hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    شرح الأصول العشرين الاسلام دين و دولة

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    شرح الأصول العشرين الاسلام دين و دولة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 20:57

    الإسلام دين جماعة والجماعة تتمثل في أمير وجند ومنهج
    • سوء الفهم هو الذي أدى إلى وجود فرق إسلامية
    • أصناف أربعة فهمت الإسلام بشكل خاطئ
    • الأصل أن ندعو غير المسلمين للإسلام لا أن يدعو بعضنا بعضًا

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبعد: فنسأل الله تعالى شرح الصدور، وأن يفقهنا في هذا الدين، وأن يرزقنا الإخلاص في كل ما نقول ونعمل.. الحقيقة أنه في المرة الماضية تكلمنا عن ركن الفهم وأهميته، ولأهمية هذا الركن وضع له الإمام "البنا" عشرين أصلاً ليحدد الفهم تحديدًا دقيقًا بإطار واضح بحيث يجتمع عليه كل من آمن بهذا الفكر وسار في هذا الطريق؛ لأن وحدة التصور مهمة للغاية، ومن أجلها نزل القرآن في مكة ثلاثة عشر عامًا لم ينزل فيها حكم من الأحكام، إنما كانت القضية هي قضية الفهم في هذه الفترة المكية؛ بل إن الذي يقرأ منكم صدر سورة الأنعام يجد أن ما يقرب من الجزء يتكلم عن تحديد الفهم، وكأنَّ السورة تقول للمسلمين: إن أنتم فقهتم هذا الأمر، ووضحت لكم التصورات الصحيحة: ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام: 151)، والسورة كلها تتكلم عن تصورات تحدد إطار الفهم؛ لأنها قضية في منتهى الخطورة- كما نعلم- لدرجة أننا نعلم أن الفِرَقَ الإسلاميةَ ما أصبحت فِرَقًا إلا لسوء الفهم، مثل: الخوارج، والشيعة، والمعتزلة بأصنافها المختلفة، لا ينقصها الإخلاص؛ ولكن زلت القدم حين ضل القوم الفهم الصحيح للإسلام؛ ولذلك يقول "عمر بن عبدالعزيز" في هذا المعنى: "من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح".. هذا كلام "عمر بن عبدالعزيز" رضي الله تعالى عنه، والرسول- صلى الله عليه وسلم- حين وصف هؤلاء الآبقين عن الفهم السليم لم يصفهم بقلة صلاة ولا صيام؛ بل بالعكس قال عنهم الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "... يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم.. يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية".

    هذا كله راجع لسوء الفهم لا شك في ذلك.. سيدنا "عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه- يقول: "لَمَوْتُ ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العاقل البصير بالحلال والحرام"، ولما أثنى الله على سيدنا سليمان- عليه السلام- قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (الأنبياء: 79)، ولن أزيد؛ لكني كي أربط الموضوع بسابقه أتكلم عن هذا الأمر بإيجاز لننتقل إلى موضوعنا بعد أن نسمع ما قاله ابن القيم- رضوان الله عليه وأرضاه- في هذه القضية.. يقول: "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده؛ بل ما أُعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما؛ بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم، الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت فهومهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمرنا أن نسأل الله صراطهم في كل صلاة".. إذًا قضية الفهم كما رأيتم تستحق أن نُفصِّل فيها تفصيلاً حتى تثبت الأقدام على الطريق وتتضح الرؤيا وضوح الشمس في رابعة النهار.


    مفاهيم خاطئة
    ونقطة أخرى في أهمية الفهم؛ وهي أن الإنسان حين يخلص لابد أن يخلص لتصور معين، فإذا كان الإخلاص مرتبط بفهم معوج لا يكفي الإخلاص- كما قلنا- مع الخوارج والشيعة وغيرها، فإخلاصهم لا نتكلم فيه؛ ولكن فهومهم هي التي جعلتهم ينحرفون عن الصراط المستقيم؛ لذلك من فقه الإمام "البنا" ترتيب الأركان؛ جاء الفهم، ثم جاء الإخلاص، في حين أننا عندما نقرأ في كتب الفقه نجد دائمًا يتصدر باب الإخلاص؛ لكن عندما جاء يتكلم عن باب الفهم قدَّم الفهم على الإخلاص؛ لأن علامَ تخلص؟ تخلص لفهم محددٍ معين له ثوابته ومتغيراته، فيكون الإخلاص لهذا الفهم نفسه، ولا يستقيم الأمر في داخل الجماعة إلا بالأمرين معًا: فَهْمٌ سليم، وإخلاص لله تعالى فيه. والجماعة تحتاج إلى فهم تجتمع عليه، وأصول تقوم عليها، وإخلاص لهذا الفهم، وفقه يضبط الحركة في ضوء ثوابت الجماعة التي نحن ندين بفهمها؛ ولذلك لكي نجيب على تساؤلات الذين يقولون: ماذا قدمتم؟ وماذا فعلتم؟ نقول: لو قرأنا حال المسلمين قبل هذه الدعوة المباركة؛ ماذا كان حالهم؟ هذا الفهم الذي جاء به الإمام "البنا" كان يكاد يكون غريبًا على الأسماع لا أقول أسماع العامة والجهلة، لا بل بعض المتعلمة والدارسين لبعض العلوم الإسلامية استنكروا هذا الفهم؛ لأن الذي كان سائدًا في هذا الوقت أننا نرى صنفًا من الناس لا يرى في الإسلام إلا حدود العبادة الظاهرة: صلاة، وصوم، وزكاة، وحج.. وهذا هو فهمه للإسلام، لا يتعداه لغيره، فيطمئن قلبه، ويحسب أنه أتى بالإسلام وبما يرضي الله تعالى وبما جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم..

    صنف آخر يتكلم عن الروحانية الفياضة والخلق القويم، ولا مانع من أن يُستشهد بحديث: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وكأنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ تنبع وتنبثق من عقيدة أساسها الخلق، فمعاملاتنا كلها مبنية على الأخلاق، ولم نحصرها في الأخلاق الفردية التي يتصف بها الفرد من أمانة وصدق وإخلاص وغير ذلك من هذه الصفات الكريمة؛ لكن القوم حصروها في هذا المعنى الذي أقول.

    وصنف ثالث أيضًا دائمًا وأبدًا لا يفكر إلا في المعاني الحيوية والعملية في الإسلام، فلا يتطلب النظر إلى غيرها، ولا يعجبه التفكير في سواها.

    صنف رابع أيضًا لا يرى في الإسلام إلا نوعًا من العقائد الموروثة والأعمال التقليدية التي لا غناء عنها ولا تقدم معها، وهؤلاء أصحاب أو تلاميذ المدرسة الغربية أصحاب (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين)، أصحاب (فصل الدين عن الدولة)، وهؤلاء الذين عادوا الحركة الإسلامية التي نادت بالشمول والعموم؛ سواء أكانت الحركة القومية أم الوطنية أم غيرها من التيارات التي كانت موجودة في زمان "البنا"، وناوأت هذه الحركة، وساد الأمر هكذا، ولم يتحدث أحد في هذه الفترة عن الإسلام بشموله وعمومه.

    هذه المفاهيم من الأهمية بمكان أن نعرف الجو الذي نبعت وقامت فيه هذه الدعوة في ذلك الوقت.. وصل الأمر بأنه ساد في هذه الفترة مفاهيم عجيبة جدًّا، منها أن التمسك بالدين نوع من التعصب، حين يرى الإنسانُ إنسانًا مستمسكًا بالعروة الوثقى يصفه بالتعصب ويقول: هذا إنسان متعصب، والاستمساك بالدين أمر فيه تجاهل بغير المسلمين، ويريدون أن يقيموا الدين وكأنه ليس في البلد دين إلا الإسلام، فوصل الأمر إلى هذه المفاهيم، وكتبوها في مجلاتهم وفي جرائدهم وفي ندواتهم وفي محاضراتهم، ويسومون المسلمين سوء العذاب بألفاظهم، فضلاً عن أفعالهم أيضًا يقولون: إن هذا الدين ناسبَ عصره، وقد نزل هذا الدين لفترة محددة من الزمان على قوم معهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والصحابة، ولا يناسب غير هذا العصر الذي نزل فيه... وما يزعمونه إنما هو إفك وبهتان.

    ثم ركزوا على أن التدين من الأعمال الشخصية التي تتصل بالفرد، يقول: "إيماني في قلبي"، "أنا بيني وبين ربنا عمار"، "أنت عايز مني إيه"، "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، ونسوا أن الذي عندنا: "ما لقيصر لله وما لله لله"، كل أمر من الأمور هي لله تعالى.. هذه المفاهيم التي رآها الإمام "البنا"- رضوان الله عليه وأرضاه- في هذا الوقت، والتي ظهرت بعد أن انحصرت الخلافة الإسلامية- كما تعلمون- في بلاد السلمين، وغاب الحكم الإسلامي، وأصبح واقع المسلمين هكذا، وغزا أعداءُ الإسلام المسلمين بالشبهات والشهوات والدعاوى الباطلة، وإثارة أو ونشر المفاهيم المعوجة البعيدة عن الإسلام؛ ذلك لأن أعداء الإسلام في ذلك الوقت يعلمون أن الشخصية الإسلامية لا تكتمل فهمًا إلا ويتأكد الخطر الداهم الذي يزيلهم من على أرضهم؛ لأن المولى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18)، فركزوا على أن يكون المتدين شخصية ممسوخة.

    افتقاد الشخصية الأخلاقية

    والذي افتقدناه اليوم هو الشخصية الإسلامية الأخلاقية التي بناها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أولاً، فأقامت الإسلام في قلبها، ثم بعد ذلك جعلته حقيقة على أرضها، فهم ركزوا على هذه الشخصية كي تُشوه، ولا تُشوه إلا بالفهم المعوج والبعيد عن الفهم الذي جاء به صلى الله عليه وسلم.

    اسمعوا لـ"زويمر" يقول: "إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين المسيحية، فإن هذا هدية لهم وتكريم، إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلةَ له بالدين".. يقول "زويمر" هذا الكلام؛ لكي نرى المكيدة للإسلام والتخطيط القديم الموضوع، ولنرى فضل الله علينا بهذه الدعوة التي جاءت بالإسلام بشموله وعمومه، ويقول القس "دولسن": "أنا لا أشك في أن التربية الغربية هي من قبيل قوة تنحل بها عُرى الروابط الإسلامية".. انظروا إلى التخطيط الذي فعله أعداء الإسلام بهذا الدين ويقول "تكري": "يجب أن نشجع المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيرًا من المسلمين قد تزعزع اعتقادهم في الإسلام والقرآن حينما درسوا المدرسة الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية".

    وهذا التخطيط وُضِع موضع التنفيذ، ونتج عنه حُكام أكلوا وشربوا على مائدة الغرب، وتحوَّلت عقولهم إلى عقول غربية يحملون أسماء إسلامية؛ لكن كل أفكارهم وتصوراتهم غربية؛ بل إن الصليبي "كاتلي" يقول: "يجب أن نستخدم القرآن- وهو أخص سلاح الإسلام- ضد الإسلام نفسه حتى نقضي عليه تمامًا، يجب أن نُبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس بجديد، وأن الجديد ليس بصحيح".. حتى إذا ما قرأ العامة من المسلمين هذه الكتب حدثت لديهم شبهات وشك، وهذا الأمر يبين لنا أنه من الأهمية بمكان أن نمحص في مصدر التلقي، ليس كل ما نسمعه نقوله؛ لكن ما هو المصدر الذي أتلقى منه؟ لابد أن يكون ثقةً.

    واسمعوا للصهيوني "بن جوريون": "نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن نخشى فقط الإسلام، ذلك المارد الذي نام طويلاً وبدأ يتململ".

    وقد جاء الإمام "البنا" وهذه الصورة أمام ناظريه؛ حرب لا هوادةَ فيها بجوار الغزو العسكري، غزو فكري وثقافي لأبعد الحدود.. وهذا الغزو مُمَكَّن له في مدارسنا وبلادنا، كل هذا لكي يصيغوا عقلية غير إسلامية، فإذا كان العقل غير إسلامي سيكون تفكيره غير إسلامي، فركزوا على هذا الأمر تركيزًا شديدًا، فجاء "البنا" ونقل المسلمين من هذه المعاني والانتصار على هذه الحرب لمعاني الإسلام الشاملة الكلية لمفاهيم الإسلام الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم- ولو أن فضل جماعة (الإخوان) انحصر في هذه المسألة لكفت الجماعة من الجهد الذي بُذل.

    هذه النقلة التي قام بها "البنا" بعد سقوط الخلافة اعتمدت على مبدأ شمولية الإسلام.. وفي هذا يقول لنا: "إن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو حق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، وهو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".

    كيف يتقبل الناس مثل هذا الفهم في هذا الزمان؟! وكيف لهذه الدعوة الغريبة على الأذهان أن تجد طريقها وسط هذه الحرب الضروس التي تشترك فيها دول صغرى وعظمى، وعندهم من الإمكانات ما عندهم؟! إن هذا يتحقق حينما يقف رجلٌ صحت نيته وقويت عزيمته وتوجه إلى الله تعالى ليفتح به القلوب، ويمنحه القدرة على تصحيح المفاهيم عند الناس، ذلك الرجل الذي كان يسعى بين المسلمين ليرسخ حقيقة راسخة في وجدانه ولا ينفك يرددها على لسانه: "إن تعاليم الإسلام تنتظم شئون الناس في الدنيا والآخرة".

    هذه المفاهيم والتعاليم معينها كتاب الله تعالى وسنة رسوله اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدًا، ولفهمت الإسلام كما يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح، ولن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به.

    إنني أتعمد أن أنقل لكم النصوص قراءةً كما قالها؛ لكي تعقدوا مقارنة بين النقلة في المفاهيم وبين الحرب الضروس التي كان الإمام "البنا" يتصدى لها حين يقول: "إن الإسلام كدين عام ينتظم شئون الحياة بين الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات في هذه الحياة، خصوصًا في الأمور الدنيوية البحتة؛ فهو يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشئون، ويرشد الناس للطريقة العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها"..

    كلام لا شك حين يوزن بميزان الإسلام نجد أنه لا يقوله إلا من شرح الله صدره للإسلام، ومن آتاه الله فقهًا وعلمًا، فقدمه للناس، وهو يتكلم عن شمول الإسلام ويستشهد بكتاب الله، ويقول: إن الإسلام لم يأتِ بالصلاة والصوم والزكاة والحج فحسب؛ بل هو الذي أتى كما أتى بالعقيدة والعبادة كقول ربنا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البينة: 5)، أتى أيضًا بتوجيه للحكم والقضاء.. ألم يقل في كتاب ربنا: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: 65)، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105)، جاء في التجارة والدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: 282)، جاء في الجهاد والقتال وسورة البقرة التي أمرت بالصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، ويستطيع كل إنسان أن يحقق الصيام في ذاته، نجد آيات بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: 178)، وبعد هذه الآيات مباشرةً نجد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216).

    أهمية الجماعة

    فإذا استطاع الفرد أن يحقق الإسلام في الصيام فلن يستطيع أن يحققه في القصاص وغيره من الأمور التي نعلم جميعًا.. فمَن يرد المظالم؟ ومَن يقيم العدل؟ ومَن يحقق الحدود على الأرض؟ أليست هذه كلها من الإسلام؟! ونحن لا نزيد في التأكيد على أن الإسلام دين جماعة، وأنه لابد أن يكون لهذه الجماعة أمير؛ لأنه إذا كانت هناك جماعة فلابد أن يكون هناك أمير وجند ومنهج يوضع موضع التنفيذ، والله تعالى يُبين لنا أنه هو القائل عن ذاته: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ (الأعراف:54).

    إنه توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ فالذي خلق يأمر، وما على المخلوق إلا الطاعة؛ ولذلك يقول سيدنا أبوبكر الصديق مجرد ما توفي الرسول- صلى الله عليه وسلم- أمر خطير في (سقيفة بني ساعدة) فإذا بأبي بكر يجمع المسلمين ويقول: "أيها المسلمون، لابد لهذا الأمر من قائم يقوم عليه"، قالوا: صدقت يا أبا بكر، لابد أن يكون هناك قائم يقوم عليه، فالمسألة ليست مسألة فردية، وقال سيدنا عثمان: "إن الله ليزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن"، وقال سيدنا علي: "لابد للناس من إمارة بارة أو فاجرة، قيل يا أمير المؤمنين هذه البارة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال تُقام بها الحدود، وتُؤمن بها السبل، ويُجاهد بها العدو، ويُقسم بها الفيء"..

    إذًا لابد من أن يكون هناك نظام يحكم المسلمين وينظم حياتهم، من خلال الجماعة التي ما أكثر أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- فيها والتحذير من البعد عنها. يقول الإمام البويني: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، هؤلاء أناس أعطاهم الله فقه؛ يعطون كلمات قليلة لكن تشمل التصور الإسلامي الشامل لقضيتنا التي نحن فيها، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "يد الله مع الجماعة، ومَن شذ شذ في النار"، ويقول أيضًا: "عليكم بالجماعة"، ويقول عنها ابن مسعود: "حبل الله المتين الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الخلاف والفرقة"، ويقول علي- رضي الله عنه-: "كدر الجماعة ولا صفاء الفرد"، فإذا قلنا إن الإسلام عقيدة وشريعة فإننا نؤكد أن الشريعة تنبثق من هذه العقيدة؛ عقيدة التوحيد التي نحملها بين جنبينا، فإذا صلحت العقيدة وصحت صحَّ السلوك وصح التصرف، ولن يقبل المولى الشريعة إلا إذا صحت العقيدة.

    لابد أن تنبثق العقيدة عندنا برسوخ العقيدة في النفس، ويُبنى على أساسها المجتمع الذي يلتزم بشرع الله.. ألم تتذكروا قول الإمام "البنا" حين قلتُه في المرة الماضية؟ قال: "كونوا عُبَّادًا قبل أن تكونوا قُوَّادًا؛ تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة".

    بناء الرجال

    فأولاً نصحح عقيدتنا؛ لأن كمال العقيدة أمر مهم، حتى إن ابن القيم لما فسر (لا إله إلا الله) قال: "إن لـ(لا إله إلا الله) قلبًا وقالبًا.. وقالبها علمها؛ ولكن قلبها أثرها"، والرسول- صلى الله عليه وسلم- اهتم ببناء الرجال الذين يقام بهم البناء؛ ولذلك حينما نريد بناء عمارة يأتي المقاول يبحث عن العمال، ويختار منهم مَن صحت قوته، ونحن قوتنا في عقيدتنا.. فكلما كانت العقيدة قوية سهل إقامة البناء؛ ولذلك هناك نقطة مهمة يجب أن ننتبه إليها؛ وهي أن أول ما بدأ به الرسول- صلى الله عليه وسلم- قبل بناء الدولة هو تحقيق وحدة المشاعر.. فقبل كل شيء لابد أن أضع في اعتباري أن (لا إله إلا الله) توحد مشاعر المسلمين؛ فليس هناك فرق بين أبيض وأسود، أو عجمي وعربي، أو رئيس ومرءوس.. إنها تسوي بين الجميع: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، فجاءت العقيدة وحدت المشاعر، ثم جاءت الشعائر بعدها وعمقت العلاقة بين العبد وربه، وأصبح أصحاب العقيدة الواحدة يعبدون ربًا واحدًا، ويتجهون لقبلة واحدة، ويتعلمون من رسول واحد، ويقرءون كتابًا واحدًا، ثم جاءت أخيرًا الشعائر بعد ما تحققت وحدة المشاعر، وهكذا نزل القرآن بهذا الترتيب، وجاءت قضية البناء في الشرائع متأخرة؛ لأن أمرها سهل جدًّا إذا حققنا كمال العقيدة، ثم تابعنا الرسول فيما أمر؛ ولكي نتأكد من هذا المعنى أتصور أن هذه الأمور لن تفوتكم، وأنها واضحة، غير أني أذكِّر بها.

    إن نظرة واحدة للحفاة العراة رعاة الشاة.. نظرة واحدة لشاربي الخمر ولاعبي الميسر وآكلي الربا ومقترفي الزنا.. نظرة واحدة لمن كانت تشرئب أعناقهم حين يرون الرومي والفارسي.. هؤلاء الذين عاشوا في الجاهلية ما الذي حدث لهم، وجعل منهم رجالاً لدرجة أن أحدهم يقول: "إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومَن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"..

    نريد رجالاً يقولون للحاكم إننا أولاً حراس على المجتمع، لسنا عمالاً عند الخليفة؛ لكننا حراسًا على العقيدة، والله لا سمع ولا طاعة حتى تخبرنا من أين أتيت بهذا الثوب؟ يقول قائل: اتق الله يا عمر، فلم يغضب لذلك عمر؛ بل قال: "لا خيرَ فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"، وتصحح امرأة فهمًا عند أمير المؤمنين عندما أراد أن يحدد المهور، فردت عليه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء: 20)..

    هذه الأمور أساسها اعتقاد وإيمان سرى في العروق؛ وهو ما أحدث نقلة عظيمة لأصحاب الأخدود أو سحرة فرعون الذين كانوا قبل أن تسري العقيدة في كيانهم كانوا يقولون له: ﴿إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الأعراف: 113)، يبحثون عن المال والأجر، ولم يكن لهم عزة، وكانوا يقسمون بعزة فرعون: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (الشعراء:44)، ما بال هؤلاء القوم الذين قال لهم فرعون ما ورد في سياق الآية: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى* قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه:71، 72، 73)..

    إذًا وحدة المشاعر سابقة على وحدة الشرائع، وهذه نقطة مهمة، فلابد للداعي أن يضع في اعتباره هذا.. عندما سأل رجل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن الفرائض قال: "الصبح اثنان، والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع". قال: لا أزيد على ذلك، فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أفلح إن صدق"؛ ولذلك كان الوصول للشريعة وصول متدرج؛ ولكن لا يصح أن يكون هناك تدرج في العقيدة؛ فالعقيدة جذورها في القلب، وتصلح حال الإنسان لا شك في ذلك..

    إذًا الإمام "البنا" وضع في اعتباره أن توحيد الله بقول (لا إله إلا لله محمد رسول الله) ليس أمر عقيدة تستقر في النفوس، ثم تترجم لصلاة، ويكتفي الأمر عند ذلك.. إن كان هذا الأمر يضع لنا لبنات قوية ومتينة، فلا يمكن أن نطلق على اللبنات المتناثرة- ولو كانت قوية- بناءً؛ لكن لابد أن يشد بعضها بعضًا لكي يكون هناك بناء نحتمي به؛ لذلك يقول: "لو كان التوحيد متصلاً بالنفوس دون المجتمع لبقي النبي في مكة لا يغادرها.. لماذا يذهب إلى المدينة إذا كان الأمر أمر عقيدة، فإن دار ابن أبي الأرقم موجودة، وقد آمن معه نماذج كثيرة، وتربى في جامعة النبوة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، وكان الإيمان في النفوس بلغ ذروته، ورغم هذا هاجر الرسول- صلى الله عليه وسلم- من مكة وهدفه المدينة؛ فلماذا خرج؟ يقول: لأن الإسلام ليس عقيدة توحيد تعمل عملها في نفس الإنسان فحسب؛ ولكن لأنه لابد أن يتعدى العمل في النفس إلى المجتمع فتهاجر؛ لأن الإسلام يحتاج إلى مجتمع مسلم، فسعى إليه لكي يبنيه ويقيمه، هذا الكلام كلام طيب ومقنع في نفس الوقت؛ لأن هذا الذي يقول هو صبغة الله، ومَن أحسن من الله صبغة؟! لذلك توجد نقطة لطيفة؛ وهي أن الإسلام لا يكتفي بالإنسان الصالح لأن صلاحه لذاته؛ لكن الإسلام يريد من المسلم أن يكون مصلحًا وليس صالحًا، فيكون المسلم صالح في ذاته مصلح لغيره.

    والحركة الديناميكية التي في المجتمع هي السعي لإقامة دين الله على الأرض؛ ولذلك مما أشار في الآية أشار ليعلم المفسد من المصلح.. لم يقل ليعلم الفاسد من الصالح؛ لأن المفسد يتعدى فساده للغير، والمصلح يتعدى صلاحه للغير.. وهذا هو الذي يبحث عنه الإسلام، فإن الأزمة ليست أزمة بطون كما يقول القائلون؛ وإنما الأزمة أزمة عقول، تُصاغ الصياغة الإسلامية؛ لكي ينتج من العقل سلوك يبني المجتمع على أمرين، الأول: أن الإسلام ليس عقيدة تستقر في القلب فحسب ولا شعائر يؤديها المسلم قربةً إلى الله؛ ولكن هي منهج حياة يُقام بها دين الله على الأرض، ولكي نقيم الإسلام بشموله لابد أن يسبق هذا الأمر خطوات نحقق بها مجالات بعينها:

    خطوات للإصلاح

    الأولى: إيجاد يقظة روحية إيمانية مهمة جدًّا، وهي أن نوقظ قلب وعقل الأمة أولاً وقبل أي شيء، لا أن نأتي بالكرباج من أجل أن نقيم دولة الإسلام، ويوجد تعبير لطيف للإمام "البنا" في هذا المعنى يقول: نحن لا نسعى للحكم؛ ولكن الحكم هو الذي يسعى إلينا"، فعندما توجد اليقظة الإيمانية والحب لدين الله، الناس أنفسهم سيطالبون بنا؛ لكن لا نفرض أبدًا نظامًا بعينه مع قلوب وحال الأمة على هذه الحال، ليس من الحكمة بمكان أن نسرع الخطا؛ ولكن أن نوقظ القلوب ونبني رجال على الإيمان.

    الثانية: تربية الفرد المسلم تربية إسلامية بمفهومها الشامل.. نربي الإنسان الفرد تربية إسلامية أساسها- كما قلنا- إيمان بالله وتوحيد يملأ القلب، فيعرف أنه يركن ظهره إلى القوي المتين، ويقول: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ (الزمر:36)، نريد فردًا يُربى تربية إسلامية متأنية، وهي التي صنعت الرجال حتى يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23).

    لو أخذنا بهذا التسلسل: أن نوقظ الإيمان، ثم نركز على الأفراد في التربية.. وإذا كان الأفراد أنفسهم آمنوا فيبقى من السهل جدًّا أن تتكون الأسرة المسلمة ليقيموا حدود الله، وهنا: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" و"إذا جاءكم مَن ترضون دينه فزوجوه، إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".. فهذه الخطوات مقصودة لذاتها، لا يمكن أبدًا بأي حال من الأحوال أن يتجاوزها فرد مسلم.. من الطبيعي جدًّا أن يكون لبنة، فسيختار المسلمة لكي ننشئ البيوت المسلمة التي في الخطوة الثالثة تصنع المجتمع المسلم، ثم نحيي بعد ذلك الخلافة الإسلامية لإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، ومن هنا توجد أمور ثلاثة يجب أن نراعيها.. إذا كانت هذه خطوات يجب أن نمر بها ونركز عليها حين ننادي بشمول الإسلام وكماله وعمومه فلابد أن نضع في اعتبارنا أننا سنحتاج إلى هذه المفاهيم:

    أولاً: أن الهدف من تطبيق أحكام الإسلام التي ذكرناها هو إيجاد واقع عملي إسلامي؛ لأن الناس ملت من كلام المنابر، وملت من الكتب والمؤلفات التي تقرؤها، فنحن عندما جعلنا من المدرسة الإسلامية واقعًا؛ واقع نحن لا نرضى عنه ونرى فيه عيوبًا، نسأل الله أن يعيننا على تلافيها.. لكن ضغط الناس علينا لا يتصوره عقل؛ لأن النموذج وُجد وإن الواقع أمامهم، فحينما قلت لواحد من أولياء الأمور عمر ابنه ست سنوات إلا يومين ومتقدم إلى الحضانة بعد ما أصبح للحضانة تنسيق كتنسيق الجامعة قلت له: حرام عليك! عمر ابنك ست سنوات إلا يومين؛ يعني بدل دخوله الحضانة يدخل أولى ابتدائي في مدرسة أخرى؛ لماذا تأت إلى هذه المدرسة؟! أتضيع على الولد سنتين؟! يقول لي: والله أنا ما كنت أنتظر هذا الكلام منك أنت بالذات! هو ضياع سنتين أم ضياع دينه؟! وجاء رده مفحمًا فلم أستطع جوابًا..

    ما الذي جعله يفعل ذلك؟ إنه النموذج الموجود، فإننا أصلاً حينما ننادي بشمول الإسلام وعمومه نقدم النموذج العملي الذي يراه الناس رأي العين بناءً موجودًا، إذا كنا في مرحلة إيجاد رأي عام إسلامي غير مطلوب منا التحوصل، والأخوات يلتفون حول بعضهن (المحجبات)، وكأن الأخريات ميكروب، بينما الأصل هو العمل معهن لإيجاد رأي عام إسلامي يحمي المجتمع المسلم؛ لأننا لسنا نوابًا عنهم.. نحن في المقدمة، ولكن لابد أنم نُفعِّل الآخر، وإلا لن نكون أصحاب دعوة.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: شرح الأصول العشرين الاسلام دين و دولة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 20:59

    دعوة غير المسلمين
    أنا قلت في كتابي (الدعوة قواعد وأصول) قلت بهذا الحرف للأسف وللأسف الشديد: إننا ما زلنا حتى الآن ندعو المسلمين إلى الإسلام، بينما أصل الدعوة أن ندعو غير المسلمين إلى الإسلام، هذه الدائرة أصبحت دائرة بعيدة ليست في دائرة ولا في محيط تفكيرنا.. أصبحنا ندعو محمدًا وعليًّا وإسماعيلَ وخليلَ؛ لكن جرجس وحنَّا لا دخل لنا بهم، مع أن الدعوة جاءت لدعوتهم! انحسرت الدعوة في هذا النطاق الضيق، وضيقنا على أنفسنا، بينما الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: "المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".. لابد وأن أُوجِد الواقع العملي الإسلامي الذي يقدم حلولاً لمشاكل الناس.. نتكلم عن الإسلام.. أين الواقع؟ وإخوانكم موجودون في مجلس الشعب، ولقد قلتُ لهم: الفرحة انتهت وفرحنا، وربنا أكرمنا ومسح على صدورنا، وأدخل علينا السرور؛ لكن المشكلة في أن الناس تنتظر منكم الكثير بعد النجاح، المشكلة بعد النجاح، المشكلة أن الناس يقولون: أنتم نجحتم؛ فماذا ستعملون لنا؟ هذا هو البلاء.. نريد واقعًا ملموسًا يراه الناس حتى يزدادوا إيمانًا بنا، ويروا أن الشعار الذي نرفعه (الإسلام هو الحل) حقيقةً واقعةً، وبفضل الله تعالى أثبت الإخوة توفيقًا، نسأل الله أن يكون حليفهم دائمًا.

    أنا كنت في مؤتمر من المؤتمرات، وكان في مدينة من مدن البحيرة، وكنت أتكلم عن الإسلام بهذا المفهوم الذي أتحدث عنه الآن، فجاء أحد الإخوة وقال لي: خذ حذرك؛ هناك بعض الشيوعيين ينوون إحراجك، ويريدون إفساد المؤتمر، فقلتُ: "نصيحتي إليكم أن لا يتصدى أحد منكم لهم، دعوني وشأني.. أنا المتحدث فلا شأن لكم بهم إطلاقًا.. إذا قام أحدهم لا تعلقوا، لا من قريب ولا من بعيد"، فقام أحدهم- بعدما انتهيت وفتحنا باب النقاش- فقال لي: أنتم تكلموننا كثيرًا جدًّا عن الإسلام، وعسل النحل الذي سنأكله والتفاح والبرتقال والخير الكثير جدًّا، والكلام الذي تقولونه حلو وجميل، وطعمه حلو؛ ولكن قل لي كيف نحل المشكلة الاقتصادية التي عندنا؟ كيف نحل مشكلة البطالة؟ كيف نحل مشكلة الشباب الذي يريد الزواج؟ وجعل يعدد لي المشاكل وأنا أسمع، فقلت له: أفرغت؟ لم أقلْ له يا أبا الوليد؛ لكني قلت له: أفرغت؟ قال: نعم، قلتُ له: أسألك سؤالاً- وأنا أعرف أنه ماركسي-: لو أننا في روسيا وظهرت مشاكل من تطبيق النظام الشيوعي أتستدعي لها الأمريكاني الرأسمالي، وتقول له حل المشاكل التي نتجت من تطبيق الشيوعية، أم تقول يا شيوعية حلي لنا المشاكل التي نتجت من تطبيقك؟ فسكت، قلت له: وكذلك في أمريكا حينما نذهب لأمريكا ونجد مشاكل وجدت من تطبيق النظام الرأسمالي؛ أنقول لصاحب النظام أنت الذي طبقت فابحث لنا عن حل؟! ولذلك نقول: افسحوا لنا الطريق يا شيوعيون ويا رأسماليون واتركونا كإسلاميين نطبق إسلامنا، ويوم أن يوجد مشاكل من تطبيق الإسلام، قولوا لنا حلوها، أما أن "تخربوها" ثم تحملوننا مسئوليتها فلا.

    فالإخوة قالوا: الله أكبر ولله الحمد، هذا الأخ ربنا شرح صدره، وصار أخًا في الصف بفضل الله تعالى، وما زال حتى الآن حين يلقاني يضحك حين يتذكر هذا الموقف، ويقول: ربنا جعلك سببًا لشرح صدري.. فهذه نقطة مهمة جدًّا، إننا نريد واقعًا سلوكيًّا؛ ولذلك نريد من الأخ أو الأخت في مكانها أن تكون نموذجًا للإسلام؛ حركةً وسلوكًا وحديثًا وعلاقة.. كنتُ أقول لأخواتكم حينما أزور أمريكا، أقول للأخت: أنت بجوارك الأمريكية الكافرة، أشعريها بالفرق بينك وبينها، لا تُجاريها في عاداتها وتقاليدها، فهي حينما تعمل "كيك" لا علاقة لها بأخيها، أقول لها أما أنت فاعملي "كيك" وأعطيها منه في طبق؛ كي تجد سلوكًا مغايرًا لم تتعوده، مما يجعلها تتساءل: ما هذا؟! تعطيني قطعة كيك؟! معقولة؟! ستستغرب هذا السلوك، وحينما تأتي مناسبة عيدها قولي لها: "كل سنة وأنت طيبة" مثلما تقول هي: "كل سنة وأنت طيبة" في عيدك، وعندما تجد المغايرة تتساءل، نريد النموذج؛ سواء نموذج الفرد، أو نموذج الجماعة التي تقدم الحلول لأصحاب المشاكل.

    الأمر الثاني: أن العمل لتحقيق هذه الأهداف التي قلناها يجب أن يقوم على أساس التخطيط المرحلي، "فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"، والمنبت الذي يجلس على الدابة مختلفًا ويضربها لكي تقطع الطريق بسرعة، ويظل يضربها حتى هلاكها، ضاعت منه الدابة بحماقته، ولم يصل إلى الهدف المنشود، كذلك الإنسان المسلم لابد وأن يكون صاحب عقلية تخطيطية في مراحل كل هدف يوصله إلى الآخر حتى نصل إلى الغاية المنشودة، وكل مرحلة من المراحل يكون لها أهداف، وطبعًا لا يغيب عنكم هذه الأمور التي نتحدث عنها.

    الأمر الثالث: أن العمل لتحقيق هذه الأهداف لابد أن يقوم على أساس العمل الجماعي فإن العمل الفردي لا يستطيع أن يحقق هذه الأهداف؛ ولذلك نرى الإمام "البنا"- رضوان الله عليه وأرضاه- يتكلم عن أركان البيعة وبخاصة ركن العمل، فيقول لك: "إن أول مرتبة في العمل إصلاح نفسك؛ فتكون قوي الجسم، متين الخلق، سليم العقيدة، صحيح العبادة"... إلخ.

    نحن نتكلم عن عمل، هذا هو العمل.. هذه هي البداية الحقة التي نبدؤها لإنشاء طليعة تحمل هذه المعاني، لدرجة أن الإمام "البنا" يقول: في الوقت الذي يكون منكم ثلاث مائة كتيبة قد أعدت كل كتيبة نفسها روحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعمل والثقافة، وجسميًّا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أقود بكم لجاج البحر، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل جبار عنيد، فإني فاعل إن شاء الله".

    التربية

    ثلاثمائة بدريين، نريد الثلاثمائة البدريين، ربما تكون هناك نماذج فردية؛ لكننا لم نصنع بعد هذه الكتيبة التي يُشير إليها الإمام "البنا"- رضوان الله عليه وأرضاه- وما زلنا نبذل الجهد؛ لكي نحقق هذا الرجل الصالح المصلح الذي منه تتكون الجماعة العابدة لربها، العاملة ليلَ نهارَ لمرضاة ربها، فمنطلقنا- كما قلنا من قبل- منطلق تعبدي لله تعالى؛ ولذلك حين نطبق هذا لابد أن نراعي الأمور الآتية: المنهج الذي نطبقه- الذي وضعناه لكي نحقق هذه الأهداف- محكم دقيق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه لا خلل يخاف منه نتيجة نقص التربية..

    نقول دائمًا للذين يتعجلون ويقولون إلى متى نربي الأمة؟ نقول له: والله أما وإنك سألت هذا السؤال فإنك في حاجة إلى التربية؛ لأن التربية لم تنتهِ في لحظة من اللحظات، فهي صاحبت الوحي نزولاً من أول ما نزل على رسولنا- صلى الله عليه وسلم- من سورة العلق إلى آخر آية نزلت في القرآن مصحوبة بالتربية، فأمر التربية عندنا دين؛ ولأن الخلل في الصف يهز البناء كله؛ ولذلك عندما نجد واحدًا يخطئ، والخطأ أمر طبيعي؛ لكن عندما يكون الخطأ مرتبطًا بالجماعة، يقول لك: انظر يا سيدي، انظر الجماعة.. خطأ الفرد في داخل الجماعة محسوب على الجماعة، وأي خلل في الصف- وأنا أتحدث عن أمور أنتم تعرفونها- مجرد فتنة في حب الرئاسة والزعامة والتقديم في مقدمة الصفوف، ومجرد ما يضحك الشيطان على الإنسان في هواه ورغباته وشهواته لا شك أنه سيترك أثرًا سواء كثيرًا أو قليلاً؛ لكن لا بد أن يترك أثرًا في الصف، ومن هنا كان لابد أن لا نتعجل، لا نتعجل أبدًا وربنا تعالى لا يريد منا نتائج: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:129)، فالمولى يريد منا أن نقيم أنفسنا بالكيف.. إن وجد خطأ نصححه، لا عيب أبدًا في أن نقف على أخطاء في حركتنا فنصوبها؛ لأن التصويب في هذه الحالة يبقى لونًا من ألوان تراكم الخبرات عند الجماعة تُستدعى حين الحاجة إليها.

    إننا نطمئن أنه لا تفكك في التنظيم لأداء العمل.. إذا كنا نطمئن على المنهج، ونطمئن على تربية الصف، يبقى أن ننتقل إلى التنظيم.. هل صورة التنظيم دقيقة بحيث أن يكون هناك مثلاً خط سلطة لكل إنسان يعرف مصدره؟ هل تلقى التكاليف تأتي بصورة أيضًا منظمة؟ هل العمل نفسه أيضًا يتابع بطريقة منظمة؟ هل.. هل..؟ كل ما يتصل بالتنظيم لابد أن أكون مطمئن له، ثم أبحث عن العجز في الإنجاز والإتقان وتحمل المسئولية، وأخيرًا أطمئن أنه لا غموض في الرؤى، فلا غموض.. كل واحد يعرف دوره جيدًا.. كل إنسان يعرف الذي عليه فيؤديه على الوجه الأكمل.. ومن هنا نرى أن قرآن ربنا الذي جاء ليعرفنا بربنا لنعبده، وعرفنا بأنفسنا لكي نؤدي رسالتنا في الوجود، وعرفنا بالكون الذي نعيش فيه لكي نعمره بمنهاج الله تعالى، عرفنا أيضًا بالمصير الذي نصل إليه؛ إما إلى جنة- نسأل الله إياها- أو إلى نار- أعاذنا الله منها- فتصير قراءة القرآن عندنا منهاج حياة: "كان خلقه القرآن"، نأتمر بأمره، وننتهي بنهيه، ونقول بحق: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162، 163)، ويبقى القرآن ليس للبركة نضعه تحت رأسنا عند النوم حتى لا يأتينا شيطان ونقرؤه في المآتم والمواسم والأعياد، وتجد إسرائيل (الكيان الصهيوني) تذيعه في محطتها؛ لأنها مطمئنة إلى أن قلوب المسلمين لن تتلقاه بالقبول الحسن، كما قال ربنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2).

    قصة لطيف

    هناك قصة لطيفة حدثت مع الأستاذ "عمر التلمساني"- ألحقنا الله به بالصالحين وغفر الله لنا وله- يحكيها عن أول لقاء كان بينه وبين الإمام "البنا"- رحمة الله على الجميع- فيقول الأستاذ "عمر"- رحمة الله عليه-: "إن المرشد "حسن البنا"- رحمة الله عليه- سأله يقول له هل تقرأ القرآن؟ فأجاب بنعم، ثم قال وأخرجت من جيبي مصحفًا لأؤكد له ما أقول، فسألني: ولماذا تحتفظ به في جيبك؟ فقلت إنه خير وبركة، فما كنت أعرف أن القرآن كتاب رسالة ومنهج؛ ولكني كنت أقول ما أفهمه من حمله، وأنه بركة توضع على الرأس إكبارًا، أو في الجيب حراسة، أو في المأتم رحمةً، فقال المرشد: ما لهذا نزل القرآن يا "عمر"، لقد نزل تشريعًا يربط بين الدنيا والآخرة، لقد نزل لنعمل به في سبيل الله وخير المسلمين، لا لكي تضعه في جيبك أو لكي تقرأه لوحدك، وزاد المرشد قائلاً: "وعندما تتمعن في قراءة القرآن وإدراك معانيه فسوف تجد أن القراءة لمجرد القراءة لا تفيدك، فأنت عبد من عباد الله، تقرأ القرآن تقربًا لله"، وهذا صحيح وإنما هذا أمر لا يكفي، فالمسألة ليست مسألة بركة فحسب؛ وإنما العمل بتعاليم القرآن؛ فهل يرضى الإسلام أن يكون المسلم ذليلاً؟ هل يرضى أن يكون في مؤخرة العالم كله؟ هل يرضى أن يكون حملة كتاب الله على هذه الصورة من التبعية؟ إنه القرآن الذي جاء لكي يعز الذليل، ويمكن للضعيف، وأن ينشر رحمته ونوره في العالم.

    لذلك لكي نختم هذا الركن أختمه بكلمات قالها الإمام "البنا"- رضوان الله عليه وأرضاه- في هذا المعنى أيضًا يقول: "إن الله قد بعث لكم إمامًا، ووضع لكم نظامًا، وفصَّل أحكامًا، وأنزل كتابًا، وأحل حلالاً، وحرم حرامًا، وأرشدكم إلى ما فيه خيركم وسعادتكم، وهداكم سواء السبيل؛ فهل اتبعتم إمامه، واحترمتم نظامه، وأنفذتم أحكامه، وقدستم كتابه، وأحللتم حلاله، وحرمتم حرامه، كونوا صرحاء في الجواب وستجدون الحقيقة، سترون الحقيقة واضحة أمامكم.. كل النظم التي تسيرون عليها في شئونكم الحيوية نظم تقليدية بحتة لا تتصل بالإسلام من قريب ولا بعيد، ولا تستمد منه ولا تعتمد عليه في نظام الحكم الداخلي.. نظام العلاقات الدولية.. نظام القضاء.. نظام الدفاع والجندية.. نظام المال والاقتصاد للدولة والأفراد الثقافة والتعليم.. نظام الأسرة والبيت؛ بل نظام الفرد في سلوكه الخاص وروحه العام الذي يهيمن على الحاكمين والمحكومين ويشكل مظاهر الحياة على اختلافها.. كل ذلك بعيد عن الإسلام وتعاليم الإسلام.. إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة قدوتنا، ندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام، وأحكام الإسلام وهدى الإسلام.. فإن كان هذا من السياسة عندكم، فهذه سياستنا، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تصرفنا الأسماء متى صحت المسميات وانكشفت الغايات".

    وبذلك يكون الإمام "البنا" بهذه الكلمات الطيبات تكلم عن هذا الركن الركين الذي عالج هذه الأمور التي ذكرناها، والتي بينت أن المظهر الأول لتعاليمنا هو القرآن، الذي وضح لنا هذا الشمول وهذا العموم، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الحارث عن علي- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "ستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم"، قلتُ: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تعالى؛ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَن تركه من جبار قصمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أذله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) مَن علم علمه سبق، ومَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن عمل به أُجر، ومَن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم".. صدقت يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    المرجعية العليا في الإسلام

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 21:01

    • مقدمة

    بعدما تكلم الإمام البنا عن شمول الإسلام وعمومه، واستمداد هذه المعاني من القرآن.. انتقل إلى الأصل الثاني فقال: "والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرُّف أحكام الإسلام ويُفهَم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلُّف ولا تعسُّف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات".

    فإذا كان القرآن هو المصدر الأول للتشريع فإن سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هي المصدر الثاني للتشريع؛ والسنة هي مصدر تلقِّي المسلمين، رغم وجود مَن ينكرون السنة، ووصل الأمر ببعضهم أن يقولوا: "ما وجدناه في كتاب الله عملنا به"، وينكرون السنة إنكارًا، رغم أن الكثير من تفاصيل العبادات التي نؤديها غير موجود في القرآن وأخذناها عن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- مثل عدد ركعات الصلاة والتي أخذناها من "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ومناسك الحج التي أخذنا تفاصيلها من "خذوا عني مناسكَكُم"، وكذلك أحكام الصيام وأنصبة المواريث التي لم ينص عليها القرآن وجاءت في سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم.. هذا وأحكام القرآن نوعان:

    - أحكام يُراد بها إقامة الدين، وتشمل أحكام العقائد والعبادات..

    - أحكام يُراد بها تنظيم الدولة والجماعة والعلاقات، وهي ما سمَّاه العلماء المعاملات والأحوال الشخصية والدستورية وما إلى ذلك؛ يقول مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلَّم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب (الإمام السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن).

    ولذلك نرى الإنسان يتحرَّج أن يتكلم في كتاب الله إلا إذا كان ناقلاً، فيقول: قرأت هذا في ابن كثير، أو قرأت هذا في القرطبي.. إلخ، فهو ناقل لا أكثرَ ولا أقلَّ؛ لأن قلة الفقه وعدم وجود فقهاء للأمة في زمان ندَر فيه العلماء جعل بعض مَن يحملون من العلم نصفَه أو ربعه أساتذةًً كبار، وأصبح مَن يحفظ الأربعين النووية بسندها جهبزًا من الجهابزة، وعالمًا من العلماء، ولننظر إلى الإمام السيوطي وقد وضع ثلاثة عشر عِلمًا يجب أن يُحيط بها مَن يتكلم في التفسير، فبدأ بعلوم القرآن من معرفة المكي والمدني ومعرفة أسباب النزول والعام والخاص والمطلق والمقيَّد، وبعد ما انتهى من علوم القرآن انتقل إلى أصول الفقه وأصول الدين، ثم انتقل إلى الحديث النبوي بمعرفة الضعيف منه والصحيح، ثم علوم اللغة والاشتقاق والنحو والصرف، وبعدما عدَّد كلَّ هذه العلوم قال: وعلْمُ الموهبة، فقيل له وما هو علم الموهبة؟ قال: نور يقذفه الله في قلب مَن يحب من عباده.

    فلنظر إلى كل هذه العلوم التي عدَّدها واشترط الإلمام بها كاملةً وليس بمقدماتها فقط، ولنتخيلْ قدر حاجة الإنسان إلى الاطلاع والعلم لكي يتصدَّر لتفسير كتاب الله، ويحترمَ الناس وعقولَهم لا أن يدعي أنه فقيه عصره، وأنه إذا قال لابد أن يُسمَع لقوله.. فهذا أمر مُضحك ومُبكٍ في نفس الوقت.

    والسنة هي كل ما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو فعله أو أقرَّه، والسنة القولية مثل قوله- صلى الله عليه وسلم-: "الطهور شطر الإيمان"، أو يقول: "لا يحل قتل امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث.."، فهذه سنة قولية.. والسنة الفعلية هي ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- مثل الصلوات أو إقامة الحدود مثلاً؛ والسنة التقريرية هي ما صدر عن بعض الصحابة من فعل أقرَّه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مثل ما حدث مع سيدنا معاذ عندما سأله المصطفى– صلى الله عليه وسلم- وهو ذاهب إلى اليمن: "بمَ تحكم؟! فقال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي الله ورسوله"، وكذلك موقف الصحابة عند ذهابهم إلى بني قريظة، فمنهم مَن صلى العصر قبل وصوله إلى بني قريظة، ومنهم مَن صلى بعدها، وأقر الرسول- صلى الله عليه وسلم- الفريقين على ما فعلوا، فهذه سنة تقريرية.

    • دروب السنة

    وأحكام السنة نفسها على دروب:

    إما أن تكون سنةً تُقرِّر حُكْمًا جاء به القرآن، وفي هذه الحالة يكون الحكم مرجعه القرآن والسنة أخذت منه، ويكون مصدر المسلمين الكتاب والسنة معًا؛ لأن الكتاب جاء بهذا الحكم والسنة جاءت به أيضًا، مثل تحريم القتل، فالحق- سبحانه وتعالى- حرَّم القتل فقال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: 151)، والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحل دم امرئ مسلم.." فالحكم جاء في السنة ومن قبل جاء في القرآن، ومثل ذلك الكثير من الأمور والأحكام.

    وإما أن تكون سنةً مفصَّلةً مفسِّرةً حكْمًا جاء به القرآن، فهناك أحكام جاءت في القرآن مجملةً في معناها أو مقيدةً بقيدٍ، وجاء حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- كي يبين هذا الأمر تبيانًا واضحًا، مثل الصلاة التي جاءت مجملةً في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (البقرة:43).. لكن جاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فأخذنا عنه عدد ركعات الصلاة وتفاصيلها؛ وكذلك الحج ومناسكه؛ والزكاة وأنصِبَتَها، وأنواع الربا، وغيرها من الأمور التي بينها الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولم يأت بها القرآن.

    وإما تكون السنة مُثبِتَةً حكمًا سكَت عنه القرآن، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يُثبت ويكمل هذا الحكم، مثل قوله- صلى الله عليه وسلم-: "لا تُنكح المرأة على عمَّتها أو خالتها".. فالقرآن عندما تكلم عن المحرَّمات من النساء لم يأتِ بالعمة ولا الخالة؛ ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وضح هذا الحكم في سنَّته، وقال عن الذهب: "حرام على رجال أمتي حلالٌ لنسائها"، وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب".

    وليس القرآن فقط الذي حفظه الله تعالى؛ ولكنه حفظ السنة أيضًا في صدور رجال وإن كان القرآن قد جمع، والحق- سبحانه وتعالى- يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، والذكر هنا ليس القرآن وحده، فالحق يقول: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، فالتبيان من الذكر، وحفظ الله جمع بين القرآن والسنة، وهذا رأي الإمام ابن حزم، فحفظ الله القرآن والسنة، وجعلهما أصولنا كما رتَّبها العلماء وفقًا لصحتها، فمنها الحديث المتفق عليه وهو ما رواه الشيخان (البخارى ومسلم) وهو أعلى درجات الصحة، ويليه ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم، ويليه ما كان على شرطهما وإن لم يخرِّجاه، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، ثم بعد ذلك ما صحَّحه غيرهما من الأئمة.

    • الاستدلال بالحديث

    وهنا- ونحن نتكلم عن الفهم- يجب أن نتحرَّز في قراءة الأحاديث قبل الاستدلال بها، فالدليل ليس ما جاء في حديث واحد فقط، وإنما الدليل هو كل ما قيل في المسألة الواحدة من أحاديث، والإمام ابن قتيبة صاحب (مقدمة عيون الأخبار) يقول: "إذا مرَّ بك أيها المتزمِّت حديثًا تستخفُّه أو تستحسنُه أو تُعجَب منه أو تضحك له فاعلم واعرف المذهب فيه وما أردنا به، واعلم أنك إن كنت مستغنيًا عنه بتنسكك فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه لاحتياجه إليه، وإن الكتاب لم يُعمَل لك دون غيرك، فهيِّئ على ظاهر محبتك ولو وقع فيه ما توقى المتزمتون لذهب شطر بهائه وشطر مائه، ولأعرض عنه من أحببنا أن يُقبل إليه معك".

    وهو يعني أن الإنسان عندما يقرأ حديثًا، ويجد فيه لونًا من ألوان الشدة التي تروقه يجب أن يعلم أن غيره ممن يترخص يبحث عن حديث آخر، والرخصة موجودة والعزيمة كذلك؛ فلا نتعجَّل الحكم.

    "وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة، أو وصف فاحشة فلا يحملنَّك الخشوع أو التخاشع على أن تصعِّر خدَّك، وتعرض بوجهك، وإن أسماء الأعضاء لا تؤثِّم، وإنما المؤثِّم شتم الأعراض، وقول الزور، والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيبة والنميمة"، وهو يعني أنه من الخطورة بمكان أن أقرأ حديثًا، وأقف عنده أبحث عن الحكم، فالحق تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: 7)، وهناك مثال على ذلك: السيدة عائشة- رضي الله عنها- قالت في حديث: "ما بَالَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقفًا منذ أُنزل عليه القرآن، ومن حدثكم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالَ واقفًا فلا تصدقوه"، ولو وقع هذا الحديث في أيدينا وحده وجاء من يقول: جائز أن يبول الرجل واقفًا؛ أو يقول: أنا أعلم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بال واقفًا، فماذا نفعل بكلام السيدة عائشة، التي تقول: ومَن حدَّثكم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بال واقفًا فلا تصدقوه.. فلننظر لسيدنا حذيفة- رضي الله عنه- يقول: أتيت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بوَضوء (الإناء الذي فيه ماء للوضوء) فبال واقفًا ثم توضأ.

    والحديث الأول صحيح، والحديث الثاني متفق عليه، فالحديثان صحيحان، ومن الخطورة بمكان أن الذي يقع في يده الحديث الأول يظن أن هذا هو الدليل فيتكلم ويقف ويرفع حنجرته ويقول من الذي قال هذا الكلام؟ ولا يجوز التبول وقوفًا، بينما في حديث آخر جواز ذلك.

    والإمام ابن القيم أفرد بابًا لهذين الحديثين وقال: "تبول الرسول- صلى الله عليه وسلم- واقفًا"، وجاء بحديث السيدة عائشة الذي ذكرناه وقال: إن علماء الحديث يقولون إنه إذا كان هناك حديثان ظاهرهما التعارض مثل هذين الحديثين فالتوفيق بينهما أولى، ولا نترك الاثنين يضاربان بعضَهما فهذا حديث صحيح وهذا حديث صحيح.. فكيف وفق العلماء بين هذين الحديثين؟

    يقول ابن القيم: "أسأل سؤالاً: مَن قال إن السيدة عائشة كانت قادرةً ومقتدرةً على إحصاء تبوُّل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل مكان بالَ فيه؟ في بيته وفي خارج بيته، في أسفاره، في ترحاله، في كل مكان فكيف قالت السيدة عائشة "ومن حدثكم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بال واقفًا فلا تصدقوه"؟!

    فقال: أما السيدة عائشة فهي تتكلم وتحكي عن حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيته لأنها زوجته، أما حذيفة فكان يصاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أسفاره في كل خطواته، فهو يتحدث عن حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أسفاره، ومن الحديثين استنبط العلماء جواز التبوُّل وقوفًا.. لعل الأمر الآن اتضح إلى أن نأتي لموضوع الخلاف الفقهي ونتناوله بشيء من التفصيل.

    • مقاصد الكتاب والسنة

    ولذلك كان ولابد أن يكون هناك تصحيح للتصور السليم، وأن نخلص العقل من آفاته ومن النظرة الجزئية للإسلام، وأن نبعد عن السطحية في التفكير، وأن لا نخلط بين الوسائل والغايات.

    مثال: كثير من الناس يتصوَّر أن الوصول للحكم غايةٌ في ذاته، بينما الحكومات عندنا وسيلة وليست غاية، فالله عز وجل يخبرنا عن الغاية من التمكين في الأرض في قوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ماذا فعلوا؟! ﴿أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: 41).. إذًا نحن بهذا الكتاب وهذه السنة المباركة المطهرة نقصد إلى أمرين:

    • المقصد الأول: إقامة أمة صالحة

    إذًا ماذا نريد؟ لا نريد دولة، أو حكومة، أو هياكل ونظُمًا وفقط، بل نريد أمةً صالحةً، ولا تصلح الأمة إلا إذا توفرت فيها أمور.. إذا كنا نريد أن نقيم الأمة لابد وأن تتحقَّق فيها أمور:
    أولاً: أن يكون لها رسالة من مبادئ وقيم؛ ولذلك أنا قلتُ لكم قبل ذلك إن رسالة الإسلام رسالةَ تربية قبل أن تكون رسالةَ تنظيم وتشريع.. رسالة قيم وأخلاق ومبادئ قبل أن تكون رسالةَ جهاد وقتال.. رسالة مبادئ يراها الغادي والرائح في تطبيق عملي قبل أن تكون رسالةَ انتشار واتساع، لابد وأن نضع هذا في اعتبارنا.

    إن رسالتنا رسالةٌ أخلاقيةٌ قبل كل شيء.. نريد أن نبنيَ أمةً؛ ولذلك أول شيء أن تكون رسالة من مبادئ وقيم عُليا..

    ثانيًا: أن تكون الأمة موحَّدة متحابَّة، وفرقٌ كبيرٌ جدًّا بين الجماعة والتجمُّع.. نحن لا نبحث عن الكثرة، أقول: إذا كان المقصد الأول هو إقامة الأمة الصالحة فهو لا يتحقق إلا بأن يكون للأمة رسالة من مبادئ وقيم- كما قلت- ثم بعد ذلك تحقيق الأخوَّة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة:71)..

    ثالثًا: أن تكون الأمة مُضحية.. لدينها تعمل، وتضحي في سبيله بالغالي والنفيس.. ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (التوبة:111).

    • المقصد الثاني: أن يكون على رأس هذه الأمة حكومة صالحة

    وضعوا تحت كلمة حكومة صالحة هذه عشرة خطوط؛ كي نعلم أن أمر التربية هذا أمر في منتهى الخطورة والأهمية؛ فهو العمود الفقري لكل تنظيم.. إذا حدث خللٌ إداري فابحث عن الخلل التربوي الأول قبل أن تبحث عن الخلل التنظيمي.. ابحث عن الخلل التربوي الذي أحدثه؛ لذلك يقول لنا ربنا: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ (الشورى: 13) أقيموا الدين.. مهمتنا إقامة الدين.. والحكومة إن لم تكن آتيةً لتقيم الدين فلا خيرَ فيها؛ ولذلك لابد أن تكون الحكومة صالحةً، والقائمون عليها أصحاب أيدٍ متوضئةٍ؛ لذلك إذا كانت كذلك فهي خادمة للشعب ولا تشعر بالسيادة، ولا تشعر بأن الشعب ذليلٌ وهي التي لها اليد الطولى.

    وفي النظام الإسلامي إذا عثرت بغلة في العراق سيسأل عنها عمر لِمَ لَمْ يمهد لها الطريق.. هذا هو صلاح الأمر؛ لذلك وجدنا النظام الإسلامي نظامًا له خصائصه، والدعوة الإسلامية لها خصائصها، ومن هذه الخصائص: أنها ربانية في مصدرها، فهي وحي من عند الله تعالى، وأي سعادة تلك حينما يكون مصدر نظامنا وحيًا من عند الله تعالى.. ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت:42) ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام:38)!!
    هذه المعاني كلها كيف لا نعتد بها؟ فهي ربانية وسطية في اختيارها، إيجابية في نظرتها للكون والإنسان والحياة، أخلاقية في غايتها ووسائلها، واقعية حين تتعامل مع الفرد والمجتمع، شمولية في منهاجها، عالمية في دعوتها، شورية في حكمهما، جهادية في تربيتها.. هذه كلها خصائص تتميَّز بها الدعوة.. دعوة الإسلام، ومن هنا قلنا إن الدعوة سلفيَّةٌ، فهذا معناه أن هذه هي المعاني التي أتى بها السلف رضوان الله عليهم أجمعين؛ ولذلك يضحك علينا أعداؤنا ويضحكون على المسلمين حين يسمون مَن ينادون بإقامة الدين دولةً على الأرض بـ(الإسلام السياسي) يضحكون علينا، فهل عندما ندعو إلى الأسرة والأولاد والترابط الأسري يُسمى هذا (الإسلام الاجتماعي)؟! وعندما نتكلم عن المال وتنميته وتزكيته يسمى هذا (الإسلام الاقتصادي)؟! فهل نجزِّئ الإسلام تجزئة هكذا؟! نحن لا نعرف هذه الجزئيات.. ولكننا نعرف الإسلام بشموله وعمومه.

    • السعي للتمكين لدين الله

    لذلك فإننا نسعى للتمكين لدين الله في الأرض، فالتمكين لدين الله عندنا له معنًى ومغزًى لعدة أسباب:

    أولاً: أن التمكين لدين الله لا يتم إلا بعد أن تسود في المجتمع القيم والأخلاق والعادات والتقاليد الإسلامية- لابد من تهيئة- حينما نتكلم عن التمكين لا نقصد به الحكومة، ولكن نقصد بالتمكين القيم والأخلاق والعادات والتقاليد والشعائر التي تسود المجتمع نفسه.

    ثانيًّا: أن التمكين لدين الله بهذا المعنى يكون شاملاً لجميع وحدات المجتمع.. نحن لسنا جماعة انتقائية ننتقي من المجتمع، لا.. نحن جماعة جهادية تريد أن تقيم شرع الله على الأرض فتبسطه للأبيض والأسود والأعجمي والعربي والسيد والمسود في آن واحد، تسوقه للنجَّار كما تسوقه للمهندس كما تسوقه للتلميذ لا يمكن أبدًا أن ننتقي طبقةً أو مستوًى دون مستوى آخر.

    ثالثًا: أن التمكين لدين الله لا يتحقق في الأمة قسرًا وقهرًا، ولكن برغبةٍ لازمةٍ، ولقد دخلنا السجن وجلسنا سنوات اعتقال وسمعناهم يقولون لنا: انسوا أنكم ستخرجون، وظنَّ الحاكم في ذلك الوقت أن ملكَه لن يزول.. فماذا حدث؟ نظام ولَّى بعد أن كانت الناصرية هذه عندهم دينًا، وكان المجتمع كله يدين بالناصرية.. ناصر ناصر.. أين هو الآن؟ وأين القهر والقسر؟ ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ (إبراهيم:45)، ولكن حينما تكون الدعوة طواعيةً واختيارًا واقتناعًا وإيمانًا فمعناه أنني بنيت قاعدةً تحميني.. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران:144).. أن تبقى قاعدة تحمي وتفتدي هذا النظام بأرواحها وليس حينما يموت الرأس تنتهي القصة.. لا؛ ولذلك حينما قال أحد الإخوة أيام الأستاذ البنا: والله ماذا نصنع بعدك يا إمام؟! فقال له أما وقد قلتها فوالله إن حدث هذا فما ربَّيت فيكم رجلاً.. هذا هو الذي ربى الإمام البنا عليه إخوانه، ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (الأنبياء:6).

    فالإمام البنا لم يترك كتبًا ولا مؤلفات، بل ترك رجالاً.. أكثر من خمسين دولة في إفريقيا وآسيا موجود فيها هذا الفكر، وهذا التصور وهذه الدعوة ومات الرجل وترك رجالاً، هذا هو المطلوب؛ لأن الرجال لا يقاسوا بما تركوا من كتب ومؤلفات إنما يقاس الرجال بما تركوا من رجال يحملون أفكارهم؛ ولذلك فالتمكين لدين الله لا يأتي قسرًا أبدًا ولا قهرًا.. بل لابد أن يأتي بإيمانٍ يملأ القلب حتى يقول الإنسان: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهِرَه الله أو أهلك دونه، ولو كان بمفرده يعض على جذع شجرة ويقول ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء:62).

    رابعًا: أن استمرارية المنهج ودوامه لا يمكن أن يتحقَّق بحالة مؤقتة، نحن لسنا في جلسة نتكلم كلمتين ثم ينتهي الأمر؛ لكننا في عمل دائم، ومن التخطيط أن أعمل على استمراريته ودوامه؛ لأنه لكي أمكن لدين الله في الأرض لابد وأن أضمن استمرارية هذا المنهج، وأن تبقى خططي كلها موضوعة على هذا الأساس.

    خامسًا: أن التمكين لدين الله ليس قضيةً وطنيةً ولا قوميةً ولا قُطريةً ولا محليةً.. إنما هي عالمية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) ومن هنا فنحن في حاجة كما قلت للارتقاء بالمجتمع، لماذا نرتقي به؟ لكي أحقق أمرًا في منتهى الأهمية، أن يكون الإسلام مرجِعًا بمعنى أن أحقق مرجعيته في كل شيء، فالأموال التي أضعها في البنوك الربوية حلال أم حرام؟! والتأمين على الحياة حلال أم حرام؟! لابد وأن يجعل المسلم له مرجعيةً يرجع لها في سلوكه واعتقاده وأفعاله، ومن هنا فأنا أرتقي بالمجتمع لكي أجعلَ له مرجعيةً إسلاميةً يعود إليها في صغير الأمر وكبيره؛ لذلك فإن الإمام البنا- رضوان الله عليه وأرضاه- وضع خططًا في ثنايا رسائله وأمورًا ركَّز عليها لكي نحقق ما نقول، فركَّز على العمل التربوي كما قلت، واهتم- بجانب العمل التربوي- بالتخطيط والتنظيم الدقيق أخذًا بالأسباب، وإن تركنا ذلك نكون قد تركنا سببًا من الأسباب التي دعانا المولى تعالى لها، والحقيقة إن الأخذ بالأساليب العلمية حاليًا، وإحلال المؤسسية مكان الفردية، والأخذ بالتخطيط الشامل الكامل واحترام التخصص والمتابعة والمحاسبة.. هذه المعاني كلها تدخل في تنظيمنا لكي نطمئن لتحقيق ما نرجوه من خطوات توصلنا إلى ما نصبو إليه، وهو إقامة دين الله على الأرض.. وبهذا القدر نكون قد انتهينا من الركن الأول والثاني.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    • استدراكات وإجابات عن بعض الأسئلة

    نحن نعتبر أنفسنا ناقلين.. تعلمنا من الأستاذ البنا وهو يلقي محاضرةً، لم يكن يرتجل ولابد أن نحترم عقل السامعين ونبذل الجهد، كل هذا مطلوب، فإذا رجعت لآية أو حديث فحذارِ من كلام في الخاطرة دون الرجوع لأي كلام سابق قرأته.. غير مقبول، وحذار ثم حذار ثم حذار أن تتكلم في أحكام، فلا تتكلم في حكم إلا وأنت ناقل له، فالقرآن يتكلم عن سيدنا إبراهيم حينما جاءته الملائكة فوجدوا زوجته ويصف حالتها ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود:71) حينما نقرأ فضحكت فبشرناها أول ما يرد لذهننا الضحك، لكن حينما نرجع للُّغة نجد فضحكت يعني حاضت، وفرقٌ كبير جدًّا بين المعنيين..

    كلنا يقرأ القرآن ونقول فضحكت إذًا لا تحتاج إلى أن نرجع للتفسير، هي واضحة واحدة ضحكت.. أنا أنتقي لكم ألفاظًا تعطي معنى مختلفًا تمامًا عن المعنى الذي نقرأه لأول وهلة..

    ذكر حينما كنتُ في السجن وكان معنا أستاذ فاضل في الشريعة يعلمنا، ونحن نقرأ القرآن حتى أتينا إلى ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن:6)، فأنا قلت له: يا أستاذ هذه سورة قرآنية جميلة جدًّا جمعت بين السماء والأرض فقال لي: وما هي؟! قلت له ربنا يقول: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، فجمع النجم في السماء والشجر في الأرض في تسبيحةٍ جميلة جدًّا فضحك، فقلت: خيرًا إن شاء الله، فقال لي: "النجم هنا ليس النجم الذي في السماء، العرب تُسمِّي الزرع الذي لا ساقَ له نجْمًا"، فيجب أن أكون حريصًا، في البداية أقرأ حتى تكون عندي الحصيلة، ثم يأتي إحساسي وتأتي خواطري فتكون نابعة عن علم.. الخاطرة التي أقولها لا أقولها من تخيلاتي، بل أقولها من قراءاتي، ثم إذا استنتجت معنى لطيفًا منه مع صحة القراءة يكون جميلاً، ويكون فتحًا من الله تعالى، لكن على ضوء المعاني الموجودة، بمعنى أن اللغة العربية تحكمنا في هذا.

    حينما أقول خاطرة أقولها في معنى أعرفه وليس في معنى أستنتجه، هناك فرق كبير جدًّا بين الاثنين، فالأول قرأته وعرفته وعرفت معانيه فأبسطه لإخواني بالمعنى الذي يستوعبونه، لكن لا أحاول أن أصوغ الأفكار والمعاني في اللغة العربية من رأسي، فالأفضل والأحسن أننا نُكَوِّن أنفسنا تكوينًا علميًّا سليمًا ثم تكون لنا بعد ذلك الأفكار.

    هناك قضية أخرى، وهي جعل مرجعية الأمة للإسلام بالكتاب والسنة رغم وجود نصارى في الأمة، فمن ناحية الشرع هذا أمر مسلم به، ولكننا نتناول الأمر هنا بمنطق الحكمة والعقل ونقول، هل من العدل أن الكيان الصهيوني تطبق التوراة في فلسطين المسلمة وفيها ملايين من المسلمين؟ وفي أمريكا وأوروبا كذلك، ونحن بدايةً نتساءل: البلد هنا ما دينها؟! سبحان الله في أي بلد من البلاد يُقال بأن الأكثرية ستطبق منهجها، هذا الكلام في الدنيا كلها، فلماذا لا نطبق كمسلمين ديننا الذي هو دين الأغلبية؟ ثم نجدهم يقولون لنا إن العلمانية هي الحل، ولماذا العلمانية هي الحل؟! نحن نناقش معهم الديمقراطية التي ينادون بها.. الديمقراطية تقول إن الأغلبية تضع برنامجها وتطبقه على الجميع، سواء كانت الأغلبية مسلمة أو نصارى أو يهود، وهذا الكلام قلناه لهم: بيننا وبينكم الشعب، إذا الشعب قال نريد إسلامًا نطبق إسلامنا، وإذا قال لا نريد إسلامًا فلكم الأمر؛ لأننا لا نستطيع أن نفرض على الشعب إسلامًا لا يقبلونه، بل لابد أولاً- كما قلنا- أن نبدأ بترسيخ القيم والمبادئ وشرائع الإسلام حتى تسود المجتمع وتحميه.

    ولذلك قال الإمام البنا: "لسْنا من السذاجة في شيء بأن نسعَى للحكم وحال الأمة على ما هي عليه"، دعُونا نناقش بعقل ونناقش بمنطق يحكُمُنا قولَه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبأ:46).. تعالَوا نفكِّر معًا، ضعُوا لنا نظامًا نتَّفق عليه.. أنتم تقولون: "الحكم ديمقراطي والشعب وما يريد"، ونحن نقبل بذلك، بيننا وبينكم الشعب، لكن من السَّذاجة بمكان أن أقول إن العلمانية هي التي تحكم، بينما 99% من الشعب لا يريدونها، بل فرضت العلمانية عليه فرضًا، فاتركوا الأمر للشعب ولن يختار غير إسلامه.



    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    حلاوة الإيمان ونور العبادة

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 21:05

    * مقدمة
    إن من نعم الله على المسلم أن يرزقه الله فهمًا لهذا الدين، فإذا رزقه الفهم رزقه العمل، وسار طريقًا كله نور يعرف معالمه؛ ولذلك أصرَّ الإمام البنا على أن يجعل الفهم الركن الأول من أركان البيعة، ووضع له الأصول التي نعرفها "الأصول العشرين"؛ لكي يوحد التصور والوجهة بين أفراد الجماعة.

    الحقيقة إن الجهد الذي بذله الإمام البنا في أركان البيعة، وخاصة ركن الفهم، يستحق منا الوقوف طويلاً أمام هذه المعانى؛ لأن أي عثرة في الطريق أو زلل نتيجة سوء الفهم قد يؤدي بنا إلى طريق غير طريق الإسلام، وأريد أن أركز على ضرورة تحديد الاعتقاد السليم، والفهم الدقيق لهذا الدين، وكما بين الإمام البنا في الركن الأول شمول الإسلام وعمومه، ثم بين مصدر التلقي من كتاب وسنة، الركن الثالث وضع يدنا على أمرٍ من الأهمية بمكان، فليس الأمر أمر معارف فحسب، فحينما تكلمنا في الأصلين الأول والثاني، كانت معارف وعلوم وتحديد للمفاهيم، وهذا أمر ضروري بدأت به الآية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (محمد: 19)، ثم يأتي العمل: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد: 19)، هذا أمر لا نشك فيه؛ ولكن إذا كان الأمر يقف عند العلم والمعرفة، فالكفرة قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (لقمان: 25)، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (الزخرف: 78).

    * العلم وأثره على القلب

    إذًا ليس الأمر أمر تحصيل علوم ويبقى العقل مخزنًا للعلم والمعارف فحسب؛ بل لابد من نبض قلبي وحركة قلبية، ونور يملأ هذا القلب، وهذا هو الأهم من المعارف، أثر هذه العلوم في هذا القلب؛ لِيُنار بعلم الله، وإلا فهناك أناس قال فيهم ربنا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: Cool، ويستطيع أي إنسان أن يعطي محاضرة قيمة جدًّا، وتذكرون أنني قلت لكم في مرة سابقة: إنه ليس عند المسلمين من يسمى بمفكر إسلامي فحسب، مما يعني أن مهمته يفكر وفقط؛ لكن عندنا مفكر إسلامي تطبيقي، مفكر عملي يضع ما يفكر فيه موضع التنفيذ.. هذا هو المهم عندنا؛ ولذلك تجد استخدام القول دائمًا في القرآن فيه تحذير للمسلم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ (العنكبوت: 10)، قول باللسان.. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 47)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204)، فمظاهر العلوم والمعارف والأقوال قد تؤدي إلى زعم الإيمان طالما أنها لم تتجاوز اللسان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (النساء: 60).. هذا زعم فقط لا أكثر ولا أقل؛ لكن نحن كمسلمين مؤمنون بتفاعل القلب بهذا الإيمان، وبتأثره به، نحن نريد القلب النابض بهذا الإيمان؛ ولذلك حينما جاء القرآن يستخدم القول قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، ولا يقول للناس حسنًا إلا صاحب القلب السليم؛ وهو ما يعني ربط القول بالعمل وبالحركة، "تبسمك في وجه أخيك صدقة".

    وهنا لابد أن يكون هناك ترجمة لهذا العلم، تشترك فيه الجارحة كما يشترك فيه القلب النابض، الاثنان معًا، ومن هنا: "رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره"، و"رب عالم أضله الله على علم"، فالقلب النابض هذا قلب حي لاشك، حتى القول الذي نقوله لابد أن نصل به إلى رضا الله: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (طه: 109)، فحينما نقول وحين نتعلم، فإننا نبتغي رضا الله من هذا القول، والرضا موطنه القلب: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (الفتح: 18)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَنْ فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُّؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ (الأنفال: 70)، فإذن التركيز على هذا الجانب من الأهمية بمكان.. نحن نريد العبد المتبتل لله، نريد العبد القانت لله، نريد العبد الذي يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)، مهما حصَّل من علوم، فهذه العلوم لتحقيق عبوديته لله رب العالمين؛ ولذلك نجد الرسول وأصحابه- رضوان الله عليهم وأرضاهم- تأثروا بهذا القرآن تأثيرًا عجيبًا، فكانت الآيات حياة لهم، يترجمونها حياة فعلاً؛ رهبان بالليل، فرسان بالنهار كما قالوا، ورأينا سيدنا عمر- رضوان الله عليه وأرضاه- يقرأ الآيات من القرآن فيصاب.. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ (الطور: Cool..

    يا الله، قرأناها مرارًا وتكرارًا، وما زلنا نصلي بها في ركعاتنا؛ لكن قرأها عمر فمكث في بيته شهرًا كاملاً يرتجف من الحمى التي أصابته، فكان هناك تجاوب بين الوحي وبين الصحابة، وبين الصحابة والوحى، حينما نزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (المؤمنون: 12- 14)، ووقفت الآية هنا وجدنا سيدنا عمر يقول: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14)، فقال رسول الله: "هكذا نزلت يا عمر"، هذا هو تجاوب الصحابة مع الوحي: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: 5- 7).

    نحن لا نريد آلات صماء؛ بل تفاعل وانفعال، وهناك مثال على كتب التوحيد التي نقرؤها الآن مثل العقيدة الطحاوية وغيرها، يقرؤها الإنسان وينفعل، ويحاول أن يفهمها؛ لكن يتحسس قلبه فلا يجد أثرًا للقلب؛ لأن كل الكلام في العقيدة الطحاوية كلام عقلي، وما كانت العقيدة هكذا في يوم من الأيام؛ إنما هي انفعال قلبي ووجداني، أدركها العربي الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، فانفعل بها.. انظروا أثر هذا الأمر في هذا الصبي البسيط الذي رآه عمر وهو يرعى الغنم، قمة التوحيد وقمة الخشية من الله، يراه وهو يرعى الغنم، فأراد أن يختبره، فقال له: "يا غلام، أعطنا غنمة نأكلها"، والغلام لا يعرف أن هذا أمير المؤمنين، قال له: "إنها ليست ملكًا لي، إنها ملك لسيدي"، فقال: "نأكلها، وتقول له: أكلها الذئب"، قال: "وأين الله؟!".. صبي في مجتمع عمر.. هذا هو التوحيد، هذه هي الخشية من الله، لم يأخذ محاضرات في العقيدة، ولا دَرَّسوا له توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات؛ ولكن تأثر بهذا الكلام وهذه التربية الإيمانية في داخل المجتمع، فكان هذا الصنف من الصبية الذين كانوا يسارعون للمشاركة في القتال، وقصة الصبيين اللذين تشاجرا وتصارعا أمام النبي- صلى الله عليه وسلم- ليفوز أحدهما بمشاركة الجيش في الغزوة، هذا هو الذي نسعى إليه.

    * الدعاء مخ العبادة
    ولذلك كان الدعاء مخ العبادة، والإنسان حينما يتبتل إلى الله ويدعوه، وعندما تنزل دموعه بالليل وهو يشعر أنه أمام القوي وهو الضعيف.. الغني وهو الفقير.. محتاج يسأل ويتذلل إلى الله ودموعه تسيل من خشية الله.. مخ العبادة لأنه استشعار بالضعف، واعتراف بالقوي، وإن الإنسان يلجأ إلى القوي، فكان الدعاء مخ العبادة، وكما يظهر من دعاء المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي؛ ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات..." إلى آخر الدعاء المعروف، وفيه تذلل وإخبات لله، وأثر الإيمان واضح في هذا التذلل؛ ولذلك كان ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: 26).

    لكن بعدما وضح الإمام البنا هذا الجانب التصوري، ومصدر التلقي، وكيف نمحصه، وكيف نتلقاه بالقبول الحسن، وحتى لا يغرق الإنسان في المشاعر القلبية، فلابد أن يكون للمشاعر القلبية ضوابط؛ لأن المشاعر لابد أن تكون مربوطة بالشرع، "من أحب لله، وأبغض لله، وأخذ لله، وترك لله، فقد استكمل الإيمان"، فنحن نتحكم في مشاعرنا بأوامر الله، وضبط المشاعر يظهر في هذا الأصل؛ لكي لا يكون مصدرًا من مصادر التشريع، فالإلهام والرؤى كلها نواحي مشاعر؛ ولذلك فلا إفراط ولا تفريط، فمصدر التلقي هو الكتاب والسُّنة، والمشاعر الفياضة من الإيمان؛ لكن لا يمكن أن نستخرج حكمًا من حلم أو إلهام، وهذا الأمر كان يعالج انحراف الصوفية التي كانت منتشرة في مصر انتشار النار في الهشيم في ذلك الوقت، فهو يضع مضامين وضوابط للذين أنكروا الكتاب والسنة، وانحرفوا بعواطفهم، فيعيدهم إلى الأصل الثابت، ويؤكد لهم أن الأوهام أو الإلهام أو الرؤى ليست مصدرًا من مصادر الشرع الحكيم.

    * خصائص الدعوة
    والأصول كلها متداخلة مع بعضها، وتكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن فصل واحد عن الآخر، والتقسيم هنا للتعلم وتحكيم الفهم؛ لكن الواقع أن الإسلام كلٌّ متكامل، والرسول- صلى الله عليه وسلم- علمنا أن هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ بل إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نفسه لا يستطيع أن يضيف أو يحذف: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ* لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة: 44- 47)، وقال له: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43)، وحذره: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49)، وقال له: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (الشورى: 15)، وخصصت هذه الدعوة بعدة خصائص هي:

    - ربانية المصدر.
    - شمولية المنهج.
    - عمومية الرسالة.
    - عالمية الدعوة.
    - أخلاقية الوسيلة والغاية.
    - جهادية الطريق.

    فكانت السنة هي التطبيق العملي من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لهذا الدين الحنيف؛ ولكن أين من قال الله تعالى فيهم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: 17- 18)؟ وأين العينان اللتان لا تمسهما النار: "عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله"؟ وأين السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟ فنحن في أمس الحاجة إليهم الآن؛ لأننا في مجتمع مادي فُرض علينا فرضًا، ومسَّنا بفكره، وينقصنا هذا الجانب التعبدي لله سبحانه وتعالى.. الأيدي المتوضئة، والعيون الدامعة، والجفون المتقيحة، من الوقفة بين يدي الله ذليلةًً، فهذا هو الذي نصر المسلمين الأوائل؛ فأين هؤلاء؟ وأين: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ (التوبة: 112)؟

    وهذا الركن يتحدث عن هذا الجانب الإيماني وأثره في قلب المؤمن، وأين هذا الأثر وهو ما نسميه الآن التربية الإيمانية، والجانب الإيماني هام جدًّا، فنحن ننتصر بضعفائنا، وننتصر بالسُّجَّد الركع، وننتصر بـ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 54)، ننتصر بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: 54)، فهذه هي أدوات النصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 45).

    والإمام البنا يركز على هذا الجانب في بداية هذا الركن، وتُبيِّن لنا السُّنة اهتمام الصحابة بهذا الأمر، وتسابقهم إلى الخيرات عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148)، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: 21)، ولننظر إلى عكاشة بن محصن- رضي الله عنه- عندما سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب"، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم، فقال: "أنت منهم"، فقام رجل آخر وقال: وأنا يا رسول الله، فقال: "لقد سبقك بها عكاشة".

    والإنسان تستهويه هذه المشاعر فيقرأ من آن لآخر في العلم المجرد، ويذهب إلى "الترغيب والترهيب" و"حياة الصحابة" ليرى مواقفهم الإيمانية الجميلة التي تمثل زادًا على الطريق، يجعل نظرة الإنسان للطغاة كأحقر ما يكونوا في أعينه، هذا الإيمان يثبت الله به الأقدام؛ ولننظر إلى بعض الفقراء الذين جلسوا يفكرون في حالهم مع الأغنياء الذين يصلون كما يصلوا هم، ويصومون كما يصوموا، وظنوا أن هؤلاء الأغنياء سيفضلون عليهم بالإنفاق في سبيل الله، وهم ليس لهم ذنب في ذلك؛ فذهبوا للرسول- عليه الصلاة والسلام- يقولون له: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور (أهل الدثور يعني أهل الأموال)؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، وينفقون بفضل أموالهم. فيقوم الرسول- عليه الصلاة والسلام- يمسح على الصدور ويقول:"أليس لكم في كل تسبيحة صدقة، وفي كل تهليلة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة"، فهم مشغولون بقضية القرب إلى الله، فإليه المنتهى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ (النجم: 42)، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6).

    وللدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (الإيمان) تعريف لطيف جدًّا للإيمان جمع هذه المعاني؛ حيث يقول: الإيمان عمل نفسي، يبلغ أغوار النفس، ويحيط بحواسها كلها من إدراك، وإرادة، ووجدان، فلابد من إدراك ذهني تنكشف به حقائق الوجود على ما هي في الواقع، وهذا الانكشاف لا يتم إلا عن طريق الوحي المعصوم، ولابد أن يبلغ هذا الإدراك الجزم الموقن أو اليقين الجازم، الذي لا يزلزله شك، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: 15)، ولابد أن يصحب المعرفة الجازمة إذعان قلبي وانقياد إرادي يتمثل في الخضوع والطاعة والرضا والتسليم: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

    وهذا التعريف لمعنى الإيمان جمع كل هذه المعاني من المعارف والإدراك والحركة القلبية للمؤمن؛ ولذلك: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (الحجرات: 24)، فأنتم تؤدون المظاهر فقط.. لكن أين الأثر القلبي؟ ويوم أن جاء فريق من الأعراب يمُنُّ على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بهذا الإيمان نزل قول ربنا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: 17).

    * حلاوة الإيمان
    وللإيمان حلاوة يذيقها اللهُ للعبد القانت لربه، الواقف بين يديه ركوعًا وسجودًا، ولا أقول حلاوة معنوية؛ بل هي حلاوة مادية، يجد لها مذاقًا يتذوقها، وسلوا قوَّام الليل، وسلوا هؤلاء الذين ذاقوا هذا الطعم، والرسول- صلى الله عليه وسلم- بالرغم من أنه المبيِّن، كما جاء في مهامه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2)، وبالرغم من هذا التعلم، إلا إنه كان ينصح الصحابة من آن لآخر لغرس هذه القيم في النفس؛ حتى لا يكون علم مجرد، ولنسمع إليه وهو ينصح معاذ بن جبل فيقول: "يا معاذ، أوصيك باتقاء الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة والجزع من الحساب، وخفض الجناح؛ وأنهاك أن تسب حكيمًا، أو تُكذِّب صادقًا، أو تطيع آثمًا، أو تعصي إمامًا عادلاً، أو تفسد أرضًا؛ وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومضر، وأوصيك أن تُحدِث عند ذنبٍ توبةً، السر بالسر، والعلانية بالعلانية"، ولننظر لهذا الحديث الجامع.. حديث لو وضعه الإنسان أمامه لكفاه، ولينظر كل إنسان إلى كل صفة فيه، وأين هو منها؛ حتى نأتي الله بقلب سليم: ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 89)، قلب ذاق لهذا الإيمان طعمًا خالصًا لله، يتوقى الشر ويسرع إلى الخير إسراعًا.. إن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- سأل أُبي بن كعب- رضي الله عنه- عن التقوى، فقال: "يا أمير المؤمنين، أما سلكت طريقًا ذا شوك؟"، قال: "بلى"، قال: "فما عملت؟"، قال: "شمرت واجتهدت".. تشمير عن المعاصي واجتهاد في الطاعات. الإمام ابن القيم يقول: "إن أولى مراحل العبودية هي اليقظة"، وعرف اليقظة بأنها "انتباه القلب من رقدة الغافلين"، فيبقى الإنسان دائمًا في يقظة، يطرد كل أمر يعوقه عن طاعة الله، حتى الخاطرة التي لا يحاسب عليها.

    فالخواطر نحن لا نحاسب عليها؛ لكن المسلم يترصد الخاطرة ليطردها من بؤرة تفكيره حتى لا يفكر فيها؛ لأنه إذا همَّ بالمعصية عملاً يُحاسَب عليها؛ لكن أن تكون خاطرة في ذهنه، فلا حساب عليها؛ لكن توجد خواطر تشغلنا بإسلامنا، وما الأذان الذي نسمعه الآن إلا ورود لخاطرة عند صحابي سبقه الوحي بها، انشغل بأمر تنبيه الناس للصلاة، وفكر في وسيلة؛ فهل ندق ناقوسًا أم ننفخ في قرن؟ فأُلهم وسمع هذا الأذان، وذهب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعرض عليه هذه الكلمات لينادي بها للصلاة، فقال له: "قد سبقك بها جبريل"، وهذا التجاوب من صفاء النفس، وهي أمور حقيقة؛ حيث يشعر الإنسان بحساسية الضمير، وشفافية الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم.

    ولننظر لقول أبي بكر- رضي الله عنه-: "لو كانت إحدى قدميَّ في الجنة والأخرى خارجها، ما أمنت مكر الله"، والمصطفى- صلى الله عليه وسلم- يقول:"وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب"، وأيضًا: "فاطلعت على أهل النار فوجدت أكثر أهلها النساء"، وهذا الحديث فيه تكريم من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى تكون المؤمنة القانتة على حذر دائم، فيحفزها ذلك على زيادة العمل والاجتهاد في الطاعات؛ والإنسان الذي يصبو إلى صحبة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- ويكون من الوجوه الناضرة، إلى ربها ناظرة، لا يستثقل الطاعة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)، ويكون على حذر دائم، وكما قال ابن تيمية: "العبودية هي كمال الحب، وكمال الذل، ولا يجتمعا إلا لله"، فلا يجتمع الحب مع الذل البشري؛ لكنهما يجتمعان لله (كمال الحب وكمال الذل)، فكلما ذل الإنسان لله وخشع له أحبه، فيزداد ذلاًّ وخضوعًا لله.

    * الصدق مع الله
    لذلك وجدنا في هذا المنهج الفريد فئة ترجمان القرآن العابد لله، والمحدث الدقيق وعالم الفرائض وأصحاب السير، وحفظة كتاب الله والمفسرين له، وكل هؤلاء قلوبهم نابضة، وكذلك العلوم الطبيعية كالطب والهندسة والفيزياء والرياضة، وكل هذه العلوم أصبحت ملكًا للمسلمين بعلماء عُبَّاد لله، وصدق الإمام البنا حين قال: "كونوا عُبَّادًا قبل أن تكونوا قُوَّادًا؛ تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة"، وهذا الكلام أثبته التاريخ، وقراءة بسيطة جدًّا وموضوعية لتاريخ الجاهلية الأولى، ونرى الصحابة- رضوان الله عليهم وأرضاهم- أصحاب العيون الدامعة، الذين هانت عليهم الدنيا حتى يقول بعضهم: "أبَيْني وبين الجنة تلك التمرات؟! والله إنها لحياة طويلة"، وكذلك من صدق مع الله وجاء بالغنيمة ونصيبه منها قد حدده المولى- عز و جل- ولكنه يقول للرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ما على هذا اتبعتك"؛ أي إنني لم أتبعك لكي تعطيني من الغنيمة؛ وهو ما يؤكد أنه ذاق للإيمان طعمًا فيه حلاوة، أو أنه رأى الجنة رأي العين، فسعى لها سعيها، فيقول للرسول- صلى الله عليه وسلم-: ما على هذا بايعتك. قال: "علام إذًا؟!"، قال: على أن أُرمى بسهم هنا وسهم هنا، وعلى أن تنحر سالفتي. قال:"إن تصدق الله يصدقك"، وبعدها يأتي به الصحابة محمولاً على الأيدي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيقول: "أهو هو؟!"، فيقولون: هو هو يا رسول الله، قال: "صدق الله فصدقه".

    ولقد رأينا هذا الصنف من الناس، وإن كانوا لم يصلوا إلى درجاتهم بالطبع؛ لكن والله رأيناهم رأي العين في السجون؛ رأينا الأخ المتبتل لله، الدامع العينين، الخاشع لله، الذليل أمامه، القائم الصائم، وكذلك مَن وضع في زنزانة فيها سبعة كلاب، ويمازحه أحد الإخوة ويقول: كيف قضيت ليلتك؟! فيقول: نِعم تدبير الله، فهذا اختيار الله لي، فنعم الاختيار؛ والله لقد بِتُّ ليلةً آمنة.. فمن الذي أخضع هذه الكلاب التي كان مفترضًا أن تنهش لحمه، فأصبحت ذليلة أمامه؟! أليس هو خالقها؟! فلنذق طعم وحلاوة الإيمان حتى إذا أدبرت الدنيا هانت في أعيننا.

    ويعبر أحد الإخوة عن البلاء تعبيرًا لطيفًا فيقول: "يُِستعذب العذاب في سبيل الله"؛ أي يجد في العذاب عذوبة الماء البارد؛ لأنه في كنف الله. وهنا أذكر قصة حدثت معنا في السجن:
    جاء أحد المجرمين في عام 1965؛ وهو فؤاد علام.. وسيأتي اليوم الذي فيه: ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (الفرقان: 27- 29)، وكنا مجموعة من الإخوة، تم عزلنا، وكنا حوالي 115 شخصًا، عزلونا عن الإخوان، ووضعونا في عنبر آخر، وأطلقوا عليه اسم "عنبر العزل"، أو "عنبر المعزولين"، وكان لنا معاملة خاصة؛ حيث لا توجد طوابير، ولا يوجد اتصال بالإخوان الآخرين؛ وفي ليلة من الليالي جاء هذا الطاغي، وأرسل إلى أحد الإخوة الكبار، وقال له: قل لإخوانك يجهزوا أنفسهم؛ لأنه سيتم ترحيلهم إلى الواحات الخارجة، فقال له: سأفعل، وتركه وذهب؛ فجُن جنونه وقال له: هل سمعت ما قلته لك؟! فقال له: سمعتك جيدًا يا فؤاد يا علام، لقد قلت لي: قل لإخوانك جهزوا أنفسكم؛ لأنكم سوف تُرحلَّون إلى الواحات؛ أليس كذلك؟ وأنا من غير ما تقول عارف الواحات التي تقصدها أنت؛ ولكنني سأريحك يا فؤاد يا علام إن استطعت أن تحبس ربنا هنا مثلما تقول، فلا تأتنا به هناك! ولكني أقول لك: أما وإنك أعجز من أنك تقوم من على هذا الكرسي إلا بإذن الله، فإن الذي حمانا منكم هنا قادر أن يحمينا هناك؛ فبُهت فؤاد علام!

    فالإيمان يثبت الأقدام ويطمئن الإنسان، والأمل لا يأتي إلا بالإيمان، وكان أحد الإخوة يضحك قائلاً: "اعمل لمعتقلك كأنك لن تخرج أبدًا، وثق في الله أن تتصل بأهلك كأنك تخرج غدًا"، ثقة في الله تعالى، حتى إن أحد الإخوة عندما سمحوا لنا بالجرائد، فكان يضحك مع الأخ الذي يوزع الجرائد، ويقول له: اعطني الجريدة لنرى وفيات اليوم، ثم ينظر في مانشيت الصفحة الأولى ويقول لأخيه: خد يا بني، ما لم أجد ما أبتغي؛ فيضحك الأخ وهو يعلم ما يقصده، يقول له: يا أستاذ، الأموات في الصفحة الأخيرة، يقول له: لا، يا بني من أنتظره سيأتي في الصفحة الأولى، حتى جاء ما يبغيه، فقال له: يا أستاذ، فرد عليه: نعم؟ فقال له: لقد جاء الخبر.. ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ* وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ (إبراهيم: 45)، والحق يقول: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (إبراهيم: 47)، هذا لا يأتي من العلم؛ ولكن يأتي من جذور الإيمان في قلب الإنسان.

    نحن فقط نستبطئ النصر، ولا نستطيع أن نقف بصدق مع أنفسنا: أين نحن من الله؟ بصدق رجالاً ونساءً، الدنيا تجذبنا، طال علينا الأمد، فقست القلوب؛ إنما نحن في أمسِّ الحاجة إلى من قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الحج: 35)، وهم من كانوا.. يشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويأكلون الربا، عابدو الصنم والوثن، وأصحاب بيوت الدعارة التي كانت تطوق مكة، ينصب عليها رايات كما قالت السيدة عائشة، وكانت المرأة تطوف عارية كيوم ولدتها أمها، انظر كيف صنع منهم خير أمة أخرجت للناس، بصفاء العقيدة، ونداوة القلب، ونقاء الضمير، وطهارة النفس.

    وهذا هو الجانب الذي يجب أن نركز عليه، ونربي عليه الأفراد؛ ولذلك قد يتفاوت الأفراد علمًا، واحد أُعطي له فقه، وآخر له تاريخ، وثالث سِيرة، ورابع مصطلح حديث؛ لكن لا يسمح أن يكون هناك تفاوت أبدًا في الأخلاق والإيمان؛ لأن ربنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173)، وتلك هي صفات حزب الله، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا﴾ (الفرقان: 63)، المهم هو أن نتذوق حلاوة الإيمان، وأن يجتهد العابد لكي يجد هذه الحلاوة؛ لأن الغريب في الأمر أنه كما تشعر الأبدان بالسقم والصحة، تشعر القلوب بالسعادة والشقاء؛ حيث يحس الإنسان بالسعادة والشقاء من نبض القلب؛ لذلك يعرِّف الإمام ابن القيم السعادة بقوله: "أطباق السعادة ثلاثة: إذا أُنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر"، هذه هي أطباق السعادة التي حددها ابن القيم- رضوان الله عليه وأرضاه- فقد يشقى الإنسان بالمال والجاه والسلطان، وقد يسعد مع الفقر وقلة المال والولد؛ لكن لو امتلأ القلب بالايمان وصدق الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 123- 124)، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97)، والتعبير العجيب: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ بالتأكيد فلنحيينه حياة طيبة..

    لما جاء الرجل يسأل الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن أخاه أصيب في بطنه، قال: "شرّبه عسلاً"، فشربه العسل وعاد، وادعى أنه لم يُشف عدة مرات، قال له: "صدق الله، وكذبت بطن أخيك"، ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (النحل: 69)، وأنا لي تجربة أقولها عمليًّا؛ حيث جاءتني حساسية شديدة جدًّا في عيني، ما تركت طبيبًا عندنا إلا ذهبت إليه، وفي يوم من الأيام كان يزورني أخ كريم، فسألني.. فقلت له: حدث كذا وكذا، قال لي: أدلك على الشفاء؛ ضع نقطة عسل نحل في عينك، فدعني أنا أحضر لك العسل الذي أطمئن على صفائه، وأنه جاء من مصدره الرباني، وأحضر لي زجاجة، وقال لي: ضع منها، فجئت بالليل وزوجتي خائفة عليَّ، فقلت لها: سأضع عسل نحل، فاقترحت عليَّ أن أضع في عين واحدة، قلت لها: لو وضعت في عين واحدة تبقى تجربة، ولابد أن أضع في الاثنين؛ لأنني متيقن، وتوضأت، ووضعت العسل، ووضعت نقطة هنا ونقطة هنا، ونمت.. سلمت أمري لله، وإذا بالعين كالمرجل، وكأنها تغلي، لدرجة أنني خشيت أن يكون حدث شيء في العيون؛ لكن اليقين ملأني، ونزَلَت مياه بغزارة على خدي ساخنة جدًّا، وعيني راحت في النوم ونمت، قمت على أذان الفجر وتوضأت؛ لكي أنزل لصلاة الفجر، وإذا بعيني قد برئت، ولا أثر للمرض، وطبعًا أنتم تذكرون أن عالمًا روسيًّا كتب كتابًا عن الشفاء بعسل النحل، وعندما حيل بين العين والشفاء، لجأنا إلى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (النحل: 69)، فشفانا المولى..

    إذًا الوقفة والتلقي القلبي من المدرسة من المكان الذي يتخرج منه الرجال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ﴾ (النور: 36)، ماذا؟ ﴿رِجَالٌ﴾.. ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (النور: 37). انتبهوا.. فتلك هي الوسائل التي توصل لمذاق الإيمان في الوصية التي قدمها الرسول- صلى الله عليه وسلم- لسيدنا معاذ في وصيته، وهذا حديث آخر يقول فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا أؤتمنتم، واحفظوا فرجوكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم" (حديث صحيح)، وتطهير للداخل والخارج، للباطن والظاهر، وإذا كان الإنسان سيتطهر باطنًا وظاهرًا فإنه يصبح من أصحاب القلب السليم، اسمعوا الكلام الذي قاله قتادة- رضوان الله عليه وأرضاه- يقول: "خلق الله الملائكة عقلاً بلا شهوة، وخلق البهائم شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان عقلاً وشهوة، فمن سبقت شهوته عقله فهو مع البهائم، ومن سبق عقله شهوته فهو مع الملائكة".

    عقل يتحكم، منساق إلى طاعة الله- عز وجل- لكي تصبح نفسه مطمئنة، يناديها ربها من علٍ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (الفجر: 27- 28)، يقول ابن عباس: نزلت وأبو بكر جالس مع رسول الله، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا! فقال: "أما إنه سيقال لك يا أبا بكر، سيقال لك هذا".

    تأمل البشارات.. أناس من أهل الجنة يعيشون على الأرض، أيُّ نعيم! هذه الثقه قد يتصورها العقل المجرد غير مضبوط الإيمان بأنها يجب أن تعقب براحة طالما بُشروا بالجنة، وهذا منطق العقل المجرد المُفلس؛ لكن الأمر ليس كذلك، هؤلاء الناس يريدون أن يضاعفوا العمل بالرغم من أنهم ضمنوا الجنة: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران: 31)، يريد مزيدًا من الحب، مزيدًا من القرب؛ ولذلك كان من دعاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- الذي وصى به أحد الصحابة قال له: "قل اللهم إني أسألك نفسًا بك مطمئنة؛ تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك"، يقول محمد بن عمرة: وكان من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "لو أن رجلاً خرَّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله- عز وجل- لحقره ذلك اليوم، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب‏"‏‏، تأمل فضل الله- عز وجل- وراقب الناس الذين ذاقوا طعم الإيمان، أنا حقيقةً أريد أن أوجز بعد هذا الإطناب في هذا الجزء من الإيمان، ومن سرد الوسائل التي تذيق المؤمن هذا الطعم، ما بالكم لو انتقلنا إلى التفكر!

    * عبادة التفكر
    التفكر في خلق السماوات والأرض، في هذا الكون وقدرة الله- عز وجل- القادرة.. اجعل لنفسك وقتًا تتخلى فيه مع ربك.. دقائق.. من السنة أن الإنسان إذا قام بالليل يقلب وجهه في السماء ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190- 191).
    ربنا- عز وجل- خلق كونًا عجيبًا، والذي سمع منكم الدكتور زغلول النجار، ورأى مواضع العلماء؛ وهو من الإخوة الأفاضل الذين كنا نسمع منه هذا العلم من سنوات بعيدة، وكان الإنسان عندما يسمع هذا الأمر تبكي عينه، ويستشعر قدرة الله.. ما نقوله قشور؛ فما بالكم بمن غاص في أعماق الكون علمًا، ويقدم آيات الله من خلال العلم، وكم من كفرة آمنوا حين عُرض عليهم هذا الأمر! إن كانوا بعقولهم التي سلمت علمًا؛ لكن والله لولا نبضة القلب عندهم ما آمنوا؛ لأنه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف: 105)؛ لكن ربنا إذا أحب عبدًا فتَّح له القلب، فيتلقى به، ويصبح النور، وتطمئن القلوب، ويصبح وليًّا من أولياء الله، الذين قال الله فيهم في الحديث القدسي: "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته" (صحيح البخاري).

    هل بعد ذلك الإنسان يخاف من بشر: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ (الزمر: 36)، ومن أجل ذلك فعندما أمر ربنا برجال أُحد من الجرحى، وقال: ارجعوا في حمراء الأسد للحرب لم يخافوا عندما عرفوا أن هذا أمر الله؛ ولكن استبشروا والقرآن نقل لنا إحساسهم من داخلهم، وقال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ* الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران:171- 173)؛ فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 174).
    آيات تهز كيان الإنسان من داخله وهو يتذوقها؛ لذلك هناك تعبير لابن تيمية يشعرك باطمئنان النفس وراحة البال في الدنيا، يقول ابن تيمية: "للمؤمن جنتان؛ جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، حُرم جنة الآخرة من لم يدخل جنة الدنيا".. وجنة الدنيا ندخلها بالطاعة، بالإيمان، بالإخبات إلى الله، بالخشية منه، بالركوع، بالسجود، بالاستغفار، بالتوبة النصوح، ولا يزال العبد يخرج من طاعة إلى طاعة، فإذا به يرزق الرضا والسكينة وطمأنينة النفس، وطهارة القلب، وسعادة الدنيا، وغنى النفس، وكل هذا في عينه لا قيمة لها البتة، لو كانت الدنيا تساوي جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، لا قيمة لها، دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له.

    وهذه ليست دعوة للفقر؛ إنما الذي يجمع للآخرة مطلوب أن يكون مالك للدنيا كلها، مالكها.. لكن تبقى في يديه؛ لأن الذي يجمع لها تدخل في قلبه، فإذا دخلت القلب عُبدت، وإذا كانت في اليد أُنفقت، وتعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، بالعكس الغني الشاكر عند الله أحب إلى الله من الفقير الصابر، فترتفع همة الجماعة ممن يقولون همتنا فترت؛ ماذا نعمل عندما تجذبنا الدنيا؟ وكأن الرسول لم يبين، وما ذنب الطبيب إذا حدد لك المرض وأحضر لك الدواء، وحدد لك الجرعات، ثم أبيت أن تأخذه؟ ما ذنبه؟!

    * السعادة
    الحكيم العليم الرءوف الرحيم دلَّك على سعادة الدنيا قبل الآخرة، وحتى النصر وعد ربنا به في الدنيا قبل الآخرة: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أين؟ ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ (غافر:51)، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، شرط ﴿يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: 55).. يا الله! بالله عليكم استشعروا حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- يدلنا نحن الملأى بالخطايا والذنوب، نحن الذين تجذبنا الدنيا ويمسنا الشيطان بمسه، بالله عليكم كيف الحال عندما تشعر أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يدلك على أمر عجيب؛ وهو أن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل ويقول:"ألا هل من مستغفر فأغفر له، ألا هل من تائب فأتوب عليه، ألا هل من سائل فأعطيه"، إنه الله المبسوطة يده بالليل ليتوب مسيء النهار، والمبسوطة بالنهار ليتوب مسيء الليل، فاتح باب التوبة على مصراعيه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ* أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ* وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ* وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الزمر: 53- 61).

    آيات تتنزل بردًا على قلب المؤمن؛ فلا يقنت من رحمة الله عندما يستشعر أن ربنا- عز وجل- يبدل السيئات حسنات: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا﴾ (الفرقان: 70)، ما مصيرهم؟ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (الفرقان: 70)، أي غنى من الله وعفو، أي فتح باب للإسراع إليه، له أن يقول فعلاً: وسارعوا، وسابقوا.. ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88- 89)، والحديث عن مذاق الإيمان وحلاوته يأخذنا للحديث عن مدارس التهذيب عند بعض الصوفية، فليست الصوفية بكلياتها يُلقَى بها في سلة المهملات، فيهم أناس تكلموا عن أحوال النفس وتهذيبها، وحسن الصلة بالله- عز وجل- وتصغير الدنيا في عين الإنسان، والوقوف بين يدي الله مناجيًا ربه ومستغفرًا.

    يقول ابن عطاء السكندري: شكوت همومي وأحزاني إلى العباس المرسي فقال لي: أحوال العبد أربعة لا خامس لها: النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية. فإن كنت في النعمة فمقتضى الحق منك الشكر، وإن كنت في البلية فمقتضى الحق منك الصبر، وإن كنت في الطاعة فمقتضى الحق منك شهود مِنَّتِهِ عليك، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجوب الاستغفار.. يقول ابن عطاء السكندري: فقمت من عنده وكأنما كانت الهموم والأحزان ثوبًا نزعته.. كأن الهموم والأحزان ثوبًا نزعه بعد ما قال له هذا الكلام الطيب. ويقولون: إن من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، الإنسان الذي تشرق بدايته نورًا ويستمسك تكون نهايته هذا النور، ولن تشرق البداية إلا حين يكون النداء إليك محببًا في حضرة المولى جل وعلا.

    يقول الإمام جعفر الصادق: إذا سمعت المولى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الأحزاب: 9)، فاصغ إليه، فإنما هو أمر أو نهي.. فإذا كان أمرًا أتينا به، وإذا كان نهيًا انتهينا عنه، ويقول: وإجابة ذلك على الحقيقة ثلاثة: تصديقه، والعمل به، وإرادة وجهه بالعمل به، واعلم أن أصل كل معصية وشهوة وغفلة: الرضا عن النفس.

    وكيف أعرف أنني راضٍ عن نفسي؟ قال: وعلامة ذلك هي رؤية الحق لنفسه، والشفقة عليها والإغضاء عن عيوبها، تشفق على نفسك وتغمض عينك عن العيوب التي تأتي بها، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضا منك عنها، وعلامة ذلك اتهامها والحذر من آفاتها وحملها على المكاره في عموم أوقاتها.

    دلائل حب الله
    إذا عاش الإنسان بهذا الإيمان، يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، فيتقبل الله- جل وعلا- منه القبول الحسن، وينادي: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فينادي جبريل في ملائكة السماوات: يا ملائكة الله، إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيجبه أهل السماء، ثم ينزل الله له القبول على الأرض، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم: 96)، هذه في الدنيا، وأيضًا فضل الله ورحمته عند الموت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30)، دائمًا الإنسان الذي يذهب إلى بلد مجهول ولأول مرة يهابه، كمن يذهب لأول مرة إلى أمريكا أو أوروبا، يهاب المكان إن لم يجد من يؤنسه؛ فما بالك بربنا جل وعلا، الذي كلامه كله يقين عندما يريد أن يزيل مخاوف إنسان ذاهب إلى مجهول، ذاهب إلى قبر وهو في الغرغرة لم يمت، تتنزل عليه الملائكة وتقول له: ﴿أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30)، يرى موضعه من الجنة قبل أن تصعد الروح إلى خالقها؛ أيّ بشارة هذه، وأي اطمئنان نفس، وينزل إلى المقبرة، وتسأل الملائكة عبدًا كان يقول ربي الله، تدافع عنه الصلاة والصيام والزكاة وأعماله الصالحة، يعيش في روضة من الجنة، وعندما يحين: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ* وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ* وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر: 68-70)، تأتي لحظات الفرح.. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (الزمر: 73)، لست وحدك، أحباؤك معك؛ لأجل أن تظل هذه الرابطة موجودة: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (الطور: 21)، راحة نفسية، وسعادة في الدنيا والآخرة، وملائكة يستغفرون لك: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7).

    ربما يسأل سائل: كيف يحبنا ربنا؟! ما دلائل هذا الحب؟ ربنا سبحانه يطمئن العبد، ويعطي له معالم يشعر بها أن ربه- جل وعلا- يحبه.. أليس هو الذي يقول: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 7)، فكلما أحببت الإيمان يكون هذا دليل حب الله لك، وإذا كان ربنا يحب عبدًا وأنت تصاحبه: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْ
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    تجريد التوحيد لله

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 21:11

    تأتي وحدة الفكر بين أفراد الجماعة وتصحيح المفاهيم عند الغير لكي تتقارب الأفهام وتصحح الوجهة والقصد بالنسبة للمسلمين بوجه عام.. وتذكرون أن الإمام البنا بعد أن حدد المرجعية العليا للإسلام في الأصلين الأول والثاني فإن المرجعية إلى كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء:59)، فيحدد المرجعية في تصحيح الأمور إلى الله وإلى أولي الأمر؛ لكي يكون الفهم الصحيح محسومًا بهذه المرجعية العليا.

    وتذكرون أيضًا حين تكلمنا في ركن الفهم عن حال المسلمين قبل هذه الدعوة وخلالها، وقلنا إنه كان يوجد بين المسلمين قصور في الفهم واضح واضطراب في الفكر ظاهر، يُضاف إلى ذلك خُبث أعداء الإسلام في تحويل القصد ومحاربة هذا الدين؛ سواء بالشبهة أو بالشهوة لإبعادهم عن الفهم السليم والكيد لهذا الدين.

    لذلك وضع الإمام البنا- رضي الله عنه وأرضاه- هذه الضوابط وهذه المفاهيم الدقيقة، وتكلم في الأصل الثالث الذي شرحناه المرة الماضية، وهو المتمم للأصل الثاني أو متفرع عنه، وبيَّن أن الإلهام والكشف والرؤى ليست من الأحكام الشرعية، ولا يعتد بها أبدًا في أي أمر من أمور الحياة؛ ولذلك يركز الدكتور القرضاوي على ثلاث حقائق في هذا الأصل الذي تكلمنا عنه بالأمس، أسردها لكي نربط هذا الأصل بالذي يليه فقال: "إن هذا الأصل- وهو الأصل الثالث- يتضمن حقائق ثلاثة: الاعتراف بأثر الإيمان والعبادة والمجاهدة وتصفية النفس وإشراقها".

    وأذكركم بما قلناه عند الحديث عن الفهم بأن الإمام البنا لم يركز على فهم العقيدة من الناحية النظرية فحسب عندما وضع رسالة العقائد لكي يحدد إطارًا نظريًا لفهم العقيدة، وهذا أمر مفروغ منه؛ لأن الله يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (محمد:19)، ثم يأتي العمل بعد ذلك: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد:19)، فكان لابد من الإطار النظري للعقيدة.

    وتذكرون أيضًا عندما تكلمنا عن كلام قاله الإمام ابن القيم- رضي الله عليه وأرضاه- في هذا الباب، حين قال: إن لـ"لا إله إلا الله" قلب وقالب، وقال: قالبها علمها، وهذا يشترك فيه المؤمن والكافر على حد سواء، ثم قال: أما قلبها فهو أثرها، وهذا هو الذي يتميز به المسلم عن غيره.. وهنا ركز الإمام البنا على هذا الجانب، وهو أثر لا إله إلا الله في بناء الرجال، وأقصد الرجال للتغليب أي الرجال والنساء على حد سواء، فالتركيز على أثر العقيدة في البناء والتربية هذا أمر من الأهمية بمكان، وركز عليه الإمام البنا- رضي الله عليه وأرضاه- والدكتور القرضاوي يقول: إن الإيمان- لا شك- له أثره والعبادة الصحيحة ومجاهدة النفس كلها أمور لا نستطيع أن نهملها، ولكن إذا كنا نتكلم عن القلب فيحذرنا من الحقيقة الثانية، ويقول إن هذا الاعتراف لا يعني أن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى أمور تتصل بالقلب، فإياكم وهذا التأثير الخاطئ، تأثير عقيدة لا إله إلا الله بصحتها هي المطلوب، ولكن عندما ندخل في الكشف والرؤى، وهذه الأمور التي تتصل بأمور غير شرعية لا يعتد بها ألبتة.

    الحقيقة الثالثة وهي أن الإلهام ولو حتى في غير الأحكام الشرعية طبعًا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعتد به إذا اصطدم بقاعدة شرعية أو نص من نصوص الدين، وعندما ننتقل إلى الأصل بعد ما نقَّى أثر العقيدة في القلب والنفس والعبادة ومجاهدة النفس ينقلنا إلى الأصل الرابع، وهو الذي يركز على حماية التوحيد، وأن لله سبحانه سننًا في الكون والإنسان والحياة مبثوثة، فيجب أن أرعى هذه السنن، ولابد أن آخذ بها.

    ويعالج حماية العقيدة من أن تشوبها شائبة- كما سنرى- ثم يبين أيضًا أن لله سننًا يجب أن تراعى، وأن توضع في موضعها، وإذا أهمل الإنسان فيها فهو يكون قد أهمل في أمر قد أمره الله سبحانه به، فرعاية سنن الله في الخلق والاجتماع البشري واحترام نظم الأسباب والمسببات في التداوي مثلاً أمرٌ مفروغ منه، فإذا كان من سنن الله التداوي فذلك لا يتعارض مع ذلك كما سنبين، فإذا كان من السنة- سنة الأسباب- أن أتداوى، فلا تصطدم بالرقى الشرعية التي علمنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- إياها.. أقول بهذا آخذ بتلك بعيدًا عن الشركيات التي تلحق بهذه الأمور حين نعالج بالرقى، فيقول الإمام البنا: "والتمائم والرقى والودع والرمل والكهانة وادَّعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب، منكر تجب محاربته إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة". هذا هو نص الأصل الرابع، وهذا الأصل ارتكز على قاعدتين في غاية الأهمية:

    1- تجريد التوحيد لله سبحانه حتى لا نركن للأسباب، الأسباب نؤمن بها؛ ولكن لا نعتقد في أنها هي التي تفعل؛ بل الله سبحانه هو الذي يفعل، فإذا أخذنا بالأسباب عبادة لله اعتقدنا أن الشافي هو الله وليس الرقية حتى نجرد التوحيد من أي شيء إلا أن يكون لله سبحانه؛ لأن من إيمان المؤمن أنه يؤمن أن الضر والنفع بيد الله سبحانه، وأن غيره لا يملكون له حياة ولا موتًا ولا نشورًا، ورب العزة يقول: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ (الأنعام: 17)، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (الزمر: 38)، فالله سبحانه هو القادر على ذلك.

    2- القاعدة الثانية رعاية سنن الله تعالى في الخلق والحياة والإنسان، واحترام نظام الأسباب والمسببات، إذن تنقية التوحيد مما لحق به من شوائب من الدَخَن والدَخَل، كما يقول العلماء وحماية التوحيد من هذا.

    والأمر الثاني أنني أرعى الأسباب والمسببات، ولا بد أن آخذ بها عبادةً لله سبحانه؛ لأن هذه الفترة شاع فيها جوٌّ من الشرك والوثنية، لا أقول قديمًا بل وحديثًا، أيضًا أباطيل وخرافات كثيرة جدًا في ذلك الوقت، خرافات اعتقادية طبعًا وعملية أحدثت خللاً في فهم العقيدة؛ من هذه الأباطيل التي أشار إليها الإمام البنا تعليق التماتم والرقى الشركية، وادعاء معرفة الغيب والكهانة والودع والرمل والتنجيم ونحوها، وبيَّن لنا الإمام البنا أن هذه الأمور كلها شركية لا يجوز أبدًا للمسلم الاعتقاد فيها.

    ونعلم أنه في فترة من الفترات، وهي فترات دائمًا موجود هذا الأمر مثلاً كالجسد القوي الذي يصاب بضعف فتأتي الجرثومة وتدخل من الجانب الضعيف.. ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (مريم:59)، فحين يترهل الجسد المسلم تبدأ الجراثيم تدخل في هذه الأماكن، نعم يوجد أناس مسلمون ولكن سرعان ما يدخل الدجالون بالشعوذة والسحر والكهانة، وادعاء معرفة الغيب والصلة بالجان.. كان الله في عون من عاش في هذه الفترة لولا أن منَّ الله على القوم بعلماء أفذاذ؛ كالإمام البنا الذي بيَّن هذه الأباطيل جميعها.

    من هنا قبل أن نبدأ في موضوعنا كان لا بد لنا أن نتكلم؛ لأن هذه الأمور أمور غيبية اعتقادية لا شكَّ في ذلك، والإنسان المسلم من صفاته أنه يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة، وإذا كان يؤمن بالغيب وهو ما استتر عنه وغاب عنه إذًا لا يستطيع أن يتوصل للغيب إلا وحيٌ، ولا يُعرف شيء مطلق عن الغيب إلا عن طريق الوحي، فإذا كنا نؤمن بالغيب فنؤمن به؛ لأنه جاء من عند الله سبحانه، فعندما يكلمنا عن الملائكة، هل الملائكة عالَم الغيب أم عالم الشهادة؟! عالم الغيب طبعًا؛ لكن المطلوب منا أن نؤمن بها.. هل نؤمن بها بعقلنا أو بمصدر غير القرآن والسنة؟! لا يمكن أبدًا للمسلم أن يؤمن بالغيب إلا عن طريق الكتاب والسنة المطهرة التي يُبينها رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

    والحقيقة أن الفرق بين الإنسان والحيوان هو الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب أمر حسي ومعنوي يدركه الإنسان بعقله، وإن كان لا يصل إليه، يحس أن هذا الكون وراءه أشياء كثيرة غائبة عنه، فالعلماء يدركون الغيب بسنة من سنن الله تتكشَّف لهم عن طريق العلم، ولكن سيبقى قول ربنا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53)، فكلما اكتشفوا سنة من سنن الله المبثوثة في الكون بعلمهم يشعرون أنهم في حاجة أيضًا إلى أمور أخرى؛ لكن هذه السنن أمرنا المولى سبحانه أن نأخذ بالأسباب لنكتشفها ونبحثها؛ فهناك أمور لا يُدركها العقل.

    سيدنا علي- رضوي الله عنه وأرضاه- يقول كلمة لطيفة جدًّا في هذا المعنى: "عدم الإدراك إدراك"، الاعتراف بعجزي عن أنني لا أستطيع إدراك ما في الكون هو الإدراك بعينه "عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي".. ألم نعرف ربَّنا بعقولنا؟! ألم نصل للتوحيد بعقولنا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء:22)، ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (الإسراء:43)، كل هذه قضايا عقلية؛ لكن بعد ذلك العقل يريد أن يتساءل: أين يجلس؟ ماذا يريد؟ ما الذي يحبه؟ ما الذي يكرهه؟ ماذا بعد الموت؟
    أسئلة كلها عقلية تريد إجابةً، لا يستطيع العقل أن يجيب عنها؛ ولكن يأتي الوحي لكي يجيب عن هذه الأسئلة.

    ولذلك كما قلت إن الفرق بين الحيوان والإنسان الإحساس بأنه يوجد غيب لا أدركه، الحيوان لا يُدرك هذه الأمور، كما قال قتادة- رضي الله عنه وأرضاه-: "خلق الله الملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق البهائم شهوةً بلا عقول، وخلق الإنسان عقلاً وشهوة، فمن سبق عقله شهوته فهو مع الملائكة، ومن سبقت شهوته عقله فهو مع البهائم"، مادام العقل قد ذهب فهو مع البهائم، وسيأتي يوم يقول فيه مَن يدعون العقل وينكرون وجود الله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 10 - 11).

    فإذًا إدراك المجهول، وأن هناك مجهولاً، وأن هناك غيبًا.. هذا أمر لا يستطيع أن ينكره عاقل؛ ولكن محاولة إدراك هذا العقل لهذا الغيب لون من ألوان العبث، لماذا؟ لأن استخدام الحاسة في غير ما خلقها الله له لون من ألوان العبث فعلاً، فالأذن مهمتها السمع لا يمكن أبدًا أقول لماذا لا ترى؟ بل إن حاسة السمع نفسها كما يقول علماؤنا فيها مدى مرتفع ومدى منخفض، لا تستطيع أن تسمع المنخفض جدًا ولا تسمع المرتفع جدًّا، فهل عدم إدراكها للسماع يدل على عدم وجود هذا الأمر ضعفًا أو قوة؟! لا.. إنه موجود غير أن الحاسة لها مدى لا تتجاوزه، فاستخدام الحاسة في غير ما خلقت له لون من ألوان العبث، فالعقل نفسه حاسة خلقها الله سبحانه للإنسان في إدراك الماديات والعلاقات بين الأمور بعضها ببعض، أما ما وراء المادة فلا يمكن أبدًا.

    فنحن نسمع عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، هل إذا ذهبنا- فرضًا جدليًّا كما يقول الجدليون- إلى مقابر الكفرة وهدمناها سنجد هذه النار؟! بالطبع لا، إذًا العقل الذي يدرك الأمور بالمحسوسات سيسأل ويقول أين النار؟! نرد عليه ونقول هذه ليست وظيفتك، وأن تستخدم عقلك فيما وراء المادة.. ما وراء المادة يأتي وحيًا من عند الله، وليس من عقلك أنت؛ لأننا ونحن جلوس الآن لو استخدمنا حاسة العين الآن وتوجد سيارة تمر الآن في الطريق الذي لا نراه وغيرنا يراه، لوجود حواجز لا تخترقها العين.. فهل عدم رؤية العين لها يدل على عدم وجودها، أم على عجز العين عن أن تراها؟!

    ففي الكون أمور كثيرة جدًا يعجز العقل عن إدراكها؛ لأن هذه ليست مهمته.. إذًا محاولة إدراك الغيب بالعقل محاولة عابثة وفاشلة؛ لأنها لن تصل إلى نتيجة ألبتة تقنعه بذلك، فإذًا الإنسان المؤمن هو فعلاً الذي يسلم أمره لله.. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب:36) لدرجة أن العلماء يقولون عن العبادات التي نتعبد بها إلى الله إنها غير معقولة المعنى..!! فالصبح ركعتان، العقل يقول الزيادة أفضل نصلي أربعة غير معقولة المعنى، وكذلك صلاة الجنازة 4 تكبيرات، العقل يقول نقف ثمانية، غير معقولة المعنى؛ ولكن فيها التسليم لله سبحانه ليبلوَنا أيُّنا أحسن عملاً، ونزولاً على أمر الله سبحانه.

    لكن إذا رجعنا إلى القرآن نجد تأكيدًا منه أن هذه الدائرة لله رب العالمين إلا مَن ارتضى من رسول يعلمه شيئًا من الغيب، هذا الشيء يرجع إلى الله سبحانه، والقرآن قال على لسان الرسول- صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (النمل: 65)، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (الأعراف: 188)، نربط إذًا بين علم الغيب الذي هو وحي وبين علم الغيب الذي هو عن طريق الكهانة والعرافة والدجل والشعوذة، هم يدَّعون غيبًا؛ فهل هذا الغيب عن طريق وحي أم عن طريق إنسان (مشعوذ)؟! فإذا كان الغيب عن طريق إنسان مشعوذ، فالإيمان به كفر وشرك؛ ولذلك يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاةٌ أربعين يومًا" (رواه مسلم)، ويقول: "من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" (رواه الترمذي).. لماذا؟! لأن هذا جانب غيبي حسمه الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولكن الإنسان دائمًا يحب معرفة الغيب لسببين:

    1- يحب أن يعرف الأشياء التي تتعلق بمستقبله؛ لأنه متعجِّل في معرفة ما يتصل بمستقبله، وقد قال ربنا جل وعلا لنا: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ (الإسراء: 11).

    2- عندما يخطط الإنسان لشيء فدائمًا يكون خائفًا على مستقبله، فيتشوق لمعرفة الغيب، وهذا قدح في التوكل والتفويض لله سبحانه، وما عليك إلا أن تأخذ بالأسباب؛ ولكن تتوكل على الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 219- 220)؛ لذلك وجب البعد عن الوهم والخيال من خلال طرق كثيرة جدًا، عندما كنا صغارًا كان هذا الأمر مستشريًا جدًا، كانت توجد سيدة تحمل "مكتل" على رأسها وتقول: "أبين زين أبين، وأشوف الودع.."؛ ولكن من انتشار العلم الآن انتهت هذه الأشياء من ضرب الودع وخطوط الرمل والكف والمندل والتنجيم والفنجان، وهذه الأشياء..، واستخارة المسبحة واستخارة المصحف والتشاؤم يدخل في هذا الموضوع؛ لأن التشاؤم برقم معين أو شيء معين معناه التشاؤم بغيب سيحدث، والقرآن نهى عن ذلك نهيًا تامًّا، ووصل الأمر بالمشعوذين بمنع البنات عن الزواج، ومنع التاجر عن السفر؛ لأن فيه كسر رقبتك، وكم من مريض منعوه من الوصول للأطباء؛ لأن الجن قد مسه ولا داعي للطبيب، وهذه الأشياء جمعها الإمام البنا في أمور ثلاثة في هذا الأصل:

    1- التمائم وأحكامها.

    2- الرقى وأحكامها.

    3- الكهانة والسحر.

    وهؤلاء كلها مناكير كما قلنا، ندخل في أول شيء تكلم فيه الإمام البنا في هذا الموضوع وهو: التمائم.

    ما هي التميمة؟

    عرفها العرب في الجاهلية: هي عبارة عن خرزة يعلقها العربي في رأسه أو رقبته لتدفع عنه الضر والشر، ويعتقد في الخرزة، ولا يعتقد في الله النافع الضار، العرب عرفوها قديمًا وكانوا يعتقدون في العين والحسد فيعتقدون أن تعليق مثل هذه الأشياء تدفع عنهم الضرر.

    ولما جاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- بيَّن لنا أن هذا الأمر لون من ألوان الشرك، يقول الإمام أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أقبل إليه رهط، فبايع تسعةً وترك العاشر، فقالوا له: يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا، قال: "إن عليه تميمة"، فأدخل يده فقطعها، فبايعه الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال: "من علق تميمة فقد أشرك".

    ونذكركم أن التميمة ليست عند الإنسان فقط؛ ولكن الحذاء الذي يُعلَّق فوق الباب أو الكف الأزرق أو ما يُعلَّق في السيارة من باب التمائم، وليست الخرزة الزرقاء فقط، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من علَّق تميمة فلا أتم لله له"؛ أي لا أتمَّ الله له ما أراد، "ومن علَّق ودعةً فلا ودع الله له"؛ أي لا جعله الله في دعة وسكون، أي إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يدعو عليه كما رأينا، وحكم التميمة أنها لون من ألوان الشرك يربأ المؤمن عن فعلها. عن عمران بن حصين أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- رأى في يد رجل حلقةً، فقال: ما هذا؟ قال اتخذتها من الواهنة (الواهنة عرق في القدم أو اليد يصيب الإنسان بشيء من المرض)، قال: "ما تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك إن مت وهي عليك وُكِلْتَ إليها". إلى هذا الحد يُكرِّه الرسول- صلى الله عليه وسلم- ويأمر الرجل بأن ينزع هذه عن يده؛ لأنه يعتقد أنها سبب في شفائه.. وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد: "إن مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا"، وفي الآية القرآنية: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ (يونس: 106)، وفي الصحيحين عن أبي بشر الأنصاري: "أنه كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً ألاَّ يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قُطِعت" (متفق عليه).

    والإمام بن الجوزي- رضي الله عنه وأرضاه- يقول: إن هناك ثلاثة أقوال في هذا الموضوع بالذات (البعير):

    1- كانوا يضعونها خشية أن تصيبها عين فتدفع القلادة العين.

    2- كانوا يضعونها خشية أن البعير عندما يشرب ويرفع رقبته أن يختنق؛ فحرصًا من الرسول- صلى الله عليه وسلم- على حياة البعير أمرَ برفعها من رقبته. 3- كانوا يضعون فيه الأجراس حتى إذا غابت البعير عرفوا مكانها.

    والحقيقة أن الصحابة- رضوان الله عليهم- كانوا ممَّا يتميزون به أنهم يخشون من الشرك الأصغر- فضلاً عن الشرك الأكبر- فكانوا يتحرون في كل الأمور، خاصةً وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- حذرهم من الشرك ويقول لهم إنه أدق من دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء، فقالوا يا رسول الله كيف نتقيه؟ قال قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه".. نقوله حتى إذا أصاب الإنسانَ رياءٌ وعجبٌ فعليه أن يكرر ويردد هذا الحديث، وقد روى ابن مسعود- رضي الله عنه- قصةً لطيفة عن زوجته زينب: كانت زينب تقول: إن عبد الله إذا جاء من حاجة عند الباب تنحنح كراهيةَ أن يهجم منا على شيء نكرهه، وقالت: إنه جاء ذات يوم فتنحنح، فقالت: عندي عجوز ترقيني من الحمرة (والحمرة مرض)، فأدخلتها تحت السرير فدخل فجلس جانبي، فرأى في عنقي خيطًا فقال: ما هذا الخيط؟! قلت: خيط رُقيَ لي فيه فأخذه فقطعه، وقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الرقى والتمائم والتِوَلَة (شيء من السحر تعمله الزوجة لزوجها ليحبها) شرك"، الرقى هنا المقصود بها الرقى الشركية التي فيها ألفاظ شركية.

    وكانت زوجته تقول: كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها لي، وكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذلك عمل شيطان كان يكفيكِ أن تقولي ما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أذهب الباس ربَّ الناس، اشف أنتَ الشَّافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا"، وأحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جعلت الصحابة والتابعين يقفون من هذا الموضوع موقفين بل وأصحاب المذاهب:

    1- قسم أهل العراق تلاميذ ابن مسعود أصحاب المذهب الحنفي، كانوا يكرهون التمائم كلها.. سواء كانت من القرآن أم من غير القرآن، ولا يجوِّزونها على الإطلاق.

    2- عبد الله بن عمرو لم يكن يمانع ذلك، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: "بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشرِّ عباده، ومن شر الشياطين وأن يحضرون" قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومَن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له، فعلَّقها في عنقه.

    فالمسألة هنا خلافية، علينا حفظ القاعدة التي قالها الإمام النووي "المختلف فيه لا إنكار فيه"، وهذا هو المختلف فيه عند العلماء، وكل عالم له دليل وله سنده فيما وصل إليه من حكم، فإذا تعددت الأوجه كان للمسلم أن يختار ما يستريح له قلبه، ويأخذه بشرط ألا يغيب عن المخالف ما أخذه، وهذا ما ينقصنا دائمًا من يأخذ برأي دون رأي يظن أن هذا هو الدين ويذود عن حياضه، ويقف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أمر مختلف فيه لا يجوز له أن يأمر فيه بأمر أو ينهى فيه عن نهي إطلاقًا؛ ولكن إذا تعددت الأوجه فللمسلم أن يختار.


    يقول ابن حجر العسقلاني إنه يميل إلى الرأي الذي يقول فيه بجواز تعليق التميمة إذا كانت من قرآن أو سنة فيقول: هذا فيما ليس فيه قرآن، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه؛ وإنما يجعل للتبرك بأسمائه وذكره، ذكر ذلك في فتح الباري في شرح صحيح البخاري؛ لأنه هو الذي شرحه، أما العراقيون وعلماؤهم فقالوا بكراهة ذلك فيما فيه القرآن وما ليس فيه قرآن.

    حتى الإمام محمد بن عبد الوهاب- الذي اعتبره البعض متشدِّدًا- كتب في كتاب التوحيد الخاص به تعليقًا على هذا الحديث الخاص بأن التمائم والرقَى والتِّوَلة شرك.. قال: إن هذا رخَّص فيه بعض علماء السلف، وبعضهم لم يرخِّص فيه وجعله من المنهي عنه، وللمسلم إذًا في هذه القضية أن يأخذ ما يطمئن له قلبه، ولا يقول مثل قليلي الفقه: "حيرتمونا معكم"، واحد يقول منكر ولا يجوز، والآخر يقول يجوز "حيرتمونا.." أنت الذي تحير نفسك، فالله- سبحانه وتعالى- يعطيك سعةً فيما تختار؛ ليرفع عنك الحرج، فتضيِّق أنت على نفسك!! مثل الرجل الذي كان عنيفًا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قولاً وسلوكًا، وهمَّ بعض الصحابة أن يؤذوه فأخذه- صلى الله عليه وسلم- وعامله المعاملة الطيبة كدأبه- صلى الله عليه وسلم- وأعطاه ما يريد، فرفع الرجل يده للسماء، وقال: "اللهم ارحمني ومحمَّدًا، ولا ترحم أحدًا بعدنا"، فقال له الرسول- صلى الله عليه وسلم- : "لقد حجَّرت واسعًا"، يضيق واسعًا.. لماذا؟!

    يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف:156)، والرجل يقول: ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم أحدًا بعدنا، فنحن في مثل هذه القضايا فيها سعة، ولا شكَّ في ذلك وأستاذنا وشيخنا الدكتور القرضاوي من الذين لا يجوِّزون.. حتى إذا قرأتم له لا يظن أحد أن هذا أمر في الدين أو له حكم في الشرع؛ ولكن هذا الرأي هو الذي مال إليه أستاذنا الدكتور القرضاوي، والذي مال إليه أيَّد رأيه بأمور أربعة، وقال: إنني أرجِّح كراهية التمائم كلها للأسباب الآتية:

    1- عموم النهي عن التمائم؛ حيث لم تفرق النصوص بين بعضها وبعض ولم يوجد مخصص، وقال: إن النصوص التي قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- واضحة؛ لأن فيها عمومًا وليس فيها مخصص يخصصها.

    2- سدًّا للذريعة؛ حتى لا يفضي لتعليق ما ليس كذلك؛ حتى لا يتصور بعض الجهلة أن الجواز مصروف للكل.

    3- أنه إذا علق ذلك لا بد أن يمتهنه (من المهانة)؛ كحمله في قضاء الحاجة، ودورة المياه مثلاً.

    4- أن القرآن أنزل ليكون هدايةً ومنهاجًا للحياة.. لا أن يكون تمائم وحُجُبًا.. وما إلى ذلك. وهذا للتنبيه فقط لرأي الشرع ورأي الإمام ورأي الدكتور القرضاوي. وإذا كان الدكتور القرضاوي مال إلى هذا الرأي، فهذا الرأي يلزمه هو ولا يلزم غيره؛ فالمجتهد يلزمه رأيه الذي وصل إليه؛ ولكن لا يلزم غيره لأنه متعدِّد الوجوه.

    الملخَّص في التمائم أنها:

    1- إما أن تكون بألفاظ شركية، وهذا مجمع عليه بعدم الجواز وكراهيته وحرمته.

    2- تميمة فيها أدعية أو قرآن أو اسم من أسماء الله الحسنى.. كما حدث من عبد الله بن عمرو كان يعلِّقها في أولاده الذين لم يدركوا بهذا. والإمام ابن حجر والإمام ابن عبد الوهاب قالوا أيضًا بالجواز في هذه المسألة، وإن هذه مسألة خلافية بين العلماء، وللإنسان أن يأخذ ما يستريح له قلبه.. هذا ما يخصُّ التمائم ثم ننتقل إلى الرقَى:

    الرقى وأحكامها

    الرُقَى جمع رُقْيَة، وهي العوذة التي يُرقَى بها صاحب الآفة كالحمَّى والصرَع ولدغ الثعبان، وهذه الأمور كلها أيضًا تضاف إليها الرقية من العين.

    قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ (القيامة: 27- 26) الاستفهام هنا استنكاري.. الله يستنكر عليهم إذا بلغت الروح الحلقوم من يرقيهم ومن يحميهم؟! وهذه الرقَى كانت معروفةً عند العرب، وقبل مجيء الإسلام؛ ومن أجل ذلك أن فيها شركيات، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن التمائم والرقى والتولة شرك"، وطبعًا المشروع منها ما كان بأسماء الله، وهذه عكس التميمة؛ لأن التميمة فيها خلاف.. أما الرقية ففيها نصوص.

    الرقية المشروعة ما كانت بأسماء الله وصفاته، وقد رقى جبريل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفسه ورقى بعض الصحابة، فالرقية مشروعة ومأمور بها ما لم يكن بها شرك كما قلنا، ويركز الإمام ابن تيمية على هذا الجانب ويقول: توجد بعض الرقى بألفاظ غير عربية ولا معنى لها في كلام العرب، فكل اسم مجهول ليس لأحد أن يرقي به فضلاً عن أن يدعو به، والرقية بغير العربية مكروهة بل ممنوعة، وغير الناطقين بالعربية جوَّزوا الرقية بالمعنى؛ لكن الأصل أن يرقى بالعربية؛ لأن الكهان كانوا يرقون بطلاسم وكلمات لا معنى لها، يدَّعون أنها توصلهم للجن الذي يشفي، وهذا لون من ألوان الشرك كما عرفنا.. يقول ابن حجر: أجمع العلماء على جواز الرقى عند توافر ثلاثة شروط:

    1- أن تكون بكلام الله وأسمائه وصفاته.

    2- أن تكون باللسان العربي وبما يُعرف معناه، ويرخص لغير العرب بالترجمة باللسان.

    3- أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها؛ بل بتقدير الله.

    الرقية عندنا هي كالدواء، والدواء من عند الله سبحانه، والذي يؤمن بأن الدواء من عند الله يؤمن بأن الرقية بقدر الله يتم بها الشفاء، لا فرق بين الاثنين؛ بل إن بعض علمائنا يقول: إن الطب الروحاني لا يمنع من الطب الجسماني (الأسباب والمسببات كما قلنا)، ولا يمنع الطب الجسماني أبدًا الطب الروحاني.

    إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كما شرع الرقية قال: "إن لكل داء دواءً" كما شرع هذا شرع هذا، ولا تَعارُض بينهما لدرجة أن بعض العلماء يقولون معنًى لطيفًا جدًّا، نفس معنى الإمام ابن القيم في زاد المعاد وهو: "واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يقع وقوعًا مضرًّا وإن كان مؤذيًا وإنما الأدوية الطبيعية تنفع بعد حصول الداء".

    والتعوذات والأذكار إما أن تمنع من وقوع هذه الأسباب أو تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقدرته.. أي إن ذلك راجع لصفاء النفس وحسن العلاقة بالله تعالى وكلما كان الإنسان صافي النفس وحسن العلاقة بالله تعالى كانت التعوذات أكثر تأثيرًا في رفع ودفع المضرة.

    بعض العلماء يقول: إن الصحابة وتابعيهم كانوا أكثر صفاءً للنفس وطهارة للقلب وحسن صلة بالله فكانت أيديهم طاهرةً هي التي ترقى فلجأ المسلمون في هذا الزمان في وجود الأطهار إلى الرقى، ويوم أن قلت الأيدي الطاهرة وبعُدت القلوب عن الله، وقل الأطهار فكثر اللجوء إلى الأطباء، قول لطيف لا يمنع من الأخذ بالأسباب؛ ولكنه يفضي إلى حسن الصلة بالله وصفاء النفس.

    يقول أبو خزيمة: "سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل تردُّ من قَدَرِ الله شيئًا؟ قال"هي من قدر الله".

    عندما جاءت الحمى وانتشرت، قالوا لسيدنا علي: أتفر من قدر الله إلى قدر الله؟! قال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله من باب الأخذ بالأسباب.. وهذه الرواية لا أدري هل هي حقيقة؟ هل رويت عن عمر أم عن علي رضي الله عنهما؟ إذن لا نستطيع أبدًا، إننا لا نجتهد مثل قضية التمائم ولا خلاف في هذا الأمر؛ بل هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن الرقية من سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما أمر به الرقى بالمعوذتين.

    حديث: "من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله" يذكِّرنا بهذا ونحن في قضية سلسبيل ودخلنا السجن، وقالوا ليس فيه أنوار، والدنيا ظلام فيمسك السجان بيد الواحد منا ويقول له: ادخل هنا ولا ندري هل يوجد ثعبان أم ماذا؟ فيتذكر الواحد هنا الحديث الذي ينزل السكينة والاطمئنان.. "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" (ثلاث مرات) عندما يقولها بثقة وليس على سبيل التجربة؛ لأن الثقة بالله تأتي بالأثر، يقول سهل بن أبي صالح عن أبيه قال:"سمعت من رجل من أسلم قال: جاء رجل من أصحابه- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله لدغت الليلة فلم أنم حتى أصبحت، قال: ماذا؟ قال: عقرب، قال أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله" (رواه مسلم).

    إذًا الرقى مشروعة، شرعها لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحديث عائشة: "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا آوى إلى فراشه نفث في كفه ثم قرأ قل هو الله أحد، والمعوذتين، ثم يمسح بها وجهه وما بلغت يده من جسده"، وتقول السيدة عائشة أيضًا: إنه كان يقرأ آخر آيتين من سورة البقرة في ليلته.

    لذلك المأثورات التي جمعها الإمام البنا- رضي الله عنه وأرضاه- كفتنا؛ لأنه جمع جميع الأحاديث المأثورة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأمور، وكان في سفره- صلى الله عليه وسلم- يقول: "يا أرض ربي وربك الله.. أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما يدب عليك.. أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد" (رواه الإمام أبو داود في سننه).

    وأفضل الرقى هي الصيغة المأثورة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما رقى بها جبريل الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهي أفضل الرقى لوجهين:

    1- أنها ذكر ودعاء واستعانة بالله.

    2- اتباع المأثور عنه- صلى الله عليه وسلم- وهذا أمر مطلوب، فنأخذ أجر الذكر وأجر الاتباع، وهو ذكرناه بالرقية من سورة الإخلاص والمعوذتين وفاتحة الكتاب، وتقول عائشة- رضي الله عنها-: "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: "اللهم أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاءً لا يغادر سقمًا"، فلما مرض- صلى الله عليه وسلم- وسقم أخذت بيديه لأصنع به نحو ما كان يصنع فنزع يده، وقال: "اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى"؛ لأنه كان يعلم أن المنية قد اقتربت.

    هناك حديث مأثور يُردَّد حينما يشعر الإنسان بالعين، والنساء أكثر تشاؤمًا إلى أبعد الحدود؛ لذلك تكلمنا أن الإسلام نهى عن التشاؤم بشكل قاطع، وأنه لا يجوز أبدًا للمسلم أن يتشاءم وقديمًا قوم صالح قالوا له: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ (النمل: 47) والغريب في الأمر أنهم كانوا يستشهدون بالقرآن في قولهم هذا، وللتدليل على صوابهم يقول الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ (فصلت: 16) وطبعًا اليوم ليس نحسًا، ولا يجوز لنا أن نقول يوم نحس: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ* سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ﴾ (الحاقة: 6- 7)، أي يوم فيهم؟ ولكن الواضح- كما يقول الإمام الألوسي- أي يوم من أيام الأسبوع، لا من النحس، إذا كان الأمر كذلك، وعلى ذلك لا يجوز للمسلم أن يتشاءم من الرقم أو غيره.

    حديث عن العين رواه مسلم، كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على كل صراط مستقيم" وطبعًا يجوز للرجل والمرأة على حد سواء أن ترقى، ولكن المرأة ترقى المحارم فقط، حتى لا يجوز التحريم على التأقيت (المحرم المؤقت) المحارم المقطوع بهم فقط ويكفيها ترقى أختها وبنات جنسها.. وهذا عن التمائم والرقى.

    الكهانة

    وهي ادعاء علم الغيب، والأصل في هذا الموضوع استراق الجن السمع من كلام الملائكة، ويأتون في أذن الكاهن ويقولون ما سمعوه من كلام في الملأ الأعلى.

    الكاهن: هو العرَّاف عند العرف أو المنجم، أو من يضرب بالحصى وكل من يرجم بالغيب.
    والكهانة كانت فاشيةً في الجاهلية تمامًا، وهي على أصناف وأنواع متعددة:

    - ما يتلقونه من الجن وكان الجن يركب بعضهم البعض ليتسمَّع وكان في هذا الوقت لم يحُل المولى سبحانه بينهم وبين تسمّع الجن ثم يلقى كل واحد ما يسمعه للآخر حتى يصل للكاهن والكاهن يزيد عليه أو ينقص منه ويضيف إليه ما يشتهيه وهذا كان يسمى التخطف ففي القرآن: ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات:10) وهذا قبل رسالة الرسول- صلى الله عليه وسلم.

    - كان الجن نفسه يخبر وليَّه (من يتصل به) يخبره ما يسمع.

    - الظن والتخمين والحدس وهذا فيه كثير من الكذب والاستنتاج أو يكون خبرة تجربة يستند إليها الكاهن من تراكم الخبرات فيدعي علم الغيب.

    وعلى كلٍّ هو لون من ألوان السحر، فعن عائشة رضي الله عنها: "سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الكهانة فقال: ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثوننا فيكون حقًّا، فقال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة"؛ لذلك قال- صلى الله عليه وسلم- الحديث الذي قلناه من قبل: "من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"، والحديث الآخر: "لا تقبل صلاته أربعين يومًا"، وذكر الرسول- صلى الله عليه وسلم- في حديث السِّحر: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر…".

    نقول لما تكلمنا عن الرقية فهي كلمات، وحثنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليها، والسحر كلمات، فهذا كلام وهذا كلام، ومطلوب منَّا أن نؤمن بالاثنين الرقية والسحر، نؤمن بالرقية وهي كلمات ونؤمن بالسحر؛ لأن السحر موجود نصًّا من القرآن ومن سنة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وسواء كان الشفاء أو الإيذاء فبإذن الله.

    وهنا نريد أن نقف وقفة مع الجن.. فالجن غيب من الغيب وما عرفنا الجن إلا عن طريق الوحي، وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (الجن: 1)، وعرفَنا الوحي أن الجن خلقوا من نار، وأن الملائكة خلقت من نور، وعلمنا الوحي أن الجن أرواح عاقلة مريدة (عندها إرادة) يُحَاسَبون مثل الإنس؛ لذلك بلغهم القرآن وبلغتهم الرسالة كما نعلم، وإنهم مجردون عن المادة البشرية، لديهم القدرة على التستر عن الحواس لا نراهم على طبيعتهم ولا على صورتهم الحقيقية؛ بل لهم القدرة على التشكل.

    علمنا الكتاب والسنة الصحيحة عن مادة خلقهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر: 26- 27)، والحقيقة أن الجان الذين خلقوا من هذا الخلق طوائف منهم المؤمن كامل الاستقامة، ومنهم العاصي، ومنهم الكافر: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (الجن: 11)، أنواع وطرائق متعددة كل هذه الأصناف جاءتنا عن طريق الوحي: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا* وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجن: 14- 15)، حتى إن قصة الجن التي رواها ابن عباس أنه كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وانطلق معه، وجاء إلى مكان معين، قال: لا تتجاوزه، ثم ذهب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى وادي الجنة، وبلغهم رسالة ربه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (الجن: 1- 2) والقرآن بيَّن لنا تسخير الجن لسيدنا سليمان- عليه السلام- والقصة معروفة قصة بلقيس، كل هذا عرفناه من القرآن.

    أشد أنواع الجن خروجًا على طاعة الله- سبحانه- هو إبليس، وهو أبو الشياطين، والشياطين هم المتمردون من الجن؛ ولذلك عندما نستعيذ، سأل أحد الناس: لماذا لا نقول أعوذ بالله من الجن؟

    والإجابة: لا أستطيع أن أقول أعوذ بالله من الجن؛ لأن فيهم المسلم والمؤمن؛ ولكن أعوذ بالله من الشيطان؛ لأن الشيطان هو المتمرد من الجن الكافر، منه اليائس من رحمة الله تعالى، إبليس نفسه، فالشياطين هم المتمردون على الله، وبين لنا الله العداوة بيننا وبين الشيطان وأمرنا باتخاذه عدوًّا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: 6)، يكفي هذا الأمر من الله تعالى، هذه واحدة.

    الإنسان مطلوب منه أن يحذر ألاعيب إبليس، وكلما كان الإنسان قريبًا من الله واتقاه ابتعد عنه الشيطان، ولا يكون له على الإنسان سلطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ (النحل: 98- 99).

    إذًا لا سلطان للشيطان علينا، والسيرة تبين لنا أن رجلاً وهو الفاروق وصل الأمر بالشيطان إذا رآه يسير في فجٍّ سار في فجٍّ آخر غير فجِّ عمر، وأعلمنا المولى أن كيد الشيطان كان ضعيفًا؛ ولكن بيَّن لنا نقطةً مهمةً جدًّا أنه حتى الذين اتقوا لا ينجون من مس الشيطان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201).. غير أن صاحب التقوى بتقواه الله يعطيه البصيرة، فلما يأتي الشيطان ويأمره بسوء، يقول له: لا.. سأفعل الخير، جاء الشيطان إلى سيدنا عيسى- عليه السلام- في طريق، وقال: يا عيسى: ألم تقل إن ربك قادر على أن يحيي الموتى، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قال: بلى، قال فاصعد هذا الجبل وألقِ بنفسك من عليه، وأرني كيف يصنع الله بك؟! قال عيسى: خسئت يا لئيم!! لله أن يختبر العبد، وليس للعبد أن يختبر ربه.

    وهنا التسليم لله، وللعلماء قول لطيف جدًّا عن سيدنا أيوب- عليه السلام-: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (الأنبياء: 83)، ولم يطلب من الله الشفاء؛ ولكن قال: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)، وكأنه يقول: "إذا رأيت الرحمة في المرض فأبقه، وإذا رأيت الرحمة في إزالته فأزله، فيفوض أمره لله.

    فالمسلم يفوض أمره لله أولاً وأخيرًا، وعلى ثقة واطمئنان على أن الله مفرج الكرب والضر، ولا سلطان للشيطان؛ لكن الإنسان هو الذي يستدرجه الشيطان في خطواته، وعلى المسلم أن يتنبه أن الشيطان لا يخطو خطوة واحدة ولكن خطوات، عنده منهج تدريجي في استدراج الإنسان: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ﴾ (الحشر: 16)، تدرجه مع عابد بني إسرائيل، الشيطان ليس غبيًّا، حتى يأتي للعابد خطوة واحدة ويقول له اكفر؛ ولكن يتبع معه خطوات، ومن هنا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: 168)، فالذي يلهمه ربنا رشده يكسر رقبة الشيطان من الخطوة الأولى، ولا يتركه يخطو خطوات ويخالفه على طول، فالإنسان المسلم كلما توكل على ربه واقترب منه وزاد من عبادته كان الشيطان كيده ضعيف، أوهن من بيت العنكبوت، وبين لنا ربنا ذلك حتى إذا جاء الكهنة والدجالون فادَّعوا الضر يكون عندي إيمان وثقة بالله سبحانه أنه هو الذي يدفع عني الضر.

    ويبين لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن بيت خرب والذى خرب؛ لأن الشياطين تأتي في الخرابات؛ لكن لو كان بيت فيه نافلة وفيه قيام وفيه سنة وجلسات الذكر سيَفِر، ماذا سيعمل؟‍ سيبحث عن مكان آخر يذهب إليه.. إذًا نحن نتحصن أولاً بالعبادة.

    ما هو السحر: السحر كان موجودًا، والقرآن نزل وحدثت حالات من السحر؛ ولكن لا يذكرها لنا التاريخ لندرتها؛ لكن لما فسدت النفوس وبعدت عن الله لقينا معظم بنات الجامعة جايين يقولوا لنا السحرة سحرونا؛ لأن التقوى قلَّت وحسن التعبد لله قل والتفويض لله والثقة فيه انعدمت وخاف الإنسان من الإنسان، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175)، إذًا نحن لا شك نؤمن بالسحر؛ ولكن في الوقت نفسه نؤمن بأن النفع والضر من الله سبحانه، وعلمنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وشاء الله سبحانه أن يحصننا من الشيطان بأمور ثلاثة:

    1- قراءة القرآن؛ لأن الإنسان عندما يقرأ القرآن، ويلجأ إلى الله تعالى، تصفو نفسه، والنفس على ثلاث حالات كما تعلمون:

    أ- النفس الأمارة بالسوء، يقوِّمها الإنسان بقراءة القرآن حتى تصبح نفسًا لوامة.

    ب- النفس اللوامة، ثم يعالجها صفاء وحسن صلة بالله حتى تصفو وتصبح نفسًا مطمئنة.

    ج- النفس المطمئنة والنفس الصافية، ويناديها ربها من علٍ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27- 30)، ويرى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول هذا الكلام أبو بكر فيقول: يا رسول الله، ما أحسن هذا، قال: ألا إنه سيقال لك يا أبا بكر.

    هؤلاء أناس نفوسها عالية، هل نصل إلى هذه الدرجة؟ نعم منهاج الله موجود نصل به إلى هذه الدرجة.

    2- الاستعاذة دائمًا من الشيطان الرجيم، فالإنسان إذا دخل في مكان موحش استعاذ بالله من الشيطان.

    3- الإيمان بالله والتوكل عليه، فإذا آمنا بالله وتوكلنا عليه فبالتالي لا نولي الشيطان أمرنا؛ لأن الذي يتولى الشيطان حزب خاسر، فإذا وضع الإنسان هذه الأمور في اعتباره كفرًا بالشيطان وأوامره، والحمد لله رب العالمين ترك لنا أمرًا نستطيع أن نعرف به الصواب من الخطأ، فكل ما يعارض منهاجنا يبقى من الشيطان نستعيذ بالله منه ولا نفعله.
    كلمة أعوذ معناها أستجير يعنى أعوذ بك وأستجير بك يا رب وألجأ إليك: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾ (الدخان:20)، التجأت إليك يا رب، يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- عندما تزوج امرأة من العرب، فلمَّا أُدخلت عليه قالت: إني أعوذ بالله منك، فقال: لقد عُذت بمعاذ، فالحقي بأهلك.

    يروى أن عمر بن الخطاب ركب على حمار فتبختر به فقال: أنزلوني، فإنما أركبتموني على شيطان, عندما يقول الإنسان أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، المرجوم هو المقتول المقطوع عن رحمة الله سبحانه، إذًا أمر السحر كما قلنا وهو أمر يتصل بالجن أمر جاء في القرآن في قصة طالوت، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (البقرة: 102).

    القصة (قصة هاروت وماروت) ملكين ربنا أرسلهما إلى قوم في عهد سليمان- عليه السلام- وكان في مثل هذا الوقت قد انتشر السحر، فقالوا إن ربنا أرسل الملكين حتى يعلموا الناس السحر لرد كيدهم (رد كيد ضرر الساحر)، فكانوا يعلمون الناس السحر لرد كيد السحرة عن الناس، فكان الذي يتعلم هذا السحر لكي يستخدمه في الضرر، فكان فتنة له وضرر؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 102)، وعندما كانا يعلمان أحدًا يحذرانه ويقولون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾، نحن نعلمك لاستخدامه في دفع المضرة واستخدامه في الخير لتجزى خيرًا واستخدامه في الشر فتنة وكفر، إذًا هي فتنة أو بلاء وامتحان، ولذلك حتى المضرة: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَم
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    شروط وسلطة الحاكم

    مُساهمة  Admin في الخميس 30 يونيو 2011 - 21:17

    بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، مواصلةً لما بدأناه من أحاديث عن أصول الفهم، والتي تحدد إطار دقيق لفهم المسلم، ورأينا في الأصل الأول والثاني المصدر والمرجعية للمسلم التي يقيس بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل واسترسلنا في الحديث إلى أن وصلنا لهذا الأصل، الأصل الخامس.

    ودون مقدمات يقول هذا الأصل- نبدأ بتلاوته كما ورد في رسالة التعاليم يقول الأصل-: "ورأي الإمامِ أو نائبه فيما لا نصَّ فيه، وفيما يحتمل وجوهًا عدة وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بتغير الظروف والعرف والعادات، والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات للمعاني، وفي العاديات الالتفات للأسرار والحكم والمقاصد".

    هذا هو النص.. والحقيقة أن هذا النص ضمنًا يشير إلى معنى نردده نحن دائمًا ونقول: إن الإسلام دين الجماعة، وهذا الأصل يثبت ويوضح هذا المعنى؛ لأن الإسلام لو لم يكن دين الجماعة فما كان له إمام ولا كان له نائب، وما كانت الشريعة الإسلامية تنظم هذا الأمر تنظيمًا دقيقًا.

    فكلمة ورأي الإمام أو نائبه تدل على أن الإسلام دين الجماعة لا بد أن يكون له إمام وأن يكون له أمير له مواصفات سنذكرها، وله دور يؤديه؛ ولكن الذي يهمنا في هذا الأصل أنه يتناول السياسة الشرعية المنوطة بالإمام، الإمام هنا يقصد به خليفة المسلمين أو رئيس الدولة أو نائبه ورأيه في أمور السياسة والحكم ومدى اعتبار ذلك، هذه واحدة.

    أما الثانية: فيعالج الأصلُ المجالاتِ التي يعمل بها يعني في أي المجالات التي يعمل بها هذا الأمير، وقد حددها الإمام البنا فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوهًا عدة وفي المصالح المرسلة، في أمور ثلاثة.

    وثالثًا: هل يقبل هذا الرأي التغير تبعًا للظروف والأوضاع أم هو جامد لا يلين؟ ثابت لا يتحرك؟.

    رابعًا: من خلال النص لا بد أن نقف مع الشورى، وما موقف الإمام من الشورى.
    أخيرًا: هل يعمل بهذا الرأي الذي يقوله الإمام في العبادات والمعاملات على حدٍّ سواء؟ أو أن بينهما فرقًا في النظر إلى المقاصد والعلل أو عدم النظر إليها..؟ كل هذه الأمور تحتاج منا إلى تبيان وتوضيح، وهذا الذي أشرت إليه أشار إليه هذا الأصل تبيانًا واضحًا محددًا.

    وقبل أن نتناول أيضًا هذه الأمور نريد أن نحدد هذه التعريفات والمصطلحات التي وردت؛ لكي نتبين المقصد من استخدامها؛ لأن كل مصطلح من المصطلحات له تحديد فقهي واضح، إذا عرفه المسلم ثم تلاه حُدِّد المعنى بتحديد المصطلح نفسه، فابتداءً إذا كنَّا نتكلم عن الفقه الإسلامي فإننا سنتكلم عمَّا لا نص فيه، وما فيه وجوه عدة، والمصالح المرسلة، أمور كلها تتصل بالتشريع والفقه.

    إذن لا بد أن نعرف أن الفقه الإسلامي فقه شمولي، بمعنى أنه يشمل جميع علاقات الإنسان، فهو يشمل علاقة الإنسان بربه، وحدد فقهنا هذا تحديدًا واضحًا، ودائمًا نشير نحن إليه.. نتكلم عن فقه العبادات.. يحدد فقه العبادات هذه العلاقة بين الإنسان وربه، وأيضًا علاقة الإنسان بحياته، خاصةً في مأكله ومشربه وملبسه، وما أطلقنا عليه الحلال والحرام إن عملنا المأمور وتركنا المحظور في مثل هذه الأمور.. أيضًا علاقة الإنسان بأسرته من زواج وطلاق وميراث حددها الشرع تحديدًا واضحًا، ثم علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه.

    كل هذه الأمور شملها الفقه الإسلامي، وتناولها بتفصيل دقيق واضح؛ لذلك حين يتعامل المسلمون أو علماء المسلمين مع هذه القضايا منها الثابت الذي لا يتغير ولا يجوز فيه الاجتهاد؛ بل هو قطعي يؤخذ كما هو، ومنها الظني الذي يجتهد فيه ودائرة الاجتهاد هنا يدخل فيها ما يسمى بالسياسة الشرعية، حيث نجد العلماء ينظرون في دائرة الاجتهاد مراعين المصلحة؛ لأنه ليس فيها نص قطعي؛ بل فيها أمور اجتهادية، ومن فضل الله علينا أن الأمور القطعية قليلة جدًّا، والآن نتناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل.

    سنتكلم عن الخلاف الفقهي، وسيأتي في موضعه إن شاء الله، ودائرة المجتهد فيه ليست متروكةً كما يظن البعض، لكل إنسان يستطيع أن يُعمل عقله، قبل أن يعمل هذا العقل لا بد أن يكون مرتبًا ترتيبًا إسلاميًّا.. ثقافته إسلامية، نظرته إسلامية، علمه إسلامي، فكل إناء بما فيه ينضح.

    العلمانيون- وهم يريدون تشويه الإسلام- يدَّعون إعمال العقل؛ لكن أي عقل هذا الذي يُسمح له أن يجتهد في مسائل المسلمين؟!

    وضع طبيعي أن يضع العلماء شروطًا للاجتهاد، ليس أي إنسان يجتهد، ومثلما قلتُ حتى لا نطيل في هذا الأصل؛ لأنه سيأتي بشيء من التفصيل إن شاء الله؛ لكن الذي يهمنا الضوابط لمن يجتهد؛ لكي يصل لمصلحة المسلمين، لا يجتهد أي إنسان ولو كان حافظًا للأربعين النووية أو قارئًا في كتاب أصول الفقه، فنحن ننقل علمًا ولا يمكن أبدًا أن نزيد أكثر من ذلك؛ لأن أهل النظر محدَّدين عند العلماء بتحديدٍ واضحٍ.

    الإمام السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) أشار إلى الاجتهاد إشارةً عابرةً وضح فيها شروطًا تحتم على المجتهد أن يكون عالمًا بثلاثة عشر عِلمًا، وبعد ما عدد هذه العلوم، قال إن هناك أمرًا آخر، ألا وهو (الموهبة)، وسماها "علم الموهبة"؛ حيث قال عنها: "هي نور يقذفه الله في قلب مَن يُحبه"، فليس الأمر متروكًا لكل من هبَّ ودبَّ؛ لكي يتحدث، بل يجب على الإنسان حين يتكلم أن يحترم نفسه وعقله ودينه، ولا عيب أبدًا في أن يقول لا أعلم، وأن يرد ما أشكل عليه إلى عالِم يعلمه.

    فعندما نأتي لجانب السياسة- التي سموها السياسة الشرعية- ونجد أنها مكونة من كلمتين: سياسة، وشرعية، والمقصود بالشرعية هو شرع الله الذي علمه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبالتالي بلغها الرسول للناس، فلما نتكلم عن السياسة الشرعية يكون المقصود بها أنها علاقة الفرد المسلم بدولته من جانب أو علاقة الحاكم بالمحكوم، فهذا المقصود بالسياسة الشرعية.

    وكلمة شرعية- كما قلت- تعني الشريعة، والمولى- سبحانه وتعالى- أقام الشريعة على اليسر أساسًا لا العسر.. أقامها على التخفيف وليس التشديد، على رفع الحرج عن الناس، ولم يلزمهم بهذا الحرج، وقال ربنا: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، وقال: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء: 28)، وقال: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (المائدة: 6)، وقال: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78).. آيات كلها تثبت رفع الحرج عن المسلمين.

    ومنهج الشريعة دائمًا منهج تيسيري ييسر على الناس أمر هذا الدين؛ ولذلك من التيسير مثلاً الرخَص في مقابلة العزائم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتَى معصيته" (حديث رواه الإمام أحمد)، وحديث آخر: "إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه".

    ووضع العلماء لرفع الحرج قواعد أصولية يقولون فيها: "الضرورات تبيح المحظورات"، وجعل التدرج في الأمور للوصول للأهداف خطوةً خطوةً أصلاً من أصول التشريع، ومن الخطأ أن نتعلم كيف تتعامل مع المصلحتين أيهما أكثر فائدة، ونتعود على التعامل مع المصالح، ويسقط منا في الطريق التعامل مع المفاسد في الفقه، تتعامل مع المفاسد فتختار أقلهما مضرة، يعني ارتكاب أهون الشرين وأخف الضررين، قاعدة أصولية، يتبقى أمام المسلم مفسدتان يختار أقلهما؛ لكن نحن تربينا أن نتعامل مع المصلحة، وعند ما تأتي المفسدة نقول منكر يجب إزالته، طبعًا يرجع لعدم الفقه.

    والإمام ابن القيم لما قسم درجات إزالة المنكر، وقال فيه أربعة أنواع، وجاء للنوع الرابع، وقال أن يبقى هذا الإثم الذي يسبب مفسدة على ما هو عليه ولا يزال؛ لأنه إذا أزيل سينتج عنه ضرر أشد، إذن أنا مطالَب فقهيًّا أن أُبقِي الضرر، وهذا الذي لم يتدرب عليه كثير من الشباب؛ لأنه واضع في اعتباره دائمًا أن المنكر يزال، بينما الأمر ليس على ما فقهوا؛ لكن الأمر كما علمنا العلماء، وكما وضحوا هذه القاعدة: ارتكاب أهون الشرَّين وأخف الضررين، وقالوا: ندفع الضرر الأعلى بتحمل الضرر الأدنى.

    وقد أجاز الشارع الحكيم للإنسان في حالة الإكراه ما لا يجوز في حالة الاختيار، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه"، ووصل الأمر في القرآن إلى أن المكره قد ينطق بكلمة الكفر: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106) هذه قواعد أصولية وضعها الأصوليون؛ لكي ييسروا الفهم لمن أراد أن يتعلم، ويبينوا القواعد الأصولية التي تحكم الإنسان المجتهد الذي يبحث عن مصالح المسلمين.

    أما معنى السياسة الذي قلنا إنه السياسة الشرعية فهو تدبير أمور المسلمين في دنياهم حسب قواعد الشرع، وينظر الفقهاء في تدبير أمور الناس في أمور دنياهم في شرائع الدين؛ ولهذا يعرِّفون الخلافة بأنها نيابة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، ويسوس الدنيا بهذا الدين، وقد يقصد بكلمة السياسة وهو معنى خاصٌّ، كما يقول أستاذنا الدكتور القرضاوي، هي ما يراه الإمام أو ما يصدر عنه من الأحكام والقرارات؛ زجرًا عن فساد واقع، أو وقاية من فساد متوقع، أو علاج لوضع خاص.. هذا معنى السياسة.

    وهكذا حددنا معنى السياسة الشرعية بالأمور التي وردت كما حددها العلماء، وإذا كانت هذه هي السياسة الشرعية فالذي نراه في عالمنا اليوم لا يمتُّ إلى السياسة الشرعية بشيء، عندما نتكلم عن السياسة الشرعية مثلما قلنا إذا كانت هناك مصلحة للمسلمين فالذي يحددها أهل النظر والاجتهاد، يعني نسوس الدنيا بالدين، ولا نسوس الدنيا بالدنيا، فلا تكون إذًا سياسةً شرعيةً إنما تكون.. (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ) (الشورى: 21).

    والوضع الموجود عليه المسلمون وضع ليس من الإسلام في شيء، اللهم إن كان يتصل بالعبادات الفردية أو السلوك الفردي أو علاقة الإنسان بربه، أما ما يتصل بسياسة المجتمع بالدين فلا نرى منه شيئًا بعد أن عزلوا الدين عن الدنيا، وقالوا لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة..!!

    قرأت نصًّا للإمام ابن القيم فأضحكني وقلت: لو كان يعيش في زماننا هذا ماذا كان يقول..!! فهو يقول عن زمانه وعلى من قبله فيصف حالهم، ويقول: "إن الحكام في عصره- في عصر ما قبل ابن القيم- استحدثوا قوانين سياسية لآرائهم بمعزل عن الشرع- وهذا الكلام يقوله لأنه ينعى على العلماء في هذا العصر أنهم أغلقوا باب الاجتهاد فجمَّدوه"، يعني أنهم لم يتركوا الشريعة بالكلية أو تركوا الدين خلف ظهورهم إنما ينعى عليهم أنهم ضيقوا على المسلمين مسائل استُحدثت فبدأ الحكام يتركونها ويبحثوا عن مصالحهم، مع أن الحكام كانوا يعتبرون كتاب الله هو الحكَم، فابن القيم يصف هذا الحال، فماذا لو اطَّلع على الحال الذي ينطبق عليه قول ربنا: (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30).. ماذا كان سيقول؟!

    يقول هذا الكلام؛ لأنه شعر بجمود العلماء وتعصبهم فترك الشرع لأهله، وبدأ الحكام يبجثون عن أمور أخرى منفصلة عن الدين.

    والحقيقة أنه يوجد فهم عن بعض المسلمين وبعض الشباب أنه لما نتكلم في السياسة الشرعية لابد أن تكون في أمور أتى بها الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو يكون منصوصًا عليها في كتاب الله، وهذا أمر أيضًا يعتريه فهم خاطئ؛ لأننا تكلمنا عن أن الاجتهاد فيما لا نصَ فيه.

    ولذلك حدث حوار بين واحد شافعي وواحد حنبلي، يقول الشافعي: "لا سياسة إلا ما وافق الشرع"، فقال الحنبلي: "السياسة ما كانت فعلاً يكون معه الناس أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول أو نزل به وحي"، فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع فهذا صحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فهذا خطأ؛ أي ما يقوله الشرع لفظًا، فهذا خطأ لأنك تقيس مصالح المسلمين ولو لم ينطق بها الشرع تبحث عن المصلحة.

    وسنعطي أمثلةً كثيرة في أمور لم ينطق بها الشرع؛ ولكنها صحيحة باجتهاد العلماء؛ بل إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نفسه فعل هذا الأمر، ونضرب مثالاً: لو أخذنا قصة تحريق المصاحف لسيدنا عثمان فإننا لا نجدها في نص؛ أي لم ينطق بها الشرع؛ لكن عند ما نجد أن سبب تحريقه المصاحف هو أن بعض الناس بدأ في عهده يكتبون المصاحف، ويدخلون فيها بعض المعاني التي يفهمونها، فاختلطت بعض المعاني بالقرآن، فجمعهم على مصحف واحد، وهو الذي نزل على الرسول- صلى الله عليه وسلم- والمصاحف الأخرى أُحرقت، حتى لا يظن الناس أن المعاني التي أدخلوها على المصاحف هي من القرآن.. إذن هذه مصلحة كبرى، واجتهد للمصلحة بما يوافق الشرع.

    وهذا مثل على هدي الرسول في السياسة الشرعية.. تهمة ولتكن السرقة، عندما تثبت إما بالبينة أو الأدلة الشرعية يكون فيها الحد، ماذا لو لم تنطبق القواعد على هذا السارق، وتتفاوت من واحد لآخر، فنجد الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تهمةٍ عاقب وفي أخرى حبسَ، فهنا المصلحة حسب تقدير الرسول- صلى الله عليه وسلم- لهذا الأمر مع هذا يَحبس، ومع هذا يعاقب، هذه سياسة شرعية، وعندما عاقب الرسول فإن أمارات الريبة في المعاقب أظهر وأقرب من الأول، فاختلفت درجة العقاب حسب ما رؤي من ريبة من أحدهما عن الآخر، وهذه مسألة اجتهادية وليست منصوصًا عليها.

    الغل من الغنيمة، أي الذي يخفي شيئًا من الغنيمة يخفيه ويأخذه خلسةً.. فإن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أسقط سهمه وحرَّق متاعه، وليس هذا منصوصًا عليه؛ ولكن وجد أن هذا الأمر من المصلحة، أيضًا عند ما نقول إنه همَّ بتحريق بيوت تاركي صلاة الجمعة والجماعة وهو غير منصوص عليه.

    عندما يضاعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه، القطع إذا وصل لحد النصاب يعني ليس أي إنسان يسرق تُقطع يده، فلابد من شروط.. لا بد أن يكون مالاً مُحرزًا، ومقوَّمًا؛ له قيمة.. بلغ حد النصاب، فأن يسرق إنسان ولم تصل السرقة حدَّ النصاب فإن الرسول- صلى الله عليه وسلم- جلد فيها ولم يقطع، في حين أن هذا غير منصوص عليه.. والأمثلة كثيرة في هذا الأمر ولو اكتفينا بالمثال الأخير، وهو أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أمر بقتل شارب الخمر بعد الثالثة أو الرابعة، في حين أن شارب الخمر يُجلد، ومثلما قيست على إذا شرب هذئ، وإذا هذئ يرمي ويقذف.. إذن حد القذف ثمانون جلدة، الرسول- صلى الله عليه وسلم- قتل في شارب الخمر الذي عاد لشربها مرةً ثانيةً وثالثةً ورابعةً، ولم يقم عليه الحد، وإن كان فيه خلاف عند العلماء أن الخمر ليس لها حدٌّ منصوص، وإن كانت بالقياس كما قلنا.

    وهذا سيدنا أبو بكر في عهده حرَّق اللوطية، واعتبر أن هذا الأمر من الجرم بمكان، وسيدنا خالد بن الوليد لما كتب إليه، وقال إنه وجد في بعض نواحي العرب رجلاً يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فاستشار أبو بكر أصحابه، وكان فيهم سيدنا علي، فقال: إن هذا الذنب لم تَعصِ به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم، فأرى أن يُحرَّقوا بالنار، وهذا غير منصوص عليه، ولكنه أمر اجتهادي فيه مصلحة للمسلمين، كما رأى الصحابة وسيدنا علي، فأرسل أبو بكر لسيدنا خالد، وقال: حرِّقهم، وجاء من بعده عبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك وفعلوا مثله.. سيدنا عمر وقصة نصر بن حجاج لما افتُتِنت به النساء نفَاه من المدينة، هذه أمور كلها غير منصوص عليها، ولكن يجتهد العالم لمصلحة الأمة بما يراه، مستندًا إلى قواعد أصولية وفقهية.

    بعض إخواننا يقول: ما دليلك، أعطني دليلاًَ من الكتاب والسنة.. إن كل هذه الأمور خارجة عن حدود الكتاب والسنة، لم ينطلق الاجتهاد إلا من هذا الأساس نفسه؛ بل إن الأمر وصل بسيدنا عمر أن اختار للناس الإفراد بالحج ولا يتمتعوا ليعتمروا في غير أشهر الحج، فيصير البيت عامرًا طوال العام، وهو اجتهاد، أما أنه ملزم أو غير ملزم فهذا موضوع آخر.

    نحن نتكلم عن الاجتهاد للمصلحة، الإلزام سنتكلم عنه عندما نتكلم عن النواحي الثلاثة التي يجتهد فيها الإمام إن شاء الله؛ بل إن هذا الأمر لما قال سيدنا عمر، ونادى بالإفراد ظن الناس أنه يمنع التمتع بينما هو يدعو للأفضل.. الأولى لعمارة البيت، فتنازع هو وابن عباس والزبير، فلما اشتدوا عليه قال لهم ابن عباس: أقول لكم: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتقولون قال أبو بكر وعمر؛ لكن هذا لم يُعِب على ذلك، ولا ذاك رمَى هذا، فهذا أدب الحوار وأدب الخلاف الموجود بين المسلمين في ذلك الزمان.

    يقول ابن القيم: هذه سياسة بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة، الأمثلة التي ضربتها بقول هذه السياسة تختلف ضمانًا ومكانًا وشخصيًّا؛ لأنها مسألة فيها اجتهاد، والاجتهاد يختلف من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، فيعطي الناس لمَّا قرؤوا هذه المقولات الآراء ظنوها حكمًا شرعيًّا ثابتًا لا يتغير، فيجب أن نفرق بين الثوابت التي لا تتغير وبين المتغير الظني المجتهَد فيه الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان.

    مثال: عندما يقول لك واحد أنتم تحيروننا، مرةً تدخلون مجلس الشعب، ومرةً لا تدخلونه.. الإمام البنا طلقها طلقةً بائنةً، كان يريد أن يدخل فمنعوه فامتنع، وترك الأمر للناس.. الناس لم يفرقوا بين ثوابت الجماعة التي لا تتغير ومتغيراتها التي تتغير من زمان ومكان ومن شخص لشخص، الإمام البنا اجتهد في زمانه بقواعد الشرع والظروف الموجودة وخرج باجتهاده، من حقِّنا في زماننا أن نجتهد ونرى ظروفنا؛ لأن هذا أمرٌ متغيِّر.

    دائرة الاجتهاد هذه التي هي المصلحة، والمصلحة ليست هوًى بالنفس، وإنما ترتبط بالدين ارتباطًا وثيقًا، والمصلحة لا بد أن تكون مصلحةً شرعية، وليست- كما سنرى- أن هناك مصالح مهدرة ولا قيمة لها عند المسلمين؛ لذلك مثلما قلنا عندما نرى حكمًا من الأحكام نقرأه في أي كتاب لعالِم من العلماء نفرق بين الأمور الثابتة التي لا تختلف زمانًا ومكانًا، ومثال الخمر حرام ليس فيها كلام، فهذا حكم لكن بالنسبة لشارب الخمر عندما يشرف على الموت ولم يجد إلا الخمر، فهذا له حكمه الخاص به حسب ظروفه.

    فرق كبير جدًّا بين الفتوى والحكم.. الحكم ثابت والفتوى متغيرة: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ) (البقرة: 173)، فالعالِم المجتهد يجيز له شرب الخمر للضرورة للمحافظة على حياته، ويبقى الحكم على ما هو عليه وهو الحرمة، نظن أنها ثابتة عندما تقرأ حكمًا اجتهد فيه عالم يجتهد من زمان لزمان ومن مكان لآخر قد نأخذ به وقد لا نأخذ، ليس نحن؛ ولكن علماء زماننا يأخذون به أو يجتهدون حسب الظروف التي يعيشونها ويستنبطون حكمًا جديدًا حسب القواعد الشرعية لمصلحةٍ تفيدهم زمانًا ومكانًا، ولذلك حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر"؛ لأن كلاهما يعمل ويجتهد لطاعة الله، لنا في الإمام مالك ما جاء عن تحريق عمر بعض الأشياء زجرًا وردعًا فقد حرَّق قصر سعد وحانوت الخمَّار وإراقة اللبن المغشوش.

    جاء الإمام مالك وخالف رأي عمر؛ لأن هذا اجتهاد؛ لكن انتبهوا من المقولة المغشوشة؛ لأن بعض المبتدئين في الفقه يقولون هم رجال ونحن رجال، كنت أعلِّق عليها وأقول: هم رجال ونحن عيال؛ لأننا عالة عليهم حتى الآن؛ لكن هم رجال ونحن رجال!! فأين نحن من علمهم؟!

    فالمسائل التي ذكرنا كانت مسائل اجتهادية من سيدنا عمر وضمن المصالح المرسلة كما اعتبرها العلماء، وجاء الإمام مالك باللبن المغشوش، وقال: لماذا أسكبه؟! بدلاً من سكبه أتصدق به ويشربه الفقير؛ لأنني لو سكبته ستضيع منفعة وهو غير مخلوط بخمر، إنما مخلوط بالماء.. المجال في هذا الأمر واسع، والأمثلة كثيرة، وكلما قرأ الإنسان- خاصةً في الفقه المقارن- واطلع على آراء العلماء واختلافهم في المسألة الواحدة يجد أن هذا الفقه ثريًّا جدًّا يُصلح الزمان والمكان بحق، والإسلام أعطى بجانب التشريعات والنظم مرونةً لأبعد الحدود في أي زمان ومكان طالما وُجد أهل الاجتهاد والرأي.

    والحقيقة- لضيق الوقت- سأكتفي بهذه الأمثلة لكي نصل بعد التعريف وتبيان ما هي السياسة الشرعية والأمثلة لها من عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الصحابة إلى التابعين للإمام مالك في مخالفته لاجتهادات سيدنا عمر لنقول: إن الأمر خلافي بين العلماء في اجتهادهم في المصلحة التي تعود على المسلمين بالنفع في زمانهم ومكانهم، وإذا كان للإمام أن يرى رأيه، وأن يجتهد اجتهاده فمن هو الإمام الذي نقصده..؟!

    الإمام في العرف الإسلامي هو الخليفة الذي يحكم الأمة نيابةً عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في إقامة الدين وسياسة الدنيا به، وقد ينوب عنه مَن يدير البلاد من الولاة يقومون بالسلطة التنفيذية، وهؤلاء أيضًا طالما أنهم أُنيبوا عن الإمام فلهم السمع والطاعة فيما أمروا به، وشرط أن يكون الأمر في معروف؛ لأنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، وحديث الرسول: "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني"، وطبعًا إذا كان الإسلام دينًا ودولةً فكان لا بد من إمامٍ يسوس هذا المجتمع ويدير شئونه، السياسة الشرعية التي أشرنا إليها، والحقيقة أن العلماء اجتهدوا في وضع شروط للإمام لكي نطلق عليه (إمام) أو (خليفة):

    - أولها (الإسلام): (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59).

    - الشرط الثاني (الذكورة): ونحن نتكلم هنا عن الولاية العامة، يعني الحاكم، أما دون ذلك فكلام كثير جدًّا، واجتهادات عند العلماء أنها تكون قاضية أو تحكم أو لا تحكم، وتكون مثل الرجل وتدلي بصوتها، وتشارك في المجالس التشريعية؛ لكن عندما نتكلم عن الذكورة نقصد بها الولاية العامة، الخليفة أو الحاكم: "فلن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" في الولاية العامة.

    الأسباب كثيرة؛ حيث توجد مجالات لا يستطيع أن يقوم بها الرجل وتقوم بها المرأة خير قيام، لماذا نقسم العمل، نعترف: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك"، وأعطاها هذه المنزلة ثلاث مرات.. لماذا لم يغضب الرجال؟! فنحن نتكلم عن وظائف لها خصائص، هل من العقل بمكان أن تكون المرأة مهندسةً مدنيةً تطلع على الخشب والحديد، الله لم يفاضل بين الرجل والمرأة من حيث التقوى؛ بل إن المرأة قد تفوق الرجل قُربًا لله- سبحانه وتعالى- سيدنا جبريل نزل خصيصًا لامرأة ليبلغها السلام من الله، هي السيدة خديجة- رضي الله عنها.

    الولاية العامة لا تصلح لها المرأة.. أعطيكم مثالاً: مجرد الحمل والولادة أنتم تعلمون، دعونا من النظرة الغربية التي لوثت العقل الإسلامي وتأثر بها الناس.. المساواة في أي شيء، نحن لو ساوينا الرجل بالمرأة في كل شيء سنظلمها؛ لأنها على غير طبيعتها التي فطرها الله عليها، فلما نأتي للإمامة والولاية العامة الذي يسهر بالليل ويتحسس الناس بالنهار، وينظم الجيوش.. أمور لا تقوى عليها المرأة؛ لكن هل منعها أن تشارك في الجهاد، امرأة قالت لما أشيع عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قتل في أحد.. قالت "قوموا وموتوا على ما مات عليه نبيكم"..!!

    - الشرط الثالث (أن يكون عدلاً في دينه): لا يُعرَف عنه فسوق، متقيًا عارفًا بأمور السياسة والحكم، ذا دراية بمصالح الأمة.

    - الشرط الأخير (أن يكون جامعًا للعلم بالأحكام الشرعية): لأنه مكلف بتنفيذها.

    هذه أهم الشروط التي وضعها العلماء في إمام المسلمين وخليفتهم.. نحن قلنا: إن الإمام البنا يقول: "ورأي الإمام ونائبه"، فإذا عرفنا مَن هو الإمام نريد أن نعرف ما هو الرأي، لأن معنى الرأي ينصرف للاجتهاد العقلي غير المفيد، طبعًا ما قصد الإمام بهذا المعنى مطلقًا؛ ولكن استخدم الرأي بمعناه الشرعي، ورأى يعني أبصر بعينه في اليقظة، ورأى رؤية وربما رأى أبصر بعينه في المنام، كل هذه المعاني اللغوية لا تعنينا في شيء بقدر ما يعنينا أن رأي الإمام هنا هو الاجتهاد وإعمال العقل في استنباط حكمٍ ما، واتخاذ قرار، هذا هو معنى الرأي.

    الرأي هنا هو الاجتهاد، والاجتهاد له قواعده وأصوله التي تفيد المجتمع، وبهذه الصورة يكون الرأي بعيدًا عن الهوى والظن، فالاجتهاد علم يجتهد فيه في نصوص ظنية تحتمل الاجتهاد؛ ولكن هو نفسه لا بد أن يكون عالمًا يطبق القواعد الشرعية وليس لهوًى في نفسه في مثل هذه الأمور كلها.

    كان يوجد قديمًا مدرستان في الفقه، مدرسة الرأي وعلى رأسها الإمام أبو حنيفة في العراق، والمدرسة الثانية مدرسة الأثر في الحجاز في المدينة وعلى رأسها عبد الله بن عمر؛ لكن قد نقرأ أحاديث وأقوالاً تذم الرأي.. إذن عندما تقرأ الأحاديث التي تذم الرأي فإنه يقصد به الهوى والظن، ولا يقصد به الاجتهاد.

    فسيدنا عمر كان يقول: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يسعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم"، وسيدنا عبد الله بن مسعود قال أيضًا فيهم: "لا يأتي عليكم عام إلا وهو شرٌّ من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم".

    كل هذه مقولات تذم أصحاب الرأي، ويقول سيدنا علي: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من عاليه"، يقول جابر بن زيد: لقيني ابن عمر فقال: يا جابر، إنك من فقهاء البصرة وتُستفتى فلا تفتينا إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية"، والإمام ابن القيم له كتاب رائع؛ وهو (أعلام الموقعين)، فمَن أراد أن يستزيد فليرجع لـ(أعلام الموقعين) لابن القيم.

    والذي يدل على أن الرأي هنا هو الهوى والظن أن بعض الصحابة أنفسهم قضوا بالرأي، يعني قضوا بالاجتهاد، بقي لنا أن نفرق بين الرأي المذموم والرأي المحمود.

    يقول ميمون بن مهران: كان أبو بكر إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به وإن لم يجد نظر في سنة الرسول فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس هل تعلمون حكمًا فيه في كتاب الله وسنة رسوله وإلا جمع رءوس الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به وهم علماء الأمة، وكذلك كان يفعل عمر؛ ولذلك سيدنا عمر الذي ذم الرأي هو الذي كتب لأبي موسى وقال له: اعرف الأشباه والأشياء والأمثال وقس الأمور.

    وكما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل: "يا معاذ بم تقضي؟! فقال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يحبه الله ويرضاه"، وسُئل عليٌّ عن مسيره في صفين هل كان بعهد عهده إليه رسول الله أم رأيٍ رآه، قال بل رأي رأيته.

    يقول الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود إنه قال: إن الله اطلع على قلوب العباد فوجد قلب محمد- صلى الله عليه وسلم- فاختاره لرسالته، ثم اطلع على قلوب العباد بعده فرأى أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح.. والأحاديث في معنى الرأي كثيرة؛ ولهذا لا تعارض البتة بين هذه الأمور.

    وحسم لنا الإمام ابن القيم هذه القضية، وقال الرأي ثلاثة: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح بلا ريب، والثالث الرأي موضع الاشتباه، فهل هو باطل بالكلية أم صحيح بالكلية هذه أمور أشار إليها السلف الصالح، واستعملوا كلمة الرأي بهذه الوجوه الثلاثة.

    ولو أمسكنا بالرأي الباطل نجده أنواعًا: نوع يكون مخالفًا للدين بمخالفته النص، أو الكلام في الدين بالظن والخرص، أو التخمين أو الرأي المتضمن التعطيل، مثل المعطلة الذين يعطلون أسماء الله، أو الرأي الذي أحدث البدع وغيَّر من السنن، وهذه كلها آراء طبعًا اتفق السلف الصالح على ذمها وإخراجها من الدين.

    أضاف بعض العلماء نوعًا آخر من الرأي المذموم وهو ما سموه في التاريخ (الأرئيتيين) يسأل عن أشياء لم تقع بعد، ويقول: أرأيت إن حدث كذا فماذا يكون الحكم؟! أن تسكت وتمسك لسانكSadلاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: 101)، وعندما تنزل النازلة يجتهد فيها العلماء؛ ولكن قبل نزولها لا دخل لك فيها، ومكروه أن تتكلم فيها، وذم العلماء هذا النوع من الآراء؛ لدرجة أن مسروق- من التابعين- يقول سألت أبيَّ بنَ كعب في شيء، فقال: أكان هذا، أي وقع وحدث؟! قلت: لا، فقال فأجمنا حتى يكون، يعني اتركنا، يعني نطبق الأحكام التي نزلت ولا تسألني عن الذي لم ينزل، فإذا كان اجتهدت لك رأينا، وعن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن.

    وتسمَّى هذه القضايا المعضلات أو الأغلوطات، وسميت بذلك لأنك تسأل عن أشياء لم تقع بعد تريد أن ترى فيها رأينا، وهذه لون من ألوان المغالطة، والرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك؛ لكن الرأي المحمود رأي الصحابة رضوان الله عليهم، والرأي يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة فيها ويقرها، ويوضح محاسنها، ويسهل طريق الاستنباط منها.. يقول ابن المبارك: "ليكن ما تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث"، وهذا هو الفهم الذي يختص به الله من يشاء من عباده.. وموضوع التفسير بالذات موضوع يتصدى له العلماء وقواعد التفسير اللغوي بالذات مهمة جدًّا عند المفسرين؛ ولذلك لا بد أن يكون المجتهد على علم بدلالة الألفاظ والعبارات والمفاهيم وغيرها، ومن أراد أن يستزيد فليقرأ أي كتاب من أصول الفقه يتكلم عن مفهوم العبارة والإشارة والدلالة والمخالفة وغيرها.

    ولا بد لمن يتصدى للاجتهاد أو التفسير أن يكون عالمًا بمثل هذه الأمور، يعني مثلاً لو أننا نقول: إننا نَقَلة علم، هو حقيقة، وليس تواضعًا، ولا يعيبنا ذلك، ونسأل الله أن نكون من الذين وفقهم الله في النقل؛ لكن لكم أن تتصوروا كما تنقسم العبارات والألفاظ من ظهور معناها لذلك قسموا الأمر إلى الظاهر والنص والمفسر والمحكم.. إلخ.. والخلاصة نجد أن الرأي إما رأي مجرد لا دليل عليه ويخضع للتخمين، وحين سُئل أبو بكر عن مسألة قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأي.. في رأيه في الكلالة لما سُئل عن الكلالة، وهو الذي يموت وليس له أصل ولا فرع.

    وأما الآراء المحمودة الرأي الذي اجتمعت عليه الأمة وتلقَّاها الخلف من السلف بالقبول واجتهاد الرأي في ضوء الشرع يقول عمر لأبي موسى: الفهم الفهم لما أدلي إليك وما ورد عليك وليس في قرآن ولا سنة قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.. يعني اجتهاد.

    كل هذه المقدمة لكي نصل للأمور الثلاثة التي أشار إليها الإمام البنَّا في نصه في الأصل الخامس وهم أنواع ثلاثة: "ما لا نص فيه، وما تعددت فيه الأوجه والمصالح المرسلة" إذن هذا مجال، حدَّد الإمام البنا المجال الذي يجتهد فيه الإمام هذه المجالات الثلاثة.

    ما لا نص فيه يسميه العلماء منطقة العفو؛ لأنها دلت على مرونة الشريعة الإسلامية، روى أبو داود عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ما أحله الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو".. لم يحدد له حكم ثابت؛ لأنه ربما كان يسبب حرجًا للمسلمين، لأنه من رحمة الله أن جعل النصوص الظنية فيما يتصل بتنظيم حياة البشر في داخل مجتمعهم؛ لأن هذا هو المتغير زمانًا ومكانًا.. فيه قواعد لكنها مرنةً، وفي رواية "فهو عافية من الله، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا" ثم قرأ: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم: 64) يقول ابن عباس: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء فبعث الله نبيه، وأنزل كتابًا وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 145).

    يؤكد ابن عباس مع حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبين الرسول أن المولى حدَّ حدودًا.. وعندما نقول حدودًا يعني قطعية، لا تتعدى حدود الله يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

    إذًا ما لم ينص عليه يبقى منطقة العفو يعني منطقة الاجتهاد بقواعد الشرع.. لا شك أننا هنا سنقول من هؤلاء الذين يستطيعون أن ينظروا في المسألة التي لا نص فيها، ربنا سبحانه وتعالى يقول: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى :38) (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران: 159)، وهنا ستدور في الخواطر أسئلةٌ، من هم الذين يستشارون؟ كيف يختارون؟ وفيما يكون مشاورتهم؟ وما الحكم إذا اختلفوا فيما بينهم أو اختلفوا مع ولي الأمر؟ وهل الشورى ملزمة أو معلمة؟ سندخل في قضية الشورى، والواقع أننا عندما نقول الشورى إذن سنعرف أن التشاور هنا فيما لا نصَّ فيه، يعني المجتهَد فيه.

    هل ما فيه النص المحكم فيه شورى؟! لا شورى في القطعي، الشورى في الأمور الظنية المجتهَد فيها وسوف نقف عند هذا الجزء قليلاً.. طبعًا أهل الحل والعقد هم أهل الشورى، الذين يختلفون تبعًا للمسألة، أي لو أنَّ المسألة فقهيةٌ صرفةٌ إذن سيكونون فقهاء، ولا يشترك في الشورى إنسان يجهل إسلامه أو يجهل الأحكام الشرعية، ونقول له "تعالَ نشاورك"؛ لذلك كانت الصورة من الانتخابات لغاية من المستويات حتى نصل إلى مستوى أهل الحل والعقد، هؤلاء ينتخبون بصفات معينة، طبعًا سواء أكان بالاختيار أو بالانتخاب.

    هذه سياسة شرعية أيضًا تختلف زمانًا ومكانًا، يُختارون ويُنتخبون حسب ما يُتفق على ذلك؛ لكن المهم في الأمر أن اتخاذ قرار الشورى بالأغلبية يكون ملزمًا، ونحن اخترنا الشورى الملزمة وبالذات في الحركة، أما ما يتصل بالحركة في العبادة فكل واحد وشأنه.. الذي يصلي بمذهب مالك، بمذهب الشافعي.. إلخ فيما يتصل بعباداته وعلاقته بالله- سبحانه وتعالى- هو وشأنه.

    هذا أمر لا شك يتصل بسياسة الجماعة وحركتها، فكان لابد أن يُحسم الأمر في الشورى الملزمة وليست شورى معلمة؛ لأن الشورى المعلمة لن توصلنا إلى قرار يعني هب أننا نعرض هذا الأمر وثلاثة أرباع الموجودين قالوا بالشورى الملزمة وربع قال بالشورى المعلِمة، وكل واحد قال إن له اختيارَه الفقهي، كيف نحسم المسألة وتبقى القضية كما هي ندخل أم لا؟

    إذا كان كل واحد يلتزم برأيه الذي التزم به وهو صحيح من الناحية الفقهية؛ لأن الشورى مختلف فيها بين العلماء، منهم من قال ملزمة، ومنهم من قال معلمة فهي خلافية؛ لكن عندما تأتي الجماعة وتختار رأيًّا أو وجهًا من وجوه الفقه يتصل بحركتها إذن لابد للأفراد أن ينزلوا على هذا الرأي حسمًا للخلاف لا ينفع أن تقول إن الشورى ملزمة، ويأتي واحد ويقول هذا أمر فقهي وأنا آخذ بالرأي الآخر؛ لأنه لا يمكن أن تحسم الأمور ولا يمكن أن تسير الجماعة بخطواتها؛ وإلا فمن يحسم الخلاف؟ نحن نقول لو كان العدد واحدًا يرجح الذي فيه كفة الإمام أو كفة الأمير وترجح الكفة به، إذًا نحن أمام هذا الوجه الذي لا نص فيه، يحسم كما قلنا بالشورى.

    الوجه الثاني ما يحتمل وجوهًا عدة يعني الشريعة تركت للمسلم أن يختار أمرين والاثنان موجودان في الفقه، يعني كفارة اليمين فيها إما الصيام أو الإطعام.. مثال معاملة الأسرى في الحرب فيها المن أو الفداء أو الاسترقاق أو القتل أو الحرية، اختيار المصلحة متروكة للإمام ليختار هذا الوجه في الأسرى، هل يا تُرى يمن عليهم ولا يفتدي ولا يقتل المجرم فيهم..؟!

    وإذا كانت الشورى ملزمةً فعليه إذن أن يجمع أهل الشورى ويقبلوا الأمر ويختاروا وجهًا من الوجوه لمصلحة الأمة أو الدولة.. فمثلاً يمنُّ في حالة قوة المسلمين حتى يظهر حسن أخلاق المسلمين ورحمتهم بالأسرى يقوم يمن عليهم، وهم ليسوا في حاجة لحبس هؤلاء الأسرى لعل الله أن يشرح صدورهم ويشعروا بأخلاق الإسلام، ويقبل منهم الفداء إذا كان المسلمون فقراء ويحتاجون لمال يتقووا به فيقبل الفداء، ويقتل لو كان فيهم عتاةٌ مثلما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- وحدد أشخاصًا بعينها، وقال: اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فهم مجرمو حرب وينبغي التخلص منهم، وهكذا نرى التعدد في أوجه الاجتهاد وللإمام أن يختار ما فيه مصلحة مجتمعه ذلك الوقت.

    قصة أرض السواد في العراق عندما فتح سيدنا عمر العراق ومعلوم أن الحكم الشرعي هو أن الغنائم توزع على المحاربين المجاهدين فلما فتحوا العراق كان هناك أرضٌ تسمى أرض السواد أرض زراعية ضخمة فاجتهد سيدنا عمر وقال: أنا لو وزعتها القوة الاقتصادية التي ستعود على المسلمين تضعف، فلماذا لا أبقيها وتستثمر لصالح المسلمين فهنا اجتهد.. تكلمنا عن ما لا نص فيه، والأوجه المتعددة وضربنا مثالاً بالأرض المفتوحة التي وقفها سيدنا عمر للمسلمين.

    المصالح المرسلة، وهو الأمر الثالث الذي تكلم فيه الإمام البنا على رأي الإمام، كلمة المصالح المرسلة، وهي مقسَّمة لقسمين: المصالح، والمرسلة.

    فما هي المصلحة؟! هي كل ما فيه صلاح، ونفعٌ للخلق في دنياهم ودينهم، في معاشهم ومعادهم، سواء كانت فردية أو جماعية، مادية أو معنوية، آنية أو مستقبلية، مطلقة أم مقيدة أي التي لم يدل دليل خاص من نصوص الشرع على اعتبارها أو إلغائها.

    هناك مصلحة معتبرة نصَّ عليها الشارع وهي معروفة، وهناك مصلحة مهدرة، المصلحة المرسلة التي ليس فيها نص بالاعتبار أو الإلغاء، وهذه أدنى مراتب المصالح؛ لأنها أعلى رتب المصالح التي شهد لها الشرع بالاعتبار لا شك في ذلك، ومن هنا اختلف الفقهاء في الأخذ بها كدليل شرعي، وأكبر الفقهاء أخذ بها الإمام مالك؛ لأن المصالح المرسلة ضمن الأدلة الشرعية عند بعض العلماء، وبعض العلماء لا يعتبرونها ضمن الأدلة والمصالح حتى تبقى الأمور واضحة.

    عندنا المصالح لها درجات ثلاث: مصلحة معتبرة- مصلحة مهدرة- مصلحة مرسلة.

    المصلحة المعتبرة: كل أمر من الأمور التي نص عليها الشارع الحكيم بحرمتها، فعندما نقول كل ما أُسكر من مشروب فهو خمر فيكون هذا من المصالح المعتبرة، أن أحرم الفودكا لأنها واضح فيها الحرمة، وحرمت لحفظ العقل مما يصيبه.

    الزواج في ذاته مصلحة معتبرة؛ لأنه فيه نص، والشارع الحكيم اعتبر هذه المصلحة بنصوص والكثير من الأمور كالبيع والشراء وكل ما هو مأمور من الله ومحظور من الشارع الحكيم ففيه مصلحة للعباد، الله لما قدم الرسول لأهل الكتاب قال: (النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157).

    فكل أمر فيه تحقيق هذه المصالح فهي مصالح معتبرة؛ ولذلك هنا المصلحة مقصود منها المحافظة على مقصود الشرع الحكيم، يعني المصلحة المعتبرة هي المصلحة التي تحافظ على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق عدَّدها العلماء، وقالوا: هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، التي تسمى المصالح الضرورية، الضروريات الخمس.. إذن كل مصلحة يقصد منها الشارع الحكيم المحافظة على هذه الخمس تكون مصلحةً معتبرة، لا شك في ذلك.

    وكل أمر فيه مفسدة لهذه الأمور لا بد أن يدفعها الشارع الحكيم أي أمر من هذه الأمور تفسد الدين أو النسل أو المال أو العقل أو النفس فهي مصلحة غير معتبرة عند الشارع الحكيم؛ ولذلك في هذه الضرورات نجد أن المولى أوجبَ القصاص في قتل الكافر وعقوبة المبتدع وإيجاب القصاص في حد شرب الخمر؛ كي يحافظ على العقل والدين.

    والدرجة التي تليها المصالح الحاجية التي توسع على المكلفين وترفع الضيق والحرج عنهم مثل رخصة السفر، فهذه من الحاجيات وليست من الضرورات.

    المصالح التحسينية: كل ما يرجع إلى التحسين والتزين، مثل ستر العورة، وآداب الأكل، والنوافل، والمشي، وأي أمر يتصل بالعادات والمعاملات من نواحيها الخلقية والتعبدية.. هذا بالنسبة للمصالح المعتبرة.

    وعكسها المصالح المهدرة التي لا تعود على الخلق بالنفع مطلقً، والتي أعطاها الشرع الحكيم درجة الإهدار؛ يعني لا يعمل بها مثل البلد الذي أجاز الفطر في رمضان لزيادة الإنتاج، وقال عندما يصوم الناس فإنهم يتكاسلون، ونحن في حاجة للقوة، فهذه تسمى مصلحة مهدرة، أي إن كان الذي قالها مجنونًا فعلى الذي يسمع أن يكون عاقلاً.

    مثل الذي قال في أمريكا- من حوالي30 سنة- نصلي الجمعة يوم الأحد، وذلك يوم الإجازة وجَمع الناس يوم الأحد وخطب الخطيب الجمعة يوم الأحد، ظاهرها إحياءٌُ لفريضة؛ لكن لأنها اصطدمت بنص يكون اسمها مصلحة مهدرة لا يعتبرها بأي حال.
    مثل الحاكم الذي عدَّد صلاة الجمعة في بلده يعني صلاة الجمعة الساعة الواحدة، وجماعة تصلي الساعة الثانية، وجماعة.. إلخ، وكل هذا في تونس الخضراء، هذه مصالح مهدرة.
    لماذا الظُلم في الميراث مثلما يأخذ الرجل تأخذ المرأة.. هذا ظلم للمرأة أن تأخذ نصف الرجل، فصاحب هذا الرأي الجالس على مؤتمر بكين أرحم من خالقها تعالى الله عن ذلك..!!

    قصة الخليفة حرص على المسلمين أنهم يسمعوا خطبة الجمعة فقال الناس تصلي العيد وتنصرف، ستكون خطبة العيد مثل خطبة الجمعة نخطب الأول وبعد ذلك نصلي.. والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وجاء في الأثر: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وليس هناك كلام في مثل هذه الأمور بأي حال من الأحوال.

    وأمثلة كثيرة في مجتمعنا ليست مصالح مهدرة فقط بل مصالح قذرة منحطة سافلة تصطدم بالفطرة مثل مؤتمر بكين، وأنا كنت في زيارة لإحدى الولايات الأمريكية من خمس أو ست سنوات والأخ الذي استقبلني قال لي جيت اليوم فيه زواج رجلين من بعض، وأول مرة تحدث في الكنيسة، واعترفت الولاية بهذا الزواج زواج المتماثلين الذي يعرضونه في مؤتمر بكين.. إن ربنا- سبحانه وتعالى- ربط الفساد بتقطيع الأرحام: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد: 22)، فما بالنا بهذه المصائب.. نحن عندنا في بعض البلاد في مصر مثل إدكو ورشيد يحرمون ميراث البنت ولا يعطون للبنت ميراثًا، ويقولون ستعطي للغريب، هذه مصالح مهدرة.

    ومن المصائب السوداء في الغرب والتي يريدون أن يوصلوها لنا أن الوصية جائزة عندنا طالما أنها التزمت بالأمور الشرعية، كالذي يوصي بأمواله بعد موته للكلب.. حدث في أمريكا أن رجلاً أوصى بماله لكلبه بعد موته؛ لأنه مثله بالضبط لا فرق؛ لكن عند المسلمين لا قيمة لهذا الأمر بالكلية، والقانون الروماني كان يجيز للدائن استرقاق المدين إذا لم يدفع، فأمثلة المصالح المهدرة لا تعد ولا تحصى؛ ومهدرة لأنها اصطدمت بقاعدة شرعية في كتاب الله أو سنة رسوله- صلى الله عليه وسلم.

    الغريب في الأمر أن هناك أمرين قرأتهما: أمر قديم، وأمر حديث، الأمر القديم أن القانون الإنجليزي والأمريكي كان لا يورِّث البنت ويعطي المال للابن الأكبر، أمريكا بعد المصائب التي مرت بها في مثل هذه الأمور أخذت بنظام الشريعة الإسلامية في الميراث سنة 1925م، ورجعت وقالت لا يوجد أحسن من هذا الأسلوب، ولو أنها لم تؤمن بما جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم: (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (النور: 49).

    الأمر الحديث خاص بالربا- اللهم سامح من جعل الفائدة حلالاً في البنوك- هذه مصالح مهدرة.. الأمر الوحيد الذي قال فيه الله: (فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة: 279).. الاقتصاديون الأمريكيون يقولون: كيف نقضي على التضخم الموجود والمصيبة المقبلين عليها في اقتصادنا؟ لن يصلح الأمر إلا إذا كانت الفائدة صفرًا، إذن الإسلام قال لا توجد فائدة إما أن تضارب بمالك وتشتغل به وتدخله دورة المال لينموَ الاقتصاد في المجتمع وتعمل الأيدي العاملة وتنتج لا أن تشغل مالاً بمال، هذه كلها مصالح مهدرة لا قيمة لها، أو يحل الخمر والنساء، لا يجعلها امرأة إعلان، أو للسياحة، وتستخدم المرأة من أجل أن يزيد الدخل القومي!!

    المصلحة الثالثة وهي المصالح المرسلة: وهي التي أرسلها الشارع فلم ينص على اعتبارها أو إلغائها، مثل جمع أبو بكر للمصحف من أكتاف العظم ومن سعف النخيل وغيرها من أماكن جمع القرآن، هذه ليس فيها نص لدرجة أنه حدث خلاف بين سيدنا عمر وسيدنا أبي بكر فيقول حتى شرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر، هذه مصلحة مرسلة.

    حينما تقول الدولة سنزرع كنتالوب وبطيخ هذه السنة بدلاً من أن نأخذ قمحًا من أعدائ

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 3:35