hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الإكراه وأثره على الأهلية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الإكراه وأثره على الأهلية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 6 يونيو 2011 - 21:08





    الإكراه وأثره على الأهلية





    د/ دياب سليم محمد عمر
    أستاذ ورئيس قسم أصول الفقه
    بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة
    جامعة الأزهر





    تقـــديم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى, ومصابيح الظلام، وعلى من سلك طريقه, وقفا قفوه من علماء أمته الأعلام.
    أما بعد؛؛؛؛؛
    فإن الشريعة الإسلامية كفلت حرية الاختيار للمكلف في أقواله وأفعاله, وجعلت الرضا أساسًا لتصرفاته، فلا قسر, ولا إجبار حتى في العقيدة والإيمان: (لا إكراه في الدين), فالله – سبحانه وتعالى- لم يكره خلقه ـ وهو خالقهم ـ على دين: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
    ومن ثم كان الإكراه ـ بدون وجه حق ـ حرامًا، بل إنه من الكبائر؛ لأنه ظلم, والظلم حرام: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فلا تظالموا».
    ولما كان الإنسان قد يأتي تصرفًا من التصرفات مكرهًا مما قد يؤثر في أهليته أحببت أن أكتب بحثًا في هذا الموضوع سميته «الإكراه, وأثره على الأهلية».
    جعلته في تمهيد, وخمسة مباحث, وخاتمة، سائلاً المولى ـ جل علاه ـ أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم), وأن يوفقني إلى ما يحبه ويرضاه, ويسدد على طريق الخير خطاي. المؤلف.

    تمهيد
    موقع الإكراه من علم أصول الفقه
    إن من أركان الحكم الشرعي «المحكوم عليه»، والمقصود بـ«المحكوم عليه»: "المكلف", وهو الذي تعلق الخطاب بفعله، فيحكم على أفعاله بقبولها أو ردها، وهذه الأفعال إمَّا أن تدخل في دائرة المأمور به أو المنهي عنه أو لا تدخل( ), وثمة اتفاق بين العلماء أن من وجد عاقلاً بالغًا مسلمًا مختارًا تعلق به خطاب الشارع, وكان مكلفًا، وتعلق بفعله الأحكام الشرعية سواء ما تعلق منها بحقوق الله أو ما تعلق بحقوق العباد, ولكن بعد اتفاقهم هذا اختلفوا فيمن اختل فيه وصف من هذه الأوصاف, ومن ثم كان البحث في الأهلية, وعوارضها.
    و«الأهلية» في اصطلاح الأصوليين: "صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، واعتبار فعله شرعًا"( ).
    ويقصد الأصوليون بـ«عوارض الأهلية»: "الأمور التي تطرأ على أهلية المكلف بالإزالة، أو بالنقص أو بالتغيير".
    وهذه العوارض قد تكون سماوية, أي: ثابتة من قبل الشارع, وليس للعبد فيها اختيار, ولهذا نسبت إلى السماء، ومن ذلك: الصغر, والجنون, والعته, والنسيان.
    وقد تكون العوارض مكتسبة, وهي: ما كان للعبد فيها اختيار باكتسابها بمباشرة أسبابها كالسكر أو بالتقاعد عن المزيل كالجهل.
    و«العوارض المكتسبة» قد تكون من المرء على نفسه، أي: من جهته، كالجهل, والسكر, والسفه, وقد تكون من الغير, أي: من جهة الغير عليه, فلا دخل له في حصول هذا العارض, ولا إرادة له في وقوعه( ), ويتمثل هذا النوع في عارض واحد فقط, وهو «الإكراه».

    المبحث الأول
    تعريف الإكراه
    وفيه مطلبان:
    المطلب الأول
    تعريف «الإكراه» لغة
    «الإكراه» في اللغة: "الحمل على الشيء قهرًا"، «أكرهته على الأمر إكراهًا»: «حملته عليه قهرًا»، يقال: «فعلته كرهًا» بالفتح, أي: «إكراها», وعليه قوله تعالى: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)( ), فقابل بين الضدين.
    وقيل بالفتح: «الإكراه»، وبالضم: «المشقة», وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد, و«أكرهه على كذا»: حمله عليه كرها, و«كَرَّهت إليه الشيء تكريهًا» ضد «حببته إليه», و«أكرهته»: «حملته على أمر هو له كاره»، وذكر الله ـ عز وجل ـ الكَره, والكُره في كتابه العزيز في أكثر من موضع.
    وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن «الكَرْه» و«الكُرْه» لغتان بمعنى واحد، إلا الفراء, فإنه زعم أن «الكُره» بالضم: «ما أكرهت نفسك عليه»، و«الكَره» بالفتح: «ما أكرهك غيرك عليه»( ).
    وعند الزجاج: كل ما في القرآن من «الكُره»، فالفتح فيه جائز، إلا قوله تعالى: (وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ)( ) في سورة البقرة( ).
    المطلب الثاني
    تعريف الإكراه اصطلاحًا
    عرف «الإكراه» في الاصطلاح بتعريفات كثيرة, منها:
    1- حمل الغير على ما لا يرضاه من قول أو فعل( ).
    2- حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه, ولا يختار مباشرته لو خلي ونفسه( ).
    3- الدعاء إلى الفعل بالإيعاد والتهديد( ).
    4- هو اسم لفعل يفعله الإنسان بغيره, فينتفي به رضاه، أو يفسد به اختياره( ).
    هذه التعريفات وغيرها, وإن اختلفت وتنوعت عباراتها, فهي متفقة معنى واعتبارًا.
    فـ«الإكراه»: عبارة عن حمل الإنسان على أمر لا يريد أن يفعله بتخويف يستطيع الحامل تنفيذه، ويكون الغير خائفًا به، ومنعدم الرضا عند المباشرة( ).
    فائدة: الألفاظ ذات الصلة.
    إن ثمة ألفاظًا ذات صلة بلفظ (الإكراه) كالرضا والاختيار.
    تعريف «الرضا»: لغة: الاختيار, والرضا بخلاف السخط، والرضا سرور القلب( ).
    وقد ورد التعبير بمادة (الرضا) في القرآن كثيرًا من ذلك:
    قوله -سبحانه-: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)( ).
    و«الرضا» اصطلاحًا: "هو قبول الشيء, والارتياح إلى فعله, والرغبة فيه, وجميع الأفعال الصادرة عن الإنسان لابد لها من اختيار إلا أنه قد يكون صحيحًا إذا كان منبعثا من رغبة، وقد يكون فاسدًا إذا كان ترجيحًا لأهون الشرين، ولا يلزم من وجود الفعل من الإنسان رضاه به، وارتياحه له"( ).
    تعريف «الاختيار» لغة: "يعرف «الاختيار» اللغة: بأنه أخذ ما يراه خيرًا"( ).
    وقد ورد التعيين بالخيرة في القرآن الكريم في موضعين:
    أحدهما: في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)( ). والأخر: في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)( ).
    تعريف «الاختيار» اصطلاحًا: لم يفرق جمهور الفقهاء بين الرضا والاختيار، أما الحنفية فقد فرقوا بينهما، فـ«الاختيار» عندهم: هو تخير أمر من الأمور بترجيح الفعل على الترك أو العكس أو هو القصد إلى مقدور متردد بين الوجود, والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر، أو هو القصد إلى الشيء, وإرادته.
    أما «الرضا»: فهو امتلاء الاختيار, وبلوغه نهايته؛ بحيث يفضى أثره إلى الظاهر من ظهور البشاشة في الوجه ونحوها، أو هو إيثار الشيء واستحسانه أو هو قبول الشيء, والارتياح إلى فعله, والرغبة فيه.
    ومن ثم لا يلزم من اختيار الشيء الرضا به، فإذا أكره المكلف على أن يفعل ما لا يرضاه, ولا يختار مباشرته, ولو خلي ونفسه، فيكون معدمًا للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر عنه باختياره؛ حيث آثر الجانب الأسهل على الجانب الأشق( ).

    المبحث الثاني
    شروط الإكراه( )
    للإكراه شروط لابد من توفرها حتى ينتج أثره، وهذه الشروط منها ما يرجع إلى المكره (بكسر الراء), ومنها ما يرجع إلى المكرَه (بفتح الراء), ومنها ما يرجع إلى المكره عليه, ومنها ما يرجع إلى المكره به.
    أولاً: ما يرجع إلى المكره (بكسر الراء):
    يشترط في المكره أن يكون قادرًا على تنفيذ, وإيقاع ما هدد به المكره، فإن لم يكن قادرًا على ذلك، فإكراهه يعتبر هذيانا، ولغوا لا أثر له.
    والإكراه يتحقق ممن له سطوة وبطش، لا فرق بين السلطان وغيره، طالما كان المكره قادرًا على إيقاع ما هدد به( ).
    وعند أبي حنيفة: لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان؛ لأن القدرة لا تكون بلا منعة, والمنعة للسلطان.
    وأبو حنيفة عندما أفتى بهذا لم يكن لغير السلطان من القوة ما يتحقق به الإكراه، فأجاب بناء على ما شاهده في عصره، أما في زمان الصاحبين (أبي يوسف, ومحمد), فقد ظهر الفساد، وصار الأمر إلى كل متغلب, ومن ثم أفتيا بأنه يتحقق الإكراه من الكل، وبذلك يكون الاختلاف اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان( ).
    ثانيا: ما يرجع إلى المكره (بفتح الراء):
    يشترط في المكره ما يلي:
    1- الخوف على نفسه من جهة المكره في إيقاع ما هدد به، والمقصود بالخوف: غلبة الظن، ولا خلاف بين العلماء إذا كان إيقاع ما هدد به عاجلا, وكذلك إذا كان آجلا عند الأئمة الثلاثة في تحقق الإكراه, وذهب جمهور الشافعية إلى عدم تحقق الإكراه مع التأجيل.
    2- عجز المكره عن الخلاص من المكره به بهرب أو استغاثة أو مقاومة.
    3- أن يكون المكره ممتنعًا عما أكره عليه لحق ما، أي: لحق نفسه كبيع ماله أو إتلافه، أو إعتاق عبده أو لحق شخص آخر كإتلاف مال الغير، أو لحق الشرع كشرب الخمر, والزنا, ونحوهما.
    4- عدم مخالفة المكرَه المكرِه، فلا يأتي بفعل غير ما أكره عليه، فلو أتي بغير ما أكره عليه كان طائعًا مختارًا، كمن أكره على طلاق امرأته, فأعتق عبده.
    ثالثًا: ما يرجع إلى المكره عليه:
    يشترط في المكره عليه ما يلي:
    1- أن يكون محل الفعل المكره عليه معينا, أي: شيئا واحدًا، فإذا كان أكثر من شيء واحد، فلا يعد إكراهًا عند الشافعية، وعند الحنفية والمالكية: التخيير في المكره عليه لا ينافي الإكراه، فلا يشترط عندهما أن يكون المحل المكره عليه معينا، وعند الحنابلة: لا يشترط التعيين إذا كان المكره عليه طلاقًا، فلو أكره على طلاق إحدى زوجيه, ففعل كان مكرهًا، ولو أكره على قتل أحد رجلين, ففعل لم يكن مكرهًا( ).
    2- أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به, ومن ثم لو أكرهه على قتل نفسه, وإلا قتله لا يعد إكراهًا؛ لأنه لا يترتب على قتل نفسه الخلاص من القتل، فهو مقتول في كلتا الحالتين.
    رابعًا: ما يرجع إلى المكره به:
    يشترط في المكره به ما يلي:
    1- أن يكون المكره به إتلاف نفس أو عضو، أو أن يكون موجبًا غمًّا يعدم الرضا، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال, فليس الأشراف كالأراذل، ولا الضعيف كالقوي، وغير ذلك مما يفوض النظر فيه إلى الحاكم إذا رفع إليه؛ ليقرر لكل واقعة قدرها.
    2- أن يكون المكره به أكثر ضررًا على المكره من الفعل الذي أكره عليه، فإن كان الضرر مساويا أو أقل, فلا يتحقق الإكراه, وقد وضع الفقهاء قاعدتين يمكن اتخاذهما لضبط أحكام الإكراه, وهما:
    أ- الضرر لا يزال بالضرر.
    ب- ارتكاب أخف الضررين؛ لدفع أشدهما( ).

    المبحث الثالث
    أنواع الإكراه وحكمه
    وفيه مطلبان:
    المطلب الأول
    أنواع الإكراه
    يتنوع الإكراه عند الحنفية باعتبار قوته, ودرجة تأثيره إلى نوعين: إكراه ملجئ, وإكراه غير ملجئ.
    النوع الأول: «الإكراه الملجئ», ويسمى بـ«الإكراه التام أو بالإكراه الكامل», وهذا الإكراه يعد أعلى أنواع الإكراه؛ حيث يجعل المكرَه كالآلة في يد المكرِه، فهو يعدم الرضا, ويفسد الاختيار( ).
    ومثال هذا النوع: التهديد بإتلاف النفس، أو إتلاف عضو من أعضاء الإنسان.
    ومن العلماء من ألحق بهذا النوع: التهديد بإتلاف المال كله؛ حيث إن المال عصب الحياة.
    النوع الثاني: «الإكراه غير الملجئ», ويسمى بـ«الإكراه الناقص», وهذا النوع من الإكراه يعدم الرضا, ولا يفسد الاختيار؛ حيث يبقى الفاعل مستقلا في قصده.
    ومن أمثلة هذا النوع: التهديد بالحبس لمدة مديدة، والضرب الذي لا يخشى معه القتل، أو فقد بعض الأعضاء.
    ومثل هذا يمكن الصبر عليه، وعدم اضطرار المكره إلى فعل ما أكره عليه، ومن ثم كان معدمًا للرضا غير مفسد للاختيار( ).
    وهناك نوع ثالث للإكراه عند الحنفية لا يعدم الرضا، ومن ثم لا يفسد به الاختيار ضرورة؛ لأن الرضا مستلزم لصحة الاختيار، وهذا النوع يسمى لدى علماء القانون بـ«الإكراه الأدبي» يقول عبد العزيز البخاري في «كشف الأسرار» بالنسبة للأنواع الثلاثة السابقة: "نوع يعدم الرضا ويفسد الاختيار، نحو: التهديد بما يخاف به على نفسه، أو عضو من أعضائه؛ لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعًا لها".
    و«الاختيار» هو «القصد إلى أمر متردد بين الوجود, والعدم داخل في قدرة الفاعل بترجيح أحد الجانبين على الأخر كذا قيل. والصحيح منه أن يكون الفاعل في قصده مستبدًّا, والفاسد منه أن يكون اختياره مبنيا على اختيار الآخر، فإذا اضطر إلى مباشرة أمر بالإكراه كان قصده في المباشرة دفع الإكراه حقيقة, فيصير الاختيار فاسدًا لابتنائه على اختيار المكرِه, وإن لم ينعدم أصلا.
    ونوع يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار, نحو: الإكراه بالحبس أو القيد مدة مديدة أو بالضرب الذي لا يخاف به التلف على نفسه، وإنما لم يفسد به الاختيار؛ لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه؛ لتمكنه من الصبر على ما هُدد به.
    ونوع آخر: لا يعدم الرضا, فلا يفسد به الاختيار ضرورة؛ لأن الرضا مستلزم لصحة الاختيار، وهو أن يضم, أي: يقصد المكرِه بحبس أبي المكره أو ولده أن يغتم المكرَه بسبب حبس أبيه, وما يجري مجراه من حبس زوجه, وأمه, وأخته, وأخيه, وكل ذي رحم محرم منه؛ لأن القرابة المتأبدة بالمحرمية بمنزلة الولاد, وكان ما ذكر جواب القياس, فإنه ذكر في «المبسوط», ولو قيل له: لتحبس أباك أو ابنك في السجن أو لتبيعن عبدك هذا بألف درهم، ففعل, ففي القياس: البيع جائز؛ لأن هذا ليس بإكراه, فإنه لم يهدده بشيء في نفسه، وحبس أبيه في السجن لا يلحق ضررًا به.
    فالتهديد به لا يمنع صحة بيعه, وإقراره, وهبته, وكذلك في حق كل ذي رحم محرم.
    وفي الاستحسان: ذلك إكراه, ولا ينفذ شيء من هذه التصرفات؛ لأن حبس أبيه يلحق به من الهم والحزن ما يلحق به حبس نفسه أو أكثر؛ فإن الولد إذا كان بارا يسعى في تخليص أبيه من السجن إن كان يعلم أنه حُبس، وربما يدخل السجن مختارًا, ويجلس مكان أبيه؛ ليخرج أبوه، فكما أن التهديد بالحبس في حقه يعدم تمام الرضا، فكذلك التهديد بحبس أبيه( ).
    وقسم غير الحنفية, وخاصة الشافعية الإكراه قسمين:
    1- إكراه بحق: وهو الإكراه المشروع, أي: الذي لا ظلم فيه مما يحق للمكرِه التهديد بما هدد به، كما أنه يحق للمكره إلزام المكرِه بما أكره عليه, ومن أمثلته: إكراه القاضي المدين على بيع ماله, وفاء لدينه.
    وقد ذكر السيوطي في كتابه «الأشباه والنظائر» عدة صور للإكراه بحق, وهي:
    الإكراه على الأذان، وعلى فعل الصلاة، والوضوء, وأركان الطهارة، والحج، وأداء الزكاة، والكفارة، والدَّين وبيع ماله فيه، والصوم، والاستئجار للحج، والإنفاق على رقيقه، وبهيمته، وإقامة الحدود، وإعتاق المنذور عتقه، والمشتري بشرط العتق، وطلاق المولى إذا لم يطأ, واختيار من أسلم على أكثر من أربع، وغسل الميت, والجهاد, فكل ذلك يصح مع الإكراه، ثم يقول: فهذه أكثر من عشرين صورة في ضابط الإكراه بحق( ).
    الإكراه بغير حق: وهو الإكراه المحرم, وهذا النوع من الإكراه لم يقسمه غير الحنفية إلى: ملجئ, وغير ملجئ كما تقدم, وإنما تكلموا عمَّا يتحقق به الإكراه, وما لا يتحقق, فما قال به الحنفية: إنه إكراه ملجئ يقولون به، أما ما سماه الحنفية إكراهًا غير ملجئ, فهناك خلاف فيه, ففي «متن المنهاج» للنووي: ويحصل الإكراه بتخويف بضرب شديد، أو حبس، أو إتلاف مال, ونحوها، وقيل: يشترط قتل، وقيل: قتل، أو قطع، أو ضرب مخوف ( ).
    وذكر السيوطي عن الرافعي: أن الذي مال إليه المعتبرون: أن الإكراه على القتل لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو ما يخاف منه القتل. وأما غيره، ففيه سبعة أوجه أكتفي منها بذكر الوجه السابع؛ حيث يقول: وهو اختيار النووي في «الروضة»: إن الإكراه يحصل بكل ما يؤثر العاقل الإقدام عليه، حذرًا مما هدد به، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، والأفعال المطلوبة، والأمور المخوف بها، فقد يكون الشيء إكراهًا في شيء دون غيره، وفي حق شخص دون آخر( ).
    ويرى المالكية: أن التهديد إذا كان موجهًا إلى غير المكرَه لا يكون إكراهًا إلا إذا كان ولدًا أو أبا.
    وللحنابلة رأيان: إذا كان التهديد موجهًا إلى ولد المكرَه، فقيل: لا يعتبر إكراهًا؛ لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى أنه يعتبر إكراهًا؛ لأن ذلك أعظم عنده من أخذ ماله، والوعيد به إكراه، فكذا التهديد بولده( ).
    المطلب الثاني
    حكم الإكراه
    الإكراه بدون وجه حق حكمه الحرمة، بل هو من الكبائر؛ لأنه ظلم، والظلم حرام، وقد نهى الله - سبحانه وتعالى- عن الظلم في آيات كثيرة مبينًا أن مأوى الظالمين جهنم وبئس المصير، من ذلك:
    1- قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)( ).
    2- قوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا)( ).
    3- وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) ( ).
    وفي الحديث القدسي: « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا, فلا تظالموا...»( ).

    المبحث الرابع
    حكم تكليف المكره وأثر الإكراه في التصرفات
    وفيه مطلبان:
    المطلب الأول
    حكم تكليف المكره
    هناك ثلاثة آراء في تكليف المكره:
    الرأي الأول: مقتضاه أن المكره غير مكلف مطلقًا، وهذا الرأي منسوب إلى المعتزلة.
    يقول الإسنوي: "وذهبت المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف في عين المكروه عليه دون نقيضه، فإنهم يشترطون في المأمور به أن يكون بحال يثاب على فعله، وإذا أكره على عين المأمور به، فالإتيان به لداعي الإكراه لا لداعي الشرع, فلا يثاب عليه، فلا يصح التكليف به، بخلاف ما إذا أتى بنقيض المكره عليه، فإنه أبلغ في إجابة داعي الشرع( ).
    وقال إمام الحرمين: وذهبت المعتزلة إلى أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفًا بها, وبنوا ذلك على أصلهم في وجوب إثابة المكلف، والمحمول على الشيء لا يثاب عليه( ).
    وفي مسلم الثبوت وشرحه: وقالت المعتزلة: يمنع الإكراه التكليف في الملجئ بعين المكره عليه وبنقيضه، ويمنع في غيره في عين المكره عليه دون نقيضه، أي: لا يمنع في نقيض المكره عليه( ).
    وقال ابن قدامة المقدسي: محال دخول المكره تحت التكليف عند المعتزلة؛ لأنه لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه, ولا يبقى له خيرة( ).
    ونسب صاحب «شرح الكوكب المنير» عدم تكليف المكره إلى المعتزلة, والطوفي( ).
    وفي «البحر المحيط» للزركشي: وقالت المعتزلة: لا يصح تكليف المكره مع وفاقهم على اقتداره, ثم يقول: وما نقل عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة، منهم إلكيا الطبري، فقال: نقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف. قال: وليس هذا مذهبًا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذي ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس.
    ثم يستطرد الزركشي, فيقول: ونقل عن المعتزلة أن المكره غير مخاطب، وهذا خطأ في النقل عنهم، بل عندهم أنه مخاطب، بل هو أولى بالخطاب من المختار؛ لأن التكليف تحميل ما فيه كلفة ومشقة، وحالة المكره أدخل في أبواب التكليف والمشاق من حالة المختار؛ بسبب أنه مأمور بترك الفعل الذي أكره عليه، وواجب الانقياد عليه والاستسلام، وموعود عليه الأجر والثواب، إلا أن العلماء رأوا في كتبهم أن الملجأ ليس بمخاطب، فظنوا أن الملجأ والمكره واحد, وليس كذلك، بل الملجأ هو الذي لا يخاطب عندهم، وهو الذي لا قدرة له على الترك، بل يكون مدفوعًا ومحمولا بأبلغ جهات الحمل، كمن شدت يداه ورجلاه رباطًا, وألقي على عنق إنسان؛ بحيث لا يمكنه الاندفاع، فهذا ليس له اختيار، وأما المكره, فله قصد وقدرة, فكان مكلفًا.
    ثم يقول الزركشي: وأما قول ابن برهان: إن المعتزلة لا يخالفون في تكليف المكره, فليس كذلك لما سبق من نقل الفحول عنهم.
    ثم يقول: إن المعتزلة بنوا امتناع تكليف المكره بفعل ما أكره عليه على قاعدتين:
    إحداهما: القول بالتحسين, والتقبيح العقليين.
    والأخرى: وجوب الثواب على الله؛ لأن شرط التكليف عندهم الإثابة, وينقل الزركشي عن إمام الحرمين، فيقول: قال إمام الحرمين: إن القوم «يقصد المعتزلة» لا يمنعون من الشيء مع الحمل عليه، فإن ذلك أشد في المحنة, واقتضاء الثواب، وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى الفعل مع الأمر به( ).
    الرأي الثاني: مقتضاه التفريق بين الإكراه الملجئ, والإكراه غير الملجئ, فالمكره إكراهًا ملجئًا غير مكلف، بينما المكره إكراهًا غير ملجئ يعتبر مكلفًا بالأحكام الشرعية, وهذا الرأي لجمهور العلماء.
    يقول الإمام الرازي: المشهور أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حد الإلجاء، أو لا ينتهي إليه, فإن انتهى إلى حد الإلجاء امتنع التكليف؛ لأن المكره عليه يعتبر واجب الوقوع، وضده يسير ممتنع الوقوع.
    والتكليف بالواجب, والممتنع غير جائز، وإن لم ينته إلى حد الإلجاء، صح التكليف به( ).
    ويقول ابن السبكي, والمحلى: من لا مندوحة له عمّا أكره عليه إلا بالصبر على ما أكره به يمتنع تكليفه بالمكره عليه، أو بنقيضه على الصحيح؛ لعدم قدرته على امتثال ذلك، فإن الفعل للإكراه لا يحصل به الامتثال، ولا يمكن الإتيان معه بنقيضه( ).
    وفي «المنهاج» للبيضاوي, و«شرحه» للإسنوي: الإكراه الملجئ يمنع التكليف، لزوال القدرة, أما الإكراه غير الملجئ, فلا يمنع التكليف( ).
    الرأي الثالث: مقتضاه: أن المكره مطلقًا، سواء أكان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئ, وهذا الرأي للحنفية.
    وحجتهم: أن المكره مبتلى في حال الإكراه، كما كان في حال الاختيار، والابتلاء يخص الخطاب.
    يقول صدر الشريعة: والإكراه سواء أكان ملجئًا أم غير ملجئ لا ينافي الأهلية, ولا الخطاب؛ لأن المكره عليه، إما فرض، كما إذا أكره على شرب الخمر بالقتل، أو مباح، كما إذا أكره على الإفطار في شهر رمضان، أو رخصة، كما إذا أكره على إجراء كلمة الكفر، أو حرام، كما إذا أكره على قتل مسلم بغير الحق، حتى يؤجر مرة, ويأثم أخرى، ولا ينافي الاختيار؛ لأنه حمل على اختيار الأهون( ).
    وفي أصول البنردوي: الإكراه بجملته لا ينافي أهلية، ولا يوجب وضع الخطاب بحال؛ لأن المكره مبتلى، والابتلاء يحقق الخطاب، ألا يرى أنه متردد بين فرض, وحظر, وإباحة، ورخصة، وذلك آية الخطاب، فيأثم مرة, ويؤجر أخرى، ولا ينافي الاختيار أيضًا؛ لأنه لو سقط لبطل الإكراه، ألا يرى أنه حمل على الاختيار، وقد وافق الحامل, فكيف لا يكون مختارًا, ولذلك كان مخاطبًا في عين ما أكره عليه، فثبت بهذه الجملة أن الإكراه لا يصلح لإبطال حكم شيء( ).
    وفي «التحرير» للكمال بن الهمام, و«شرحه» للتيسير: الإكراه مطلقًا لا ينافي أهلية الوجوب على المكره للذمة, والعقل, والبلوغ، كما أنه لا ينافي الاختيار؛ لأنه حمل للفاعل على أن يختار ما لا يرضاه، بل الفعل عنه, أي: الإكراه اختيار أخف المكروهين عند الفاعل من المكره به, والمكره عليه( ).
    وذكر الغزالي في «المستصفى»: إن فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف بخلاف فعل المجنون والبهيمة؛ لأن الخلل ثم في المكلف لا في المكلف به, فإن شرط تكليف المكلف السماع والفهم، وذلك في المجنون, والبهيمة معدوم، والمكره يفهم، وفعله في حيز الإمكان؛ إذ يقدر على تحقيقه وتركه، فإن أكره على أن يقتل جاز أن يكلف ترك القتل؛ لأنه قادر عليه، وإن كان فيه خوف الهلاك، وإن كلف على وفق الإكراه، فهو أيضًا ممكن، بأن يكره بالسيف على قتل حية همت بقتل مسلم؛ إذ يجب قتلها، أو أكره الكافر على الإسلام، فإذا أسلم، نقول: قد أدى ما كلف به( ).
    المطلب الثاني
    أثر الإكراه في التصرفات
    إن التصرفات الصادرة من المكره، قد تكون «تصرفات قولية»، وقد تكون «تصرفات فعلية».
    أولاً: التصرفات القولية:
    إن التصرفات القولية تصدر من المكرَه، تنقسم إلى قسمين:
    1- تصرفات قولية لا تقبل الفسخ.
    2- تصرفات قولية تقبل الفسخ.
    القسم الأول: التصرفات القولية التي لا تقبل الفسخ.
    إن من أمثلة التصرفات القولية التي لا تقبل الفسخ: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والتدبير، والعفو عن دم العمد، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفيء، والإسلام( ).
    هذه التصرفات لا تأثير للإكراه فيها عند الحنفية من حيث نفاذها، فالمكره على طلاق امرأته، أو عتق عبده، يقع طلاقه، وينفذ قوله، سواء أكان الإكراه ملجئاً، أم كان غير ملجئ( ).
    يقول صدر الشريعة: فإن كانت الأقوال مما لا ينفسخ، ولا يتوقف على الاختيار، كالطلاق، والعتاق, تنفذ؛ لأنها، أي: الأقوال التي لا تنفسخ تنفذ مع الهزل، وهو ينافي الاختيار أصلاً، والرضا بالحكم, فلأن تنفذ, أي: الأقوال التي لا تنفسخ بالإكراه, وهو يفسد الاختيار أولى.
    ووجه الأولوية: أن في الهزل اختيار المباشرة، والرضا بها ثابتان، ولكن اختيار الحكم, والرضا به منتفيان، أما الإكراه فالرضا بالحكم, والسبب منتف فيه، أما اختيار السبب, فحاصل في الإكراه مع الفساد، فإن كان الطلاق, والعتاق واقعين في الهزل من غير اختيار الحكم, والرضا به، فوقوعهما في الإكراه في فساد الاختيار أولى. هذا ما قالوا.
    ولكن يرد عليه: إن اختيار السبب, والرضا به حاصل في الهزل بدون الفساد، وأما في الإكراه، فلا رضا بالسبب أصلاً، واختيار السبب موجود مع الفساد، فلا يلزم من الوقوع في الهزل الوقوع في الإكراه( ).
    ويجيب التفتازاني عن هذا الاعتراض, فيقول: إن ثمة أمورًا أربعة هي: اختيار السبب, والحكم, والرضا بهما، ففي الهزل يوجد اختيار السبب, والرضا به مع الصحة، وينتفي اختيار الحكم, والرضا به، وفي الإكراه يوجد اختيار السبب, والحكم مع الفساد، وينتفي الرضا بهما، ففي كل من الهزل, والإكراه يوجد الاثنان من الأمور الأربعة، إلا أن الأمرين اللذين في الإكراه أقوى، من جهة أن الحكم هو المقصود، والسبب وسيلة إليه، وأن الاختيار هو المعتبر في عامة الأحكام، ونفاذ التصرفات، والرضا قد يكون، وقد لا يكون، وفساد الاختيار لا يوجب المرجوحية؛ لأن الفاسد بمنزلة الصحيح فيما لا يحتمل الفسخ؛ لأنه إذا انعقد ينفذ، ولا يحتمل تخلف الحكم( ).
    القسم الثاني: التصرفات القولية التي تقبل الفسخ:
    إن كانت الأقوال مما ينفسخ، ويتوقف على الرضا، تنعقد فاسدة أما الانعقاد، فلصدورها عن أهلها في محلها، وأما الفساد؛ فلأن الرضا شرط النفاذ، ومن ثم لو أجاز التصرف بعد زوال الإكراه صريحاً أو دلالة، صح لزوال المعنى المفسد بالإجازة.
    وأمثله هذا: إذا كان المكره عليه من العقود، والتصرفات الشرعية كالبيع، والإجارة، والرهن، ونحوها.
    فمن باع أو أجر، أو رهن مكرهًا، فسدت تصرفاته، فلا يملك المشتري المبيع إلا بالقبض, ولا فرق بين أن يكون الإكراه ملجئًا، أو غير ملجئ.
    أما إذا كانت التصرفات القولية إقرارات، سواء أكانت مالية أم غير مالية، فإنها تكون باطلة وتلغى، فالذي يكره على الاعتراف بمال، أو زواج، أو طلاق، يكون اعترافه باطلاً غير معتد به في نظر الشرع, وسواء أكان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئ, ووجه البطلان: أن الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب، وإنما يوجب الحقوق باعتبار رجحان جانب الصدق، أي: وجود المخبر به، فإذا تحقق الإكراه, وعدم الرضا، وهو دليل على الكذب، أي: عدم وجود المخبر به لم تثبت الحقوق.
    فإن قيل: الإكراه يعارضه أن الصدق هو الأصل في المؤمن، ووجود المخبر به هو المفهوم من الكلام، فلا يقوم دليل على عدم المخبر به.
    أجيب: بأن المعارضة إنما تنفي المدلول، لا الدليل. غاية ما في الباب أنه لا يبقى رجحان لجانب الصدق، أو جانب الكذب، فلا تثبت الحقوق بالشك( ).
    يقول ابن ملك: ولا تصح الأقارير كلها؛ لأن صحتها تعتمد على قيام المخبر به، وقد قامت دلالة على عدمه، أي: عدم ثبوت المخبر له؛ لأنه تكلم دفعًا للسيف عن نفسه، لا لوجود المخبر به.
    فإن قلت: إذا قال الرجل لعبده الذي هو أكبر سنًا منه: هذا ابني، يعتق عند أبي حنيفة، مع أن كذبه متيقن، فكان ينبغي أن يعتق العبد إذا أقر بعتقه بالإكراه.
    قلت: أبو حنيفة أثبت العتق فيه باعتبار جعل كلامه مجازًا عن الإقرار، وهاهنا لا يحتمل كلامه أن يكون مجازًا في شيء؛ لأنه أكره على أن يتكلم بالحقيقة، لا بالمجاز، وكذبه راجح؛ لقيام دليله, وهو الإكراه( ).
    هذا هو أثر الإكراه في التصرفات القولية عند الحنفية. أما أثر الإكراه عند المذاهب الأخرى، فبيانه فيما يأتي:
    أ- المالكية: إذا أكره شخص على عقد، أو على إقرار، أو على يمين أو غير ذلك لم يلزم المكره شيء.
    وقالوا: إن الإكراه في هذه الأمور يكون بالتخويف بقتل أو ضرب مؤلم، أو بسجن، كما يكون أيضًا بصفع لذي مروءة على ملأ من الناس.
    كما قالوا أيضًا: إن أجاز المكرَه شيئًا مما أكره عليه طائعًا مختارًا، بعد زوال الإكراه، لزم على الأحسن، ما لم يكن نكاحًا, فإنه لا يجوز( ).
    ب- الشافعية: يرى الشافعية: أن المكره عليه إذا كان عقدًا، أو حلاً، أو أي تصرف قولي، أو فعلي، لا يصح، واستدلوا على ذلك، بعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: « رفع عن أمتي الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه » ( ), ومن ثم لا أثر لقول المكره، إلا في الصلاة؛ حيث تبطل به. وفي «مغني المحتاج على المنهاج: ولا يصح إقرار مكره بما أكره عليه، لقوله تعالى: (... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ. ..) ( ).
    جعل الإكراه مسقطا لحكم الكفر، فبالأولى ما عداه ( ).
    وفي «البحر المحيط للزركشي» جـ1 ص365: في «فتاوى ابن الصلاح»: ذكر ما في الأصول أن المكره يدخل تحت الخطاب والتكليف، وذكروا في الفقه، أن طلاقه، وإقراره، وردته لا تصح, فكيف يجمع بينهما؟ وأجاب بأنه مكلف حالة الإكراه، ومع ذلك يخفف عنه؛ بأن لا يلزم بحكم ما أكره عليه، ولم يختره من طلاق، وبيع وغيرهما، لكونه معذورًا.
    وفي «الأشباه والنظائر» للسيوطي ص:193: مذهب الشافعي: أن المكره على الطلاق لا يقع طلاقه، إذا كان غير مختار لذلك من جهة غير الإكراه، بل طاوع المكره فيما أكرهه عليه بعينه، وصفته، ويستوي في ذلك: الإكراه على اليمين, وعلى التعليق.
    جـ- الحنابلة: يرى الحنابلة أن التصرفات القولية، تقع باطلة مع الإكراه، واستثنوا من ذلك النكاح، فإنهم قالوا: يقع صحيحًا، وقاسوا المكرَه على الهازل, أما الطلاق مع الإكراه لا يقع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في إغلاق»( ) والإكراه من الإغلاق( ).
    وفي «الروض المربع شرح زاد المستقنع»: ولا يصح الإقرار من مكره( ).
    وفي مجموع فتاوى ابن تيمية: إذا أكره شخص بغير حق، فأقر، كان إقراره باطلاً( ).
    ثانيًا: التصرفات الفعلية:
    فرق الحنفية بين الإكراه الملجئ، والإكراه الغير ملجئ كما فرقوا بين الأفعال المكره عليها:
    أ- فالإكراه إن كان غير ملجئ: وهو الإكراه بما لا يفوت النفس، أو يفوت عضوًا من الأعضاء، كأن يكون - مثلاً- بالحبس لمدة قصيرة، أو بقيد، أو بضرب يسير, أو بأخذ المال اليسير, فإن كان الفعل الذي أكره على الإتيان به، قتل نفس بغير حق، أو إتلاف مال الغير، أو أكره على شرب الخمر، وما أشبه ذلك، فإن أقدم المكرَه على فعل أي من هذه الأشياء، كانت المسئولية عليه وحده، وليس على من أكرهه شيء.
    يقول ابن عابدين: فإن أكره على أكل ميتة، أو دم، أو لحم خنزير، أو شرب خمر بإكراه غير ملجئ، بحبس أو ضرب، لا يحد للشرب للشبهة( ).
    وفي شرح العناية للباترتي على الهداية: إذا أكره على أن يأكل الميتة، أو يشرب الخمر بحبس، أو ضرب يسير، لا يخاف منه تلف النفس، أو العضو، أو قيد، لم يحل له ذلك( ).
    وفي «بدائع الصنائع»: إذا اكن الإكراه ناقصًا - يقصد غير الملجئ- لا يحل له الإقدام على أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر, ولا يرخص له؛ لأنه لا يفعله للضرورة، بل لدفع الغم عن نفسه كما أنه لا يرخص للمكرَه أصلاً، قتل المسلم بغير حق( ).
    ب- أما إن كان الإكراه ملجئًا: وهو ما يكون بالقتل، أو تفويت بعض الأعضاء، وما أشبه ذلك, فإن الأفعال التي يكره عليها الإنسان ثلاثة أنواع:
    النوع الأول: أفعال لا يحل للمكرَه الإقدام عليها بأية حال من الأحوال، ومن أمثلة ذلك: قتل النفس المعصومة، أو قطع عضو من الأعضاء، أو الضرب الذي يؤدي إلى هلاك النفس، أو العضو.
    ومن هذا النوع أيضًا: الزنا.
    فهذه الأفعال لا يجوز للمكره الإقدام عليها، ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه، أو فقد عضو من أعضائه؛ لأن نفس المغير معصومة كنفس المكرَه، فإذا أقدم على القتل يكون قد آثر نفسه على نفس غير, وهذا لا يجوز؛ لأن الإنسان لا يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على غيره، وعليه أن يصبر على ما يلحقه من أذى، باعتبار أنه ابتلاء، فإذا فعل كان آثمًا، واستحق العقاب الأخروي بلا خلاف, يقول البخاري: لا يجوز له أن يبذل نفس غيره لصيانة نفسه، فنفس غيره مثل نفسه في استحقاق الصيانة( ).
    ويقول صاحب «التيسير»: إن خوف تلف النفس، أو العضو، لا يكون سببًا لرخصة قتل الغير، أو قطع عضو، وإن كان عبده، لاستحقاقهما الصيانة، واستوائهما في الاستحقاق، فلا تسقط إحدى الحرمتين للأخرى( ).
    ويقول ابن ملك: القاتل والمقتول في استحقاق العصمة، وخوف التلف سواء، فلا يحل للقاتل أن يقتل غيره؛ لتخليص نفسه، فصار الإكراه في حكم العدم في حق إباحة قتل المكره عليه؛ للتعارض بينهما في استحقاق الصيانة، فإذا قتله، فكأنه قتله بلا إكراه، فيحرم( ).
    أما العقوبة الدنيوية، فثمة خلاف بين الفقهاء فيمن يستحقها:
    1- فأبو حنيفة, ومحمد «الطرفان» يقولان: إن القصاص يكون على المكرِه؛ حيث إن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل، بجعل الفاعل آلة له، فالمكرَه كالآلة التي يستخدمها المجرم في ارتكاب الجريمة, والعقوبة على الجريمة لا تكون للآلة التي تستخدم فيها، وإنما تكون لمن استخدمها.
    أما المكره فيستحق التعزير بما يراه الإمام زاجرًا له؛ حيث قدم عصمة نفسه على عصمة غيره مع أنهما في العصمة سواء( ).
    يقول صاحب «التيسير»: ينسب الفعل إلى الحامل، ومن ثم يكون القصاص على المكرِه على قول أبي حنيفة, ومحمد, ويقول معللاً هذا الحكم لهما:
    إن الإنسان مجبول على حب الحياة، فقدم على ما يتوصل به إلى إبقاء الحياة بقضية الطبع، بمنزلة الآلة لا اختيار لها، كالسيف في يد القاتل، فيضاف الفعل إلى الحامل( ).
    وفي «شرح المنار»: يجب القصاص على المكرِه؛ لأن المكرَه آلة لغيره؛ لأنه يمكن لإنسان أن يأخذ إنسانًا آخر, ويلقيه على شخص ثالث فيقتله, ومن ثم يجب القصاص على المكرِه إن كان القتل عمدًا، وعلى عاقلته الدية إن كان القتل خطأ كما أن الكفارة في القتل الخطأ تجب على المكرِه أيضًا( ).
    كما أن المكرِه يحرم من الميراث أيضًا عند أبي حنيفة, ومحمد إذا كان المكرَه مكلفًا؛ لأن الفاعل يصلح آلة للحامل باعتبار تفويت المحل( ).
    2- وعند أبي يوسف: تجب الدية على الحامل، أي: على المكرِه، ولا قصاص عليهما، أي: لا على المكرِه، ولا على المكرَه.
    ووجه قول أبي يوسف: أن القصاص لا يجب إلا على الجناية الكاملة, والجناية الكاملة لم توجد بالنسبة لكل من الحامل «المكرِه» والمكرَه.
    فالحامل «المكرِه» جنايته غير كاملة؛ لأنه لم يباشر القتل، كما أن الفاعل «المكرَه» جنايته غير كاملة أيضًا؛ لأنها كانت بتأثير من المكرِه، كما أن الإكراه كان ملجئًا.
    ولا حرمان في الميراث؛ لانعدام وجوب القصاص بالنسبة لكل من المكرِه والمكرَه( ).
    وأبو يوسف أوجب الدية على الآمر «المكرِه» في ثلاث سنين:
    يقول الكاساني: ونفى أبو يوسف للقصاص عنهما، لكن أوجب الدية في ثلاث سنين، ونفى القصاص عنهما؛ لشبهة العدم، فإن أحدهما قاتل حقيقة «المكرَه» لا حكمًا، والآخر «المكرِه» بالعكس( ).
    وفي «تيسير التحرير»: وقال أبو يوسف: لا قصاص على أحد، بل الواجب الدية على الحامل في ماله في ثلاث سنين؛ لأن القصاص، إنما هو بمباشرة جناية تامة، وقد عدمت في حق كل من الفاعل، والحامل( ).
    3- وقال زفر من الحنفية: القصاص على المكرَه، أي: الفاعل المباشر للقتل؛ لظلمه بمباشرة قتل غيره، والإكراه لا يعفيه من المسئولية؛ لأنه آثر نفسه على نفس غيره مع أن عصمة نفس الغير كعصمة نفسه.
    يقول ابن عابدين في حاشيته: وقال زفر: يقاد الفاعل؛ لأنه المباشر( ).
    وفي «الهداية»: وقال زفر: يجب القصاص على المكرَه؛ لأن الفعل من المكرَه حقيقة وحسًّا، وقرر الشارع حكمه عليه، وهو الإثم( ).
    وفي «التلويح»: أوجب زفر -رحمه الله- القصاص على الفاعل؛ لأنه قتل لإحياء نفسه عمدًا( ).
    وفي «فتح القدير» للكمال بن همام: لزفر أن الفعل من المكرَه حقيقة لصدوره منه بغير واسطة، وحسًّا، فإنه معاين مشاهد، وكذا شرعًا؛ لأنه قرر عليه حكمه، وهو الإثم, فإيجاب القصاص على غيره، غير معقول، وغير مشروع( ).
    والزنا يأخذ حكم ما لا يحل للمكرَه الإقدام عليه، فإن حرمة الزنا لا ترتفع بحال من الأحوال، ومن ثم لا يرخص فيه حالة الإكراه، كما لا يرخص فيه حالة الاختيار.
    فالزنا يعتبر قتلاً في المعنى؛ لأن ولد الزنا بمنزلة الهالك، فإن انقطاع نسبه من الغير هلاك( ).
    يقول ابن ملك: في الزنا فساد الفراش، وضياع النسل؛ لأن ولد الزنا هالك حكمًا؛ إذ لا يجب على الأم نفقته؛ لأنها عاجزة عن الكسب، فكان الزنا كالقتل.
    فإن قلت: هذا مسلم في غير المنكوحة، وأما إذا كانت منكوحة الغير، يكون الولد للفراش؛ فلا يكون هالكًا.
    قلت: الأصل أن ينسب الولد إلى من خلق من مائه، وتجب النفقة عليه؛ لأنه جزؤه، فيكون هالكًا بالنظر إلى الأصل، وقد ينفي صاحب الفراش مثل هذا الولد عن نفسه عادة، فيفضي إلى إهلاكه( ).
    وصدر الشريعة يقول: إن الزنا قتل معنى، فإن ولد الزنا بمنزلة الهالك, فإن انقطاع نسبه من الغير هلاك.
    والتفتازاني يقول: الزنا قتل من جهة أن من لا نسب له بمنزلة الميت, كما أن النفقة لا تجب على الزاني؛ لعدم النسب، ولا على المرأة لعجزها عن ذلك، فيهلك الولد، والولد في صورة كون المرأة متزوجة، وإن كان ينسب إلى الفراش، وتجب نفقته على الزوج، إلا أن الزوج ربما ينفي مثل هذا النسب، فيهلك الولد( ).
    فإذا زنا الرجل تحت تأثير الإكراه، كان آثمًا بلا خلاف.
    ولكن لا يجب عليه الحد؛ حيث إن الإكراه يعتبر شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات.
    وعند أبي حنيفة: يجب عليه الحد، إذا كان الإكراه من غير السلطان( ).
    يقول الكاساني: كان أبو حنيفة -رحمه الله- يقول: المكره على الزنا يجب عليه الحد، وهو القياس؛ لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، والإكراه لا يؤثر فيه، فكان طائعًا في الزنا، فيجب عليه الحد، ثم رجع, وقال: إذا كان الإكراه من السلطان، لا يجب عليه الحد، بناء على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده.
    وعندهما يتحقق من السلطان وغيره, وأما قوله: إن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، فنعم، لكن ليس كل من تنتشر آلته يفعل، فكان فعله بناء على إكراهه، فيعمل فيه؛ لضرورته مدفوعًا إليه خوفًا من القتل، فيمنع وجوب الحد، ولكن يجب العقر على المكرَه؛ لأن الزنا في دار الإسلام، لا يخلو عن إحدى الغرامتين، وإنما وجب العقر على المكرَه دون المكرِه؛ لأن الزنا مما لا يتصور تحصيله بآلة غيره، والأصل أن$$$$$$ صفحات من 95: 98$$$$$ عن ارتكاب الحرام في زعمه, وهذا لأن انكشاف الحرمة عند الضرورة, ودليله خفي، فيعذر فيه بالجهل( ).
    النوع الثالث: أفعال الشارع رخص في فعلها عند الضرورة، وهذه الأفعال أباح الشارع للمكره الإقدام عليها، ولا إثم عليه، ولكن لو صبر, وامتنع عن فعلها حتى مات، كان مثابًا من الله ـ تعالى ـ, وذلك كالإكراه على النطق بكلمة الكفر، وعلى كل فعل فيه استخفاف بالدين.
    فإذا أكره الإنسان على أن يأتي هذا الفعل، جاز له ذلك الفعل متى كان قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)( ).
    ولما ورد في السنة: أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ فلم يتركوه حتى سب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذكر آلهتهم بخير.
    فلما أتى عمار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: «ما ورائك؟» قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «فكيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنًا بالإيمان، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إن عادوا فعد»( ).
    وقد رخص الشارع في ذلك، مع قيام المحرم والحمرة؛ حيث إن حرمة الكفر قائمة أبدًا؛ لأن المحرم للكفر، وهو الدلائل الدالة على وجوب الإيمان قائمة، فتكون حرمة الكفر قائمة أبدًا أيضًا، ولكن بالقتل يفوت حق العبد صورة ومعنى، صورة بخراب البنية، ومعنى بزهوق الروح، أي: خروجها من البدن، أما حق الله ـ تعالى ـ لا يفوت معنى؛ لأن قلبه مطمئن بالإيمان, ومن ثم رخص له أن يجري كلمة الكفر على لسانه, ولكن إن صبر, وبذل نفسه حسبة
    @ 99 صفحة بالأصل غير موجودة@
    ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره( ): لا بأس أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال, ثم يقول: وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر, وهي مطمئنة بالإيمان ثم ذكر نماذج لمن صدع بالحق, وأصر على الإيمان، حتى نال الشهادة في سبيل الله، كياسر، وزوجه سمية. كما ذكر نماذج لمن أخذ بالرخصة كعمار بن ياسر، ثم يستطرد قائلاً: ولا شك أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله، وأن الصدع بالحق, والصبر على البلاء أعلى منزلة، وأسمى درجة من الأخذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط, ونطق لسانه بالكفر.
    ومما يلحق بهذا النوع: الإكراه على إفساد صوم رمضان, وهو مقيم، أو ترك الصلاة المفروضة، أو الجنابة على الإحرام، أو إتلاف مال المسلم( ).
    فإذا أكره على أي فعل مما سبق، كان له أن يترخص بما أكره عليه؛ لأن حقه في نفسه يفوت أصلاً، وحق صاحب الشرع يفوت إلى خلف، فإن صبر, ولم يفعل ما أمر به، حتى قتل كان مأجورًا؛ لأنه متمسك بالعزيمة؛ لأن حق الله ـ تعالى ـ، وهو الصوم، والصلاة لم يسقط عنه بالإكراه، وفيما فعله إظهار الصلابة في الدين.
    ومثل إفساد حقوق الله ـ تعالى ـ: إتلاف أموال الناس، فإنه يرخص فيه الإكراه؛ لأن حرمة النفس فوق حرمة المال، فاستقام أن يجعل المال وقاية للنفس؛ لأن المال مبتذل في نفسه، والحرمة لحق الغير، ولها يباح بإباحته, ولكن أخذ مال الغير, وإتلافه ظلم، وعصمة صاحب المال في المال قائمة؛ إذ عصمته لأجل صاحب المال باقية حالة الإكراه؛ لأنها تثبت للحاجة، وحاجته إليه باقية في هذه الحالة، فيكون إتلافه وإن رخص فيها باقيًا على الحرمة، فإن صبر حتى قتل كان شهيدًا؛ لأنه بذلك نفسه لدفع الظلم، كما إذا امتنع عن ترك الفرائض من العبادات حتى قتل، إلا أنه لما لم يكن في معنى العبادات من كل وجه، بناء على أن الامتناع عن الترك فيها من باب إعزاز الدين، قيدوا الحكم بالاستثناء، فقالوا: كان شهيدًا عن الله ـ تعالى ـ( ).
    يقول البخاري في «كشف الأسرار»: وألحق محمد -رحمه الله- الاستثناء بهذا الجواب، فقال: كان مأجورًا إن شاء الله، قال شمس الأئمة -رحمه الله-: إنما قيد بالاستثناء؛ لأنه لم يجد فيه نصًّا بعينه.
    وإنما قاله بالقياس على الإيمان والصلاة، والصوم، وليس هذا في معناها من كل وجه؛ لأن الامتناع من الأخذ هاهنا لا يرجع إلى إعزاز الدين، فلهذا استثناه( ).
    وضمان المال على المكرِه، أي: الحامل؛ لأن المال معصوم حقًّا لصاحبه, فلا يسقط بحال، والفعل ينسب إلى نفس الحامل، ويجعل الفاعل آلة؛ حيث إنه يعتبر آلة فيما يصلح آلة له، والإتلاف من هذا القبيل، بأن يلقيه عليه فيتلفه( ).
    ضابط أثر الإكراه:
    ذكر البابرتي في «كتابه شرح العناية على الهداية» ضابطاً لأثر الإكراه، فقال: الإكراه الملجئ، وهو الذي يخاف فيه تلف النفس، أو عضو من الأعضاء، وغير الملجئ, وهو الإكراه بالحبس، والضرب اليسير، والتقييد، والأول معتبر شرعًا، سواء أكان على القول أم الفعل، والثاني: إن كان على فعل يسير, فليس بمعتبر، ويجعل كأن المكرَه فعل ذلك الفعل بغير إكراه، وإن كان على قول، فإن كان قولاً يستوي فيه الجد, والهزل, فكذلك، وإلا فهو معتبر( ).
    أثر الإكراه على التصرفات الفعلية عند غير الحنفية:
    أ- المالكية: يرى المالكية: أنه لا حدَّ على المرأة, ولا أدب، إذا أكرهت على الزنا، أما بالنسبة للرجل، فالمختار عند اللخمي، وهو مذهب المحققين كابن العربي وابن رشد: أنه لا حد ولا أدب كالمرأة، والأكثر على أن المكرَه على الزنا يحد، وهو المشهور، ولكن ما عليه الفتوى هو ما قال به اللخمي, وهو الأظهر في النظر( ), وقال العدوي: إن زنى الرجل مكرهًا بطائعة لا زوج لها ولا سيد، فلا حدَّ ولا أدب؛ لتمحض الحق لله ـ تعالى ـ.
    وإن زنى مكرهًا بمكرهة، أو ذات زوج أو سيد حد، إذ إكراهه كلا إكراه( ).
    وفصل البعض كابن القصار، فقال: إن انتشر قضيبه حد، وإلا فلا.
    وأجاب اللخمي على هذا بقوله: هذا غير صحيح، فقد يريد الرجل شرب الخمر، ويكف عنه خوف أمر الله, وقد ذكر في «الإحياء» حكمة الله -سبحانه وتعالى- ونعمته في اللسان، منها: أن خلق الله تحته عينًا يفيض اللعاب منها قدر ما ينعجن به الطعام، وسخرها لهذا الأمر، بحيث ترى طعامًا على بعد, فتفور المسكينة للخدمة قبل أن يصل إليها الطعام( ).
    أما بالنسبة لأثر الإكراه على القتل، فيقتل المتسبب مع المباشر، أي: المكرِه والمكرَه، إلا إذا أكره الأب على قتل ولده ظلمًا, فقتله، فلا قصاص على الأب للشبهة، والقصاص على المكرِه.
    والمسألة كما قال المازري: من أكره رجلاً على قتل رجل ظلمًا، قتل المباشر وهو المكرَه، إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويقتل المكرِه أيضًا؛ لأن القاتل كالآلة في يده.
    ولا يرث القاتل, ولو كان مكرهًا, وكذلك المكره؛ لأنه لو ورث القاتل المقتول، لأدى إلى خراب العالم، حتى ولو كان القاتل مكرهًا( ).
    ب- الشافعية: يرى الشافعية: أنه لا أثر للإكراه بالفعل، إلا في بعض الصور، منها:
    1- الزنا وما إليه، لو أكره رجل على الزنا، فأقدم عليه أثم؛ لأن الزنا لا يباح بأي حال من الأحوال، حيث اتفق أهل الملل على تحريمه، فلم يحل في ملة قط, وهو من أفحش الكبائر، ولهذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض، والأن

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 28 يوليو 2017 - 18:03