهي من بيت المال، فكتب إلى الآفاق لتركه فكانت كتبه نحو شبر، وميمون بن مهران قال عنه الذهبي الإمام الحجة عالم الجزيرة ومفتيها، وقال عنه عمر بن عبد العزيز: إذا ذهب هذا وضرباؤه، صار الناس بعده رجراجة، وكان يكبر عمر بن عبد العزيز بعشرين سنة، وكان ميمون بن مهران من علماء السلف ومن له مواقف وأقوال في نصرة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن أقواله: لا تجالسوا أهل القدر، ولا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تَعَلَّموا النجوم، وكتب ذات يوم إلى عمر بن عبد العزيز: إني شيخ كبير رقيق، كلَّفتني أن أقضي بين الناس، وكان على الخراج والقضاء بالجزيرة، فكتب إليه: إني لم أُكَلِّفك ما يُعنِّيك اجْب الطَّيَِبَ من الخراج، واقضِ بما استبان لك، فإذا لُبس عليك شيء، ارفعه إليَّ، فإن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمرٌ تركوه لم يقم دين ولا دنيا، ومن أقوال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلمَ من أين ملبسه ومطعمه ومشربه، وقال: ثلاثة تُؤدَّى إلى البرِّ والفاجر: الأمانة، والعهد وصلة الرحم، قال رجل لميمون بن مهران: يا أبا أيوب، ما يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم، قال: أقبل على شأنك: ما يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم، وقال: من أساء سرًّا، فليتب سرًّا، ومن أساء علانية، فليتب علانية، فإن الناس يعيرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعيّر، وعن جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: يا جعفر قل في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقولَ له في وجهه ما يكره، وعن أبي المليح قال: قال ميمون: إذا أتى رجل باب سلطان، فاحتجب عنه، فليأت بيوت الرحمن، فليصلِّ ركعتين، وليسأل حاجته، وعن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهنَّ: لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تصغين بسمعك إلى هوى، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه، ولا تدخل على امرأة ولو قلت: أعلمها كتاب الله، وقال: ما نال رجل من جسيم الخير- نبي ولا غيره- إلا بالصبر، وتوفي ميمون رحمه سنة سبعَ عشرةَ ومائة، وقيل سنة ست عشرة.

    2 ـ تعهدهم عمر بالنصح والتذكير بالمسئولية:
    يعتبر عمر بن عبد العزيز أكثر خليفة وُجِّهت إليه النصائح والتوجيهات في عهد بني أمية، فقد شهد أكبر عدد من الرسائل بين الخليفة والعلماء، ولو استعرضنا أولئك العلماء الذين وجَّهوا النصحَ والتذكيرَ لعمرَ وما كتبوه من رسائلَ لطال بنا الحديث، ولكن نذكر منهم على سبيل المثال، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن كعب القرظي، وأبا حازم سلمة بن دينار، والقاسم بن مخيمرة وحسن البصري وغيرهم، وكانت نصائح العلماء تتضمن عددًا من التوجيهات التي لها صلةٌ بمنهج عمر السياسي، مما يؤكد أن عمر بن عبد العزيز استقى منهجَه من المنهل الذي نبعث منه هذه التوجيهات، فمِّما جاء في موعظة محمد بن كعب القرظي: يا أمير المؤمنين افتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم، وبمثل هذا المعنى جاءت موعظة القاسم بن مخيمرة حيث قال لعمر: بلغنا أن من وليَ على الناس فاحتجبَ عن فاقتهم وحاجتهم احتجب الله عن فاقته وحاجته يوم يلقاه. قال عمر: فما تقول: ثم أطرق طويلًا وبرز للناس، وجاء في إحدى رسائل الحسن البصري لعمر: أما بعد يا أمير المؤمنين فكن للمثل أخًا وللكبير ابنًا وللصغير أبًا، وعاقبْ كلَّ واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطًا واحدُا فتدخل النار، وقد كان عمر كما سلف يحرص على تطبيق مثل هذا التوجيه ويأمر عمَّاله بذلك، ومما جاء في رسالة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه المليئة بالتوجيهات: فإنه قد كان قبلك رجالٌ عملوا وأحيوا ما أحيوا وأتوا ما أتوا، حتى ولد في ذلك رجال ونشأوا فيه وظنوا أنها السنة فسدوا على الناس أبواب الرخاء، فلم يسدوا منها بابًا إلا فتح الله عليهم باب بلاء، فإن استطعت- ولا قوة إلا بالله- أن تفتح على الناس أبوابَ الرخاء فافعل، فإنك لن تفتحَ بابًا إلا سدَّ الله الكريم عنك باب بلاء يمنعك من نزع عامل أن تقول لا أحد يكفيني عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله وتستعمل لله أتاح الله لك أعوانًا فأتاك بهم، وجاء فيها أيضًا: فمن بعثت من عمالك إلى العراق فأنهه نهيًا شديدًا بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدماء إلا بحقها.. المال المال يا عمر والدم فإنه لا نجاةَ لك من هول جهنم من عامل بلغك ظلمه ثم لم تغيره، وهذه التوجيهات هي عين سياسة عمر في السعي لإغناء رعيته وانتقائه لعماله ومحاسبته لهم.

    3- مشاركتهم في تولي مختلف مناصب الدولة وأعمالها:
    لم تقتصر مشاركة العلماء لعمر بن عبد العزيز على الإشارة عليه وتقديم النصح له، بل تعدت ذلك إلى تولي عدد من المناصب في مختلف الأقاليم، وأهم هذه المناصب وأكثرها أثرًا في سياسة الدولة الإمارة على الأقاليم، وبيت المال، وحين نتتبع ولاة عمر على الأقاليم نجد أن جُلهم من العلماء فمن ذلك الإمام الثقة والأمير العادل عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب على ولاية الكوفة، والعالم القدير أبو بكر بن عمر بن حزم على المدينة، والإمام الكبير إسماعيل بن أبي المهاجر على إفريقية، والفقيه المحدث عدي بن عدي الكندي على الجزيرة الفراتية وأرمينية وأذربيجان، والإمام القاضي عبادة بن نسي على الأردن، والثقة الصالح عروة بن عطية السعدي على اليمن، والقاضي الفاضل سالم بن وابصة العبدي على الرقة، وأما بيت المال فقد تولَّى العمل فيه عدد من العلماء ومنهم: العالم الجليل ميمون بن مهران على خراج الجزيرة، والثقة الصالح صالح بن جبير الصدائي على الخراج لعمر بن عبد العزيز، والعالم وهب بن منبه على بيت مال اليمن وأبو زناد، وتولى عمر بن ميمون البريد لعمر بن عبد العزيز، ولا شك أنه كان لهذه المشاركة الواسعة من العلماء بتوليهم الإمارة، وبيوت الأموال في مختلف الأقاليم الأثر الكبير في ضبط شئون الدولة الإدارية والمالية وما ترتب على ذلك من آثار حسنة في الحياة السياسية في عهد عمر بن عبد العزيز.

    ثالثًا: المدارس العلمية في عهد عمر بن عبد العزيز والدولة الأموية:
    تحدثت في كتابي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المدارس العلمية واتخاذه من عاصمة الدولة مدرسةً يتخرج منها العلماء والدعاة والولاة والقضاة، فنشطت المدارس العلمية في مكَّة والمدينة والبصرة والكوفة والشام ومصر وغيرها، وأشرف الصحابة الكرام على تعليم وتربية الناس فيها، واستطاعت تلك المدارس أن تخرِّج كوادرَ علميةً وفقهيةً ودعويةً متميزةً ساندت المؤسسةَ العسكريةَ التي قامت بفتح العراق وإيران والشام ومصر وبلاد المغرب، واستطاع علماء الصحابة الذين تفرغوا لدعوة الناس وتربيتهم أن ينشئوا جيلًا من العارفين للدين الإسلامي من أبناء المناطق المفتوحة، وقد استطاعوا أن يتغلبوا على مشكلة إعاقة الحاجز اللغوي، بل تعلم الكثير من الأعاجم لغةَ الإسلام، وأصبح كثيرٌ من رواد حركة العلم بعد عصر الصحابة من العجم.

    لقد أثَّرت المدارس العلمية والفقهية في المناطق المفتوحة، وشكَّلت جيلًا من التابعين نقلوا إلى الأمة علمَ الصحابة وأصبحوا من ضمن سلسلة السند التي نقلت للأمة كتابَ الله وسنةَ رسوله صلى الله عليه وسلم، ويرجع الفضل- بعد الله- في نقل ما تلقاه الصحابة من علم من الرسول بالدرجة الأولى بعد الله إلى مؤسسي المدارس العلمية بمكةَ والمدينةِ والبصرة والكوفة وغيرها من الأقطار، وقد استمرت مدارس التابعين في النشاط العلمي في عهد الدولة الأموية، وكثير من العلماء الذين تخرجوا من تلك المدارس أعانوا عمر بن عبد العزيز على مشروعه الإصلاحي التجديدي الراشدي المنضبط بمنهاج النبوة، ومن أهم تلك المدارس:

    1- مدرسة الشام:
    تأسست في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأشهر مؤسسيها من الصحابة معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعباد بن الصامت رضي الله عنهم، وحمل التابعون الرايةَ العلميةَ والتربويةَ والدعويةَ بعد الصحابة ومن أشهرهم:

    أ- الإمام الفقيه أبو إدريس الخولاني، عائذ بن عبد الله:
    قاضي دمشق وعالمها، روى عن أبي الدرداء، وأبي هريرة وابن عباس وخلق غيرهم، كان أبو إدريس عالمَ الشام بعد أبي الدرداء، قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ووعيت عنهما، كان أبو إدريس ثقةً من أهل الفقه في الدين وعلم الحلال والحرام، وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن، فعن يزيد بن عبيدة أنه رأى أبا إدريس في زمن عبد الملك ابن مروان، وأن حلق المسجد بدمشق يقرءون القرآن، يدرسون جميعًا، وأبو إدريس جالس إلى بعض العمد، فكلما مرت حلقة بآية سجدة بعثوا إليه يقرأ بها، وأنصتوا له وسجد بهم جميعًا.. حتى إذا فرغوا من قراءتهم قام أبو إدريس يقص.

    وعن يزيد بن أبي مالك قال: كنا نجلس إلى أبي إدريس الخولاني فيحدثنا، فحدث يومًا عن بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوعب الغزاة، فقال له رجلٌ من ناحية المجلس: أحضرت هذه الغزوة؟ فقال: لا، وقال الرجل: قد حضرتها مع رسول الله، ولأنت أحفظ لها مني، وقد عزل عبد الملك بن مروان بلال بن أبي الدرداء عن القضاء، وولى أبا إدريس، ثم أن عبد الملك عزل أبا إدريس عن القصص، وأقره على القضاء، فقال أبو إدريس: عزلتموني عن رغبتي وتركتموني في رهبتي، توفي عام 80هـ.

    ب- القيه قبيصة بن ذؤيب الدمشقي:
    روى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء وعبد الرحمن بن عوف وخلقٍ غيرهم، كان قبيصة من علماء التابعين ثقةً مأمونًا كثيرَ الحديث، قال الشعبي: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، قال عنه مكحول: ما رأيت أحدًا أعلم من قبيصة، وعن ابن شهاب، قال: كان قبيصة بن ذؤيب من علماء هذه الأمة، توفي سنة 86هـ وقيل 87هـ، وقيل88هـ ، وقد توسعت في ترجمته عند حديثي عن عبد الملك.

    ج ـ رجاء بن حيوة الفلسطيني:
    من أجلة التابعين وشيخ أهل الشام، حدث عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وعباد بن الصامت وطائفة، كان شاميًّا ثقة فاضلاً كثير العلم، ويروى عن رجاء بن حيوة أنه قال: من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه بالإخلاص له دام سخطه ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوُّه، كان رجاء كبير المنزلة عند سليمان بن عبد الملك وعند عمر بن عبد العزيز، وأجرى الله على يديه الخيرات، ثم إنَّه بعد ذلك أُخِّر، فأقبل على شأنه، توفي سنة 112.

    د- مكحول الشامي الدمشقي:
    عالم أهل الشام عداده في أواسط التابعين من أقران الزهري سمع من واثلةَ بن الأسقع، وواثلة آخر من مات من الصحابة بدمشق، وتوفي عام 85هـ وله ثمان وتسعون سنة، قال عنه الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام، وكان مكحول أفقه أهل الشام، ولم يكن في زمنه أبصر بالفتيا منه، توفي 112هـ، وقيل 113هـ، وقيل غير ذلك.

    هـ- عمر بن عبد العزيز:
    من علماء المدرسة الشامية والمدينة، وذلك بعد انتقاله إلى الشام وقيامه بأعباء الخلافة، وكان معروفًا بالفقه، بصيرًا بالسنة، يرجع إليه القضاة في الأمور التي يختلفون فيها، وقد بدأ بالمدرسة الشامية لأنها ترعرعت في عاصمة الخلافة الأموية.

    و- بلال بن سعد السكوني:
    الإمام الرباني الواعظ أبو عمرو الدمشقي، شيخ أهل دمشق، كان لأبيه صحبة، كان بليغ الموعظة، حسن القصص، نافعًا للعامة، وكان لأهل الشام كالحسن البصري بالعراق، وكان قارئ أهل الشام، جهير الصوت، يقول الأوزاعي: لم أسمع واعظًا قط أبلغ من بلال بن سعد، ومن مواعظه العميقة: يا أهل التُقى إنكم لم تُخلقوا للفناء، وإنما تُنقلون من دار إلى دار، كما نُقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار، ومن أقواله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت، وقال الأوزاعي سمعته يقول: والله لكفى به ذنبًا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها، وقد توفي سنة نيف وعشرة ومائة.

    2- المدرسة المدنية:
    لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت المدينة عاصمةَ الدولة الإسلامية وموطن الخلافة، وفيها تفتق عقل الصحابة في استخراج أحكام إسلامية تصلح لما جدَّ من شئون في المجتمعات الإسلامية، بعد الفتوح التي كثرت، وفي عهد عمر بن الخطاب بلغ فقهاء الصحابة المفتون 130 مائة وثلاثين صحابيًّا، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وورث علماء التابعين الفقه والعلم والتربية والدعوة، وأما أشهر علماء التابعين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وقد تحدثت عن دور فقهاء وعلماء التابعين بالمدينة في نشأة عمر بن عبد العزيز.

    3- المدرسة المكية:
    احتلت هذه المدرسة المكانة في قلوب المؤمنين الساكنين والثائبين على بلد الله الحرام، الحجَّاج والعمَّار والزوَّار، بل أخذت مكة بألباب كل مؤمن رآها أو تمنى أن يراها، ولقد كان العلم بمكة يسير زمن الصحابة، ثم كثر في أواخر عصرهم، وكذلك في أيام التابعين، وزمن أصحابهم، كابن أبي نجيح، وابن جريج، إلا أن مكة اختصت زمن التابعين بحبر الأمة وترجمان القران ابن عباس رضي الله عنهما الذي صرف جل همه، وغاية وسعه إلى علم التفسير، وربى أصحابه على ذلك، فنبع منهم أئمةٌ كان لهم قصب السبق بين تلاميذ المدارس في التفسير، وقد ذكر العلماء مجموعة من الأسباب أدت إلى تفوق المدرسة المكية في هذا العلم، وأهم هذه الأسباب والأساس فيها إمامة ابن عباس رضي الله عنهما وأستاذيته لها، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة المكية.

    أ- مجاهد بن جبر المكي:
    خذ الفقهَ والتفسيرَ عن ابن عباس وغيره من الصحابة، كان فقيهًا عالمًا ثقةً من أوعية العلم، وعن مجاهد قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أَقِفُه عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت، وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد، وقال مجاهد: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني، وقدم مجاهد على سليمان بن عبد الملك ثم على عمر بن عبد العزيز، وشهد وفاته، وعن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز في مرض وفاته: يا مجاهد ما يقول الناس فيَّ؟ قلت: يقولون مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ثم دعا غلامًا له فقال: ويحك، ما حملك على أن سقيتني السُّم؟ قال: ألف دينار أُعطيتها وأن أُعتق، قال: هاتها، فجاء بها، فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد، وقال مجاهد: ما أدري أي النعمتين أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء.

    قال الذهبي معلقًا على قول مجاهد: مثل الرّفض والقدر والتجهّم، وعن عبد الوهاب بن مجاهد، قال: كنت عند أبي فجاء ولده يعقوب فقال: يا أبتاه، إن لنا أصحابًا يزعمون أن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحدٌ، فقال: يا بني ما هؤلاء بأصحابي، لا يجعل الله من هو منغمس في الخطايا كمن لا ذنب له، ومات مجاهد سنة اثنتين ومائة وهو ساجد، وكان عمره ثلاث وثمانين سنة.

    ب- عكرمة مولى ابن عباس:
    كان مكيًّا تابعيًّا ثقةً من أعلم التابعين، روى عن ابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب، قال: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس بالدار، وعن عكرمة أن ابن عباس رضي الله عنه قال له: انطلق فأفتِ الناس وأنا لك عون، قلت: لو كان الناس ومثلهم مرتين لأفتيتهم، قال ابن عباس: انطلق فأفتهم، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفتِه، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تُفته، فإنك تطرح عنك ثلثي مؤونة الناس، وكان عكرمة كثير الأسفار، ونزل على عبد الرحمن الحسّاس الغافقي، وصار إلى إفريقية، وقد اتهم عكرمة بالصفرية فرقة من فرق الخوارج، ولم تثبت هذه التهمة بسند صحيح، وإنما بصيغةِ "يقال"، وقد دافع علماء الجرح والتعديل عن عكرمة كأبي حاتم الرازي، وابن حبان، والعجلي، وابن منده، وابن عبد البر، ونقل ذلك ابن حجر في مقدمة الفتح، وقال: لا تثبت عنه بدعة، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا هو يحتج بعكرمة، توفي سنة 105هـ.

    ج- عطاء بن أبي رباح:

    مفتي الحرم وأحد الفقهاء الأئمة، روى عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأم سلمة، وعائشة، ورافع بن خديج، وزيد بن أرقم، وابن الزبير، وابن عمرو، وابن عمر، وجابر، ومعاوية، وأبي سعيد، وعدة من الصحابة، وكان ثقةً فقيهًا عالمًا كثير الحديث، انتهت إليه فتوى أهل مكة، قال عنه ابن عباس: يا أهل مكة تجتمعون علي وعنكم عطاء، ولسعة علمه وجلالة قدره كانوا في عهد بني أمية يأمرون في الحج مناديًا يصيح: لا يُفتي الناسَ إلا عطاءُ بنُ أبي رباح، توفي سنة 115 هـ.

    هؤلاء بعض علماء التابعين من المدرسة المكية الذين نهضوا بعبء الدعوة والتعليم وإتمام البناء العلمي.

    4- المدرسة البصرية:
    وهي منافسة للكوفة في كل الفنون، وقد نزلها من الصحابة جمعٌ كثير، منهم أبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك وغيرهم، ويعتبر أنس بن مالك رضي الله عنه شيخ السادة من علماء التابعين أمثال الحسن البصري، وسليمان التيمي، وثابت البناني، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإبراهيم بن أبي ميسرة، ومحمد بن سيرين، وقتادة وغيرهم، ومن أشهر علماء المدرسة البصرية:

    أ- محمد بن سيرين البصري:

    كان مولى أنس بن مالك، سمع من ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة وخلق سواهم، وعن حبيب بن الشهيد قال: كنت عند عمرو بن دينار، فقال: والله ما رأيت مثل طاووس، فقال أيوب السختياني، وكان جالسًا: والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله، وقال عثمان البتي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء من ابن سيرين، وكان الحسن البصري يقدمه على غيره، فعن ثابت البُناني، قال: كان الحسن متواريًا من الحجَّاج، فماتت بنت له، فبادرت إليه رجاء أن يقول لي صلِّ عليها، فبكى حتى ارتفع نحيبه، ثم قال لي: اذهب إلى محمد بن سيرين، فقل له ليُصل عليها، فعرف حين جاء الحقائق، أنه لا يعدل بابن سيرين أحدًا، وكان محمد بن سيرين يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان قد اشتهر بتفسير الأحلام، وهو أشهر من أن يعرف في هذا الباب، قال عنه الذهبي: قد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب، وكان له في ذلك تأييد إلهي، وكان يلبس الثياب الثمينة والطيالس والعمائم، وكان صاحب ضحك ومزاح، وكان بارًّا بأمه، قالت حفصة بنت سيرين: كانت والدة محمد حجازيةً، وكان يعجبها الصبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيدٌ، صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها، وعن ابن عون، أن محمدًا كان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضًا من خفض كلامه عندها، وقال ابن عون: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره هو بأحسن ما يعلم، وجاءه ناسٌ فقالوا: إنا نلنا منك فاجعلنا في حلٍّ، قال: لا أُحل لكم شيئًا حرَّمه الله، توفي ابن سيرين بعد الحسن البصري بمائة يوم، سنة عشر ومائة.

    ب- قتادة بن دعامة السدوسي:

    كان من أوعية العلم، روى عن بعض الصحابة وكبار التابعين، وكان ثقةً حجةً في الحديث، قال عنه أحمد بن حنبل: كان قتادة عالمًا بالتفسير وباختلاف العلماء، ثم وصفه بالفقه والحفظ، وقال: قلما تجد من يتقدمه، وقال: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئًا إلا حفظه قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، قال سلام بن مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، قال عنه الذهبي: حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين، كان رأسًا في العربية والغريب وأيام العرب وأنسابها، وكان من تلاميذ الحسن البصري، وجالسه اثنتي عشرة سنة وصلى معه الصبح ثلاث سنين، توفي سنة ثماني عشرة ومائة.

    5- المدرسة الكوفية:

    نزل الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين، وقد اهتم عمر بالكوفة، ووجه عبد الله بن مسعود، واجتهد ابن مسعود في إيجاد جيلٍ يحمل دعوةَ الله فهمًا وعلمًا، وكان له الأثر البالغ في نفوس الملازمين له، أو من جاء بعدهم، وقد اشتهر مجموعة من تلاميذ ابن مسعود بالفقه والعلم والزهد والتقوى، منهم علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، عبيدة السلماني، الأسود بن يزيد، ومرة الجعفي وغيرهم، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة الكوفية:

    أ- عامر بن شرحبيل الشعبي:

    كان علامة عصره ومن أفقههم، روى عن عائشة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر وجمهرة غيره حتى قيل أنه أدرك خمسمائة من الصحابة، لذلك كان صاحب آثار كثير العلم والفقه، قال محمد بن سيرين: لقد رأيته يُستفتى والصحابة متوافرون بالكوفة، ورغم هذا العلم الواسع فقد كان ينقبض عند الفتوى، وكثيرًا ما يقول لا أدري، لأنه كان يعتبرها نصف العلم، وقد قال الشعبي: إنا لسنا بالفقهاء، ولكنَّا سمعنا الحديث فرويناه، ولكنَّ الفقهاء من إذا علم عمل، ومن نكاته اللاذعة، ما رواه الأعمش قال: أتى رجل الشعبيَّ، فقال: ما اسم امرأة أبليس؟ قال: ذاك عرس ما شهدته، توفي سنة أربع ومائة، وقيل ست ومائة، وقيل خمس ومائة.

    ب- حمَّاد بن أبي سلمة:

    فقيه أهل العراق، روى عن أنس بن مالك، وتتلمذ على يدي إبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأبصرهم بالمناظرة، وكان أحد العلماء الأذكياء والكرام الأسخياء، له ثروةٌ وحشمةٌ وتجمُّل، وكان أفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود، وأفقه أصحابها علقمة، وكان أفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى، وقد توفي حماد سنة عشرين ومائة.

    6- المدرسة اليمنية:

    من أشهر علمائها من الصحابة الذين أسهموا في دخول الإسلام فيها معاذ بن جبل، علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، ومن أراد التوسع فليراجع الرسالة العلمية للدكتور عبد الله الحميري، الحديث والمحدثون في اليمن في عصر الصحابة، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة اليمنية:

    أ- طاووس بن كيسان:
    فقيه أهل اليمن وقدوتهم، وأعلمهم بالحلال والحرام من سادات التابعين، روى عن ثلةٍ من الصحابة الكرام، كزيد بن ثابت وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وهو معدودٌ من كبراء أصحابه، وروى عن معاذ مرسلاً، كان من أبناء الفرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له، كان فقيهًا جليلاً بركة لأهل اليمن، أدرك خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر بن عبد العزيز في عهد سليمان: أرفع حاجتك إلى أمير المؤمنين.

    ال: ما لي إليه حاجة، فكأن عمر عجب من ذلك، ومن أقواله: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج، وقال: البخل أن يبخل الرجل بما في يديه، والشح أن يحب أن يكون له ما في أيدي الناس، وقال عنه قيس بن سعد الطاووس فينا مثل ابن سيرين فيكم، وقال بن المديني: كان سفيان لا يعدل من أصحاب ابن عباس بطاووس أحد، وكان رحمه معتزلاً الأمراء والسلاطين، إلا إذا أُكره على عمل لهم، وإذا طلب أداء نصيحة فإنه لا يجامل أحدًا ويصدع بالحق، توفي بمكة سنة ست ومائة للهجرة.

    ب- وهب بن منبه:

    أبو عبد الله وهب بن منبه من أبناء فارس كان ينزل ذمار، وكان ممن قرأ الكتب ولزم العبادة، وواظب على العلم، وتجرد للزهادة، وقال عنه الذهبي: الإمام العلامة، الإخباري القصصي، وقال العجلي: تابعي ثقة كان على قضاء صنعاء، وذكره شيرازي في فقهاء التابعين باليمن، وكان صاحب حكمة وفطنة، وكان له أثر في محاربة الخوارج في اليمن وتحذير الناس من آرائهم، وإليك حواره مع أبي شمَّر الخولاني لما دخل على وهب بن منبه برفقة داود بن قيس، وتكلم داود لوهب، وقال عن صاحبه أبي شمّر الخولاني إنه من أهل القرآن والصلاح، والله أعلم بسريرته، فأخبرني أنه عرض له نفرٌ من أهل حروراء- يعني الخوارج- فقالوا له: زكاتك التي تؤديها إلى الأمراء لا تجزئ عنك، لأنهم لا يضعونها في موضعها، فأدِّها إلينا، ورأيت يا أبا عبد الله أن كلامك أشفى له من كلامي، فقال: يا ذا خولان، أتريد أن تكون بعد الكبر حروريًّا تشهد على من هو خير منك بالضلالة؟ فماذا أنت قائلٌ لله غدًا حين يقفك الله؟ ومن شهدت عليه، فالله يشهد له بالإيمان، وأنت تشهد عليه بالكفر، والله يشهد له بالهدى، وأنت عليه بالضلالة، فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله وشهادتك شهادة الله؟ أخبرني يا ذا خولان ماذا يقولون لك؟ فتكلم عن ذلك وقال لوهب: إنهم يأمرونني أن لا أتصدق إلا على من يرى رأيهم، ولا أستغفر إلا له، فقال: صدقت، هذه محنتهم الكاذبة، فأما قولهم في الصدقة، فإنه قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن امرأةً من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها، أفإنسان مما يعبد الله يوحده، ولا يشرك به أحب إلى الله أن يطعمه من جوع أو هرة؟ والله يقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان:Cool وأما قولهم لا يستغفر إلا لمن يرى رأيهم أهم خير أم الملائكة، والله يقول: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (الشورى: من الآية 5) فوالله ما فعلت الملائكة ذلك حتى أمروا به ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء:27) وجاء ميسرًا ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: من الآية 7)، واستمر معه في الحوار والنقاش إلى أن قال ذو خولان: فما تأمرني؟ قال: انظر زكاتك فأدِّها إلى من ولاه الله أمرَ هذه الأمة، وجمعهم عليه، فإن الملك من الله وحده، وبيده يؤتيه من يشاء، فإذا أديتها إلى ولي الأمر برئت منها، وإن كان فضل فصلْ به أرحامك ومواليك وجيرانك والضيف، فقال: أشهد أني نزلت عن رأي الحرورية، توفي وهب رحمه الله سنة عشر ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك، وقيل إن يوسف بن عمر والي اليمن ضربه حتى قتله، ولعل ذلك بسبب موقف وهب من جور يوسف بن عمر المشهور بعنفه وظلمه.

    7- المدرسة المصرية:
    تكونت في مصر مدرسةٌ كان شيوخها من الصحابة الذين رحلوا إليها أيام الفتح ونزلوا في موضع الفسطاط والإسكندرية، ومن هؤلاء عمرو بن العاص، عبد الله بن عمرو بن العاص، الزبير بن العوام، وكان من أكثر الصحابة تأثيرًا في مصر عقبة بن عامر رضي الله عنه، وغير ذلك من الصحابة يرجع إليهم الفضل في دعوة الناس وتوجيههم نحو دينهم، وجاءت طبقة التابعين، وكان منهم أئمة ودعاة، ومن هؤلاء:

    يزيد بن أبي حبيب.. الإمام الحجة، مفتي الديار المصرية، أبو رجاء الأزدي كان من جلة العلماء العاملين، ارتفع بالتقوى مع كونه مولى أسود، قال عنه الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة.

    8 - مدرسة شمال إفريقيا:
    دخل القادة الفاتحون شمال إفريقيا وكان على رأسهم عمرو بن العاص ثم عبد الله بن سعد بن أبي السرح رضي الله عنهما، ثم تابع معاوية بن حديج فتح إفريقية، وولى معاوية بن أبي سفيان على مصر وإفريقية، وجاء بعده عقبة بن نافع الفهري، فاختط مدينة القيروان، وسار في الناس سيرةً حسنةً، وكان من خيار الولاة والدعاة، الذين جاهدوا ودعوا بالسيف والكلمة، ثم قام على إفريقية ولاةٌ صالحون ساروا على النهج نفسه، وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز بعث إسماعيل بن أبي المهاجر واليًا على إفريقية سنة مائة، فكان داعيةً إلى الإسلام بلسانه وأعماله وأخلاقه، فأحبه الناس، وأحبوا دينه، وحرص على دعوة البربر إلى الإسلام، فاستجابوا لدعوته، وأسلموا على يديه، واهتم إسماعيل بتعليم الناس أحكام الشريعة، وتفقيههم في الحلال والحرام، وكان عمر بن عبد العزيز بعث معه عشرةً من التابعين من أهل العلم والفضل، وأهل إفريقية يومئذ من الجهل بحيث لا يعرفون أن الخمر حرام، حتى وصل هؤلاء فعلموا الناس الحلال والحرام، وسيأتي الحديث عن الفقهاء العشرة في محله بإذن الله، ومن خلال ما سبق من الحديث عن المدارس العلمية يظهر أهمية توريث العلم والخبرات الدعوية عند السلف، وامتداد ذلك يشمل أقاليم الدولة الإسلامية، ونستفيد أيضًا أهمية تفريغ مجموعة من أذكياء الأمة للتعلم والتعليم والإفتاء والإرشاد والوعظ ونشره بين الناس.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    معالم التجديد عند عمر بن عبد العزيز:

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 21:04

    يرى المتتبع لأقوال العلماء والمؤرخين والمهتمين بدراسة الحركة التجديدية، إجماعًا تامًا على عدِّ الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز المجدد الأول في الإسلام (361)، وكان أول مَن أطلق عليه ذلك الإمام محمد بن شهاب الزهري، ثم تبعه على ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال: يُروى في الحديث أنَّ الله يبعث على رأس كل مائة عام مَن يُصحح لهذه الأمة أمر دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز(362)، وتتابع العلماء على عدِّه أول المجددين وذكر بعض أهل العلم هو من المقصودين بحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها أمر دينها" (363) .

    لا شك أنَّ عمر بن عبد العزيز خليق بأن يكون ممن يحمل عليه هذا الحديث، فقد كان عالمًا عاملاً، همه كله، وعزمه، وهمته، آناء الليل والنهار إحياء السنن وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها، وكسر أهلها باللسان، والسنن (364)، يقول ابن حجر العسقلاني: إن إجماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوعٍ من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متصفًا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل (365). ومع أن بعض العلماء رأى أن مقام المجدد الكامل لا يستحقه إلا مهدي آخر الزمان، وأنه لم يولد في الأمة المسلمة مجدد كامل حتى الآن، وإن كان عمر بن عبد العزيز أوشك أن يبلغ مرتبة المجددية الكاملة لو أنه استطاع إلغاء طريقة الحكم الوراثية، وإعادة انتخاب الخليفة عن طريق الشورى (366).

    سواء استحق عمر بن عبد العزيز لقب المجدد الكامل أم لا، فإن الأعمال التجديدية التي قام بها، والجهود الكبيرة التي بذلها لاستئناف الحياة الإسلامية، وإعادتها إلى نقائها وصفائها زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين تجعله على رأس المجددين الذين جاد بهم الزمان حتى يومنا هذا، وقد ساعده على ذلك موقعه الذي تبوأه على رأس خلافة قوية، منيعة الجانب، مترامية الأطراف، ولكي ندرك حجم الأعمال التجديدية التي اضطلع بها هذا الخليفة، وقدر الإصلاح الذي أحدثه، ينبغي أن نقف على حجم الانحرافات التي طرأت على الحياة الإسلامية والتغيّر والانقلاب الذي حدث للخلافة الإسلامية، ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا حصرنا الانحراف في ذلك الوقت بنظام الحكم، وما نتج عن ذلك مظالم وفساد وأما الحياة العامة فكانت أنوار النبوة لا زالت ذات أثر بالغ فيها وكان الدين صاحب السلطان الأول في قلوب الناس (367).

    1- من إصلاحات عمر وأعماله التجديدية:

    أ- الشورى:

    قد مرَّ معنا أن عمر بن عبد العزيز في أول لقاءٍ له مع الناس حمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم فصاح الناس صيحةً واحدةً: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك: فَلِ أمرنا باليُمن والبركة (368) . وبهذا يكون عمر قد قام بأول عملٍ تجديدي، حيث أعفى الناس من الملكِ العضوض، ولم يجبرهم على القبول بمن لم يختاروه، بل رد الأمر إليهم وجعله شورى بينهم (369).

    ب- الأمانة في الحكم وتوكيل الأمناء:

    فقد تواترت النقول المفيدة أنه بلغ من حرصه على ذلك أقصى المراتب فقد استشعر عظم المسئولية وضخامة الحمل منذ اللحظة الأولى لاستلامه الخلافة، فقال لمَن سأله: مالي أراك مغتمًا؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليُغتم، ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إليَّ فيه، ولا طالبه مني (370). وقال: لستُ بخيرٍ من أحد منكم، ولكن أثقلكم حملاً (371). وكان يطالب عمَّاله باختيار أصحاب الكفاءة والدين فيمن يولونه شأنًا من شئون المسلمين، فقد كتب إلى أحد عمَّاله: لا تولين شيئًا من أمرِ المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيها استرعى (372)، ولم تكن سياسته في التورعِ عن أموال المسلمين سياسة طبقها على خاصةِ نفسه فقط بل أزم بها عمَّاله وولاته، فقد كتب إلى عامله أبي بكر بن حزم: أن أدق قلمك، وقارب بين أسطرك، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به (373)، وقد ساس رعيته سياسةً رحيمة، وأمَّن لهم عيشًا رغيدًا وكفاهم مذلة السؤال، فقسم فضول العطاء في أهل الحاجات (374)، وقسَّم في فقراء أهل البصرة ثلاثة دراهم لكل إنسان، وأعطى الزمني خمسين خمسين (375)، وطلب من عُمَّاله أن يجهزوا من أراد أداء فريضة الحج (376)، وكتب إلى عماله: أن اعملوا خانات في بلادكم فمن مرَّ بكم من المسلمين، فاقروهم يومًا وليلةً وتعهدوا دوابهم فمن كانت به علّة فاقروهم يومين وليلتين، فإن كان منقطعًا به فقوُّوه بما يصل به إلى بلده (377)، وقد عزَّ في زمن عمر وجود مَن يقبل الزكاة يقول عمر بن أسيد: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح يرجع بماله كله قد أغنى عمر الناس (378)، وكانت حرمة المسلمين فوق كل الأموال فقد كتب إلى عماله: أن فادوا بأسارى المسلمين، وإن أحاط ذلك بجميع مالهم (379)، ولا تزال خلافة عمر بن عبد العزيز حجة تاريخية، على كل أولئك الذين يشككون في إمكانيةِ إقامة نظامٍ اقتصادي إسلامي وبرهانًا ساطعًا على أنَّ الاحتكامَ للشريعة الربانية هو وحده الذي يكفل للناس السعادة في الدنيا والآخرة (380).

    ج- مبدأ العدل:

    فقد كان فيه لعمر القدح المعلاّة، وكان بحق وارثًا فيه لجدِّه لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ضرب فيه على النقود عبارة: أمر الله بالوفاء والعدل (381)، وطلب أن لا يُقام على أحدٍ حدٌّ إلا بعد علمه (382)، وكتب لعامله الجراح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان: يا ابن أم جراح: لا تضربن مؤمنًا ولا معاهدًا سوطًا إلا في حق، واحذر القصاص، فإنك صائر إلى مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتقرأ كتابًا لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا إحصاها (383). وأنصف أهل الذمة وأمر أن لا يُعتدى عليهم أو على معابدهم وكتب إلى عماله: لا تهدموا كنيسةً ولا بيعة، ولا بيت نار صُولحتم عليه (384)، وقد رفع المكس وحطَّ العشور والضرائب التي فرضتها الحكومات السابقة، وأطلق للناس حرية التجارة في البر والبحر، وقد تبرأ من المظالم التي كان يرتكبها بنو أمية وتبرأ من الحجَّاج وأفعاله وأنكر على عُمَّاله الاستنان بسنته (385).

    د- أحياؤه مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    أخذت الخلافة تتراجع عن الغاية التي قامت من أجلها وهي حراسة الدين، فنهض عمر بهذا المبدأ ورفع لواءه وأعلى شأنه وجعله المهيمن والمقدَّم على ما سواه وما حقق عمر ما حققه من أعمال وإنجازات إلا انطلاقًا من خوفه الشديد من الله، وطلبه فيما فعله مرضاته، وقد ساعده على ذلك أنه كان من أجلة العلماء التابعين وأئمة الاجتهاد (386) حتى قال عنه عمر بن ميمون: كان العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة (387) وقد كان لسلامةِ دينه وصدق عقيدته الأثر البالغ في تجديده وإصلاحاته، فقد حارب الأهواء والبدع، وشدد النكير على أهلها (388)- وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى- وقد نقل عنه الإمام الأوزاعي قوله: إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيسِ ضلالة (389). وكان يرى أنه لا قيمةَ لحياته لولا سنة يُحيها، أو بدعة يُميتها (390)، وقد اهتم اهتمامًا شديدًا بديانةِ الناس وأخلاقهم، فكتب إلى عمَّاله: اجتنبوا الأشغال عند حضورِ الصلوات فمَن أضاعها فهو لما سواها من شرائع الإسلام أشدُّ تضييعًا (391).

    الناظرُ في رسائل عمر وخطبه ومواعظه وهي أكثر من أن تُحصى يرى إيمانًا قويًّا، ومراقبة جلية وخوفًا من يوم يقف فيه الناس بين يدي رب العالمين، وقد أثرت شخصية عمر وسياسته العادلة تأثيرًا بالغًا في حياةِ العامة وميولهم وأذواقهم ورغباتهم (392) يدل على ذلك ما ذكره الطبري في تاريخه مقارنًا عهد عمر بعهود مَن سبقه من الحكام السابقين: كان الوليد صاحب بناء واتخذ المصانع والضياع وكان الناس يلتقون في زمانه، فكان يسأل بعضهم بعضًا عن البناء والمصانع، فولي سليمان فكان صاحب نكاحٍ وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم عن التزويج والجواري، فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وراءك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم، ومتى ختمت. وما تصوم من الشهر (393)؟ ولم يكتفِ عمر بإقامة الدين داخل دولته، بل وجَّه عنايته إلى غير المسلمين، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام، وراسل ملوك الهند وملوك ما وراء النهر، ووعدهم أنَّ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فأسلم الكثير منهم وتسموا بأسماء (394) العرب، ولعل من أجَّل الأعمال التي خدم بها هذا الدين أمره بتدوين العلوم الإسلامية وخاصةً علم الحديث، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى، كل هذه الأعمال العظيمة والإصلاحات الجليلة حققها عمر في مدة خلافته الوجيزة، فغدا درة للأمة، ومنارة يستهدي بنورها الملتمسون دروبَ التجديد والإصلاح (395).

    2- من شروط المجدد وصفاته:

    نستطيع أن نحدد أهم شروط المجدد والصفات التي ينبغي أن تتوافر فيه حتى يعد من المجددين من خلال سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

    أ- أن يكون المجدد معروفًا بصفاء العقيدة وسلامة المنهج:

    وذلك لأن من أخصِّ مهمات التجديد إعادة الإسلام صافيًا نقيًّا من كلِّ العناصر الدخيلة، وهذا لا يحصل إلا إذا كان المجدد من السائرين على منهج الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، ومن الطائفة الناجية المنصورة التي جاء وصفها بأنها فرقة من ثلاث وسبعين فرقة وأنها تلزم ما كان عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في عقيدته، ومنهجه وتصوراته (396) وهذا الشرط قد توفر في عمر بن عبد العزيز، وسوف نوضحها في آثاره العقدية عند دراستها بإذن الله تعالى.

    ب- أن يكون عالمًا مجتهدًا:

    وهذا الشرط تحقق في عمر بن عبد العزيز فقد واجه المشكلات التي تولدت في عصره واجتهد في وضع الحلول الشرعية لها، وفي الحقيقة أن رتبة الاجتهاد ليست عسيرة إلى الحد الذي تصوره بعض كتب أصول الفقه وممن ذهب إلى وضع شروطٍ يكاد يكون من المحال الإحاطة بها، حيث أوجبوا أن يُحيط المجتهد بعلوم الآلة كلها من نحو ولغة وبلاغة وبعلوم الشريعة من تفسير وحديث وأصول فقه وعلوم قرآن ومصطلح حديث وسيرة، وبعلمي المنطق وعلم الكلام، وغير ذلك مما يصعب الإحاطة به (397)، والصواب أن الاجتهاد سهل ميسور، لمَن كانت عنده أهلية النظر، والمهم أن نعلم أن المجدد يشترط فيه أن يكون محيطًا بمدارك الشرع، قادرًا على الفهم والاستنباط مطَّلعًا على أحوالِ عصره، فقيهًا بواقعه (398)، يقول المناوي: إن على المجدد أن يكون: قائمًا بالحجة، ناصرًا للسنة، له ملكة رد المتشبهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والنظريات، من نصوص الفرقان وإرشاداته ودلالاته واقتضاءاته من قلب حاضر وفؤاد يقظان (399) ويقول العظيم آبادي: إنَّ المجددَ للدين لا بد أن يكون عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة (400)، ويقول المودودي: من الخصائص التي لا بد أن يتصف بها المجدد هي: الذهن الصافي، والبصر النفاذ، والفكر المستقيم بلا عوج والقدرة النادرة على تبيين سبيل القصد بين الإفراط والتفريط، ومراعاة الاعتدال بينهما، والقوة على التفكير المجرد عن تأثير الأوضاع الراهنة، والعصبيات الراسخة على طول القرون، والشجاعة والجرأة على مزاحمة سير الزمان المنحرف (401)، ويقول في تعداده لعمل المجدد: الاجتهاد في الدين، والمراد به أن يفهم المجدد كليات الدين، ويتبين اتجاه الأوضاع المدنية والرقي العمراني في عصره ويرسم طريقًا لإدخال التعبير والتعديل على صورة التمدن القديمة المتوارثة، يضمن للشريعة سلامة روحها وتحقيق مقاصدها، ويمكِّن الإسلام من الإمامة العالمية في رقي المدينة الصحيح.

    ج- أن يشمل تجديده ميداني الفكر والسلوك في المجتمع:

    وذلك لأن تصحيح الانحراف من أخص المهمات التي ينبغي أن يقوم بها المجدد، ومعلوم أن الانحراف يطرأ على السلوك كما يطرأ على الفكر، بل إن غالب الانحرافات السلوكية منشؤها الخرافات فكرية، فيقوم المجدد بتصويب الأفهام والأفكار، وتخليصها مما داخلها من شكوك وشبهات، ويحيي العلم النافع، والفهم الصحيح للإسلام، ويبثه بين الناس، وينشره بالتدريس، وتأليف الكتب، وغير ذلك من الوسائل المتاحة، ثم يعمد إلى إصلاح سلوك الناس وتقويم أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، وإبطال التقاليد المخالفة للشريعة، وإعلان الحرب على البدع والخرافات، والمنكرات المتفشية في حياة الناس، ومواجهة الفساد بمختلف أشكاله وصوره، وخاصةً الفاسد في الحكم والإمارة، بهذا يكون المجدد قد جمع بين القول والفعل، والعلم والعمل، قد أثار السلف إلى هذا الشرط بقولهم عن المجدد إنه ينصر السنة ويقمع البدعة (402).

    د- أن يعم نفعه أهل زمانه:

    وذلك لأن المجدِّد رجل مرحلة زمنية، تمتد قرنًا من الزمن، فلا بد إذن من أن يكون منارة يستضيء بها الناس ويسترشدون بهداها، حتى مبعث المجدد الجديد على الأقل، وهذا يقتضي أن يعم علم المجدد ونفعه أهل عصره، وأن تترك جهوده الإصلاحية أثرًا بينًا في فكر الناس وسلوكهم، وغالبًا ما يتم تحقيق ذلك عبر من يربيهم من تلامذة، وأصحاب أوفياء، يقومون بمواصلة مسيرته الإصلاحية وينشرون كتبه وأفكاره ويؤسسون مدارس فكرية تترسم خطاه في الإصلاح والتجديد (403).

    3- قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم

    "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها دينها" (404) . والدروس والعبر والفوائد المستنبطة منه:يعد هذا الحديث إحدى البشائر بحفظ الله لهذا الدين مهما تقادم الزمان وبكفالته سبحانه إعزاز هذه الأمة ببعثة المجددين الربانيين الذين يحيونها بعد موات، ويوقظونها من سبات، بما يحملونه من الهدى والنور، وأن هذا الحديث يمنح المسلم طاقةً من الأمل الأكيد، بأن المستقبل للإسلام مهما تكاثرت قوى الشر، وتعاظم طغيان أهل الباطل، وبأن النور سيسطع مهما احلولك الليل، واشتد الظلام، ونحن في الوقتِ الحاضر بحاجةٍ ماسَّة لتأكيد هذا المعنى، ونشره بين الناس، حتى نقاوم موجات اليأس والقنوط التي عمَّت النفوس، فجعلتها تستسلم للذل والخضوع والخنوع، بحجة أننا في آخر الزمان وأنه لا فائدةَ ولا رجاءَ من كل جهودِ الإصلاح التي تبذل؛ لأن الإسلام في إدبار والكفر في إقبال، وها قد ظهرت علامات الساعة الصغرى، ونحن في انتظار العلامات الكبرى التي سيعقبها قيام الساعة، وقد يستدل أصحاب هذا الاتجاه ببعض الأحاديث، ويفهمونها على غير الوجه المراد منها، من ذلك استدلالهم ببعض الأحاديث، ويفهمونها على غير الوجه المراد منها (405) . من ذلك استدلالهم بحديث أنس رضي الله عنه عند البخاري: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شرُّ منه حتى تلقوا ربكم" (406)، وحديث "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (407). وينسون أنه لا يجوز أن نفهم هذه الأحاديث بمعزلٍ عن الأحاديث الأخرى التي تحمل البُشرى والأمل للأمة، مثل حديث: "مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أو آخره" (408)، وفي قوم دون غيرهم، وفي زمن دون زمن، كما ذكر ابن القيم (409) ولذلك شهد التاريخ الإسلامي حقبًا من الظهور والإشراق كعهد عمر بن عبد العزيز (410)، ونور الدين، وصلاح الدين، ويوسف بن تاشفين، ومحمد الفاتح، وغيرهم، وتجب الإشارة هنا إلى أن حديث التجديد الذي نحن بصدد شرحه، وكذا الأحاديث التي تحمل البشرى بعودة الإسلام إلى واجهة الحياة، وإن كانت أخبارًا يقينية صدرت عن الصادق المعصوم، ولا بد أن تتحقق كما أخبر، إلا أنها تحمل في مضمونها تكليفًا واستنهاضًا لعزماتِ المسلمين بوجوب السعي الدؤوب لتحقيق نصر الله لهذا الدين وإعزاز أهله كما هي سنة الله في ترتيب المسببات على الأسباب (411).

    أ- في قوله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة" (412):

    إنَّ هذا المبعوث لم يعد همه نفسه فقط، بل تجاوز ذلك ليعيش لهذه الأمة، فهو صاحب عزيمة وهمة يعيش هموم أمته ويبذل قصارى جهده مواصلاً عمل النهار بالليل، لينقذ هذه الأمة من وهدتها، ويعيد لها ثقتها بدينها، ويردها إلى المنهج الصحيح، مصابرًا على ما يعترض سبيله من عقبات ومغالبًا كل المشقات والتحديات، ليصل إلى رفعة هذه الأمة وعودة مجدها (413).

    ب- قوله: على رأس كل مائة سنة (414)

    الرأس في اللغة يمكن أن يراد به أول الشيء، كما أن يمكن أن يراد به آخره (415)، وقد اختلف العلماء في المراد من الرأس في هذا الحديث، فقال بعضهم: المراد: أول المائة وقال آخرون: المراد آخرها (416)، وهذا ما اختاره ابن حجر (417)، والطيبي (418)، والعظيم آبادي (419)، وقد احتج العظيم آبادي لاختياره بكون الإمامين الزهري وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، اتفقوا على أن من المجددين على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وعلى رأس المائة الثانية الإمام الشافعي رحمه الله، وقد توفي عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، وتوفي الشافعي سنة أربع ومائتين (420)، ولا يمكن عد عمر بن عبد العزيز مجدد المائة الأولى اعتباره أولها لأنه لم يكن مولودًا أولها فضلاً عن أن يكون مجددها وكذا الإمام الشافعي لم تكن ولادته بداية المائة الثانية فضلاً عن أن يكون مجددها (421).

    ج- هل يشترط لعد المجدد أن تقع وفاته على رأس المائة؟

    يشترط بعض العلماء لاستحقاق المجدد هذا الوصف أن تقع وفاته على رأس القرن، إلا أن هذا الرأي مرجوح لأن كلمة (البعث) في الحديث تدل على الإرسال والإظهار والموت قبض وزوال، فالمقصود من الحديث: أن المجدد من تأتي عليه نهاية القرن وقد ظهرت أعماله التجديدية، واشتهر بالصلاح وعمَّ نفعه، ولا يشترط أن تقع وفاته قبيل نهاية القرن أو أن يبقى حيًّا حتى يدخل عليه القرن التالي (422).

    د- هل مجدد القرن واحد أو متعدد؟

    أثار قوله- صلى الله عليه وسلم-: من يجدد لها دينها سؤالاً في الماضي والحاضر، هو: هل المقصود بلفظة (من) الواردة في الحديث فردًا واحدًا من أفراد الأمة وأفذاذها يحيي الله بها دينها، أم المراد بها ما هو أوسع من ذلك فيشمل الأفراد والجماعات، وذهب كثير من العلماء إلى أن المجدد فرد واحد، ونسب السيوطي هذا الرأي إلى الجمهور فقال في أرجوزته عن المجددين:وكونه فردًا هو المشهور قد نطق الحديث والجمهور (423)

    وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن كلمة (من) في الحديث للعموم في أصل وضعها اللغوي (424)، فتشمل الواحد والجماعة على حد سواء (425)، ومن هؤلاء العلماء ابن حجر وابن الأثير والذهبي وابن كثير والمناوي والعظيم آبادي (426)، ويتبين من خلال البحث أن حمل لفظة (من) في الحديث عن العموم أولى، لأن التاريخ والواقع يثبت وجود أكثر من مجدد رأس كل قرن من القرون الخوالي، ولأن مهمة التجديد مهمة ضخمة واسعة لكونها لا تقتصر على جانب من جوانب الدين، ولأن رقعة الأمة الإسلامية تمتد على مساحة شاسعة يصعب معها على فرد بل مجموعة أفراد أن يقوموا بعملية التجديد الشامل المطلق (427).
    هـ- المجدد هو دين الأمة وليس الدين نفسه:
    يلاحظ المتأمل في قوله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن يجدد لها دينها" أنه أضاف الدين إلى الأمة ولم يقل يجدد لها الدين، وذلك لأن الدين بمعنى المنهج الإلهي الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اشتمل عليه من عقائد وعبادات وأخلاق وشرائع تنظم علاقة العبد بربه وعلاقته بغيره من بني جنسه، ثابت كما أنزله الله لا يقبل التغيير ولا التجديد، وأما دين الأمة بمعنى علاقة الأمة بالدين ومدى تمسكها وتخلقها به وترجمتها له واقعًا ملموسًا على الأرض، فهو المعنى القابل للتجديد ليعيد الناس إلى المستوى الذي ينبغي أن يكونوا عليه بعلاقتهم مع الدين (428).

    --------------------
    الهوامش :
    361. عون المعبود (11/393) العظيم آبادي، جامع الأصول (11/322) .
    262. سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ74 .
    363. المجددون في الإسلام صـ57 للصعيدي صـ57، موجز تاريخ للمودودي صـ63 .
    364. الآثار الواردة عن عمر في العقيدة (1/177) .
    365. فتح الباري (13/295) .
    366. موجز تاريخ تجديد الدين للمودودي صـ69 .
    367. عمر بن عبد العزيز للندوي صـ10 .
    368. سيرة ومناقب عمر لابن الجوزي صـ65 .
    369. التجديد في الفكر الإسلامي د.عدنان محمد صـ79 .
    370. سير أعلام النبلاء (5/586) .
    371. المصدر نفسه (5/586) .
    372. تاريخ الطبري، نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ81 .
    373. سير أعلام النبلاء (5/595) .
    374. تاريخ الطبري، نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ81 .
    375. تاريخ الطبري (7/474) .
    376. تاريخ الطبري (7/474) .
    377. المصدر نفسه (7/472) .
    378. سير أعلام النبلاء (5/588) .
    379. سيرة عمر لابن الجوزي صـ120 .
    380. خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز صـ41 ـ 42 .
    381. سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ98 .
    382. تاريخ الطبري (7/474) .
    383. تاريخ الطبري (7/464) .
    384. المصدر نفسه (7/477) .
    385. سيرة ومناقب عمر صـ107ـ108 .
    386. التجديد في الفكر الإسلامي صـ85 .
    387. سير أعلام النبلاء (5/518) .
    388. التجديد في الفكر الإسلامي 86 .
    389. سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز صـ83 لابن الجوزي .
    390. التجديد في الفكر الإسلامي 86 .
    391. سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز صـ221 لابن الجوزي .
    392. التجديد في الفكر الإسلامي 86 .
    393. تاريخ الطبري نقلا عن التجديد في الفكر الإسلامي 87 .
    394. خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز للندوي صـ30 .
    395. التجديد في الفكر الإسلامي 87 .
    396. التجديد في الفكر الإسلامي صـ46 .
    397. كون المعبود (11/392) .
    398. التجديد في الفكر الإسلامي صـ46 .
    399. فيض القدير للمناوي (1/14) .
    400. عون المعبود (11/319) .
    401. موجز تاريخ تجديد الدين للمودودي صـ52 .
    402. عون المعبود(11/391)، التجديد في الفكر الإسلامي صـ48 .
    403. التجديد في الفكر الإسلامي صـ48 .
    404. سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/151) .
    405. التجديد في الفكر الإسلامي صـ55 .
    406. البخاري رقم 6541، ك الفتن .
    407. مسلم، ك الإيمان رقم 208 .
    408. سنن الترمذي رقم 2795 صحيح .
    409. مدارج السالكين (3/196) .
    410. التجديد في الفكر الإسلامي صـ56 .
    411. الاجتهاد للتجديد، عمر عبيد حسنة صـ7 .
    412. سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/151) .
    413. التجديد في الإسلام نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ57 .
    414. سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/151) .
    415. عون المعبود (11/386) .
    416. المصدر نفسه (11/386) .
    417. فتح الباري (13/295) .
    418. عون المعبود (11/389) .
    419. المصدر نفسه (11/387) .
    420. المصدر نفسه (11/387) .
    421. التجديد في الفكر الإسلامي صـ58 .
    422. التجديد في الفكر الإسلامي ص61 .
    423. عون المعبود (11/394) .
    424. التجديد في الفكر الإسلامي صـ61 .
    425. المصدر نفسه صـ61 .
    426. المصدر نفسه صـ62، 63 .
    427. المصدر نفسه صـ65 .
    428. من أجل صحوة إسلامية للقرضاوي صـ26 ـ 27 .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    اهتمام عمر بن عبد العزيز بعقائد أهل السنة

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 21:15

    اهتم عمر بن عبد العزيز بعقائد أهل السنة وحرص على تعلمها وتعليمها وبثها بين الناس، وتناثرت أقواله في عقائد أهل السنة بين المراجع والمصادر الإسلامية من عقائد وتفسير وحديث وفقه وغيرها، وقام الأستاذ حياة بن محمد بن جبريل بجمع الكثير منها، ونال بهذا الجهد العلمي رسالة الماجستير والكثير ممن كتب عن حياة عمر بن عبد العزيز لم يسلط الأضواء على هذا البُعد المهم في حياته، والمتعلق بحرصه على توعية الناس وتعليمه المعتقد الصحيح، الذي جاء ذكره في كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ومن أهم الجوانب العقائدية التي تحدث فيه عمر بن عبد العزيز رحمه الله:

    أولاً: توحيد الألوهية
    توحيد الألوهية أساس دين الإسلام، بل هو أساس كل دين سماوي، به أُرسل جميعُ الرسل وأُنزلت عليهم جميع الكتب، وهو الذي دعا إليه كل رسول، من آدم عليه السلام إلى نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- بل هو الغاية من خلق الجن والإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، وكان سلف هذا الأمة- رحمهم الله- يهتمون بهذا النوع من التوحيد، وممن كان له إسهام في هذه المسألة عمر بن عبد العزيز(429)، وقبل بيان ما أُثر عنه، فمن الأهمية بمكان بيانُ المقصود من توحيد الألوهية عند إطلاقه: فعرف بأنه استحقاق الله سبحانه وتعالى أن يُعبد وحده لا شريك له(430)، وعرفه بعض الباحثين بأنه: توحيد الله بأفعال العباد، وهو المعبَّر عنه بتوحيد الطلب والقصد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ومحبته وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرهبة والرغبة منه وإليه وحده، والتقرب إليه بسائر العبادات البدنية والمالية دون إشراك أحد أو شيء من خلقه(431)، وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز آثارٌ في الدعاء والتبرك والخوف والرجاء والتوكل والشكر:

    1- الدعاء
    أ- مرَّ عمر بن عبد العزيز برجلٍ في يده حصاةٌ يلعب بها وهو يقول: اللهم زوِّجني من الحور العين، فقام إليه فقال: بئس الخاطب أنت، ألا ألقيتَ الحصاة، وأخلصت إلى الله الدعاء (432)، وفي هذا الأثر بين عمر بن عبد العزيز أن من شروط الدعاء الإخلاص وحضور القلب، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة.. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (غافر: من الآية 14)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً مِن قلبٍ غافلٍ لاهٍ" (433).

    ب- قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصِك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما (434)، فهنا توسَّل عمر بن عبد العزيز بالطاعة والتوحيد وطلب الغفران من الله تعالى، ولا شكَّ أن التوسل بالأعمال الصالحة مشروعٌ كحديث الثلاثة الذين آوَوا إلى الغار(435)، فإنهم توسَّلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب الله دعاءَهم ويفرِّج كُربتَهم، وقد توسَّل المؤمنون بأعمالهم الصالحة من الإيمان وقدموه قبل الدعاء قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 193)، فإنهم قدموا الإيمان قبل الدعاء وأمثال ذلك كثير (436).

    ج- حصلت زلزلة بالشام، فكتب عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن هذا الرجْف شيءٌ يعاتب الله به العباد، وقد كتب إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق (437).. قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (الأعلى: 14، 15) وقولوا كما قال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 13)، وقولوا كما قال نوح عليه السلام: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود: من الآية 47) وقولوا كما قال يونس عليه السلام: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية 87)، فقد أمر رحمه الله الرعيةَ بالالتجاء إلى الله تعالى والتصدق والاستغفار والخروج إلى المصلى عندما حصَلَت الزلزلة بالشام (438).

    د- قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز فكثر بكاؤه ومسألته ربَّه الموت، فقلت: لِمَ تسأل الموت وقد صنع الله على يديك خيرًا كثيرًا، أحيا بك سننًا، وأمات بك بدعًا؟! قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح حين أقرَّ الله عينَه وجمع له أمرَه قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: 101)، وقد طلب الدعاء له بالموت على الإيمان ودعا به اقتداء بالصالحين، فهذا الدعاء من سنن المرسلين، وهو من شعار الصالحين، وقد يكون أيضًا دعا به- رحمه الله- خوفًا من الفتنة في الدين، لا سيما عند وفاة أعوانه ابنه عبد الملك، ومولاه مزاحم، وأخيه سهل، كما جاءت في بعض الروايات (439).

    2- الشكر
    عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: ذكر النعم شكرها (440)، وقال عمر بن عبد العزيز: شيِّدوا نعمَ الله عز وجل بالشكر لله تعالى (441)، وكتب إلى بعض عمَّاله فقال: أوصيك بتقوى الله وأحثُّك على الشكر فيما عندك من نعمته وآتاك في كرامته؛ فإن نِعَمَه يمدُّها شكره ويقطعها كفره (442) حث عمر بن عبد العزيز على شكر الخالق تبارك وتعالى على نعمه الكثيرة وآلائه الجسيمة، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة،، قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ (البقرة: من الآية 172)، وقال عز وجل: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: من الآية 152)، والشكر يستلزم المزيدَ.. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: من الآية 7) وما أُثر عن عمر- رحمه الله تعالى- في هذا الجانب يبين منهج السلف في التعامل مع النعم التي يُنعمها الخالق على عباده (443).

    3- التوكل
    قال الحكم بن عمر: كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمائة حرسيٌّ وثلاثمائة شرطيٌّ فشهدته يقول لحرسه: إن لي عندكم بالقدَر حاجزًا وبالأجل حارسًا، من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله(444). ولما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة نظر مولاه مزاحم إلى القمر فإذا القمر في الدبران (445) قال: فكرهت أن أقول ذلك له، فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءَه في هذه الليلة!! فنظر عمر فإذا هو بالدبران فقال: كأنك أردت أن تُعْلِمَني أن القمر بالدبران، يا مزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا قمر، ولكننا نخرج بالله الواحد القهار (446).. يَظهر حرصُ عمر على التوكل مع الأخذ بالأسباب المشروعة، والتوكل هو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، وهو أصلٌ من أصول التوحيد قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال عز وجل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ (الفرقان: من الآية 58) والتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويُدفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكنْ من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها (447).

    4- في الخوف والرجاء
    عن يزيد بن عياض بن جعدبة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن أبي كريمة: إن أحقَّ العباد بإجلال الله والخشية منه من ابتلاه بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشدّ حسابًا ولا أهون على الله إن عصاه مني، فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي، وخفت أن تكون منزلتي التي أنا بها هلاكًا إلا أن يتداركني الله منه برحمة، وقد بلغني أنك تريد الخروج في سبيل الله، فأحب يا أخي إذا أخذت موقفك أن تدعو الله أن يرزقني الشهادة فإن حالي شديدة وخطري عظيم، فأسأل الله الذي ابتلاني بما ابتلاني به أن يرحمني ويعفو عني (448).

    وقال ربيع بن سبرة لعمر بن عبد العزيز (وقد هلك ابنه وأخوه ومولاه مزاحم في أيام): يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلاً أصيب في أيام متوالية بأعظم من مصيبتك، ما رأيت مثل ابنك ابنًا، ولا مثل أخيك أخًا، ولا مثل مولاك مولى، قال: فنكس ساعةً، ثم قال لي: كيف قلت يا ربيع؟ فأعدتُّها عليه، فقال: لا والذي قضى عليهم الموت ما أحب أن شيئًا من ذلك كان لم يكن، من الذي أرجو من الله فيهم (449)، وعن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم.. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك: السلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني كتبت إليك وأنا دنف (450) من وجعي، وقد علمتني أني مسئول عما وُلِّيت، يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئًا يقول: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (الأعراف: 7) فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت من الهول الطويل، وإن سخط عليَّ فيا ويح نفسي إلى ما أصير.. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته، وأن يمنَّ عليَّ برضوانه والجنة (451).

    ومن كلام عمر يتبين لنا جمعه بين الخوف والرجاء، ولا شكَّ أن الجمع بين الخوف والرجاء هو من عقيدة السلف الصالح، وهو توسط المؤمن بين الأمن من مكرِ الله واليأسِ من روح الله، فالسلف كانوا يخافون ربهم ويرجون رحمته (452)، وهم سائرون على ما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (الإسراء: من الآية 57)، وقد مدح اللهُ أهلَ الخوف والرجاء بقوله: ﴿أَمْ مَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾ (الزمر: من الآية 9).

    ثانيًا: معتقد عمر بن عبد العزيز في أسماء الله الحسنى
    أسماء الله الحسنى: هي كلماته الدالَّة على ذاته المتضمنة إثبات صفات الكمال له بلا مماثلة، وتنزيهه عن صفات النقص والعيب (453)، والأسماء الحسنى المعروفة هي التي يُدعَى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي تقتضي المدحَ والثناء بنفسها (454)، ولا شك أن كل قارئٍ للقرآن الكريم وللأحاديث النبوية يجد أن الله تبارك وتعالى في كتابه قد سمَّى نفسه بأسماء، وأن رسوله- صلى الله عليه وسلم- قد سمَّى ربه بأسماء، ومن المعلوم أن السلف الصالح يُثبتون لله تعالى من الأسماء ما أثبَتَه الله نفسه أو أثبته له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأنه لا أحد أعلم بالله من الله، ولا أحد أعلم بالله بعد الله مِن رسوله- صلى الله عليه وسلم- وأسماء الله تعالى كلها حسنى، وهي أعلامٌ وأوصافٌ، وهي أسماؤه، حقيقة دالة على ذاته وصفاته، وهي توقيفية وغير محصورة بعدد معين وغير مخلوقة، ولا يجوز الإلحاد فيها (455).

    ومن خلالِ رسائلِ وخطبِ عمر بن عبد العزيز نوضِّح بعضَ أسماء الله تعالى التي ذكرها في رسائله وخطبه، ومنهج عمر بن عبد العزيز هو منهج الحق الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وقد قعَّد أهل السنة قواعد في أسماء الله تعالى يمكن استنتاج بعضها من كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فمن هذه القواعد ما يلي:

    - أن أسماء الله تعالى أزلية.. قال عمر بن عبد العزيز: ولقد أعظم بالله الجهل مَن زعم أن العلمَ كان بعد الخلق بل لم يزل الله وحده بكل شيء عليمًا وعلى كل شيء شهيدًا، قبل أن يخلق شيئًا وبعد ما خلق (456) فبيَّن عمر أن الله له الأسماء الحسنى وهي العليم والشهيد أزلاً، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة (457).

    - أن أسماء الله تعالى توقيفية، وهذا منهج أهل السنة والجماعة، وهو ما تبين بالاستقراء من كلامه؛ حيث لم يَذكر- حسب اطلاعي- إلا أسماء الله الواردة في الكتاب والسنة، وهو الحق؛ إذ لا يجوز أن يسمَّى الله إلا بما سمَّى به نفسَه في كتابه الكريم أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم (458).

    - أن أسماء الله تعالى أعلامٌ وأوصافٌ.. أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول- أي أعلام- مترادفةٌ، وبالاعتبار الثاني- أي أنها أوصاف- متباينةٌ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالحيُّ، الرحمن، الرحيم، كلها أسماء لمسمّى واحد، لكن معنى الحي غير معنى الرحمن هكذا (459)، وقد خالف معتقدَ السلفِ الصالح في توحيد الأسماء الحسنى بعضُ الفرقِ المنتسبة إلى الإسلام، فالجهمية (460) أنكرت الأسماء الحسنى؛ وذلك لظنهم أن التوحيد نقيٌّ محضٌ، وأن إثبات الأسماء الحسنى إثباتٌ لأعراض حادثة، ولم يُثبتوا من الأسماء الحسنى غير اسم (القادر والخالق)؛ لأن الجهم لا يسمي أحدًا من المخلوقين قادرًا لنفيه استطاعة العباد ولا يسمِّي أحدًا خالقًا غير الله تعالى؛ لأن عنده أن كل صفة أو اسم يجوز أن يسمَّى أو يَتصف به غيرُ الله، فلا يجوز إطلاقُه على الله تعالى (461).

    وعلى هذا يجب على المسلم الوقوفُ عندما ثبت وتركُ الابتداع والتحريف والتأويل المُفضي إلى الإلحاد (462) فإن الله تعالى قال:﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 180).

    وقد وردت في رسائل عمر بن عبد العزيز وخطبه كثيرٌ من أسماء الله الحسنى، كـ"الله" عز وجل، والـ"رب"، والرحمن، والرحيم، المليك، والخبير، والكريم، والحي، والرقيب، والشهيد، والواحد، والقهار، والعلي، والعظيم، والعفو، والغفور، والعزيز، والحكيم، والوارث، والخالق، والعليم (463)، ونتحدث عن بعض هذه الأسماء:

    1- في اسمه تعالى "الرب": كان عمر يقول: يا رب انفعني بعقلي (464) والرب من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سبأ: من الآية 15) ومعنى الرب: المُصلح للشيء، ورب الشيء: مالكُه، فالله عز وجل مالك العباد ومُصلحهم ومُصلح شئونهم (465) ومصدر الرب الربوبية، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، يقال: هذا رب الدار، ورب الصنيعة، ولا يقال: الرب: معرَّفًا بالألف واللام مطلقًا إلا لله عز وجل؛ لأنه مالك كل شيء (466).

    2- في اسمه تعالى "الحي": كان لعمر بن عبد العزيز صديق، فأُخبر أنه قد مات، فجاء إلى أهله يعزيهم، فصرخوا في وجهه، فقال لهم عمر: إن صاحبكم هذا لم يكن يرزقكم، وإن الذي يرزقكم حيٌّ لا يموت (467) فالحي اسمٌ من أسماء الله الحسنى.. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: من الآية 255)، وحياته تعالى لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات في العلم والقدرة والسمع والبصر، وغيرها (468).

    3- في اسمَيه (الواحد القهار): قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: يا مزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا قمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار (469).. من أسماء الله الحسنى الواحد القهار قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48)، والواحد القهار أي: المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة وقهره لكل العوالم، فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه (470).

    4- في اسمَيه تعالى (العلي العظيم): كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد رسالةً واختتمها بقوله: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (471)، العلي العظيم من الأسماء الحسنى قال تعالى: ﴿وَلاَ يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: من الآية 255)، والعلي بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته (472)، والعظيم: الذي تتضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغُر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان مَن له العظمة العظيمة (473)، فهذه بعض أسماء الله الحسنى التي جاءت في رسائل أو الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز وهي للمثال وليست للحصر.

    ثالثًا: معتقد عمر بن عبد العزيز في صفات الله تعالى
    صفات الله عز وجل هي نعوت الكمال القائمة بالذات الإلهية، كالعلم والحكمة، والسمع، والبصر، واليدين والوجه، وغيرها مما أخبر الله تعالى بها عن نفسه في كتابه وعلى لسانه نبيه صلى الله عليه وسلم، وتوحيد الله عز وجل في صفاته هو أن يوصَف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه- صلى الله عليه وسلم- نفيًا وإثباتًا، فيثبت ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه (474) فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات، من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته؛ فإن الله تعالى ذمَّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 180). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (فصلت: من الآية 40).

    فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثَلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل (475)، وقد جاءت الآثار عن عمر بن عبد العزيز في باب الصفات، فأثبت ما أثبته الله لنفسه، وتحدث عن إثبات صفة النفس، والوجه، والعلم، والكبرياء والقدرة، والعلو، والمعية والقرب، وصفة المشيئة والإرادة، وصفة الغضب والرضى، وصفة الرحمة (476)، وإليك الحديث عن بعضها:

    1- صفة النفس: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الضحَّاك بن عبد الرحمن رسالةً، فقال: أما بعد.. فإن الله عز وجل جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه لا يقبل دنيا غيره (477)، وهذا الأثر يبين إثبات صفة النفس، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (آل عمران: من الآية 28)، وقال- صلى الله عليه وسلم- في ثنائه على ربه: "لا أُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (478)، فنفسه تعالى هي ذاته المقدسة، كما تبين ذلك من الكتاب والسنة (479)، فنفسه تعالى هي ذاته المتصفة بصفاته وليس المراد بها ذاتًا منفكَّةً عن الصفات، ولا المراد بها صفة الذات (480).

    2- صفة الوجه لله تعالى: كتب عمر إلى الخوارج رسالةً وفيها: ".. وإني أقسم لكم بالله لو كنتم أبكاري من ولدي لدفقت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة" (481).. صفة الوجه من الصفات الخبرية الذاتية دل عليها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 22)، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسأل ربه ما لا يجوز، ففي سؤاله ربه لذة النظر إلى وجهه يقول: وأسألك لذة النظر إلى وجهك (482).

    3- صفة القدرة لله تعالى: كتب عمر إلى بعض عماله: أما بعد، فإذا دعتْك قدرتُك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك في نفاذ ما يأتي إليهم وبقاء ما يأتي إليك (483)، وقال في رسالته في الرد على القدرية وفيها: ".. فالله أعزُّ في قدرته وأمنع من أن يملك أحدٌ إبطال علمه" (484)، ويتبين من خلال الأثرين السابقين إثبات عمر بن عبد العزيز صفة القدرة لله تبارك وتعالى، وهي من الصفات التي دل عليها السمع والعقل قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: من الآية 20)، ومن السنة حديث أبي مسعود البدري لما ضرب غلامه قال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: اعلم يا أبا مسعود أن الله أقدرُ عليك منك على هذا الغلام (485).

    هذه بعض الآثار التي تدل على إثبات عمر بن عبد العزيز لصفات الله تعالى على أصول منهج أهل السنة والجماعة.

    رابعًا: نهيه عن اتخاذ القبور مساجد
    عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: آخر ما تكلم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى- أو قال: لا يجتمع- دينان بأرض العرب" (486).. حدثنا حصين أن عمر بن عبد العزيز نهى أن يُبنى القبر بآجُرّ، وأوصى بذلك (487)، والحديث الذي أرسله عمر- رحمه الله- يبين تحذير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأمته من اتخاذ القبور مساجد، وبيَّن أن ذلك فِعلُ اليهود والنصارى، والمسلم منهيٌّ عن الاقتداء بهؤلاء الضالين المغضوب عليهم بنص القرآن.

    ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها مما أجمع على منعه سلفُ هذه الأمة كما مر عن عمر بن عبد العزيز؛ حيث نهى أن يُبنى القبر بآجرّ، وأوصى أن لا يُفعل ذلك بقبر (488)، ولما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء المسجد النبوي حين كان عمر عاملاً له على المدينة وإدخال حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها حجرة عائشة رضي الله عنه- التي فيه قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه- كان عمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخرَ القبر محدَّدًا بركن؛ لئلا يُستقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلَّى إليه، جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فبناه على هذا فصار للبيت خمسة أركان (489).

    والمقصود أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد سدَّ منافذ الشرك بعلمه وحكمته كما تبين من نقل من شاهدوا بناء المسجد النبوي في عهد ولايته على المدينة النبوية، ولا شك أن نهْيَ النبي- صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا كان خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، بل ربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية (490)، وقد منع عمر من اتخاذ البناء لقبره وأوصى بذلك، مع أنه كان في الزمن الذي فيه العقيدة صافيةٌ نقيةٌ إذا قورن ذلك الزمان بما بعده، ولكن لفهمه الصحيح لمقاصد السنة ولاتباعه المنهج الصحيح منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفَّقه الله تعالى للوصية بأن لا يبني على قبره خشيةَ أن يُتخذ مسجدًا، فحسم الموقف قبل أن يستفحل، ولا شك أن ما ذهب إليه عمر هو ما يدل عليه الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يجصَّص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه (491).

    خامسًا: مفهوم الإيمان عند عمر بن عبد العزيز
    قال عدي بن عدي: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع وحدودٌ وسننٌ، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص (492)، وعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: أما بعد.. فإن عُرى الدين وقوائم الإسلام الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فصلُّوا الصلاة لوقتها (493).. بيَّن عمر بن عبد العزيز أن الإيمان فرائض.. أي أعمالٌ مفروضةٌ، كالصلاة، والحج والصوم، وشرائع.. أي عقائد دينية كالإيمان بالله وملائكته، وحدودٌ.. أي منهيات ممنوعة كشرب الخمر والزنا، وسننٌ.. أي مندوبات كإماطة الأذى عن الطريق وغيرها من المندوبات، فهذه الأمور كلها من الإيمان (494)، وهذا المأثور عن عمر هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، فالإيمان عند أهل الحق قول اللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان (495).

    فمن الأدلة الدالة على أن الإيمان قول باللسان قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (البقرة: من الآية 136)، وقوله- صلى الله عليه وسلم-:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله" (496)، ومن الأدلة على أن أعمال القلوب من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..﴾ (الأنفال: من الآية 3)، والوجل من أعمال القلوب، وقد سمي في الآية إيمانًا، ومن الأدلة على أن أعمال الجوارح من الإيمان قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 143).. يبين ذلك سبب نزول الآية حين سئل عليه السلام: أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟! فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وفي هذا دلالةٌ على أنه تعالى سمَّى صلاتَهم إلى بيت المقدس إيمانًا، فإذا ثبت ذلك في الصلاة ثبت ذلك في سائر الطاعات (497).

    وكتب عمر بن عبد العزيز رسالةً، وفيها: "أسأل الله برحمته وسعة فضله أن يزيد المهتدي هدًى، وأن يرجع بالمُسيء التوبة في عافيته" (498)، وفي قوله عن الحديث عند الإيمان.. فمن استكملهن فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملهن لم يستكمل الإيمان (499)، فهذه الآثار تبين أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة والآثار عن السلف الصالح.. قال تعالى: ﴿تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: من الآية 2)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له" (500)، ومن أقوال سلف الأمة قول البخاري: لقِيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (501).

    سادسًا: الإيمان باليوم الآخر
    الحديث عن الإيمان باليوم الآخر يشتمل على أمور كثيرة، فكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه، وما يكون من البعث والنشور، وما يكون في يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار.. إلخ، وقد تحدث عمر بن عبد العزيز عن هذه الأمور منها:

    1- عذاب القبر ونعيمه: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: يا فلان، قرأت البارحة سورة فيها زيارة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 1، 2)، فكم عسى يلبث عند المزور حتى ينكفي إما إلى جنة وإما إلى نار (502)، وخطب مرةً فقال: أيها الناس ألا ترَون أنكم في أسلاب الهالكين وفي بيوت الميتين وفي دور الظاعنين، جيرانًا كانوا معكم بالأمس أصبحوا في دور خامدين، بين آمن روحه إلى يوم القيامة (503) وبين معذب روحه إلى يوم القيامة، وخطب مرةً أخرى بخناصرة فقال: "في كل يوم تشيعون غاديًا إلى الله ورائحًا قد قضى نحبه وانقضى أجله، ثم تغيبونه في صدع من الأرض غير موسَّد ولا ممهَّد، قد فارق الأحباب، وخلع الأسباب، وواجه الحساب، وسكن التراب، مرتهنًا بعمله، غنيًّا عما ترك، فقيرًا إلى ما قدم" (504)، وما قاله عمر بن عبد العزيز يدل على إثبات عذاب القبر ونعيمه، وهو معتقد أهل السنة والجماعة، وبهذا دلَّت النصوص من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر (505)، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (غافر: من الآية 45).

    2- الإيمان بالمعاد ونزول الرب لفصل القضاء: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة فقال: أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سُدًى، وإن لكم معادًا ينزل الله- تبارك وتعالى- للحكم فيه والفصل بينكم (506)، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد.. فكأن العباد قد عادوا إلى الله فينبئهم بما عملوا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (507)، وعن جرير بن حازم قال قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: "اعلم أن أحدًا لا يستطع إنفاذ قضايا ما بين الناس حتى لا يبقى منها شيءٌ لا بد أن تتأخر قضايا ليوم الحساب (508).

    وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة، أما بعد: فإني أذكرك ليلة تمخض بالساعة وصباحها القيامة، فيا لها من ليلة ويا لَه من صباحٍ كان على الكافرين عسيرًا (509)، وكتب إلى بعض الأجناد: أما بعد.. أوصيكم بتقوى الله ولزوم طاعته.. فمن كان راغبًا في الجنة أو هاربًا من النار فالآن في هذه الأيام الخالية، والتوبة مقبولة، والذنب مغفور قبل نفاذ الأجل وانقضاء المدة وفراغ الله عز وجل (510) للثقلين ليدينهم بأعمالهم في موطن لا تُقبل فيه فديةٌ، ولا تنفع فيه الحيلةُ، تبرز فيه الخفيات، وتَبطل فيه الشفاعات، يرِدُه الناس جميعًا بأعمالهم، ويتفرقون منه أشتاتًا إلى منازلهم، فطوبى يومئذ لمن أطاع الله عز وجل، وويل يومئذ لمن عصى الله عز وجل.

    إن الله- تبارك وتعالى- يجمع كل الخلائق، وبيانُ الحكمة من ذلك وبيانُ شدة هذا اليوم على الكفار هو مدلول الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى هنا، ولا شكَّ أن الإيمان بالمعاد من أهم العقائد التي تميز بها الإسلام، وقد تحدَّث القرآن الكريم عن الإيمان بالمعاد، إما تصريحًا وتأكيدًا أو تلميحًا وإشارةً وقد بيَّن الله تبارك في كثير من آيات الكتاب وجوب الإيمان بالبعث وبيَّن في بعضها الرد على من ينكر حشر الأجساد بحجج عقلية لا يمكن للمنكرين إلا الإذعان لها أو المكابرة (511) قال تعالى ﴿اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الروم: 11) وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 15، 16)، وقال في منكري البعث ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (ياسين: 77- 79)، وقال تعالى:﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى* أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة: 36-40).

    كما ثبت في الأحاديث الإيمان بالبعث، ومنها ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صحابةً ولا ولدًا" (512)، ومضمون هذه النصوص هو المأثور عن عمر (513).

    3- الميزان: قال عمر بن عبد العزيز: أوما رأيتم حالات الميت؟! وجهه مفقود، وذِكره منسي، وبابه مهجور، كأن لم يخالط إخوانَ الحفاظ ولم يعمر الديار.. واتقوا يومًا لا يخفي فيه مثقال ذره في الموازين (514). قال:.. أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عولتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغِنَى والفقر، والموازين منصوبة (515).

    وعن بجدل الشامي عن أبيه- وكان صاحبًا لعمر بن عبد العزيز- قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يتلو علي هذه الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء: من الآية 47) حتى ختمها، فمال على أحد شقيه يريد أن يقع (516)، فهذه الآثار تدل على أن بعد القيام من القبور والذهاب إلى المحشر، ونزول الرب تبارك وتعالى- يليق بجلاله- لفصل القضاء ينصب الميزان، وهو ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة (517).. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكِفَّتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان وغيرهم وقالوا: هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليُرِيَ العبادَ أعمالهم ممثلةً ليكونوا على أنفسهم شاهدين (518)، وهذا الميزان دقيق لا يزيد ولا ينقص قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).

    4- الحوض: كتب عمر بن عبد العزيز إلى صاحب دمشق أن سَلْ أبا سلام عما سمع من ثوبان مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الحوض فإن كان يثبته فاحمله على مركبة من البريد (519)، وفي رواية: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلام الحبشي يحمل على البريد، فلما قدم عليه قال: لقد شق علي، قال عمر: ما أردنا ذلك، ولكنه بلغني عنك حديث ثوبان في الحوض، فأحببت أن أشافِهَك به فقال: سمعت ثوبان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن حوضي من عدن إلى عمان البلقاء (520) ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم السماء، مَن شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين (521)، ولا شك أن الإيمان بالحوض هو عقيدة أهل السنة والجماعة استنادًا إلى النصوص الصريحة بذلك وأدلة إثبات الحوض في السنة بلغت حد التواتر.

    5- الصراط: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أخٍ له: يا أخي، إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله، فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أُوحي إلى نبيك- صلى الله عليه وسلم- في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج، وإياك أن تغرَّك الدنيا، فإن الدنيا دارُ من لا دارَ له، ومالُ من لا مالَ له (522)، وهذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- يدل على الإيمان بالصراط، وذلك أنه بعد الخروج من عرصات القيامة في اليوم العصيب يمر الناس على الصراط، وهو جسرٌ ممدودٌ على متن جهنم، أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف، يرِدُه الأولون والآخرون من أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق فتُلقى عليهم الظلمة قبل الصراط، وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلَّفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويُحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، ويعطَى كلُّ مؤمن نورَه بقدر عمله يُضيء له الطريق فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح، ومنهم من يرمل رملاً حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرّ يدٌ وتعلق يدٌ وتخر رجلٌ وتصيب جوانبه النار(523).

    وقد دل الكتاب والسنة على المرور على الصراط.. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم: 72) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: 73)، وقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة" قالت حفصة: فقلت يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾؟ فقال ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: 72)، أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولَها، وأن النجاة من الشرِّ لا تستلزم حصوله، فالمؤمنون يمرون فوق النار على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويَذَر الظالمين فيها جثيًّا، فبين صلى الله عليه وسلم أن الورود هو الورود على الصراط (524)، والحق أن الورود على النار ورودان: ورود الكفار أهل النار، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98) أي بئس المدخل المدخول، والورود الثاني: ورود الموحدين وهو مرورهم (525) على الصراط وهو ما عناه عمر بن عبد العزيز رحمه الله في الأثر الماضي.

    6- الجنة والنار: بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلَّى عنهم الصبر قالت فاطمة بأبي أنت يا أمير المؤمنين ممَّ بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، ثم صرخ وغشي عليه (526)، وعن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يومًا ساكتًا وأصحابه يتحدثون فقالوا له: ما لك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟! قال: كنت مفكِّرًا في أهل الجنة كيف يتزاوَرون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى (527)، وكتب إلى بعض الأجناد: واعلم أنه ليس يضرُّ عبدًا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة ما أصابه في الدنيا من فقر وبلاء، وأنه لن ينفع عبدًا صار إلى سخط الله وإلى النار ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء، وما يجد أهل الجنة من مكروه أصابهم في دنياهم وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم كل شيء من ذلك لم يكن (528).

    وعن الفضل بن ربيع قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: يا أخي.. اذكر طول سهر أهل النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد انقطاع الرجاء، فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر فقال له ما أقدمك؟! قال: خلعتَ قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولايةٍ أبدًا حتى ألقَى الله تعالى (529)، ومعتقد عمر بن عبد العزيز في الجنة والنار هو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (الانفطار: 14)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا* جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه: 75- 76)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (530).

    7- رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: أما بعد.. فإني أوصيك بتقوى الله، والتمسك بأمره، والمعاهدة على ما حمَّلك الله من دينه، واستحفظك من كتابه؛ فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه، وبها تحقَّق لهم ولايته، وبها وافقوا (531) أنبياءَه، وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم (532)، وهذا المعتقد الذي كان يعتقده عمر بن عبد العزيز في رؤية الله تعالى في الجنة من أعظم النعم بعد نعمة التوفيق والهدايا.. قال تعالى في وصف المؤمنين في ذلك اليوم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 22، 23)، وقال جل شأنه ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: 26)، وعن صهيب قال: قيل لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ينادي منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فقالوا: ألم تبيِّض وجوهَنا وتثقِّل موازيننا وتُجِرْنَا من النار.. قال: فيكشف الحجاب فينظروا إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل" (533).

    سابعًا: الاعتصام بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين
    1- اتباع الكتاب والسنة: لما وُلِّي عمر بن عبد العزيز كتب: أما بعد.. فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم كتابه والاقتداء بسنة نبيه وهديه (534)، وليس لأحد في كتاب الله ولا في سنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- أمرٌ ولا رأيٌ إلا إنفاذه والمجاهدة عليه (535)، فإن الذي في نفسي وبقيتي في أمر أمة محمد صلى الله عليه ومسلم أن تتَّبعوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد، من عمل بغيرهما فلا كرامةَ ولا رفعةَ له في الدنيا والأخرى، وليعلم من عسى أن يذكر له ذلك، ولعمري لأن تموت نفسي في أول نفَس أحبُّ إليَّ من أن أحملهم على غير اتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم التي عاش عليها من عاش وتوفاه الله عليها حين توفاه، إلا أن يأتي عليَّ وأنا حريص على اتباعه، وإن أهون الناس عليَّ تلفًا وحزنًا لمَن عسى أن يريد خلاف شيء من تلك السنة (536).

    وقال عمر بن عبد العزيز: إن الله فرض فرائض وسنَّ سننًا، من أخذ بها لحق، ومن تركها محق (537)، وقال: يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملت به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي (538)، وكتب إلى الخوارج: "فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم" (539)، وقال: سنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها الاعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمرٍ خالفَها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاَّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا (540).

    فهذه الآثار توضح اتباع عمر للكتاب والسنة ولزومه إياهما، وبذل الجهد، والطاقة في تطبيقهما، وإن أدى ذلك إلى قطع الأعضاء وإزهاق النفس، وما ذهب إليه عمر هو أصل الدين وأساسه.. قال تعالى:﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65) وقال- صلى الله عليه وسلم-:"يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنتي" (541).

    2- الاعتصام بسنة الخلفاء الراشدين: عن حاجب بن خليفة البرجمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنَّ سواهما فإنا نُرجئه (542)، وكتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: من عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله: أما بعد.. فقد ابتليت بما ابتليت به من أمر هذه الأمة من غير مشاورة مني، ولا إرادة يعلم الله ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فاكتب به سيرة عمر بن الخطاب في أهل القبلة وأهل العهد، فإني سائرٌ بسيرته إن أعانني على ذلك والسلام (543).

    وعن عون بن عبد الله، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز أعدلان عندك عمر وابن عمر؟ قال: قلت نعم، قال: إنهما لم يكونا يكبران هذا التكبير (544)، وعن الأزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران، قال الزهري: فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان (عن أبيه): ليس على المجنون ولا السكران طلاق، فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟! فجلده وردَّ إليه امرأته (545).

    إن عمر بن عبد العزيز تمسك بسنة رسول الله وخلفائه الراشدين وأعاد للخلافة الراشدة معالمها وملامحها وسار على هديها وعض على سننهم بالنواجز، ورجع إلى أقوالهم عند النزاع، وأخذ بها في الحكم على أهل القبلة وأهل العهد، كما أخذ بها في العبادات والمعاملات وقد أولى الخليفة الأول والثاني أبا بكر وعمر جل اهتمامه، وعدَّ الأخذ بسنتهم أخذًا بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، كما أخذ بسنة الخليفة الثالث فور سماعه وطبَّق تلك السنة، واعتصم بسنة الخليفة الرابع في معاملة الخوارج؛ حيث ناظرهم وكتب إليهم فلما تمادَوا حاربَهم، وحكم على أموالهم وذراريهم وأسراهم بقضاء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنهم (547)، بل يرى عمر بن عبد العزيز أن من خرجَ عن سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه الراشدين- رضي الله عنهم- فهو خارج عن سبيل المؤمنين، وهو من الفرقة الهالكة، وكل ما سنه الخلفاء الراشدون فإنه من سنته- صلى الله عليه وسلم- لأنهم إنما سنُّوه بأمره ولا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه، واتباع سنة الخلفاء الراشدين في العقائد والأحكام هو ما عليه السلف الصالح، وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115)، وقال صلى الله عليه وسلم: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (548)، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوسًا فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذَين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر (549).

    3- التمسك بما تدل عليه الفطرة: عن جعفر بن رقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن شيء
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    المؤسسة القضائية في عهد عمر بن عبد العزيز وبعض اجتهاداته الفقهية

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 21:21



    أولاً: في الأقضية والشهادات:

    1- في صفات القاضي:
    كان عمر بن عبد العزيز يدقق في اختيار القضاة حتى لا يُبتلى الناس بقاضٍ يتخبط فيهم بغير حق، ولهذا فقط اشترط عمر بن عبد العزيز في القاضي خمسة شروط ولا يجوز له أن يلي القضاء حتى تكتمل فيه هذه الشروط وهي: العلم، والحلم، والعفة، والاستشارة، والقوة في الحق. فعن مزاحم بن زفر قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز في وفد أهل الكوفة فسألنا عن بلدنا وأميرنا وقاضينا، ثم قال: خمس إن أخطأ القاضي منهن خصلة كانت فيه وصمة، أن يكون فهيمًا، وأن يكون حليمًا وأن يكون عفيفًا وأن يكون صليبًا وأن يكون عالمًا يسأل عما لا يعلم، وفي رواية عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الرأي، لا يبالي ملامة الناس. وقد قال بهذا المعنى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وذهب الأئمة الأربعة إلى موافقة عمر بن عبد العزيز في كل أو جل هذه الصفات.

    2- في حكم القاضي في ما استبان له ويرفع ما التبس عليه:
    قد يكون هناك بعض القضايا المتشابكة والتي أمرها يحيّر القاضي فهل يحكم القاضي فيها وإن لم يظهر له الحق أم يتركها لمن هو أعلم منه؟ لقد قرر عمر بن عبد العزيز قرارًا هو درس في القضاء يجب أن يعمل به إلى يوم القيامة، ذلك أنه يرى أن القاضي إن تبين له الحق حكم به وإن لم يظهر له فلا يترك القضية وإنما يرفعها إلى من هو فوقه لينظرها، عن ميمون بن مهران أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يشكو شدة الحكم والجباية- وكان قاضي الجزيرة وعلى خراجها- قال: فكتب إليه عمر: إني لم أكلفك ما يُعنتك، أجب الطيب، واقضي بما استبان لك من الحق، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إليّ، فلو أن الناس إذا ثقل عليهم أمر تركوه، ما قام دين ولا دنيا. وهذا الأثر يبين أن الله- سبحانه وتعالى لم يجعل الناس في العلم ولا في الفهم سواء بل هم درجات في ذلك والذي يولي القضاء عليه أن يحكم بين الناس الذين ولي أمرهم وذلك فيهم ظهر له من الحق، فإذا شق عليه أمر من هذه القضايا فعليه أن يستشير أهل العلم في بلاده، فإن لم يجد عندهم معرفة لهذا الأمر رفعه إلى من هو أعلم منه أو إلى الأمر ليحوِّل هذه القضية إلى غيره، أو ليحكم فيها إن كان من أهل العلم، وكان عمر بن عبد العزيز له مجالس علمية يستشير فيها العلماء والفقهاء وأصحاب الرأي في أمور الدين والدنيا، وكان يقتطع من أوقات راحته في الليل، الذي أدرك عمر كم هو حيوي للتوصل إلى الحقائق وقد أعرب عن إدراكه العميق لما يأتي عن التقاء الأفكار من نتائج فكرية إيجابية، عندما سأله رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين نهارك كله مشغول، وهذا جزء من الليل وأنت تسمر معنا؟ فقال عمر: يا رجاء، إن ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها، وإن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة، لا يضل معهما رأى ويقعد معهما حزم. وجدت ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها.

    3- في الرفق بالحمقى والنهي عن العقوبة في الغضب:
    كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد. أما بعد.. فإذا حضرك الخصم الجاهل الخرق ممن قدر الله أن يوليك أمره، وأن تبتلي به فرأيت منه سوء رِعة، وسوء سيرة في الحق عليه، والحظ له، فسدده ما استطعت وبصره وأرفق به وعلمه، فإن اهتدى وأبصر وعلم كانت نعمة من الله وفضلاً، وإن هو لم يبصر ولم يعلم كانت حجة اتخذت بها عليه، فإن رأيت أنه أتى ذنبًا استحل فيه عقوبة فلا تعاقبه بغضب من نفسك ولكن عاقبه وأنت تتحرى الحق على قدر ذنبه بالغًا ما بلغ وإن لم يبلغ ذلك إلا قدر جلدة واحدة تجلده إياها، وإن ذنبه فوق ذلك، ورأيت عليه من العقوبة قتلاً فما دونه فأرجعه إلى السجن، ولا يسرعن بك إلى عقوبته حضور من يحضرك، وكان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه.

    إن العقوبة أثناء الغضب يحتمل أن يتجاوز القاضي فيها الحق تحت تأثير الغضب فيظلم المذنب، وخوفًا من التعدي في العقوبة فقد طلب عمر بن عبد العزيز من القاضي أن يحبس المذنب حتى يذهب غضب القاضي، ثم يحكم عليه وهو في هدوء على قدر ذنبه.

    4- خطأ الوالي في العفو خير من تعديه في العقوبة:
    عن أبي عقبة أن عمر بن عبد العزيز قال: ادرؤوا الحدود ما استطعتم في كل شبهة، فإن الوالي إذا أخطأ في العفو خير من أن يتعدى في العقوبة.

    5- في ترك العمل بالظن:
    ولى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطي على جند قنسرين، والفرات بن مسلم على خراجها، فتباغيا.. ولم قدم قابل، وقدم الوليد ومع رؤوس أنباط قنسرين كتب عمر إلى الفرات أن أقدم فقدم، وإنه لقاعد خلف سرير عمر إذ دخل الأنباط فقال لهم عمر: ماذا أعددتم لأميركم في نُزله لمسيره إليّ. قالوا: وهل قدم يا أمير المؤمنين، قال: ما علمتم به. قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، فأقبل عمر بوجهه على الوليد، فقال: يا وليد: إن رجلاً ملك قنسرين وأرضها خرج يسير في سلطانه وأرضه حتى انتهى إليَّ لا يعلم به أحد، ولا ينفر أحدًا ولا يروعه، لخليق أن يكون متواضعًا عفيفًا، قال الوليد: أجل والله يا أمير المؤمنين، إنه لعفيف وإني له لظالم، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال عمر: ما أحسن الاعتراف، وأبين فضله على الإصرار وردهما عمر على عملهما: فكتب إليه الوليد- وكان مرائيًا- خديعة لعمر وتزينا بما هو ليس عليه: إني قدرت نفقتي لشهر فوجدتها كذا وكذا درهمًا، ورزقي يزيد على ما أحتاج إليه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحط فضل ذلك، فقال عمر: أراد الوليد أن يتزين عندنا بما لأظنه عليه، ولو كنت عازلاً أحدًا على ظن لعزلته، ثم أمر بحط رزقه الذي سأله، ثم أمر بالكتاب إلى يزيد بن عبد الملك وهو ولي عهده: إن الوليد بن هشام كتب إلي كتابًا ظني أنه تزين بما ليس هو عليه ولو أمضيت شيئًا على ظني ما عمل لي أبدًا، ولكني آخذ بالظاهر وعند الله علم الغيوب، فأنا أقسم عليك إن حدث بي حادث وأفضى هذا الأمر إليك فسألك أن ترد إليه رزقه وذكر أني نقضته فلا يظفر منك بهذا أبدًا فإنما خادع بالله والله خادعه، فلما مات عمر واستخلف يزيد كتب الوليد: إن عمر نقصني وظلمني، فغضب يزيد وبعث إليه فعزله، وأغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر ويزيد كلها فلم يلِ له عملاً حتى هلك.

    6- في الهدية لولاة الأمر:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى اعتبار الهدية لولاة الأمر من خلفاء وولاة الأقاليم وقضاة وغيرهم رشوة وقد رفض الهدية مع شدة حاجته إليها وأمر الناس بعدم تقديم الهدايا لولاة الأمر كما أمر الولاة بأن لا يقبلوا شيئًا من الهدايا، عن فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فبعث فلم يجد شيئًا يشترون له به، فركب وركبنا معه فمر بدير فتلقاه غلمان للديرانيين معهم أطباق فيها تفاح، فوقف على طبق منها فتناول تفاحة فشمها ثم أعادها إلى الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم لا أعلمكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء قال: فحركت بغلتي فلحقته فقلت: يا أمير المؤمنين، اشتهيت التفاح فلم يجدوه لك فأُهدي لك فرددته قال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية. قال: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة.

    7- في نقض الأحكام إذا خالفت النصوص الشرعية:
    كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس. وقد وافق عمر بن عبد العزيز في رد الأحكام إذا خالفت كتاب الله أو سنة نبيه أو الإجماع، الشورى وذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد أنه ينقضي الحكم إذا خالف الكتاب والسنة أو الإجماع.

    8- في من ضيع أمانته فعليه اليمين بعدم التفريط:
    كتب وهب بن منبه إلى عمر بن عبد العزيز: إني فقدت من بيت مال اليمن دنانير. فكتب إليه عمر: أما بعد فإني لست أتهم دينك ولأمانتك ولكن أتهم تضييعك وتفريطك، وإنما أنا حجيج المسلمين في مالهم، وإنما لأشحهم يمينك فاحلف لهم والسلام.

    9- في أثر البينة الغائبة على تأخير القضاء:
    كان عند عمر بن عبد العزيز نفر من قريش يختصمون إليه فقضى بينهم فقال: المقضي عليه: أصلحك الله! إن لي بينة غائبة فقال عمر: إني لأؤخر القضاء بعد أن رأيت الحق لصاحبه، ولكن انطلق أنت فإن أتيتني بينة وحق هو أحق من حقهم فأنا أول من رد قضاءه على نفسه.


    10- نفقة البعير الضال:
    عن الشعبي قال: أضل رجل بعيرًا فوجده عند رجل قد أنفق عليه، أعلفه وأسمنه، فاختصما إلى عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ أمير على المدينة فقضى لصاحب البعير ببعيره وقضى عليه بالنفقة.

    11- في حرية اللقيط:
    جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أهل مكة أن اللقيط حر.

    12- شهادة الرجل لأخيه أو لأبيه:
    إن عمر بن عبد العزيز كتب: أن أجز شهادة الرجل لأخيه إذا كان عدلاً.

    ثانياً: في الدماء والقصاص:
    1- تخيير الأوفياء في قتل العهد بين العفو والدية والقتل:
    كتب عمر بن عبد العزيز في امرأة قتلت رجلاً: إن أحب الأولياء أن يعفو عفوًا، وإن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، وإن أحبوا أن يأخذوا الدية أخذوها وأعطوا امرأته ميراثها من الدية.

    2- في التأني حتى يبلغ ولي المقتول:
    كتب عمر بن عبد العزيز في رجل قُتل وله ولد صغير، فكتب أن يتأنى بالصغير حتى يبلغ

    3- في عفو بعض الأولياء يسقط القود:
    عن الزهري قال: وكتب به عمر بن عبد العزيز أيضًا: إذا عفا أحدهم فالدية.

    4- في القتل بعد أخذ الدية:
    قال عمر بن عبد العزيز: والاعتداء الذي ذكر الله أن الرجل يأخذ العقل، أو يقتص، أو يقضي السلطان فيما بين الجارح والمجروح أو يعدو بعضهم بعد أن يستوعب حقه، فمن فعل ذلك فقد اعتدى والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة، ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحق أن يعفو عنه بعد اعتدائه إلا فإذن السلطان، وعلى تلك المنزلة كل شيء من هذا النحو فإنه بلغنا أن هذا الأمر الذي أنزل الله فيه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء، من الآية 59)، وما كان من جرح فوق الأدنى ودون الأقصى فهو يرى فيه بحساب الدية.

    5- في القتيل يوجد في السوق:
    كتب عدي بن أرطأة قاضي البصرة إلى عمر بن عبد العزيز إني وجدت قتيلاً في سوق الجزارين قال: أما القتيل فديته من بيت المال.

    6- في القتل في الزحام:
    إذا قتل الإنسان بسبب ازدحام الناس ولم يعلم من قتله فهل يذهب دمه هدرًا؟ إن عمر بن عبد العزيز يرى أن مات بهذا السبب فديته في بيت المال. فعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في رجلين ماتا في الزحام: أن يؤديا من بيت المال فإنما قتله يد أو رجل.

    ثالثاً: في الديات:
    1- مقدار الدية:
    كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد أن الدية كانت على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مائة بعير.

    2- في دية اللسان:
    عن سليمان بن موسى قال: في كتاب عمر بن عبد العزيز في الأجناد: ما قطع في اللسان فبلغ أن يمنع الكلام كله ففيه الدية كاملة وما نقص دون ذلك فبحسابه.

    3- في دية الصوت والحنجرة:
    حيث إن الصوت مصدره الحنجرة وأن إتلافها قد يذهب بالصوت ومن ثم فلا كلام فقد رأى عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- أن فيها الدية كاملة إذا انقطع الصوت من ضربة، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: في الحنجرة إذا كسرت فانقطع الصوت الدية كاملة.

    4- في دية الذكر:
    وأما الذكر فلأهميته للرجل ولأنه إذا ذهب انقطعت شهوته وذهب نسله فقد رأى عمر بن عبد العزيز أنه إذا ذهب كله ففيه الدية كاملة، وما كان دون ذلك فيحاسبه، فعن عبد العزيز عن عمر بن عبد العزيز في الذكر الدية، فما كان دون ذلك فبحسابه.

    5- في دية إفضاء المرأة:
    إذا أصاب الرجل المرأة فأفضاها فقد ينتج عن ذلك منع اللذة والجماع، وقد نتج عنه عدم حبس الحاجتين والولد، ونظرًا لخطورة هذا الأمر فقد جعل فيه عمر بن عبد العزيز الدية كاملة وفي رواية عنه أنه جعل فيه ثلث الدية، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن عمر بن عبد العزيز يجعل في إفضاء المرأة الدية كاملة إذا لم يحبس الحاجتين والولد، وثلث الدية إذا حبس الحاجتين والولد.

    6- في دية الأنف:
    نظرًا للمصالح المترتبة على وجود الأنف من التنفس عن طريقه ومعرفة الروائح والتمييز بينها، إضافة إلى جمال الوجه بوجود الأنف، والتشويه الحاصل بقطعه كما أن العرب ترى في جدع الأنف إهانة لا يعدلها إهانة، لذلك فقد جعل عمر بن عبد العزيز فيه الدية كاملة إذا جدع من أصله، وأن ما كان دون ذلك فبحسابه.

    7- في دية الأذن:
    حيث إن الأذن تؤدي نصف منفعة السمع ولأنها مهما يكون في الإنسان منه اثنتان فإن عمر بن عبد العزيز يرى إذا استؤصلت أو ذهبت منفعتها ففيها نصف الدية حيث إن قوله في الأذن نصف الدية يتناول ذهاب سمعها ويتناول استئصالها.

    8- في دية الرجل:
    لما كان الإنسان لا يستطيع المشي إلا بالرجلين وأنه بالرجل الواحدة يكون قعيدًا ولأن الرجل مما يكون في الإنسان منه اثنتان، فقد جعل عمر بن عبد العزيز في الرجل نصف الدية.

    9- في دية ما بين الحاجبين:
    هناك بعض الجزئيات في الديات لم يتعرض لها العلماء وقبل عمر بن عبد العزيز، وها هو عمر بن عبد العزيز يرى فيها رأيه، من هذه الأمور دية الكسر إذا وقع بين الحاجبين وشان الوجه ولم ينقل منها العظام، فقد قال:.. فإن كان بين الحاجبين كسر شان الوجه ولم ينقل منها العظام فربع الدية.

    10- في دية الجبهة إذا هشمت:
    قال عمر بن عبد العزيز: في الجبهة إذا هشمت وفيها غوص من داخل مائة وخمسون دينارًا.

    11- في دية الذقن:
    وأما الذقن إذا كسرت فإن عمر بن عبد العزيز فيرى أن فيها ثلث الدية، فقد قال: في الذقن ثلث الدية. هكذا يقرر عمر بن عبد العزيز باجتهاده وبرأيه السديد أمورًا لم يسبق إليها منها دية الذقن إذا كسرت فإنه جعل فيها ثلث الدية نظرًا لأهميتها حيث يمتنع مع كسرها مضغ الطعام وفتح الفم. ويبدو أن هذا القول تفرد به.

    12- في دية الأصابع:
    نظرًا لأهمية الأصابع وخاصة أصابع اليد، فقد رأى عمر بن عبد العزيز أن في كل أصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر الدية وفي كل قصبة من قصب الأصابع ثلث دية الأصبع إلا الإبهام لأنه قصبتان ففي كل قصبة منه نصف دية الأصبع، فعن عمر بن عبد العزيز: في كل أصبع عشر من الإبل أو عدل ذلك من ذهب أو ورق.

    13- في دية الظفر:
    حتى الظفر لم يغفل عنه عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- فقد جعل فيه إذا أسود أو سقط عشر دية الأصبع عشرة دنانير، فعن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع له في الظفر إذا نزع فعرّ، أو سقط أو أسود، العشر في دية الأصبع، عشرة دنانير.

    رابعًا: في الحدود:

    1- أهمية إقامة الحدود:
    حيث إن إقامة الحدود سبب في حفظ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم واستتباب الأمن في بلادهم، فقد أكد عمر بن عبد العزيز على إقامة الحدود حتى جعلها من حيث الأهمية كإقامة الصلاة والزكاة، فقد كتب عمر بن عبد العزيز: إن إقامة الحدود عندي كإقامة الصلاة والزكاة.

    2- في منع الرجوع عن الحدود بعد بلوغها الإمام:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى مسائل الحدود إذا رفعت إلى الإمام أو القاضي فإنها تكون قد بلغت حدًا لا يمكن الرجوع فيه بل يجب تنفيذ ما ثبت من الحدود.

    3- في اجتماع أكثر من حد على رجل واحد:
    قد يأتي الرجل بعدة جرائم قبل أن يقام عليه الحد مثل أن يزني ويسرق ويقتل، فهل قتل كافٍ عن الحدود الأخرى فيأتي عليها؟ أم أنها تقام عليه الحدود ثم يقتل؟ إن الرواية عن عمر بن عبد العزيز تدل على أنه يقيم الحدود أولاً ثم يقتله.

    4- في عدم القطع أو الصلب إلا بعد مراجعة الخليفة:
    رأى عمر بن عبد العزيز أن على الولاة مراجعة الخليفة في قضايا القتل والصلب، وألا يُقتل أحد ولا يُصلب إلا بعد موافقة الخليفة على ذلك.

    5- يشترط في المقذوف لحده أن يكون مسلمًا:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنه لا حد في قذف كافرًا، وذلك لأن الكفر أكبر من الزنا المقذوف به، فلا حاجة إلى إثبات براءته من هذا الذنب ما دام فيه أكبر منه وهو الكفر، فعن طارق بن عبد الرحمن ومطرف بن طريف قالا: كنا عند الشعبي فرفع إليه رجلان، مسلم ونصراني، قذف كل واحد منهما صاحبه فضرب النصراني للمسلم ثمانين، وقال للنصراني: لما فيك أعظم من قذف هذا فتركه، فرفع ذلك إلى عبد الحميد بن زيد، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز فذكر ما صنع الشعبي، فكتب عمر يحسِّن ما صنع الشعبي. هكذا يرى عمر بن عبد العزيز أنه لا حد على قذف الكافر إذ ليس بعد الكفر ذنب، ولأن الكافر فيه الكفر وهو أكبر مما قذف به، إذ لو وجد فيه الزنا فهو أقل من الكفر، إذن فلا حد على من قذف الكافر.

    6- عدم سقوط الحد بقذف الرجل ابنه:
    إذ قذف الرجل ابنه، فهل يقام عليه الحد أم لا يقام؟ وهل من حق الأب على ابنه أن يقذف بما ليس فيه؟ وإذا كان عليه حد فهل يسقط عنه إذا عفا الابن؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن من قذف ابنه يقام عليه الحد، إلا أنه إذا عفا الولد عن والده فلا يقام عليه حد، فعن ابن جريح قال: أخبرني رزيق- صاحب أيلة- أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل افترى على ابنه، فكتب بحد الأب إلا أن يعفو عنه ابنه.

    7- عقوبة قذف النصرانية تحت المسلم:
    إذا كانت النصرانية تحت مسلم، ونظرًا لأن قذفها يتعدى لزوجها المسلم أو ابنها المسلم فإن عمر بن عبد العزيز يجلد من قذفها دون الحد. فعن أبي إسحاق الشيباني عن عمر بن عبد العزيز في رجل قذف نصرانية لها ولد مسلم، فجلده عمر بضعة وثلاثين سوطًا. وقد وافق عمر بن عبد العزيز في رأيه هذا الزهري، وقال قتادة: يجلد الحد. وقد اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنه لا يحد، وأما المالكية فقالوا: ينكل من أجل أولادها المسلمين.

    8- قذف المرأة للرجل بنفسها:
    عن عمر بن عبد العزيز أنه أتته امرأة فقالت: إن فلانًا استكرهني على نفسي، فقال: هل سمعك أحد أو رآك؟ قالت: لا، فجلدها بالرجل. هذه مسألة لا تتناول عقوبة الزنا، وإنما هي خاصة بالقذف، فالمرأة التي تدعى على الرجل أنه استكرهها على الزنا، هي بكلامها هذا تعتبر قاذفة له بنفسها وعليه حد القذف إلا أن تأتي ببينة تدرأ عنها هذا الحد، فسماع صياح المرأة هو عند عمر بن عبد العزيز يعفيها من حد القذف أو أن يكون أحد رآها وقد وافق عمر بن عبد العزيز في جلدها إن لم يكن لها بينة وافقه الزهري وقتادة وربيعة ويحي بن سعيد الأنصاري.

    9- قطع السارق قبل خروجه بسرقته:
    ذهب عمر بن عبد العزيز بأنه لا قطع على السارق حتى يخرج بسرقته، فعن عمر بن عبد العزيز قال: لا يقطع حتى يخرج بالمتاع من البيت.

    10- النباش سارق يستحق القطع:
    إن من الناس من يأتي أمورًا تشمئز منها النفوس، حتى الميت في قبره لم يسلم من بعض المنحرفين، فهناك سارق يحفر القبر ويأخذ أكفان الميت، وهذا عمر بن عبد العزيز يرى أن النباش سارق يستحق القطع، لأن من سرق من الأموات كما سرق من الأحياء، فعن معمر قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز قطع نباشًا.

    11- عقوبة شرب الخمر للمرّة الثانية:
    عن عبادة بن نسي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يضرب رجلاً حدًا في خمر فخلع ثيابه ثم ضربه ثمانين رأيت منها ما بضع ومنها ما لم يبضع ثم قال: إنك إن عدت الثانية ضربتك ثم ألزمتك الحبس حتى تُحدث خيرًا. قال يا أمير المؤمنين أتوب إلى الله أن أعود في هذا أبدًا فتركه عمر.

    12- عقوبة ساقي الخمر:
    إن من يوفر الخمر أو يقدمها لم يشربها ينبغي أن لا تقل عقوبته عن شاربها لأنه تسبب في إيصالها لمن يشربها، ولذلك فقد جلد عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- ساقي الشراب مع الذين يشربون، فعن ابن التميمي أن عمر بن عبد العزيز وجد قومًا على شراب، ووجد معهم ساقيًا، فضربه معهم.

    13- إتلاف أواني الخمر مع الخمر:
    عن هارون بن محمد عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يأمر بزقاق الخمر أن تشقق وبالقوارير أن تكسر.

    14- إدخال الكفار الخمر إلى بلاد المسلمين:
    إذا كان الكفار يعتقدون حل الخمر ويشربونها في بلادهم، فإذا جاؤوا إلى بلاد المسلمين ومعهم الخمر فهل يسمح لهم بدخولها معهم؟ أو يسمح بتوفيرها لهم ليشربوها في بلاد المسلمين؟، إن الكفار في بلاد المسلمين أن يصبروا عن الخمر ما داموا يرغبون العيش في بلاد المسلمين، وإذا كان لكل دولة نظمها والداخل إليها يجب أن يراعيها، ولأن هذا نظام دولة الإسلام وهو أيضًا نظام رب العالمين فهو أحق بالرعاية والالتزام، ومن هذا المنطلق نجد عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الذمة من إدخال الخمر معهم إلى بلاد المسلمين فقد كتب عمر في خلافته: أن لا يدخل أهل الذمة بالخمر أمصار المسلمين فكانوا لا يدخلونها.

    15- في عقوبة الساحر:
    عن همام عن يحيى أن عامل عُمان كتب إلى عمر بن عبد العزيز في ساحرة أخذها، فكتب إليه عمر: إن اعترفت أو قامت عليها البينة فاقتلها. وهذا مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد، وقد كتب عمر بن الخطاب في خلافته إلى الولاة أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.

    16- استتابة المرتد:
    المسلمون لا يكرهون أحدًا على الإسلام ولكنهم أيضًا لا يقبلون التلاعب بالدين، فمن دخل في دين الإسلام طائعًا مختارًا أو ولد في الإسلام ثم كفر بعد إيمانه فإن عمر بن عبد العزيز يرى أن يستتاب ويدعى إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن تاب ورجع إلى الإسلام قبل منه فإن أبى ضربت عنقه.

    17- طريقة استتابة المرتد:
    عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه قال: كنت عاملاً لعمر بن عبد العزيز فكتبت إليه أن رجلاً كان يهوديًّا فأسلم ثم تهود فرجع عن الإسلام، فكتب إلى عمر: أن ادعه إلى الإسلام، فإن أسلم فخل سبيله وإن أبى فادع بالخشبة فاضجعه عليها، ثم ادعه، فإن أبى فأوثقه ثم ضع الحربة على قلبه ثم ادعه، فإن رجع فخل سبيله وإن أبى فاقتله. قال: ففعل ذلك به حتى وضع الحربة على قلبه، فأسلم فخلى سبيله. قال الدكتور محمد شقير: لم أر قولاً لغير عمر بن عبد العزيز بهذا التفصيل وذهب الأئمة الأربعة إلى أن المرتد يقتل بعد استتابته إذا لم يرجع إلى الإسلام.

    18- عقوبة المرتدة:
    رأى عمر بن عبد العزيز أن تستتاب المرتدة، فإن تابت وإلا تسترق وتباع على غير أهل دينها. وهذا رأي قتادة قال: تُسبى وتباع، وكذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الردة ، وروي عن الحسن قال: لا تقتلوا النساء إذا هنّ ارتددن عن الإسلام ولكن يدعين إلى الإسلام، فإن هن أبين سبين فيجعلن إماء المسلمين ولا يقتلن.

    خامسًا: في التعزيرات:

    1- في الحد الأقصى للضرب تعزيرًا:
    العقوبة بالجلد تنقسم إلى قسمين: حد وتعزير، فالحد قد نص الشارع الحكيم عليه، فمقداره محدد، لا مجال لأحد أن يزيد عليه أو ينقص منه، وأما الجلد تعزيرًا فهو عقوبة لإتيان أمر لا حد فيه، أو أي جناية لا حد فيها فهو متروك للحاكم ليحدد مقداره حسب ما يرى، إلا أن عمر بن عبد العزيز جعل لذلك حدًا أقصى لا تجوز الزيادة عليه على قولين، الأول، لا تجوز الزيادة على ثلاثين جلدة، فعن محمد بن قيس أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بمصر: لا تبلغ العقوبة أكثر من ثلاثين سوطًا إلا في حد من حدود الله. وفي القول الثاني: لا يبلغ بالجلد تعزيرًا أقل الحدود فعلى هذه الرواية لا يزاد للحر عن تسع وثلاثين جلدة ولا يزاد للعبد على تسع عشرة جلدة، لأن العشرين للعبد والأربعين للحر هي أقل الحدود وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أن عاقبوا الناس على قدر ذنوبهم، وإن بلغ ذلك سوطًا واحدًا وإياكم أن تبلغوا بأحد حدًا من حدود الله.

    2- النهي عن أخذ الناس بالمظنة وضربهم على التهمة:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى عدم جواز الأخذ بالظن أو الضرب على التهمة فهو يقرر بهذا مبدأ العدالة وترجيح التحقيق العادل على التحقيق الحازم، وذلك خوفًا من أن يظلم بريء فقد فضل عمر بن عبد العزيز أن يلقوا الله بخيانتهم على أن يلقى الله بدمائهم، عن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال حدثني أبي عن جدي، قال لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكبر البلاد سرقًا ونقبًا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلد وأسأله أخذ الناس بالمظنة وأضربهم على التهمة أو أخذهم بالبينة وما جرت عليه عادة الناس، فكتب إلي أن أخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله، قال يحيى ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقله سرقًا ونقبًا وكتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز.... أما بعد أصلح الله أمير المؤمنين فإن قبلي أناسًا من العمال قد اقتطعوا من مال الله عز وجل، مالاً عظيمًا لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين- أصلحه الله- أن يأذن لي في ذلك أفعل. قال: فأجابه أما بعد: فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل، فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم، وخل سبيله، وأيم الله، لأن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم. وهكذا يقرر عمر بن عبد العزيز الأخذ بالتحقيق العادل لا بالتحقيق الحازم. وقد قال بعدم الأخذ بالمظنة والضرب على التهمة كل من عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وعطاء.

    3- النهي عن المثلة:
    حلق الرأس جعله الله نسكًا وسنة- في الحج والعمرة- كما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نهى عن حلق اللحية ولكن بعض الناس خالفوا ذلك كله وجعلوا حلق الرأس واللحية عقوبة، وهذا عمر بن عبد العزيز ينهى عن هذا العمل ويسميه المثلة. فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: إياك والمثلة جز الرأس واللحية ومذهب الأئمة، الأربعة أن لا يجوز التعزير بحلق اللحية وعند مالك وأبي حنيفة ولا يحلق الرأس.

    سادسًا: في أحكام السجناء:

    1- تعجيل النظر في أمر المتهمين:
    أمر عمر بن عبد العزيز بتعجيل النظر في أمور المتهمين، فمن كان عليه أدب فيؤدب ويطلق سراحه ومن لم يثبت عليه قضية يخلي سبيله، ويرى أن إقامة الحدود سبب لقلة السجناء لأنه يكون زاجرًا لأهل الفسق والزعارة، فعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز.... فلو أمرت بإقامة الحدود لقلَّ أهل الحبس، ولخاف أهل الفسق والدعارة، ولتناهوا عما هم عليه، إنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمورهم، إنما هو حبس وليس نظر، فمر ولاتك جميعًا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل الأيام، فمن كان عليه أدب وأطلق، ومن لم تكن له قضية خلي عنه.

    2- في الاهتمام بأمور المسجونين:
    قام عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- بالإصلاح على كل طريق، وحقق العدل على كل صعيد، فقد اهتم بأمر المسجونين اهتمامًا شديدًا، وأصدر تعليماته بتعهدهم بكل ما يحتاجونه من طعام وأدم وكسوة وغير ذلك، وعن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز:..... وأجروا عليهم من الصدقة ما يصلحهم في طعامهم وأدمهم... فمر بالتقدير لهم ما يقوتهم في طعامهم وأدمهم، وصير ذلك دراهم تجري عليهم في كل شهر يدفع ذلك إليهم، فإنك إن أجريت عليهم الخبز ذهب به ولاة السجن والقوام والجلاوزة، ووكل ذلك رجلاً من أهل الخير والصلاح، ويدفع ذلك إليهم شهرًا بشهر، يقعد ويدعو باسم رجل رجل ويدفع ذلك إليه في يده... وكسوتهم في الشتاء قميص وكساء وفي الصيف قميص وإزار، وتزاد المرأة مقنعة.... ومن مات منهم ولم يكن له ولي ولا قرابة يغسل ويكفن من بيت المال ويصلى عليه ويدفن. وكتب إلى أمراء الأجناد: وانظروا من في السجون ممن قام عليه الحق... ولا تعد في العقوبة، ويعاهد مريضهم ممن لا أحد له ولا مال.... وانظر من تجعل على حبسك ممن تثق به ومن لا يرتشي، فإن من ارتشى صنع ما أمر به.

    3- سجن خاص بالنساء:
    يمضي عمر بن عبد العزيز قدمًا في تنظيم السجون والاهتمام بأمر المسجونين وتعاهدهم، فيأمر بأن يجعل للنساء حبس خاص بعيدًا عن الاختلاط بالرجال مما يؤكد اختيار أهل الدين والأمانة، ليتولوا أمور السجناء. فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد: وانظروا من في السجون ممن قام عليه الحق فلا تحبسه حتى تقيم عليه، ومن أشكل أمره إلي فيه، واستوثق من أهل الزعارات فإن الحبس لهم نكال، ولا تعد في العقوبة، ويعاهد مريضهم ممن لا أحد له ولا مال، وإذا حبست قومًا في دين فلا تجمع بينهم وبين أهل الزعارات في بيت واحد ولا حبس واحد واجعل للنساء حبسًا على حدة، وانظر من تجعل على حبسك ممن تثق به ومن لا يرتشي فإن من ارتشى صنع ما أمر به ومما سبق نلاحظ اهتمام عمر بن عبد العزيز بالسجناء وحرصه على إقامة العدل فيهم وإصلاح ما أفسده من قبله في التعامل معهم.
    سابعًا: في أحكام الجهاد:

    1- سن من يشرع له الاشتراك في القتال:
    كان شباب الرعيل الأول من المسلمين يتسابقون ويتنافسون على الاشتراك في القتال، وإذا لم يسمح لا حدهم بالاشتراك في القتال فإنه يتحسر ويحاول إقناع ولي الأمر بأنه لا يستطيع القتال وقد حدد عمر بن عبد العزيز سن من يسمح له بالقتال، والفرض له مع المقاتلة حدده بخمس عشرة سنة ومن كان دون ذلك فيكون فرضة في الذرية ولا يسمح له بالاشتراك في القتال.

    2- كيفية بداية قتال غير المسلمين:
    عن صفوان ابن عمرو قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة إلى عامله أن لا تقاتلن حصنًا من حصون الروم ولا جماعة من جماعتهم حتى تدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا فاكفف عنهم وإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فانبذ إليهم على سواء.

    3- في مدة الرباط:
    الرباط في سبيل الله من أحب الأعمال إلى الله تعالى ويترتب عليه الأجر الوفير من الله سبحانه وتعالى، وقد ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن مدة الرباط أربعون يومًا، فقد قال: تمام الرابط أربعون يومًا.

    4- في حكم تصرف المقاتل في ماله:
    قال عمر بن عبد العزيز: إذا كان الرجل في الحرب على ظهر فرسه يقاتل فما صنع في ماله فهو جائز.

    5- في بيع الخيل للعدو:
    بيع السلاح ونقله أو الخيل أو ما يقوى الأعداء ويشد من أزرهم ويقويهم على حرب المسلمين، جريمة في حق من يفعله وينبغي حجز هذه الأشياء وما في حكمها حتى لا تصل إلى العدو ومن هذا المنطلق منع عمر بن عبد العزيز حمل الخيل إلى الهند باعتبارها بلدًا من بلدان المشركين في زمن عمر بن عبد العزيز، والعداوة لا تخفى بين أهل الإسلام وأهل الشرك.

    6- افتداء أسارى المسلمين ولو كثر الثمن:
    أكد عمر بن عبد العزيز على وجوب فك أسارى المسلمين في رسائله إلى عماله بأن يغادروا مهما بلغ ذلك من المال، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أن فاد بأسارى المسلمين وإن أحاط ذلك بجميع مالهم، وعن ربيعة بن عطاء عن عمر بن عبد العزيز أنه أعطى برجل من المسلمين عشرة من الروم وأخذ المسلم. وفي رواية أن فادوا بأسارى المسلمين وإن أحاط ذلك بجميع مالهم.

    7- افتداء الرجل والمرأة والعبد والذمي:
    عن ربيعة بن عطاء قال: كتب عمر بن عبد العزيز معي وبعث بمال إلى ساحل عدن أن افتدي الرجل والمرأة والعبد والذمي. مما تقدم يظهر عدل عمر بن عبد العزيز جليًا حيث أمر بافتداء من يعيش على أرض المسلمين حتى ولو كان عبدًا أو ذميًّا لأن الذمي له أن يحفظ ويدافع عنه ويفتد لو وقع في الأسر، وهذا أكبر دليل على وفاء المسلمين بذمتهم إلى أبعد مما يتصوره أحد.

    8- كراهة قتل الأسرى:
    عن معمر قال: أخبرني رجل من أهل الشام ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز ما رأيت عمر بن عبد العزيز قتل أسيرًا قط، إلا واحدًا من الترك قال: جئ بأسرى من الترك، قال: فأمر بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممن جاء بهم يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا- لأحدهم- وهو يقتل في المسلمين لكثر بكائك عليهم: قال: فدونك: فأقتله، قال: فقام إليه فقتله.

    لقد كره عمر بن عبد العزيز قتل الأسرى، ومنع ذلك إلا واحدًا قتل كثيرًا من المسلمين، ولكنه أذن في أن يسترقوا.

    ثامنًا: في النكاح والطلاق:

    1- زواج المرأة بغير ولي:
    عن سفيان عن رجل من أهل الجزيرة عن عمر بن عبد العزيز أن رجلاً تزوج امرأة ولها ولي هو أدنى منه بدروب الروم، فرد عمر النكاح وقال: الولي وإلا فالسلطان.

    2- تزويج الوليين للمرأة على رجلين:
    عن ثابت بن قيس الغفاري قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في جارية من جهينة زوجها وليها رجلاً من قيس، وزوجها آخر رجلاً من جهينة، فكتب عمر بن عبد العزيز أن أدخل عليها شهودًا عدولاً وخيرها فأيهما اختارت فهو زوجها.

    3- زواج الرجل بالمرأة بعد الفجور بها:
    إذا زنى رجل بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها فهل يحل له ذلك؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى جواز ذلك إذا رأى منها خيرًا، وهذا رأي رشيد لأنه يسد كثيرًا من أبواب الشر لأنه لا فرق بين من فجر بها ومن لم يفجر بها، فلو قلنا لا يجوز ذلك فغير هذا الرجل أولى بأن لا يقبلها، وفي هذا شرور ومفاسد عظيمة، عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز سئل عن امرأة أصابت خطيئة، ثم رأى منها خيرًا، أينكحها الرجل؟ فقال له: الظن كما بلغني، أي إنها له.

    4- نكاح امرأة الأسير:
    عن عمر بن عبد العزيز قال: لا تنكح امرأة الأسير أبدًا مادام أسيرًا. فالأسير المسلم إنما وقع في الأسر نتيجة لإقدامه وبلائه في قتال الإعداء رفعًا لراية الإسلام، أو دفاعًا عن بلاد المسلمين وتقديرًا لهذا الموقف النبيل حيث ضحى بنفسه في سبيل دينه، فإن على امرأته أن تقدر له ذلك وأن تصبر حتى يفك الله أسره ثم يعود إليها خاصة أن بقاءه في الأسر وغيبته هذه ليست من اختياره، كما أن إطلاق سراحه محتمل في كل وقت ولذلك كله كان من العدل والإنصاف أن لا تتزوج امرأة الأسير مادام أسيرًا.

    5- نكاح امرأة المفقود:
    إذا فقد الرجل وانقطعت أخباره، فلا يدرى أحي هو أم ميت فهل تبقى زوجته تنتظره؟ وما مدة الانتظار؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن امرأة المفقود تعتد أربع سنين وبعدها تتزوج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أن امرأة المفقود تعتد أربع سنين، والظاهر أن عمر بن عبد العزيز يرى جواز زواج امرأة المفقود بعد مضي السنين الأربع، والعدة بعدها أربعة أشهر وعشرًا.

    6- صداق المطلقة قبل الدخول بها في مرض زوجها:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن لها نصف المهر، فلا تأثير لتطليق زوجها في حال المرض، فعن عمر بن عبد العزيز قال: لها نصف الصداق ولا ميراث لها ولا عدة عليها.

    7- اشتراط الرجل لنفسه شيئًا عند زواج ابنته:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن المهر للمرأة وإن اشترط والدها شيئًا لنفسه فهو للمرأة دون الأب، وعن الأوزاعي أن رجلاً زوج ابنته على ألف دينار وشرط لنفسه ألف دينار فقضى عمر بن عبد العزيز للمرأة بألفي دينار دون الأب.

    8- في اللعب بالطلاق جد:
    يرى عمر بن عبد العزيز، أن الرجل يحاسب على الطلاق سواء كان جادًا أوهازلاً، فعن سليمان بن حبيب المحاربي قال: كتب إليّ عمر بن عبد العزيز: مهما أقلت السفهاء عن شيء فلا تقيلوهم الطلاق والعتاق.

    9- في طلاق المكره:
    قد يحصل للإنسان بعض مواقف يكره فيها على الطلاق كأن يستحلف بالطلاق على أن يفعل كذا أو يترك كذا، وقد يكره ويهدد إذا لم يطلق امرأته، فهل هذا النوع من الطلاق على الصفة يقع؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن طلاق المكره لا يقع، عن عمر بن عبد العزيز قال: لا طلاق ولاعتاق على مكره.

    10- في تطليق الرجل نصف تطليقة:
    قيل لعمر بن عبد العزيز: الرجل يطلق امرأته نصف تطليقة قال: هو تطليقة.

    11- تطليق المرأة نفسها إذا جعل أمرها بيدها:
    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن الطلاق يقع وأن هذا الطلاق وإن كان ثلاثًا يعتبر واحدةً، وهو أحق بها إن أراد مراجعتها، فقد كتب عمر بن عبد العزيز في رجل من بني تميم جعل أمر امرأته بيدها، قال: إن ردت الأمر عليه فلا شيء وإن طلقت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها.

    12- إسلام المرأة تحت الكافر:
    إذا أسلمت المرأة تحت الرجل الكافر فإنها تخرج منه، ويفرق بينهما، فعن معمر بن سليمان عن أبيه أن الحسن وعمر بن عبد العزيز قالا في النصرانية تسلم تحت زوجها، قالا: الإسلام أخرجها منه. فمتى أسلمت المرأة وبقى الرجل على الكفر فلا بد من التفريق بينهما، حتى لا تكون للكافر ولاية على مسلمة، لأن هذا غير مقبول في شرع الله، فعن عمر بن عبد العزيز يرى أنه إذا أسلمت المرأة تحت الرجل الكافر فإنها تخرج منه ويفرق بينهما، وهذا التفريق لا يأتي إلا بعد عرض الإسلام عليه فإن أسلم فهي امرأته وإن أبى فإن عمر بن عبد العزيز يرى أن ذلك تطليقة بائنة. وأما إذا أسلم ولازالت امرأته في العدة فهو أحق بها.

    13- مدة انتظار الغائب:

    ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن هناك حدًا أقصى لمدة الغيبة وهو سنتان، وبعدها إما أن يقفل الغائب إلى زوجته، وإما أن يطلقها، فقد كتب: من غاب عن امرأته سنتين فليطلق أو ليقفل إليها.



    هذه بعض الاجتهادات الفقهية والفتاوى والأحكام القضائية التي مارسها عمر بن عبد العزيز والتي تدل على تبحره في المسائل الشرعية وقدرته على الاجتهاد وإصدار الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله ومن سبقه من الخلفاء الراشدين وعلماء الأمة، وقد قام الدكتور محمد شقير بجمع فقه عمر بن عبد العزيز، في مجلدين فمن أراد التوسع فليرجع إلى هذه الرسالة العلمية التي نال بها صاحبها درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء بالرياض في المملكة العربية السعودية
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الأيام الأخيرة في حياة عمر بن عبد العزيز ووفاته رحمه الله

    مُساهمة  Admin في الأحد 22 مايو 2011 - 21:24

    - آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز:
    كانت آخر خطبة خطبها بخناصرة، فقال فيها: أيها الناس، إنكم لم تُخلَقوا عبثًا ولن تُتركوا سدى وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحُرم الجنةَ التي عرضها السماوات والأرض، ألا وأعلموا أنما الأمان غدًا لمَن حذر الله وخافه، وباع نافدًا بباقٍ، وقليلاً بكثير وخوفًا بأمان ألا ترون أنكم في أسلابِ الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين؟ وفي كل يومٍ تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله، فتعيبونه في صدعٍ من الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحبة، وخلع الأسباب فسكن التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، فقير إلى ما قدَّم غني عما ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه، وأيم الله إني لأقولكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه، وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرتُ عليه، وما منكم أحدٌ يسعه ما عندنا إلا وودت أنه سداي ولحمتي، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء، وأيم الله أن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش، لكان اللسان مني به ذلولاً عالمًا بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، يدل فيها على طاعته، وينهى عن معصيته، ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله.
    2- سقيه السم:
    اختلفت الروايات عن سببِ مرض وموت عمر بن عبد العزيز فعلى حين تذكر الروايات أن سبب مرضه وموته هو الخوف من الله تعالى والاهتمام بأمرِ الناس كما رُوي عن زوجته فاطمة بنت عبد الملك وكما ذكر ابن سعد في الطبقاتِ عن ابن لهيعة، إلا أنه قد ذكر سبب آخر لموته وهو أنه سُقي السم وذلك أن بني أمية قد تبرموا وضاقوا ذرعًا من سياسةِ عمر بن عبد العزيز التي قامت على العدلِ وحرمتهم من ملذاتهم وتمتعهم بميزاتٍ لا ينالها غيرهم، بل جعل بني أمية مثل أقصى الناس في أطرافِ دولة الإسلام ورد المظالم التي كانت في أيديهم وحال بينهم وبين ما يشتهون، فكاد له بعض بني أمية بوضعِ السم في شرابه. وهذا ليس من المستبعد أو المستغرب أن يعمد أحد هؤلاء إلى سقيه السم ليتخلص منه وليكن ذلك عن طريق خادمه الذي يُقدم له الطعام والشراب، فقد رُوي أنهم وعدوا غلامه بألف دينار وأن يُعتق إن هو نفَّذ الخطةَ فكان الغلام يضطرب كلما همَّ بذلك، ثم إنهم هددوا الغلام بالقتل إن هو لم يفعل، فلما كان مدفوعًا بين الترغيب والترهيب حمل السم فوق ظفره، ثم لما أراد تقديم الشراب لعمر قذف السم فيه ثم قدَّمه إلى عمر فشربه ثم حس به منذ أن وقع في بطنه.

    وعن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون إنك مسحور. قال: ما أنا بمسحور ثم دعا غلامًا له فقال له: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أُعطيتها وعلى أن أعتق، قال: هاتِ الألف فجاء بها فألقاها عمر في بيت المال. وقال: اذهب حيث لا يراك أحد، فالسبب المباشر لمرضه وموته فهو كما ذكرت الروايات كان بسبب سقيه السم، ففي عفوه عن غلامه الذي وضع له السم وتسبب في قتله وهو قادر على أن يقتله شر قتلة وفي عدم استفهامه من الغلام عن مَن أمره بوضع السم وقد كان يستطيع إرغام الغلام والاعتراف بذلك ثم يأمر بالقصاص منهم جميعًا، مثلٌ عجيبٌ في العفو وسبب ذلك لأنه كان يُوقن أنَّ ما عند الله خيرٌ وأنه إن عفا عنه حصل له الثواب من الله تعالى على عفوه، وإن انتصر منه فأقام عليه الحد لم يأثم ولكنه لا يحصل على أجرِ العفو؛ ونظرًا إلى أن أغلى شيء عنده في هذه الحياة أن يرتفع رصيده من الحسنات فإنه قد فضَّل العفو على انتصاره للنفس.

    3- شراء عمر موضع قبره:
    بلغ من تواضع عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه عندما ذكروا له ذلك الموضع الرابع في حجرة عائشة والتي فيها قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعمر، فقالوا: لو دنوت من المدينة حتى تُدفن معهم قال: والله ليعذبني الله عذابًا- إلا النار فإني لا صبرَ بي عليها- أحب إليَّ من أن يعلم الله من قلبي أني أراني لذلك أهلاً. ويأبى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- إلا أن يشتري موضع قبره من ماله الخاص، وذلك بسبب ورعه ومحاسبته الشديدة لنفسه، فقد جاءت الروايات أنه قال لمَن حوله- وهو في مرض موته- اشتروا من الراهب موضع قبري فقال له النصراني: والله يا أمير المؤمنين إني لأتبرك بقربك وجوارك وإنها لخيرة أن يكون قبرك في أرضي، قد أحللتك ويأبى عمر قائلاً: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم ثم دعا بالثمن الذي اختلفت الروايات في مقداره فقيل: دينارين، وقيل ستة، وقيل: ثلاثين، دعا بالثمن فوضعه في يد النصراني فقال أصحاب الأرض: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلنا الثمن.

    4- وصيته لولي عهده يزيد بن عبد الملك:
    كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك- وهو في مرض الموت- قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر- أمير المؤمنين- إلى يزيد بن عبد الملك، السلام عليك:
    فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإني كتبتُ إليك وأنا دنف من وجعي وقد علمتُ إني مسئول عمَّا وليتُ يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ولست أستطيع أن أُخفي عليه من عملي شيئًا يقول تعالى فيما يقول: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: (الأعراف، الآية : 7) فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت من الهول الطويل، وإن سخط علي فيا ويح نفسي إلى ما أصير أسأل الله الذي لا إله إلا هو، أن يُجيرني من النار برحمته، وأن يمنَّ عليَّ برضوانه والجنة. وعليك بتقوى الله والرعية الرعية، فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلاً حتى تلحق باللطيف الخبير. وجاء في رواية: ... فإن سليمان بن عبد الملك، كان عبدًا من عبادِ الله، قبضه الله واستخلفني وبايع لي من قبله، وليزيد بن عبد الملك إن كان من بعدي، ولو كان الذي أنا فيه لاتخاذ أزواج، أو اعتقاد أموال كان الله قد بلغ بي أحسن ما بلغ بأحدٍ من خلقه ولكني أخاف حسابًا شديدًا ومسألة لطيفة، إلا ما أعان الله عليه والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
    لقد نصح عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- لولي عهده يزيد بن عبد الملك ما وسعه النصح وبذل ما يقدر عليه من التخويفِ والتهديدِ من عاقبةِ الأمر مع ضربِ الأمثلة والاعتبار بالسابقين فقد نصح وبلَغ أتم البلاغ.

    5- وصيته لأولاده عند الموت:
    لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاةُ دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد أفغرت أفواه ولدك من هذا المال، فلو أوصيت بهم إليَّ وإلى نظرائي من قومك فكفوك مؤونتهم، فلما سمع مقالته: قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: قد سمعت مقالتك يا مسلمة، أما قولك: إني قد أفغرت أفواه ولدي من هذا المال فوالله ما ظلمتهم حقًّا هو لهم ولم أكن لأعطيهم شيئًا لغيرهم، وأما ما قلت في الوصية فإن وصيتي فيهم: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف، الآية: 196). وإنما ولد عمر بين أحد رجلين: إما صالح فسيغنيه الله، وإما غير ذلك فلن أكون أول مَن أعانه بالمال على معصية الله ادع لي بني، فأتوه فلما رآهم ترقرقت عيناه، وقال: بنفسي فتية تركتهم عالة لا شيء لهم - وبكى -: يا بني إني قد تركت لكم خيرًا كثيراً، لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقًا يا بني إني قد مثلت بين الأمرين: إما أن تستغنوا وأدخل النار، أو تفتقروا إلى آخر يوم الأبد وأدخل الجنة، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي، قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله . وجاء في رواية: أن عمر وصى مسلمة أن يحضر موته وأن يلي غسله وتكفينه، وأن يمشي معه إلى قبره، وأن يكون مما يلي إدخاله في لحده، ثم نظر إليه وقال: انظر يا مسلمة بأي منزلٍ تركتني، وعلى أي حالٍ أسلمتني إليه الدنيا. فقال له مسلمة: هذه مائة ألف دينار، فأوصي فيها بما أحببت، قال: أو خير من ذلك يا مسلمة أن تردها من حيث أخذتها، قال مسلمة: جزاك الله عنا خيرًا يا أمير والله لقد ألنت قلوبًا قاسية، وجعلت لنا ذكرًا في الصالحين.

    وفي الأثرين الماضيين دروس وعبر؛ ففي الخبر الأول مثل من ورع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى حتى في وصيته لأولاده بعد موته، حيث لم يرض لنفسه أن يُفارق الدنيا وقد حمل ذمته شيئًا لا يدري على أي وضعٍ يكون تنفيذه، فربما تصوَّر أنه لو أوصى بهم أحد أقاربه لأعطاهم من مصدر لا يحل، فيلحقه بذلك شيء من الإثم، فلجأ إلى الله تعالى وفوَّض أمرهم إليه، لقد تصوَّر في معاملة أولاده وقوعه بين أمرين: أن يغنيهم في الحياة الدنيا، وذلك يمنحهم شيئًا من المال العام للمسلمين، فيتعرض بذلك للفحات النار، أو أن يكتفي بالإنفاق عليهم من المورد القليل الحلال الخالي من الشبهات فيتعرض بذلك لنفحات الجنة، فاختار الطريق الأخير مع ثقته أنه لن يضيعهم، وقد أشار إلى أنه ترك لهم السمعة العالية، حيث سيكونون موضع احترام وعطف جميع المسلمين وأهل الذمة، وأكرم بذلك من تركة إنها تركة عظيمة لا تقدر بها أموال الدنيا عند أصحاب الأفكار النيرة والعقول المبصرة، وفي قوله: "إنما ولد عمر بين رجلين: إما رجل صالح فسيغنيه الله وإما غير ذلك فلن أكون أول مَن أعانه بالمال على معصية الله" لفتة جليلة إلى معيةِ الله تعالى لأوليائه بالحفظ أخذًا من قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، وإشارة إلى أن الأمرَ المهم أن يبذل الوالد أقصى جهده في تربيةِ أولاده على الصلاحِ ليحفظهم الله تعالى، وليس المهم أن يسعى في جمع المال لهم حتى يغتنوا من بعده، لأنهم إن لم يكونوا صالحين فسيكون ذلك المال عونًا لهم على معصية الله تعالى.

    وأما في الأثر الثاني يوجه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ابن عمه مسلمة بن عبد الملك إلى التحري في اكتسابِ المال، ويُبين له أن إنفاق المال بالصدقة أو الهدية لا يجعله حلالاً، بل لا بد من التحري في كسبه، فإذا لم يكن للإنسان حق فيه وجب عليه أن يرده إلى مستحقيه، ولا يبرئ ساحته أن يتصدق به أو يهديه.

    6- وصيته إلى مَن يغسله ويكفنه:
    عن رافع بن حفص المدني أن عمر قال لرجاء: إذا أنا مت وغسلتموني وكفنتموني وصليتم عليَّ وأدخلتموني لحدي، فاجذب اللبنة من عند رأسي، فإن رأيت وجهي إلى القبلة فاحمدوا الله وأثنوا عليه، وإن رأيت قد زويت عنها، فاخرج إلى المسلمين ما داموا عند لحدي حتى يستوهبوني من ربي، قال: فلمَّا وضع في لحده وقبل باللبن على وجهه جذبت اللبنة من عند رأسه فإذا وجهه إلى القبلة فحمدنا الله وأثنينا عليه.

    7- كراهته تهوين الموت عليه:
    قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن يخفف عني سكرات الموت لأنه آخر ما يرفع للمؤمن من الأجر، وفي رواية: ما أحب أن يخفف عني سكرات الموت لأنه آخر ما يُكفر به عن المرءِ المؤمن.
    8- حاله لما احتضر:
    لما احتضر عمر بن عبد العزيز، قال: أخرجوا عني فلا يبقين عندي أحد. وكان عنده مسلمة بن عبد الملك، فخرجوا وقعد مسلمة وفاطمة زوجه أخت مسلمة على الباب فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه ليست وجوه إنس ولا بوجوه جان، وجاء في رواية: ... قالت فاطمة بنت عبد الملك: كنت أسمع عمر يقول في أيام مرضه: اللهم أخف عنهم موتي ولو ساعة من نهار، فلما كان اليوم الذي قُبض فيه خرجت من عنده، وجلست في بيت بيني وبينه باب، فسمعته يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص، الآية: 83). ثم هدأ فجعلت لا أسمع له صوتًا ولا حسًا ولا كلامًا.. فقلت لوصيف كان يخدمه: لو دخلت على أمير المؤمنين فدخل وصاح، فقمت ودخلت عليه وقد أقبل بوجهه إلى القبلة وأغمض عينيه بإحدى يديه وأغمض فمه بالأخرى، ومات رحمه الله.

    وجاء في رواية: أن عمر بن عبد العزيز لما كان مرضه الذي هلك فيه قال لهم: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر فقالوا له: إنك لتنظر نظرًا شديدًا، فقال إني لأرى حضرة ليست بإنس ولا جن ثم قُبض. وكان نقش خاتمه: عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله.

    9- تاريخ وفاته:
    تُوفي الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لعشر ليال بقين من رجب سنة (101هـ) على أصح الروايات واستمرَّ معه المرض عشرين يومًا وتوفي بدير سمعان من أرض المعرة بالشام بعد خلافة استمرت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وتُوفي وهو ابن تسع وثلاثين سنة وخمسة أشهر وعلى أصح الروايات وكان عمره لما تُوفي أربعين سنة.

    10- الأموال التي تركها عمر بن عبد العزيز:
    اختلفت الروايات على مقدار تركة عمر بن عبد العزيز حين تُوفي، ولكن الروايات متفقة على قلة التركة وانعدامها، ومن هذه الروايات ما رواه عمر بن حفص المعيطي قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- قال: قلت كم ترك لكم من المال؟ فتبسم وقال: حدثني مولى لنا كان يتولى نفقته، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- حين احتضر: كم عندك من المال؟ قلت أربعة عشر دينارًا، قال: فقال تحتملون بها من منزل إلى منزل، فقلت: كم ترك من النحلة؟ قال: ترك لنا نحلة ستمائة دينار ورثناها عنه عن اختيار عبد الملك، وتركنا اثني عشر ذكرًا وست نسوة، فقسمناها على خمس عشرة.

    والصحيح أن الذكور الذين ورثوه هم أحد عشر ذكرًا، لوفاة ابنه عبد الملك قبله. وقال ابن الجوزي: أبلغني أن المنصور قال لعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-: عظني. قال: مات عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- وخلف أحد عشر ابنًا، وبلغت تركته سبعة عشر دينارًا كُفن منها بخمسة دنانير، وثمن موضع قبره ديناران وقُسِّم الباقي على بنيه، وأصاب كل واحد من ولده تسعة عشر درهمًا، ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنًا فقسمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف، ورأيت رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يومٍ واحد على مائةِ فرس في سبيل الله عز وجل، ورأيت رجلاً من ولد هشام يُتصدق عليه. وما مضى يظهر لنا جليًا أنَّ المالَ الذي ورثه عمر بن عبد العزيز من أبيه- وهو مال كثير- أخذ في التناقص حتى تُوفي- رحمه الله ورضي الله عنه.
    11- ثناء الناس على عمر بن عبد العزيز بعد وفاته:

    أ- مسلمة بن عبد الملك: حين تُوفي عمر ورآه مسجى قال: يرحمك الله لقد لينت لنا قلوبًا قاسية وأبقيت لنا في الصالحين ذكرًا.

    ب- فاطمة بنت عبد الملك: فعن وهيب بن الورد، قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز لما تُوفي جاء الفقهاء إلى زوجته يعزونها، فقالوا لها: جئناك لنعزيك بعمر، فقد عمَّت مصيبة الأمة، فأخبرينا يرحمك الله عن عمر: كيف كانت حاله في بيته؟ فإن أعلم الناس بالرجل أهله.

    قالت: والله ما كان عمر بأكثركم صلاةً ولا صيامًا ولكني والله ما رأيت عبدًا لله قط أشد خوفًا لله من عمر، والله إن كان ليكون من المكانِ الذي ينتهي إليه سرور الرجل بأهله، بيني وبينه لحاف، فيخطر على قلبه الشيء من أمر الله، فينتفض كما ينتفض طائر وقع في الماء، ثم يشجب، ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول: والله لتخرجن نفسه فأطرح اللحاف عني وعنه، رحمة له وأنا أقول: يا ليتنا كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها.

    ج- الحسن البصري: لما أتى الحسن موت عمر بن عبد العزيز قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا صاحب كل خير.د- مكحول: ما رأيت أزهد ولا أخوفَ لله من عمر بن عبد العزيز.

    هـ- يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، كأنَّ النار لم تُخلق إلا لهما.

    و- بكاء الرهبان عليه: عن الأوزاعي قال: شهدت جنازة عمر بن عبد العزيز، ثم خرجت أريد مدينة قنسرين فمررت على راهب فقال: يا هذا أحسبك شهدت وفاة هذا الرجل قال: فقلت له: نعم فأرخى عينيه فبكى سجامًا، فقلت له: ما يبكيك ولست من أهل دينه؟ فقال: إني لستُ أبكي عليه، ولكن أبكي على نور كان في الأرض فطفئ.

    ز- ملك الروم وبطارقته: بعث عمر بن عبد العزيز وفدًا إلى ملك الروم في أمرٍ من مصالح المسلمين، وحق يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسر عليه وهو جالس على سرير ملكه، والتاج على رأسه والبطارقة على يمينه وشماله والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوه له فتلقاهم بجميل وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غد أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة، فقال: هل تدرون لماذا دعوتكم؟ قالوا: لا قال: إن صاحب مصلحتي التي تلي العرب جاء في كتابه في هذا الوقت: أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا، فقال: ألكم تبكون، أو لدينكم أو له؟ قالوا: نبكي لأنفسنا ولديننا وله قال: لا تبكوا له، وأبكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه خرج إلى خير مما خلف، وقد كان يخاف أن يدع طاعةً الله فلم يكن الله ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافته، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يُحيي الموتى لظننتُ أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنًا وظاهرًا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدًا بل باطنه أشد حين خلوته بطاعةِ مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبتُ من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلاً.
    12- ما نُسب إليه من كراماتٍ عند موته:
    يُحكى ويُقال عن حسين القصار قال: كنت أجلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز، فمررت يومًا براعٍ وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبًا حسبتها كلابًا، فقلت له: يا راعي ما ترجوه بهذه الكلاب كلها؟ فقال: يا بني إنها ليست كلابًا إنما هي ذئاب. قلت: يا سبحان الله ذئبٌ في غنم لا يضرها، فقال: يا بني إذا صلح الرأس فليس على الجسدِ من بأس. ويبدو أنَّ مثل هذه القصص من المبالغاتِ وإلا في عهد النبوة وقيام الدولة في المدينة وعهد الخلافة، ولم نسمع بأنَّ الذئاب كانت ترعى مع الغنم. وقد رُئيت له منامات صالحة وتأسف عليه الخاصة والعامة، لا سيما العلماء والزهاد والعباد.

    13- ما قيل فيه من رثاء:

    أ - كثير عزّة قال فيه:
    عمّت صنائعه فعـم هلاكه

    فالناس فيه كلهم مأجور
    والناس مأتمهم عليه واحـد

    فـي كل دار رنَة وزفير
    يثني عليك لسانك مَن لم توله

    خيرًا لأنك بالثناء جدير
    ردَت صنائعه عليـه حيـاته

    فكأنه من نشرها منشور


    ب- وقال جرير:

    ينعى النـعاة أميـر المؤمنين لنـا

    يا خير من حج بيت الله واعتمرا
    حملت أمرًا عظيمًا فاضطلعت بـه

    وقمت فيـه بأمـر الله يا عمرا
    الشمس كاسفة ليسـت بطالعة

    تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
    جـ- وقال محارب بن دثار:

    لـو أعظم الموت خلقًا أن يواقعه

    لعدله لم يصبك المـوت يا عمر
    كم من شريعة عدل قد نعشت لهم

    كادت تموت وأخرى منك تنتظر
    يا لهف نفسي ولهف الواجدين معي

    على العدول التي تغتلها الحفـر
    وأنـت تتبعهم لـم تـأل مجتهدًا

    سقيا لهـا سنن بالحـق تفتق
    لو كنـت أملك والأقـدار غالبة

    تـأتي رواحًا وتبيانًا وتبتـك
    رحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وأعلى ذكره في المصلحين فهذه معالم من سيرته الإصلاحية التجديدية الراشدية التي سار بها على منهاج النبوة، وقد حفظ الله لنا هذه السيرة ولم تهملها الليالي، ولم تفصلها عنا حواجز الزمن ولا أسوار القرون فلعلها تجد من يسير على نهجه من حكامنا وزعمائنا وقادتنا وما ذلك على الله بعزيز في جيلنا أو في غيره.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 24 مايو 2017 - 5:16