hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    فقــه الزكـاة يوسف القرضاوي

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    فقــه الزكـاة يوسف القرضاوي

    مُساهمة  Admin في الأحد 5 يونيو 2011 - 15:35


    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة الطبعة السادسة عشرة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (من "خطبة الحاجة" التي كان يعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه، ورواها عنه ستة منهم، وهي في صحيح مسلم وغيره). صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

    أما بعد .
    عناية الإسلام بالمجتمع الإنساني
    فقد عُنِيَ الإسلام في كتابه وسنته بالمجتمع الإنساني، وعلاج مشكلاته وأدوائه، وذلك لأنه دين إنساني، جاء بتكريم الإنسان، وتحرير الإنسان، ففيه تتعانق المعاني الروحية والمعاني الإنسانية، وتسيران جنبًا إلى جنب.
    والإسلام لا يتصور الإنسان فردًا منقطعًا في فلاة، أو منعزلاً في كهف أو دير، بل يتصوره دائمًا في مجتمع، يتأثر به ويؤثر فيه . ويعطيه كما يأخذ منه، ولهذا خاطب الله بالتكاليف الجماعة المؤمنة لا الفرد المؤمن: (يا أيها الذين آمنوا)، وكانت مناجاة المؤمن لربه في صلاته بلسان الجماعة لا بضمير المفرد: (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة: 5/6) .لهذا قلنا: إن مقتضى عناية الإسلام بالإنسان، العناية بالمجتمع كله، فالإنسان اجتماعي بالفطرة، أو مدني بالطبع، على حد تعبير القدماء.
    وإذا كان الإسلام قد عُنِيَ بالمجتمع عمومًا، فإنه عُنِيَ عناية خاصة بالفئات الضعيفة فيه، وهذا سر ما نلاحظه في القرآن الكريم من تكرار الدعوة إلى الإحسان باليتامى والمساكين وابن السبيل وفى الرقاب، يستوي في ذلك مكي القرآن ومدنيه . وذلك لأن كل واحد من هذه الأصناف يشكو ضعفًا في ناحية، فاليتيم ضعفه من فقد الأب، والمسكين ضعفه من فقد المال، وابن السبيل ضعفه من فقد الوطن، والرقيق ضعفه من فقد الحرية.
    وإذا كانت بعض المجتمعات تهمل هذه الفئات الشعبية الضعيفة، ولا تلقى لها بالاً في سياستها الاجتماعية والاقتصادية، ولا تكاد تعترف لها بحق: لأنها لا تُرْجَى ولا تُخْشَى، وليس بيدها خزائن المال، ولا مقاليد السلطان - فإن رسول الإسلام محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد نبه على قيمة هذه الفئات ومكانها من المجتمع، فهي عدة النصر في الحرب، وصانعة الإنتاج في السلم؛ فبجهادها وإخلاصها يتنزل نصر الله على الأمة كلها، وبجهودها وكدحها في سبيل الإنتاج يتوافر الرزق لها.
    وإلى هذه الحقيقة يشير حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبى وقاص، حين قال له فيما رواه البخاري: "هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم" ؟.
    ومن هنا حرص الإسلام على أن تكون هذه الفئات الجاهدة المجاهدة، مستريحة في حياتها، مطمئنة إلى أن معيشتها مكفولة، وأن حقوقها في العيش الكريم مضمونة، بحيث يجب أن يوفر لكل فرد فيها على الأقل حد الكفاية، بل تمام الكفاية من مطالب الحياة الأساسية، إذا عجز عن العمل، أو قدر عليه ولم يجده، أو وجده ولم يكن دخله منه يكفيه، أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها. على أن الإسلام لم يغفل من حسابه أن القوي قد تطرأ عليه ظروف تجعله في مركز الضعف والحاجة، لغرم في مصلحة خاصة أو عامة، أو لانقطاعه عن ماله ووطنه في سفر وغربة، ففرض لهذا النوع من الزكاة ما ينهض بهم إذ عثروا، ويمدهم بالقوة إذ ضعفوا.
    ولكن ما المورد المالي الذي يحقق هذه الأهداف، ويفي بهذه المطالب ؟.
    هنا يأتي دور الزكاة التي جعل الشرع جل حصيلتها لهذه الأغراض الاجتماعية، وهى ليست بالشيء الهين، إنها العشر أو نصفه مما أنبت الله من الثروة الزراعية، وربع العشر من الثروة النقدية والتجارية، ونحو هذا المقدار - تقريبًا - من الثروة الحيوانية، وخمس ما يعثر عليه من الكنوز، بالإضافة إلى خمس الثروة المعدنية والبحرية كما يرى بعض الفقهاء.
    ولقد كان من روائع الإسلام، بل من معجزاته الدالة على أنه دين الله حقًا، أنه سبق الزمن، وتخطى القرون، فعنى - منذ أربعة عشر قرنًا مضت - بعلاج مشكلة الفقر والحاجة، ووضع الفقراء والمحتاجين، دون أن يقوموا بثورة، أو يطالبوا - أو يطالب لهم أحد بحياة إنسانية كريمة، بل دون أن يفكروا هم مجرد تفكير في أن لهم حقوقًا على المجتمع يجب أن تؤدى، فقد توارث هؤلاء على مر السنين والقرون أن الحقوق لغيرهم، وأما الواجبات فعليهم!!.

    ولم تكن عناية الإسلام بهذا الأمر سطحية ولا عارضة، فقد جعلها من خاصة أسسه، وصلب أصوله، وذلك حين فرض للفقراء وذوى الحاجة حقًا ثابتًا في أموال الأغنياء، يَكْفُر مَن جَحَدَه، ويَفْسُق من تَهرَّب منه، ويُؤخذ بالقوة ممن منعه، وتُعلن الحرب من أجل استيفائه ممن أبَى وتمرد.
    كان ذلك الحق هو الزكاة ؛ الفريضة الإسلامية العظيمة التي اهتم بها القرآن والسنة، وجعلاها ثالثة دعائم الإسلام.

    أهمية موضوع الزكاة
    هذه الفريضة الجليلة - الزكاة - لها أكثر من وجه يجعل لها أهمية خاصة.
    فهي - من جهة - عبادة من العبادات الأربع، كالصلاة والصيام والحج، ومن هذا الوجه تقرن في القرآن والحديث بالصلاة، وتأتى بعدها عادة في كتب الفقه في قسم العبادات. وهى - من وجه آخر - مورد أساسي من الموارد المالية في الدولة الإسلامية، وهذا يخرجها عن أن تكون عبادة محضة، فهي جزء من النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، ولهذا عنيت بها كتب الفقه المالي في الإسلام مثل: "الخراج" لأبى يوسف، و"الخراج" ليحيى بن آدم، و "الأموال" لأبى عبيد، و"الأموال" لابن زنجويه، وغيرها. ومثلها كتب السياسة الشرعية، مثل: "الأحكام السلطانية" لكل من الماوردي، وأبى يعلى، و"السياسة الشرعية" لابن تيمية ونحوها.

    وهى -من وجه ثالث- المؤسسة الأولى للضمان الاجتماعي في الإسلام، ونظرة سريعة إلى مصرفها، كما نص عليها القرآن، تشير بوضوح إلى الوجه الاجتماعي للزكاة، وإلى الأهداف الإنسانية التي تتوخى تحقيقها في المجتمع المسلم، فإن خمسة من مصارفها الثمانية تتمثل في ذوى الحاجات الأصلية أو الطارئة من الفقراء والمساكين وفى الرقاب والغارمين وابن السبيل، ومصرف سادس لخدمة هذه المصارف وهو الجهاز الإداري لجمع الزكاة وتفريقها.

    أما المصرفان الباقيان فلهما علاقة بسياسة الدولة الإسلامية ورسالتها في العالم، ومهمتها في الداخل والخارج، فلها -من مال الزكاة- أن تؤلف القلوب على الإسلام، استمالة إليه، أو تثبيتًا عليه، أو ترغيبًا في الولاء لأمته، والمناصرة لدولته، أو نحو ذلك مما تقتضيه المصلحة العليا للأمة.
    كما أن للزكاة دورًا في تمويل الجهاد، ومنه نشر الدعوة، وحماية الأمة من الفتنة، وإعانة المجاهدين والدعاة حتى تعلو كلمة الإسلام، ويظهر دين محمد -صلى الله عليه وسلم- على الدين كله، ولو كره المشركون.
    وربما يقول بعض الناس: إن كتبنا القديمة قد حفلت بالشيء الكثير عن الزكاة وأحكامها، وفصلت فيها القول، حيث تعرض لها المفسرون والمحدثون والفقهاء، كل في مجال اختصاصه، وخلفوا لنا من بحوثهم ثروة غير قليلة. فما وجه حاجتنا إلى بحث جديد، وما مهمة هذا البحث؟.
    والجواب: إن مادة البحث المتعلقة بالزكاة غزيرة وموفورة بلا ريب. ولكن يلاحظ على هذه المادة أمور:

    (أ) أنها كتبت بلسان غير لسان عصرنا، إذ لا شك أنها تحمل طابع عصرها، من حيث العرض والأسلوب والتقسيم والمصطلحات والتقديرات وغيرها. فلا بد من إعادة عرضها عرضًا يلائم روح العصر، ويعين على تصور حكم الإسلام فيها، كما يجب ترجمة المعايير والتقديرات القديمة إلى مقاييس زمننا، ليمكن فهمها وتطبيقها.

    (ب) أن هذه المادة مبعثرة بين مختلف المصادر والمظان: من كتب التفسير إلى كتب الحديث، إلى كتب الفقه العامة، إلى كتب الفقه المالي والإداري، وغيرها من مراجع الثقافة الإسلامية؛ فلا بد من جمع شتاتها، وضم بعضها إلى بعض ضمًا يجعل منها عقدًا منتظمًا.

    (جـ) أنها بقدر غزارتها حافلة بالاختلافات بين المذاهب بعضها وبعض، وفى داخل كل مذهب بين الروايات والأقوال والوجوه، وما حولها من تصحيحات وترجيحات. وهذا -برغم دلالته على الخصوبة والسعة والتسامح الفكري- يجعل أخذ رأى من الآراء المعروضة للعمل به أمرًا صعبًا، وخصوصًا إذا تولت أمر الزكاة مؤسسة عامة من قبل الدولة، أو بإشرافها.

    فلا بد إذن من اختيار أرجح الآراء، وفقًا لنصوص الشريعة ومقاصدها الكلية، وقواعدها العامة، مع مراعاة طبيعة عصرنا، وتطور أوضاع المجتمع الإسلامي فيه، فقد يصلح رأى لزمن ولا يصلح لغيره، ويصلح لبيئة ولا يصلح لأخرى، ويفتى به في حال، ولا يفتى به في حال آخر . ولهذا قرر المحققون كابن القيم وغيره: أن الفتوى تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال والعوائد.

    (د) أن هناك أموالاً جدت في عصرنا لم تكن معروفة في عصور الاجتهاد الفقهي، وإن كان بعضها موجودًا، فهو لم يكن بحجمه اليوم، كالعمارات السكنية الاستغلالية والمصانع والأسهم وغيرها. فما رأى الفقه المعاصر فيها ؟ وما موقف المجتهد المسلم منها ؟. لا بد من جواب بالإثبات أو النفي أو التفصيل.

    (هـ) أنها لم تُعطَ عناية كبيرة لتجلية الأهداف والمقاصد الإنسانية والاجتماعية المنوطة بهذه الفريضة، لعدم شعورهم بكثير من الحاجة إليها، ونظرًا لغلبة الطابع التعبدي عليها، وإن كان الباحث الصبور لا يعوزه أن يجد هنا وهناك لقطات وقبسات ذات دلالة واضحة.

    فلا بد من تجلية هذه الأهداف، وإلقاء الضوء الكافي عليها، وبخاصة أن غلبة الشكوك والشبهات في زمننا - نتيجة ضعف المسلمين وتخلفهم، وقوة خصومهم وتقدمهم - جعلت العقول لا تكتفي بمعرفة الحكم حتى تدرك سره وحكمته.
    ولنا في تعليلات القرآن والسنة للأحكام والأوامر والنواهي، بشتى أساليب التعليل وأدواته - أسوة حسنة.

    (و) وبعد ذلك، أن لكل عصر اهتماماته ومشكلاته الفكرية والنفسية والاجتماعية، التي تشغل أهله، وتترك أثرها في إنتاجهم العلمي، وتراثهم الفكري، ثم يأتي عصر آخر، فتنطفئ جمرة هذه المشكلات، وتخف حرارتها حتى تتحول إلى رماد. على حين تثور قضايا ومشكلات جديدة تشغل أفكار اللاحقين، لم تكن ذات بال، بل ربما لم يكن لها وجود عند السابقين.

    وفى عصرنا برزت المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في العالم كله، وتعددت المذاهب والأنظمة الداعية إلى حلها، وقام من أجل ذلك صراع مذهبي رهيب، قسم العالم إلى معسكرين فكريين متقابلين: معسكر الرأسمالية ومن يمشى في ركابها، ومعسكر الشيوعية ومن يدور في فلكها؛ على حين يقف المسلمون بين هؤلاء وهؤلاء متفرجين أحيانًا، ومائلين أحيانًا أخرى إلى هذا المعسكر أو ذاك، كأنما ليس لهم نظامهم الفذ، ومذهبهم المتميز الذي جعلهم الله به أمة وسطًا.
    ولا بد أن يسهم الباحثون المسلمون - بقدر ما آتاهم الله من علم وفكر - في توضيح الفكرة الإسلامية، وتحديد الموقف الإسلامي، وخاصة في المجال الاقتصادي والاجتماعي. حتى نستغني بما عندنا عن الاستيراد من عند غيرنا، ولا سيما إذا كان ما عندنا أعدل وأكمل وأمثل؛ لأنه صبغة الله: (ومن أحسن من الله صبغة) (البقرة: 138).

    ولعل هذا الكتاب يساهم بنصيب متواضع فى هذه السبيل، وعسى أن تتبعه بحوث وبحوث، تجلى ما نقصد إليه من بيان تميز الإسلام وتفوقه على جميع المذاهب الاجتماعية في العالم.

    كلمة عن مصادر الاستدلال والمعرفة للزكاة
    لن أتحدث هنا عن منهج البحث في هذا الكتاب وقواعده في الاستنباط والاختيار والترجيح، فقد وضحت ذلك في مقدمة الطبعة الأولى، ولكنى أزيد هنا كلمة عن مصادر المعرفة والاستدلال، التي اعتمدت عليها، وموقفي منها.

    وإذا كان البحث عن "فقه الزكاة" في الإسلام، فلا بد من الرجوع إلى منابع أو مصادر المعرفة الإسلامية الصحيحة، لنتبين منها حقيقة الزكاة وأهدافها، كما جاء بها الإسلام. ولا بد من تحديد قيمة كل مصدر منها، ومرتبته من غيره، وطريقة الأخذ منه والاستدلال به.

    القرآن الكريم
    ولا ريب أن أول هذه المصادر التي يستمد منها الباحث معرفته عن " الزكاة " هو القرآن الكريم. الذي أشار إلى وجوب الزكاة منذ العهد المكي. ثم أكد وجوبها في المدينة بشتى الأساليب، ونبه إلى بعض الأموال التي تجب فيها الزكاة مثل الكسب وما خرج من الأرض والذهب والفضة، كما نص على مصارف الزكاة الثمانية، وأشار إلى بعض أهدافها. وكرر الحديث عن الزكاة والصدقة والإنفاق في كثير من الآيات التي تناولتها بالشرح والبيان كتب التفسير على اختلاف ألوانها، وبخاصة ما عُنِىَ منها بالأحكام أو وضع له ابتداء.
    والقرآن باعتباره دستور الإسلام، لم يتعرض للجزئيات والتفصيلات، ولهذا كثرت فيه العمومات والإطلاقات . ورأى هو الأخذ بها، وإعمالها، ما لم يخصصها أو يقيدها دليل صحيح من السنة، أو من قواعد الشرع العامة.
    ولهذا مِلت إلى التوسعة في "وعاء الزكاة" عملاً بعموم: (خذ من أموالهم) (التوبة: 103). وما شابهها. ورجحت رأي أبى حنيفة في تزكية كل ما خرج من الأرض، عملاً بعموم: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (البقرة: 267) على حين خالفته - رضي الله عنه - في عدم اشتراط النصاب، لصحة حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ثبوتًا ودلالة. ولم آخذ بإطلاق: "في سبيل الله" حسب وضعها اللغوي الأصلي، لما قيدها من استعمال الشرع، ومن حكم السياق. ولكنى رجحت توسيع مدلول الجهاد -الذي فهمه الجمهور من العبارة- بحيث يشمل كل معاني الجهاد: العسكرية والفكرية والتربوية والاجتماعية، ونحوها.

    السنة النبوية
    وثاني هذه المصادر هو السنة النبوية -قولية وعملية وتقريرية-. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المبين للناس ما نزل إليهم بنص القرآن، ولهذا كانت سنته هي الشرح النظرى، والتفسير العملي لكتاب الله، فهي التي تفصل ما أجمله، وتفسر ما أبهمه، وتقيد ما أطلقه، وتخصص ما عممه، وتضع الصور العملية لتطبيقه ؛ فلولا السنة لم يعرف المسلم صلاته ولا زكاته ولا حجة ولا عمرته، متى تكون؟ وكيف تكون؟ وكم تكون؟ فإنه مجملة في القرآن العزيز غاية الإجمال.

    روى أبو داود: أن رجلاً قال لعمران بن حصين -رضى الله عنه-: يا أبا نجيد! إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: أوجدتم: في كل أربعين درهما درهم؟ ومن كل كذا شاة شاة؟ ومن كل كذا وكذا بعيرًا كذا؟ أوجدتم هذا في القرآن؟! قال: لا. قال: فممن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا، وأخذناه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر أشياء نحو هذا (انظر: مختصر السنن للمنذري: 2/174).

    يعنى أنه ذكر له أشياء من الصلاة والحج وغيرهما مما جاء في القرآن مجملاً وبينته السنة.
    ولا غرو أن تكون السنة هي المصدر الخصب لأحكام الزكاة وأسرارها، وأن يكون للزكاة في كتب السنة مجال رحب، ومكان فسيح.
    ففي كتاب الزكاة من الجامع الصحيح للإمام البخاري من الأحاديث المرفوعة (172) مائة واثنان وسبعون حديثًا، وافقه مسلم على تخريجها سوى سبعة عشر حديثًا (ذكر ذلك الحافظ فى خاتمة كتاب الزكاة من فتح الباري: 4/120 - ط. الحلبي)0، وهذا عدا الآثار المروية عن الصحابة والتابعين.

    وفى مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري (70) سبعون حديثًا (من الحديث رقم (500) إلى رقم (570) ط. وزارة الأوقاف الكويتية. تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني).

    وفى سنن أبى داود (145) مائة وخمسة وأربعون حديثًا (من الحديث رقم (1556) إلى رقم (1700) - 2/126 - 180 تحقيق الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد).

    وفى سنن ابن ماجة (61) واحد وستون حديثًا (من الحديث رقم (783) إلى رقم (844) - ط . عيسى الحلبي. تحقيق: المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي).

    وفى مسند أحمد (252) مائتان واثنان وخمسون حديثًا، وفق ترتيب المرحوم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا للمسند على الأبواب (انظر: الجزأين الثامن والتاسع من "الفتح الرباني" ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا).

    وفى سنن الدارقطني في كتاب الزكاة وزكاة الفطر (251) مائتان وواحد وخمسون حديثًا (من ص89 - 154 من الجزء الثاني - ط . دار المحاسن للطباعة بالقاهرة).

    وفى "السنن الكبرى" للبيهقي عدد جم من الأحاديث ملأ (119) مائة وتسع عشرة من الصفحات من القطع الكبير (من ص81 -199 من الجزء الرابع- ط. حيدر آباد بالهند).

    وفى كتاب "جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد" (195) مائة وخمسة وتسعون حديثًا (لمؤلفه العلامة محمد بن محمد بن سليمان الروداني الفاسي المغربي (المتوفى بدمشق سنة 1094 هـ) . الذي جمع فيه أحاديث 14 كتابًا: الكتب الستة، والموطأ، ومسانيد أحمد والدارمي وأبى يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة. بتعليق وتحقيق السيد محمد هاشم اليماني).

    وفي "الترغيب والترهيب" للمنذري (328) ثلاثمائة وثمانية وعشرون حديثًا (من الحديث رقم (1068) إلى رقم (1396) - 2/98 - 208 - ط. السعادة تحقيق المرحوم الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد).

    وفي "المطالبة العالية بزوائد المسانيد الثمانية" (المراد بها: مسانيد أبى داود الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبى بكر بن أبى شيبة، وعبد بن حميد، والحارث بن أبى أسامة، والمسانيد كتبت مرتبة على أساس إفراد ما رواه كل صحابي على حده، في أي باب كان، وسواء أكان الحديث صحيحًا أم حسنًا أم ضعيفًا . فيقال مثلاً: مسند أبى بكر، ويروى فيه كل ما رواه أبو بكر.. وهكذا) للحافظ ابن حجر (98) ثمانية وتسعون حديثًا (من رقم (809) إلى رقم (907) - 1/231 - 265 - ط. المطبعة العصرية بالكويت... نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت).

    على أن الاستدلال بالسنة، والاستشهاد بالأحاديث، مزلة قدم لمن يأخذ أي حديث يصادفه في أي كتاب من الكتب المشهورة في الفقه أو التصوف أو التفسير ونحوها، ممن لم يلتزم مؤلفوها تخريج ما يذكرونه من الحديث، أو حتى مجرد نسبته إلى من أخرجه من أئمة السنة، وهذا أمر لم يسلم منه جماعة من كبار الفقهاء والمتصوفة والمفسرين.
    كما أن عزو الكتاب إلى مصدره لا يكفى إلا في الكتب التي يكون العزو إليها معلمًا بالصحة، كالصحيحين وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان، وإن كان في تصحيحهما بعض التساهل، كما نبه على ذلك أئمة النقد، وهما على كل حال أفضل من مستدرك الحاكم الذي لم يفِ فيه بما اشترط على نفسه من التزام إخراج الصحيح فحسب، فأخرج الضعيف والواهي والمنكر، بل الموضوع.
    ولهذا ألزمت نفسي غالبًا بأمرين

    1- ألا آخذ الحديث إلا من مصادره المعتمدة من دواوين الحديث، وكتبه المشهورة، إما بالرجوع إلى الكتب الأصلية نفسها كالكتب الستة والموطأ ومسند أحمد ونحوها، أو بالرجوع إلى كتب التجميع مثل جامع الأصول، ومجمع الزوائد وجمع الفوائد، والجامع الصغير، وكنز العمال ونحوها، أو الكتب الخاصة بنوع معين من الحديث، كالترغيب والترهيب، ومنتقى الأخبار، وبلوغ المرام، ونحوها.
    وحين أضطر إلى نقل حديث من كتاب فقهي أو نحوه، أعمل على تخريجه من كتب التخريج المعروفة التي خدم بها حفاظ الحديث ونقاده الكتب الشهيرة في الفقه وغيره، مثل " نصب الراية لأحاديث الهداية " للحافظ الزيلعي، وملخصه للحافظ ابن حجر المسمى بـ "الدراية" و "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" لابن حجر أيضًا، ومثل ذلك تخريج الحافظ زين الدين العراقي لكتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي.

    2- بيان درجة الحديث من حيث الصحة، أو الحسن، أو الضعف.
    فما لم يكن في الصحيحين وما ألحق بها من الكتب التي التزمت الصحة، فغالبًا ما أبين درجته نقلاً عن أئمة هذا الشأن، إذ ليس كل ما في كتب السنن والمسانيد والمعاجم في درجة الصحة أو الحسن المحتج به، ففيها الضعيف، والضعيف جدًا، بل الموضوع.
    وعمدتي في الاستدلال إنما هو الحديث الصحيح أو الحسن، فأما الضعيف فلا أذكره إلا للاستئناس به، وتأييد ما ثبت بغيره من أدلة الشرع ونصوصه وقواعده؛ إذ من المقرر المعرف أن الضعيف لا يعمل به في الأحكام، وإنما أستأنس بالضعيف المقارب، أما الشديد الضعف، أو ما لا أصل له، فلم أُدخله في كتابي -والحمد لله- إلا إذا جاء ضمن نص منقول، فأبقيه حسبما تقتضيه الأمانة العلمية، مع التنبيه على درجته في الحاشية.

    3- سنن الخلفاء الراشدين المهديين
    وثالث هذه المصادر: السوابق التطبيقية للصحابة وخاصة سنة الخلفاء الراشدين المهديين الذين ألحق الرسول - صلى الله عليه وسلم- سنتهم بسنته، وأمرنا بالتمسك بها والحرص عليها، في حديثه الذي رواه عنه العرباض بن سارية: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ"

    (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وهو الحديث الثامن والعشرون من الأربعين النووية).

    وأولى من ينطبق عليه هذا الحديث هم الخلفاء الأربعة -رضى الله عنهم-، وألحق بهم بعض العلماء: عمر بن عبد العزيز الذي عدوه خامس الراشدين بحق كما تشهد بذلك سيرته وأعماله ومآثره -رضى الله عنه-.

    وإليه ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه (المنار المنيف لابن القيم بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبى غدة ص150).

    ومن هنا احتفلنا بهدي العمرين في جمع الزكاة وتفريقها، وخصوصًا عمر الأول. فإن سنته التي سار عليها مع وجود الصحابة وإقرارهم لها -رضى الله عنهم- تعد جزءًا من مصادر التوجيه والتشريع في الإسلام، بنص الحديث النبوي المذكور.


    4- أقوال الفقهاء
    ورابع تلك المصادر: أقوال الفقهاء وآراؤهم، سواء أكانت تفسيرًا للنصوص، أم استنباطًا منها، أو قياسًا عليها، أو تعليلاً لها، فما كان من هذه الأقوال موضع إجماع متيقن فهو حجة لا أعدوه، وما لم يكن كذلك فهو "رصيد" ثمين أستفيد منه وأنتفع به، ولكنى لا ألتزم مذهبًا واحدًا آخذ بكل أقواله واجتهاداته، فقد يسوغ هذا للمرء في خاصة نفسه.
    أما إذا أريد لنظام كالزكاة أن يوضع موضع التنفيذ في دولة عصرية مسلمة، فلا بد من التخير من أقوال الفقهاء، ما يكون أقوى حجة، وأقرب إلى مقاصد الشرع، وروح الإسلام. ولا أعنى بالفقهاء أئمة المذاهب الأربعة -رضى الله عنهم- وأتباعهم فحسب، بل أعنى فقهاء الإسلام منذ عهد الصحابة، فقد أستدل بقول أحد الراشدين أو معاذ أو عائشة أو ابن عمر أو ابن عباس أو غيرهم، وقد أستشهد بقول تابعي كالزهري أو عطاء أو الحسن أو مكحول أو النخعي، وقد آخذ بقول الأتباع وأتباعهم كالثوري والأوزاعي وأبى عبيد وإسحاق وغيرهم.

    فأئمتنا المتبوعون على فضلهم ومكانتهم، ليسوا هم كل فقهاء الأمة، وإن كانت مذاهبهم بما تيسر لها من خدمة أصحابهم وتلاميذهم وأتباعهم في مختلف الإعصار والأقطار، قد نمت ونضجت واتسعت، وأصبحت بذلك النبع الثر، والمصدر السخي لكل دارس لشريعة الإسلام.
    ولكننا نحجر واسعًا، إذا أغلقنا الباب دون الانتفاع بتراث السلف كله، وهو ثروة طائلة من العلم الأصيل، والاجتهاد المستقل، لا تقدر بثمن. وقد انتفعت بحمد الله بهذا وهذا كله، فرجعت إلى تراث الصحابة والسلف في الكتب التي عنيت بذلك مثل كتاب "الخراج" ليحيى بن آدم، و"الخراج" لأبى يوسف، وكتاب "الأموال" لأبى عبيد القاسم بن سلام ، ومثل "مُصنَّف عبد الرزَّاق"، و "مصنف ابن أبى شيبة"، وهما أعظم سجل لفقه الصحابة والتابعين، وإلى كتب الحديث وشروحها بصفة عامة، وبخاصة مثل "سنن البيهقي" و "وفتح الباري" لابن حجر و "نيل الأوطار" للشوكاني و "سبل السلام" للصنعاني، وما شابهها.

    هذا الكتاب و هذه الطبعة

    هذا .. ويسرني أن أقدم لهذه الطبعة من "فقه الزكاة" التي تنشر لأول مرة في مصر العزيزة، بعد أن طبع الكتاب خمس عشرة طبعة في لبنان وانتشر في العالم الإسلامي كله بحمد الله، وترجم إلى عدة لغات إسلامية وعالمية. ومن فضل الله أن أهل العلم في أقطار الأمة الإسلامية، تقبلوا الكتاب بقبول حسن، وأضفوا على مؤلفه من الأوصاف ما يشكر الله تعالى عليه، سواء منهم المشتغلون بالعلوم الشرعية، والمشتغلون بالعلوم الاقتصادية والمالية والقانونية والاجتماعية. فقد غدا الكتاب مرجعًا أساسيًا لكل باحث في هذه الميادين من وجهة النظر الإسلامية. وقد وصلت المؤلف رسائل جمة من كبار الشخصيات الإسلامية العالمية تنوه بالكتاب وأصالته وتشيد بما بذل فيه من جهد، وما أدى من خدمة للفقه الإسلامي والاقتصادي الإسلامي المعاصرين.
    وآخرون أشادوا به في مناسبات شتى: في كتبهم، أو محاضراتهم، أو حلقاتهم لقرائهم، أو طلابهم أو مشاهديهم أو مستمعيهم. أذكر من هؤلاء الأجلاء الكبار: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ أبا الحسن الندوي، الأستاذ مصطفى الزرقا، الشيخ عبد الله بن زيد المحمود، الشيخ على الطنطاوي، الأستاذ البهي الخولي، الدكتور محمد البهي، الدكتور محمود أبو السعود. وقال عنه الأستاذ أبو الأعلى المودودي: إنه كتاب هذا القرن -أي الرابع عشر الهجري- في الفقه الإسلامي (نقل ذلك عنه الأستاذ خليل أحمد الحامدي، مدير القسم العربي بالجماعة الإسلامية بباكستان). وقال الأستاذ محمد المبارك - رحمه الله - في مقدمة كتابه "نظام الإسلام الاقتصادي":. "ومن الكتب الحديثة ما هو خاص بموضوع معين، ومن هذا النوع كتاب "فقه الزكاة" للأستاذ يوسف القرضاوي، وهو موسوعة فقهية في الزكاة استوعبت مسائلها القديمة والحديثة، وأحكامها النصية والاجتهادية على جميع المذاهب المعروفة المدونة، لم يقتصر فيها على المذاهب الأربعة، مع ذكر الأدلة ومناقشتها، وعرض لما حدث من قضايا ومسائل، مع نظرات تحليلية عميقة، وهو بالجملة عمل تنوء بمثله المجامع الفقهية، ويعتبر حدثًا هامًا في التأليف الفقهي .. جزى الله مؤلفه خيرًا ". وقال عنه الشيخ محمد الغزالي: لم يؤلف في الإسلام مثله في موضعه. (قال ذلك في كتابه: مائة سؤال في الإسلام). ولا غرو أن عُنِىَ الإخوة المسلمون في أقطار شتى بنقله إلى لغاتهم، بعضهم بإذن منى، وبعضهم بلا إذن ! اعتقادًا منهم بأني لا أمانع في نشر كتبى، كما فعلوا في أكثر مؤلفاتي، أسأل الله أن ينفع بها. وقد ترجم الكتاب إلى الأوردية، مختصرًا في الهند أولاً، ثم كاملاً بعد ذلك في باكستان وكذلك ترجم إلى التركية والبنغالية (لغة جمهورية بنجلاديش) والإندونيسية.
    كما تبنى المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، التابع للملك عبد العزيز بجدة، ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، وكلف بذلك الباحث الاقتصادي الإسلامي المعروف الدكتور منذر قحف، وقد أبلغني مدير المركز منذ عام بأنه أنجز ترجمة الجزء الأول، وفى سبيله لإكمال الجزء الآخر.
    كما عرفت في زيارتي لماليزيا في شهر مارس الماضي، أن جامعة الملايو كلفت لجنة للقيام بترجمة الكتاب إلى اللغتين: الإنجليزية والماليزية.
    وأحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا، أن وجد المسلمون في الكتاب ما يلبى حاجة من حاجاتهم العلمية في عصرنا.
    ومن جهة أخرى كان الكتاب مرجعًا أساسيًا لكل القوانين التي صدرت في البلاد الإسلامية عن "الزكاة" وإن لم يأخذوا بكل ما فيه من اجتهادات، نظرًا لغلبة الطابع المذهبي على الفقه السائد إلى اليوم.
    ولا ريب أن الاجتهادات الجديدة لا تتقبل بسهولة في مجتمعات مثل مجتمعاتنا، وتحتاج إلى زمن حتى تثبت وجودها، ويكثر أنصارها.
    وكم من اجتهادات رفضت وعدت من الشذوذ المردود، حتى جاء زمن أصبحت فيه محور الإصلاح والتجديد، كما رأينا في آراء شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم.
    وكم من آراء رفضت في قانون الأسرة منذ عقود من السنين قبلت بعد ذلك، وغدت سائغة.
    وحسبي اليوم أن المؤتمرات والمجامع الفقهية التي تبحث في بعض موضوعات الزكاة، ينقسم أعضاؤها إلى قسمين: قسم يؤيد ما تبناه "فقه الزكاة" وهم حتى اليوم أقل عددًا. وقسم لا يوافق عليه. وأعتقد أن القسم الأول ينمو ويزداد مع الأيام.
    وأود أن أشير إلى أن هذه الطبعة ليس فيها إضافة، إلا لمسات قليلة جعلتها بين معقوفين، للدلالة على أنها من زيادة هذه الطبعة، ومعظمها في الحواشى، وبعضها تصحيح أخطاء مطبعية قام باستدراكها الأخ الفاضل الشيخ عبد التواب هيكل جزاه الله خيرًا وهى ليست كثيرة بالنسبة لحجم الكتاب، وأهم ما صححته خطأ حسابي في تقدير الصاع بالكيلو جرام، ترتب عليه خطأ في تقدير نصاب الزروع والثمار ؛ وكنت اعتمدت في حساب ذلك على زميل يدرس الرياضيات، كان معي في معهد قطر الديني الثانوي، فسامحه الله وسامحنا معه.
    والمهم الآن هو تصحيح مقدار الصاع وهو بالجرامات: 2146 (حسب الوزن بالقمح) وقد حسب في الطبعة الأولى -التي صورت عنها الطبعات السابقة- 2176 من الجرامات . ومقدار النصاب، وهو ثلاثمائة صاع يساوى: 646.96 ك.ج (وبالتقريب 674 ك.ج) قد حسب من قبل على أنه 652.8 ك.ج .(أو بالتقريب 653 ك.ج).
    وأرجو ممن يقتنى الكتاب في طبعاته السابقة أن يهتم بتصويب هذا الخطأ. وكذلك الذين ترجموه إلى اللغات الأخرى.
    والفرق على كل حال يسير، وهو مما يتسامح في مثله شرعًا، وبخاصة أن الشريعة لم تحدد المقادير مثل هذا التحديد الدقيق الصارم؛ بل قالوا في تقدير المد- وهو ربع الصاع: هو ملء يدي الرجل المتوسط.
    ولكن ما دمنا قد قدرنا بالمعايير الحديثة، فعلينا ضبطها بها ضبطًا سليمًا ليكون أقرب إلى المطلوب شرعًا، بحسب اجتهادنا البشري.
    وأخيرًا .. أسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذا الكتاب -في الدنيا والآخرة- من ألفه، أو ترجمه، أو نشره، أو قرأه، أو ساهم في ذلك من قريب أو بعيد.
    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا. نحمدك اللهم على كل حال، ونعوذ بك من حال أهل النار.

    القاهرة في 14 ربيع الآخر سنة 1406 هـ.
    ديسمبر سنة 1985م.
    يوسف القرضاوي.


    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة الطبعة الأولى

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد .

    فإن الزكاة هي الركن المالي الاجتماعي من أركان الإسلام الخمسة، وبها -مع التوحيد وإقامة الصلاة- يدخل المرء في جماعة المسلمين، ويستحق أخوتهم والانتماء إليهم، كما قال تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) (التوبة: 11).

    وهى -وإن كانت تذكر في باب العبادات باعتبارها شقيقة للصلاة- تعد في الحقيقة جزءًا من نظام الإسلام المالي والاجتماعي، ومن هنا ذكرت في كتب السياسية الشرعية والمالية.فلا عجب أن عُنِيَ علماء الإسلام ببيان أحكامها وأسرارها، كل في دائرة اختصاصه.

    فالمفسرون
    يتعرضون لها في تفسير الآيات التي تتعلق بشأنها، مثل الآية رقم (267) وما بعدها من سورة البقرة، والآية رقم (141) من سورة الأنعام، والآيات (34، 60، 103) من سورة التوبة وغيرها من الآيات في سور شتى. وقد أوسع القول في هذه الآيات المفسرون الذين يعنون بأحكام القرآن، كأبي بكر الرازي المعروف بالجصاص، وأبى بكر بن العربي، وأبى عبد الله القرطبي.

    والمحدثون وشراح الحديث
    يتعرضون لها عند ذكر الأحاديث الخاصة بها، وفى كل كتاب من كتب السنة المصنفة على أبواب الفقه - كموطأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم، وجامع الترمذي، وسنن النسائي وأبى داود وابن ماجة - كتاب خاص بالزكاة، وما جاء فيها من السنن القولية والعملية، وفى صحيح البخاري وحده، اشتمل كتاب "الزكاة" من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث واثنين وسبعين حديثًا، وافقه مسلم على تخريجها سوى سبعة عشر حديثًا، وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرون أثرًا (انظر: خاتمة كتاب الزكاة من فتح البارى: 4/120 - ط . الحلبي بمصر).

    والفقهاء
    يعرضون للزكاة في كتب الفقه باعتبارها العبادة الثانية في الإسلام، ولهذا تذكر في أبواب العبادات عقب الصلاة استنانًا بالقرآن والسنة.

    وعلماء الفقه المالي والإداري في الإسلام
    يعرضون لها باعتبارها جزءًا من النظام الإسلامي المالي والاجتماعى، ولهذا نجدها في كتاب الخراج لأبى يوسف، والخراج ليحيى بن آدم، والأموال لأبى عبيد، والأحكام السلطانية لكل من الماوردي الشافعي، وأبى يعلى الحنبلي، والسياسة الشرعية لابن تيمية. وإذن فالمادة التي يحتاج إليها الباحث في الزكاة غزيرة، ومصادرها موفورة، فما وجه الحاجة إذن إلى بحث جديد في الزكاة؟. وبعبارة أخرى: هل كانت المكتبة الإسلامية الحديثة في حاجة إلى بحث كبير كهذا البحث، يبين أحكام الزكاة وأهدافها وآثارها في حياة الفرد والمجتمع، ومكانها من الأنظمة المالية والاجتماعية المعاصرة؟. ونستطيع أن نجيب مطمئنين بالإيجاب، بل نؤكد أن الحاجة لمثل هذا البحث شديدة وماسة من عدة نواحٍ:

    1- فإن مثل هذا الركن الخطير من أركان الإسلام يحتاج من الباحثين والكاتبين إلى إعادة عرضه، وجمع ما تبعثر من أحكامه وأسراره في شتى المصادر، وإبرازه في قالب عصري وبأسلوب عصري، ولا يكتفي بما ألفه فيه علماؤنا في العصور الماضية، فإنهم ألفوا لعصرهم، وبأسلوب عصرهم، ولكل عصر لغة، ولكل مقام مقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) (إبراهيم :4).

    إن في الاقتصاد الإسلامي موضوعين رئيسيين يجب أن يُدْرسا ويُخْدما ويُجَلَّيا من كل جوانبهما: وهما موضوعان متقابلان: أحدهما في الجانب الإيجابي، والثاني في الجانب السلبي، أحدهما في فرائض الإسلام بل في أركانه الأساسية الخمسة، والآخر في محرمات الإسلام بل في الكبائر الموبقات السبع؛ فالأول هو الزكاة، والثاني هو الربا، فمن أنكر فرضية الأول، أو حرمة الثاني كان كافرًا مرتدًا بالإجماع.

    والواقع أن الموضوع الثاني -الربا- قد لقى شيئًا من العناية والخدمة أكثر مما لقيه الموضوع الأول. فقد كتب فيه الأساتذة أبو الأعلى المودودي (في كتابه "الربا" وقد نشر بالعربية وطبع عدة مرات). ومحمد عبد الله دراز (في رسالة "الربا" وقد ألقاها كممثل للأزهر فى مؤتمر الفقه الإسلامي بباريس سنة 1951)، وعيسى عبده (في رسالته "لماذا حرم الله الربا" وقد نشرتها مكتبة المنار الإسلامية بالكويت في سلسلة "نحو اقتصاد إسلامي سليم")، ومحمد أبو زهرة (في رسالة "تحريم الربا تنظيم اقتصادي" نشرت في السلسلة المذكورة)، ومحمد عبد الله العربي (في بحث له عن "الملكية الخاصة وحدودها في الإسلام" ألقاه في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ونشره المجمع في كتابه الأول)، ومحمود أبو السعود (في كتابه: "خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي" وفي بحث له: هل يمكن إنشائي بنك إسلامي؟ نشرته مكتبة المنار أيضًا)، ومحمد باقر الصدر (في كتابه "اقتصادنا" نشرته "دار الفكر" في لبنان، وفى رسالة "البنك اللاربوي")، ومحمد عزيز (في بحثه "عوامل النجاح في البنك اللاربوي" نشرته "المنار" فى سلسلتها أيضًا) إلى غير ذلك من البحوث والمقالات التي تناولت الربا من زاوية إسلامية خالصة، أو من زاوية متأثرة بالنظرة الرأسمالية الغربية إلى المال وإلى الحياة.

    ولا زال الموضوع في حاجة إلى خدمة أعمق وأوسع، ولا يزال المجال فسيحًا لمن يبذل فيه جهدًا أكبر، معتمدًا على الدراسة المقارنة، مع الرجوع إلى مصادر الإسلام الأصلية . ولكنه على كل حال نال قسطًا من العناية. أما موضوع الزكاة فلم يأخذ حقه من عناية العلماء والباحثين . ولم يُخدم كما ينبغي لموضوع مثله، له مكانته ومنزلته فى فرائض الإسلام وفى نظامه المالي والاقتصادي والاجتماعي.
    2- وهناك مسائل قديمة اختلف فيها الفقهاء من قديم، وكلٌّ أبْدَى رأيه، وذكر أدلته، وترك أصحاب الفتوى يُناقض بعضهم بعضًا، كلٌّ ينصر مذهبه، ويعضد إمامه، وجمهور المستفتين في حيرة أمام تناقض المفتين، فكانت الحاجة ماسة أشد المساس إلى إعادة النظر في هذه الأقوال، وأدلة كل منها، ومناقشتها في حياد وإنصاف، وعرضها على الكتاب والميزان اللذين أنزلهما الله، والوصول بعد ذلك إلى الرأي الراجح الذي يستطيعه باحث غير معصوم. وعلى هذه الحاجة نبَّه الأستاذ الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت في كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" (الإسلام عقيدة وشريعة ص109 - ط . دار القلم بمصر) . حيث قال تحت عنوان "الزكاة ركن ديني عام":

    "على رغم ما أعتقد من أن الخلاف النظري يدل على حيوية فكرية قوية، وعلى سماحة النظام الذي يكون في ظله ذلك الخلاف، على الرغم من ذلك، فكم يضيق صدري حينما أرى مجال الخلاف بين الأئمة في تطبيق هذه الفريضة يتسع على النحو الذي تراه في كتب الفقه والأحكام. "هذه الفريضة التي كثيرًا ما تقترن بالصلاة، يجب أن يكون شأن المسلمين فيها أو شأنها عندهم جميعًا كشأنهم في الصلاة، وشأن الصلاة فيهم، تحديد بين واضح لا لبس فيه ولا خلاف، خمس صلوات في اليوم والليلة". "هذه الفريضة تكون معظم جهاتها في الأصل والمقدار محل خلاف بين العلماء، وبالتالي تكون باختلافهم فيها مظهر تفرق في الواجب الديني بين المسلمين جميعًا لاختلافهم في التقليد وتعدد السبل".
    "هذا يزكى مال الصبي والمجنون، وذاك لا يزكيه، وهذا يزكى كل ما يستنبته الإنسان في الأرض، وذاك لا يزكى إلا نوعًا خاصًا أو ثمرة خاصة، وهذا يزكى الدين وذاك لا يزكيه، وهذا يزكى عروض التجارة وذاك لا يزكيها، وهذا يزكى حلى النساء وذاك لا يزكيه، وهذا يشترط النصاب وذاك لا يشترط وهذا وهذا إلى آخر ما تناولته الآراء فيما تجب زكاته وما لا تجب، وفيما تصرف فيه الزكاة وما لا تصرف".
    ثم نادى الشيخ الأكبر بالمسارعة إلى إعادة النظر فيما أثر عن الأئمة من موضوعات الخلاف التي خشي أن تمس أصل هذه الفريضة ويكون ذلك النظر الجديد على أساس الهدف الذي قصده القرآن من افتراضها، وجعلها واجبًا دينيًا تكون نسبة المسلمين فيه وفى جميع نواحيه على حد سواء (الإسلام عقيدة وشريعة ص109 - ط . دار القلم بمصر).

    3- ثم إن هناك أمورًا جدت في عصرنا، لم يعرفها فقهاؤنا القدامى ولا المتأخرون، وهذه الأمور تحتاج إلى إصدار حكم في شأنها، يريح الناس من البلبلة، ويرد على الأسئلة الحائرة على ألسنة جمهور المسلمين: هناك ثروات ودخول حديثة غير الأنعام والنقود الزروع والثمار . هناك العمارات الشاهقة التي تشيد للإيجار والاستغلال، والمصانع الكبيرة والآلات والأجهزة المتنوعة، وشتى رؤوس الأموال الثابتة أو المنقولة التي تدر على أصحابها أموالاً غزيرة من إنتاجها أو كرائها للناس كالسفن والسيارات والطائرات والفنادق والمطابع وغيرها ؛ هناك أنواع من الشركات التجارية والصناعية . هناك دخل ذوى المهن الحرة كالطبيب والمهندس والمحامى وغيرهم، ودخل الموظفين والعمال من رواتب وأجور ومكافآت - هل تدخل هذه الإيرادات الوفيرة وتلك الأموال النامية في " وعاء الزكاة " ؟ أم تقتصر الزكاة على ما كان في عهد السلف ؟ وإذا قلنا بوجوب الزكاة فيها، فما مقدار الواجب ؟ ومتى يجب ؟ وما الأساس الفقهي لذلك ؟. هناك الأنصبة والمقادير الشرعية التي وردت بها النصوص في الزكاة، كالأوسق الخمسة، في نصاب الزرع والثمر، والصاع في زكاة الفطر، والدراهم المائتين، والدنانير العشرين في زكاة النقود، كيف نحدد هذه الأنصبة الآن ؟ وكيف نترجمها إلى مقاييس العصر؟ وهل هي ثابتة أم تقبل التغيير، نظرًا لتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية وهبوط القدرة الشرائية للنقود - وبخاصة الفضية منها - عما كانت عليه في العهود الإسلامية الأولى؟. ثم هناك الضرائب الحديثة - النوعية وغير النوعية، النسبية والتصاعدية - التي تفرضها الحكومات المعاصرة، وتنفق حصيلتها في تغطية النفقات العامة للدولة، وتحقيق بعض الأهداف الاجتماعية.
    ما علاقة هذه الضرائب بالزكاة؟ وما وجه المشابهة والمفارقة بينهما في المصدر والمصرف والمبادئ والأهداف؟ وهل يمكن أن تقوم الضرائب مقام الزكاة؟ وإذا لم يمكن فهل يجوز شرعًا فرض الضرائب بجوار أخذ الزكاة؟.
    أسئلة يتطلب عصرنا الجواب عليها، ولا بد لنا أن نبدي فيها رأيًا. وربما يصعب على بعض الناس في عصرنا، أن يصدر عالم اليوم حكمًا في قضية لم يعرف فيها حكم للفقهاء السابقين، وهذا من أثر القول بسد باب الاجتهاد الذي انتشر في بعض العصور، وهو قول ثبت خطؤه وضلاله بلا ريب. ولا يملك أحد إغلاق باب فتحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . على أن المحققين من علماء الأصول قرروا: أن الاجتهاد يتجزأ، فيمكن أن يكون بعض العلماء مجتهدًا في بعض الأبواب أو بعض المسائل دون غيرها، وهذا أمر ليس بالمتعذر ولا بالمتعسر، على من أراد ذلك من علماء المسلمين، إذا أعد العدة لذلك من دراسة الشريعة واللغة، والرجوع إلى مصادر هذا الدين، وأوتى الملكة التي تمكنه من الموازنة والاستنباط. وأنا أعتقد أن الفصل في هذه الأمور برأي قاطع ملزم يحتاج إلى اجتهاد جماعي، من جماعة علماء المسلمين، ولكنى أعتقد أيضًا أن الاجتهادات والبحوث الفردية المتأنية في مختلف الموضوعات هي التي تنير الطريق لاجتهاد جماعي صحيح، غير مرتجل ولا مبتسر. كما أن الاجتهاد الجماعي الذي يتمثل فيه رأى الأقوياء الأمناء من علماء الإسلام في كافة الأقطار، لا زالت تحول دونه عوائق شتى، يرجع معظمها إلى ألاعيب السياسة، وأهواء الحاكمين. وهناك أفهام خاطئة سائدة - للأسف - عند كثير من المسلمين، حتى الذين يعدون في المثقفين منهم. أفهام تتصور الزكاة بضعة قروش أو ريالات، أو كيلة أو كيلات من حبوب، يتفضل بها رجل غنى محسن على معدم فقير، يسد بها جوعته أيامًا، تقل أو تكثر، ثم يظل هذا الفقير محتاجًا إلى مثل هذا السيد المحسن ليتقبل منه صدقته، ويقبل يده الطاهرة، ويدعو له بالخير والبركة في ماله وولده ... الخ. هذه الصورة التي لا صلة لها بتعاليم الإسلام، والتي حدثت - للأسف أيضًا - في بعض العصور، هي الرائجة لدى الكثيرين.

    ولقد وجدنا من الصحفيين اللامعين (هو الكاتب الاشتراكي أحمد بهاء الدين في إحدى مقالاته الأسبوعية في صحيفة أخبار اليوم سنة 1961) من يكتب في إحدى الصحف السيارة في مصر، زاعمًا أن الزكاة لا تصلح في مجتمعنا الحديث، لأن أنظمته الاقتصادية والاجتماعية لا تقوم على الصدقات، وإنما تقوم على العمل والإنتاج!! كأن الزكاة الإسلامية صدقة للمتسولين، أو معونة للمتبطلين القاعدين !.

    وكتب غيره كتابًا سمى فيه العدالة الإسلامية "اشتراكية الصدقات" (عن كتاب "من هنا نبدأ" لخالد محمد خالد) وهذا كله لا يدل إلا على جهل فاضح أو قصد سيئ. وبهذا الذي عرضناه هنا، يتبيَّن لنا وجه الحاجة إلى هذا البحث، وضرورة القيام به لمن يقدر عليه، فذلك- كما أعتقد - فرض كفاية على أهل العلم، إذا لم يقم به بعضهم أَثِمَ الجميع. ولقد عجب بعض الباحثين - (هو الأستاذ محمود أبو السعود فى مقال له بمجلة "المسلمون" منذ بضع سنوات) - المعنيين بشئون الاقتصاد والمال في الإسلام كيف خلت المكتبة الإسلامية الحديثة حتى اليوم من مؤلف جاد عن الزكاة، برغم أهميتها ومنزلتها في دين المسلمين، وقد أكد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف في مصر هذه الحاجة حين أعلن منذ تسع سنوات عن مسابقة كبرى في عدة بحوث إسلامية، دعا فيها رجال الفكر والقلم من أنحاء العالم الإسلامي إلى الكتابة فيها، بحيث لا يقل البحث عن 350 صفحة كبيرة، وكان منها "الزكاة في الإسلام". وزاد تأكيد هذه الحاجة ما أعلنه مجمع البحوث الإسلامية الذي انعقد بالقاهرة في مارس سنة 1963، وحضره من علماء الإسلام ممثلون لأكثر من أربعين دولة فقد كان من أهم قراراته:. "وأن موضوع الزكاة والموارد المالية في الإسلام وطُرق الاستثمار وعلاقتها بالأفراد والمجتمعات، وحقوق العامة والخاصة، هي موضوعات الساعة، لأنها ملتقى شُعبتين من الشريعة الإسلامية وهما العبادة والسلوك الاجتماعي، ومن أ جل ذلك يقرر المؤتمر أن تكون هذه الموضوعات محور نشاط المجمع في دورته المقبلة" (المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية ص 314).

    ومن هنا كانت مهمة هذا البحث محاولة الوفاء بالمقاصد الآتية

    (أ) تجميع ما تبعثر عن الموضوع في المصادر الأصلية، بين كتب الحديث والتفسير، وكتب الفقه بمختلف المذاهب، وكتب السياسة الشرعية و المالية، وغيرها من مصادر الثقافة الإسلامية وعرضه عرضًا جيدًا، يعين على تصوير حكم الإسلام فيه.

    (ب) محاولة تمحيص ما ورد في الموضوع من خلافات كثيرة، بُغية الوصول إلى أرجح الآراء، وفق الأدلة الشرعية، وعلى ضوء حاجة المسلمين ومصلحتهم في هذا العصر، قدر ما يستطيعه جهد فردى محدود.

    (جـ) محاولة إبداء الرأي فيما جد من مسائل وأحداث، متعلقة بالموضوع، لم يعرفها علماؤنا السابقون، مما لا يسع الباحث الإسلامي المعاصر أن يغفله.

    (د) تجلية حقيقة الزكاة باعتبارها ضريبة إسلامية، والموازنة بينها وبين الضرائب الحديثة، وبيان ما بينهما من مشابهات ومفارقات.

    (هـ) بيان أهداف الزكاة وآثارها في حياة المجتمع المسلم، وحل مشكلاته كالفقر والتشرد والتسول، والكوارث ونحوها، وسبقها لما عرف في هذا العصر بالضمان الاجتماعي والتأمين الاجتماعي.

    (و) تصحيح ما شاع من أفكار خاطئة حول الزكاة، بسبب سوء الفهم وسوء التطبيق لها، أو بسبب الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام.

    تلك هي الأغراض التي توخى هذا البحث أن يحققها، وأرجو أن يكون قد سدد وقارب.

    منهج البحث وخطته

    أستطيع أن أحدد خطوات المنهج الذي سلكته في ه

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 27 يونيو 2017 - 15:11