hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    مشروعية المظاهرات

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مشروعية المظاهرات

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:45

    السيد سليمان نور الله




    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد؛

    لقد كثر التساؤل من كثير من الإخوة المهتمين بشأن المسلمين بموضوع المظاهرات السلمية التي تقوم بغرض نصرة إخواننا المسلمين في شتى بقاع العالم، أو للتصدي للظلم والظالمين.

    ومع أن الموضوع بدهي وفطري وشرعي من أول وهلة، إلا أن هناك من حرمها وجرمها ووصف من يقومون بها بالخوارج، وهؤلاء لما كان الإعلام يضيفهم إلى العلم، وجعل لهم جمهورا من عامة الناس يتلقون عنهم ويثقون فيهم دون بحث أو تمحيص، جعلهم ذلك يتمادون في إصدار الفتاوى دون ضابط أو تمييز، مما وسمهم غالبا بقلة العلم وضعف الفهم معا، وهؤلاء المتعالمون لا يقلون خطرا على الأمة من أعدائها الظاهرين؛ لأنهم يسيرون في خط تجريم كل ما فيه حركة أو عمل أو كلمة تتصدى لأعداء الأمة، أو تفضح الأنظمة الفاسدة العميلة، بل يبررون لها أفعالها ومواقفها المخذلة.

    أما عن مشروعية المظاهرات السلمية فهي وسيلة واجبة على من استطاع من المسلمين في التصدي للظلم والعدوان والمطالبة بالحقوق، إن لم توجد وسيلة أخرى أقوى وأشد تأثيرا.

    وتفصيل ذلك في أمور:

    الأمر الأول:
    حرية التعبير عن الرأي:

    فالإسلام كفل لأهله حرية التعبير عن الرأي، والمطالبة بالحقوق، الدينية والدنيوية، مما يحقق مصالح المسلمين، ويلبي احتياجاتهم؛ بل التعبير عن الرأي يعد من فروض الكفاية التي إن قام بها البعض سقطت عن الباقين، وهذا داخل لا محالة في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما تحمله من ضوابط وقيود شرعية تؤدي إلى أفضل النتائج دون إحداث ضرر بمصالح المجتمع، أو تَعَدِّ على حدود الشرع، أو تساهل وتفريط فيها.
    كما أن هذا من النصيحة الواجبة لحديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة " قلنا: لمن؟ قال: " لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " .

    الأمر الثاني:
    نصرة المظلومين:

    فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى برفع الظلم وإحقاق الحق وسمى ذلك نصرا " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم " .

    وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بنصرة إخواننا المظلومين – يشمل ذلك المسلمين في كل بقاع الأرض – فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قيل: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما!؟ قال: " تكفه عن الظلم " .

    الأمر الثالث:
    التغيير إلى الأفضل:

    نحن مأمورون شرعا بالتغيير إلى الأفضل، وعدم الرضا أو السكوت على الفساد والمعاصي والظلم، وإلا أصابنا الله بالخذلان في الدنيا، والنيران في الآخرة؛ فقد جاء في التنزيل: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون " وقال تعالى: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وأعلموا أن الله شديد العقاب " .
    لذا قال صلى الله عليه وسلم: " إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه، يوشك أن يعمهم الله بعقابه " ، وفي رواية لأبي داود: " إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يُغَيِّروا عليهم ولا يغيروا، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا " .
    وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنَّه ولا يستجاب لكم " .

    الأمر الرابع:
    التغيير الجماعي:

    لا شك أن الأصل في الدعوة والتغيير إنما يكون بالعمل الجماعي لا بالمجهود الفردي، وهذا معنى قوله تعالى: " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " ، وفي حديث السفينة قال صلى الله عليه وسلم: " فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجُّوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم " .

    الأمر الخامس:
    المصالح المرسلة:

    إذا اعتبرنا جدلا أن المظاهرات لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين؛ فهي داخلة في المصالح المرسلة؛ حيث تجلب النفع، وتدفع الضر عن المسلمين؛ فالأصل في تكاليف الشريعة أنها ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق؛ ضرورية كانت أم حاجية، أم تحسينية.
    والمطالبة بحقوق المسلمين المغتصبة، ورفع الأذى الواقع عليهم، ورد العدوان عنهم، وتذكيرهم بحقوقهم، وتنبيه الحكام إلى حقوق المواطنين، ودعوتهم للإصلاح، ومحاربة مظاهر الفساد؛ لا شك أن ذلك كله جلب للمنافع ودفع للمضرات، فهو داخل في المصالح المرسلة التي اعتمدها الإمام مالك كثيرا في مذهبه.
    وبدون هذه المظاهرات يتأكد عبث الحكومات الظالمة بمقدرات الشعوب، وعدم مبالاتها بتوفير حاجاتهم وضرورياتهم.
    كما يتأكد استبداد أعداء الإسلام المحتلين لبلادنا، إذا استنامت الشعوب ولم تنتفض لتحرير بلادها، ومن لا يملك السلاح لقتال المحتلين المغتصبين، فإنه لا يعدم التظاهر وشحذ همم المسلمين في كل مكان حتى تظل قضاياهم حيَّة لا تموت، وحتى تتوفر لهم أسباب النصر والتمكين بإذن الله تعالى.

    الأمر السادس:
    الوسائل متجددة غير جامدة:

    لا تتحقق النصيحة أو النصرة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير إلى الأفضل إلا بوسائل، والوسائل من قبيل العادات، تختلف من زمان لآخر، ومن مكان لآخر، وللوسائل حكم المقاصد، ولم ينص الشرع على وسائل بعينها في كل الأمور، ولا حرم سواها من الوسائل المستحدثة.
    كما أن الوسائل المستحدثة وإن كانت بدعا بالمعنى اللغوي العام، إلا أنها ليست بدعا شرعا ما دامت فرضتها الحاجة ولم تخرج عن مقاصد الشريعة؛ بل هي الوعاء الذي به يُظهر الناسُ التزامهم بأوامر الشرع ونواهيه.
    كما سيأتي كيف اعتمد السلف الصالح التواعد على التجمع ضد الخلفاء الفاسدين الظالمين، دون إنكار من أئمة الأمة، بل استحسنوا فعلهم وسردوه في مناقبهم.
    وعليه فليست المظاهرات تقليدا أعمى للغرب، فهي ليست في حد ذاتها عبادة، ولكنها أصبحت واجبة لأنها الوسيلة الأقوى لتغيير المنكر ونصرة المظلومين، وقد أعلن الشهيد عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله تعالى: أن مظاهرة واحدة تخرج في الإسكندرية لتأييدنا تبث الأمل والفرحة فينا أكثر من عملية استشهادية في قلب تل أبيب.

    الأمر السابع:
    ضوابط الوسائل:

    لا بد في الوسائل من ضوابط تجعلها متفقة مع الشريعة ومقيدة بها غير متضاربة معها أو خارجة عليها، ومن هذه الضوابط:
    1- عدم مخالفة الشرع بأدلته وقواعده الكلية.
    2- أن يكون الهدف الذي قامت من أجله الوسيلة مشروعا غير ممنوع.
    3- ألا يترتب عليها مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
    4- إذا اتصفت الوسيلة بهذه المواصفات فإنها تنزل منزلتها من حيث الوجوب أو الاستحباب أو الندب حسب قيمة الهدف الموصلة إليه، والظرف المؤدي إليها، فرب وسيلة تكون واجبة في موقف، لكنها محرمة في غيره.

    الأمر الثامن:
    فاعلية المظاهرات:

    قد يرى البعض أن المظاهرات وسيلة غير فاعلة، فالأولى تركها.
    هذه نظرة غير صائبة، بدليل سقوط عدد من الأنظمة المستبدة في العالم عن طريقها، كما أنها أقلقت العيد من النظم الفاسدة؛ لذا تصر على محاربتها وقمعها.
    وإنما آتت المظاهرات أكلها ونجحت في العالم الغربي اليوم دون العالم الإسلامي؛ لأنها أصبحت هناك وسيلة مكتسبة بمرور الزمن، والنضال المستمر، والتضحية، وتكاتف فئات المجتمع من علماء وساسة ومهنيين وعمال.
    كما أنهم لم يجدوا من رجال الدين الموظفين لدي الحكومات من يُؤْثِرُ لهم الدَّعَةَ والخُمُول، والبعد عن إقلاق النظام، بخاصة من يفسرون المظاهرات على أنها خروج على الحاكم، وكأن الحاكم عندهم نبي مرسل تجب طاعته وإن أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وجند كل وسائله لتبديل شرع الله، وحارب الدعاة، واعتقل العلماء، وباع الوطن، وحالف الأعداء المعلنين الحرب على الإسلام، وخذل إخواننا المستضعفين في كل مكان، ونسوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف " .
    كما أن المظاهرات السلمية ليست الوسيلة الوحيدة للتغيير والإصلاح، فهناك وسائل عديدة تربوية، وحركية، معلنة، أوخفية مستحدثة، أو تقليدية، إذا تضافرت جميعا يمكن أن يكون لها التأثير الفعال في زمن قياسي.
    والوقت والعمل جزء من العلاج بعدما استغل الأعداء شتى الوسائل الممكنة لتربية الشعوب على السكون والدعة، وإيثار راحة النفس على البذل والتعب لأجل الآخرين، فقد يحتاجون زمنا ليتفاعلوا مع الوسائل العملية الحركية القوية التي تقلق الأنظمة المستبدة؛ بل كانت سببا في سقوطها في عدد من دول العالم.


    الأمر التاسع:
    المظاهرة في اللغة:
    المعاونة. والتظاهر: التعاون. واستظهر به: استعان به. والظهير: العون. وظاهر عليه: أعان. وظهر عليه: قوي عليه وغلبه. وظاهره: عاونه. والمظاهرة من الظهر لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته.

    الأمر العاشر:
    المظاهرة اصطلاحا:

    معاونة من استنصر بإخوانه من المسلمين لرفع ظلم أو ضرر واقع عليه.

    الأمر الحادي عشر:
    الأدلة من القرآن الكريم على أن المظاهرة وسيلة مشروعة:

    1- قوله تعالى: " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " .
    فقوله تعالى: " والملائكة بعد ذلك ظهير " يعني : متظاهرون وأعوان له. وهو بمعنى المظاهرة والنصرة والتأييد.
    2- قوله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: " قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين " .
    يعني: لن أكون معينا لمن أدت معاونته إلى جُرْم. وقيل معناه: بما أنعمت علي من القوة أعين أولياءك فلن أستعملها في مظاهرة أعدائك .
    3- قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " .
    واختلف أهل التأويل في (العقود) التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم على أن معنى (العقود): العهود؛ فقال بعضهم : هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضاً على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءاً، وذلك هو معنى (الحلف) الذي كانوا يتعاقدونه بينهم .
    4- قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " .
    قال عبد الله بن عبيد: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزل قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر " فخرج هو وأصحابه .

    الأمر الثاني عشر:
    الأدلة من السنة المشرفة:

    1- جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه جارا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم – ثلاث مرات – " اصبر " ثم قال له في الرابعة أو الثالثة: " اطرح متاعك في الطريق " ففعل؛ قال: فجعل الناس يمرون به ويقولون: ما لك؟ فيقول: آذاه جاره فجعلوا يقولون: لعنه الله، فجاءه جاره فقال: رد متاعك، لا والله لا أوذيك أبدا .
    وفي رواية فجاء – الذي آذى جاره - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما لقيت من الناس؟ فقال: " وما لقيت منهم؟ " قال: يلعنونني، فقال: " لقد لعنك الله قبل الناس " قال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " ارفع متاعك فقد كُفْيت " .
    وفي رواية صحيحة قال: فاجتمع الناس عليه .
    ففي هذه الرواية الصحيحة اجتمع الصحابة في الطريق لنصرة أخيهم المظلوم، ولعنة الظالم؛ حيث جعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم اخزه.

    2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " .
    والحديث استوعب جميع الوسائل الشرعية المتاحة، والمظاهرة من وسائل الإنكار باللسان، كما أنها تضامن بين المسلمين لنصرة المظلوم، فهي بذلك وسيلة قوية جمعت بين الحديثين السابقين؛ حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري.

    3- الهجرة كانت مظاهرة لنصرة الحق، وكذلك استقبال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو تفسير قوله تعالى في سورة الأنفال: " وأيدكم بنصره " على الكفار، أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر .
    وقد خرج الرجال والنساء والأطفال يوم الهجرة في مظاهرة حاشدة لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون:
    طلع البـدر علينـــا من ثنيات الوداع
    وجب الشكر علينا مــا دعــا لله داع
    قال ابن كثير: وفي الصحيحين بسندهما عن أبي بكر في حديث الهجرة قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطريق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد ... .

    4- لما أشيع أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد قتلته قريش يوم الحديبية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة .
    فكانت تلك البيعة تشبه التظاهرة لنصرة عثمان رضي الله عنه، مع أنهم لم يخرجوا للجهاد ولا مستعدين له، وإنما خرجوا للطواف بالبيت الحرام.
    فإن قيل كانت تلك بيعة للجهاد ضد الكفار الذين أشيع أنهم غدروا بعثمان، قلنا وتلك لنصرة المسلمين في فلسطين أو العراق أو غيرهما ممن تحقق وتيقن أن العدو من الكفار قد غدر ونكل بهم.

    5- في قصة إسلام عمر رضي الله عنه وفيها: فقلت: يا رسول الله ! ألسنا على الحق، إن متنا أو حيينا؟ قال: " بلى " فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجنا في صفين: حمزة في صف، وأنا في صف - له كديد ككديد الطحن - حتى دخلنا المسجد، فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاروق.
    وقال صهيب: لما أسلم عمر رضي الله عنه جلسنا حول البيت حلقاً، فطفنا واستنصفنا ممن غلظ علينا.
    وهو معنى قول ابن مسعود: " ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر " .
    وهو قوله: " كان إسلام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة. والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر " .

    وأثر إسلام عمر هذا قد رواه:
    1- أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه بسند فيه إسحاق بن أبي فروة عن ابن عباس كما في الإصابة لابن حجر ( 2 / 512 ) وفتح الباري ( 7 / 55 ) .
    2- مسدد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحوا منه؛ كما في فتح الباري لابن حجر ( 7 / 56 ) و( 7 / 48 ) .
    3- والبزار من طريق أسلم مولى عمر عن عمر مطولا، كما في الفتح ( 7 / 55 ).
    4- وأبو نعيم في الدلائل ( 1 / 89 ، 80 ).
    5- وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 40 ).
    6- وابن عساكر في تاريخه ( 52 / 25 ).
    7- وأخرجه ابن الجوزي بسنده في كشف المشكل على صحيح البخاري (3 / 83 ) من طريق أبي نعيم الأصبهاني وفيه أيضا إسحاق بن أبي فروة.
    8- كما أن هذا الأثر أورده مُسلِّما به كل من:
    أ‌- ابن الجوزي في تاريخ عمر بن الخطاب ( ص 13 ).
    ب‌- وابن الجوزي أيضا في صفة الصفوة ( 1 / 272 ، 273 ).
    ت‌- والسيوطي في تاريخ الخلفاء.
    ث‌- وبدء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب.
    ج‌- والمباركفوري في الرحيق المختوم ( ص 126 ) .

    أما عن صحة هذا الأثر:

    1- فقد ضعف الذهبي رواية ابن عباس كما في تاريخ الإسلام ( 2 / 45 ) دون أن يبين سبب ضعف، فلعل تضعيفه لوجود إسحاق ابن أبي فروة فقد قال فيه: ( لم أجد من مشاه ) .
    2- وأما إسحاق بن أبي فروة الذي في رواية تاريخ ابن أبي شيبة:
    فهو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني مولى عثمان ( ت: 144هـ )؛ فقد قال فيه البخاري: تركوه، وقال أحمد: لا يكتب حديثه ولا تحل الرواية عنه ونفض يده وضعفه وأنكره.
    ومع هذا فليس متفق على تركه؛ فقد روى له الإمام الترمذي وقال: تركه بعض أهل العلم. كما روى له أبو داود في سننه، وهو القائل في رسالته إلى أهل مكة: ( ليس في "كتاب السنن" الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر) .
    3- بينما قال ابن حجر عن رواية مسدد: وسنده صحيح، وهو شاهد جيد لحديث ابن عباس لكون مخرجه عن آل علي رضي الله عنهم .

    وبتصحيح ابن حجر لهذا الأثر تكون المظاهرات سنة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعلاء الحق ومواجهة الباطل.

    الأمر الثالث عشر:
    سيرة السلف الصالح رضي الله عنهم:

    1- في سنة إحدى وثلاثين ومائتين قتل الواثقُ الخليفةُ العباسيُ الإمامَ أحمدَ بن نصر الخزاعي.
    و كان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً. فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله و إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها. فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السِّر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه و حاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها، فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان وهي ليلة الجمعة يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، ولكن لخطأ بعض أتباعه انكشف أمرهم جميعا، وقطعت رأس أحمد بن نصر .
    وأحمد بن نصر هذا إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، وكان من أهل العلم والعمل، وهو تلميذ: الإمام مالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وهشيم، ومن تلامذته: أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخوه يعقوب، ويحيى بن معين، ومحمد بن يوسف الطباع.
    ولما ضربت عنقه قالت رأسه: ( لا إله إلا الله ) كما قرأت رأسه وهي معلقة: " الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " .
    ذكره الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال: رحمه الله، ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له. كما أحسن يحيى بن معين عليه الثناء جدا.
    وفي قصة أحمد بن نصر هذه مسألتان:
    الأولى: جواز العمل السري والبيعة عليه لأجل إزالة المنكر والتصدي لبدع وظلم الإمام ولو كان خليفة المسلمين. وقد تم منه ذلك دون إنكار أحد من الأئمة الأعلام الذين بايعوه أو عاصروه كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، بل أثنوا عليه وبجلوه، وتُرجم له في كتب الرجال والتاريخ بإمام أهل السنة.
    الثانية: جواز التجمع والتواعد عليه لمحاربة المنكر وإزالته والتصدي للظلم، دون إذن الإمام أو الحاكم.
    وخبر اتفاقه للخروج والتظاهر ضد الظلم والفساد أورده العلماء في مناقبه رضي الله عنه وأرضاه.

    2- ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال في حوادث سنة 464هـ؛ حيث اجتمع الحنابلة في جامع القصر، فأقاموا فيه مستغيثين، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه، وطلبوا قلع المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ، وضرب عملة جديدة للتعامل فيما بينهم، حتى استجاب لهم أمير المؤمنين، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد، وأظهر أبو إسحاق الخروج من البلد فروسل برسالة سكتته .

    3- ومنه ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم من اجتماع الناس في يوم الخميس رابع عشر المحرم من سنة ( ) خلق كثير، بعد أن أغلقوا دكاكينهم – يعني: إضراب - وقصـدوا دار الخلافة، وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ – أي منكرين لبدعة إظهار شتم الصحابة التي وقعت من أهل الكرخ – واجتمعوا وازدحموا على باب الغربة، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم ، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة، فانصرفوا .

    4- عن محمد بن أبي حرب قال : سألت أبا عبد الله – أحمد بن حنبل - عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه، قال: يأمره، قلت: فإن لم يقبل؟ قال: تجمع عليه الجيران وتهول عليه .

    5- قال الإمامان أحمد وابن المبارك رحمهما الله " إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم لأن الله يقول " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " .

    الأمر الرابع عشر:
    موقف العلماء المعاصرين منها:

    1- هناك من العلماء المعاصرين من جرم أو منع المظاهرات أيا كانت، كالشيخ عبد العزيز بن باز، وغيره من علماء المملكة.
    وهؤلاء بنوا فتواهم على ما قد يصحب المظاهرات من تخريب وتشغيب، واختلاط فاحش، وسب ولعن للحكام.
    وآثروا أن ينصح ولاة الأمور سرا دون الجهر أو التشهير بهم.
    وعليه فإن سلمت المظاهرات من التخريب والتشغيب والاختلاط والسب، وكان ولاة الأمور ممن لا يعملون على حفظ الدين والحقوق للناس، ولا ينتصحون للحق سرا، ولا يرجعون عن باطلهم، فإن فتوى هؤلاء العلماء متوجهة نحو الإباحة.

    فإن كانت المظاهرات ضد اليهود والأمريكان المعتدين على أمة فلا مجال للإنكار، بل التأييد والمشاركة في المظاهرات واجب على كل مستطيع، وتكون المظاهرات وقتها درجة من درجات الجهاد في سبيل الله تعالى.
    2- هناك فريق آخر يرى مشروعية المظاهرات كتعبير عن الرأي وإظهار لنصرة المظلومين حتى تُقضى لهم حقوقهم، في عصر الفساد والاحتلال، ما دامت لا تجر إلى ضرر يكون أشد من الظلم الواقع على الناس.
    3- هناك من العلماء من يشارك بنفسه في المظاهرات بخاصة علماء الأزهر الشريف، وقد تكرر خروجهم متكتلين في المظاهرات مرات عديدة في العصر الحديث، وبخاصة في ثورة 1919، وضد الاحتلال الإنجليزي، وفساد الملك والحكومات المصرية، ومن قبل في مواجهة الاحتلال الفرنسي؛ حيث كانت المظاهرات تخرج من مسجد الأزهر الشريف، ولا نعلم أحد من العلماء حرم ذلك، بل على العكس تماما فقد سردت تلك المظاهرات ضمن مفاخر الأزهر الشريف ومفاخره، ولأن المساجد لها دور كبير في الحياة العامة وتجميع الناس على قلب واحد للتصدي للمنكر؛ فقد سن وزير الأوقاف المصري قانونا يجرم خروج المظاهرات من المساجد، وهذا من البدع الخطيرة التي تحصر دور المسجد في مجرد أداء الصلوات، مما يسير في فلك العلمانية التي تهدف إلى فصل الدين عن الحياة.

    الأمر الخامس عشر:
    المظاهرات حق دستوري وقانوني:

    1- القانون الدولي لحقوق الإنسان يضمن الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات السلمية.
    والحق في حرية التعبير هو حق أساسي ضروري للتمتع بالحقوق الخاصة بحرية الاشتراك في الجمعيات والتجمع السلمي.
    وتنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
    والحق في حرية التعبير منصوص عليه أيضا في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 9 من الميثاق الأفريقي (بنجول) والمادة 13 من الاتفاقية الأمريكية والمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية.
    2- كما تنص المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية.
    وتضمن المادة 21 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في التجمع السلمي، كما تحمي المادة 22 حرية تكوين الجمعيات.
    وتعلن المادة 11 من الاتفاقية الأوروبية أن: لكل شخص الحق في حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات مع آخرين.
    كما تضمن المادتان 15 و16 من الاتفاقية الأمريكية الحق في التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات.
    3- ينص كل من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الأوروبية، والاتفاقية الأمريكية، على أنه يجوز للدول فرض قيود قانونية معينة على ممارسة حرية تكوين الجمعيات.
    ولغة التقييد المستخدمة في الاتفاقيتين تشبه المادة 22 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه: لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.
    4- و ينص أيضا الميثاق الأفريقي (بنجول) على الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والتجمعات.
    5- والمادة 47 من الدستور المصري تنص على أن: حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمانا لسلامة البناء الوطني.
    6- كما نصت المادة في المادة 54 على: للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء وغير حاملين سلاحا دون حاجة إلى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة، والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون.

    خاتمة:

    وبَعدُ: فإن الذي نراه بعد هذا العرض أن المظاهرات السلمية التي لا يصحبها تخريب للممتلكات العامة أو الخاصة، ولا سب، ولا تعطيل لمصالح الناس، ولا إعاقة لحركة المرور، ولا اختلاط مفسد بين الجنسين، ولا يترتب عليها منكر أشد مما يُراد إزالته؛ وسيلة واجبة على من استطاع من المسلمين في التصدي للظلم والعدوان والمطالبة بالحقوق لأنها:

    أ‌- مصلحة مرسلة، الأمة في حاجة إليها.
    ب‌- وسيلة مباحة، لم يأت نص بمنعها.
    ت‌- حض عليها القرآن الكريم، وذكرتها السنة المشرفة.
    ث‌- اتبعها سلفنا الصالح دون إنكار.
    ج‌- أفتى بها أئمة السلف كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل.
    ح‌- أفتى بها أئمة العصر مثل العلامة يوسف القرضاوي، والشيخ سلمان العودة، وكثير غيرهما.
    خ‌- قام علماء وطلاب الأزهر بمظاهرات عديدة على مدى العقود دون نكير، بل كان النكير على من يتخلف عنها.
    د‌- فيها إظهار لقوة المظلومين فيخاف الحكام من هدر حقوقهم.
    ذ‌- فيها إرعاب للظالمين ليعيدوا المظالم إلى أهلها.
    ر‌- فيها نصرة للضعفاء المظلومين وتأكيد معنى الأخوة لله.
    ز‌- فيها تذكير للناس بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتصدي للظالمين، في عصر لا تصلحه إلا الإيجابية.
    س-فيها إشعال عاطفة الإسلام القوي الذي يحمي الحقوق ويدافع عنها، فتحتفظ الأمة بحيويتها وروحها الوثابة للحق والعدل.
    ش-فيها كشف لعلماء السلطان الساكتين على العبث بمقدرات الشريعة، ومحاولة تغييب وعي الأمة عن حقيقة دينها وأحكام شريعتها.
    ص-فيها إيقاظ لصورة العدو المغتصب لبلاد المسلمين في أذهانهم حتى يستعدوا للقائه قبل أن يأخذهم على غفلة.
    ض-كما أنها حق دستوري وقانوني، مكفول للمواطنين بنصوص القرارات الدولية.

    فإذا صاحب هذا كله تعاونٌ من الجهات الحكومية المختصة، ووفرت الوسائل والطرق والأماكن المناسبة لإقامة المظاهرات، وقامت بحراستها، وحمايتها من بعض الفئات التي لها مصلحة في الإثارة والتخريب وتهديد السلم الاجتماعي؛ وقتها تؤتي المظاهرات أكلها، وتكون مؤثرة بشكل يليق وحضارة أمتنا الإسلامية العريقة.

    هذا والله تعالى أعلى وأعلم؛

    وكتب العبد الفقير إلى ربه القدير
    السيد سليمان نور الله

    - رواه أبو داود وابن حبان.
    - سورة الشورى الآيات 39 : 42.
    - رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن حبان.
    - سورة هود آية 113.
    - سورة الأنفال آية 25.
    - رواه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
    - رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان عن جرير رضي الله عنه.
    - رواه الترمذي.
    - سورة الأعراف لآية : 181.
    - رواه البخاري عن النعمان بن بشير.
    - رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وآخرون عن علي بن أبي طالب، وللحديث ألفاظ عديدة منها " لا طاعة لبشر في معصية الله جل وعلا " رواه ابن حبان
    - سورة التحريم الآية: 4.
    - سورة القصص الآية: 17.
    - انظر تفسير البيضاوي.
    - سورة المائدة الآية: 1.
    - انظر تفسير الطبري.
    - سورة الحجر آية : 94.
    - تفسير القرطبي.
    - حديث صحيح عن أبي هريرة، رواه أبو داود ( 5153 ) وابن حبان ( 520 ) واللفظ له. وفي رواية أبي جحيفة قال: " لعنة الله فوق لعنته ".
    - رواه البزار بإسناد حسن.
    - رواه البخاري في الأدب المفرد.
    - رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي.
    - سورة الأنفال الآية: 26.
    - راجع تفسير الآية من سورة الأنفال من تفسير البيضاوي.
    - الرياض النضرة ( 1 / 480 ) وقال على شرط الشيخين.
    - صفوة السيرة النبوية لابن كثير ( 2 / 138 ).
    - تاريخ الطبري ( 2 / 632 ).
    - رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة – باب مناقب عمر بن الخطاب- رقم: 3684.
    - قال ابن حجر: رواه ابن أبي شيبة والطبراني.
    - طبعة دار التقوى – القاهرة.
    - ط جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
    - ط1 دار الحديث القاهرة 1420 هـ - 2000 م.
    - ثم لك أن تعجب من أن أحدهم خرج على إحدى القنوات الفضائية، وقال: إن هذا الأثر لم يرد!!!؟؟؟.
    - ميزان الاعتدال للذهبي ( 1 / 193 ).
    - رسالة الإمام أبي داود السجستاني إلى أهل مكة في وصف سننه ( ص 33 ) اعتنى بها عبد الفتاح أبو غدة ط1 دار البشائر الإسلامية 1417هـ - 1997 م.
    - فتح الباري ( 7 / 48 ) من طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
    - راجع تفاصيل القصة في البداية والنهاية لابن كثير ( 10 / 750 ) وكذلك الكامل في التاريخ لابن الأثير، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، وتاريخ ابن خلدون في أحداث سنة 231 هـ.
    - أول سورة العنكبوت.
    - المنتظم لابن الجوزي ( 16 / 139 ).
    - المنتظم لابن الجوزي ( 16 / 94 ).
    - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ( ص 50 ).
    - سورة العنكبوت الآية: 69. وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية ( 28 / 442 ).
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    استدلالات أصولية في إثبات جواز الإضرابات والاعتصامات والمهرجانات الخطابية والمسيرات السلمية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:49

    الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى.. اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنِ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ..وبعد:

    فهذه مسالك أصولية في إثبات إباحة المسيرات السلمية..والإضرابات، والاعتصامات، والمهرجانات الخطابية، أو مشروعيتها، نطرحها على بساط البحث والمناقشة.

    أولاً: من المقرر في أصول الفقه أن 'الأصل في العادات والأشياء الحِل والإباحة، ولا ينقل عن هذا الأصل إلا بناقل صحيح سالم من معارضٍ يساويه أو يرجح عنه' [انظر روضة الناظر [ص/389] وما بعدها]: وذلك لأن الأمور التي لم ينص الشارع على تحريمها إذا كان الانتفاع بها واستعمالها خاليًا من المفسدة الأعظم منه والمساوية له عادةً؛ فإن العقل يدعو إلى استعمالها، والانتفاع بها، والشرع يؤيد هذا؛ لقوله تعالى منكرًًا تحريم ما لم يرد نص بتحريمه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ...[32]} [سورة الأعراف]. ولذا فقد جعل أئمتنا الذين كتبوا في 'قواعد الفقه' هذا الأصل قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي، يُعرف بها حكم الأمور التي لم يرد بحكمها نص شرعي:

    قال السيوطي في 'الأشباه والنظائر': 'قَاعِدَة: الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ' [الأشباه والنظائر [ص/60].

    وقال الشيخ السعدي:

    وَالأَصْلُ فِي عَادَاتِنَا الإِبَاحَة حَتَّى يَجِيءَ صَارِفُ الإِبَاحَة

    وقال أيضًا:

    وَسَائِلُ الأُمُورِ كَالْمَقَاصِدِ وَاحْكُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ لِلزَّوَائِدِ

    رسالة القواعد [ص/30]

    وكذلك قال ابن القيم: 'لَمَّا كَانَتِ الْمَقَاصِدُ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلاَّ بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا, فَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي فِي كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتِبَاطَاتِهَا بِهَا, وَوَسَائِلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ فِي مَحَبَّتِهَا وَالإِذْنِ فِيهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَتِهَا' [إعلام الموقعين 2/148].

    ولما كانت هذه الوسائل السلمية 'الإضرابات، الاعتصامات، المسيرات السلمية، المهرجانات الخطابية' هي:

    ـ من قبيل العادات والتصرفات، وليست من قبيل العبادات.

    ـ ولم يرد دليل شرعي يمنع منها؛ فإن الأصل في استخدامها الحِل والإباحة، وعلى المخالف الإتيان بدليل على التحريم.

    فإن قيل:'كل ما عندكم عدم العلم بورود الدليل المانع من هذه الأمور وعدم العلم ليس بحجة فليس مجرد عدم الدليل دليلاً على العدم، وبالتالي لا يكون مجرد عدم العلم بورود الدليل المانع دليلاً على جواز المدعي'.

    قلنا: لو وجد دليل على المنع لنقل إلينا، وانتشر بيننا، ولم يخف على جميع الأمة، فلما لم يظهر هذا الدليل ـ مع الاطلاع، والاستقصاء، وشدة البحث ـ ؛ غلب على الظن عدم وجوده، فنزل هذا الظن منزلة العلم في وجوب العلم به؛ لأنه ظن مستند إلى تحرٍ وبحثٍ واجتهادٍ. فهذا 'علمٌ بعدم الدليل لا عدم العلم بالدليل'، وإن كان الثاني؛ فليس حجة فالأول حجة [انظر روضة الناظر 1/389 وما بعدها] فعدم ورود الدليل المانع دليل على الإباحة لأنها الأصل، وهذا الاستدلال متفرع عن القاعدة الكلية الكبرى: 'اليقين لا يزول بالشك'.

    ثانيًا: من منع الأخذ بهذه الوسائل السلمية، أو قال بتحريمها مطلقًا؛ فقد خالف الأصل وهو الحِل: فلابد من أن يأتي بدليل معتبر راجح، يقوى على إزالة الأصل وهو الحل، وعندها تسلم دعواه؛ لأنه لا يجوز مخالفة الأصل إلا بدليل.

    ـ أما أن يقال بالتحريم بمجرد الرأي والهوى دون موازنة أهل الحل والعقد بين المصالح والمفاسد المترتبة على مثل هذه الوسائل؛ فهذا من قبيل الحكم في دين الله بالتشهي، وهو من القول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علمٍ أشد أنواع المحرمات؛ لقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ[33]} [سورة الأعراف].

    ثالثًا: إن الذين يخرِّجُّوُن من قال بجواز مثل هذه الوسائل عن منهج السلف يطلقون الحكم بتحريم هذه الوسائل دون تفصيل أو تقييد، بل يجعلون الأصل في الأشياء عند عدم ورود الدليل هو التحريم: وهو قول مرجوح لم يذهب إليه إلا معتزلة بغداد، وبعض قليل من غيرهم ومستندهم واهٍ [الأدلة المختلف فيها [ص/7] وما بعدها]. فقولهم مخالف للقواعد الفقهية الشرعية، فإن الأصل في الأشياء ـ ومنها هذه الوسائل ـ الحِل والإباحة ما لم يرد دليل عل تحريمها، وهذه الوسائل لم يرد دليل بتحريمها بل لا نبعد عن الصواب إن قلنا: إنها قد ورد الأمر بها حيث قد ورد الأمر بإنكار المنكر كما سنذكر بعد قليل، والوسائل المذكورة إذا ترجحت مصالحها؛ شرع الأخذ بها في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لاسيما مع إباحة أصلها، فتكون من قبيل الوسائل التي تأخذ أحكام المقاصد، والمقصد هاهنا شرعي جليل، فكانت الوسائل المفضية إليه بنحو حكمه.

    رابعًا: وعمدة ما يستدل به المانعون هو: دعوى رجحان المفاسد الكبيرة المترتبة على اتخاذ مثل هذه الوسائل: ونحن نسلم الدعوى، لو فُرض صحة وصفها وما يترتب عليها، ولكن الحقيقة أن هذا غير مسلّم، فإنه إذا تقرر:'أن الأصل في هذه الوسائل الحِل'، فإننا بعد ذلك ننظر إلى واقعها، وما يترتب عليها من المصالح والمفاسد ـ على معنى الانتقال من الإباحة إلى التحريم يكون بأدنى الأسباب ـ وبناءً عليه يتحدد حكم مثل هذه الوسائل السلمية.

    ـ ومن المعلوم أن كثيرًا من هذه 'الإضرابات ـ الاعتصامات ـ المسيرات السلمية ـ المهرجانات الخطابية' إنما هي إمساك بحق عن عمل، أو إيصال كلمة حق، أو مطالبة بحق شرعي كنوع من أنواع الضغط السلمي لتغيير منكر، أو تحقيق شيء من المعروف، تحققت مصلحته، ويترتب على ذلك خير كثير، فلا بد من موازنة بين هذه المفاسد المشار إليها وبين المصالح المترتبة على ذلك.

    خامسًا: لو سلمنا بوجود 'مفاسد جزئية' عند استخدام مثل هذه الوسائل، فإن هذه المفاسد قد تسوغ وتحتمل في مقابلة دفع مفاسد أعظم منها وأخطر: عملاً بقاعدة: 'جواز ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما'، فهذا في تعارض المفاسد، وكذلك القول حال وجود مفاسد جزئية في مقابلة المصالح العامة الغالبة، فإن التحقيق في مثل هذه الحالة:'احتمال تلك المفاسد المرجوحة لتحصيل المصالح الراجحة' وبهذا جاء نظام الشريعة، ومورد الأحكام، فشريعة الله قائمة على مراعاة مصالح العباد، بمعنى: أنها تقضي بتقديم الأهم من المصالح على ما هو دونه، كما تقضي أيضًا بالتزام المفسدة الدنيا لاتقاء المفسدة الكبرى، وذلك حين تتعارض المصالح والمفاسد، أو مفسدتان في شيء واحد.

    ـ هذا هو المراد بمراعاة المصالح وهو المراد أيضًا من قاعدة:'درء المفاسد مقدم على جلب المصالح' إذ إن معناه: أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة المساوية، أو التي هي دون المفسدة وهو ما يعبر عنه الأصوليون بعنوان: 'انخرام المناسبة بالمفسدة المساوية أو الراجحة' [الموافقات [2/360] وما بعدها].


    ـ وأما إطلاق: 'تقديم درء المفاسد على جلب المصالح' ففيه بعد عن تحرير الصواب، وعليه: فإن إطلاق القول بالتحريم قول بعيد عن التحقيق أصلاً، وشرعًا، وواقعًا.

    سادسًا: في 'الصحيحين' عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ].

    فتغيير المنكر واجب بحسب ما يتيسر من الوسائل الشرعية التي جاء الحديث بوضع أصولها، فإذا كان 'الاعتصام، الإضراب، المسيرة السلمية، المهرجان الخطابي' وسيلة مؤدية إلى إنكار المنكر بطريق القول، أو بالفعل، ولا مفاسد راجحة في مقابل ذلك؛ فما المانع الشرعي من استعمال هذه الوسيلة، بل نحن نقول: إن هذه الوسائل تأخذ أحكام المقاصد فقد يكون 'الاعتصام، الإضراب، المسيرة السلمية، المهرجان الخطابي' مستحبًا، بل قد يجب أحيانًا، مادام أنها تحقق مقصود الشرع بلا مفاسد راجحة.

    سابعًا: وأما دعوى أن في اتخاذ مثل هذه الوسائل السلمية مخالفة لولي الأمر وعملاً على شق الصف، وإيذانًا بالخروج على حكام المسلمين: فهذه من العبارات الخطيرة التي لا ينبغي أن تلقى جزافًا، والتي لا يدرك أصحابها حقيقة معناها شرعًا وعرفًا؛ ذلك أن عامتهم مقلدة نقلة بلا تحرٍّ، إذ باجتماع كلمة 'أهل الحل والعقد' على ذلك تنتفي مفسدة احتمال شق الصف.

    ـ ومما ينبغي أن يُعلم أن الاعتصام، أو الإضراب، أو المسيرة السلمية، أو المهرجان الخطابي؛ يعد في بعض البلاد جريمة يعاقب عليها النظام العام، ولا يأذن بها ولاة الأمور. في حين أنها في بلاد أخرى يسندها النظام العام ويؤيدها القانون، ويأذن بها ولاة الأمور، بل وقد تتولى السلطات المختصة تنظيم مثل هذه الوسائل السلمية في الزمان والمكان كما تأذن بالدعوة إليها .. . إلخ.

    والسبب في ذلك: أن الوعي السياسي والنقابي في مثل هذه البلاد يكفل حرية التعبير عن الرأي المخالف، لاسيما إن كانت مطالب عادية، فردية أو جماعية.

    ثامنًا: ضوابط ومحاذير شرعية: وحتى تكون الوسائل المذكورة مطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة، فلابد من مراعاة الضوابط الآتية:

    أن تكون المطالب والغايات والمقاصد المشروعة شرعًا وعادلة عرفًا، فإن تضمنت محظورًا؛ منعت الوسيلة تبعًا للغاية.

    أن لا تؤدي الوسيلة إلى منكر يعادل المراد تغييره، أو يربو عليه، بل لابد أن يكون التغيير إلى منكر أخف وأصغر.

    أن لا يصاحب الوسيلة ترك واجب كالصلاة والجمعة، أو فعل محرم كانتهاك الحرمات، أو الصدام الدموي، أو إتلاف المرافق العامة والملكيات الخاصة، أو الإضرار مطلقًا، وكذا اختلاط الرجال بالنساء، أو التلفظ بالألفاظ البذيئة، والعبارات غير المشروعة.

    وختامًا .. فهذه مناقشة علمية في إثبات جواز، أو مشروعية استخدام بعض الوسائل الحديثة في سبيل تحقيق مطالب شرعية عادلة، وغايات نزيهة، تم عرضها بشكل تأصيلي مبني على الدليل والتقعيد، لنصل في نهاية المطاف إلى أن:'أقل ما يقال فيها أنها مسائل اجتهادية يسع فيها الخلاف' بل قرر فقهاؤنا قاعدة: 'لا إنكار في مسائل الخلاف' ليرسموا لنا منهجًا راقيًا في أدب الخلاف والحوار العلمي، على أن المخالف متى ما جاء في الاستدلال على منع هذه الوسائل باستدلالات مناظرة لما ذكرنا، فإنه محل تقدير وإجلال، وما قررنا في الاستدلال صواب يحتمل الخطأ، ومذهب المخالف خطأ يحتمل الصواب، والله أعلم. قال تعالى:{وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ[116]} [سورة النحل].

    تاسعًا: وخلاصة القول في هذه المسألة: 'أن تُطبق القاعدة الدعوية القائلة: إن الإنكار في المنكرات العامة، ولاسيما المدعومة بقوة السلطان، يُترك أمر تقديرها والحكم فيها لأهل الحل والعقد في كل مجتمع': إذ أنه ما يجوز في مجتمعٍ ما قد لا يجوز في مجتمعٍ آخر، ولا يصح انفراد فردٍ أو طائفةٍ منهم بالقرار فيها، وذلك لأنها أمور تتعلق بعامة المسلمين، وآثارها تعود على جميعهم سلبًا أو إيجابًا، فلا يصح أن تنفرد بها مجموعة أفراد أو فرد.

    ـ وعلى مجموعة أهل الحل والعقد في كل بلد: أن توازن فيها بين المصالح المتوقعة، والمفاسد المتوقع ترتبها على فعلها، فإن غلبت المصلحة في ذلك؛ جاز فعلها، وإن غلبت المفسدة في نظرهم؛ لم يجز فعلها.

    ـ وبهذا القيد وحده يمكن أن يتحقق إنكار المنكرات العامة المدعومة، ويجنّب الناس الفتن والتفرق والاختلاف فيها .. كما هو واقع مشاهد في كثير من بلاد المسلمين، حيث تدور الدائرة عليهم في النهاية غالبًا.

    ـ ومن هنا.. كانت الأولوية الدعوية: العمل على إيجاد مجموعة أهل الحل والعقد لكل قطر تقوم بمثل هذه الموازنات وتتخذ مثل هذه القرارات: 'وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن' فهم ينظرون فيها من حيث الحكم، ومن حيث القدرة عليها.

    وكتبه فضيلة الدكتور
    عبد الرزاق خليفة الشايجي
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    مشروعية المظاهرات: إحياء للسنة وتحقيقا لمقاصد الشريعة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:53

    ملاحظة العصر: نعيد نشر هذا المقال، الذي كُتب في ظروف قديمة وزمن قديم (في 24 محرم 1423 هـ الموافق لـ6 أبريل 2002م)، ولكن الوضع متشابه، والقضية مطروحة مجددا.

    الحمد لله الذي بين الهدى للناس بآي قرآنه، وسنة نبيه قولا وفعلا، وصلى الله على رسوله الذي أظهر الحق وناصره ودعا لإظهاره إلى يوم القيامة، أما بعد:
    فقد نزلت هذه الشريعة لتكريم الإنسان وهدايته، وبيان لطرق عزته، ورفع الظلم عنه، وزرع الحرية في قلبه وسلوكه، وإلزام مجتمعه بذلك، فيعبّد لله ليرتفع فوق ما سواه، ويتهاوى ظالموه، ويذل محتقروه. وأول مباني الرجولة كلمة حق يقولها صادق في وجه ظالم مفسد، وهي أصدق وأبلغ عندما يبلغّها شعب كامل، فالآلاف التي جأرت بالحق في عدد من مدن الإسلام وغيرها هذه الأيام أحيت الوحدة والقوة وأنذرت عصابة الدمار والإفساد بنيران سخط كامل من قبل ربع البشرية من المسلمين ومن غيرهم.

    من المحيط إلى بغداد ثوار *** شعب تزمجر في أحشائه النار:

    وأي إعلاء لمشاعر الإسلام في زمن الضعف خير من زمجرة الملايين تستنكر الظلم والفساد، وتهيج على جور الصهيونية وشؤمها، وتحارب الجريمة والرذيلة. فكلمة الحق واجب وشعيرة، وإذا كان اظهار الفرح بالعيد وجمع الناس سنة، حتى على من ليست الصلاة في حقه واجبا ولا سنة، فيخرج تكثيرا لسواد المسلمين، وابتهاجا بما يسرهم جميعا، فكيف لا نقف مع إخواننا الذين يجزرون كالأغنام، وتسوى بدورهم الأرض، وتنتهك حرماتهم، ويقتل أطفالهم ونساؤهم، ثم يحظر قوم على المسلمين أن يجأروا بالشكوى لله ويخرجون في الصعدات، يدعون، ويهددون، ويخيفون، ويظهرون قوة الدين، ونصرة العدل، وتضامن المسلمين، فإنهم إن فقدوا السلاح والحماية والعدة فما زالوا يملكون حناجرهم وأجسامهم يعلنون بها رفض الظلم وانكار الفساد، وهذا أقل ما يجب عليهم فعله، إنهم لا يملكون سلاحا، ولا يملكون مالا، ولا يملكون دولا، ولا رجالا تمنع حرماتهم، ولم يبق إلا الصوت والصدى فهل ستبخلون حتى بهذا وتمنعوه؟

    عجبا!!، لقد دمر الذل القلوب، وسحق الجهل العقول، فأصبح قوم يننتظرون من الباغي فتوى أن يسمح لهم بأن ينكروا فعله، ومن العدو إذنا بالإعتراض عليه. وقوم يهجرون ما يعرفون من سنة نبيهم، وما تظاهرت عليه النصوص وصححته العقول، وعليه عمل علماء الزمان، ويقفون منها موقف من يختار الذل والخنوع منهجا يسميه حكمة، ويسمون الذليل فاهما، فإن كان حديثا حبيبا لبعض القلوب المرعوبه، مؤداه منسجم مع أهوائهم لفقوا له تصحيحا، وإن كانوا لا يحبونه لفقوا لرده سبلا عديدة، ولم تنقصهم وسيلة، ولم ولن تنقص ذا هوى حيلة.

    ولكن الحق أبلج، شواهده في القلوب قبل شواهد الفتاوى والكتب، وهذه بعض شواهده لمن أعرض عن الوعي، وأغلق القلب والعين. وإني هنا أذكر لكم أمورا مما ورد في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تقرر في دينه من أصول وقواعد وما فهمه العلماء ونفذوه قولا وعملا:

    1- فمن المعروف أن العالم كله يشاهد ما يحدث في مدنكم، ويهتم به غاية الإهتمام ويقرأ توجهاتكم وقناعاتكم، وقد لا ينساق لموقف واحد صغير، ولكن مواقف صغيرة كثيرة تدل على شيء آخر، والمظاهرات الأخيرة في البلاد العربية والإسلامية وغيرها، كان لها وقع السلاح على من يحرص أن يبيعكم سلاحا، يتقوى به البائع، و تجوعون به وتذلون، ولا يكشف عارا، ولا يحمي ذمارا، ويحرص أن يبيعكم متعا ولباسا وطعاما، ولكن غضبكم يخيفه، وقد يجيعه أو يفسد بضاعته يوما عاجلا أو آجلا. يوم يعرف أنكم غضبتم وأنكم تعنون ذلك. فقوته من مالكم، وسيادته من عبوديتكم، وتجبره من خنوعكم، فما سار تيار كهرباء في الدنيا إلا بخط سالب وخط موجب، فإن غير السالب عادته، وتمرد على خنوعه انهارت قوة الموجب، لو كففنا عن عبوديتنا لتعامل معنا العالم بشكل آخر تماما، نحن نملك أن نخرج ونتكلم، وقد نتضرر.. ولن نقتل فلم الذل الماحق؟، وقد أصيب أعداؤكم بالكآبة لما رأوا من تظاهراتكم، كما أصيبت قريش من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول مظاهرة بين صفين على أحدهما حمزة وعلى الآخر عمر، إظهار قوة بلا حرب، وعزة بلا مواجهة.

    2- وما ترون من قتل إخوانكم فهو منكر يجب عليكم إنكاره، ولا يد لديكم فليقم اللسان بهذا وأنتم تملكونه، فإن فقدتموه فماذا بقي إلا القلب ولكن لا تنتقلوا تبّاعين للهوى معرضين عن قاعدة تغيير المنكر التي ترتب مراتب التغيير، باليد ثم اللسان ثم القلب، وما دمتم بلا يد فلا تعجزون عن أرجل تسير وحناجر تصرخ بالظالمين.

    3- نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج بالصحابة في مظاهرة لإظهار قوة المسلمين وكثرة عددهم بعد إلحاح الصحابة على ذلك، قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: "لقد ذكرت المظاهرات في معرض الوسائل التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لإظهار الإسلام، والدعوة إليه لما روي أن المسلمين خرجوا بعد إسلام عمر رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفين (إظهاراً للقوة) على أحدهما حمزة رضي الله عنه، وعلى الآخر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولهم كديد ككديد الطحين حتى دخلوا المسجد.

    ولم أر لذلك من هدف إلا إظهار القوة، وقد روى هذا الحديث أبو نعيم في الحلية بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم»، قال فقلت: "ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن"، فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق. وفرق الله به بين الحق والباطل" انتهى (حلية الأولياء 1/40).

    وأورده صاحب الإصابة في أسماء الصحابة هكذا: "وأخرج محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه بسند فيه إسحق ابن أبي فروة عن ابن عباس أنه سأل عمر عن إسلامه فذكر قصته بطولها وفيها أنه خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة وأصحابه الذين كانوا اختفوا في دار الأرقم فعلمت قريش أنه امتنع فلم تصبهم كآبة مثلها، قال فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق" انتهى (الإصابة 2/512).

    وذكره ابن حجر ـ رحمه الله ـ في فتح الباري قائلاً: "وروى أبو جعفر بن أبي شيبة نحوه في تاريخه من حديث ابن عباس، وفي آخره "فقلت يا رسول الله ففيم الاختفاء؟"، فخرجنا في صفين: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر، فنظرت قريش إلينا فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها"، وأخرجه البزار من طريق أسلم مولى عمر عن عمر مطولاً" انتهى (فتح الباري 7/59).

    ولكنني وجدت بعد رسالتكم أن مدار هذا الحديث على إسحق بن عبدالله بن أبي فروة وهو منكر الحديث. وكنت أرى أن التشريع الإسلامي قد جاء بكثير من الشعائر لإظهار عزة الإسلام والدعوة إليه، كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، ورأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر النساء الحيّض وذوات الخدور أن يخرجن إلى المصلى يوم العيد معللاً ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليشهدن الخير، ودعوة المسلمين» [رواه أبو داود وصححه الألباني]، ومن الخير الذي يشهدنه هو كثرة أهل الإسلام وإظهارهم لشعائره، وكذلك كان الرسول يرسل البعوث والسرايا ومن أهدافها الأساسية (عرض القوة)، كما قال لأسامة رضي الله عنه: «أوطيء الخيل أرض البلقاء‍‍»..

    فهذا هو الذي جعلني أنسب هذا النوع من التظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أعني إلا ما جاء في هذه الأحاديث من إظهار عزة الإسلام، وكثرة المسلمين، وهذا باب من أبواب الدعوة إلى الله. وكنت أرى أن هذا الأسلوب يمكن استخدامه استخداماً صحيحاً في الحض على صلاة الجمعة والجماعة، والحض على صلاة العيدين في المصلى خارج المدينة وحث الرجال والنساء على الخروج لهذه الصلاة الجامعة وكذلك جمع الناس بين الفينة والأخرى للأمور الهامة التي تنزل بالمسلمين كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل إذا نزل بالمسلمين أمر فيقول الصلاة جامعة، وكذلك في المحاضرات والندوات الحاشدة التي يكون من مقاصدها ـ بعد تلقي العلم ـ إظهار كثرة المهتدين، وجمهور المسلمين، وكذلك في عرض قوة أهل الإسلام في جيوشهم الحربية وآلاتهم العسكرية، لأن كل ذلك مما يكسر قلوب العدو، ويرهب أعداء الله، ويعلي منار الإسلام".

    ولما احتج عليه الشيخ ابن باز بضعف أحد الرواة، وتنازل الشيخ عن لفظ مظاهرات كما بينه فيما بعد، وقد سألته آن ذاك فأظهر لي الشيخ عبد الرحمن أنه تعرض لفتنة من سفهاء أساءوا له وشنعوا عليه، ولا يحب أن يظهر عند الناس آنذاك أنه يخالف الشيخ ابن باز، وبخاصة مع كثرة الخصوم، والشامتين به، زمن ارتفاع أصوات أهل الفتنة والمخرقة، أما هو فلم يزل يعتقد بما كتبه في الكتاب أول مرة، وعرض أن يكتب أحد غيره تأييدا لرأيه الأول ذاك، وهو الآن حي يرزق ويمكن سؤاله، ثم أيد رجوعه بفعله فقد خرج بعد ذلك في عدة مظاهرات بجواره الشيخ حامد العلي والشيخ الشايجي والشيخ الطبطبائي وغيرهم من العلماء، في محافل معروفة وصور موثقة، ثم إن فيما سبق وما سيأتي حجة مغنية عن الوقوف عند هذا، واثبات عملي بعد القولي بتراجعه عن القول السابق، وفي قول وفعل جلة علماء العصر وهو منهم كفاية.

    4- أن المظاهرات وسيلة لها أحكام الوسائل، والأصل في الوسائل الإباحة، وما يتلبس بوسيلة مباحة من مخالفة فالوسائل لها أحكام المقاصد، فمالذي يقصده المسلمون بهذه الوسيلة إلا إظهار الحق، ورفض الظلم، وكشف الخيانات اليهودية، وشحذ همم الناس وألسنتهم وأقلامهم وأيديهم بما يملكون فعله، كما ان في هذا صناعة وحدة في الموقف ورأي للأمة.

    5- جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال اطرح متاعك على الطريق فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال "يا رسول الله ما لقيت من الناس"، فقال : وما لقيت منهم؟ قال: "يلعنوني"، قال: لقد لعنك الله قبل الناس، قال: "إني لا أعود"، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارفع متاعك فقد كفيت. ورواه البزار بإسناد حسن بنحو إلا أنه قال: "ضع متاعك على الطريق أو على ظهر الطريق" فوضعه، فكان كل من مر به قال: "ما شأنك؟"، قال جاري يؤذيني فيدعو عليه فجاء جاره فقال: "رد متاعك فلا أؤذيك أبدا". و"روى" أبو داود واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه على شرط مسلم: (جاء رجل يشكو جاره فقال له: «اذهب فاصبر»، فأتاه مرتين أو ثلاثا، فقال اذهب فاطرح متاعك في الطريق ففعل، فجعل الناس يمرون ويسألونه ويخبرهم خبر جاره فجعلوا يلعنونه فعل الله به وفعل، وبعضهم يدعو عليه فجاء إليه جاره فقال: "ارجع فإنك لن ترى مني شيئا تكرهه" (كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر باب الصلح، الكبيرة العاشرة بعد المائتين: إيذاء الجار ولو ذميا).

    6- وإن الصوت والإعلام والضجيج نصف الحرب، ومن شهد الحرب الإعلامية التي يمارسها اليهود في أمريكا، علم مقدار أهمية هذه المظاهرات وخطورتها في العصر الحديث، إن الإعلام الأمريكي يخفي خبر المظاهرات الإسلامية ولا يذكرها، وإن ذكرها أحدهم قلّل جدا من قدرها، ولكن تقاريرها تصل ذوي القرارات النهمة، وهم يعلمون أنها تعمل في النفوس عملا مروعا للبغاة، فهي بدايات مخيفة، وهي حقيقة قد تؤدي أن يتجاوب الناس معها.

    وقد هرع حكام العرب لأمريكا يستنقذونها ويطلبونها الكلام أو الإحتجاج بما يكف الاضطراب، أو عدم الاستقرار، وبدأ الحديث عن الخوف من سقوط الحكومات الموالية لإسرائيل. ولولا شعور العالم بدلالات المظاهرات لما تغيرت المواقف، أو لما خفف المفسدون في الأرض خوفا من مضاعفة الموقف. فكيف تخذلون إخوانكم حتى في عمل كهذا؟، فلا تبخلوا بكلمة حق لا تضير، وقد تنفع كثيرا، فالمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله، والذين لا يستنكرون ولا يتظاهرون ولا يتكلمون ولا يكتبون، قد أسلموا إخوانهم، وتهاونوا بحقوقهم، ثم إنكم لا تعلمون أثر المناصرة والمظاهرة في نفوس إخوانكم عندما يعلمون أن هناك من انتصر لهم واستنكر الجرائم المقترفة في حقهم.

    7- أما الذين يقلدون رجالا صالحين لهم خير كبير، ولكنهم يخطئون فيما لا يدركون، فإن عليهم أن يتقوا الله، ويخرجوا من ربقة العصمة لمشائخهم، واتّباعهم في الخطأ والصواب، فهذه مصادمة للحق بالرجال، وأنتم تعلمون أن هؤلاء الأفاضل قد دفعتهم نيات صالحة فقالوا قولا ربما كان صوابا آنذاك في زمن غير الزمن، وفي حال غير الحال، فعليكم أن تتبعوا فقه السلف وهديهم، في تقدير الأمور، ووعي العالم المحيط، فالسلفية إما أن تكون فترة تاريخية غابرة، فتلك قد انقضت، وإما أن تكون منهجا حيا متجاوبا مع مقتضيات الزمن، فهذا أوان العلم والعقل. فإن أولئك العلماء أنفسهم الذين تحتجون بهم كانوا يمنعون في شبابهم الراديو والتلفاز، وفي أواخر أعمارهم تبين لهم خطؤهم وتراجعوا، وإنا لا نملك لكم أن نبعثهم فيعتذروا لكم عن خطأ لم يعد الإصرار عليه صحيحا، ولا مناسبا، ولكننا نناشد القلوب الحية، والعيون التي ترى، والعقول التي تعي أن تخرج من ضيق التاريخ إلى نهج الشريعة، وتهاجر إلى هذا الزمان ثم تعرف ما يدور، ومن جمد فلن يجمّد العالم ولن يغلق إلا فهمه ولن يضر إلا نفسه، إن اتباع الرسول ص غاية في المعاصرة، والمتابعة للزمان، وهي منهج متحرك وليست صورة تاريخية جامدة.

    8- دليل فعل العلماء: ومن فعل العلماء، ما تعلمونه من فعل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وجميع علماء السلفية في الكويت، خرجوا جميعا في مقدمة صفوف المظاهرات التي احتجت على المفسدين في الجامعة وغيروا القرار بمظاهرتهم، ثم تظاهروا عدة مرات، ويتكرر هذا منهم ولا يجرؤ أحد على نقض ذلك، وتظاهر علماء الجزائر ودعاتهم مرات عديدة يتقدمهم محمد السعيد وعلي بلحاج، وعباسي مدني وبقية من العلماء المسنين الذين كانوا أعضاء جمعية العلماء، ومن قبل هذا مواقف علماء المسلمين في أغلب بلاد المسلمين، إن لم يكن كلها. قديما وحديثا، وقد خرج علماء الشام في مظاهرات يقودهم الشيخ القصاب ضد موقف الملك فيصل الشريف عندما تراخى عن الحرب للفرنسيين، وأيدهم رشيد رضا عددا من المظاهرات في زمنه، وخرج علماء الأزهر في المظاهرات ضد الإنجليز في عام 1919م.

    وفي الجزيرة العربية، خرج الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله ـ والد رئيس مجلس الشورى ـ بأهل القصيم في مظاهرة بشأن مشكلة في مدارس البنات، وخرج الشيخ سلمان العودة منذ سبع سنوات مع العلماء والعامة احتجاجا على منعه من الكلام، وخرج معه جمع كبير من العلماء والدعاة، ولم تننتقد المظاهرة لذاتها بل الذين انتقدوا إنما كان نقدهم على التوقيت، أو احتمال الفوضى، ثم خرج أخيرا الشيخ المبارك بأهل المنطقة الشرقية، وقاد الشيخ القرضاوي عددا من المظاهرات، وهو يقود المظاهرات في الدوحة في كل حدث ملم، وفي السودان يخرج علماؤهم للمظاهرات، منها مظاهرات في أعقاب ضرب بلادهم قبل بضع سنوات، وفي بلدان العالم الإسلامي من العلماء المؤيدين ما لا يحصى عددا، فهل نستبعد علماء كعلماء الباكستان "المودودي، واليمن "الزنداني" وكثيرون من الشام ومصر وغيرها.

    ولسنا بصدد تحقيق الحق والباطل في خطاب المتظاهرين، ولكن النقاش في شرعية العمل، فقد دلت الأدلة الشرعية على صحتها وفعلها منذ عهد النبوة، ومارسها العلماء الموتى والأحياء من شتى المدارس ومن المدرسة السلفية تحديدا، ومن أشدهم تمسكا. ولم يزل علماء العصر يخرجون في كل مكان ينبذون الظلم والفساد وينكرون على الطغاة، وعلى المفسدين في الأرض، فإن منع علماء الخروج على الحكام، فلم لا يجوز حتى الصراخ في وجوه اليهود المحتلين العنصريين القتلة!. أما المفاسد التي تحتمل من هذا العمل فصحيح أنها قد تقع، ولكنها مفاسد محتملة، والمصلحة متيقنة، فلا يسقط اليقيني بالمحتمل، واظهار الحق وشعائر الدين ومناصرة الحق واجب لا يسقطه احتمال أذى، ثم إن خروج العلماء والزعماء في هذه المظاهرات مما يعطيها وزنا وأهمية، ويرشدها ويبعدها عن الفساد، ويؤكد السلطة والاحترام لقادة المظاهرات ورعاة مصالح الأمة.

    9- أما رأي المخالفين، فهو منطلق من الخوف من تهمة الخروج على الحاكم، وهذا شأن آخر، لأن هذا الخروج في المظاهرات على ظلم اليهود لا علاقة له بالخروج على ظلم الحكام، وليس معهم أدلة منع تعوق ما سبق، وهذه وسيلة أصلها الإباحة، وقد أشكل على بعضهم عدم ورود اللفظ، فلنسمها مناصرة، ونفرق بينها وبين المظاهرة، ثم نقول هذه المناصرة للمظلومين في كل أرض، وتحت كل سماء، والمظاهرة ضد العدوان الداخلي، ثم يقوم من يهمهم هذا "التفريق الجديد" بتحريم "المظاهرات" وإباحة "المناصرات". أما هذه الحال القائمة المانعة لإظهار الدين والمناصرة والأخوة والتعاطف فليست من الدين في شيء وليست من العلمانية في شيء.

    10- لقد أصبح التظاهر مقياسا من مقاييس الرأي عند الأمم مسلمها وكافرها في هذا العصر، فنحن لا نعلم رأي أمة من حكامها ولا من إعلامها الذي قد يسيطر عليه حزب أو قلة لا تخدم مصلحة الأمة ولا تحرص عليها، ولا نعلم من قال ممن لم يقل ومن وافق ومن خالف، فهذا قياس مهم لموقف الأمة واستنكارها لباطل أو مناصرتها لحق.

    11- وقد تعطلت في الحياة الإسلامية وسائل قياس الرأي العام، كالتي كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يرى الناس يوافقن على رأيه في اعادة الغنائم، فيقول إني لا أعلم من رضي ممن لم يرض فاذهبوا "وليأتني عرفاؤكم بالخبر"، فقد كان هناك عرفاء للمجتمع، ينقلون إليه ومنه الموقف والرأي، ويتفقدون مجموعاتهم ويعرفون قرارهم وما يحبون، وهذه طريقة مبكرة رائعة في قياس الرأي، والإستشارة والتصويت على موقف. وما دام هذا الأمر غير موجود اليوم فإن إظهار الرأي مهم لمعرفة القرار أو دفعه باتجاه محدد، أو صناعة رأي عند غير ذوي الرأي وتأييده.

    12- وهناك دائما وسائل جديدة، لا تخالف الشرع، وقد لا تكون عرفت قديما لأن التكوين الإجتماعي والسياسي للمجتمعات قديما لم يكن يعرفها ولا تتناسب معه، مثال ذلك العصيان المدني، وهو عصيان في غاية السلمية، ولكنه مدمر لمصالح المستعمرين، وقد ساهم بدور كبير في استقلال الهند عندما استخدمه غاندي بذكاء كبير، وهو لم يخترع النظرية، ولكنه طبق فكرة مقال قرأه، وكانت ظروف بريطانيا بلا شك مساعدة على انهاء هيمنتها.

    13- تبين جدوى هذه المظاهرات الكبيرة في رفع الأذى عن شعوب عديدة عبر التاريخ، وآخر شواهد ذلك ما رأيناه في إفريقيا الجنوبية ونيل سكانها الحرية بوسائل منها المظاهرات، كما حدث في أندونيسيا عندما خرج المتظاهرون وأبعدوا سوهارتوا ونظامه الفاسد، وما حدث من تظاهر اليوغسلاف ضد الطاغية سلوبودان ميلسوفتش، واستطاعوا تحرير أنفسهم بالخروج في مظاهرات عارمة وذهبوا إلى البرلمان، واسقطوا الصنم، وصانوا دماءهم وأعراضهم وكرامتهم من جوره، وفي التاريخ شواهد لا تحصى لفائدة هذه المظاهرات.

    ثم لو تأملنا إنهاء الاستعمار في أغلب المستعمرات حول العالم في بلدان مسلمة وغيرها، من الهند إلى الفلبين إلى سوريا ومصر وشمال افريقيا وإيران والعراق لوجدنا المظاهرات ذات أثر مشهود لا يناقش فيه عاقل، فهي من أهم الوسائل ولا يعني أنها وسيلة حق معصومة من الخطأ، ولكن الذين يناقشون بأنهم عندما اختفوا في جحورهم لم يصدر منهم خطأ أبدا، وهذا حق لهم لا نعارضه، ولا ندعي عليهم بأنهم فعلوا شيئا، ولكن من يبني أمة وينقذ موقفا ويصنع نصرا، ويتبع محمدا صلى الله عليه وسلم ورجال العلم والعمل فلا شك أنه سيقع في أخطاء لن يقع فيها أبدا المعصومون من العمل ومن الخطأ ومن الصواب، وسيجدون كل الشواهد الباطلة والصحيحة على خطأ العاملين، وتقصيرهم وتعثرهم، والماشي يخطئ الطريق أحيانا ويقصر، ولكن حسبه أنه شمر واجتهد، والقاعدون لا عيوب ولا فضائل. أما العاملون فيحصل منهم الخطأ ويصابوا، ومن ظهر عمله بان خطؤه، ورأى الناس عيوبه، ولكنه يحرك بخيره غيره، وهو أجدر بالعلم وبالفقه، ومعرفة الحق من الخطأ، ووعي مقاصد الشرع، وإدراك روح القرآن بعمله بكتاب ربه من كل متفلسف كليل.

    14- والتظاهر مع الحق، وضد الباطل سنة مشروعة جارية، سنها الله في إظهار الإنكار على الفساد في قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} [سورة النور: 2]، وسنها في الابتهاج بالأعياد، واستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوديعه للغزاة حين خروجهم والاحتفال بهم حال عودتهم، وفي إظهار القوة كما فعل مع أبي سفيان فألزمه رؤية قوة المسلمين، وقطع الطريق عليه أن يفكر في إمكان مواجهة القوة الضاربة للإسلام، ومن قبل طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائفين أن يهرولوا في الطواف اظهارا لقوة وصحة أجسامهم، مما يراجع تفصيله في فقه الحج وفي السير.

    وإن لم نظهر موقفنا وحميتنا وصوتنا وتعاطفنا مع إخواننا المقهورين وحمانا المنتهك فما ذا بقي؟ فاظهار الحق، بكل وسيلة وغمط الباطل بكل وسيلة، في عموم ما ذكر، مما تواترت على مشروعيته الأدلة تواترا معنويا، وهي سنة في الإسلام قائمة.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    وجوب نصرة أهل غزة للدكتور حاكم المطيري وفيه حكم المسيرات

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 22 يونيو 2011 - 18:54

    فتوى في وجوب نصرة أهل غزة

    بقلم د. حاكم المطيري

    الإبانة عن وجوب المظاهرة والإعانة
    فتوى في وجوب نصرة أهل غزة بكل وسيلة

    بقلم الدكتور حاكم المطيري
    أستاذ قسم التفسير والحديث
    كلية الشريعة - جامعة الكويت

    سؤال: صدرت حديثا بعض الفتاوى تحرم خروج المظاهرات والمسيرات لنصرة أهل غزة بدعوى أنها من الفساد في الأرض وأنها تصد عن ذكرى الله وأن الواجب الاقتصار على الدعاء لهم فما صحة مثل هذه الفتاوى؟

    الجواب : الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا الأمين وآله وصحبه أجمعين وبعد...هذه المسائل هي من النوازل التي لا يعرف أحكامها إلا من تصورها على حقيقتها كما يقول الأصوليون (الحكم على الشيء فرع من تصوره) ولا شك أن هذه الفتوى صدرت ممن لا يعرف حقيقة المظاهرات ولا يعرف مدى أثرها وتأثيرها ومعرفة حكم هذه النازلة يحتاج إلى مقدمات:

    أولا : أن الشارع أذن في جهاد العدو باستخدام كل وسيلة تحقق المقصود سواء في دفع عدوانه في جهاد الدفع أو تحقيق النصر عليه والظفر به في جهاد الفتح فالأصل في هذا الباب الإباحة والمشروعية لكل الوسائل إلا ما قام الدليل على تحريمه بل باب الجهاد قد يسوغ فيه ما لا يسوغ فيما سواه كإباحة لبس الحرير ومشي الخيلاء لغيض العدو وخروج النساء مع الرجال لمداواة الجرحى ومساعدة المقاتلين.....الخ فاغتفر فيه الشارع مثل هذه الأمور لمراعاة مصلحة الجهاد.

    ثانيا : وقد ثبت بالنصوص الشرعية وجوب الجهاد بالنفس والمال واللسان كما في الحديث الصحيح(جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)(رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين) ولا يخفى أن جهاد اللسان ليس له تأثير مباشر على العدو فلا هو كالجهاد بالنفس الذي يباشر فيه المجاهد الحرب بنفسه وبيده وبدنه وسلاحه ولا هو كالمال الذي يحتاج إليه الجهاد بالنفس ـ بل قد لا يتحقق الجهاد بالنفس إلا بالمال الذي يوفر به السلاح والعدة والعتاد للمقاتلين ـ ومع ذلك أوجب الشارع الجهاد بالكلمة كما قال تعالى{وحرض المؤمنين} والتحريض هو حث المؤمنين باللسان على الجهاد في سبيل الله وفي الحديث الصحيح (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وفي الصحيح(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه...).

    ثالثا: وإذا ثبت أن الكلمة والتحريض باللسان كل ذلك من وسائل الجهاد وأنواعه وأنها واجبة على كل من استطاعها فإن لها هي أيضا صورا كثيرة ومن ذلك:

    1 ـ الحرب الإعلامية والدعائية لإرهاب العدو وشق صفه والفت في عضده كما في قصة غزوة الخندق حين استأذن نعيم بن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم أن يخدع الأحزاب بإثارة الإشاعة الكاذبة بينهم فأذن له وقال صلى الله عليه وسلم (الحرب خدعة) وكذا أذن لمحمد بن مسلمة وأصحابه حين بعثهم لقتل ابن أبي الحقيق فأذن لمحمد بن مسلمة أن يقول ما يشاء مما يحقق الظفر بالعدو .

    2- الشعر والخطب للتعبئة المعنوية كمدح المجاهدين لرفع معنوياتهم وإثارة الحماس فيهم وتحريضهم أو لهجاء العدو وإضعاف معنوياته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت كما في الصحيح(أهجهم وروح القدس معك) وقال(لهو عليهم أشد من وقع النبل) وما ذاك إلا لشدة أثر الشعر والكلمة وقوة تأثيرها المعنوي على العدو وإلا فليس للكلمة في ذاتها تأثير مادي حسي مباشر ومع ذلك جعلها الشارع من أنواع الجهاد.

    3- السب والشتم الذي يغيض العدو كقوله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين قال أبو سفيان أعل هبل! فقال النبي للصحابة ألا تجيبوه؟ قالوا : وما نقول؟ قال: قولوا (الله أعلى وأجل) وقوله لهم يوم حنين (شاهت الوجوه).

    4 ـ وكذا يكون جهاد الكلمة بالاستغاثة والاستنصار بالمجاهدين برفع الصوت وإثارة النخوة والحمية فيهم كما حصل يوم حنين حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس أن يصرخ حين فر المسلمون في بداية المعركة (يا للأنصار يا للخزرج يا لأصحاب السمرة) فأقبلوا عليه كارين قد أخذتهم الحمية والنخوة حتى استقتلوا وهزم الله عدوهم وكل ذلك بالصرخة والاستغاثة والكلمة المؤثرة .

    رابعا: وإذا ثبت مشروعية ذلك كله وأنه من صور جهاد الكلمة فالمظاهرة هي من الوسائل التي تتحقق بها كل صور جهاد كلمة فإن المقصود بالمظاهرات اليوم هو إما إثارة النخوة والحمية في المجاهدين أو تأييدهم وتثبيتهم ورفع معنوياتهم أو استنصار الأمة لهم أو إغاضة عدوهم والإعلان عن جرائمه والتنديد بها إلى غير ذلك من صور جهاد الكلمة.

    خامسا : ثم إن حقيقة المظاهرة هي من التظاهر وهو التعاون والتناصر بين جماعة على أمر ما فهو في حد ذاته لا حكم له بل تجري عليه الأحكام الشرعية بحسب المقصود من التظاهر فإن كان الأمر المقصود مشروعا مستحبا فالتظاهر من أجله مشروع مستحب وإن كان واجبا فهو واجب وإن كان محرما فهو محرم وإن كان مكروها فهو مكروه وإن كان مباحا فهو مباح وقد سمى القرآن تعاون عائشة وحفصة على صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض نسائه تظاهرا كما قال تعالى{فإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} وقد أمر الشارع بالتعاون على البر والتقوى وحرم التعاون على الإثم والعدوان كما قال تعالى{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} والتعاون هو التناصر والتظاهر ولا يتحقق إلا من اثنين فأكثر فإن التفاعل لا يكون إلا بين اثنين مما يوجب على كل مسلم أن يعاون أخاه المسلم ويناصره ويظاهره على تحقيق الخير أو دفع الضر بأي وسيلة ممكنة لهما كما في الحديث الصحيح(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه) وفي الصحيح(أنصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا عرفنا مظلوما كيف ينصره ظالما قال(يأخذ على يده فذلك نصرته) والمقصود أن الخطاب عام لكل مسلم أن ينصر أخاه المظلوم برفع الظلم عنه ولو بالكلمة كما في الصحيح (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونصرة المظلوم) فمن ادعى أن هذا خاص بالحكومات دون أفراد الأمة فقد أبطل دلالات كل هذه النصوص العامة.

    سادسا: أن مثل هذه الوسائل قد وقع شبيهها في السيرة فقد جاء في السيرة أن الصحابة في مكة لما أسلم عمر خرجوا صفين على رأس أحدهما حمزة وعلى الثاني عمر حتى دخلوا البيت كتظاهر وتعاون بينهم على إرهاب قريش وردعها عن التعرض للمؤمنين المستضعفين في مكة وقد أورد هذه القصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم 1/91) في قصة إسلام عمر وذهابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في دار ابن الأرقم( فقال: ما أنت بمنتهٍ يا عمر؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله، فكبّر أهل الدّار تكبيرةً سمعها أهل المسجد. فقلت: يا رسول الله، ألسنا على الحقّ، إن متنا أو حيينا؟ قال: بلى. فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحقّ لنخرجنّ، فخرجنا في صفّين. حمزة في صفٍّ، وأنا في صفٍّ ـ له كديد ككديد الطّحن ـ حتى دخلنا المسجد. فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسمّاني رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: الفاروق.وقال صهيب: لما أسلم عمر ـ رضي الله عنه ـ جلسنا حول البيت حِلقاً، فطفنا واستنصفنا مِمَن غلظ علينا)انتهى من مختصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب.وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة النبوية 1 / 64 (قال عمر عند ذلك: (والله لنحن بالإسلام أحق أن ننادي منا بالكفر، فليظهرن بمكة دين الله،فإن أراد قومنا بغياً علينا ناجزناهم، وإن قومنا أنصفونا قبلنا منهم، فخرج عمر وأصحابه، فجلسوا في المسجد، فلما رأت قريش إسلام عمر سقط في أيديهم)وهذه الحادثة أخرجها مطولا ابن أبي شيبة في تاريخه ـ كما في الإصابة 4/590 ـ ومن طريقه أبو نعيم الأصبهاني في الحلية 1/40 وفي الدلائل 1/221 رقم 187 قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن قال : ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال : ثنا عبد الحميد بن صالح قال : ثنا محمد بن أبان،عن إسحاق بن عبد الله،عن أبان بن صالح،عن مجاهد،عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لأي شيء سميت الفاروق ؟ قال : أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام وخرجت بعده بثلاثة أيام فإذا فلان ابن فلان المخزومي قلت له : أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد ؟ قال : إن فعلت فقد فعله من هو أعظم حقا مني عليك قلت : من هو ؟ قال : ختنك وأختك قال : فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة قال : ففتح لي الباب فدخلت فقلت : ما هذا الذي أسمع عندكم ؟ ـ ثم ذكر القصة ـ قلت : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : عليك عهد الله وميثاقه أن لا تجبهه بشيء يكرهه قلت : نعم قالت : فإنه في دار أرقم بن أبي أرقم في دار عند الصفا فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة : ما لكم ؟ قالوا : عمر بن الخطاب قال : افتحوا له الباب فإن قبل قبلنا منه ، وإن أدبر قتلناه ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لكم ؟قالوا : عمر بن الخطاب قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك أن وقع على ركبتيه على الأرض قال : ما أنت بمنته يا عمر ؟ قال : قلت : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال : فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد قلت : يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال : بلى والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم قال : فقلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد ، قال : فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق وفرق بين الحق والباطل »وأخرجه أيضا من طريق ابن أبي شيبة ابن عساكر في تاريخ دمشق 44 / 29 أخبرنا أبو البركات الأنماطي أنا أبو الفضل بن خيرون أنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن أنا أبو جعفر محمد بن عثمان نا عبد الحميد بن صالح نا محمد بن أبان عن إسحاق بن عبد الله عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس قال سألت عمر بن الخطاب لأي شئ سميت الفاروق فذكره ..قال ابن حجر في الإصابة (وأخرج محمّد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه بسند فيه إسحاق بن أبي فروة) وهذا إسناد ضعيف إلا أن هذا الخبر من أخبار السير وله شواهد كثيرة تؤكده كما عند ابن إسحاق في السيرة ومن ذلك أيضا:

    1ـ ما أخرجه ابن سعد في الطبقات 3/269 قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني علي بن محمد عن عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن صهيب بن سنان قال( لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به).وهذا وإن كان فيه الواقدي فلا يضره لأنه من أعلم الناس بالمغازي والسير وقد قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة الأسبق ـ الفتاوى والرسائل 5/66 ـ عن ابن إسحاق والواقدي (فإنهما وإن تكلم فيهما بعض أئمة العلم فهما مشهوران بالعلم عند أئمة زمانهما .....)ثم ساق ثناء الأئمة عليهما والاحتجاج بهما في باب الأخبار والمغازي والسير وذب عنهما ما قيل فيهما من طعن وأطال في ذلك ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو في الصارم المسلول 1/101 حيث استدل بخبر فيه الواقدي ثم قال(وإنما سقنا القصة من رواية أهل المغازي مع ما في الواقدي من الضعف لشهرة هذه القصة عندهم مع أنه لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي وأخبرهم بأحوالها وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه)

    2ـ وأخرج ابن سعد أيضا 3/270 قال أخبرنا عبد الله بن نمير ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر قال محمد بن عبيد في حديثه لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي)وهذا إسناد صحيح.

    3 ـ وأخرج ابن سعد أيضا 3/270 قال أخبرنا يعلى ومحمد ابنا عبيد وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا أخبرنا مسعر عن القاسم بن عبد الرحمن قال قال عبد الله بن مسعود (كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمارته رحمة لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا) وهذا إسناد صحيح أيضا.

    فهذه الأخبار كلها تؤكد صحة ما جاء في خبر ابن أبي فروة وأن عمر لما أسلم خرج بالصحابة إلى البيت وتظاهروا وتناصروا حتى طافوا بالبيت حلقا وصلوا فيه وانتصفوا ممن آذاهم إلا أن روية ابن أبي فروة أحسن تفصيلا وسردا للقصة.

    وهذه الحادثة حتى على فرض ضعفها سائغ الاستدلال بها لموافقتها الأصول العامة وليس في الباب ما يعارضها ومعلوم في أصول مذهب أحمد وغيره من الأئمة أنه يعمل بالضعيف ويستدل به إذا لم يوجد ما يعارضه كمال قال ابن القيم في إعلام الموقعين عن أصول مذهب أحمد بن حنبل1/31(الأصل الرابع الأخذ بالمرسل والحديث والضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس).

    أما القول بأن هذه القصة في مكة وأنها منسوخة فقول باطل إذ المنسوخ هو الصفح والعفو بآيات الجهاد وليس العكس مع أن القول الراجح كما قال شيخ الإسلام أن أحكام العهد المكي غير منسوخة بل يعمل فيها في حال الاستضعاف.

    ولا يؤثر في مشروعية التظاهر ما قد يقع فيه من تجاوزات غير مقصودة إذ يبقى للتظاهر حكمه وللأفعال العارضة فيه حكمها ومعلوم أن الجهاد قد يقع فيه تجاوزات وأخطاء كما حصل في قتال الصحابة في الأشهر الحرم وما حصل من تجاوز من خالد بن الوليد في القتال حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ومع ذلك لم يعزله عن الجيش ولم يتوقف الجهاد لوقوع مثل هذه الأخطاء فيه وكذا ما قد يقع في جهاد الكلمة من تجاوز لا يفضي إلى ترك جهاد الكلمة وكذلك المظاهرات فإن ما قد يقع فيها من تجاوز له نفس الحكم سواء بسواء فلا يمنع التعاون بين المؤمنين والتظاهر فيما بينهم لنصرة إخوانهم بالكلمة بدعوى أنه قد يقع منهم بعض التجاوز.وكذا لا يبطل مشروعية المظاهرة عدم جدواها كما يتوهم المتوهمون لأن إنكار المنكر باللسان هو في حد ذاته وجب شرعا وهو من صور الجهاد فلا يلتفت إلى النتائج في مثل هذا بل يجب على الأمة القيام بما أمر الله القيام به ومن ذلك الصدع بالحق كما في الحديث الصحيح(وأن نقول الحق أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) سواء زال المنكر أو لم يزل إذ هذا معنى قيامها لله بالعدل والقسط قولا وفعلا .وكذا لا يلتفت إلى ترك السلطة لواجباتها فإن ذلك لا يسوغ للأمة التخلي عن الواجب عليها كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في الفتاوى 4/101 حيث قال في مسألة وجوب الدعوة(وهذا يدخل في الجهاد فإن قام ولاة الأمر بذلك فإنه متعين عليهم وهذا من أهم مقاصد الولاية التي من أجلها أمر بالسمع والطاعة لحماية حوزة الدين فإذا أخل بذلك من جهة الولاة فواجب على المسلمين أن يعملوا هذا).
    وكذا لا يلتفت إلى رفض الحكومات للمظاهرات إذ تقاعس الحكومات عن القيام بواجب النصرة للشعب الفلسطيني منكر أعظم يجب على الأمة إنكاره بكل وسيلة حتى تقوم الحكومات بواجباتها المنوطة بها. والمقصود أنه إذا ثبت أن جهاد الكلمة من أفضل أنواع الجهاد وأن الأصل في وسائل جهاد العدو الإباحة والحل حتى يقوم دليل الحظر والمنع وأن الوسيلة قد تكون واجبة إذا لم يتحقق الواجب إلا بها وأن المظاهرة هي من التظاهر وهو التعاون والتناصر بين جماعة من الناس على أمر ما وأن الشارع قد أمر بالتعاون والتناصر بين المؤمنين على البر والتقوى ومن ذلك نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم وإزالة المنكر أو إنكاره باللسان وأن وقوع شيء من المحظورات في المظاهرات لا يبطل مشروعيتها ووجوبها ..الخ إذا ثبت ذلك كله فلم يبق إذن إلا معرفة مدى أثر المظاهرات اليوم في إزالة المنكر أو تخفيفه أو التنديد به وإنكاره ومثل ذلك لا يرجع في معرفة حكمه إلى الفقهاء ـ لو خفي أمره ـ بل إلى الخبراء في السياسة والإعلام والجهاد ولا خلاف بينهم على أهمية المظاهرات وشدة تأثيرها على الرأي العام وعلى العدو وأنها باتت في هذا العصر الذي صار العالم فيه كالقرية الصغيرة من أهم وسائل التأثير وأشدها ولا أدل على ذلك من دعوة المجاهدين في غزة الأمة إلى التظاهر نصرة لهم لما لذلك من أثر معنوي ونفسي وسياسي في صالح المجاهدين في فلسطين.فكيف والأمر أظهر من أن يذكر سواء مدى أثر المظاهرات في الضغط على الحكومات الإسلامية للمبادرة إلى نصرة أهل غزة وكذا مدى أثر المظاهرات على أهل غزة أنفسهم وتثبيتهم ورفع معنوياتهم وكذا شدة أثرها على استنهاض أهل النجدة والنخوة من الأفراد والجماعات للمبادرة لإغاثتهم ونصرتهم وكذا شدة أثرها في النكاية بالعدو والتنديد بجرائمه فهذه الأسباب كاف بعضها للقول بوجوبها والواقع أصدق شاهد على ضرورتها فكيف بها كلها؟ فهذا ما لا ينبغي الخلاف فيه ثم المرجع في هذا كله للكتاب والسنة وإجماع الأمة فإن اختلف الفقهاء في نازلة تخص الجهاد وأحكامه فأحق أهل العلم بالإتباع هم أهل الثغر والعلماء الربانيون المجاهدون فهم أبصر من غيرهم بالواقع وأقدر على تنزيل نصوص الشارع عليها وأعلم بتحقق المناط فيها والله تعالى أعلم.

    المصدر :

    http://www.ommah.net/content/view/237/1/

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 25 أبريل 2017 - 5:41