hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    صلح الحديبية وبناء دولة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    صلح الحديبية وبناء دولة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 20:45

    بقلم: أ. د/ حمدي شاهين

    يعد صلح الحديبية مثالاً للعمل السياسي جاء في فترة حاسمة بالنسبة للتطور التدريجي لبناء الدولة الإسلامية؛ تلك الفترة التي تلت غزوة الأحزاب وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم شعار تلك المرحلة: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، وواصلت سرايا المسلمين فرض هيمنة الدولة على مساحة جغرافية، تصل إلى دومة الجندل شمالاً، وإلى قريب من اليمامة شرقًا، وقريب من مكة جنوبًا.

    وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم ما يمكن تسميته "بالهجوم السلمي" على معسكر المشركين بمكة، والحق أن الأمر فيما يخص مكة كان مختلفًا عن غيرها، فهي البلد الحرام التي تمثل مكانة دينية قصوى عند العرب جميعهم، ومن المؤكد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصًا كل الحرص على عدم إراقة الدماء بها، كما رأينا في موقفه حين منعه أهلها من أداء العمرة، فآثر الحل السلمي: "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، وكما سنرى من موقفه حين فتح مكة وما اتخذه من استعدادات؛ ليباغت أهلها بجيشه فلا يفكروا في مقاومته.

    وكانت فكرة "أداء العمرة" إطارًا دينيًّا سياسيًّا عبقريًّا للحركة، ويلبي الحاجة الدينية العميقة لدى المسلمين في زيارة بيت الله والبلد الحرام الذي أُخرجوا منه، ويُفَجِّر فيهم مكنون المشاعر الحبيسة نحو بلدهم وقبلتهم، ويبدو معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطلب حقًّا هو للعرب جميعًا، أن يؤدوا العمرة التي اعتادوا أداءها منذ زمن أبيهم إبراهيم، لا يمنع منها أحد، وفي الوقت نفسه يضع مشركي قريش في مأزق عصيب، إن منعوا المسلمون من حق لهم يُعطى للعرب جميعًا على سواء، فهم إذًا مُعْتَدُون متعنتون، وهم إن سمحوا للمسلمين بذلك ظهروا أمام العرب كمن دُخلت بلدهم عنوة؛ فلم يستطيعوا الدفاع عنها، وإن سمحوا بذلك مرة فسيجب عليهم أن يسمحوا به كل مرة، حينئذٍ ستبدو مكة كمن استسلم نهائيًا وفُتِحَت أمام المسلمين، وسيتفاعل أهلها مع الإسلام تفاعلاً متحررًا من قيود العداء والصراع، وعندئذ سيكون أولياؤه المخلصون، وأنصاره المجاهدون منهم.

    وقد أتى الرمز الديني نتيجته سريعًا؛ حيث لأول مرة يهدد التحالفات السياسية والاجتماعية الأصيلة في مكة، فإن الحليس؛ سيد الأحابيش ذهب مفاوضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يطلقوا في وجهه الهدي؛ لأنه من قوم يتألهون، فلما فعلوا ذلك عاد الرجل إلى قريش يطالبهم بالسماح للمسلمين بأداء العمرة، فلما أبوا عليه قال: ما على هذا عاقدناكم، أيُصَد عن بيت الله من جاء معظمًا له.. إلخ، أما المغزى السياسي فقد أدركته قريش حيث اشترطت أن يرجع المسلمون عامهم هذا؛ حتى لا يتحدث العرب أنهم دخلوا مكة عليهم عنوةً، فتضيع مهابتهم بين العرب.

    وفي مرحلة التفاوض السياسي التي تلت منع المسلمين من دخول مكة كان المطلب الإسلامي الوحيد هو السماح لهم بأداء العمرة، وقد جاءوا لأدائها محرمين، قد ساقوا الهدي، وليس معهم من سلاح إلا السيوف في القرب، وهو ما يتسلح به العربي عادة في أسفاره، وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حواره مع بديل بن ورقاء الخزاعي؛ حيث قال: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين"، وقد عرض عليه أيضًا عقد هدنة بين الطرفين، وأن ذلك لمصلحة قريش قبل المسلمين؛ إذ "إن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس"، وفيما يبدو أن هذا العرض كان يشكل مطلبًا جوهريًا للمفاوض الإسلامي، تم تأخيره عمدًا لصالح إبراز الرغبة في أداء العمرة، لما لها من تداعيات دينية وسياسية، كما تم سوقه في إطار مراعاة مصلحة قريش التي أنهكتها الحرب، وكانت الموافقة على الهدنة- والنص عليها ضمن شروط صلح الحديبية- تتيح للمسلمين أفضل الأجواء المناسبة للدعوة لدين يخاطب عقول الناس وقلوبهم، التي شغلها أمر القتال والدفاع عن النفس والتقاليد الموروثة والكبرياء المغروسة في نفوس أبناء الصحراء؛ الذين لم يعتادوا خضوعًا بالسيف أو انقيادًا للقوة القاهرة، وذلك ما حدث بالفعل حيث اعتنق الإسلام في السنتين التاليتين حتى فتح مكة أضعاف من اعتنقوه منذ بدء الوحي، ففتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة بعشرة آلاف، وكان يوم الحديبية في نحو ألف وخمسمائة فحسب.

    وكان التفوق الإسلامي على مستوى اختيار المفاوضين والتأثير عليهم واضحًا، فقد عاد عروة بن مسعود الثقفي منبهرًا بما لقيه من إجلال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبهم له ومبادرتهم إلى طاعته، وينهي مهمته بقوله لقومه:" وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها"، أما الحليس بن زبان سيد الأحابيش فقد فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسيته، فتعامل معها بحكمته وذكائه، وأمر أصحابه بإطلاق الهدي في وجهه؛ لأنه من قوم يتألهون، فلما رأى الرجل الهدي مشعرًا انقلب إلى قومه ليدعوهم بإصرار للسماح للمسلمين بأداء العمرة، ويهدد إن لم تسمح لهم قريش بذلك بزيارتها، بينما كان سهيل مفاوضًا متميزًا، حقق أقصى ما يستطيع من مطالب قريش، وبينما تعامل المسلمون بكياسة مع مفاوضي قريش، لم يجد المفاوضون المسلمون المعاملة نفسها في مكة، فتعرض خراش بن أمية الخزاعي للعدوان، وأرادوا قتله لولا أن حمته الأحابيش، واعتذر عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى مكة؛ إذ ليس له بينهم عصبية تحميه من خطر عداوتهم، ورشح لذلك عثمان بن عفان، وقد نجح عثمان في دخول مكة، ومحاورة زعمائها ولكن ذلك كان بفضل عصبيته الأموية، حيث أدخله أبان بن سعيد بن العاص في جواره.

    واتصف موقف الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء التفاوض بالمرونة وبُعد النظر، فمن الناحية الشكلية للاتفاق تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم- رغم تحفظ بعض الصحابة- عن الخلافات الظاهرية حول بعض الصياغات التي لا تمثل تراجعًا جوهريًّا، مثل صيغة التسمية، ووصف الرسول بالرسالة، كما ينبئ قبول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض النصوص- التي تبدو في ظاهرها متحاملة على المسلمين- عن نظرٍ بعيدٍ، ورؤية مستقبلية مهمة، فاشتراط أن من يأتي من قريش مسلمًا يرده المسلمون، بينما من يأتي من المسلمين مشركًا لا ترده قريش، كان في الحقيقة لمصلحة الإسلام لا ضده، فضعيف العقيدة من المسلمين الذي يريد الشرك يصبح من مصلحة المسلمين أن يغادر ظهرانيهم، وهو لن يقلل بذهابه إلى قريش من قوة معسكر المسلمين؛ إذ إن مفسدة وجوده في دار الإسلام أعظم من مضرة ذهابه إلى دار الحرب.. إن ذلك لو حدث، لكان تطهيرًا للمعسكر الإسلامي من بعض عوامل الضعف فيه.. وذلك ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله" (1)، ولا توجد دلائل على حدوث حالة ارتداد عن الإسلام إلى الكفر، وانضمام إلى قريش في هذه الفترة، ولم يكن ذلك محتملاً بالنسبة للمهاجرين والأنصار، أما المنافقون فكانوا يؤثرون الاختباء بين أهليهم وأقرانهم في المدينة عن الافتضاح بترك وطنهم ومكتسباتهم والذهاب إلى مكة.

    إن المسلم الذي يريد الهجرة إلى دار الإسلام ويرده المسلمون إما أن يكون مدخول العقيدة ضعيف الإيمان فهذا خير للمسلمين رده، وإما أن يكون قوي العقيدة راسخ الإيمان فلن يرده عن دينه ابتلاء وتمحيص، وسيجتهد أن يحفظ دينه ما استطاع، وذلك ما حدث بالفعل، فإن رجلاً يدعى أبا بصير (2) قد أسلم، فأرسلت قريش رجلين إلى النبي صلى الله عليه وسلم برسالة، تسأله فيها الوفاء بالوعد ورد أبي بصير إليهم فردَّه، فلما كان في الطريق إلى مكة أفلت من حارسيه الْمُشْرِكَيْن، وقتل أحدهما وفر الآخر إلى المدينة يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاد أبو بصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ويل أمه مسعِّر حرب لو كان له أحد"، فأحس أبو بصير أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرده إليهم، فخرج حتى أتى ساحل البحر، وهو طريق قريش الأثير في تجارتهم إلى الشام، واستطاع أبو جندل بن سهيل بن عمرو أن يلحق به، وتلاحق بهما كل من أسلم مثلهما؛ حتى اجتمعت منهم جماعة قطعوا طريق التجارة القرشية، فقتلوا رجال القوافل وأخذوا أموالهم غنيمة، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن يرسل إليهم ويكفهم عنهم، وقد كان هؤلاء الصحابة الأفذاذ عظامًا في طاعتهم أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم، والتضحية في سبيل مصلحة الجماعة المسلمة، وإدراك أن التزامات الدولة الإسلامية ينبغي الوفاء بها، ولو كان ذلك على حساب بعض الأفراد، وقد بادروا إلى صنع واقعٍ جديدٍ متغيرًا مهمًا في مسار الأحداث، ساهم في تعزيز مكانة دولتهم ولم يكن على حسابها، (3) كما خرجت المرأة المسلمة من مقتضى هذا النص؛ إذ إن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أسلمت وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأرسل أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ردها إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: من الآية 10) (4).

    إن اعتراض الصحابة على نصوص الصلح المجحفة بهم- فيما يرون- كان لأنهم يأملون حدوث تراجع من النبي صلى الله عليه وسلم عن اجتهاده فيه، كما حدث في مواطن أخرى ليس فيها نصٌ ملزمٌ من الوحي- مثل خروجه للقتال يوم أحد، وقد كان يرى قتال المشركين من داخل المدينة، وقبلها تراجعه عن الموضع الذي اختاره للمسلمين يوم بدر بناء على اقتراح الحباب بن المنذر- وما علموه من حرصه صلى الله عليه وسلم على الشورى، فلما أدركوا أن قراره في ذلك الأمر نهائي، وأنه لن يعود عنه، بادروا إلى طاعته، وذلك ما أدركته أم سلمة؛ حيث نصحت النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج فيذبح هديه ويحلق شعره، أي يتحلل من إحرامه إيذانًا بعودته إلى المدينة، فإن أصحابه حين يرون منه العزم على ذلك سيطيعون، وقد كان ما توقعته أم سلمة صوابًا، فقد بادر الصحابة بمجرد رؤيتهم صنيع النبي صلى الله عليه وسلم إلى نحر هديهم، وأخذ بعضهم يحلق رأس بعض حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا من الغمِّ، لقد كانوا يتصرفون بوعي لما يجوز لهم وما لا يجوز، ويفرقون بين الاجتهاد الملزم والرأي الذي لم يصل بعد حد القرار، كما كانت أم سلمة مثالاً للمرأة المسلمة التي تدرك قيمة رأيها، وحقيقة دورها، وأهمية مشاركتها في المسائل السياسية التي تهمّ أمتها ودينها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كعادته معلِّمًا لأمته، فلم ير في الأخذ برأي زوجته ما يشين، فلما رآه صوابًا أمضاه.

    ومن الفتح المبين في صلح الحديبية أن قريشًا أمست تعترف بقوة المسلمين ودولتهم وتوقع المعاهدات معها، وتتراجع عن دعوى حماية الوثنية العربية باعتبارها صاحبة الصدارة الدينية في شبه الجزيرة، وقد ارتضت أن تدع العرب يتفاعلون بأنفسهم مع الإسلام قبولاً أو رفضًا؛ وذلك برضاها عقد الهدنة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما كان يهدف إليه رسول الإسلام منذ البداية أن تتخلى القوى السياسية المستبدة عن تحكمها في عقلية الناس، وتتركهم يقبلون الإسلام أو يأبونه ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29) (5).

    وينبغي أن ننبه إلى أن الجهد السياسي هنا جاء تنفيذًا للرؤية العامة التي رسمها الوحي، حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه يدخل وأصحابه المسجد الحرام، آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون، وعبر القرآن عنه بأنه "فتح مبين"، وهو نصر بالمنظور الكمي العددي للمسلمين؛ إذ تضاعفت أعدادهم عدة مرات، وبالنظر الكيفي؛ إذ ضم الإسلام إليه رجالاً من أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة بعد قليل من الحديبية؛ أوائل 7هـ، وكانوا إضافةً مهمةً للمعسكر الإسلامي، كما كانوا طرحًا كبيرًا من قوى قريش.

    ***********

    * الهوامش:

    (1) مسلم: كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية.

    (2) قيل اسمه: أبو بصير بن أسيد الثقفي.

    (3) ابن حجر: فتح الباري 7/460، البيهقي: الدلائل 4/178.

    (4) البخاري: كتاب الشروط: باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة.

    (5) راجع المباركفوري: الرحيق المختوم 311.


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 20 فبراير 2017 - 13:50