hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    قراءة في كتابات حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة

    شاطر

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    قراءة في كتابات حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة

    مُساهمة  alhdhd45 في الإثنين 4 يوليو 2011 - 19:44

    الحاجة ماسة لتوسيع رقعة الاهداف المشتركة للجماعات المصرية والعربية والاسلامية
    المستشار طارق البشريہ

    أظن أننا إذا تكلمنا عن بناة الجماعة السياسية في مصر علي مدي القرن العشرين، فسنجد أن ثلاثة يقفون في قمة هذا المجال، وهم بترتيب الظهور: سعد زغلول، وحسن البنا، وجمال عبد الناصر، وكلهم كانوا حركيين، كانت حركاتهم السياسية معبّرة عن دعواتهم وأفكارهم، ولم يطرحوا فكرا نظريا مجردا، وإنما طرحوه حركات سياسية ، أو تشكيلات تنظيمية أو تكوينات مؤسسية، وأن كلا منهم صار علامة علي تشكل جماعي سياسي، الجماعة المصرية عند سعد زغلول، والجماعة الإسلامية عند حسن البنا، والجماعة العربية عند جمال عبد الناصر.

    حصيلة قرن كامل

    وإذا كانت صراعات سياسية حادة قد جرت بين أصحاب كل من هذه الاتجاهات عبر عقود القرن العشرين، فنحن الآن ننظر في حصيلة قرن كامل، ومتي يمكن أن نتجاوز الطارئ والمؤقت والمتغير من هذه الصراعات لننظر في إمكان النظر إلي جهود السابقين بحسبانها أسس بناء الجماعة السياسية في بلادنا، وبما يقوم به التيار السياسي الإسلامي المستوعب لدينا، أي لننظر في وجوه التناسق والتكامل بين ما يجمع بينها من أهداف مشتركة.
    والحق أن الحركة السياسية ذات القدرة الأوسع علي الانتشار الشعبي، والتي لم تصل أبدا إلي حكومة البلاد، بل عانت الكثير من ممارسات الحكومات المتعاقبة ضدها، كانت هي هذه الحركة الإسلامية السياسية التي أنشأها في عشرينيات القرن العشرين الأستاذ الشيخ حسن البنا، كما أنها الحركة التي توالدت أجيالها بغير انقطاع عضوي.

    علي أننا نظل نحتاج إلي استخراج الصياغات السياسية التي تمكن من توسيع رقعة المساحة المشتركة من الأهداف العامة للتيارات السياسية الوطنية في بلادنا، وليس المقصد من ذلك الإشارة إلي أهداف السياسات العملية المتخذة فقط، وإنما المقصود أيضا أن يكون هناك قدر من التقبل الفكري، أو علي الأقل، التفاهم الفكري والمعرفة بحقائق ما يقصده كل تيار تجاه التيارات الأخري، إن لغة التعبير الفكرية عن السياسات والأهداف تتنوع بتنوع المرجعيات الفكرية وبأثر التراث الثقافي لدي كل تيار في صياغته لما يعنيه، فالجهاد مثلا يعني لدي آخرين مقاومة الاحتلال والاستبداد ... وهكذا.

    ومن عدد من السنين ، بعد قراءتي لأعمال الأستاذ حسن البنا قراءة متصلة، وبعض كتابات من أتي بعده ممن يسير علي خطاه، وكانت مع كتابات الأستاذ البنا مما بني به فكر الحركة الإسلامية التي أنشأها، بعد ذلك حاولت أن أعّبر عن قراءتي الذاتية لهذه الأعمال بما أتصوره يقيم جسر تفاهم فكري، وما أتصوره يصلح امتدادا طبيعيا لا فرعاً في الشجرة ذاتها، مما لا أظنه ينفصل عن جذعها.

    حاولت بهذه الصياغة أن ألخص ما أظنه أطر النظر السياسي الاجتماعي الذي يصدر أو يمكن أن يصدر عن هذا الفكر، أو بعبارة أدق، حاولت أن أبسط خطوطا عامة للرؤي السياسية الاجتماعية التي يمكن أن تقوم علي هذه الأسس السابق وضعها، بحسبانها تفريعات محتملة لها وفق قراءة قارئ بذاته، هو أنا، بمعني أن هذا الذي أبسطه في البنود التالية، ليس كتابات الأستاذ البنا ذاته (رحمه الله)، إنما هو قراءتي لهذه الكتابات، أي: هو ما ورد في هذه الكتابات منقولا إلي عقل ناظر آخر، وهو يمثل تفاعلا بين مقروء وقارئ. ويظهر أثر القارئ في المقروء عن طريق اختيار المقتطفات ووضعها في سياق آخر، وتفريع التفاريع مع عدد من الإضافات التفصيلية.

    وكانت نيتي الظاهرة لديّ في ذلك تتعلق بأن أجتهد في أن أترجم المكاتبات لقارئ جديد عليها وعلي مفاهيمها، أي أن أصل بين المكتوب وبين قارئ يرد من ثقافة أخري، وأن أحاول أن أسد فجوة في فجوات الثقافة السياسية في بلادنا بين تيارات ذات أصول ثقافية متباينة. لا أعرف مدي ما بلغته المحاولة من صواب، ولكنها اجتهاد رجوت منه أن يكون سعيا لبلوغ هدف التفاهم والتقبل، مما أراه ضروريا لنا في سعينا المشترك لإنقاذ هذه الأمة من عثرات الماضي والحاضر. والحمد لله.

    الفكر السياسي للحركة الاسلامية

    أولا:
    1- إن الدعوة الإسلامية تصدر عن أن أحكام الإسلام شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، والله - سبحانه وتعالي - رب السماوات والأرض، والإسلام دين ودنيا، وروحانية وعمل، والمسلم يؤمن بالله ويعمل الصالحات، وإن أصل شرعية النظام الإسلامي وأساس التعاليم الإسلامية هو كتاب الله - تبارك وتعالي - وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم، وإن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا، وأن نظم الإسلام التي ينبغي أن تسير عليها الأمة، إنما تستقي من هذا المعين الصافي.

    وهذا أساس الدعوة الإسلامية وسبب قيامها، وستبقي بإذن الله تعالي علي مدي الزمان، حتي تقوم شريعة الله حاكمة للعباد، ينهض بها المسلمون ويعملونها رسالة حضارة للبشرية جمعاء.

    2 ـ إن غاية الدعوة أيضا تكوين جيل من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل علي صبغ حياة المسلمين بالصبغة الإسلامية، في كل مجالات سلوكهم ومعاملاتهم. ووسيلتهم في ذلك تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة علي هذه التعاليم، حتي يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول علي حكمها.

    وإذا ابتغي المسلمون القوة لأمتهم امتثالا لنداء القرآن الكريم (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (الأنفال 10) فإنهم يدركون أن أولي درجات القوة هي قوة العقيدة والإيمان، وتليها قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد لبناء المجتمع الناهض، وقوة السلاح في يد الدولة للدفاع عن الأمة، والذود عن الديار والأوطان، وتحصين إرادة الأمة من طواغيت العالم وشروره، وأطماع الدول الكبري وضغوطها وتهديداتها، وأن الترقي بين درجات القوة أمر يختلف باختلاف الظروف وأحوال الأمة والمجتمع في كل مرحلة خاصة.

    3 ـ إنها دعوة تدعو إلي العودة للإسلام في معينه الصافي من الكتاب والسنة، وهي تدرك أن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها، لذلك يجب لكي نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح (رضوان الله عليهم) أن نقف عند الحدود الربانية والنبوية، حتي لا نقيد أنفسنا بغير ما قيدنا به الله سبحانه، وحتي لا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جمعاء.

    إن الإسلام دين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب والأمم، لكل الأزمان والعصور، وجاء أكمل وأسمي من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة، خاصة في الأمور الدنيوية الأكثر تأثرا بالبيئات وظروف الزمان والمكان، وإنما وضع الإسلام القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون، وأرشد الناس إلي الطريقة العملية للبناء عليها، والتفريع منها، والسير في حدودها.

    4 ـ إنها دعوة عامة لا تنتسب إلي طائفة خاصة، وهي تتوجه للأمة عامة بصحيح الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم، حتي يكون العمل أجدي، والإنتاج أعظم وأكبر، وهي مع الحق أينما كان، تحب الاجتماع، وتكره الشذوذ، وهي تري أن أفدح ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأن أساس ما انتصروا به الوحدة والوئام، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

    إن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه، لأن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول والأفهام، والخلاف كان واقعا بين الصحابة أنفسهم، وهم أقرب الناس عهدا بالنبوة، وأعرفهم بقرائن الأحكام، ولا يزال الخلاف واقعا وسيظل إلي يوم القيامة، والناس تختلف في سعة العلم وضيقه، ومنذ تفرق صحابة رسول الله في الأمصار صار عند كل قوم علم لم يلم به آخرون، كما أن اختلاف البيئات يخالف بين التطبيق في كل بيئة منها. والإجماع في الأمور الفرعية أمر متعذر، بل هو يتنافي مع طبيعة الدين، والله سبحانه يريد لهذا الدين أن يبقي ويخلد، وأن يساير العصور ويماشي الأزمان، لذلك فهو سهل مرن هين لين، لا جمود فيه ولا تشديد.

    وليس العيب في الخلاف، ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر علي عقول الناس وآرائهم، وهذه النظرة السمحة إلي الأمور الخلافية، تجمع الناس علي الفكرة الواحدة.وحسب الناس أن يجتمعوا علي ما يصير به المسلم مسلما.

    5 ـ إن الدعوة الإسلامية منذ ظهرت حركتها الحديثة، التزمت أصلا لا محلاً للخروج عليه، وهو ألا تعرض للأشخاص بحكم ما، وأنها تعلن الأحكام الشرعية تالية الآيات والأحاديث، مستشهدة إذا لزم الأمر بأقوال الفقه، تاركة لكل شخص أن يضع نفسه في الوضع الذي هو أعلم بأنه ينطبق عليه، فهي داعية، وليست قاضية.

    وأي امرئ هو علي الإسلام بنطقه بالشهادتين، وبهما يثبت له عقد الإسلام يقينا وفور النطق، وفي ذات لحظة التلفظ بهما دون أدني تأخير أو تأويل، ودون استلزام أي شرط آخر، وبعد ثبوت عقد الإسلام وبموجبه يتحمل المسلم ما يفرضه الإسلام عليه من موجبات، وما ينهاه عنه من النواهي، والإخلال بذلك لا يخرجه من الملة، إنما تقدر مخالفته في حدود ما أمر الله ورسوله في شأن المخالفة الواقعة.

    والجاهلية في نظر الإسلام هي كالضلال والعصيان والفسوق والظلم، من الألفاظ التي استعملت في القرآن الكريم والسنة الشريفة لتعني الخروج علي أحكام الدين خروجا لا يبلغ بالضرورة حد الخروج عن الملة، ولا يصل باللزوم إلي حد الردة عن الإسلام، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: إنك امرؤ فيك جاهلية ، أورد البخاري هذا الحديث، وقال: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك .

    والفرق بين المعصية وبين ما يصل إلي حد الردة من الخروج يرجع إلي الأحكام الشرعية، والقول بأن المجتمع جاهلي يوازي القول بأن المجتمع ضال، وأن تلك الصفة غالبة علي حال أفراده ونظمه.

    ونحن منهيون عن أن نكفر مسلما برأي أو بمعصية، متي أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما، إلا إن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره علي وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أي يكون عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر.

    6 ـ إن التكليف الإلهي مرتبط بعالم الأسباب وبسنن الله الكونية، ونحن مكلفون ضمن عالم الأسباب والسنن مع ملاحظة أن الله - تبارك وتعالي - يسهل للمؤمن ما لا يسهله لغيره، فالبحث عن السنن الكونية في كل أمر والسير في ضوئها لا يجوز إهماله بحال إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11).

    وهناك وسائل كثيرة للقيام بالدعوة وصياغة الرأي العام، وكسب القوة المرجوة للأمة في مختلف الميادين، وهي كلها جزء من عالم الأسباب، وفي إغفال هذه الوسائل المشروعة تفريط، وأن التصدي لشؤون السياسة والاقتصاد مرتبط بالسنن وله وسائله، وغير أنصار الحركة الإسلامية يتبعون الوسائل في هذه الشؤون ويعطونها مداها، وفي إغفال هذه الوسائل المشروعة المباحة تفريط. وإن صياغة النفس البشرية وتربية الناس وصياغة علاقاتهم وأنظمة معاملاتهم، لكل ذلك سنن، وعلينا أن نبحث عن هذه السنن في كل من هذه المجالات للوصول إلي النفس المسلمة وصياغة علائق المجتمع الإسلامي ونظمه، وإغفال ذلك تفريط، وأن للصراع البشري قوانينه وللقتال قوانينه، وللسيطرة قوانينها، وكل ذلك علينا أن نبحث عنه وأن نستوعبه، وأن نصوغه في ضوء الإسلام ولخدمته. إن في إغفال الأسباب الموصلة إلي نصرة الأمة وسيادة النظام الإسلامي تفريط كبير، إن لم يكن إثما كبيرا ، إن من فروض الكفاية في الإسلام أن يوجد المتخصصون في كل علم تحتاجه الأمة الإسلامية، ومن جملة ذلك علوم الاقتصاد والسياسة وغيرها.

    ركيزتان.. ومشكلتان

    ثانيا

    7- قامت الدعوة الإسلامية، وتقوم علي ركيزتين أساسيتين،
    الركيزة الأولي: هي الوحدة الإسلامية، والارتباط السياسي الوثيق بين أمم الإسلام وشعوبه، بحسبان أن هذه الوحدة وهذا الارتباط شعيرة إسلامية يتعين أن يحفظها المسلمون، ولا يفرطوا فيها، و
    الركيزة الثانية: إقرار الشريعة الإسلامية ومبادئها كأساس للنظام الاجتماعي السياسي للجماعة، وللتنظيم القانوني في كل مجالاته، والإقرار بها كمصدر مهيمن علي الشرعية في المجتمع.
    هاتان الركيزتان اللتان تقوم عليهما الدعوة الإسلامية في العصر الراهن، تمثلان الاستجابة الأساسية لمجالي التحدي الرئيسيين اللذين تواجههما شعوبنا في هذا العصر، عصر الغزو الاستعماري ومقاومته.

    إن شعوبنا في عصرها الراهن تعاني من مشكلتين أساسيتين جاءتا بفعل السيطرة الاستعمارية، وهما: أولا التفتيت ، والتجزئة السياسية التي أحالت بلادنا وشعوبنا مزقا من الدول الصغيرة، والدويلات التي لا تملك لنفسها نفعا، وذلك كسعي مقصود من جانب الغزاة لإدامة السيطرة علينا، والمشكلة الثانية: تتراءي في التبعية العقيدية والحضارية والسياسية والاقتصادية، تبعية دولنا وشعوبنا لصالح دول الغرب والشمال الكبري، التي تتبوأ مكان السيطرة في عالم اليوم.

    هذه التبعية بدأت محاولاتها مع بدايات القرن التاسع عشر، ولم ينته ذلك القرن، ويبدأ القرن العشرون حتي كانت قد استكملت حلقات التحكم الغربي الاستعماري في بلادنا وشعوبنا، مما وجهنا غير وجهتتا، وبدل أوضاع حياتنا، ومما ركز في صفوفنا هذا الضعف المتناهي، وأقام نظما حاكمة جعلت نفسها أدوات طيعة في يد الصالح الأجنبي يتحكم بها في رقاب الناس، وينفذ بها مطالبه وخططه، ويحقق مشيئته سافرة كانت أو مستترة.

    نحن مأمورون دينا بأن ندعم شعور المسلم بانتمائه لجماعته، وأن نجاهد للحفاظ علي هذه الجماعة كرابطة متماسكة وعروة وثقي، ونحن مأمورن بديننا بأن نقيم روابطنا ونظمنا علي أساس من شريعة الإسلام المنزلة الخالدة، ولا غرو أن يكون ما نلتزم به دينا وعقيدة، هو الأصل الأصيل لما ينفعنا، ولما يقيمنا كجماعة مستقلة وناهضة.

    8 ـ إن الدعوة الإسلامية دعوة إنسانية تتوجه إلي الناس كافة، وهي ليست لجنس دون جنس، ولا لأمة دون أخري، ومن هذا العموم في بعثة رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم، ومن شمول رسالته، يستمد العموم والشمول في هدفها ومرماها، فهي دعوة للناس جميعا، وهي تؤاخي بينهم جميعا وتسعي لخيرهم، ولا تعترف بفوارق الأجناس والألوان، ولا تتغير بتغير الشعوب والأوطان.

    والمسلمون أمة واحدة من أمم عدة، والوطن الإسلامي وطن واحد من أوطان عدة، مهما تباعدت الأقطار، وتناءت الحدود، والدعوة الإسلامية تؤمن بهذه الوحدة، وتعمل لجمع كلمة المسلمين وإعزاز أخوة الإسلام.

    ومتي كان الوطن الإسلامي واحدا لا يتجزأ، فإن العدوان علي أي جزء من أجزائه يعتبر عدوانا عليه جميعه، وقد فرض الإسلام علي المسلمين أن يكونوا أئمة في ديارهم سادة في أوطانهم، ولهذا فكل دولة اعتدت أو تعتدي علي أي من أوطان المسلمين وديارهم دولة ظالمة، لا بد أن تكف عدوانها، ولا بد أن يعد المسلمون أنفسهم لرفع العدوان، وأن يعملوا متساندين للتخلص من نيره، أيما كان هذا العدوان وأيا كانت وسائله العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية أو غيرها، ومن يقصر عن ذلك فهو من الآثمين.

    9 ـ علي أن الإسلام الذي قام للناس كافة وأقام عروته الوثقي من المسلمين جميعا، قد فرض فريضة لازمة لا مناص منها، وهي أن يعمل كل إنسان لخير بلده، وأن يتفاني في خدمته، وأن يقدم كل ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحما وجوارا، ومن هنا وجب عليه أن يكون أعمق الناس وطنية، وأعظمهم نفعا لمواطنيه، لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين، وأن يكون الأحرص علي خير وطنه، متمنيا لبلده العزة كل العزة، والمجد والرقي والنجاح والفلاح، وأن يحرص كل الحرص علي وحدة وطنه.

    ولمصر منزلتها في الكفاح والجهاد، وقد نشأ أهلها علي أرضها الكريمة وتلقوا الإسلام أكرم تلق، وذادت عن الإسلام وردت عنه العدوان في الكثير من فترات التاريخ، وأخلصت مصر في اعتناقه، وقامت بدور أساسي في الحفاظ علي معالمه وشريعته ودعوة الناس إليه، مما صار به الأزهر الشريف منارا عليه وعلما. كما قامت مصر بدورها البارز في دعم الحضارة الإسلامية في شتي نواحيها العلمية والعملية، وفي العلوم والفنون والآداب، وتصدت لكل الغزوات الأجنبية علي العالم الإسلامي، سواء ضد الصليبيين، أو ضد التتار، كما تصدت لكل الغزوات الفكرية التي قصد المستعمرون بها الطعن علي الإسلام ، وحرف الناس عن أسسه المتينة.

    فالجهاد لخير مصر هو جهاد لتلك الحلقة الأولي من سلسلة النهضة المنشودة، لأنها جزء من الوطن العربي العام، ومن أمة الإسلام.

    ولا ضير من الاعتناء بتاريخ مصر القديم، وبما سبق إليه قدماء المصريين في العلوم والمعارف، فلمصر القديمة تاريخ فيه مجد وعلم ومعرفة، ولكن يتعين محاربة النزعة التي تحاول أن تصبغ مصر الآن بالصبغة الفرعونية، وأن تعزلها عن المسلمين والعرب كافة.
    إن مصر هداها الله إلي الإسلام، وبه صارت إلي العروبة، ولا مكان فيها لأوضار الوثنية وأدران الشرك، وعادات الجاهلية.

    العروبة

    10- والعروبة لها في الدعوة الإسلامية مكانها البارز وحظها الوافر، فالعرب هم أمة الإسلام الأولي، وهم شعبه المتميز، وأنه لحق ما قال النبي صلي الله عليه وسلم: إذا ذل العرب ذل المسلمون ، ولن ينهض الإسلام بيسر دون اجتماع كلمة العرب، وأن كل شبر أرض في وطن عربي يعتبره الإخوان من صميم أرضهم، ومن لباب وطنهم.

    إن الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية القائمة لا تمزق أبدا معني الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب علي أمل واحد، وهدف واحد، وجعلت من هذه الأقطار جميعا أمة واحدة، مهما حاول المحاولون فصم وحدتها، ومهما افتري الشعوبيون.

    وقد روي عن مالك قول النبي صلي الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي .

    ولذلك فإن هذه الشعوب الممتدة من خليج العرب إلي المحيط الأطلسي كلها عربية تجمعها العقيدة، ويوحد بينها اللسان، وتؤلفها بعد ذلك هذه الوضعية المتناسقة في رقعة من الأرض واحدة متصلة متشابهة، لا يحول بين أجزائها حائل، ولا يفرق بين حدودها فارق.

    وان العمل للعروبة هو عمل للإسلام، ووحدة العرب لا بد منها لإعادة مجد الإسلام، وإقامة دولته، وإعزاز سلطانه، ويجب علي كل مصري ومسلم أن يعمل علي إحياء الوحدة العربية، وتأييدها ومناصرتها، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الموقف الإسلامي من الوحدة العربية.

    ولكن يتعين ألا تقوم دعوة العروبة علي أساس جنسي يثير الاعتزاز بالجنس، أو يؤدي إلي انتقاص الأجناس الأخري والعدوان عليها، ويتعين بطبيعة الحال ضد أن تتحلل العروبة من عقدة الإسلام، ورباطه بدعوي القومية، ولا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي.

    11 ـ كل ذلك يتعين أن ينظر إليه المسلمون في إطار تخليص الأوطان من أي نفوذ استعماري عليها، سواء في السياسة والاقتصاد، أو في الفكر والعقيدة.

    والسياسة الخارجية هي السياسة التي ترمي إلي استقلال الأمة وضمان حريتها، وإشعارها بكرامتها وعزتها، والسير بها إلي الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، وأن تحدد الصلة بينها وبين سواها تحديدا يفصل حقوقها جميعا، ويوجه الدول كلها إلي السلام العالمي العام القائم علي العدل.

    فلسطين

    إن سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها إنما تأتيها بالإسلام، وما يصبغها به من معان إنسانية رفيعة، ومن أسس حضارية متينة، وقد أمر الإسلام المسلمين بالمحافظة علي هذه السيادة، وأمرهم بإعداد العدة، واستكمال القوة حتي يسير الحق محفوفا بجلال القوة، كما هو مشرق بأنوار الهداية.

    12 ـ إن خبرة تاريخ المسلمين تعرض الآن، وتظهر أن تحقيق أهدافهم المرجوة لا يتأتي إلا بعلاج عوامل التحلل التي قامت عبر مراحل من التاريخ تفت في عضد قوة الإسلام والمسلمين، ومن هذه العوامل: الخلافات السياسية والعصبية، وتنازع الرئاسة والجاه، رغم ما أوصي الإسلام به من تزهيد في الإمارة، وابتعاد عن التنازع، ومنها الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلي الألفاظ والمصطلحات الميتة، والجمود والتعصب للأقوال، والولع بالجدل والمناظرات والمراء، وهو ما حذر منه الله ورسوله، ومنها كذلك الانغماس في ألوان الترف والنعيم والإقبال علي المتع والشهوات، رغم ما حذرنا منه القرآن الكريم من إهلاك القري بترف مترفيها وفسقهم، ومنها أيضا إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات عقيمة، مع أن الإسلام يحث علي النظر في الكون، واكتناه أسرارالخلق والسير في الأرض، ومن ذلك أيضا غرور الحكام، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم الأخري حتي سبقت في الإعداد رغم أن الإسلام أمرنا باليقظة والحذر، واعتبر الغافلين أضل من الأنعام، ومنها الانخداع بدسائس الخصوم والانبهار بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع، رغم النهي الشديد عن التشبه بهم.

    كل ذلك تتعين مقاومته، ولن نستطيع أن نقاوم غازيا إلا بعد أن نقاوم الانهزام فينا، ولا أن نتحرر من الاستعمار إلا إذا تحررنا من قابليتنا للاستعمار.

    13 ـ إن فلسطين علي مدار التاريخ كانت تمثل شاغلا أساسيا لمصر، فهي الحد الشرقي الذي ينبغي أن تؤمنه وتصونه، ولا حل للمسألة الفلسطينية إلا الحل الذي يحقق للفلسطينيين استرداد حقوقهم المشروعة في العودة لديارهم، وإنشاء دولتهم.

    إن مصر والعالم العربي والإسلامي كله يفتدي فلسطين، فأما مصر فلأنها حدها الشرقي المتاخم، وأما بلاد العرب فلأن فلسطين قلبها الخافق، وواسطة عقدها، ومركز وحدتها، وهي ضنينة بهذه الوحدة أن تتمزق مهما كانت الظروف، ومهما كلفها ذلك من تضحيات، وأما العالم الإسلامي فلأن فلسطين أولي القبلتين، وثاني الحرمين ومسري رسول الله صلي الله عليه وسلم.
    ولن يكف جهاد العرب والمسلمين ما بقي العدوان الصهيوني علي أرض العرب والمسلمين، ومهما امتدت السنون، وتتالت الأجيال، وهذه الحقيقة إن لم نؤكد عليها بألسنتنا، فإن كر السنين يؤكدها للعالمين، إذ لا أمن ولا استقرار في ديار العرب والمسلمين ما بقي العدوان الصهيوني قائما، وأن مصر والعرب والمسلمين مجروحون جرحا لا برء منه إلا أن يرد للفلسطينيين حقهم، وينتهي العدوان الصهيوني.

    ثالثا:

    14 ـ لم يجر غزو مصر ولا أي من بلاد العرب والمسلمين بقوة السلاح وحدها، ولا جري الاستعمار بنفوذ السياسة والاقتصاد، فقط، إنما قدر المستعمرون أنه لا بقاء لهم في هذه الديار إلا بأن ينزعوا عن أهاليها عقدة الإيمان بمقدساتهم، وإلا أن يزيلوا عنهم هويتهم وخواصهم الحضارية، وعلي رأس كل ذلك إبعادهم عن عقائدهم، وعما يتفرع عنها من النظم.

    وكان النظام القانوني الآخذ عن الشريعة الإسلامية علي رأس ما أراد الاستعمار الإطاحة به لتحل محله النظم الوافدة من الغرب، وليسقط بذلك الجدار المنيع القائم في وجه استقرار نظمه وحكومته لبلادنا.

    لقد تواكب قهر بلادنا علي الخروج علي أحكام الشريعة الإسلامية، مع قهرها علي الرضوخ لإرادة الغزاة والمستعمرين، مع الاجتياح العسكري لأراضيها منذ القرن التاسع عشر، ولم ينقض هذا القرن إلا وكانت بلادنا تحت الهيمنة الاستعمارية الغربية بالاحتلال العسكري والتسلط السياسي والسيطرة الاقتصادية، وكانت من أدواتهم في استدامة هذا الوضع، تقطيع أوصال الأمة تفتيتا لوحدتها، والخروج علي الشريعة الإسلامية انتقاصا لهويتها.

    كانت الموجة قوية..

    وهكذا فإن الله - سبحانه وتعالي - الذي بعث لنا إمامنا صلي الله عليه وسلم، ووضع النظام وفصل الأحكام وأنزل الكتاب، وأحل الحلال وحرم الحرام، وأرشدنا إلي ما فيه الخير، وهدانا إلي سواء السبيل، لم يعد إمامه متبوعا، ولا نظامه قائما، ولا أحكامه نافذة، ولا حلاله هو الحلال ولا حرامه هو الحرام، وصارت نظم المجتمع في كل شؤون العيش نظماً مقلدة وفدت مع جند الغزاة وحكوماتهم، نظم الحكم والعلاقات الدولية والقضاء والدفاع، ونظم المال والاقتصاد، ونظم الثقافة والتعليم، وتسرب تقليد النظام الغربي في شؤون الأسرة، وفي نظم السلوك الأخلاقي.

    كانت الموجة قوية جارفة والتيار شديدا دافقا، طغي علي العقول والأفكار، ودغدغ الحواس والشهوات، وقامت مبادئ ودعوات، وظهرت نظم وفلسفات، وجرت أنماط للعيش والسلوك وقيم، كلها عملت علي منافسة فكرة الإسلام في نفوس أبنائها، واقتحمت عقولهم وقلوبهم، جري كل ذلك غزوا بالعلم والمال والسياسة والترف، وبالمتعة واللهو وضروب الحياة الناعمة.

    15 ـ نحن ننادي بتطبيق الشريعة الإسلامية لأننا مأمورون بذلك من الله تبارك وتعالي، ولأننا نكون آثمين عند الله إن قعدنا عن المطالبة بإقامة حكم الشريعة ونظام القانون الإسلامي في شؤوننا وديارنا، وفضلا عن ذلك فالأخذ بالشريعة الإسلامية مكون أساسي من مكونات الاستقلال السياسي والاقتصادي الذي تنشده جماعتنا السياسية، سواء في مصر، أو في سائر ديار العرب والمسلمين، وعلي المصريين كافة، والوطنيين جميعا، وإن اختلفت عقائدهم، أن ينظروا إلي هذا المطلب في سياق المكونات الأساسية مما ينشدون من استقلال وفكاك من التبعية للأجنبي.

    والإسلام لا يأبي أن نقتبس النافع، أو أن نأخذ الحكمة أنّي وجدناها، ولكنه يأبي أن نتشبه في كل شيء بمن ليسوا من دين الله في شيء، وأن نطرح عقائده وفرائضه وحدوده وأحكامه.

    إن لنا هدفين أساسيين، أولهما: أن تتحرر مصر، وأن يتحرر الوطن العربي والإسلامي من كل سلطان ونفوذ أجنبي، وهذا حق لا ينكره إلا ظالم جائر، أو مستبد قاهر، وثانيهما: أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة ذات ســـــيادة حقة تعمل بأحكام الإسلام، وتستمد نظمها من أصول الشــــريعة الإسلامية، وتعلن المبادئ القويمة للتشريع السماوي، وتبلغها للناس.

    نحن نريد الفرد المتدين، والبيت المتدين، والشعب المتدين، ونريد أن تسود الفكرة الإسلامية لتؤثر في هذه الأوضاع وتصبغها بصبغتها، ونريد أن نفكر تفكيرا استقلاليا يعتــــمد علي معتقداتنا وديننا، وليس علي الفكر المقلد الذي يقيدنا بنظريات الغرب، نريد أن نتميز بمقوماتنا، ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة.
    __________________

    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: قراءة في كتابات حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة

    مُساهمة  alhdhd45 في الإثنين 4 يوليو 2011 - 19:45

    قراءة في كتابات حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة (2 ـ 3)

    معركة الاسلاميين الفكرية هي مع لادينية سياسية تحاول حصر الاسلام في النطاق الفردي

    بقلم: المستشار طارق البشري

    تجد الشريعة الإسلامية تأييدا في الدعوة لتطبيقها، من ظروف المجتمع، ومن أحوال العمران، فضلا عن الأساس الديني العقيدي، وفضلا عن الأساس المستمد من اعتبارات الاستقلال السياسي للجماعة الوطنية.

    إن إحلال القانون الغربي محل القانون الإسلامي قد خالف بين الأسس التي تحكم نظام المعاملات في المجتمع، وفقا للقوانين الوضعية الغربية، وبين الأسس التي تقود السلوك الأخلاقي، والتي لا تزال تترابط حول أوامر الدين ونواهيه.

    ومع ما يتعين أن تتميز به القاعدة القانونية عن القاعدة الأخلاقية، من حيث نوع الجزاء، ومن حيث مدي الانضباط والقياس للحكم، فإن العلاقة المتبادلة وثيقة بين القاعدتين، ويجب أن تبقي وثيقة لصالحهما معا كل في مجاله، وليس أدعي لتوثيق العلائق بينهما من صدورهما معا من أسس شرعية واحدة، ومنهج اعتقادي واحد، وأن الانفصام الحادث بين القاعدتين من شأنه أن يضعفهما معا، ويقيم التضارب بينهما، وينمو به شعور ذميم بالاستهانة بالقانون والأخلاق جميعا، وهذا كله حادث حاصل في مجتمعنا بفعل هذا الازدواج المقيت.

    تعميم الشريعة

    إن الصلة بين الدين الإسلامي وبين الشريعة قامت من قديم ، وهي تقوم علي التغذية المتبادلة بين الجانب الاعتقادي وبين جانب المعاملات، فالشريعة انتشرت حيث انتشرت العقيدة الإسلامية، والعقيدة الإسلامية ضعفت وبدأت تنحسر، حيث تقلص نفوذ الشريعة ودورها في المجتمعات التي أحلت القوانين الوضعية محل الشريعة، ذلك أن الصلة بين الدين عامة والنظام القانوني عامة صلة قائمة في كل المجتمعات، ولكنها بين الإسلام والشريعة خاصة تشكل آصرة أشد قوة وأكثر وثوقا.

    فعلي من يهمهم أمر دينهم ويطلبون له الحفظ ودوام العز والرفعة أن يعرفوا أنه لا سبيل لذلك إلا بتعميم تطبيق الشريعة كمصدر مستقي منه النظام القانوني جميعه، والتشريع الآخذ عن الشريعة هو وشيجة أساسية للتوحد بين أقطار العرب والمسلمين، وقد أسهم من قبل في قيام الوحدات السياسية عبر مراحل التاريخ الإسلامي، وهو السياج الذي أحاط بالمجتمع الإسلامي الأول، وأن التجزئة السياسية التي تقوم الآن بين أقطار العرب والمسلمين، إنما تواكبت مع نزع التشريع الإسلامي من حكومة هذه البلاد، وسيادة التقنيات الغربية فيها.

    فعلي من يبغون توحيد العرب والمسلمين، أن يدركوا ما في تطبيق الشريعة من إسهام في تحقيق غايتهم.

    17- إننا ملزمون أن نحكم بما أنزل الله سبحانه، وأحكام الشريعة الإسلامية هي ما تنزل بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وهي ذات وضع إلهي ثابت لا يتغير، حتي يرث الله الأرض ومن عليها، والفقه الإسلامي يتعلق بمعرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية بطرق الاستدلال المعروفة، وهو بهذا من صنع البشر، ولا بد أن يساير مقتضيات الحياة المتغيرة، وأن يتمشي مع الحاجات البشرية في إطار الأحكام المنزلة.

    ويتعين أن يكون واضحا الفرق بين الشريعة الإسلامية ذات الوضع الإلهي الثابت الدائم، وبين اجتهادات البشر في استخراج حكم الشريعة من النص الثابت مطبقا علي الواقح المتغير، وباتضاح هذا الفرق لا ينسبغ الوضع الإلهي للشريعة الإسلامية علي آراء الفقهاء واجتهاداتهم التي جرت في كل ظرف تاريخي خاص، كما لا ينبسط نظرنا الناقد لآراء المجتهدين إلي ما يمكن أن يمس الأصل المرجعي الثابت في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، والذي لا نملك إزاءه إلا الطاعة والانصياع.

    إن الشريعة الإسلامية قد استطاعت في أقل من مئة عام أن تتبوأ مكان الشرعية العليا في مجتمعات تمتد جغرافيا وبشريا من أواسط آسيا شرقا حتي جنوب أوروبا وإسبانيا غربا، رغم الاختلاف الكبير في البيئات الحضارية في مختلف هذه الأصقاع، واستطاعت أن تستقي سيادتها وحاكميتها العليا لهذه المجتمعات بضعة عشر قرنا من الزمان.

    وعلي هذا المجال الممتد زمانا ومكانا أثبتت التجارب قدرتها الفائقة علي الاستجابة لأوضاع البشر المتغيرة، وذلك كله بفضل ما هيأه لها الشارع الحكيم سبحانه من صياغات تبلغ درجة الإعجاز في الموازنة بين الثابت والمتغير، وبين الأصلي والفرعي، وبين الإجمال والتفصيل، وفي صياغتها صياغة تتسع لأكثر من فهم حسبما يطرأ علي الناس من ضرورات وأعذار، وحسبما يستوجبه الواقع من تشدد أو تيسير، ومن توثيق للعري أو رفع للأغلال، وكل ذلك في ظلال الهيمنة الثابتة لأوامر الله ونواهيه، والحفاظ علي صالح الدين وجماعة المسلمين، وجلب المنافع، ودفع المضار.

    18- إن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لا تعني تجاهل القنوات الدستورية التي يصدر بها التشريع ويعدل في إطاره النظام الدستوري القائم في البلاد، ونحن نؤكد أن طريق تطبيق الشريعة الإسلامية هو طريق سن التشريع الإسلامي من خلال المؤسسات التي ناط بها الدستور إصدار التشريعات، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع علي ما نصت المادة الثانية من الدستور المصري المعمول به، وأن أي حكم لن يكون ملزما أمام القضاء، ولا تحوطه سمة الإلزام من الدولة، إلا أن يصدر به قانون وفقا للإجراءات الدستورية المتبعة.

    وعندما يصدر القانون الآخر من الشريعة الإسلامية، فهو يصدر مستجيبا لحاجات البيئة والعصر، مستهديا باجتهادات الفقهاء السابقين ، متوخيا جلب المصالح ودفع المفاسد، بما يدركه العقل بمعيار النفع والضرر، في إطار الحاكمية العليا للاحكام المنزلة، وبما ينسجم مع الهيكل التشريعي العام، ويراعي الأعراف وعادات التعامل، مع الالتزام بالأصول العامة للشريعة، وأحكامها ومصلحة الدين والأمة.

    إن أمر العودة للشريعة الإسلامية يحتاج إلي تضافر جميع الجهود المتخصصة، سواء في فروع الفقه الإسلامي أو في كل فروع النشاط الاجتماعي، وذلك لفحص التشريعات والنظم القائمة، ورد ما يتفق فيها مع أصول الشريعة إلي هذه الأصول، وإلغاء ما يتنافي مع التشريع الإسلامي، وتحوير ما يحتاج إلي تحوير في النظم وأنماط العلاقات وأبنية المؤسسات المختلفة، والعمل بأناة وبصر وروية لإدراك البدائل الاجتماعية والاقتصادية.

    وإن تحقيق سيادة التشريع الإسلامي، لا تتأتي فقط من إلغاء ما يتعارض مع الشريعة من نظم وعلاقات وأحكام ، وإنما تتأتي بالنظر فيما لا يتعارض مع الشريعة لرده إلي أصول الدين والشرع الإسلامي بما يؤدي إلي ترابط النظم الاجتماعية بأصول الشريعة، ويقيم في وعي الناس تلك الآصرة الوثقي بين النظم والمعاملات والسلوك والمعتقدات.

    الحكم من شواغل الدعوة

    رابعا:

    19- إن الإسلام يعتمد علي التنفيذ كما يعتمد علي الإرشاد، فالإسلام حكومة وتنفيذ، كما أنه تشريع وتعليم، وكما هو قانون وقضاء، لا ينفك الواحد منها عن الآخر.

    وقد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد، إذا وجدا، من أجل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذا لأحكامه، وإيصالا لآياته سبحانه، وأحاديث نبيه الشريفة، أما أن يكون التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين تفريط، والواجب أن ينهضوا لتصير قوة التتفيذ ضامنة الدفاع عن الأمة وعن حوزتها، وكافلة النهوض بها والاستقلال في ظل هيمنة التشريع الإسلامي علي مقدرات الوطن والجماعة.

    لذلك فإن نظام الحكم وهيئته هو من الشواغل في العمل والدعوة، ومما يتعين النظر إليه علي أنه واجب الرعاية في النظام السياسي للأمة ما يلي:

    أولا- كفالة حرية المواطنين، إذ يعتبرها النظام السياسي الإسلامي من الفطر التي فطر الناس عليها، وإنما أساس ما منح الإنسان من حق في الاختيار يرتبط به ما يحمله من التبعات، ومن أهم وجوه الحرية الواجبة الكفالة حرية الرأي، والإسلام يجعل الجهر بالرأي واجبا، وليس مجرد رخصة، سواء في ذلك رأي الفرد أو رأي الجماعة من الناس، وذلك ما لم يتعارض مع ما هو متعارف عليه مما يقتضيه النظـــام العام والآداب، ويدخل في باب الحرية كل ما يحيط بالمرء من حرمات تتعلق بمسكنه وأسراره، وغير ذلك.

    ثانيا- إن كفالة المساواة بين البشر هي أساس عريق وأولي من أسس التشريع الإسلامي، والإسلام لا يعرف فضلا لأحد من البشر علي أحد إلا بالتقوي، فلا يتفاضلون ولا يتمايزون بلون ولا جنس ولا لغة ولا ملة، ولا أي من الصفات اللصيقة غير المفارقة كاللغة، ولا أي من المكتسبات التي ترد بالتلقين غير الإرادي كالملة أو المذهب، وكل ذلك لا يصلح سببا للتفرقة بين المواطنين في مجموع ما يتمتعون به من حقوق، وما يتحمــــلونه من تبعات.

    والمساواة ليست أصلا نظريا من أصول التشريع الإسلامي فحسب، ولكنها أحكام عملية وتفصيلية واجبة الصون، وواجب التزام التشريع بها فيما يستن للناس من أحكام في كل مجالات النشاط، وهذا يوجب في السياسة التشريعية النأي عن استخدام الأحكام الاستثنائية إلا فيما تستخدم فيه درءا لتحقيق ما يخالف أصل المقصود من التشريع العام في حالات مخصوصة، وذلك حتي يكون الاستثناء تثبيتا للقواعد، وتعميما لحكمها وليس افتئاتا عليها أو تقليصا لحكمها.

    والمساواة ليست فقط وضعا سلبيا مانعا من التمييز بين البشر، ولكنها أصل خادم للمبدأ القرآني في تقرير التعامل بين الناس، وهو مبدأ العدل والإحسان، الذي أمرنا به صريح نص القرآن الكريم، والعدل قوام الحكم، وصنو أداء الأمانة، حتي فرض الله ســــبحانه علينا العدل مع الأعداء.

    العدل يعني فيما يعني كفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المتساوية للمواطنين جميعا، وتحقيق القدر الأمثل من تكافؤ الفرص للمواطنين كافة، سواء في شؤون التعليم أو الرعاية الصحية، أو التمتع بالطيبات، أو الإفساح في مجالات الـــــتدريب والعمل.

    والعدل يعني الوقوف ضد الظلم الاجتماعي بمختلف صوره وأشكاله، والحد من التفاوت الكبير في الدخول بين المواطنين، وهو يعني تقريب الفوارق وتضييق مساحات التفاوت بين الفئات الاجتماعية، تحقيقا لما أمر به الله سبحانه وتعالي من ألا يكون المال (دولة بين الأغنياء) الحشر.7

    عالم الشوري

    20- إن النظام السياسي الإسلامي يقوم علي الشوري، بحسبانها الأصل العام الذي تقوم عليه النظم الجمعية للأمة، فما دام القرار يتعلق بجماعة، فقد وجب علي تلك الجماعة أن تسهم في اتخاذ القرار، سواء جري ذلك بطريق مباشر، إن أمكن، أو أن يجري وفقا لنظـــم النيابة القانونية التي تترسم الإمكانية لإنفاذ هذه المساهمة، والشوري واجبة علي الأمة لا تنفك عنها في أي من أحوالها.

    إن الشارع الحكيم أوجب علينا الشوري كأصل عام من أصول تنظيم الجماعة البشرية في كل شؤونها، وهي الوسيلة الثابتة لاتخاذ القرارات في أي من شؤون الجماعة.

    والشوري تدور في إطار ما لا نص فيه من أمور الجماعة، أما ما فيه نص قرآن أو سنة ، فليس لفرد ولا لجماعة ولا للأمة كلها إلا التسليم بما تنزل إليهم، ويقتصر دور الشوري فيما فيه نص علي تفهم دلالة النص ومجال إعماله، وأحوال إنفاذه، والشوري فيما لا نص فيه تظل خاضعة لأصول شريعة الإسلام، وأحكامها العامة ومرجعيتها العليا، ومن ثم تجد الشوري حدها دائما في نصوص الأحكام المنزلة التزاما بها، واستقاء منها، وخضوعا لأصل شرعيتها.

    نحن نعمل إرادتنا في إطار ما نحن مأمورون به من طاعة لله ورسوله، وأن ما يحد الشوري من أحكام التنزيل المبارك لدي المسلمين، يشابهه في النظم الغربية الوافدة ما يحد سلطة الأمة مما يسمونه أحكام القانون الطبيعي، وقواعد العدالة، وحقوق الإنسان، والمبادئ الدستورية العامة، وليس الفرق في وجود الحدود، ولكنه في أن الحدود ترد للمسلم من دينه الحنيف ومن غيب السماء، بينما ترد في النظام الوافد من مبادئ هي في النهاية من صنع البشر بما يحملون من أهواء وأطماع، وبما لمعارفهم من نسبية فيما يجري عليه الصواب والخطأ.

    والشوري في إطار ما هي واجبة فيه تعني الالتزام في العمل برأي الأكثرية، الذي يجب إبرامه واتباعه في كل ما يتعلق بشؤون الجماعة، ويمس مصالحها، والشوري ملزمة في كل ما يمس عامة الناس ومصالح الجماعة، وفي كل ما يلزمهم بواجب، أو ينال من مالهم، أو يحد من نشاطهم، وهي من ثم ملزمة في اختيار الحاكمين والرؤساء في درجاتهم العليا متي كان هؤلاء ذوي قرار نافذ في أي من شؤون الجماعة مؤثر في مصالحها، ملزم للناس تكليفا أو تقييدا.

    إن الجماعة لا يوثق وثاقها مثل تراص أفرادها ومجاميعها علي العمل والنشاط، والشوري هي وعاء تحقق هذا العنصر الرابط للجماعة أو الكافل لاستمراره.

    والشوري لا تنحصر دائرتها فيما تكون فيه ملزمة من أمور، إنما هي نافعة أيضا في مجالات التخصص الفني المختلفة، وفي مستويات التنفيذ المتعددة، بمراعاة أنها في هذه المجالات تشكل رأي جماعات متخصصة في كل من فروع البحث والتمحيص، وفي كل جوانب التنفيذ، وفي مثل هذه المجالات ينظر فيما إذا كانت تقوم بمهامها في حدود تقديم المشورة غير الملزمة كالأجهزة الاستشارية، أو في إطار خضوع المستويات الأدني للسلطة الأعلي، واستيعاب المجال العام للمجالات الخاصة، كما ينظر في اختيار من هو أهل للمشورة بمراعاة الأكفأ والأقدر في مجالات التخصص والتنفيذ، لا بمراعاة فكرة النيابة القانونية كشأن المجالس النيابية.

    فالشوري في عمومها وبأنواعها المختلفة يتعين أن تكون هي المبدأ العام المقرر لصدور القرارات العامة من جماعات وهيئات لا من أفراد، فإن السير في المسلمين اليوم بعقلية استبدادية فردية أو بعقلية عشائرية يكاد يكون خطأ لا يحتمله عصرنا، وضرره يوجب الشك في أصل شرعيته وجوازه، ومع تحقق الشوري بهذه الأوضاع والمستويات في الشؤون العامة كلها، ومع تحققها بحسبانها عنصرا مهما في تماسك الجماعة، واستمرارها ونموها، ونهوضها بمصالحها، تصير الطاعة واجبة لأنه لا جماعة بغير الطاعة، وأن الخروج عن الطاعة في هذه الحالة يعني مفارقة الجماعة، وهي طاعة مبصرة مستمدة من قيام نظام الشوري.

    اختيار الرئيس

    21- إن مبادئ الحكم الإسلامي هي ذاتها مبادئ الحكم الدستوري النيابي، وهي تتحصل في مسؤولية الحاكم، ووحدة الأمــــة واحترام إرادتها.

    والحاكم مسؤول بين يدي الله تبارك وتعالي وبين الناس، وهو أجير لهم ، عامل لديهم، سواء في ذلك رئيس الدولة أو أي ممن يملكون اتخاذ القرار في شأن عام للجماعة، وسواء في ذلك الرئيس في النظام الرئاسي الذي يمارس الحكم بنفسه، ويعاونه عدد من الوزراء من نوع ما يعرف في الفقه الإسلامي بوزراء التنفيذ، أو مجلس الوزراء في النظام البرلماني الذي يكون مفوضا بالدستور في ممارسة الحكم، مما يماثل ما يعرف في كتب الفقه الإسلامي بنظام وزير التفويض، والحاكم علي الدوام مسؤول أمام الأمة ، عليه أن يقدم لها الحساب عن تصرفاته، فإن أحسن أعانته، وإن أساء قومته.

    ومع تقدير أن دستور 1971 ينطوي علي جملة من المبادئ الدستورية الحميدة، التي يجب المحافظة عليها ودعمها، فيجدر الانتباه إلي أن هذا الدستور قد وزع مسؤولية الحكم علي جهتين هما: رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وهما مشتركان في رسم السياسة العامة والإشراف علي التنفيذ، ولكن الدستور خص مجلس الوزراء وحده بالمسؤولية أمام المجلس النيابي، فصارت المسؤولية البرلمانية تصل إلي أحد المشاركين في الحكم دون الآخر، وصار رئيس الجمهورية المشارك للوزارة في مسؤولية الحكم حكما بين الوزارة والمجلس النيابي عند اختلافهما، وهذا وضع متناقض لا تقوم به مســــؤولية حقة، وينبغي تعديله علي أساس شــــمول المسؤولية البرلمانية كل الجهات المسؤولة عن تقرير السياسات وتنفيذها.

    ومن جهة أخري يتعين أن تعدل إجراءات اختيار رئيس الجمهورية، فلا تجري بالاستفتاء علي مرشح واحد، إنما تتم بالانتخاب الفردي المباشر من مرشحين متنافسين تتقدم بهم الأحزاب أو تحالفاتها.

    إن نظام الاستفتاء علي مرشح وحيد هو أثر لنظام سياسي دستوري غابر قام علي أساس التنظيم السياسي الواحد، وإذا كان انقضي هذا الوضع فقد لزم إنهاء ما كان ترتب عليه من آثار، ولا قيمة لنظام تعدد الأحزاب إذا لم يكن في مكنة هذه الأحزاب الترشيح لأخطر منصب في الدولة، سواء في التقرير أو التنفيذ أو تعيين عمال الحكم.

    وشأن رئيس الجمهورية شأن نائب الرئيس من حيث وجوب تعديل الدستور القائم ليجري نصبه في منصبه بطريق الترشيح الفردي والانتخاب، لا بطريق تعيين الرئيس له، كما يتعين إلغاء المادة 74 من الدستور القائم التي تمنح رئيس الجمهورية سلطة وقف العمل بمؤسسات الدستور.

    واستكمالا لمبدأ مسؤولية الحاكم يتعين أن تخفف القيود التي يضعها الدستور الحالي علي سلطة المجلس النيابي في سحب الثقة بالوزارة، إذ جعل طرح الثقة بالوزارة موقفا لأعمال المجلس النيابي، فقصد إلي احتمال حل المجلس، إذا لم يوافق رئيس الجمهورية علي إســــقاط الوزارة، وخروج الأمر إلي الاستفتاء، والواجب أن يكون للمجلس اليد العليا علي الوزارة، فتسقط بموجب سحبه الثقة منها دون توقف علي إجراء آخر، أو علي مشيئة أخري.

    22- وإذا كانت ولاية الحاكم تقوم في إطار من أصول الشريعة الإسلامية، وعلي أساس من فكرة النيابة عن الأمة، فإن النيابة تتحقق بطريق الانتخاب، وهي تتحقق بقدر ما يتاح للمجالس النيابية من سلطان في التقرير والإشراف علي التنفيذ، وهي تتحقق بأمثل ما يكون كلما تحررت أساليب الانتخاب من هيمنة أجهزة الإدارة، وضغوط أصحاب القوة الاقتصادية في المجتمع، وكلما كمل لإجراءاتها من ضمانات الحياد والأمن والثقة في المشرفين علي عملية الانتخاب، وذلك حتي يتحرر الصوت الانتخابي من أية ضغوط عليه، وليلقي تعبيرا كاملا له في الاختيار المؤثر الفعال لنواب الأمة.

    إن هذا التمثيل لا يتحقق إلا بإطلاق حرية التنظيم الحزبي، وتقرير حق تكوين الأحزاب والجمعيات السياسية دون حاجة للحصول علي إذن بإنشائها، واكتفاء بإخطار وزارة الداخلية، وتقرير هذا الحق تقرير لأخطر مبادئ الحرية السياسية ليمكن المواطنين أن يتجمعوا علي ما يدينون بصوابه من مبادئ، وأن يتقدموا بها للجماهير لتختبر صوابها وفوائدها، دون وصاية علي ذلك من حزب حاكم، أو سلطة إدارية مسيطرة، إن فرض القيود علي تكوين الأحزاب، واشتراط الإذن فيها من جهة ما، يعني في التطبيق العملي سيطرة الحزب الحاكم أو جهاز الإدارة علي الحركة الحزبية جمعاء، والدليـــــل علي ذلك أن أكثر القوي السياسية شعبية وأشملها من حيث الانتشار بين الجماهير، وهي الحركة الإسلامية ، ممنوعة حتي الآن من حق تكوين حزب لها أو جمعية سياسية.


    alhdhd45

    عدد المساهمات : 1337
    تاريخ التسجيل : 03/03/2011
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    رد: قراءة في كتابات حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة

    مُساهمة  alhdhd45 في الإثنين 4 يوليو 2011 - 19:49

    قراءة في كتابات حسن البنا مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة (3 ـ 3)

    المسلمون والاقباط
    24- إن وحدة الوطن تقوم علي مبدأ المساواة والمشاركة للمواطنين جميعا، والمساواة تعني أن يكون لكل مواطن ما لغيره من المواطنين، وعليه ما عليهم، بالنسبة للحقوق السياسية والمدنية وللضمانات القانونية، والمشاركة تعني أن يكون لكل مواطن ما لغيره في فرص الإسهام في الشؤون العامة للبلاد.
    وإذا كان المسلمون يشكلون الغالبية الكبيرة من المواطنين في مصر، فهم بحكم خيارهم الديني، وبموجب كثرتهم الكثيرة في مقاييس الديموقراطية، وبما تمليه قواعد العدل والإنصاف، لهم حق مشروع في أن يعبروا عن أحكام دينهم وقيمه بكل مداها، سواء في شؤون الفرد والأسرة، أم في شؤون المجتمع والدولة.
    وإن التمسك بالإسلام وجعله أساس نظام الحياة لا ينافي وجود الأقلية غير المسلمة، ولا يتنافي مع الوحدة بين عناصر الأمة، وهي الوحدة التي تعتبر دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر، وقد تعلم المسلمون عن الشارع الحكيم الخبير - الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها - أن الدستور المقدس للإسلام قد اشتمل علي النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبسا ولا غموضا في حماية الأقليات لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (الممتحنة: 8، وهو نص لم يشتمل علي الحماية فقط ، بل قوله تعالي: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )الحجرات : 31)، ثم قدس الوحدة الدينية العامة فقضي علي التعصب، وفرض علي الأمة الايمان بالرسالات السماوية جميعا في قوله تعالي: (قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسي وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) (البقرة: 631، ثم قدس بعد ذلك الوحدة الدينية الخاصة في غير صلف ولا عدوان (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلك ترحمون) (الحجرات01).
    ففيما بني عليه الإسلام من المزاج المعتدل والإنصاف البالغ الذي لا يكون أتباعه سببا في تمزيق وحدة متصلة، بل بالعكس يكسب الإسلام هذه الوحدة صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني.
    وإذا كان هذا هو نظر الغالبية المسلمة من شعب مصر، فإن الأقباط من أبناء هذا الوطن يعلمون تمام العلم كيف يجدون الطمأنينة والأمن والعدالة والمساواة في تعاليم الإسلام وأحكامه، وذلك لا يثبت من نصوص الأحكام فقط، ولكنه يستمد حجيته أيضا من ذلك التاريخ المصري الطويل العريض لتلك الصلة الطيبة بين أبناء هذا الوطن جميعا - مسلمين وأقباطاً - فيما يكفي مؤونة الإفاضة.
    ومن الجميل أن يسجل للمواطنين الكرام من القبط أنهم قدروا هذه المعاني في كل المناسبات، وأنهم يعتبرون تاريخ مصر في عصر الإسلام وفكر الإسلام وفقهه وقيم العدالة فيه، من معاني قوميتهم، وإن لم تكن أحكامه وتعاليمه من عقيدتهم، وان كل ما نشأ في هذا الوطن من حضارة وتاريخ هو ملك لمن يشارك في عمران هذه البلاد علي مر العصور، وهو إرث مشترك لكل من يحيا علي أرض مصر، وهذه هي روح الأخوة المصرية التي أظلت علي مدي القرون أبناء الوطن جميعا.
    وان خبرة التاريخ المصري أن مصر فتحت للإسلام صلحا، وأن الإسلام انتشر منها بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجدال بالتي هي أحسن، وأن من بقي علي المسيحية من أهل مصر سالم بين إخوانه، ودعمهم، وأسهم معهم في حماية هذا الوطن وبنائه علي مر العصور، وشارك أخيرا في إخراج المحتلين الأجانب من مصر في التاريخ الحديث، ورفض دعاوي هؤلاء الأجانب أنهم يحمون القبط من إخوانهم المسلمين، وهو لا يزال يقوم بإسهامه بالتواد والتحاب.
    وان المسلمين في مصر يدركون جيدا أن مطالبتهم علي مدي تاريخهم الحديث بإثبات الإسلام كدين للدولة وكمصدر للتشريع، هذه المطالبة وغيرها لم توجه، وهي لا توجه ضد الأقباط من المواطنين، ولكنها وجهت وتوجه الآن ضد ما يعاني منه المصريون جميعا من غزو ثقافي وحضاري غربي يريد أن يجتث الثوابت والأصول من مواطني هذه البلاد، عقائد وتراثا وتاريخا وحضارة وقيما، وهذا الغزو الغربي لبلادنا يعاني منه الأقباط كما يعاني منه المسلمون، وهم متشاركون في ذلك بمثل ما تشاركوا به في المعاناة من الغزو العسكري والسياسي، وأولي بهم جميعا أن يقاوموه معا بمثل ما قاوموا الغزو العسكري والسياسي، والأقباط عانوا من الغزو الفكري الغربي بمثل ما يعاني المسلمون وأكثر.
    إن معركة الإسلاميين الفكرية هي مع اللادينية السياسية التي تعارض الإسلام في فصلها الدين عن شؤون الدنيا، وتحاول حصر الإسلام في النطاق الفردي الباطني الخاص.
    إن حرية العقيدة والعبادة مكفولة - بإذن الله - ولا إكراه في الدين، وحقوق الهيئات الدينية مكفولة وفقا لما استقرت عليه العادات والأعراف، والبر والقسط والسماحة في المعاملات مكفولة، والمساراة في الحقوق السياسية والمدنية مكفولة، واستقلال نظم الأحوال الشخصية والتعليم الديني مكفول.
    وما دام أن الإطار العام يدعو إلي الأخذ بنظام الشوري وتثبيته، ودعمه في جميع وجوه النشاط السياسي والاجتماعي العام، سواء علي المستوي النيابي العام أو علي المستويات المحلية، أو في المجالات النوعية المتخصصة، أو في وجوه النشاط التنفيذي، فإن هذا النظام يقتضي دائما الاتجاه إلي توزيع السلطة في اتخاذ القرار بين العديد من الهيئات التي تتداول جمع المعلومات وتحليلها، ودراسة الموضوعات، والمداولة في الأمور وتقريرها وتنفيذها، كما أن نظام الشوري يقتضي في اتخاذ القرار الاستعاضة عن الإرادة الفردية بالإرادة الجماعية، وبهذا النمط من التنظيم تصير الولايات العامة من شؤون الجماعات والهيئات، يتولونها بنظام التصويت وتكامل الاختصاصات، وتصير الولاية العامة شأناً جماعياً لا فردياً، يتولاه ويسهم فيه المواطنون جميعا، كل بحصة شائعة في اتخاذ القرار، دون أن يستبد به فرد أيا كان.
    25- إن عقدة المشاكل في أوضاعنا الاقتصادية تكمن في روابط التبعية التي توثق وثاقنا بالقوي العالمية الكبري، ونحن لسنا ضد أن تقوم علاقات وثيقة وحميمة بيننا وبين سائر شعوب العالم ودوله، سواء في مجالات السياسة أو الاقتصاد أو التبادل العلمي والحضاري، ولكننا ضد أن تتصف هذه العلاقات بوصف التبعية، وهو للأسف الوصف الذي يصدق علي روابط الشعوب العربية والإسلامية بالقوي الكبري في عالم اليوم وعالم الأمس القريب.
    وروابط التبعية هي ما يتعين علينا أن ننهض متآزرين ومتكاتفين لفصمه تحقيقا لاستقلالنا الاقتصادي، الذي لن يتم لنا استقلال فكري ولا سياسي إلا به، فواجب المسلمين أن يزيحوا عنهم الولاية الاقتصادية الأجنبية، وذلك فيما يزيحون من ولاية الأجنبي علي مقدراتهم في سائر شؤونهم الفكرية والسياسية.
    ولا يتحقق عمل بأحكام الإسلام، وتطبيق لنظمه الاجتماعية، وسيادة لشريعته الغراء، إلا أن تتحرر ديار المسلمين من الهيمنة الأجنبية عليها في سائر المجالات، ومنها مجال النشاط الاقتصادي.
    26- لقد تأكدت روابط التبعية علي مدي قرن ونصف من الزمان، غزتنا أوروبا بجيوشها العسكرية ونفوذها السياسي وقواها المالية، كما غزتنا بقوانينها ونظمها ومدارسها ولغاتها وفنونها، وكما غزتنا بخمرها ونسائها ومتعها وترفها وبعاداتها وتقاليدها.

    اقتصاد المسلمين

    لقد خضع المجتمع الإسلامي في هذه الحقبة لعملية تغريب لم يسبق لها مثيل في التاريخ كله، وجري ذلك مع فرض سياسة الباب المفتوح أمام البضائع الأجنبية والمصالح الاقتصادية الأجنبية، واقترن ذلك بهجمة ثقافية غربية إلحادية، قصد بها تحويل وجهات الناس وأذواقهم وأطرهم الفكرية إلي ما يحببهم في وسائل عيش الغربيين، ويرغبهم في استخدام أدواتهم، واستهلاك منتجاتهم، وما يبعد المسلمين عن أنماط عيشهم، ومألوف أحوالهم، ونماذج إنتاجهم.
    بهذا الإحلال والإبدال الثقافي الذي شاع فينا، تأكدت روابط التبعية الاقتصادية للغرب، فاتجهنا إلي استهلاك ما تنتج مصانع الغرب، وإلي إنتاج ما تحتاجه تلك المصانع من خامات بلادنا، فكان النشاطان الثقافي والاقتصادي الغربيان وجهين لعملية غزو واحدة، وكنا عند حسن ظن الغاصبين فأسلمنا لهم قيادنا، وأهملنا من أجلهم ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وقد قدموا لنا الضار من بضاعتهم فأقبلنا عليه، وحجبوا عنا النافع من هذه البضاعة، وغفلنا عنه، وتركنا ما يفيدنا من صنائعهم وعلومهم مما يمكن أن نقوي به، ونمتنع ونعزّ، وأقبلنا علي الضار من هذه البضاعة، مما تهن به العزائم، وتتشتت القوي، ويتفرق الناس شعابا، فسار اقتصاد المسلمين غنيمة لغيرهم، بل سلاحا في يد غالبيتهم عليهم.
    27- إن عمدة النظام الاقتصادي المستمد من الإسلام أن يكون اقتصادا مستقلا، تبنيه جماعة المسلمين لتقيم به فروض الله سبحانه، وتنأي به عن محرماته، وليكون درعا للإسلام حاميا له، كافلا للمسلمين ما يلزم جماعتهم من عز ومنعة وسؤدد في حراسة الدين، وسياسة الدنيا.
    إن أول ما يتأتي به هذا الأمر أن تقوم سياسات الاقتصاد بما يفضي إلي تقليل الاعتماد علي العالم الخارجي فيما تنتج أوطان الإسلام وفيما تستهلك، وتأكيد الاعتماد علي النفس بما يعنيه ذلك من تعبئة الفائض الاقتصادي، وإطلاقه في مجال التنمية لإشباع الحاجات الأساسية للناس.
    إن ذلك يقتضي الاعتماد في التنمية علي المدخرات المحلية، والعمل علي جذب ما للمواطنين من مدخرات بالخارج، والوقوف ضد أي تبديد للفائض الاقتصادي في مشروعات ترفيه، كما أنه يقتضي ضبط معدلات الاستهلاك، والسير في طريق التنمية حسب الأولوية الشرعية، وهي إشباع الضرورات أولا، ثم إشباع الحاجات، ثم بعد ذلك يأتي دور التحسينات، وان تحديد الضرورات والحاجات والتحسينات إنما يجري بالنظر إلي المجتمع في عمومه، وإلي جماعة المسلمين والمواطنين بعامة.
    وبقدر ما ينسجم نمط الاستهلاك مع مقدرات الإنتاج، وبقدر ما يعتمد الإنتاج علي الموارد المحلية، بقدر ما يتحقق الأساس المتين للاستقلال الاقتصادي المرجو، وأن خطط الاكتفاء الذاتي لا بد أن تبدأ بالأوليات المتوافرة في البيئة المحلية، ثم تمتد إلي المجال الإقليمي في إطار الجماعة العربية والجماعة الإسلامية بعامة، ثم إلي خارج هذا المجال من دول وشعوب تبدي المودة والصداقة والتآزر.

    رافعة النهضة الاقتصادية

    28- ولتتحقق أهداف النهضة الاقتصادية المستقلة لا يكفي رفع معدلات الادخار والاستثمار، ولا يكفي تطوير فنون الإنتاج وتنمية الخبرات الفنية، رغم ضرورة كل ذلك وأهميته الكبري، ولكن يلزم أيضا توفير عنصرين معنويين أساسيين:
    أولهما: تنمية القوة الروحية الدافعة، والتي لا بد أن تشيع في كل وجوه النشاط الاجتماعي، بالحماس للمبدأ، والإيمان بالمثل الأعلي، واستثارة مشاعر البذل والفداء، ذلك أننا مجتمع ينبني وفق معتقده الديني، ويؤمن بتلك العروة الوثقي التي تربط الأرض بالسماء، والمؤمن المجاهد موعود بالجنة، أدرك صلاح الدنيا بجهاده أو لم يدركه.
    إن مسألة النهضة الاقتصادية ليست مسألة إمكانية مالية فقط، ولكنها مسألة تعبئة الطاقات الاجتماعية جميعها، من أرض وإنسان وزمان، في مشروع واحد تحركه إرادة حضارية تصدر عن عقيدة وإيمان بنّاء، والنهضة لا تُشتري، ولكنها تصنع، وهي لا تصنعها السواعد والأدوات فقط، ولكن يبنيها ما وضح في العقل، واستقر في القلب.
    وإن ميزان الحقوق والواجبات تتعادل كفّتاه وفق حاجات الجماعة في كل زمان ومكان، ووفق ما يسفر عنه التوازن بين حجم الاستهلاك الممكن، وحجم الإنتاج المقدور، في كل حالة زمانية من حالات الجماعة المعنية.
    ثانيهما: علينا أن نستفتي عقيدتتا، وأن نستلهم تراثنا وتقاليدنا وأعرافنا في تحديد ما يحسن لنا استهلاكه، فاستهلاك البضائع والسلع يعتمد أكثر ما يعتمد علي عوائد الناس وطرائقهم في العيش بما يترسم موازينهم وأبنيتهم العقلية والنفسية، لذلك ينبغي أن يكون إشباع الحاجات الأساسية للناس علي وفق ما تشيعه بيئتهم، وأوضاعهم الثقافية، وتقاليدهم وإرثهم التاريخي.
    إن نهضتنا الاقتصادية المستقلة تحتاج أول ما تحتاج إلي تأكيد هويتتا الذاتية، وموازين القيم المرتكزة علي عقائدنا، وما انبني علي ذلك من أنماط للحضارة والعادات والأذواق.
    29- إن الأسس الإسلامية للنظام الاقتصادي ليست مما يمكن أن يقارن بأي من الرأسمالية أو الاشتراكية، أو ما جري علي شاكلتهما من نظم الغرب الحديثة، لأن الفارق الأساسي الذي يفرق أي نظام اقتصادي إسلامي عن أي من تلك النظم الغربية لا يتعلق بمفردات أي من هذه النظم، أو أي من أنماط العلاقات الاجتماعية التي تنشئها، إنما يقوم الفارق بين أي نظام إسلامي وبين أي نظام غربي، في البنية الأساسية التي يشيد عليها النظام.
    فأي نظام إسلامي ينبغي أن يقوم علي أساس من عقيدة الإيمان بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن كتابا منزلا، وأن يبدأ بالإيمان بالغيب، ثم يمتد ليجعل عمدته في شؤون الدنيا القرآن والسنة.
    وأي من تلك النظم الغربية الوافدة إلينا، إنما تقوم أولا وأخيرا علي أساس دنيوي خالص، وعلي قاعدة وضعية علمانية، تبتعد بالأرض وما عليها ومن عليها عن حكم السماء، وتنكر هيمنة الغيب علي مقدرات البشر ونظمهم الدنيوية.
    ويتفرع علي ذلك عدد من المقومات العامة، فالنظر الإسلامي لا يرد المشكلة الإنسانية بعامة إلي العوامل الاقتصادية وحدها، ولا يعتبر هذه العوامل الركيزة الأساسية للوجود البشري ونمائه، إن النظر الإسلامي يعتبر أن النظام الاقتصادي لا يخلق المجتمع ، إنما هو علي العكس مخلوق ومحكوم بما تتوجه إليه القوي الأخلاقية التي تخلع علي المجتمع وعلي النظام الاقتصادي التفسير الإنساني والغاية التاريخية.
    وإن الاقتصاد وحده لا يقيم المجتمع، وإن كان يعتبر واحدا من مقومات الجماعة، وهو يرتبط بالقيم الحضارية، والتكوين العقدي للبشر، وإن الإنسان وبناءه العقدي والتربوي هو القيمة الأساسية والعنصر الرئيسي في أي نظام اقتصادي يقوم علي الرشد، وتسلس به عمليات النهوض والنماء.

    مبادئ اقتصادية

    والنظر الإسلامي في الاقتصاد لا يري في الملكية الفردية ما تراه الرأسمالية فيها من سلطات مطلقة ترد عليها بعض القيود، ولا يري فيها ما تراه فيها الماركسية من استغلال لصيق، إنما يري النظر الإسلامي في الملكية وظيفة استُخلف فيها الناس ليؤدوا فروضها الاجتماعية لنفع الجماعة، وينتفعوا بطيباتها علي شروط الاستخلاف.
    والنظر الإسلامي يضع أي نظام اقتصادي مستمد منه بعيدا عن إباحية الرأسمالية ومادية الاشتراكية جميعا، وهو لا يري في الإنسان محض مستهلك للحاجيات المادية مشغوف بالمنافع الحسية، إنما يراه معقولا، تعقله عقيدته عن الشرَّه ، وتصون سلوكه قيمه الأخلاقية، ويعتبر ذلك من صميم بناء الإنسان الاقتصادي، ما يعتبر الجانب الإيماني والتربوي من صميم بناء هذا الإنسان الاقتصادي، والإسلام ذو شمول.
    30- إن أي نظام اقتصادي يستمد من الإسلام، يعتمد علي جملة من المبادئ والأسس، منها:
    اعتبار المال الصالح هو قوام الحياة، بما يتعين معه الحرص علي هذا المال، وحسن تدبيره وتثميره، وقد أشاد الإسلام بغني الجماعة واستخدام المال فيما ينفع الناس ويرضي الله، فليس الزهد في الإسلام بما يعني تحبيب الناس في الفاقة والفقر، وذم الدنيا، وذم الغني والثروة، إنما يراد به ذم ما يدعو إلي الطغيان والفتنة والإسراف، وما يدعم الاستعلاء والاستكبار، وما يعين علي الإثم والمعصية والفجور والكفران بنعمة الله، والإسلام يلفت النظر إلي ما في الوجود من منابع الثروة ووجوه الخير، ويحث علي العناية بها ووجوه استثمارها، لأن كل ما في الكون مسخَّر للإنسان يستفيد منه، وينتفع به.
    ومن هذه المبادئ والأسس: إيجاب العمل والكسب علي كل قادر عليه، فالعمل من أفضل العبادات، وهو من سنن الأنبياء، كانوا يأكلون من عمل أيديهم، وأفضل الكسب ما كان من عمل اليد، والإسلام يزري بالبطالة وبمن هم عالة علي المجتمع لا يعملون، ولو كانوا ينقطعون انقطاعا لعبادة الله. والتوكل علي الله لا يكون بالتبطل، إنما يكون بالأخذ بالأسباب والنتائج، فمن فقد أحدهما فليس بمتوكل، لأن الرزق والمقدور مقرون بالسعي الدائب.
    ومن هذه المبادئ والأسس: تحريم موارد الكسب الخبيثة، وتحديد الخبيث من الكسب بأنه ما كان بغير مقابل من عمل كالربا، وما كان بغير حق كالسرقة واختلاس مال الغير، فردا كان هذا الغير أو جماعة أو مالا عاما هو من حقوق الجماعة، أو كان هذا الكسب عوضا عن مال يضر، سواء كان عوضا عن محرمات كخمر وخنزير ومخدر، أو كان عوضا عن صفقات مالية أو تجارية من شأنها الإضرار بحقوق الجماعة وأوضاعها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية.
    ومن هذه المبادئ والأسس: تقريب الفوارق بين الطبقات، والحث علي رفع مستوي المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم في مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملي لذلك.

    تذوق الكرامة

    31- إن أي نظام للاقتصاد في الإسلام يقوم بين حدين من الفرض والتحريم، هما فرض الزكاة، وتحريم الربا، والزكاة من خاصة أسس الإسلام، هي ثالثة دعائم الإسلام، وواحدة من أركانه وشعائره الكبري وعباداته الأربع، وهي بعد التوحيد وإقامة الصلاة عنوان دخول دين الإسلام، واستحقاق الأخوة بين المسلمين، وهي مما ورد بالقرآن والسنة، واجتمع عليها المسلمون، ومما يعرف عن الإسلام بالضرورة.
    والزكاة ليست إحسانا فرديا، إنما هي فريضة من الله مقصود بها تنظيم اجتماعي تشرف عليه الدولة ويتولاه جهاز إداري منظم يقوم علي جبايتها ممن سنت عليهم، وصرفها في مصارفها الشرعية لمن يستحقها، فالزكاة جباية ومصرفا هي من شؤون الحكومة في الإسلام وليست شأنا فرديا، ويتعين أن تكون لها موازنة خاصة تتسع لها موارد ومصارف حسب أحكامها الشرعية.
    إن تطبيق نظام الزكاة وغيره من النظم المالية التي عرفها الإسلام، يوجب إصلاح النظام الضريبي بما يتفق مع أحكام الإسلام وروح نصوصه، وبما يحسن معه التركيز علي الضرائب المباشرة وتعديل شرائحها بما يحمي صغار أصحاب الدخول ومتوسطيهم، وبما لا يقتل الحوافز الفردية.
    32- والربا محرم بنص القرآن الكريم وسنة المصطفي، ولا مهرب من الامتثال لأمر الله، وأن نصدع به، ولا يملك فرد ولا حاكم أو جماعة أو نظام أن يحل هذا الحرام. وفي الربا استغلال لحاجة المحتاج وإثراء بغير جهد، وتنمية للمال بلا مخاطر، وكسب لا يقابله عمل، وكل ذلك منهيّ عنه، وان فشوه - إن فشا - يطبع المجتمع بالجشع، ويطبع الإنسان بالأثرة والعبودية للمال، وفيه محاباة للمال وتمييز له علي حساب العمل والجهد الإنساني، وإعلاء لشأن المادة علي حساب الروح، أو علي حساب جهد الكائن ذي الروح، مما يضع القيم الإنسانية وضعا هابطا تعلو به القيم المادية. إن إلغاء نظام الربا يقتضي تعميم المصارف غير الربوية، وإنهاء تعامل المصارف بهذا الربا المحرم، وإقامة النظام الاقتصادي والمالي علي أساس من التنظيم غير الربوي.
    علي أنه ينبغي إيضاح أن تحريم الربا ليس مجرد نهي ينحصر أثره في علاقة المقرض بالمقترض، ولكنه نهي له امتداداته وآثاره في النظام الاقتصادي والأوضاع المالية للجماعة، وإقامة المؤسسات غير الربوية يقتضي النظر فيما توظف فيه الأموال لصالح الجماعة ونهضتها وليس للكسب الفردي وحده، وذلك بموجب أن ملكية المال هي وضع استخلاف، وأن الإسلام نظام حياة للجماعة المسلمة، وأن المسلمين مأمورون بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف.
    إن من مقاصد الدعوة الإسلامية أن يستشعر الناس العزة والكرامة، ويتذوقون طعم الحياة الكريمة، ولا يكون ذلك إلا بالشبع والاستغناء عن الغير، وتوفير ضرورات الحياة، وإلي ذلك نظر الإسلام فلم يهمل المعاني الاقتصادية ولم يتغافل عن الإصلاح المالي، بل وضع لذلك أفضل القواعد التي تنمي وحدة الأمة أفرادا وجماعات، وترفع مستوي المعيشة وتقرب بين الطبقات، وتؤمن الجميع علي أنفسهم وذراريهم وأولادهم، وتضمن لهم العدالة الاجتماعية الصحيحة.

    النظام التعليمي المزدوج

    سادسا:
    33- لا يغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم، والتعليم من أهم الوسائل التي يغير بها المسلمون ما بأنفسهم، فلا نهضة تنتظرهم ولا صحوة تشملهم إلا ويكون من مكوناتها وفي صميمها إصلاح شؤون التعليم، فهو صناعة للبشر، وصياغة للعقول والوجدان، وهو وصل للمعرفة عبر الأجيال، وغرز للقيم والمعتقدات، وتمكن من علوم العصر وفنونه، وإدراك للذات، وإطلال علي شؤون الغير.
    ويعاني التعليم عندنا مما يعاني منه المجتمع كله، حتي يصعب معرفة من الفاعل ومن المنفعل فيهما، وأساس المعاناة يرد من ظاهرة الازدواج، وقد مضي علينا أكثر من قرن ونصف منذ بدأت ظاهرة الازدواج تتفشّي في نظم التعليم، ومؤسساته ومناهجه.
    وأيا كان النقص في كفاءة التعليم قبل ذلك الوقت، فقد كان نظاما واحدا، ومناهج واحدة تقوم عليها هيئات واحدة أو متماثلة، والإصلاح مطلوب في كل حال، ولكنه ليس من الحتم أن يقوم الإصلاح علي أساس من ازدواج النظم وثنائية المؤسسات، والأكثر مدعاة لطبائع الأمور أن ينشأ الجديد متخللا للقديم مجددا لأنحائه، لا أن يقوم نظامان تعليميان منفصل كل منهما عن الآخر منقطع الصلة به - بل أن يقوما علي تعارض وصراع وتناف كما حدث فعلا.
    كان نظام التعليم التقليدي يقوم من الكتاتيب ومدارس الجوامع حتي الأزهر، وقام بجواره وبموازاته نظام جديد من المدارس الابتدائية والثانوية حتي الجامعة، وقام الأخير علي غير انبثاق من الأول ولم يُفد تجديدا له، بل أفاد القطيعة معه، ثم انضافت ثالثة الأثافي لهذا النظام المزدوج، ألا وهي التعليم الأجنبي والتبشيري الذي انتشرت مدارسه منذ نهايات القرن الماضي، ولا تزال بعض هيئاته الأجنبية قائمة في المجتمع حتي الآن، لتزيد من عوامل التفكك والانشطار في المجتمع، وفي أبنيته الفكرية والثقافية، وذلك بمثل ما حدث في نظم المحاكم من جعلها محاكم مختلطة، ومحاكم أهلية، ومحاكم شرعية.
    لقد كانت دواعي الحياة تستدعي إصلاح نظام التعليم القديم، ولكن التغيير الحادث مع أواخر القرن الماضي لم يجر تلبية لهذه الحاجة أو علاجا لأمراضها، إنما جري اقتحاما من المجتمعات والحضارات الغازية، وأتي غير مستجيب لحاجات الناس، إنما أنشئ إنشاء، وأعمل إعمالا ليجعل حاجات الناس مستجيبة له، وذلك ما يعرف في تاريخ التعليم المصري بسياسة دانلوب البريطاني، والقصد منه إقامة الاحتلال البريطاني والأوروبي في عقول البشر وصدورهم.
    34- هذا النظام التعليمي المزدوج، قام به شعبان من شعب واحد، وأمتان من أمة واحدة، بل قام به قلبان في جوف كل جوف من الناس، ويتزاحم في الرؤوس نظامان، نظام موروث مبني علي الإسلام، ونظام وافد مبني علي العلمانية وإقصاء الإسلام.
    وقد كان النظام الموروث نظاما إسلاميا بالمعني الصحيح للإسلام، من حيث أنه يربط في علوم الحياة بين الدين والدنيا، كما ترابطا أبدا منذ وجد الإسلام في الأرض، ولكن النظام العلماني الوافد فسخ العلم إلي ما أسماه علوم الدين التي بقيت لمؤسسات التعليم الموروث، وعلوم الدنيا التي هيمن عليها، وطفق يوسع من هيئاتها ومؤسساتها، وبناها علي انفصال مع العقيدة، وأنشأها علي قاعدة غير دينية، وامتد هذا الأمر الي العلوم الإنسانية من أدب واجتماع واقتصاد وفلسفة وقانون، بل لعله قصد به هذه العلوم أكثر مما قصد به علوم الصنائع وفنونها.
    ومن هنا قام هذا الصدع الخطير، وأفرخ صدعا هائلا بين البشر من أبناء كل من هذين النظامين التعليميين، كل نظام يتناول أبناءه من قبل سن التمييز، ويتعهدهم حتي تمام الرشد وما يليه.
    وقامت المدارس الحديثة تؤكد القيم العلمانية، وتشكك في جدوي شرائع الإسلام ونظمه، وتؤكد أن ثمة تنافيا بين العلم والدين، وإن لم تفعل ذلك صراحة، فقد أعدت برامجها علي أساس إبعاد الإسلام عن أن يكون أساسا لنظم الحياة أو مصدرا للشرائع، وتفشت الفلسفات الغربية بين الشباب والدارسين، وتأكدت لدي هذا القسم من الأمة تبعية العقل للفكر الغربي، كما تأكدت القطيعة عن أصول الأمة وعقائدها وتاريخها، بل وحاضرها ومستقبلها أيضا.
    هذا مجمل النظر الإسلامي لأوضاع التعليم الحاضرة، ومجمل توصيفه لما يعاني منه نظام التعليم، ولما يعانيه المجتمع منه، والواجب المناداة بتوحيد النظام التعليمي مؤسسات ومناهج ونظما، واستعادة نظرة الإسلام الصحيحة في عدم الفصل بين ما يسمي علوم الدين وعلوم الدنيا، ورؤية التعليم نظاما واحدا يضم في مراحله الأخيرة تخصصات متعددة، ولكنها كلها يشملها أصل واحد، وتوجهها فلسفة واحدة، وتصوغ مواطنين متجانسين متماثلين في المشارب وفي التوجه، وفيما يتغلغل فيهم من روح الانتماء للعقائد والجماعة، وإن تعددت تخصصاتهم العلمية، وتنوعت مهنهم ووظائفهم في المجتمع.
    35- إن هذا النظام التعليمي الواحد يتعين أن يصدر عن الأصول الثابتة لعقائد الناس، وأسس حضارتهم المتميزة، وتاريخهم العريض، ثم هو يمتد إلي كل ما يفيد من علوم العصر الحديث وفنونه ومناهجه، سواء في علوم الطبيعة أو علوم الإنسان، مع الدعم الفعال للغة العربية والنشر الواسع للغات الأخري، لينشأ الإنسان المواطن عميق الانتماء لربه، عميق الانتماء لجماعته ووطنه، عميق الانتماء لعصره الذي يعيش فيه.

    المرأة

    سابعا:
    36- إن الموقف حول موضوع المرأة واضح لا لبس فيه، لأن موقف الإسلام من المرأة ساطع البيان، وما من شريعة كرّمت المرأة بمثل ما كرمتها شريعة الإسلام، فهي مساوية للرجل في أصل الخلق وفي التكاليف، وفي الجزاء، خوطبت بمثل ما خوطب بأحكام القرآن، وتتمتع بكل ما يتمتع به الرجل من الحقوق والصلاحيات الشرعية، وهي ذات ذمة قانونية مستقلة، وشخصية قانونية كاملة، وهي موضع للتكليف بالدين قائمة بذاتها، لا تتبع الرجل في دخول الدين ولا يتبعها، وتخضع مثله للفروض الشرعية، ولها من حقوق الشخصية القانونية ما لم تتمتع به المرأة الأوروبية التي يعتبرها البعض مقياس التحضر والمدنية، فللزوجة في الإسلام ملكها الخاص، وذمتها المالية المنفصلة عن ذمة زوجها، وهي تحتفظ باسمها ونسبتها إلي أبيها بعد الزواج فلا تلحق بالزوج ، وكل ذلك يبرئها به الإسلام الحنيف من شبهة التبعية للزوج.
    37- وحق المرأة في التعليم مقرر، وصلاحيتها للعمل مرتبطة بتحديد مجالات العمل المناسب من حيث نوع العمل وطبيعته ومجاله وزمانه ومكانه وطريقة أدائه، وكل ذلك بما ينسجم مع طبيعتها الأنثوية وما تتحمله من تبعات الأمومة، وبما يكفل لها الأمان والطمأنينة، ولأسرتها السكن والرعاية، ويجري ذلك حسب أوضاع الشريعة الغراء، ووفقا لما تتخذه من أسس تتعلــــــق بتقسيم العمل الاجتماعي وفقا لنوعياته وصلاحيات أفراد المجتمع لكل نوع، وتتعلق بما يفرضه اختلاف التكوين الجسمي، والتوظيف الأســـــري من مهام ملقاة علي كل من أعضاء الأسرة، وفــــــي إطار ما قرره الشرع الحنيف من تماثل الممكنات العقلـــــية لكل من الرجل والمرأة بدليل تساويهـــما في التكليف الشرعي والجزاء.
    والحجاب المقرر في الإسلام لا يعني حبسا، ولا حجرا علي المرأة، ولكنه يعني الالتزام بالأوضاع الشرعية في الملبس والاختلاط، وهذا لا يخل بما يتاح شرعا للمرأة من كفالة التعليم لها، وجواز عملها في المجالات المناسبة، وهـــــذا الالتـــــزام لا يشكل نقصا في مجال المساواة، إنما هو تصنيف للأحكام لتتناسب مع أوضاع كل جنـــــس، ولا يقول أحد: إن منع الحرير والذهب علي الرجال مما يخل بكمال حقوقهم.
    38- وبالنسبة لوضع الزوجة، فإن التوازن الشرعي الذي يحكم علاقة الرجل والمرأة في الزواج، لا يظهر بالنظر إلي العلاقة الثنائية التي تربطهما، بقدر ما يظهر عند النظر إلي تلك المؤسسة الاجتماعية التي تنشأ بهذا العقد وهي الأسرة، وهي أكثر المؤسسات حظا من اهتمام القرآن الكريم بتنظيمها، وهي أدوم المؤسسات في تاريخ العمران البشري، وأعمقها حظا في التأثير، وأوسعها انتشارا.
    والزواج في الإســــلام ليس مجرد عقد يحكم علاقة رجل بامرأة، ولا ينبغي أن ينظر إلي حقوق الزوجين في تقابلهما وتوازيهما فقــــــط، كما ينظر إلي حقوق البائع والمشتـــــري، ولكن الزواج عقد ينشأ به كيان اجتماعي هو اللبنة الأولي في نظام المجتمع الإنساني، واستمراره بالتكاثر والتوالد والتربية.
    وفي إطار هذه المؤسسة الاجتماعية ينبغي النظر في أوضاع الأسرة بحسبان ما يتوزع علي كل عضو فيها من وظائف تتفق مع ما يتوافر له من صلاحيات، فلا تتوزع الواجبات بالتقابل مع الحقوق بقدر ما تتوزع بالنظر للصلاحيات، وتقسيم الوظائف والأعمال وتكاملها، ومن هنا تبدو المرأة أما قبل كل شيء، وحاضنة للأجيال، ويبدو ما كرّمها به الشرع الحنيف.
    والنظام الإسلامي للأسرة يصل إلي حد الإعجاز في تنظيم هذه المؤسسة ذات الشيوع الزماني عبر التاريخ كله، وذات الانتشار المكاني عبر المجتعات كلها، فأتت الأحكام والرخص بما يساعد علي مواجهة أي متغير من المتغيرات التاريخية المكانية بهذا الانتشار والتنوع العريض، سواء بالنسبة لأحكام إنهاء الزواج، أو تعدد الزوجات أو غيرهما.
    39- وإن أهم ما يتعين الحذر منه عند النظر إلي أي مشكل يتعلق بوضع المرأة في المجتمع، هو هذه الدعوات العالية الصوت التي تدعو إلي استيراد حلول للمشاكل من حضارات أخري، ومن أطر قيم وأعراف وتقاليد مخالفة، ومن سياق أوضاع تاريخية بعيدة تماما عن سياق التاريخ الإسلامي، وما يعرفه المسلمون من أعراف، واعتادوه من قيم، وآمنوا به من معتقدات.
    إن مثل هذه الدعوات خليقة بأن تعود بأفدح الضرر علي موازين القيم والعقائد في المجتمع، وأن تهد من أركان مؤسسة تمثل اللبنة الأولي في بناء المجتمع، وتمثل البوتقة الأولي لتربية الأجيال المتتابعة.

    خاتمة

    وأخيرا وليس آخرا، فإن الأمة إذا توافرت لها كل هذه الدعائم من الأمل والوطنية والعلم، والقوة والصحة والاقتصاد، فهي بلا شك أقوي الأمم والمستقبل لها، ولا سيما إذا أضيف إلي ذلك أنها قد طهرت من الأثرة والعدوان، والأنانية والطغيان، وأصبحت تتمني الخير للعالم كله، وأن الإسلام قد كفل ذلك، فلا حجة لأمة في النكول عنه، والعدول عن طريقه.
    والحمد لله رب العالمين.
    أ

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 23 فبراير 2017 - 14:39