hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الحركة الإسلامية فى تركيا القصة الكاملة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الحركة الإسلامية فى تركيا القصة الكاملة

    مُساهمة  Admin في الإثنين 9 مايو 2011 - 16:50

    أتاتورك
    قام الإسلام ولايزال بدور بارز فى تاريخ الأمة التركية، وكان العامل المهم دائماً فى توجيه الروح التركية.. فهو الذي أعطى الدولة العثمانية شخصيتها الدولية، وكيانها التاريخي، وهو الذى منحها شرعية قيادة العالم الإسلامي طوال ستة قرون، وهو الذي ساعد على تحقيق التجانس والدمج الاجتماعي بين القوميات والجنسيات المختلفة في ربوع الإمبراطورية..
    ورغم إلغاء مصطفى كمال الخلافة في 3 مارس 1924م فإنه لم يستطع أبداً إلغاء الإسلام من قلوب وعقول ووعي ووجدان الناس. وهو الذي لم يدخر وسعاً، ولم يترك وسيلة لمحاربة الإسلام وسلخ تركيا منه إلا وفعلها.. في حالة محزنة من حالات التراجع.
    كان أتاتورك فيما يبدو متأثراً فيها بمفهوم (العلمانية الثورية) التي قال بها فلاسفة مثل ماركس وفيورباخ في أواخر القرن التاسع عشر...والتي كانت تستهدف هدم الدين وتخليص الدولة والمجتمع من تأثيراته تماماً... في حين أن منشأ العلمانية كان بغرض الحد من أثر الدين والكنيسة على شؤون المجتمع وسياسة الدولة فقط.. ولم تكن هناك نوايا لمخاصمه الدين وعدائه.

    حرب على العربية والمظاهر الإسلامي
    فقام أتاتورك بفرض القبعة على الشعب بالقانون وببطش الدولة، وحارب الأبجدية العربية التي كانت تُكتب بها اللغة التركية فصدر قانون بالكتابة بالأبجدية اللاتينية، ونُقِّيت التركية من الكلمات الفارسية والعربية، وأصبح الأذان للصلاة بالتركية. ثم جاءت الهجمة الشرسة على أسماء الشعب فيما عرف ب(معركة الألقاب).. وحقيقة لم أعرف في تاريخ (الضرورات) أطرف وأغرب مما فعله مصطفى كمال.. فقد بدا واضحًا أنه ورجاله يسعون لتغيير دين الشعب وهيئته وأسمائه وكل ما يتعلق بهويته وأصل وجوده شكلاً ومضموناً.
    وفي الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية التركية جُمعت المصاحف والكتب الدينية ووضعت على ظهور الإبل ليقودها رجل يرتدي الزي العربي متجهاً بها نحو الجزيرة العربية وعُلقت على رقاب الإبل لافتة تقول: "جاءت من الصحراء ولتعد إلى الصحراء، وجاءت من العرب فلتذهب إلى العرب".. أخطأ أتاتورك في حق أمته خطأً فادحاً، حين اعتبر الإسلام عقبة في طريق التقدم والنهوض؛ ناسياً أن الدين فطرة ومشاعر وحقيقة من حقائق الحياة، وهو (مركب الحضارة) الذي يمزج (الإنسان والتراب والوقت). فالفكرة الدينية رافقت دائماً تركيب الحضارة عبر التاريخ كما يقول مالك بن نبي.. أو كما قال برتراند رسل: "الدين كلمة لها تاريخ طويل.... وحقيقة الناس هي العقل والدين والغريزة"... فما بالك إذا كان هذا الدين هو الإسلام الذي هو بطبيعته منهاج شامل للحياة؟ وما بالك إذا كان هؤلاء الناس هم الأتراك بشدتهم وحدتهم وقوتهم؟!

    أتاتورك ودكتاتورية الحزب الواحد
    والغريب أنه أثناء حرب الاستقلال 1920م اعتمد أتاتورك على أئمة المساجد في تعبئة الجماهير وتحفيزهم.. وكان بديع الزمان النورسي (الكردي) من أوائل العلماء الذين وقفوا إلى جانبه، بل إن رجال الدين أنفسهم ساهموا في التمهيد لمجيئه (المؤتمر) الأول للجمعية الوطنية كان يضم 73 عالماً دينياً من بين 361.. وحين أصدر شيخ الإسلام في الأستانة فتواه المشهورة بتكفير أتاتورك رد عليه مفتي أنقرة بفتوى مضادة تحمل توقيع 152 عالماً دينياً بتحريض من أتاتورك.. لم يفعل أتاتورك أي شيء في سبيل الإصلاح الحقيقي والذى كان المجتمع التركي كما كل العالم الإسلامي بحاجة حقيقية إليه.. فظل الريف التركي كما هو على تخلفه وفقره تحت سيطرة الأغوات، وبقي الأشراف في المدن كما هم يمارسون استغلالهم وتسلطهم.. حتى العلمانية المستوردة لم يقم أتاتورك بتطبيقها كما اخترعها الغرب. فالعلمانية الغربية كما ذكرنا كانت تعني الخلاص من ظروف الحروب الدينية والتي طالما اصطلت بها شعوب أوروبا.. وليست من الدين.. وتطورت فأصبحت تضمن حرية العقيدة والتعبير.. ولا تأخذ موقفاً مناوئاً للدين وشعائره كما فهمها وطبقها هو.. فقط أقام ديكتاتورية الحزب الواحد (حزب الشعب الجمهوري).. وأعطى صحوته مفهوماً (فاشستياً) أراد فيه للجماهير أن تكون كتلاً بلا ملامح، بلا معالم، بلا أفكار.. فألغى المحاكم الشرعية واستعاض عنها بالقانون المدني السويسري والقانون الجنائي الإيطالي والقانون التجاري الألماني، ومنع تعدد الزوجات.
    حين صدرت هذه القرارات قامت ثورة الشيخ سعيد النورسى في شرق الأناضول. ورغم وصفها بالكردية الانفصالية فإن أهم مطالبها كان المطالبة بعودة الخليفة (وحيد الدين) آخر سلاطين بني عثمان.. ونشطت أيضاً الجماعات النقشبندية، وظلت حركات الرفض والممانعة هذه مستمرة حتى عام 1936م، وحين اشتد الضغط عليها اتجهت إلى السرية خاصة بعد المحاكمات والإعدامات.

    الدين أحتم الحتميات
    ولأن القوانين الحتمية أقوى من فعل الأفراد كما يقول ابن خلدون والدين في حياة الأمم من أحتم الحتميات، فبعد نصف قرن من هذه التجربة النشاز بدا للنخبة التركية أنها كمن كان يطرق أنفه على باب مغلق طوال السنين السابقة، وأن الخلل لم يكن بين القبعة والطربوش، وأن القصة أبعد عمقاً من كل ما فعله أبو الأتراك.. الذى ترك لمن بعده وهماً تبدد وكثيراً من الجراح... فما إن جاء عام 1946م حتى أُلغي نظام الحزب الواحد وأُقرت التعددية وأصبح الدين حاضراً في كل البرامج الحزبية.. وحدث تحول في سلوك النظام تجاه الإسلام عندما أدرك حزب الشعب الجمهوري (حزب أتاتورك) حجم الفراغ الذي لم يستطع النظام أن يملأه في المجال الديني، فاقترح السماح بإجراء تعليم ديني، بشرط أن يكون تحت حكم وسيطرة الدولة. وفي 1947م قرر الموافقة على اقتراح بالسماح بتعليم الدين الإسلامي بالحروف اللاتينية بشكل خاص وخارج المدارس الرسمية، على أن يتم ذلك تحت إشراف وزارة التعليم.

    برنامج للمواد الديني
    وفي 1948م أُعلن برنامج المواد الدينية التي ستدرس للصفين الرابع والخامس الابتدائي. وفي 1949م أصبحت المادة الدينية تدرس في المدارس الابتدائية بموجب إذن كتابي من ولي الأمر؛ بشرط أن تدرس خارج أوقات الدراسة الرسمية وفي الفترة التي كانت فيها الحكومة الائتلافية مكونة من حزبي الشعب الجمهوري والسلامة الوطني، عام 1973م تم وضع المواد الدينية في جميع الصفوف تحت مسمى (دروس الأخلاق) على أن تكون بمعدل ساعة أسبوعية وبشكل إجباري. وكانت مدارس الأئمة والخطباء قد أغلقت تماماً بعد عام 1930بسبب عدم وجود طلاب!!!. ولكن مع التحول لحياة التعددية الحزبية وتخلي حزب الشعب الجمهوري مضطراً عن نظرته للإسلام باعتباره عامل إعاقة أمام التحديث المنشود.. ومع التوجه نحو الديمقراطية في الفترة التي حكم فيها الحزب الديمقراطي البلاد بعد هزيمته لحزب الشعب الجمهوري عادت هذه المدارس ثانية، وبدأ السياسيون يتزلفون إلى الناخبين من أجل الحصول على أصواتهم، وتوجهوا إلى جماهير كانت مهملة منذ أعوام طوال، وخشي حزب الشعب رافع راية العلمانية من أن تهرب منه الأصوات نحو الأحزاب الأخرى.. وبعد تردد طويل وافق على وضع التعليم الديني في نظام الدولة، خاصة بعد شعور الجميع آن الدولة بحاجة حقيقية إلى (رجل دين مثقف) وتوافرت لديهم قناعة بأن رجال الدين المثقفين سيقومون بأدوار مهمة في تحقيق التماسك الاجتماعي للوطن.

    الانقلاب العسكري الأول
    وبدأ الحزب الديمقراطى والحزب الجمهورى يتنافسان على أصوات الجماهير بقرارات الانفتاح الديني، وعندما فاز الحزب الديمقراطي بالأغلبية عام 1950م أصدر رئيس الوزراء عدنان مندريس قراراً برفع الحظر عن الأذان باللغة العربية وكان ذلك فى حد ذاته حدثاً هائلاً بكل المقاييس، وأول ثغرة تنفتح في جدار القهر الأتاتوركي.. وتم ترميم المساجد، وأصبح النشاط الإسلامي مسموحاً به، بعد أن كان محظوراً، غير أن هذه التوجهات السياسية ذات البعد الاجتماعي والسياسى الخطير لم تستطع النخب العلمانية الشرسة احتمالها واستخدمت عصاها الغليظة.. فقام الجيش بانقلابه الأول في27-5-1960م باعتباره الحامي لمبادئ أتاتورك العلمانية وحامي الجمهورية، وتم إعدام (عدنان مندريس) رئيس الوزراء في هذا الانقلاب وتولى قائد الانقلاب (جمال جورسيل) رئاسةَ الدولة والوزراء ووزارةَ الدفاع.
    وفي عام 1961م انشق حزب العدالة عن الحزب الديمقراطي، ووصل إلى الحكم عام 1965، وحدث تحول آخر مهم داخل حزب الشعب الجمهورى بتولي بولند أجاويد رئاسة الحزب، واعترف لأول مرة بأن الصراع لم يكن بين الطربوش والقبعة، بل بين الفقر والاستغلال، وأن كل الأحزاب استغلت الدين لإخفاء عجزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

    فترة الستينيات: تحولات خطيرة: كانت فترة الستينيات قد شهدت تحولات خطيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فتغير كثير من أنماط الحياة. وعلى المستوى السياسي انتشرت الأحزاب اليسارية في صفوف الطلاب والمثقفين وظهرت أيضاً في تلك الفترة توجهات سياسية (إسلامية) واضحة وصريحة فظهر البروفيسور نجم الدين أربكان الذي عيَّنه حزب العدالة رئيسًا لاتحاد مجالس الصناعة والتجارة التركية، وقد كان لتوه قادماً من ألمانيا حاملاً الدكتوراه في صناعة المحركات الميكانيكية، ثم كان الظهور القوي له في الحياة السياسية حين فاز كمرشح مستقل عن دائرة قونية، وكان فوزًا كبيرًا وساحقًا بما يتجاوز كونه فوزاً لنائب له جماهير...

    وفي عام 1970م أسس أربكان حزب النظام الوطني منفصلاً به عن حزب العدالة.. الذى كان بدوره منفصلاً عن الحزب الديمقراطى..

    تميز برنامجُ الحزب بالاتجاه شرقاً نحو (المحيط الحضاري والتاريخي) للأمة التركية، وبدأ في انتقاد حزب العدالة وحزب الشعب، وفي نفس الوقت كان ملتزماً بالنظام القانوني للبلاد.. ولم يحاول أبداً الخروج عليه. وفي العام التالي أقام الحزب مؤتمره السنوي الأول مبتدئًا الحفل بالنشيد الوطني (حلمي يقود خطاي)، واختير أربكان أمينًا له.

    كانت هذه الفترة تتسم بالقلق السياسي، وعانت البلاد من أزمات حادة لم تفلح الحكومات المتعاقبة في معالجتها، وهو ما دعا الجيش في 12 مارس 1971م إلى توجيه مذكرة إنذار لرئيس الوزراء وقتها (سليمان ديميريل) تدعوه فيها إلى إجراء إصلاحات سريعة من أجل القضاء على أسباب هذه الأزمات.. وإلا فإن الجيش سيمارس حقه الدستوري ويتولى مقاليد الحكم، وعُرف هذا الانقلاب في الحياة السياسية التركية ب(انقلاب المذكرة)، فاستقالت الحكومة وحظر حزب النظام الوطني وأغلقت مقراته ومكاتبه واضُّطر أربكان لمغادرة البلاد حتى تهدأ هذه العاصفة.

    أربكان.. ومرحلة التأسيس.. وأردوغان ومرحلة الانطلاق
    في عام 1972م أسس فريد ملان حزب السلامة الوطني على نفس نهج حزب النظام، وبقي أربكان في الظل بعد عودته إلى البلاد.. وخاض الحزب الانتخابات البرلمانية وحصل على (49) مقعدًا، ودخل في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري، وتضمن الاتفاق بينهما مبادئ مهمة، منها إطلاق الحريات العامة، وحرية الصحافة، والعفو عن السجناء السياسيين.

    وتولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء وأجاويد رئيساً، وكانت خطوة واسعة للأمام بالنسبة للحركة الإسلامية التي حصلت على مكاسب مهمة في حقيقة الأمر من هذا التحالف، مثل: فتح عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء، وكانت أهم إنجازات هذه الوزارة، إقناع قيادة الجيش التركي بإنزال قواتها في جزيرة قبرص وسط ترحيب شعبي كبير واحتلال أكثر من ثلثها لحماية المسلمين القبارصة "الأتراك"، وأصبحت الحركة الإسلامية المتمثلة في حزب السلامة الوطني رقماً مهماً في الحياة السياسية التركية.. وهو ما لم يكن مقبولاً من النخبة العلمانية التي زادت مخاوفها أكثر وأكثر، فافتُعلت أزمة سياسية واستقال أربكان ومؤيدوه من الوزارة.Img No.##141126##$$
    كان أربكان في موقفه الحازم من قضية الإنزال التركي في قبرص زعيماً شعبياً بامتياز... ذلك أن الشعب التركي يعتبر جزيرة قبرص جزءًا من أرضه، خاصة بعد أن قامت بريطانيا بتمكين اليونانيين منها حتى يصبحوا أكثرية، وهي الجزيرة التي لا تبعد سوى ستة كيلومترات عن الموانئ التركية، في حين تبعد عن اليونان أكثر من ستمائة كيلومتر.

    ائتلف حزب السلامة الوطني مع حزب العدالة في حكومتي 1975 1978م، وكان أربكان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، وتبنى الحزب في هذه الفترة قضايا ذات طابع اقتصادي بالأساس، وكان أربكان مسكوناً بتجربة النهوض العظيم في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فقام الحزب بحملة قومية لإنشاء صناعات كبرى خاصة في مجال الأسلحة الثقيلة، فافتتح في 1976م أكثر من مائة مؤسسة صناعية كبرى، وعمل على إصدار قانون يُلغي الفوائد الربوية على القروض الزراعية تيسيراً على الفلاحين، وتم إحلال زراعة الحبوب محل زراعة الدخان... وقام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية كبيرة.

    وفي عام (1980م) عقد الحزب مؤتمرًا شعبياً تحت شعار: "أنقذوا القدس"، ورُفعت فيه الأعلام الخضراء، وظهرت دعوات لإقامة دولة إسلامية في تركيا!!!! وبدا أن الحركة الإسلامية تتمرد على ذاتها وتستولد لها حجماً جديداً، ولم يكن الزمن مواتياً، ولا الريح موافقة بعد لمثل ذلك، فقام الجيش على الفور بانقلاب عسكري، وسيطر العسكريون على السلطة السياسية، وتم حل الأحزاب، ومن بينها بالطبع حزب السلامة، وتركزت السلطة في يد مجلس الأمن القومي، وقُيِّدت الحريات العامة، ولم يُسمح بدخول انتخابات عام 1983م إلا لثلاثة أحزاب هي: حزب الديمقراطية، ويتكون من جنرالات الجيش المتقاعدين، وحزب الشعب الجناح الأتاتوركي، وحزب الوطن الأم بقيادة "تورجوت أوزال"، وهو الذي فاز في تلك الانتخابات، وظلت الحياة السياسية في تركيا على ما بها من قلق وعدم استقرار. و"أوزال" مهندس كهربائي له خبرة لا بأس بها بالشؤون الاقتصادية والسياسية، وكان من قبل مرشح حزب السلامة الوطني عن ولاية "أزمير"، ويوصف بأنه سفير الغرب في تركيا، ورغم ذلك فإن الحركة الإسلامية في عهده سواء كان في رئاسة الوزراء أو في رئاسة الجمهورية تمتعت بحرية كبيرة، واحتلت مساحة أكبر في الشارع التركي، فقد كان الرجل يرى أن الإسلام المعتدل كإطار أيديولوجي مهم للحد من تطرف الأتاتوركية التي أضرت بالأمة التركية.. وأيضاً لمنع نمو الأفكارالمتطرفة خاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران... لذلك تَبَنَّى سياسات إسلامية معتدلة مقارنة بسابقيه، فدعم المدارس التي تُخرِّج الأئمة والخطباء لتصل نسبة خريجيها إلى 20% من خريجي المدارس المتوسطة، وسمح بالدعوة الإسلامية في الإذاعة والتلفزيون، وسمح للفتيات بارتداء الحجاب، بعد أن كان ممنوعاً، وسمح بقيام مؤسسات الأوقاف، كما سمحت السياسات الاقتصادية التي تبناها بوجود شركات ومشروعات إسلامية.
    تولى أوزال رئاسة الجمهورية في نوفمبر 1989م، وقبل توليه الرئاسة بيوم واحد نظمت طالبات جامعة "أنقرة" مظاهرة كبيرة اشترك فيها خمسة آلاف طالبة احتجاجًا على منع الحجاب في الجامعات التركية بقرار من المحكمة الدستورية العليا، وأحدثت هذه المظاهرة أثراً كبيراً في الشارع التركي، حيث رأى البعض أن الظهور المكثف للمحجبات هو من قبيل التخطيط السياسي، حيث يقدمون النساء في الواجهة مما يجعل تأثيرهن أقوى ومواجهتهن أقل، ورأى آخرون أن النساء رفعن رايات الانتماء للإسلام بارتداء الحجاب لتثبت الحركة الإسلامية في تركيا أنها موجودة في الوجدان الشعبي، وبذلك استطاعت الحركة الإسلامية أن تنقل معركتها مع العلمانيين إلى الشارع لتحريك المشاعر الإسلامية لدى المواطن التركي، ولا شك أن هذا الأداء من قبل الحركة كان يهدف إلى عدم حدوث انتكاسة للإسلاميين كالتي حدثت في بداية الثمانينيات... وكان أربكان قد أسس حزب الرفاه عام 1983 وكان برنامجه تحت عنوان: "النظام العادل"، مشيراً إلى النظام الإسلامي، وكان برنامج الحزب يهدف إلى إلغاء العلمانية الثورية أو "الشاملة" كما سماها لاحقاً العلامة الدكتور عبدالوهاب المسيري. وخاض به أربكان الانتخابات بعد ذلك. فاستطاع في الانتخابات المحلية عام 1989م أن يحصل على خمس بلديات، وفي عام 1992م كانت المفاجأة الكبيرة في الوسط السياسي التركي بفوزه الكبير في الانتخابات..
    كان اقتراب الحركة الإسلامية من السلطة في هذا الوقت اقتراباً حكيماً وئيداً، يستند إلى قاعدة اجتماعية قوية، وكان وجود الرئيس تورجوت أوزال في الحكم بأفكاره غير المتطرفة تجاه الإسلاميين عاملاً مهماً أسهم في تقوية موقفه، إلا أن أوزال توفي بأزمة قلبية مفاجئة في 17-4-1993م قبل أن يكمل فترة رئاسته وتولى الحكم بعده "سليمان ديميريل".Img No.##141128##$$
    ومع تنامي الشعورالإسلامي في تركيا وسيادة حزب الرفاه انتخابياً على عاصمتي تركيا: أنقرة وإسطنبول، توحدت أحزاب اليمين واليسار ضده لتستطيع مواجهته، وعلى العكس حقق الحزب فوزًا كبيراً في انتخابات 1994م، وهو ما أقلق الأحزاب المختلفة، فبدأ بعضها يخاطب الجماهير عن طريق فتح معاهد لتدريس القرآن الكريم، كان نجاح تجربة حزب الرفاه في الانتخابات البلدية وتأكيده العملي بأنه حزب نظيف وقريب من الهموم العادية للناس، وارتقاؤه بالخدمات في البلديات التي فاز فيها دون تفرقة بين الناس.. خطوة واسعة أخرى للأمام، وانتقل الحزب من شرعية المسجد إلى شرعية المجتمع بهدوء وقوة وثبات، فحقق شعبية كبيرة رغم ما واجهه من حملات لتشويه أدائه، والتقليل من أهميته، وتجلت هذه الجماهيرية للحزب في الانتخابات البرلمانية في 1995م، حيث حصل على (158) مقعدًا من (550) مقعداً، وحصل في الانتخابات البلدية الجزئية التي جرت في ذلك العام على 33% من الأصوات، وأعقب هذا الفوز الكاسح للرفاه، انهيار الحكومة الائتلافية بين حزبي "الطريق القويم" و"الوطن الأم". وتحالف الجميع ضد وصول حزب الرفاه للحكم، فعهد الرئيس ديميريل إلى تانسو تشيلر زعيمة "الطريق القويم" بتشكيل الوزارة ففشلت.. وقدَّم الرفاه ملفات تُدينها بالفساد، وحصل على موافقة من البرلمان على إجراء تحقيق حول ممتلكاتها الشخصية.
    أما "مسعود يلماظ" زعيم حزب "الوطن الأم" فلجأ إلى حيلة المحكمة الدستورية العليا، والتي استطاع الحصول منها على حكم بعدم دستورية اقتراع الثقة على حكومة أربكان، فأدى ذلك إلى فوضى سياسية، مع إصرار عنيد على عدم صعود أربكان لرئاسة الوزارة. لكن الحزب أدار هذه الأزمة بحكمة وخبرة عالية، فكان أن أعلنت تشيلر قبولها الائتلاف السياسي معه على أن يتولى أربكان رئاسة الوزارة وتكون الوزارات السياسية السيادية من نصيب حزب الطريق القويم، وفي يونيو 1996م، تشكلت وزارة ائتلافية برئاسة نجم الدين أربكان، ولأن الفشل في شيء أفضل من عدم خوض التجربة، فقد أصبح أربكان بذلك أول "إسلامي" يصعد إلى قمة السلطة السياسية في العصرالحديث في الشرق الأوسط عن طريق الانتخاب، رغم انه لم يكن هناك ثمة فشل.. فالتجربة على قصرها تعد ناجحة أو بروفة لنجاح آت عما قريب فقد استطاع الرجل في هذه الفترة التي تولى فيها الوزارة وهي عام واحد أن يخفض ديون تركيا من "38" مليار دولار إلى "15" مليار دولار، وقام بسياسات ناجحة في الداخل والخارج بعيدًا عن أي شبه تطرف.. إلا أن المؤسسة العسكرية رأت في نجاحاته الكبيرة خطرًا كبيرًا خاصة أنه اقترب من بعض القضايا الشائكة في تركيا وعلى رأسها القضية الكردية لحلها، وبدأت قيادة الجيش في توجيه انتقادات لاذعة لأربكان، فتأزمت الأوضاع السياسية، مما دفع أربكان إلى الدعوة لانتخابات مبكرة وقدم استقالته من رئاسة الحكومة.
    ودون ضجيج أو صخب، كان خيار الحركة الإسلامية الالتحام الأكثر بالشارع والطبقات المعدمة فيه، والسعيد من اعتبر بأمسه، ونظر لنفسه.. وأمس الانقلابات غير بعيد، واستطاعت الحركة الإسلامية في تركيا بذلك أن تقدم نموذجًا فريدًا في الاستجابة لضغوط الواقع السياسي والاجتماعي المفروض عليها والتكيف معه والاستفادة منه دون أن تتخلى عن أفكارها، ودون أن تلجأ إلى العنف.. فرسخت أقدامها أكثر وأكثر في الواقع التركي، واستطاعت أن تدرأ الضرر وتجلب المصلحة بحكمة واقتدار بالغين..
    لا غنى لأي مهتم بالحالة التركية من الإلمام الجيد بتركيبة "السلطة الفاعلة" في تركيا.. والتي تشكل المؤسسة العسكرية فيها اليد الضاربة.. لاعتبارات كثيرة أهمها بالطبع الاعتبارالتاريخي لقيام الجمهورية التركية.. يليها دوائر المال ودوائر الإعلام.. الإعلام بمختلف مكوناته ورجال الأعمال الحاضرون دوماً وأبداً في لعبة السياسة والحكم
    يذكر لنا التاريخ أن المؤسسة العسكرية كان لها دور بارز على الدوام في جميع الدول التي شكلها الأتراك في التاريخ، كالدولة السلجوقية، والدولة العثمانية، وكان لها دور كبير في جميع الانتصارات والتوسعات التي تمت وجعلت من الدولة العثمانية إمبراطورية كبيرة تمتد فوق ثلاث قارات، ولكنها بمرور الوقت وباشتراكها في السياسة وألاعيبها، تحولت إلى مشكلة كبيرة وسبب قوي من أسباب اضمحلال وسقوط الإمبراطورية العثمانية.
    في العهد الجمهوري مارست المؤسسة العسكرية دوراً سيئاً في الحياة السياسية.. تبدَّى ذلك في 3 انقلابات عسكرية كاملة: في 1960م، وفي 1972م، وفي 1980م، ونصف حركة انقلابية عام 1997م عندما ساعدت على إسقاط حكومة أربكان. والمؤسسة العسكرية في تركيا لها وضع شديد الخصوصية، ففي جميع الدول تكون رئاسة الأركان العامة للجيش تابعه لوزارة الدفاع، وتتم جميع التعيينات والترقيات والإحالة للتقاعد أو الفصل من الجيش من قبل هذه الوزارة، إلا أن المؤسسة العسكرية التركية التي يرأسها رئيس الأركان لا ترتبط بوزارة الدفاع، بل برئيس الوزراء، وذلك من الناحية الشكلية فقط، وواقع الحال أنها مؤسسة قائمة بذاتها تماماً، وتقوم باتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالجيش دون أن يكون لوزير الدفاع أو لرئيس الوزراء أي سلطة، والقادة الفاعلون هم أعضاء هيئة الأركان التي تضم قادة أقسام الجيش البرية والجوية والبحرية والشرطة العسكرية.. أما الهيئة التي يسيطرون على كل شيء من خلالها فهي لجنة "الأمن القومي".. لكن بمجيء حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم قلص قوة هذه المؤسسة، ومازال في طريقه لتقليص نفوذها تماماً "وقد فصلنا في هذا الأمر في مقالات سابقة".
    الجهاز الإعلامي: الجهاز الإعلامي له تأثير قوي، ويغلب على القائمين عليه طابع المخاصمة للدين، وتوجد في تركيا العديد من المؤسسات الإعلامية، ومحطات الإذاعة والتلفزيون، ومعظمها تؤيد العلمانية الشاملة، وتهاجم الإسلاميين بضراوة، وتعمل على إظهارهم بالمظهر الرجعي المنعزل، الكاره للعلم، والحضارة، وكالعادة يعمل الإعلام على إلهاء الجماهير بأخبار الكرة، والمغنيين، والأزياء، والمسلسلات، وكل ما من شأنه تسطيح وعي الناس... وسيتمكن رجب أردوغان فيما بعد من نزع إحدى هذه المؤسسات المهمة من صاحبها وتحويلها إلى ملكية الحكومة بعد كشف التلاعب المالي لصاحبها، وسيتفق مع صاحب أكبر مؤسسة إعلامية والتي تتبع لها "السي إن إن" التركية على ألا تهاجمه ووزارته، وأن تفسح المجال لرجاله بالظهور فيها والكتابة في صحفها..

    القوى السياسية
    وعلى الجانب الآخر، هناك الأحزاب السياسية والتي تطورت تطوراً كبيراً على مدار ثمانية عقود، هذه الأحزاب تنتمي بدرجة أو بأخرى للتيار اليساري والتيار اليميني والتيار الإسلامي.
    وهذه الأحزاب هي
    حزب الشعب الجمهوري: الذي أسسه "مصطفى كمال" عام 1923م، وهو أول حزب سياسي بعد إعلان الجمهورية، ويقوده اليوم "دنيز بيكال" 70 عاماً، ويقود المعارضة السياسية في مواجهة حزب العدالة.
    2 حزب الطريق القويم: أسسه الزعيم السياسي "سليمان ديميريل"، وهو حزب يميني محافظ، يعتبر نفسه امتداداً للحزب الديمقراطي الذي أسسه "عدنان مندريس" ويقوده اليوم "محمد أغار" الذي انتُخب نائباً لأكثر من مرة، ومعروف عنه تشدده في المسائل القومية. تسلم قيادة الحزب من "تانسو تشيللر"، ويُمثله اليوم في البرلمان نائبان فقط.. أقام ائتلافاً مع حزب الوطن الأم لقطع الطريق على حزب العدالة.
    3 حزب الحركة القومية: حزب يميني قومي متشدد أقام عام 1991م ائتلافاً انتخابياً مع حزب الرفاه، واستطاع دخول المجلس النيابي، إلا أنه فشل عام 1995 في تجاوز عقبة 10% من مجموع الأصوات، لكنه في عام 1999 نجح بنسبة 18% ودخل البرلمان بنسبة كبيرة لأول مرة في تاريخ تركيا السياسي.
    4 حزب السعادة: وهو امتداد لسلسلة الأحزاب التي أسسها نجم الدين أربكان على امتداد تاريخه السياسي والذي فصلنا فيه سابقاً.

    5 حزب الوطن الأم: أسسه الرئيس التركي السابق "تورجوت أوزال" عام 1980م وخلفه في قيادته "مسعود يلماظ" الذي أضعف الحزب، وتعثر في دخول المجلس قبل 4 أعوام. يقوده اليوم "أركان مومجو" الحقوقي 44 عاماً، وهو من المقربين إلى أوزال. المدهش أنه دخل الانتخابات عام 2002م من خلال العدالة والتنمية، وفاز في الانتخابات ليتسلم حقيبة التربية والسياحة، ثم استقال من العدالة وعاد إلى الوطن الأم، وهو الآن من المعارضين الأشداء للعدالة.

    6 حزب اليسار الديمقراطي: هو امتداد لحزب الشعب الجمهوري، أسسه مجموعة من السياسيين اليساريين تحت فكرة يسار الوسط وعلى رأسهم "أجاويد" المولود في إسطنبول عام 1925م، وانضم لحزب الشعب الجمهوري، حيث تدرج فيه إلى أعلى المناصب القيادية، وكان الساعد الأيمن لعصمت إينونو التلميذ النجيب لأتاتورك، دخل البرلمان مبكراً، وانتُخب أكثر من مرة، واختير رئيساً لمجلس الوزراء، وخلال وجوده في السجن ومنعه من ممارسة العمل السياسي أدارت زوجته شؤون الحزب. تسلم "أجاويد" الدفة في الحزب حتى وفاته مؤخراً. كان أكبر فوز حققه عام 1999 بحصوله على 22% من مجموع الأصوات. حزب اليسار الديمقراطى علماني متطرف، وظهر ذلك عندما وقف في وجه "مروة قواكجي" النائبة التي حاولت قسم اليمين البرلمانى وهي محجبة فمنعت من ذلك.

    7 حزب العدالة والتنمية الذي يحكم الآن، وخرج منه رئيس الجمهورية عبدالله جول، وقد تناولت المجتمع تاريخه بالتفصيل في أعداد سابقة.

    التعامل مع الواقع العلماني
    استطاعت الحركة الإسلامية التعامل مع واقع النظام العلماني في تركيا وفق منطق "على العاقل أن يقتصد في الرغبات الحكيمة"، بدقة ووعي، فاستطاعت التقدم وانتزاع شرعية جماهيرية ضاربة.. وهو النموذج الذي يقدمه الآن حزب العدالة ببراعة....

    حزب العدالة يمتلك الآن قيادة شابة جديدة، أدت أدواراً سياسية بامتياز، وهذه القيادة الجديدة تعتقد اعتقاداً واضحاً أن القيم الإسلامية لها دور مهم تلعبه في الحياة السياسة التركية، بل وفي المجتمع التركي بأكمله، حتى لو لم يتم السماح بتطبيق الشريعة الإسلامية، فقيمة العدل، وقيمة الحرية، وقيمة الغنى والكفاية.. كلها قيم إسلامية فى الصميم، وإن لم تتحرك بها في المجتمع بشعارات إسلامية.. وأتصور أنه كلما عاش الإسلاميون حساسية الحركة باتجاه خط "الإنسان الكريم".. كلما كانوا أكثر اقتراباً وتماساً مع فكرة "الدولة الإسلامية" ومع فكرة "المجتمع المسلم".. ولفوتوا الفرصة على الموتورين الكارهين لفكرة "الإيمان بالله الخالق المهيمن الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله"، ولكنهم كما كان يقول العقاد لا يجرؤون على التصريح بذلك.. فيهاجموا الإسلاميين فإذا ما قام الإسلاميون داعين إلى "دولة الإنسان الكريم" بكل ما تعنيه الكرامة من عدل، وحرية، وغنى، ومعرفة.. فقد أدوا ما عليهم كأصحاب دعوة ورسالة، دون المرور بطريق الألغام والفخاخ

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أربكان وأردوغان..تناقض أم تكتيك؟

    مُساهمة  Admin في الإثنين 9 مايو 2011 - 18:20

    الإسلاميون الأتراك .. الانقسام على المشروع
    بقلم - حسام تمام (صحفي وباحث مصري)
    أربكان (يمينا) وأردوغان
    حين وقع الخلاف داخل الحركة الإسلامية التركية وانقسم حزبها (الفضيلة وارث حزب الرفاه الذي تم حله) إلى حزبين منفصلين هما "السعادة" و"العدالة والتنمية"، اختلط الأمر على كثير من المراقبين، بل وأبناء الحركة الإسلامية خارج تركيا نفسها، الذين حسب غالبيتهم أن ما جرى هو مجرد خلاف في وجهات النظر في التعامل مع النظام العلماني، أو ربما تنزيل لمشروع الحركة الإسلامية في أكثر من كيان تنظيمي، بل ذهب كثيرون من أبناء الحركة أو تمنوا أنه ربما كان تكتيكا متفقا عليه بين قيادات الحركة للهروب من العلمانيين والعسكر الذين كانوا قد قاموا بانقلاب على زعيم الحركة الإسلامية نجم الدين أربكان أسقطه من رئاسة الوزراء، وحل حزبه، ومنعه من ممارسة السياسة.
    أيهما يمثل الحركة الإسلامية؟
    لم يكن الالتباس حالة الجماهير وحدها، بل تعداها إلى قيادات الحركة الإسلامية في العالم الذين لم يستطع معظمهم اتخاذ قرار حاسم في تحديد أي الحزبين والمجموعتين يمثل الحركة الإسلامية أو الأقرب إليها، وكان الحسم صعبا؛ فحزب السعادة يحظى برعاية ودعم نجم الدين أربكان الأب الروحي للحركة الإسلامية التركية، فيما يضم العدالة والتنمية أبرز رموز جيل الشباب الذين قادوا الحركة حينا من الدهر، وفي مقدمتهم رجب طيب أردوغان وعبد الله جول، وزاد من صعوبة الأمر أن التلامذة نجحوا في الوصول إلى السلطة بعدما أحرزوا انتصارا تاريخيا غير مسبوق، وشكلوا الحكومة منفردين ودون أية منافسة حقيقية. فصارت لهم شرعية إنجاز لا تقل أهمية عن شرعية التاريخ التي لجماعة أربكان.
    لم أكن ممن تفاءلوا بأن الموضوع برمته نوع من المراوغة التي يجيدها الإسلاميون الأتراك، ولكن أعترف أنني وقعت في خطأ التهوين من قدر الانقسام الذي حدث، فظننت أنه ربما نتيجة لخلافات تنظيمية سببها الاختلاف بين طبائع الشباب والشيوخ، أو تباين وجهات النظر في منهجية التعاطي مع حصار العلمانيين للحركة، أو حتى الاحتجاج على أسلوب القيادة الأبوية المهيمنة للزعيم أربكان صاحب الكاريزما الاستثنائية. وكنت أحسب أنه خلاف يسعه المشروع الواحد، وأن الإخوة الأتراك قرروا ألا يدخلوا السياسة من باب واحد وإنما من أبواب متعددة، لكن اقترابا أكثر وزيارات متعددة ولقاءات مباشرة مع الأطراف المختلفة أكدت بما لا يدع للشك مجالا أن الذي جرى فراق من غير رجعة، وأن الخلاف في أصل المشروع.
    بدايات الحركة
    للوقوف على أصل الخلاف يجب العودة إلى المشروع الأساس للحركة الإسلامية التركية الذي وضعه المهندس نجم الدين أربكان، زعيم حركة الإسلام السياسي في تركيا (مواليد أكتوبر 1926)، ومؤسس أهم حركاتها: حركة الرأي الوطني (مللي جورش) عام 1969. وهو المشروع الذي يسميه أربكان "النظام العادل".
    لم يكن نجم الدين أربكان مجرد زعيم إسلامي يبحث عن تطبيق حرفي لنصوص الشريعة وقواعد الأخلاق، فهو يمكن أن ينظر إليه – بحق – كحبة في عقد أوشك أن ينقرض من زعامات حركة الاستقلال الوطني في بلدانهم، وإن كانت خلفيته الإسلامية أوضح من أن تخفى في معقل العلمانية الكمالية ذات الحساسية المفرطة لأي شكل من أشكال الإسلامية.
    كان أربكان – وهو في طريقه يلتقي مع الماليزي مهاتير محمد – صاحب مشروع كبير يطمح لبناء دولة تتجاوز في الدور والمشروع حدودها، وتلتقي مع مجالها الجيوستراتيجي الحقيقي حيث ملتقى البحرين، بحر التاريخ والجغرافيا، وبحور أخرى ترفد من حاجز أوربي يقيم سدا عنيدا أمام الأتراك دون غيرهم، ولا يعدم في ذلك الذرائع. وأحيانا من إستراتيجية عالمية تعمل على أن تظل المنطقة في مرمى النيران الإستراتيجية للقوى العالمية المهيمنة فلا يأتي اليوم الذي تخرج فيه من فلكها.
    الصناعة نقطة الانطلاق
    كان مشروع أربكان يعتمد أساسا فكرة بناء قاعدة صناعية ضخمة، تجعل تركيا دولة صناعية كبرى تقف على قدم المساواة مع الكبار وتعلو بها، وألا تلعب دور الاقتصاد الخادم الذي يقتات فقط من المنح والعطايا أو البقشيش - التيبس - الذي تحصله من صناعة السياحة والخدمات وهي صناعات هشة ومتقلبة! كان بهذا التصور يسعى لفك هيمنة الرأسمالية العالمية على بلاده، في الوقت الذي بلور مشروعا سياسيا مكملا يقوم على أن توجه تركيا الذي ينبغي أن تسير فيه لتصبح دولة عظمي مستقلة يجب أن يكون ناحية الشرق وليس الغرب الذي تعلق عليه النخبة التركية الآمال.
    بداية المشروع الأربكاني كانت مع شرخ شبابه، فأربكان الحاصل على الدكتوراه من جامعة أخن الألمانية في هندسة المحركات عام 1956م عمل أثناء دراسته في ألمانيا رئيسا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز - هومبولدت - دويتز" بمدينة كولونيا. وقد توصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود، وحين عاد إلى بلاده كان أول ما عمله ولم يزل في عامه الثلاثين تأسيس مصنع "المحرك الفضي" هو ونحو ثلاثمائة من زملائه، وقد تخصص هذا المصنع في تصنيع محركات الديزل، وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1960م، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا.
    لقد كان لدى أربكان وعي مبكر بأهمية بناء اقتصاد وطني قوي ومستقل، واهتم مبكرا بالأنشطة التجارية والاقتصادية حتى نظر إليه في عقد الستينيات وقبل أن يدخل حلبة السياسة باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد التركي، وقد كان من أوائل من تبنوا مبدأ ضرورة تواجد الإسلاميين في النشاط الاقتصادي حتى لا يقتصر على العلمانيين والماسون، فلم ينته عقد الستينيات حتى تكونت كتلة قوية من رجال الأعمال المسلمين، تنافس بقوة في المجال الاقتصادي الذي كان يهيمن عليه رجال الأعمال الماسون والعلمانيين.
    نهوض ثم انهيار
    شهدت حقبة السبعينيات دورا ملموسا من مهندس المحركات أربكان لتشجيع الصناعة الوطنية حين كان وزيرا ونائبا لرئيس الحكومة بولنت أجاويد، واستكمله بعدد من المشروعات أسسها أو احتضن أصحابها مثلما فعل مع مجموعة الشباب الذين أسسوا اتحاد رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (موصياد) عام 1990م كاتحاد مقابل للتجمع العلماني الممثل في جمعية رجال الأعمال (توصياد).
    وحين تولى رئاسة الوزراء بعد فوز حزبه "الرفاه" في الانتخابات البرلمانية عام 1996م، اعتبرها نجم الدين أربكان الفرصة السانحة لقطع المسافة الأكبر في تحقيق مشروعه، خاصة في جانبه السياسي، من خلال الإسراع في وتيرة التوجه شرقا على كل المستويات وتبنيه لفكرة تأسيس مجموعة الثمانية الإسلامية الكبار، التي تضم أكبر ثمان دول إسلامية يراها بداية تحالف اقتصادي إسلامي عملاق يمكن أن يغير الوضع العالمي، ويخرج بالعالم الإسلامي من أسر الهيمنة العالمية.
    لكن ما حدث أن مشروع أربكان كان رغم أهميته قفزة تفوق كثيرا طاقته بل وطاقة بلاده السياسية، كما كان من الخطر بما لم يكن لتسكت عليه دوائر النفوذ والهيمنة العالمية، فحدث الانقلاب العسكري الصامت، وأسقطت وزارة نجم الدين أربكان في يونيو 1997م، ثم صدر قرار المحكمة الدستورية في نوفمبر من العام نفسه بحل حزبه "الرفاه"، ومنعه من العمل السياسي.
    لا للتبعية الغربية
    في زيارة أخيرة لتركيا التقيت نجم الدين أربكان ضمن تجمع من المثقفين والمهتمين بالتجربة التركية، ودار بيننا نقاش طويل أتبعته بمقابلة خاصة شرح فيها الرجل رؤيته لمشروع "النظام العادل" الذي يبشر به.
    يميز نجم الدين أربكان بين ما يسميه بالنظرة الإسلامية وبين النظرة الغربية للعالم، ويري أن هناك فروقا كبيرة تجعلهما نقيضين لا يلتقيان، ويعتقد أن أهم ما يجب على تركيا فعله هو ترك التبعية للغرب والعودة مجددا للعالم الإسلامي الذي يمكن أن تتولى قيادته فيما ستبقى تابعة وذليلة إذا ما أصرت على أن تبقى متوجهة للغرب.
    لدى أربكان موقف عدائي للصهيونية العالمية التي يراها مسئولة عن كل مصائب العالم وكوارثه، وتقترب رؤيته لليهود مما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون، إذا يرى أن الصهاينة وأعوانهم مسئولون عن إفساد العالم عبر ثلاث وسائل: الحروب (ويرى أن 11 سبتمبر عمل صهيوني لخدمة إسرائيل)، والأفكار المرذولة (مثل أفلام هوليود)، والأنظمة السياسية والاقتصادية الدولية التي تسيطر عليها (مثل: الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدولي).
    ويؤمن أربكان بأن هناك تحالفا وثيقا بين الصهيونية والرأسمالية العالمية الفاسدة أدى إلى حصار عالمي على المسلمين، بحيث يتم التحكم في كل تعاملات العالم الإسلامي لتصب - في النهاية - في مصلحة إسرائيل.
    اتحاد الثمانية الكبار
    ويرى أربكان أنه ليس بإمكان تركيا أن تقيم منفردة تجربة نهضة، بل لابد من أن تكون ضمن مشروع عالمي شامل يعتمد على الإسلام، ولابد أن يؤثر في شكل العالم ليصبح أكثر عدلا، ويدعو الرجل إلى ما يسميه مؤتمر "يالتا الثاني" الذي يجب أن يؤسس لعالم جديد يتجاوز الظلم الذي تسبب فيه تحالف الصهيونية مع الرأسمالية.
    يبدأ مشروع النظام العادل الذي تبناه أربكان بتأسيس اتحاد بين الدول الثمانية الإسلامية الكبار (تركيا – مصر – إيران - نيجيريا – باكستان – أندونيسيا – بنجلاديش - ماليزيا)، وهو ما وضع بذرته حين تولى رئاسة الوزراء بتأسيس قمة الثمانية الكبار، على أن يتحول هذا ليكون نواة لتجمع الستين دولة الإسلامية في منظمة واحدة تضمها، يمكن أن تسمى بمنظمة الأمم المتحدة للدول الإسلامية.
    وامتدادا لذلك، فمن المفترض أن يتبنى المشروع تأسيس منظمة للتعاون الدفاعي المشترك بين الدول الإسلامية على غرار حلف الأطلسي (الناتو)، ومنظمة لسوق إسلامية مشتركة على غرار الاتحاد الأوربي، والاتفاق على وحدة نقد مشتركة (الدينار الإسلامي) بدلا من التعامل بالدولار، وتأسيس منظمة للتعاون الثقافي للدول الإسلامية على غرار اليونيسكو.
    على طريق غاندي
    بالرغم من اليوتوبيا التي يقوم عليها مشروعه فإن أربكان ليس هو الثائر الحالم الذي يجري وراء عواطفه من دون حساب، كما أنه ليس الانفعالي الذي قد يضطر إلى العنف، فالرجل طوال عمره لم يلجئه التضييق والاضطهاد إلى العنف أو الخروج على النظام. وقد يصح النظر إلى أربكان كصاحب مشروع انقلابي ولكن على الهيمنة الغربية الرأسمالية على العالم.
    حين استفسرت عما إذا كان انقلابيا جديدا، أوضح أربكان أن مقاومته سلمية مثل غاندي، وهي تقوم على مقاطعة النظام الاقتصادي الظالم الذي تتحكم فيه الرأسمالية الغربية المتوحشة، وهو متأثر جدا بنموذج غاندي الذي انتصر على بريطانيا بماعز واحدة؛ شرب لبنها ولبس صوفها مدة ستة أشهر، إذ كان هذا دلالة على قدرته على الاستغناء عن الغرب، وفي النهاية اضطرت بريطانيا إلى القبول بمطالبه. إنه مشروع للتخلص من أسر الاستهلاكية الغربية لإنجاز تحرر حقيقي. ويرى أن العنف لا يجدي، وأن الرصاص الحقيقي الذي يؤثر في الغرب هو التحرر من قبضته وإقامة "النظام العادل".
    سعى أربكان لتطبيق هذا المشروع في كل مراحل حياته، ولما وصل إلى السلطة كان لابد أن يخرج منها إذ لم تكن تحتمله المعادلة السياسية ليس فقط في تركيا بل - وهذه هو الأهم - في العالم الذي تتحكم به توازنات دولية لم تكن لتسمح لأربكان ونظامه العادل بالاستمرار، فأسقطت حكومة أربكان، وحل حزبه، ومنع من العمل السياسي، ثم بدأت الحكومات التالية عليه في إلغاء كل ما قام به طوال فترة وزارته، وخاصة مجموعة الثمانية الإسلامية التي تواطئ الجميع على تجميدها ثم إفراغها من مضمونها.
    جذور الانقسام
    مع انقلاب العسكر في نوفمبر 1997 بدأ الخلاف ومن ثم الانقسام داخل الحركة الإسلامية التركية (مللي جورش)، حيث ثار التساؤل: هل نبقى على مشروع النظام العادل أو الأربكانية الذي تسبب في الانقلاب؟ أم نبدأ تفاهما مع القوى الكبرى الأمريكية والغربية التي بيدها كل أوراق اللعبة بالمفهوم الساداتي؟ (هل هناك وجه شبه بين التجربة الأربكانية والتجربة الناصرية؟!).
    لقد دخلت الحركة طريقا طويلا للمراجعات تمايز فيه تياران: الأول يمثله المقربون من أربكان والقادة التاريخيين للحركة، والثاني يمثله الجيل الأصغر سنا والأكثر برجماتية، والذي واجهه أربكان بشدة ظهرت بانحيازه السافر لرجله المقرب رجائي قوطان ضد عبد الله جول في المنافسة على رئاسة حزب الفضيلة (فاز قوطان بصعوبة وبدعم من أربكان). استمر الخلاف أربع سنوات تقريبا، وحين جرى حل حزبها الجديد الرابع (الفضيلة)، خرج الخلاف إلى العلن وانفصل التيار الثاني (الشباب البرجماتيين)، وأسسوا حزبا مستقلا (العدالة والتنمية)، فيما أسس القادة التاريخيون حزب (السعادة) الوارث الحقيقي للمشروع الأربكاني، مشروع النظام العادل.
    "العدالة والتنمية" .. نسخة مناقضة
    لن نتوقف طويلا عند ملابسات تأسيس حزب العدالة والتنمية وما أحاط به من اتهامات قاسية من قبل القادة التاريخيين للحركة الإسلامية، والتي وصلت إلى حد الاتهام بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، والادعاء بأن الورقة التأسيسية للحزب قدمت للسفارات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية قبل أن تقدم للدولة التركية، مثل هذه الاتهامات تبدو على قسوتها متوقعة في الحركات الأيديولوجية التي كثيرا ما تعمد إلى تخوين مخالفيها والخارجين عليها.
    لكننا سنتوقف عند معالم المشروع الذي يطرحه حزب "العدالة والتنمية"، والذي سيظهر- عند التحقيق - على النقيض تماما من مشروع الحركة الإسلامية الأم في نسختها الأربكانية.
    مباشرة وقبل أن يحصل الحزب على وضعه القانوني أكد قادة "العدالة والتنمية" أنهم خلعوا عباءة الحركة الإسلامية (مللي جورش)، وأن حزبهم هو حزب يميني محافظ لا صلة له من قريب أو من بعيد بـ "الإسلامية"، ولم يتوقف الأمر عند التصريحات التي يمكن أن تكون موضوعا للشك أو المرواغة فقد اتبع الحزب سياسة مخالفة تماما ليس لما كانت عليه الحركة بل ولأي حزب يمكن أن يكون له من "الإسلامية" نصيب.
    تنازلات بلا حدود
    في المجال الديني الذي كان دائما نقطة الضعف قدّم "العدالة والتنمية" تنازلات مؤثرة هربا من تهمة "الإسلامية" التي تلاحقه، فأبقى على الحظر المفروض على طلاب مدارس الأئمة والخطباء من دخول الكليات العلمية والنظرية، وأبقى على الحظر المفروض على دخول المحجبات في الجامعات، وكان أقصى ما فعله رئيس الحزب رجب طيب أردوغان أن أرسل بابنتيه للدراسة في أمريكا، بل إن الحزب أرسل في تقريره للمفوضية الأوربية لحقوق الإنسان نفيا قاطعا لأن تكون قضية الحجاب موضوعا لانتهاك حقوق الإنسان، وصرح نائب رئيس الوزراء بأنها لا تمثل مشكلة إلا عند 1.5% من الشعب التركي!.
    ووافقت حكومة العدالة والتنمية على مطالب الاتحاد الأوربي بإسقاط العقوبات القانونية في حق الزنا، حيث كان فعلا مجرما بنص القانون التركي، أكثر من هذا فقد صدرت ترجمات للقرآن الكريم أسقطت فيها الآيات التي تتحدث عن الجهاد أو اليهود والنصارى. إن مسلسل التنازلات يلخصه ما قاله عبد الله جول - الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية -: "لقد انهارت حضارتنا الإسلامية، ولابد من تغيير قيمنا تبعا للواقع الجديد"!.
    أما في الملف الاقتصادي الذي قال الحزب أنه سيكون محور تركيزه بعيدا عن الجدل الديني، سنلاحظ أن الحزب تبنى سياسة اقتصادية تقوم على الإدماج التام لتركيا في الاقتصاد العالمي، وربطها بقوى الرأسمالية الغربية الكبرى دون أية مساحة للاستقلال أو حتى المناورة، ربما نجح الحزب في رفع معدل النمو الاقتصادي وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية (الليرة) التي كانت في انهيار مستمر، وربما أعاد للاقتصاد التركي بعضا من الاحترام الذي أهدرته الحكومات السابقة، فأفقدت العالم الثقة فيه، لكن الثمن كان غاليا.
    في أحضان الاقتصاد الغربي
    لقد ربطت حكومة "العدالة والتنمية" تركيا وإلى غير رجعة بمراكز الهيمنة الغربية التي أنعشت الاقتصاد التركي، ولكن جعلته هشا خاضعا بالكلية لدوائر النفوذ والمال في الغرب، تشير المؤشرات إلى أن 65 مليار دولار من حجم تعاملات البورصة لمستثمرين غربيين، وكلها أوراق مالية لا صلة لها بالاستثمار الحقيقي، وهو ما يهدد الاقتصاد التركي بتكرار تجربة جنوب شرق آسيا أو انهيار النمور الآسيوية في حال رغبة بعض كبار المستثمرين في فعل ذلك.
    كما أن 70% من ودائع البنوك التركية هي ودائع غربية، تدفع عليها البنوك التركية فوائد هي الأكبر من نوعها في أوربا (تصل 15 %)، ولن نتوقف طويلا عند قضية الفوائد من الناحية الشرعية بعدما أكد طيب أردوغان أنه لا مفر من الفوائد لبناء الاقتصاد، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حجم ديون البلاد من 221 مليارا قبل خمس سنوات إلى 383 مليارا.
    ورغم ارتفاع معدلات النمو في الاقتصاد التركي في فترة حكم العدالة والتنمية والتي انعكست على شعور المواطن التركي معها بالاستقرار، إلا أنها لم تعكس تحسنا في وضع هذا المواطن بقدر ما ذهبت ضحية سوء توزيع الدخل؛ بسبب هيمنة رجال الأعمال الذين امتصوا هذا النمو، وهو ما يمكن أن نفهمه من الإحصاءات الأخيرة التي نشرتها مجلة فوربس عن أغنى أغنياء العالم، حيث ارتفع عدد المليارديرات الأتراك في السنوات الخمس الأخيرة إلى 24 مليارديرا بدلا من 6 فقط قبل حكم العدالة والتنمية.
    الاتجاه بالسياسة غربا
    أما في السياسة، فقد تراجع رجب طيب أردوغان عن خط التوجه شرقا (جوهر مشروع أربكان)، بدعوى أنه يسبب الاستقطاب الدولي، فجمّد مشروع الثمانية الإسلاميين الكبار، وأدخل تركيا في أوثق تحالف لها مع الولايات المتحدة بهدف دعمه في مشروعه البديل (اللحاق بقطار الاتحاد الأوربي).
    لقد قبل أردوغان مشروع الشرق الأوسط الكبير بكل تفاصيله، بل أعلن دعمه الكامل له وسعيه لتنفيذه، حتى صار يعرف بعرّاب مشروع الشرق الأوسط الكبير، وتحرك في المنطقة لدعم المشروع، بحيث صار أحد أهم الوسطاء لترويج السياسة الأمريكية في المنطقة. لقد تبرعت حكومة العدالة والتنمية بعرض توصيل مياه نهري دجلة والفرات إلى إسرائيل وليس دول الجوار فقط (سوريا والعراق وإيران)، كما سمح بفتح موانئ تركيا وشواطئها لقبرص الجنوبية نزولا على إرادة الاتحاد الأوربي.
    حتى والبرلمان التركي يعلن رفضه عبور الطائرات الأمريكية الأجواء التركية لضرب العراق عام 2003م، كانت حكومة حزب العدالة والتنمية صاحبة الأغلبية فيه تسمح فعليا للقوات الأمريكية بضرب العراق سواء من قاعدة أنجرليك أو ميناء الإسكندرونة.
    استسلام للمعادلة الدولية
    حين تناقشت مع بعض الصحفيين والباحثين الأتراك - ومنهم أعضاء في حزب العدالة والتنمية أو مؤيدون له - في هذا التحول في المشروع وسردت عليهم هذه الوقائع والأرقام، لم يتقبلها البعض ولكن اتفق الجميع على أنه لا يصح قراءتها بل وقراءة التجربة كلها إلا في ضوء تعقيدات الوضع التركي والعالمي.
    فليس بإمكان حكومة العدالة والتنمية الدخول في صدام قانوني ودستوري مع القوى العلمانية من أجل قضايا المحجبات أو طلاب مدارس الأئمة والخطباء، ومن الأفضل إنجاز تعديلات عامة في قضايا الحريات يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مناخ مناسب مستقبلا لطرح القضايا المتعلقة بالحريات الدينية.
    ثم إن بلدا مثل تركيا ليس باستطاعته تبني سياسة الاستقلال عن النظام الاقتصادي العالمي، سواء فيما يتصل بالعلاقة مع المراكز والمؤسسات الاقتصادية العالمية كصندوق النقد الدولي أو الشركات العالمية، أو فيما يتصل بأسس التعاون الاقتصادي العالمي، كما أن الحكومة تبنت بالفعل سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم العربي وآسيا وأفريقيا، ولكن من دون أن تربط هذا الانفتاح بخطاب سياسي أو بشعارات دينية أو قومية، بل بالمصلحة الاقتصادية البحتة.
    كما أن المعادلة الدولية الحالية تجعل من المستحيل على تركيا أو غيرها تبني سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة، فضلا عن أن تكون معارضة لها أو ساعية لعمل تحالفات ضدها، وحتى الدول التي تبنى أربكان التعاون معها (الثمانية الإسلامية الكبار) هي دول غير مستقلة في إرادتها السياسية، وتكاد تكون خاضعة تماما للولايات المتحدة. والأفضل فهم التحركات الدبلوماسية التي تقوم بها حكومة العدالة والتنمية باعتبارها تهدف إلى إعادة هيبة تركيا وثقلها في المعادلة الإقليمية والدولية حتى لو بدت لاعبا محسوبا على الإدارة الأمريكية، وأنها مع التزامها التحالف الأمريكي إلا أنها تسعى لتحسين شروط هذا التحالف بما يحقق المصلحة الوطنية التركية.
    هذه صورة للمشهد الإسلامي التركي عن قرب، قد يبدو فيها كثير من الغموض لكن الشيء المؤكد فيها أننا بإزاء رؤيتين مختلفتين، بل وربما متناقضتين أيا ما كانت المبررات أو السياقات التي تحكم تجربة كل فريق، فالخلاف بين الأربكانية والأردوغانية يتجاوز التعددية في المشروع الواحد إلى الانقسام من دون رجعة.
    (إسلام أون لاين)

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    معركة أردوغان الانتخابية

    مُساهمة  Admin في الإثنين 9 مايو 2011 - 18:23

    حوار أجرته (إسلام أون لاين) مع المحلل السياسي التركي (إبراهيم قباب)* تحت عنوان:
    معركة أردوغان الانتخابية
    18/07/2007
    السلام عليكم أستاذ إبراهيم.. أهلا بكم علي اسلام أون لاين.
    أود أن أعرف منكم النتائج المتوقعة لحزب العدالة والتنمية في الاستحقاق الانتخابي القادم وشكرا جزيلا لكم.
    بالنسبة لتوقعاتي هناك ثلاث أحزاب متنافسة في الانتخابات التي ستجري الأحد المقبل، لكن هناك حزبين فيهم أقوى حظا في النجاح فيها بدرجة كبيرة هما: حزب العدالة والتنمية، الذي يحظى بعدد أكبر من تأييد المنتخين قد تصل نسبتهم إلي أكثر من 40% .
    ويليه الحزب الجمهوري الشعبي المعارض، وتوقعاتي وتوقعات أغلبية المحللين والكتاب والصحفيين بنسبة بنجاح هذا الحزب في الحصول علي تأييد 20 % او 25% .
    وهناك حزب ثالث حسب التوقعات ربما من 10 إلي 15% نسبة النجاح ولكن بعض المحللين بمن فيهم أنا أري أن الحزب الثالث وهو الحزب القومي، الذي قد لا يجتاز حاجز 10% ، التي اذا لم يحصل أصواته ستتوزع على باقي الأحزاب التي دخلت المجلس، وفق الدستور التركي.
    الإجابة
    لماذا يعمل الجيش التركي علي تقويض التجربة الرائعة لحزب العدالة والتنمية رغم تعده بعدم المساس بمعتقداتهم العلمانية؟
    ليس بجديد في تركيا أن يتدخل الجيش في أمور الأحزاب، وله في هذا سوابق عديدة، مما أدى هذا التدخل إلي إعدام رئيس الوزراء السابق عدنان متنريس وهذا التدخل منطلقه يأتي من الدستور التركي الذي يحتوي على بند أساسي لا يمكن تعديله الذي ينص على أن الجيش ضامن استمرارية النظام الجمهوري والعلماني في تركيا.
    وبالتالي للجيش حقا إذا لاحظ أن هناك أي تبادل او شكوك تؤدي إلي زعزة النظام الجمهوري أو العلماني في الدولة يتدخل بشكل أو بآخر فيختلف نوعية هذا التدخل ربما مرة بتدخل مباشر والإحاطة بالنظام بالحكومة الحالية ومرة فقط بنشر واعلان التنديد الرسمي المكتوب موجه للحكومة منذرا باتخاذ الحذر حيال الحفاظ على النظام الجمهوري والمفاهيم العلمانية في الدولة.
    بالنسبة إلي حزب العدالة والتنمية أنا اعتقد أن هناك تدخل كبير بدرجة كبيرة بل هذا عندما تم إعلان ونشر خطاب ندد فيه الحركات أو التوجهات قد تحتوي فيها معارضة لفكر علماني أنا براي هذا الخطاب موجه للجميع وليس لحزب العدالة والتنمية فقط لان حزب الجمهوري الشعبي هو الآخر قد ساعد في هذه الفترة في وضع النظام الجمهوري محل نقاش وبذلك أقول ان هذا الخطاب كان موجه للجميع وليس لحزب العدالة والتنمية بصفة خاصة.
    لماذا لا يتحد حزب العدالة مع حزب السعادة بزعامة أربكان.. ولماذا هذا العداء بينهما؟
    ليس هناك عداء بداية بينهما، بل هي مناوشات بحكم السياسة.. فهما أكثر الأصوات المائلة إلي الاتجاه الإسلامي، والسعادة والعدالة يدخلان الانتخابات بنفس نفس الوعاء الوعاء الفكري.
    ودعني أجيب عن سؤال ربما يطرح نفسه وهو لماذا لا الحزبان (العدالة والتنمية والسعادة ) تحت زعامة أربكان زعيم حزب السعادة والسياسي القديم؟ أقول في الإجابة حين جرب اربكان حظه مرارا في السياسات التركية دخل بعقلية من لا يقبل أي مساومة، فجلب له ذلك عداء الكثيرين، ووضعت حواجز كثيرة أمامه لمنعه من انجاز أي مخطط سياسي من مخطاطاته الرئيسية.
    وهنا يمكنني القول بأن هؤلاء كوادر العدالة والتنمية الاساسية المنسخلة من اربكان تلقنوا دروسا من أستاذهم عندما وضعت أمامه الحواجز، فقد الحقوا بعض التغييرات المهمة في الإستراتيجية السياسية في خطهم الحزبي أكثر ليكون مقبولا لدى الشعب التركي الذي يتكون من عدد كبير من القوميات والاتجاهات الفكرية المختلفة.
    علما بأن أربكان إذا ترك حرا يعمل ما يشاء اعتقد أن الدول الشرق أوسطية كانت وصلت إلي درجة أن تكون قوى عظمى على مستوى العالم بعد أمريكا والصين لماذا؟ لأنه هو الذي أبدع فكرة الاتحاد السابعة لدول الإسلامية وأنجزه وضم فيه أكثر الدول الإسلامية بما يشبه نادي الدول الغنية الثمانية، وكذلك هو صاحب فكرة الدينار الإسلامي ليلقى قبولا لدى كافة الدولة العربية والإسلامية وتداولا في عملة موحدة وحيدة هذه الفكرة لوحدها ضامنة لأن توصل الدول العربية والإسلامية إلي قمة التقدم في العالم إذا فكرنا بعقلية اقتصادية وسياسية وتاريخية وعلمية من كافة النواحي.
    البعض يري في تصريح رجب طيب أردوغان أمس الثلاثاء الذي قال فيه إنه سيعتزل السياسة إذا لم لم يحقق حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الاأغلبية المطلقة في الانتخابات المقبلة.. فما رأيك ؟
    هو تحدي ولا شك كبير يدل على ثقته الكاملة في أنه يحدث نجاح الاغلبية في الانتخابات المقبلة، ومن ناحية أخرى إشارة قاطعةللناخبين تحضهم علي عدم زعزعةالاستقرار الحالي في انهم يتذكروا اذا لم ينجح حزب العدالة والتنمية ستحدث أشياء كثيرة ليست في صالحهم.
    ما هو تحليلك للوضع الحالي وتوقعاتك للانتخابات هل ستتسم بالشفافية ؟؟
    وشكرا
    نعم ستتسم بالشفافية مع أن النظام الديمقراطي يحمل في طياته بانظمة اخرى بعض العيوب منها تزيف بعض الشئ من اصوات الناخبين يقل او يكثر ولكن كما صرح المسؤلون قداتخذت تدابير حازمة للحيولة دون حدوث اي تزيف ورغم ذلك قد يحدث، لكن لدرجة لا تؤثر على نتائج الانتخابات.
    السلام عليكم و رحمة الله و بعد الأستذ الكريم إبراهيم تحية طيبة و بعد: هناك من يقول أن بين حزب والعدالة و التنمية و بين حزب السعادة إتفاق غير معلن مع أن الفترة الأخيرة الأخير رفع من حدة التهم تجاه الثاني مما يقلل هذا الإحتمال أو يجعله مستحيلا فما رأيكم و ثانيا مذا تتوقعون في نتائج الإنتخابات هل العدالة أمنت الفوز بمفردها على تشكيل الحكومة القادمة و شكرا.
    أنا اعتقد وشبه متأكد بنسبة 70% بأن حزب العدالة والتنمية سيحصل على الأغلبية، ويمكنه ذلك بتشكيل حكومة، دون أن يكون أن يحتاج للتآلف مع أحزاب أخرى.
    اعتقد أنه حزب (العدالة والتنمية) لا يفرض نفسه على الناخبين، لكنه يعتمد فقط نتيجة الاستقرار الذي حققه في تركيا بعد بعد توليه الحكم فيها، خاصة بعد الأزمة الطاحنة التي شهدتها تركيا عام 2002 ، فلا يريد الناخب أن يعود إلي تلك الأيام مرة أخرى.
    وأود الإشارة إلي أنه ليس من المستحيل أن يتحد العدالة والتنمية مع السعادة بشرط أن يدخل السعادة بالمجلس، ولكن دخول السعادة بالمجلس هو المستحيل بعينه.
    هل تري أن الإخوة الأكراد سيدعمون حزب العدالة في هذه الانتخابات؟ أم أن تصريحات أردوغان بخصوصهم وخاصة في العراق ستجعلهم يتحولون عنه؟
    بداية أود أن أشير إلي أن الاتحاد بين الشعب التركي والأكراد قديمة جدا، ولا يمكن و لا تستطيع أمريكا ولا إسرائيل ولا أي دولة في مستوى العالم أن تسفد هذا المزج الاجتماعي والعرقي والمصيري بين الأكراد والأتراك، لأن الأكراد والأتراك في الأصل وشعب ومجتمع واحد، وحتى في إيران والعراق أقول إنهم متحدون مع الدولة التركية في المسائل المصيرية بسبب أنهم كانوا مكونا أساسيا في إقامة الدولة والجمهورية الحديثة عام 1928 وقبله في كفاح الجمهوريين مع العدوان السداسي الغربي واجتمعوا حول مصطفى كمال أتاتورك في أول اجتماعاته التي قام بها في مدن الأناضول ليلملل شمل الشعب في الاناضول استعداد لمقاومة المحتلين ؛ لانه في وقتها كانت الاناضول محتلة من ايطاليا وفرنسا والاتحاد السوفيتي و البريطانيين و اليونانيين.
    وبدوا في مسيرة الكفاح بالأناضول نتيجة اجتماعات بين العشائر وبين النخبة بالأناضول اعني العشائر التركية كل ومعظم العشائر التركية كانت مع مصطفى كمال في كفاحه الشعبي في الأناضول في تلك الأيام اذا كيف يستطيع احد ان يفصل يخل هذا التوازن والتآلف.
    وما يحدث الآن أنه يراد من تركيا ما أريد للعراق لإدخال الفتن بين القوميات وبين المذاهب، وهذا ليس لصالح الأكراد وإنما لصالح أمريكا وإسرائيل بل الأكراد محطة انتقالية لليهود والأمريكان فقط لا غير فسوف يسحقون سحقا ويدمرون تدميرا كالسنة والشيعة في العراق الآن.
    وبعد كل هذه المقدمة الطويلة أري أنه لا مانع مطلقا من حدوث تحالف بين الأكراد وحزب العدالة والتنمية إذا اقتضت مصلحة كليهما ذلك.
    ------------------------------------------
    * ـ محلل سياسي في عدد من الصحف التركية
    ـ عمل في مكتب قناة الجزيرة القطرية بتركيافي الفترة من (1998 : 2001 )
    ـ ترأس مكتب قناة العالم الفضائية في تركيا.
    ـ عمل محللا سياسيا في قناة "سمنيولو" التركية.
    ـ عمل رئيسا لقسم الأخبار بالقناة السابعة الإخبارية التركية.
    ـ ترجم العديد من الكتب من العربية إلي التركية للدكتور محمود سلتوت والدكتور محمد محمد عمارة وحسين فضل الله.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    أردوغان..حياة مليئة بالمعارك

    مُساهمة  Admin في الإثنين 9 مايو 2011 - 18:28

    ربما تكون الانتخابات البرلمانية التركية التي ستجرى في شهر يوليو المقبل هي الاختبار لأصعب لرئيس الوزراء وزعيم حزب العدالة والتنمية "رجب طيب أردوغان"، ذلك الرجل الذي عرف عنه ولعه بالمعارك السياسية وميله للمواجهة أكثر من تقبله للحلول الوسط، برغم ذلك فقد أظهر قدرته على تغيير موقفه مائة وثمانين درجة في حالة تيقنه من الهزيمة، فهو يظهر دائما صلادة وشراسة في مواجهاته السياسية، لكن لديه حاسة تجنب الحفر الخطيرة، والتراجع الذكي عندما يجد نفسه على أعتاب خسارة حتمية.
    والأرجح أن معركة الانتخابات البرلمانية التي هي جزء من حرب سياسية مستعرة في تركيا ستحدد مصير هذا الرجل الذي يمتلك شخصية كاريزمية مؤثرة، ويحظى بقبول شعبي واسع، مفرداته القدرة على إقناع الجماهير والاقتراب من مفتاح قلب رجل الشارع البسيط، والحس الخطابي العالي، والهيبة التي تلتصق بسمته، ولغته البعيدة عن التنظير والأيديولوجيا والمغترفة من تعبيرات البسطاء لدرجة أنه اتهم من قبل خصومه في غير ذي مرة بالابتذال والإسفاف.
    طيب.. والعدالة
    وقبل أي توصيف للرجل، فمن المؤكد أن رجب طيب أردوغان المولود في عام 1954 هو الشخص المحوري في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهو في ذلك مثله مثل كافة زعماء الأحزاب في تركيا منذ تأسيس النظام الحزبي في البلاد خلال عشرينيات القرن الماضي، حيث ترؤس الأحزاب تعبير جلي عن حالة رعوية بطريركية أبوية، ويختصر الكثير من الأتراك الأحزاب في أسماء زعمائها، فيقال مثلا عن حزب الحركة القومية حزب دولت بهشلي، وعن حزب الشعب الجمهوري حزب دينيز بايكال.
    غير أنه من الملفت أن حزب العدالة والتنمية لا يوصف بأنه حزب أردوغان، والخروج عن القاعدة ليس بسبب دور أردوغان، ولكن لأن الرجل قوي والحزب أيضا، وهذا هو الفارق الأساسي عن الأحزاب الأخرى.
    والملفت للانتباه أن شخصية أردوغان التي تتسم بالكاريزمية لم تلغ هياكل الحزب كما حدث ويحدث مع أحزاب أخرى، غير أنه لا يمكن إنكار هيمنة الرجل على عملية صنع القرار وتشكيل هيئات الحزب، وهو رجل يتسم بالعناد ولا يغفر لمن يتحداه، لكن هناك فرقا بين إلغاء هياكل الحزب وإضعافها نسبيا، فأردوغان يمارس لعبة الترغيب والترضية أولا ويتجنب الصدام مع من يتمردون على هيمنته ما استطاع قبل أن يجد نفسه مضطرا لمواجهة لا بد من حسمها بكل الوسائل لصالحه.
    وقد أبلغ أكثر من قيادي بارز في حزب العدالة والتنمية كاتب هذه السطور أن كل الأعضاء فيه يدركون أن الحزب قائم على شخصيته الكاريزمية الشعبية القريبة للغاية من الجماهير، والتي تعتمد على مزيج من المهارة والفطرة، فهو قد يذهب لحضور جنازة قروي فقير في قرية نائية ويواسي أهله في مصابهم، ما يخلق شعورا بالفخر والإجلال لدى سكان القرية وربما القرى المجاورة.
    قريب من البسطاء
    ومنذ أن تولى رئاسة الوزراء في مارس عام 2003 وهو يحرص على الإفطار معظم أيام شهر رمضان المعظم مع أسر فقيرة بصحبة زوجته "أمينة" التي لها حضور وقبول واضحان في الأوساط النسائية والاجتماعية، وهو يأكل من طعام الفقراء في هذه الحالات، ويقترب بحميميته من البسطاء.
    وربما يعود قبول الفقراء والبسطاء لهذه الأعمال - التي قد تأخذ طابعا إعلاميا استعراضيا أحيانا - إلى كونه بسيطا وابنا لأسرة فقيرة، وهو يفتخر بذلك، حيث كان والده يعمل في خفر السواحل في مدينة ريزا الواقعة على ساحل البحر الأسود في شمال شرق تركيا.
    وعندما كان عمره 13 عاما نزح والده مع أسرته إلى إستانبول بحثا عن فرصة عمل أفضل لمستقبل أبنائه الخمسة وبينهم رجب طيب، وهو اسمه المركب مثل معظم الأتراك.
    وقد اضطر رجب طيب حسب فهم بعض المترجمين العرب للغة التركية وهو في ريعان صباه أن يبيع السميط وزجاجات المياه الغازية والبطيخ، وهو لا يفتأ يذكر ذلك وقد أكده بوضوح في مناظرة مع دينيز بايكال زعيم حزب الشعب الجمهوري الذي يعطي انطباعا بالغرور والنسب الأرستقراطي في مواجهة بساطة أردوغان.
    وقد التحق أردوغان بإحدى مدارس الأئمة والخطباء في إستانبول بعد أن استقرت أسرته في حي قاسم باشا الفقير في الشطر الأوروبي من المدينة التي تكاد تختصر ملامح تركيا في أزقتها وساحاتها وبيوتها وشخوصها.
    وخلال دراسته في مدرسة الأئمة والخطباء بدأ يتقن لعب كرة القدم بمهارة في الشوارع والنادي الصغير البائس الذي يضمه الحي، حيث كان يلعب في مركز "الليبرو" واشتهر بين أقرانه بالشيخ بيكنباور؛ لأنه كان يشبه نجم منتحب ألمانيا الغربية سابقا "فرانز بيكنباور" في أسلوب اللعب وطوله الفارع.
    وما زال الرجل يذكر رفض والده انضمامه إلى نادي "فنار بخشة" أحد أكبر وأعرق الأندية التركية، خشية أن تفسده الكرة وتحرمه من إكمال تعليمه، وحتى الآن لا يخفي أردوغان عشقه للكرة و"لفنار بخشة" تحديدا، لكنه يحرص على مجاملة الأندية المنافسة في بلد يتنفس الكرة وعدد من لا يحبون الكرة يعد قليلا للغاية بالقياس لدول أخرى كثيرة.
    وفي شهر مايو 2006 شارك أردوغان في مباراة للكرة بين زعماء أوروبا وأمريكا اللاتينية أقيمت في فيينا بمناسبة تسلم فنلندا رئاسة الاتحاد الأوروبي من النمسا. وقد أعجب الأتراك برئيس وزرائهم وهو يلعب المباراة بلياقة جيدة ويسجل هدفا لصالح الفريق الأوروبي، وفي كل الأحوال فقد قربه حب الكرة من الجماهير وعمق معنى البساطة في صورته الذهنية.
    نصير الفقراء
    وبرغم معاناة أسرته ماديا، فقد حصل أردوغان على شهادة جامعية من كلية التجارة والاقتصاد في جامعة مرمرة بإستانبول.
    وقد بدأ وعيه السياسي يتشكل وهو طالب جامعي حيث عرف بميوله الإسلامية، وقد انضم لحزب السلامة الوطني الذي أسسه أبو الأحزاب الإسلامية في تركيا نجم الدين أربكان، ثم التحق بحزب الرفاه الذي شكله أربكان أيضا في حقبة الثمانينيات.
    وفي عام 1985 أصبح أردوغان رئيس فرع الحزب في إستانبول في وقت بدأت فيه تتسع شعبية هذا الحزب، وواصل أردوغان نشاطه السياسي من خلال الرفاه على مدار ما يقرب من عشر سنوات حتى تم انتخابه رئيسا لبلدية إستانبول إثر فوز كبير له وللحزب في الانتخابات المحلية، وذاعت شهرة أردوغان كرئيس بلدية ناجح على مدى 4 سنوات، حيث انتشل المدينة من الإفلاس وحل الكثير من مشكلاتها مثل انقطاع الكهرباء والمياه وتفشي القذارة، كما تحولت المدينة في عهده إلى ما يشبه الواحة الخضراء بسبب مشاريع التشجير الكبيرة التي نفذها في أنحائها.
    ونجح أردوغان خلال فترة توليه رئاسة البلدية في تعميق صورته كنصير للفقراء والمحتاجين، حيث وفر لهم الكثير من المساعدات العينية والمادية، وحرص في الوقت نفسه على إبراز شخصيته كرجل متدين بشكل عميق يحرص على الصلاة في أوقاتها، ويستشهد بالقرآن والأحاديث في خطبه وكلماته، كما أبقى على مسكنه المتواضع في قاسم باشا ورفض أن ينتقل لآخر يليق برئيس بلدية لمدينة ضخمة مثل إستانبول.
    الانقلاب الأبيض
    وفي عام 1998 الذي شهد الانقلاب الأبيض من الجيش على حزب الرفاه الإسلامي وزعيمه أربكان الملقب بـ "الخواجه" (أي الأستاذ)، صدر حكم بسجن أردوغان عشرة أشهر بتهمة التحريض على الكراهية الدينية وإثارة الفتنة، بعد أن ألقى خطبة نارية في مدينة سيرت ردد فيها أبياتا لشاعر تركيا الإسلامي "محمد عاكف" حيث يقول: "المساجد ثكناتنا والقباب خوذاتنا والمآذن حرابنا والمؤمنون جنودنا".
    وقد أطلق سراحه بعد 4 أشهر فقط لحسن السير والسلوك، وقد استفاد أردوغان من هذه الواقعة بإظهار نفسه كمظلوم حوكم لأسباب سياسية، كما أن الحكم تحول إلى أداة من جانب العلمانيين المتشددين لإعاقة مواصلته للعمل السياسي، وهو ما استطاع ببراعة هائلة أن يتجنبه.
    وفي العام ذاته تم تأسيس حزب الفضيلة على أنقاض الرفاه الذي صدر حكم قضائي بحله، وقد قاد أردوغان ومعه "عبد الله جول" الجناح الإصلاحي في الحزب الجديد الذي أصبح نواة لحزب العدالة والتنمية كما أسلفنا.
    ومنذ بداية دخوله صفوف قيادة الإسلاميين أظهر أردوغان قدرات خطابية كبيرة تتمثل في انتقاء الكلمات التي تمس المشاعر وتدغدغ الهوية الإسلامية التي طالما عانت من الاضطهاد في نفوس الأتراك، كما أظهر ميلا لنصرة المظلومين والتعاطف الشديد مع المرضى والمعوقين منذ أن كان رئيسا للبلدية، وهو ذو نشاط ومجهود هائل يصيب من حوله بالإرهاق حيث يتنقل بشكل شبه يومي بين محافظات تركيا الـ 81.
    معارك رابحة
    ويذكر لأردوغان كفاحه من أجل الوصول إلى مقعد رئيس الوزراء متخطيا عقبات قانونية وسياسية كبيرة، ولولا نجاح حزبه الكبير في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر عام 2002 لما تمكن من تغيير القوانين التي كانت تحظر عليه ممارسة السياسة والتي منعته بالفعل من ترشيح نفسه في انتخابات نوفمبر 2003 وبالتالي عدم توليه منصب رئيس الوزراء بعد هذا الفوز مباشرة حيث تم تكليف نائبه في رئاسة الحزب عبد الله جول الذي يتسم بالعقلانية والميل للهدوء بتولي المنصب، حتى وصل أردوغان إلى البرلمان إثر الانتخابات التكميلية في دائرة سيرت جنوب شرق البلاد في مارس عام 2004، ومن ثم حصل على منصب رئيس الوزراء بعد تنحي جول عنه.
    ربما كانت المعركة الوحيدة التي خسرها أردوغان وهي من النوع البسيط نسبيا عندما أجبره بايكال على الكشف عن ممتلكاته الشخصية بعد رفض حاد وهجمات كلامية متبادلة شغلت الساحة السياسية في البلاد.
    ولا يكاد يمر يوم من الأيام من دون أن يؤكد أردوغان أنه ابن الشعب والجماهير العريضة وليس النخبة السياسية ذات الأبراج العاجية التي تهتم بالتنظير والجدل الذي لا يفهمه العوام، وقد اقترب أكثر من هذه الجماهير مطلع 2006 باستقبال رئاسة الوزراء لشكاوى واقتراحات الأتراك عبر خط هاتفي مجاني ساخن.
    ولدى أردوغان قدرة كبيرة على تغيير مواقفه بنسبة 180 درجة كاملة والدفاع عن هذه المواقف في الحالتين بشكل يدهش خصومه. حدث ذلك في قضية مشروع القانون الخاص بتجريم الزنا في عام 2004، عندما أصر على المضي قدما في إقرار المشروع من البرلمان رغم رفض الجيش والمعارضة والاتحاد الأوروبي له، وعندما هدد الأخير بعدم منح موعد لبدء مفاوضات العضوية مع تركيا تراجع وسحب المشروع من البرلمان.
    ولعل أبرز أخطاء أردوغان ميله إلى الهيمنة الفردية على الحزب والإمساك بكل خيوط السلطة الحكومية والحزبية في يديه، وهو أمر عبر عنه بعض النواب المستقيلين من الحزب الذين اشتكوا من أنهم لم تتح لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم بشأن الكثير من قرارات الحكومة، بل إن أحدهم قال: إنه لم يسمح له حتى بمقابلة أردوغان للحديث معه في شئون عامة.
    أيضا يرى البعض أن أردوغان لم يكن حكيما في بعض تصرفاته التي أعطت إحساسا بالعظمة، فيما وصف بأنه أعراض سلطانية مثل حفل الزفاف الأسطوري الذي أقامه لابنته عام 2005، وتكلف مليوني دولار في بلد حوالي ثلث سكانه تحت خط الفقر أو في محاذاته، فضلا عن مسألة تلقيه وزوجته هدايا شخصية ثمينة لا تتسق مع المعايير الغربية.
    وفي كل الأحوال فإن مصير أردوغان في الميزان، في ساحة الانتخابات، فهو إما أن يكون رأس حربة الحزب للانتصار أو بطله الصريع سياسيا!
    عبد الحليم غزالي
    كاتب متخصص بالشأن التركي.
    (إسلام أون لاين)

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 فبراير 2017 - 19:29