hmsain.ahlamontada.com

نشكرك على التسجيل فى هدا المنتدى زرنا باستمرار و شاركنا رايك فاليد الواحدة لا تصفق ورايك يهمنا كما ان حضورك الدائم يحفزنا
hmsain.ahlamontada.com

منتدى يهتم بنشاطات حركة مجتمع السلم بلدية عين بوزيان


    الدراسات المستقبلية وتاريخ الدعوة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 2093
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010
    الموقع : hmsain.ahlamontada.com

    الدراسات المستقبلية وتاريخ الدعوة

    مُساهمة  Admin في الأحد 9 أكتوبر 2011 - 19:24

    أدمير زكيتش البوسنوي






    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    هذه الدراسة هي محاولة لتقديم رؤية تأصيلية للدراسات المستقبلية، التي لم تعطَ بعدُ الاهتمام المناسب في أدبيات الفكر الإسلامي، في الوقت الذي تبذل فيه مجتمعات ودول أخرى أموالاً وإمكانات هائلة في سبيل صياغة رُؤى أفضل لشعوبها في المستقبل[1].

    ***

    (خطة البحث)


    الفصل الأول: مفهوم الدراسات المستقبلية
    المبحث الأول: الطرق المسلوكة لمعرفة المستقبل.
    المبحث الثاني: نشأة الدراسات المستقبلية.
    المبحث الثالث: تعريف الدراسات المستقبلية.
    المبحث الرابع: تسميات الدراسات المستقبلية.
    المبحث الخامس: أنواع الدراسات المستقبلية.
    المبحث السادس: أساليب الدراسات المستقبلية.

    الفصل الثاني: ضوابط للدراسات المستقبلية
    المبحث الأول: ضوابط وموجهات للدراسات المستقبلية عمومًا.
    فيه ثمانية المطالب:
    1- موافقة الكتاب والسنة.
    2- ملاحظة السنن الكونية.
    3- ملاحظة السنن والقواعد الشرعية.
    4- أن تكون الدراسة مبنية على قرائن ودلائل يمكن الاعتماد عليها.
    5- عدم الجزم بنتيجة الدراسة.
    6- هل يلزم العمل بنتيجة الدراسة؟
    7- أن الواجبات الشرعية لا تُترَك ولا تُؤخَّر، ولو كان المستقبل سيئًا.
    8- مراعاة أدبيات منهج البحث.
    المبحث الثاني: ضوابط خاصة بالدراسات الاستطلاعية.
    المبحث الثالث: ضوابط خاصة بالدراسات المعيارية.

    الفصل الثالث: الدراسات المستقبلية وتاريخ الدعوة
    المبحث الأول: تعريف تاريخ الدعوة.
    المبحث الثاني: العلاقة بين تاريخ الدعوة والدراسات المستقبلية.
    المبحث الثالث: الدراسات المستقبلية والتخطيط للدعوة.

    ***

    الفصل الأول: مفهوم الدراسات المستقبلية
    من قواعد العقيدة الإسلامية وأصولها التي أجمع عليها المسلمون: أن الله - سبحانه وتعالى - استأثَر بعلم الغيب دون خلقه، فلا يعلم الغيبَ أحدٌ سواه، فهو المنفرد بذلك وحده، والغيب الذي تفرَّد به الله بعلمه هو ما لا يُدرَك بالحس ولا بالتجربة والمقايسة، فإن من الأشياء ما يغيب عن حسِّ بعض البشر ويُدرِكه بعضهم، ومنه ما يغيب عن الحس ويُدرَك بالعقل؛ كالعلم بحصول الكسوف والخسوف، ونحوهما ممَّا يُستَنبط من استقراء السنن الكونية، فهذا ليس من علم الغيب - مع غيابه عن الحس - لأنه يُمكِن إدراكه، وهو ما يُسمَّى بالغيب النسبي أو المقيَّد.

    مع أن الإدراك المستقبلي ظنِّي وليس قطعيًّا؛ لجواز تخلُّف الأسباب أو الخطأ في التقدير مثلاً، ولذا لا يجزم به الإنسان، قال في "فتح الباري" (13/365): "إن لبعض الغيوب أسبابًا قد يُستَدلُّ بها عليها، لكن ليس ذلك حقيقيًّا".

    وما يقع في المستقبل ممَّا لا يرتبط بالتجربة والمقايسة ونحوها من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله - تعالى[2].

    ولن نستطيع - بطبيعة الحال هذا البحث - أن نوفِّي الموضوع حقَّه، ولكن نرجو أن نُوفَّق - بإذن الله تعالى - إلى أن نعطي فكرة عنه؛ بحيث يكون هذا دافعًا لِمَن يريد المزيد من البحث، فإن أوَّل ما تظهر الأعمال العظيمة أول ما يكون ذلك هو الفكر، ثم يأتي الاهتمام، ثم يكون العمل، وهذا ما نرجو أن يكون[3].

    المبحث الأول: الطرق المسلوكة لمعرفة المستقبل:
    وقد سعتْ فئات كثيرة من البشر - على مرِّ العصور - إلى البحث عن طرق تُساعِدها لتنبُّؤ أحداث المستقبل لأغراض عديدة؛ فلجأ البعض إلى الكَهَنَة الذين يدَّعون معرفة غيب المستقبل، ورغم معارضة هذه المنهجية للدين الإسلامي فما زالت بعض وسائل إعلام تنقل الأخبار المبنيَّة على التنجيم وقراءة الأبراج والأفلاك وغيرها، مغرِّرين بذلك الإنسان القَلِق الذي يسعى لطمأنة ذاته، ولو كان ذلك عن طريق الدَّجَل والشعوذة.

    أمَّا في الأوساط العلمية فقد كان العقل البشري المفكِّر حتى العهد القريب يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على منهجية التنبُّؤ العلمي، وهو أسلوب إحصائي (رياضي) يتَّخذه المحلِّلون لاستقراء المستقبل بأكثر دقَّة ممكِنَة، على افتراض أن المستقبل سيمثِّل امتدادًا لأحداث الماضي.

    ومع الإقرار باستحالة صدق مثل هذه الاجتهادات الإحصائية التي تُفرِز تنبُّؤات مستقبلية محدَّدة، ولا سيَّما في عصرٍ بات يشهد تغيُّرات عديدة وتقلُّبات مفاجئة على مختلف الأصعدة، لم يلبث المخطِّطون المعاصرون أن يتخلوا عن فكرة التنبُّؤ بمعناه النبوئي الضيِّق، وأصبح جُلُّ تركيزهم ينصبُّ على محاولة التعرُّف على الاحتمالات المختلفة - أي: البدائل المستقبلية - التي قد تنطوي عليها التطوُّرات المستقبلية.

    لو استعرضنا تطبيقات الدراسات المستقبلية في عالمنا العربي سنلاحظ قِلَّة عددها من جهة، وضعف مساهمتها في التأثير على التخطيط الإستراتيجي من جهة أخرى؛ ففي حين تمنح عِدَّة جامعات غربية درجة الدكتوراه في تخصُّص الدراسات المستقبلية، فشلت مناهجنا العربية في إعطاء مثل هذه التخصُّصات الاهتمام المطلوب.

    لا نزال نشكو من قِلَّة عدد المختصِّين في مجال الدراسات المستقبلية، وانعدام الثقافة المستقبلية في أغلب مجتمعاتنا، وهنا تكمُن أهمية تكثيف عقد المؤتمرات والدورات التدريبية.

    ويُروَى أن العالم الشهير ألبرت آينشتاين سُئِل ذات مرَّة: لماذا تُبدِي اهتمامًا بالمستقبل؟ فردَّ قائلاً: ببساطة، لأننا ذاهبون إلى هناك[4].

    ولقد تنوَّعت مصادر التعرُّف على المستقبل واستكشافه إلى أنواع وطرق متعدِّدة، بعضها غير صحيح؛ كالاعتماد على الكتب السابقة، والنجوم وسيرها، والكتب القديمة، وحساب الجُمَّل، أو الرُّؤَى والمنامات، وطريق آخَر هو الطريق المقطوع بصحَّته؛ وهو كتاب الله - تعالى - وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم[5].

    الطرق المسلوكة لمعرفة المستقبل:
    تنوَّعت مصادر التعرُّف على المستقبل واستكشافه التي سلَكَها البشر إلى أنواع وطرق متعدِّدة يصعب حصرها وتعدادها، إلا أننا يمكننا أن نفرزها باعتبار صحَّة الاستدلال بها، وسلامة استعمالها لبلوغ المقصود منها، إلى طريقين إجماليين:
    الطريق الأول[6]: الاعتماد على الطرق غير الصحيحة:
    الاعتماد على الطرق غير الصحيحة، وهي الطرق غير المشروعة، والتي لا يظهر لها ارتباط بالإدراك المحسوس أو المعقول، بل مبناها على الحدس والتخمين، أو استعمال الجن ونحو ذلك، ومنها:
    1- الاعتماد على الكتب السابقة: فإن الكتب السابقة، وإن كانت مأخوذة عن الأنبياء، فمن المعلوم قطعًا أن أهل الكتاب حرَّفوا وبدَّلوا وكذبوا وكتموا؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنَّا بالله وما أُنزِل إلينا وما أُنزِل إليكم))[7].
    2- الاعتماد على النجوم وسيرها في معرفة ما يكون في المستقبل ممَّا يتعلَّق بالإنسان حياةً وموتًا، وسعدًا ونحسًا، ونحو ذلك؛ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد))[8].
    3- الاعتماد على الكتب القديمة المزعوم تضمُّنها لعلم الغيب، أو لشفراتٍ تدلُّ عليه، وكذلك الأحاديث الضعيفة والباطلة؛ كالجداول والجفر والجامعة، وغيرها من الكتب التي يدَّعِي أصحابها أنها تضمَّنت خبر ما سيكون إلى قيام الساعة، صراحة أو ترميزًا.
    4- الاعتماد على الرؤى والمنامات: وهي طرق قد تُستعمَل لاستشراف المستقبل، وهي وإن كانت قد يُقبَل بها مبدئيًّا، لكن لا يُسَلَّم بها واقعًا؛ لما يَرِد عليها من الاحتمالات، ولما قد يعرض في تعبيرها من تخليطات؛ ولذا فليست طريقًا يُعتَمَد عليه[9].

    الطريق الثاني: الطريق المقطوع بصحَّته:
    وهو ما جاء في كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة، فمن رحمة الله - تعالى - بعباده أن أَوْحَى إلى نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بخبر ما يحتاج إليه ممَّا سيكون، والوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمور المستقبل شيء كثير، وقد نقل الصحابة إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك.

    فمن ذلك ما رواه عمرو بن أخطب الأنصاري - رضي الله عنه - قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا الفجر، وصعد على المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا"[10].

    وهذه الأخبار الواردة عن نبيِّنا - عليه الصلاة والسلام - بالأسانيد الصحيحة مصدر نؤمِن بصدقه وصحَّته لمعرفة الغيب واستشراف المستقبل، لكنه خاضع في فهمه لقواعد فهم النصوص الشرعية، لا لتلاعب الأهواء والظنون[11].

    المبحث الثاني: نشأة الدراسات المستقبلية:
    تقدَّم آنفًا أن الإنسان فُتِن عبر تاريخه الطويل بالتطلُّع إلى المستقبل، وقد تطوَّر ذلك التطلُّع إلى المستقبل بأخذ منحى علمي له؛ إذ قدَّم الفلاسفة تصوُّرات مستقبلية في بعض كتاباتهم مثل فرانسيس بيكون (1626م) في كتابه "أطلنطا الجديدة"؛ حيث يطرح رؤية مستقبل العالم من خلال تصوُّره لمجتمع جديد يعتمد على العلم، وقدَّم فيه إشارات عن مخترعات علمية جاءت بعد ذلك بزمن طويل[12].

    وقدمت في هذا المجال المتعلق باستكشاف حياة الأجيال المقبلة وهمومها عدَّة كتابات، كما وضعت عدَّة روايات تمثِّل تصوُّرات مستقبلية مثل: "حول العالم في ثمانين يومًا"، "رحلة من الأرض إلى القمر"[13].

    وفي النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، ونتيجة لتغيُّر العالم حولنا بتسارع لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري، ويشمل هذا التغيُّر كل أوجه الحياة الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية بل حتى النفسية، واشتدَّ التنافس بين المجتمعات - ظهرت بداياتٌ لدراسة المستقبل على أسس خاصة، وكانت تهدف للسيطرة على الصور الممكنة للمستقبل[14].

    ومن أوَّل هذه الكتابات كتابات هيرمان بعنوان "2000م"، وجورج راسل بعنوان "ماذا يكون إنسان بعد ذلك؟"، وجورج سول بعنوان "صورة الغد"، وهذه وغيرها وضعت الأرضية التمهيدية لهذه الدراسات على أساس الطابع العلمي[15].

    وبمرور الوقت تزايَد الاهتمام بهذه الدراسات، فتحوَّلت من مجرَّد فروض واجتهادات فكرية إلى جهود علمية منظمة، حتى أُنشِئت من أجلها معاهد ومؤسسات علمية.

    فعلى سبيل المثال: بلغ عدد المؤسسات والجمعيات والمعاهد المتخصصة في الولايات المتحدة عام 1967 م (600) ستمائة مؤسسة[16].

    ويوجد في مكتبة الكونجرس الأمريكي حتى عام 1984 م أكثر من (15000) خمسة عشر ألف دراسة حول المستقبل.

    ومجموعة المقرَّرات الدراسية المتخصِّصة في دراسة المستقبل في المدارس والجامعات الأمريكية حوالي 415 مقررًا دراسيًّا، ومنحت جامعة ليدز البريطانية أوَّل درجة ماجستير في الدراسات المستقبلية عام 1998 م[17].

    وقد تأخَّر العالم الإسلامي في هذا المجال؛ فلم يُعرَف فيه هذا النوع من الدراسات إلا قبل ثلاثين عامًا تقريبًا[18].

    ومن أوائل المحاولات: ما قامت به مجموعة التخطيط طويل المدى للبلدان العربية في القاهرة التي نشَأَت عام 1974م.

    وفي عام 1975م خرج كتاب "الوطن العربي عام 2000" عن مؤسسة المشاريع والإنماء العربية[19].

    المبحث الثالث: تعريف الدراسات المستقبلية (Future Studies):
    ونحتاج لتعريف الدراسات المستقبلية إلى تحليل مفرداته أولاً، ثم تعريفه جملة بعد ذلك.

    فالدراسة: هي فهم الشيء، وتعاهده حتى يسهل ويتمهَّد[20].
    والمستقبل: هو ما واجَهَك، فما تستقبله من أيامٍ هو مستقبلك؛ لأنك تواجهه[21]، ويُسمَّى كل ما يأتي من الزمان بالمستقبل[22].

    وقد عرفت هذه الدراسات بعدَّة تعريفات تدور حول كونها محاولة للتنبُّؤ بما ستكون عليه حالة المجتمع الإنساني ومصير الإنسان فيه، عن طريق دراسة الماضي ونتاج الحاضر، والظواهر والبدائل الممكنة.

    وعرفت بأنها: مجموعة من الدراسات والبحوث التي تهدف إلى تحديد اتجاهات الأحداث، وتحليل مختلف المتغيِّرات التي يمكن أن تؤثِّر في إيجاد هذه الاتجاهات، أو حركة مسارها[23].
    وعرفت بأنها: اجتهاد علمي منظَّم، يرمي إلى صوغ مجموعة من التنبُّؤات المشروطة، والتي تشمل المعالم الرئيسة لأوضاع مجتمع، أو مجموعة من المجتمعات، وعبر فترة مقبِلة تمتدُّ قليلاً لأبعد من عشرين عامًا، وتنطلق من بعض الافتراضات حول الماضي والحاضر، ولاستكشاف أثر دخول عناصر مستقبلية على المجتمع، ونوعية وحجم التغيُّرات الأساسية الواجب حدوثها في مجتمعٍ ما، حتى يتشكَّل مستقبله على نحوٍ معيَّن منشود[24].

    وقد عرَّفها معجم أكسفورد الموجز على أنها: الاستشراف الممنهج للمستقبل، وخاصة من منطلق الاتجاهات الحالية في المجتمع.

    المبحث الرابع: تسميات الدراسات المستقبلية:
    لمَّا كانت بداية هذه الدراسات غير عربية، فإنها تُرجِمت بعِدَّة ترجمات تحاول أن تأتي باللفظ المعبِّر عن المراد بدقَّة، والاسم الذي شاع لهذه الدراسات في اللغة الإنجليزية هو: (Futurology) وترجمتها النصية: علم المستقبل، و(Studying the Future) وترجمتها: دراسة المستقبل، و(Futurism) وترجمتها: المستقبلية.

    وقد انتقد بعض الباحثين تسميته بالعلم، كما انتقد ترجمة هذا الفن إلى الدراسات المستقبلية، وبين تعدد المصطلحات العربية الدالَّة على هذا المفهوم، كاستشراف المستقبل، وكالدراسات الارتيادية[25]، وتشوف المستقبل، ورؤية المستقبل، وصنع المستقبل.

    وحاوَل بعض الباحثين أن يجعل الدراسة المستقبلية على مراحل، ويُطلِق على كلِّ مرحلة منها لقبًا من الألقاب السابقة؛ أخذًا من دلالته اللغوية[26].

    ومهما يكن فإن تسمية هذا النوع من البحوث بالدراسات المستقبلية صار من أشهر الألقاب عليه، ولا يَرِدُ عليه محظور إطلاق العلم على ما لا يمكن العلم به قطعًا.

    أمَّا الدراسات والبحوث العربية فقد انتشرت ثلاثة أسماء هي: علم المستقبل، الدراسات المستقبلية، استشراف المستقبل، المستقبلية[27].

    المبحث الخامس: أنواع الدراسات المستقبلية:
    الاستشراف أداة قوية تساعدنا وتساعد مؤسساتنا على تخطيط مستقبل أفضل، إن أيَّ إنسان تقريبًا يستطيع أن يستفيد من تعلُّم مهارات الاستشراف وآفاقه.

    يميِّز الباحثون في مجال الدراسات المستقبلية بين ثلاث صور من المستقبل: مستقبل مُتَوقَّع، ومستقبل ممكن، ومستقبل مرغوب فيه، والدراسات المستقبلية تنقسم إلى:
    • دراسات استكشافية، أو الاستطلاعية: الدراسات الاستكشافية تهدف إلى محاولة معرفة صورة المستقبل المتوقَّع والمستقبل الممكن، وهو يمثِّل البدائل التي يمكن حصولها في المستقبل في حال تدخل معين.
    • ودراسات استهدافية أو معيارية: تهدف إلى بيان المصير الذي تأمل الأمة أن تصير إليه بعد إحداث تغيُّرات في ظروف الواقع ومعطياته[28].

    المبحث السادس: أساليب[29] الدراسات المستقبلية:
    ويمكن حصر أهم التقنيات المستخدمة في الدراسات المستقبلية في:
    • استبيان (ديلفي) Delphi، واستطلاعات الرأي، والمسوح الميدانية.
    • المنهجيات الإحصائية: كالاستقراء، والانحدار، والارتباط، والتباين.
    • التحليل المقارن، والسيناريوهات[30].
    • نماذج المحاكاة والمناظرات، وحلقات النقاش... وغيرها من آليات ديناميكية المجموعة Techniques Dynamics Group.
    • النمذجة، والنظم الديناميكية (systems Dynamic) توضح كيف يتفاعل عدد كبير من المتغيِّرات مع بعضها البعض عبر الزمن.
    • التخطيط قصير، ومتوسط، وطويل الأجل.
    • (Trees Relevance): وهو أسلوب لاستعراض تسلسل الأحداث، وتحديد الموقف اليوم، وما يمكن أن يكون عليه في المستقبل.
    • الخيال العلمي (Fiction Science): ويقوم على أساس السرد لما يمكن أن يحدث في المستقبل الاجتماعي، أو على الساحة العالمية، على أساس سيناريو محدَّد يتمُّ فيه التفاعل بين الشخصيات المختلفة وتلك الأحداث[31].
    ***


    الفصل الثاني: ضوابط للدراسات المستقبلية
    إن الدراسات المستقبلية علم حديث، وهو مع حداثته ينضوي تحت العلوم التي صِيغَتْ صياغة غربية، في إطار ثقافة الغرب العلمانية، ولأجل أن تحقق الأمة المصلحة من هذا العلم فلا بُدَّ أن تُصاغ هذه الدراسات على أساس التصوُّر الذي ينسجم مع هويَّة الأمَّة وتطلُّعاتها، كما لا بُدَّ أن تنضبط بضوابط الشريعة الإسلامية.

    والقاعدة الشرعية: أن الحق والحكمة يُؤخَذان أين وُجِدا، "فليس في الإسلام معاداة للواقع، أو محاولة للبدء من نقطة الصفر؛ لذا فإن المنهج الإسلامي الحضاري منهج واقعي، يعتمد على ما أنجزه الآخَرون، والإسلام لا يجد غضاضة في الاستفادة من جهود الآخَرين، وما يتَّفق مع أساليبه وأدواته وتطلُّعاته وأصالته الفريدة التي تتبنَّى كلَّ ما هو خير، وتقلع عن كل ما فيه دمار وشر، وأسلمة حصاد الغرب والشرق أفضل من البدء من نقطة الصفر؛ لأن هذا سيمثِّل تواصلاً مع العصر، ويتجاوز المرحلة البدائية"[32]، ما دام أنه غير متعارض مع عقيدة الإسلام ومنهجه[33].

    في الأوراق القادمة عرضٌ لجمع ضوابط وموجهات، أو تصور لبعض ما ينبغي التنبُّه له عند إعداد الدراسات المستقبلية وفق التصور الشرعي من خلال ثلاث مجموعات من الضوابط.

    أولاً: ضوابط وموجهات للدراسات المستقبلية عمومًا:
    وهي ضوابط تشمل جميع أنواع الدراسات المستقبلية، سواء منها الاستطلاعية أو المعيارية.

    ثانيًا: ضوابط خاصة بالدراسات الاستطلاعية:
    وهي ضوابط تُضاف لما سبق من ضوابط وموجهات لكلِّ أنواع الدراسات المستقبلية.

    ثالثًا: ضوابط خاصة بالدراسات المعيارية:
    وهي المتعلِّقة بالمستقبل المأمول، وهذه الضوابط تُضاف لما سبق من ضوابط عامة[34].

    المبحث الأول: ضوابط وموجهات للدراسات المستقبلية عمومًا:
    وهي ضوابط تشمل جميع أنواع الدراسات المستقبلية، سواء منها الاستطلاعية أو المعيارية.

    المطلب الأول: موافقة الكتاب والسنة:
    معنى الانضباط بهما أن تتَّسق معطيات الدراسة مع ما تطلبه الأدلة الشرعية.

    ومن أمثلة انضباط معطيات الدراسة بالكتاب والسنة: أن تراعي الدراسة المعيارية ضرورة قيام الأمة بدورها في نشر عقيدة التوحيد ومبادئ الحق والفضيلة؛ لأن هذا جزء من دورها المطلوب منها، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال - تعالى -: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110][35].

    المطلب الثاني: موافقة السنن الكونية:
    "من حكمة الله - تعالى - أن أجرى الكون والحياة الإنسانية على سنن ونواميس تتمثَّل في قوانين مطَّردة تجعل الأحداث مرتبطة ببعضها ارتباط مسبَّب بسبب، أو نتيجة بمقدمة، وإذا كان الإنسان لم يستطع أن يحقِّق صور الاستثمار الكثيرة التي حقَّقها في مجال الكون إلا بمعرفته بالسنن التي فطر الله الكون عليها؛ كقوانين الحركة والضوء ونحوها ممَّا ارتقى بحياته المادية إلى آفاق لم تخطر على بال السابقين، وكذلك فإنه لن يرتقي بحياته الإنسانية والحضارية إلا بتعرُّفه على السنن التي أجرى الله عليها حركة الحياة البشرية من أجل أن يستثمرها، ويحسن التعامل معها لتستقيم حياته"[36].

    ولذا؛ فقد أمر الله - تعالى - بالنظر والتفكُّر في مسيرة الماضين - وهذا تنبيهٌ على وجود السنن الكونية - وعدم انخرامها؛ قال - تعالى -: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137].
    وقال - تعالى -: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ} [الروم: 42].

    قال ابن القيم - رحمه الله -: "وبالجملة فالقرآن من أوَّله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب... ومَن تفقَّه في هذه المسألة، وتأمَّلها حقَّ التأمُّل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتَّكل على القدَر جهلاً منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعة، فيكون توكُّله عجزًا، وعجزه توكلاً، بل الفقيه كل الفقيه الذي يردُّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر... لكن يبقى عليه أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديمًا وحديثًا"[37].

    فعلى دارِس المستقبل أن يتأمَّل هذه السنن الكونية التي تحكم الحياة البشرية، ويخضع دراسته لها واعيًا بالنتائج المحتملة المترتِّبة على كلِّ اختيار حسبما جرت به السنن[38].

    المطلب الثالث: ملاحظة السنن والقواعد الشرعية:
    فقد جاءت النصوص الشرعية مبيِّنة قوانين ونواميس وقواعد في حياة البشر يجب اعتمادها في كل دراسة مستقبلية، كما يجب أن تجعل ثوابت الشرع بعدًا أساسيًّا في كلِّ نتيجة يتوصل إليها.

    فإن السنن الشرعية التي تحمل الصدق المطلق لا بُدَّ أن تُعتَبَر وتُلاحَظ، بل وأن تُجعَل المعيار الذي يُقاس به صدق استنباط الباحثين للسنن الربانية.

    يقول ابن القيم في بقيَّة كلام نقلت بعضه قريبًا: "ومن أنفع ذلك تدبُّر القرآن؛ فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الخير والشر جميعًا مفصَّلة مبيَّنة، ثم السنَّة فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني، ومَن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى تعاين ذلك، فإذا تأمَّلت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته، طابَق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به، وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلُّك على أن القرآن حق وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة، فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر"[39].

    وإن من أمثلة السنن الشرعية المتعلِّقة بما نحن فيه ما يلي:
    1- أنه لا يمكن حدوث تغيير في أوضاع الأمة العامة إلا إذا حدث تغيُّر في أفرادها .
    2- أنه لا يتمُّ الاستخلاف في الأرض والتمكين للإسلام وحصول الأمن إلا بتحقيق العبودية لله على الوجه المطلوب .
    3- أن عاقبة الظلم ونهايته: الهلاك.
    4- استشراء الانحراف والبعد عن منهج الله - تعالى - نتيجته عقوبة وفساد في الأرض.
    5- أن غزو الأجانب للبلاد ودخولهم إليها يدمِّر أخلاقها، ويقلب أوضاعها الاجتماعية .
    6- أن عداء اليهود والنصارى للمسلمين لا يتغيَّر ما داموا على دينهم .
    7- الأصل أن النصر لا يأتي إلا بعد الابتلاء.
    8- لا بُدَّ من بقاء جماعة من المسلمين على الحق، مستمرِّين على جهاد أعدائهم، ينتصرون عليهم في كل زمن .
    9- أن العاقبة في كلِّ الأحوال والظروف النصر للمتمسِّكين بشرع الله - تعالى - ولو تأخر ذلك .

    المطلب الرابع: أن تكون الدراسة مبنية على قرائن ودلائل يمكن الاعتماد عليها:
    وذلك أنها بدون ذلك تكون محض خيال لا اعتبار به، وقد قيل: لا عبرة بالتوهُّم، قال الشاطبي: "الاجتهاد في الشريعة ضربان: أحدهما: المعتَبَر شرعًا، والثاني: غير المعتَبَر، وهو الصادر عمَّن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرَّد التشهِّي والأغراض، وخبط في عماية، واتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله؛ كما قال - تعالى -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49][40].

    فإذا أريد قياس ومعرفة مدى قبول دراسة أو رأي فإنه ينظر إلى ما استند إليه، وما استمدَّ منه، فإن كان دليلاً معتبرًا وإلا فلا يعبأ به.

    ومن أهمِّ ما يُعتَنَى به: التثبُّت من الواقع والتعمُّق في فهمه، وهذا يمكن إفراده ضابطًا مستقلاًّ لأهميته، لكنه مندرج في أدلة الدراسة، وهو ممَّا لا بُدَّ من توافره فيها[41].

    المطلب الخامس: عدم الجزم بنتيجة الدراسة:
    وهذا مُتَّبع في كل أمرٍ لا نص للشرع فيه، ولا إجماع قطعي، فالباحث عليه أن يستند لما يعضد رأيه من دلائل وقرائن وبيِّنات، أمَّا الجزم بنتيجتها فلا يكون في غير القطعيات المأمور بالجزم بها، أمَّا الطرق الظنية كدراسات المستقبل فإنها وإن جاز استعمالها إلاَّ أنه لا يجزم بنتيجتها؛ لئلاَّ يخالف المقطوع به من عدم إدراك الغيب.

    ويقرب من هذا أنه لكونه دليلاً ظنيًّا فإنه أيضًا لا يسوغ الإلزام به، فكلُّ رأي لم يستند لقاطع في الشريعة فإنه لا يسوغ لقائله أن يستبدَّ به ويحتكر الصواب، بل الخطأ عليه وارد والخلاف سائغ، ولهذا مزيد بيان فيما يلي[42].

    المطلب السادس: هل يلزم العمل بنتيجة الدراسة:
    الدراسة المستقبلية إنما تُوجَّه لأهل الحل والعقد في الأمَّة، وللقُوَى الفاعلة في المجتمع، ولا تُوجَّه للعامة؛ وعليه فإن مَن يقرأ الدراسة ويطَّلع على نتائجها مؤهَّل للاقتناع بما تضمَّنته، أو معارضته بما يقتنع به.

    وإذا اقتنع مَن تقع عليه تَبِعَة الأخذ بالدراسة بنتيجتها، أو غلب على ظنِّه صحتها، فإنه يلزمه العمل على وفقها؛ لأنه قد غلب على ظنِّه صدقُها، والإنسان مُطالَب بالعمل وفق غلَبَة ظنِّه، ولو ترك ذلك لكان تاركًا لما يجب عليه.

    وأمَّا إن لم يقتنع بها؛ لوجود ما يعارضها معارضة تمنعه من الأخذ بها، أو تجعلها محلَّ شك لديه، فهذا لا حرج عليه في عدم العمل بنتيجة الدراسة؛ لأنها قد قام في مقابلها ما يمنع اعتبارها ظنًّا يطالب بالعمل على وفقه، كما أنه سيترك اجتهاده لاجتهاد غيره، وهذا غير سائغ.

    ويدلُّ على ذلك قصة غزوة أحد؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه استشرف أن بقاءه في المدينة خير له، خرج لقتال المشركين؛ لأنه قد قام في مقابل استشرافه رأي أهل المشورة الذين أُمِر بالاستعانة برأيهم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159].

    فعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا منحرة، فأوَّلت أن الدرعَ الحصينةَ المدينةُ، وأن البقر هو والله خير))، قال: فقال لأصحابه: ((لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم))، فقالوا: يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام؟ فقال: ((شأنكم إذًا))، قال: فلبس لأْمَتَه، قال: فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيه، فجاؤوا فقالوا: يا نبيَّ الله شأنك إذًا، فقال: ((إنه ليس لنبيٍّ إذا لبس لأْمَتَه أن يضعها حتى يقاتل))[43].

    وإن توقف فلم يغلب على ظنِّه شيء، فلعل الأقرب أنه لا يلزمه العمل بنتيجة الدراسة، ومبنى ذلك أن الأصل إناطة الحكم التكليفي بالوجود، وبغَلَبَة الظن، وكلاهما معدوم، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: "وأصول الشريعة كلها مستقرَّة على أن الاحتياط ليس بواجب ولا محرم"[44].

    المطلب السابع: أن الواجبات الشرعية لا تترك ولا تؤخر ولو كان المستقبل سيئًا:
    فالمسلم مُطالَب بما أوجب الله عليه، مأمور بما جاء في الشرع إيجابًا أو ندبًا، سواء كان ينتظر نتيجة لعمله، أو كان المستقبل لا يدعو لمثل هذا العمل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها))[45].

    وإنَّ من الواجب على المسلم أن يدافع قدر الله - تعالى - بقدره، فإن عمل الأسباب لا يعارض القدر؛ بل هو منه، فعندما خرج عمر - رضي الله عنه - إلى الشام، فأخبر أن الوباء قد وقع بأرض الشام، فأجمع أمره على أن يرجع بالناس، ولا يقدمهم على الوباء ونادَى في الناس: "إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، قال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ قال عمر: نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله"[46]، فإن تحقَّق مراده كونًا، وإلاَّ فقد حقَّق ما أُمِر به شرعًا.

    المطلب الثامن: مراعاة أدبيات منهج البحث:
    فإن لكلِّ علم ودراسة منهجًا يتضمَّن قواعد للبحث والملاحظة والاستنتاج لا بُدَّ لكل باحث أن يراعيها، ما لم يكن فيها محظور، ولدراسات المستقبل جملة من قواعد البحث يعرفها المختصُّون لا بُدَّ من مراعاتها؛ لتكون النتائج مقبولة في ضوء هذا النوع من الدراسة، ومن أبرزها: الشمول، والنظرة الكلية للأمور، وتفادي الإفراط في التبسيط والتجريد للظواهر المدروسة، والتعمُّق في فهم ما يُؤخَذ به الواقع من علاقات، والحيادية، وعدم الانحياز[47] والمزج بين الأساليب والمزاوجة بينها، والرصد الجيِّد للماضي والحاضر باتجاهاته وتجاربه[48] [49].

    المبحث الثاني: ضوابط خاصة بالدراسات الاستطلاعية:
    وهي ضوابط تضاف لما سبق من ضوابط وموجهات لكلِّ أنواع الدراسات المستقبلية:
    1- التفاؤل: فالتفاؤل وترك اليأس خلُق فاضل يستصحبه المسلم حتى في أحلك الظروف؛ لأنه من إحسان الظن بالله - تعالى - الذي جعل مع العسر يسرًا.
    والتفاؤل من موجهات الدراسات الاستطلاعية، فيبقى في الدراسة - مهما كانت الظروف - مكان للتفاؤل بحسن العاقبة، والاستبشار بنصر الله - تعالى - ووعده الصادق، مع إعطاء هذا التفاؤل حظه الذي لا يبالغ فيه حتى يتحول حلمًا أو أمنية مجردة.
    2- التوكل على الله: فمَن توكَّل على الله كفَاه، وذلك مع الأخذ بالأسباب، والاجتهاد في الأمر المطلوب دراسته" بجمع ما يمكن جمعه من معلومات عنه، وما إلى ذلك من أمور يحتاج إليها البحث والدراسة التي هو بصددها.
    3- القصد والنية: أن تكون الدراسات المستقبلية التي نقوم بها نافعة للدين، في سبيل رفع رايته وتحقيق ظهوره على الدين كله، وألا تكون دراسات دنيوية محضة لا نية فيها لنصرة الدين وظهوره.

    المبحث الثالث: ضوابط خاصة بالدراسات المعيارية:
    وهي المتعلقة بالمستقبل المأمول، وهذه الضوابط تُضاف لما سبق من ضوابط عامة:
    1- العدل والإحسان: أمر الله - تعالى - بالعدل والإحسان فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، فالعدل: هو القسط والموازنة، والإحسان: أحسن من ذلك وفوقه.
    2- عقلانية التعامل مع التحوُّلات المستقبلية: فعند صياغة المستقبل المأمول لا بُدَّ أن يُراعَى أن يكون التحوُّل متدرجًا متواكبًا مع سنن الله - تعالى - الكونية، مبنيًّا على إدراك مستوى الواقع ومفرزات ظروفه، والمدَّة اللازمة لتجاوزها، وإلا صار ضربًا من الخيال والأماني المجردة.

    ومَن تأمَّل تدرُّج التشريع في أنواع من الواجبات والمحرَّمات تبيَّن له أن ملاحظة هذه العقلانية في التغيير لا بُدَّ منها، وقد وجَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مراعاة ذلك فقال: ((مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع))[50].
    ***


    الفصل الثالث: الدراسات المستقبلية وتاريخ الدعوة
    إذا نظرنا في تاريخ الدعوة وجدنا أنها كانت تسير ضمن عملية إدارية مُحكَمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك الإنساني ذروتها.

    وكما أن الدعوة الإسلامية مطالبة بدراسة التجارب التي مرَّت بها عبر القرون للاستفادة منها بحكمة، فكذلك هي مطالبة أيضًا بالاستفادة بكلِّ ما يُعِينها لتحقيق هدفها[51].

    فمثلاً عندما نتحدث عن إدارة الوقت من الناحية النظرية، فإنا نقوم خلالها بتحديد الأعمال المطلوبة وترتيبها في قائمة حسب الأولوية والأهمية، وتحديد وقت لكلِّ مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار، ثم تقييم ما تَمَّ إنجازه حسب الوقت المخصَّص لكلِّ مهمة ودقة الإنجاز وعمل التعديل اللازم، إلى غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.

    وإذا تصوَّرنا هذه التوجيهات من الناحية العملية، نجد أننا فعلاً نقوم بمثل هذا التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة، فتجد أنك تلقائيًّا وقبل شروعك في إنجاز مهمةٍ ما تفكر ذهنيًّا وبسرعة متى يجب عليك الانطلاق؟ وكيف؟ ومع مَن؟ وأي طريق ستسلك؟ وأثناء الطريق ستفكر: ماذا ستفعل عند وصولك؟ وإلى أين ستذهب بعد ذلك؟

    كل جهاز دعوي على اختلاف مستوياته لا بُدَّ له من الاستفادة من علم التخطيط[52]، مبنيًّا على المنهجية الإسلامية للدراسات المستقبلية بعد دراسة التجارب التي مرَّت بها الدعوة الإسلامية عبر القرون؛ أي: بعد دراسة تاريخ الدعوة.

    منهجية التخطيط لنشر الدعوة قد تكون بحاجة إلى مراجعات وإلى إضافات يفرضها واقع العصر الذي كثرت متغيراته الإعلامية والاقتصادية والتقنية، وما كان بالأمس من الوسائل والطرائق صالحًا قد يكون غير مجدٍ اليومَ؛ فقد تعدَّدت صور الفساد، وأصبح أهل الشر والزيغ يبتكرون في طرائق الترويج لمنكراتهم، بل يقدمون الدراسات التي تعزِّز من إمكاناتهم في التوسُّع والتمدُّد الفكري قبل التمدُّد الجغرافي[53].

    المبحث الأول: تعريف تاريخ الدعوة:
    التاريخ في اللغة:
    التاريخ في اللغة: التوقيت، يقال: أرَّخ لكذا؛ أي: وقَّت له، كما قال في "اللسان"، قال الرازي: "(التاريخ) و(التوريخ)، تعريف الوقت، تقول: أرخ الكتاب بيوم كذا، و(ورخه) بمعنى واحد"[54].
    واصطلاحًا: علم يُبحَث فيه عن الزمان وأحواله، والحوادث وتوقيتها وآثارها.

    يذهب البعض إلى أن التاريخ ليس هو الحوادث؛ وإنما هو تفسير هذه الحوادث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدَّة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان[55].

    تعريف تاريخ الدعوة:
    يُقصَد بتاريخ الدعوة: الوقوف على قصة الإيمان على ظهر الأرض، وتاريخ الصراع بين الحق والباطل[56].
    علم يبحث في مسارات الدعوة وجهود الدعاة والمصلحين، والتيارات الفكرية السائدة في مجتمعٍ ما.

    تاريخ الدعوة يتضمَّن: مسار الدعوة، المنجزات، تقصير الدعاة وتخاذلهم، المناوِئون لدعوة الحق، كيد أعداء الإسلام.

    المبحث الثاني: العلاقة بين تاريخ الدعوة والدراسات المستقبلية:
    وكما أن الدعوة الإسلامية مُطالَبة بدراسة تاريخ الدعوة والتجارب التي مرَّت بها عبر القرون للاستفادة منها بحكمة، فكذلك هي مطالبة أيضًا بالاستفادة بكل ما يُعِينها لتحقيق هدفها[57].

    وله شاهد من السنَّة: عن تميم الداري - رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعزُّ الله به الإسلام، وذلاًّ

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 22 فبراير 2017 - 11:31